تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ - الصفحة 4
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 4 من 7 الأولىالأولى 1234567 الأخيرةالأخيرة
النتائج 61 إلى 80 من 121

الموضوع: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ

  1. #61
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ

    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (60)

    سُورَةُ الْمَائِدَةِ (15)
    صـ 396 إلى صـ 400


    وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّلْبَ الْمَذْكُورَ فِي قَوْلِهِ : أَوْ يُصَلَّبُوا ، اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ، فَقِيلَ : يُصْلَبُ حَيًّا ، وَيُمْنَعُ مِنَ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ حَتَّى يَمُوتَ ، وَقِيلَ : يُصْلَبُ حَيًّا ، ثُمَّ يُقْتَلُ بِرُمْحٍ [ ص: 396 ] وَنَحْوِهِ ، مَصْلُوبًا ، وَقِيلَ : يُقْتَلُ أَوَّلًا ، ثُمَّ يُصْلَبُ بَعْدَ الْقَتْلِ ، وَقِيلَ : يُنْزَلُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَقِيلَ : يَتْرَكُ حَتَّى يَسِيلَ صَدِيدُهُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُصْلَبُ بَعْدَ الْقَتْلِ زَمَنًا يَحْصُلُ فِيهِ اشْتِهَارُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ صَلْبَهُ رَدْعٌ لِغَيْرِهِ .

    وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالنَّفْيِ فِيهِ أَيْضًا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ أَنْ يُطْلَبُوا حَتَّى يُقْدَرَ عَلَيْهِمْ ، فَيُقَامُ عَلَيْهِمُ الْحَدُّ ، أَوْ يَهْرَبُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ .

    وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ أَنْ يُنْفَوْا مِنْ بَلَدِهِمْ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ ، أَوْ يُخْرِجُهُمُ السُّلْطَانُ ، أَوْ نَائِبُهُ ، مِنْ عُمَالَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيّ ُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ ، وَالْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، إِنَّهُمْ يُنْفَوْنَ ، وَلَا يُخْرَجُونَ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ .

    وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ فِي الْآيَةِ السِّجْنُ ، لِأَنَّهُ نَفْيٌ مِنْ سِعَةِ الدُّنْيَا إِلَى ضِيقِ السِّجْنِ ، فَصَارَ الْمَسْجُونُ كَأَنَّهُ مَنْفِيٌّ مِنَ الْأَرْضِ ، إِلَّا مِنْ مَوْضِعِ اسْتِقْرَارِهِ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ بَعْضِ الْمَسْجُونِينَ فِي ذَلِكَ : [ الطَّوِيلُ ]


    خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنْ أَهْلِهَا فَلَسْنَا مِنَ الْأَمْوَاتِ فِيهَا وَلَا الْأَحْيَا
    إِذَا جَاءَنَا السَّجَّانُ يَوْمًا لِحَاجَةٍ عَجِبْنَا وَقُلْنَا جَاءَ هَذَا مِنَ الدُّنْيَا
    وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَلَا يَخْفَى عَدَمُ ظُهُورِهِ .

    وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ ، أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، أَنْ يُخْرَجَ مِنْ بَلَدِهِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ ، فَيُسْجَنَ فِيهِ ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ ; لِأَنَّ التَّغْرِيبَ عَنِ الْأَوْطَانِ نَوْعٌ مِنَ الْعُقُوبَةِ ، كَمَا يُفْعَلُ بِالزَّانِي الْبِكْرِ ، وَهَذَا أَقْرَبُ الْأَقْوَالِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ إِنَّهُ لَا يُرَادُ نَفْيُهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَرْضِ أَوْطَانُهُمُ الَّتِي تَشُقُّ عَلَيْهِمْ مُفَارَقَتُهَا ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
    مَسَائِلُ مِنْ أَحْكَامِ الْمُحَارِبِينَ

    الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ يُثْبِتُونَ حُكْمَ الْمُحَارِبَةِ فِي الْأَمْصَارِ [ ص: 397 ] وَالطُّرُقِ عَلَى السَّوَاءِ ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، حَتَّى قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَغْتَالُ الرَّجُلَ فَيَخْدَعُهُ ، حَتَّى يَدْخِلَهُ بَيْتًا ، فَيَقْتُلَهُ وَيَأْخُذُ مَا مَعَهُ ، إِنَّ هَذِهِ مُحَارَبَةٌ ، وَدَمُهُ إِلَى السُّلْطَانِ ، لَا إِلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ ، فَلَا اعْتِبَارَ بِعَفْوِهِ عَنْهُ فِي إِسْقَاطِ الْقَتْلِ .

    وَقَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ : كُنْتُ أَيَّامَ حُكْمِي بَيْنَ النَّاسِ ، إِذَا جَاءَنِي أَحَدٌ بِسَارِقٍ ، وَقَدْ دَخَلَ الدَّارَ بِسِكِّينٍ يَحْبِسُهُ عَلَى قَلْبِ صَاحِبِ الدَّارِ ، وَهُوَ نَائِمٌ ، وَأَصْحَابُهُ يَأْخُذُونَ مَالَ الرَّجُلِ ، حَكَمْتُ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمُحَارِبِينَ ، وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي ذَلِكَ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا مُحَارَبَةَ إِلَّا فِي الطُّرُقِ ، فَلَا يَكُونُ مُحَارِبًا فِي الْمِصْرِ ; لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ .

    وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ مُحَارِبًا فِي الْمِصْرِ أَيْضًا ، لِعُمُومِ الدَّلِيلِ .

    وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا تَكُونُ الْمُحَارِبَةُ إِلَّا فِي الطُّرُقِ ، وَأَمَّا فِي الْأَمْصَارِ فَلَا ; لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ إِذَا اسْتَغَاثَ ، بِخِلَافِ الطَّرِيقِ لِبُعْدِهِ مِمَّنْ يُغِيثُهُ ، وَيُعِينُهُ .

    قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ : وَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ حُكْمُ الْمُحَارِبَةِ ، إِلَّا إِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ سِلَاحٌ .

    وَمِنْ جُمْلَةِ السِّلَاحِ : الْعِصِيُّ ، وَالْحِجَارَةُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ; لِأَنَّهَا تُتْلَفُ بِهَا الْأَنْفُسُ وَالْأَطْرَافُ كَالسِّلَاحِ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ .

    الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إِذَا كَانَ الْمَالُ الَّذِي أَتْلَفَهُ الْمُحَارِبُ ، أَقَلُّ مِنْ نِصَابِ السَّرِقَةِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ، أَوْ كَانَتِ النَّفْسُ الَّتِي قَتَلَهَا غَيْرَ مُكَافِئَةٍ لَهُ ، كَأَنْ يَقْتُلَ عَبْدًا ، أَوْ كَافِرًا ، وَهُوَ حُرٌّ مُسْلِمٌ ، فَهَلْ يُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنَ النِّصَابِ ؟ وَيُقْتَلُ بِغَيْرِ الْكُفْءِ أَوْ لَا ؟ .

    اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يُقْطَعُ إِلَّا إِذَا أَخَذَ رُبْعَ دِينَارٍ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ ، وَقَالَ مَالِكٌ : يُقْطَعُ وَلَوْ لَمْ يَأْخُذْ نِصَابًا ; لِأَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْمُحَارِبِ .

    قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَهُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ، حَدَّدَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُبُعَ دِينَارٍ لِوُجُوبِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ ، وَلَمْ يُحَدِّدْ فِي قَطْعِ الْحِرَابَةِ شَيْئًا ، ذَكَرَ جَزَاءَ الْمُحَارِبِ ; فَاقْتَضَى ذَلِكَ تَوْفِيَةَ جَزَائِهِمْ عَلَى الْمُحَارَبَةِ عَنْ حَبَّةٍ ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا قِيَاسُ أَصْلٍ عَلَى أَصْلٍ ، [ ص: 398 ] وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَقِيَاسُ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى ، وَذَلِكَ عَكْسُ الْقِيَاسِ ، وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَاسَ الْمُحَارِبُ عَلَى السَّارِقِ ، وَهُوَ يَطْلُبُ خَطْفَ الْمَالِ ؟ فَإِنْ شُعِرَ بِهِ فَرَّ ، حَتَّى إِنَّ السَّارِقَ إِذَا دَخَلَ بِالسِّلَاحِ يَطْلُبُ الْمَالَ ، فَإِنْ مُنِعَ مِنْهُ ، أَوْ صِيحَ عَلَيْهِ حَارَبَ عَلَيْهِ ، فَهُوَ مُحَارِبٌ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْمُحَارِبِينَ . اهـ كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ .

    وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْقَوْلِ ، عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْإِخْرَاجِ مِنْ حِرْزٍ فِيمَا يَأْخُذُهُ الْمُحَارِبُ فِي قَطْعِهِ ، وَأَمَّا قَتْلُ الْمُحَارِبِ بِغَيْرِ الْكُفْءِ ، فَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ ، وَالتَّحْقِيقُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْمُكَافَأَةِ فِي قَتْلِ الْحِرَابَةِ ; لِأَنَّ الْقَتْلَ فِيهَا لَيْسَ عَلَى مُجَرَّدِ الْقَتْلِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْفَسَادِ الْعَامِّ مِنْ إِخَافَةِ السَّبِيلِ ، وَسَلْبِ الْمَالِ .

    قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا ، فَأَمَرَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الْمُحَارِبِ إِذَا جَمَعَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ ، وَهُمَا الْمُحَارَبَةُ ، وَالسَّعْيُ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ ، وَلَمْ يَخُصَّ شَرِيفًا مِنْ وَضِيعٍ ، وَلَا رَفِيعًا مِنْ دَنِيءٍ . اهـ مِنَ الْقُرْطُبِيِّ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ - : وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْمُكَافَأَةِ فِي قَتْلِ الْحِرَابَةِ ، إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ عَفْوَ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ فِي الْحَرَّابَةِ لَغْوٌ لَا أَثَرَ لَهُ ، وَعَلَى الْحَاكِمِ قَتْلُ الْمُحَارِبِ الْقَاتِلِ ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَسْأَلَةُ قِصَاصٍ خَالِصٍ ، بَلْ هُنَاكَ تَغْلِيظٌ زَائِدٌ مِنْ جِهَةِ الْمُحَارَبَةِ .

    الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إِذَا حَمَلَ الْمُحَارِبُونَ عَلَى قَافِلَةٍ مَثَلًا ، فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضَ الْقَافِلَةِ ، وَبَعْضُ الْمُحَارِبِينَ لَمْ يُبَاشِرْ قَتْلَ أَحَدٍ ، فَهَلْ يُقْتَلُ الْجَمِيعُ ، أَوْ لَا يُقْتَلُ إِلَّا مَنْ بَاشَرَ الْقَتْلَ . فِيهِ خِلَافٌ ، وَالتَّحْقِيقُ قَتَلُ الْجَمِيعِ ; لِأَنَّ الْمُحَارَبَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى حُصُولِ الْمَنَعَةِ وَالْمُعَاضَدَة ِ وَالْمُنَاصَرَة ِ ، فَلَا يَتَمَكَّنُ الْمُبَاشِرُ مِنْ فِعْلِهِ ، إِلَّا بِقُوَّةِ الْآخَرِ الَّذِي هُوَ رِدْءٌ لَهُ وَمُعِينٌ عَلَى حِرَابَتِهِ ، وَلَوْ قَتَلَ بَعْضُهُمْ ، وَأَخَذَ بَعْضُهُمُ الْمَالَ جَازَ قَتْلُهُمْ كُلِّهِمْ ، وَصَلْبُهُمْ كُلِّهِمْ ; لِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ فِي كُلِّ ذَلِكَ ، وَخَالَفَ فِي هَذَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ : لَا يَجِبُ الْحَدُّ إِلَّا عَلَى مَنِ ارْتَكَبَ الْمَعْصِيَةَ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَنْ أَعَانَهُ عَلَيْهَا كَسَائِرِ الْحُدُودِ ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ .

    الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إِذَا كَانَ فِي الْمُحَارِبِينَ صَبِيٌّ ، أَوْ مَجْنُونٌ ، أَوْ أَبُ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ ، [ ص: 399 ] فَهَلْ يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ كُلِّهِمْ ؟ وَيَصِيرُ الْقَتْلُ لِلْأَوْلِيَاءِ إِنْ شَاءُوا قَتَلُوا ، وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا نَظَرًا إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْجَمِيعِ وَاحِدٌ ، فَالشُّبْهَةُ فِي فِعْلِ وَاحِدٍ شُبْهَةٌ فِي الْجَمِيعِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَوْ لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ غَيْرِ الْمَذْكُورِ مِنْ صَبِيٍّ ، أَوْ مَجْنُونٍ ، أَوْ أَبٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ .

    الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إِذَا تَابَ الْمُحَارِبُونَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ ; فَتَوْبَتُهُمْ حِينَئِذٍ لَا تُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ إِقَامَةِ الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ عَلَيْهِمْ ، وَأَمَّا إِنْ جَاءُوا تَائِبِينَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ ، فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ سَبِيلٌ ; لِأَنَّهُمْ تَسْقُطُ عَنْهُمْ حُدُودُ اللَّهِ ، وَتَبْقَى عَلَيْهِمْ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ ، فَيُقْتَصُّ مِنْهُمْ فِي الْأَنْفُسِ وَالْجِرَاحِ ، وَيَلْزَمُهُمْ غُرْمُ مَا أَتْلَفُوهُ مِنَ الْأَمْوَالِ ، وَلِوَلِيِّ الدَّمِ حِينَئِذٍ الْعَفْوُ إِنْ شَاءَ ، وَلِصَاحِبِ الْمَالِ إِسْقَاطُهُ عَنْهُمْ .

    وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى سُقُوطِ حُدُودِ اللَّهِ عَنْهُمْ بِتَوْبَتِهِمْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعَالَى : إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ الْآيَةَ [ 5 \ 34 ] ، وَإِنَّمَا لَزِمَ أَخْذُ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْأَمْوَالِ ، وَتَضْمِينُهُمْ مَا اسْتَهْلَكُوا ; لِأَنَّ ذَلِكَ غَصْبٌ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ تَمُلُّكُهُ ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ : لَا يُطْلَبُ الْمُحَارِبُ الَّذِي جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ إِلَّا بِمَا وُجِدَ مَعَهُ مِنَ الْمَالِ ، وَأَمَّا مَا اسْتَهْلَكَهُ ، فَلَا يُطْلَبُ بِهِ ، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ هَذَا عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْهُ .

    قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ فِعْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِحَارِثَةَ بْنِ بَدْرٍ الْغُدَانِيُّ ، فَإِنَّهُ كَانَ مُحَارِبًا ، ثُمَّ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، فَكَتَبَ لَهُ سُقُوطَ الْأَمْوَالِ وَالدَّمِ عَنْهُ كِتَابًا مَنْشُورًا ، وَنَحْوَهُ ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .

    قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِنْدَادَ : وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُحَارِبِ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ ، هَلْ يُتْبَعُ دَيْنًا بِمَا أَخَذَ ؟ أَوْ يُسْقَطُ عَنْهُ ، كَمَا يُسْقَطُ عَنِ السَّارِقِ ، يَعْنِي عِنْدَ مَالِكٍ ، وَالْمُسْلِمُ ، وَالذِّمِّيُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [ 5 \ 32 ] ، اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : مَعْنَاهَا أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا ، أَوْ إِمَامَ عَدْلٍ ، فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ، وَمَنْ أَحْيَاهُ ، بِأَنْ شَدَّ عَضُدَهُ وَنَصَرَهُ ، فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ، نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُمَا ، وَلَا يَخْفَى بُعْدَهُ عَنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ .

    [ ص: 400 ] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : الْمَعْنَى ، أَنَّ مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَةَ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ بِقَتْلِهَا ، فَهُوَ كَمَنْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ; لِأَنَّ انْتِهَاكَ حُرْمَةَ الْأَنْفُسِ ، سَوَاءٌ فِي الْحُرْمَةِ وَالْإِثْمِ ، وَمَنْ تَرَكَ قَتْلَ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَاسْتَحْيَاهَا خَوْفًا مِنَ اللَّهِ ، فَهُوَ كَمَنْ أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ، لِاسْتِوَاءِ الْأَنْفُسِ فِي ذَلِكَ .

    وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ، أَيْ عِنْدِ الْمَقْتُولِ إِذْ لَا غَرَضَ لَهُ فِي حَيَاةِ أَحَدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ هُوَ ، وَمَنْ أَحْيَاهَا وَاسْتَنْقَذَهَ ا مِنْ هَلَكَةٍ ، فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا عِنْدَ الْمُسْتَنْقَذِ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يَقْتُلُ النَّفْسَ الْمُؤْمِنَةَ مُتَعَمِّدًا جَعَلَ اللَّهُ جَزَاءَهُ جَهَنَّمَ ، وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ، وَلَوْ قَتْلَ النَّاسَ جَمِيعًا لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ، وَمَنْ لَمْ يَقْتُلْ فَقَدْ حَيِيَ النَّاسُ مِنْهُ .

    وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا يَلْزَمُهُ مِنَ الْقِصَاصِ مَا يَلْزَمُ مَنْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ، قَالَ : وَمَنْ أَحْيَاهَا ، أَيْ عَفَا عَمَّنْ وَجَبَ لَهُ قَتْلُهُ ، وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا : هُوَ الْعَفْوُ بَعْدَ الْمَقْدِرَةِ ، وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَا فَالْمُؤْمِنُون َ كُلُّهُمْ خُصَمَاؤُهُ ، لِأَنَّهُ قَدْ وَتَرَ الْجَمِيعَ ، وَمَنْ أَحْيَاهَا وَجَبَ عَلَى الْكُلِّ شُكْرُهُ ، وَقِيلَ : كَانَ هَذَا مُخْتَصًّا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّ مَنِ اسْتَحَلَّ قَتْلَ وَاحِدٍ ، فَقَدِ اسْتَحَلَّ الْجَمِيعَ ; لِأَنَّهُ أَنْكَرَ الشَّرْعَ ، وَمَنْ حَرَّمَ دَمَ مُسْلِمٍ ، فَكَأَنَّمَا حَرَّمَ دِمَاءَ النَّاسِ جَمِيعًا ، ذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْقُرْطُبِيُّ ، وَابْنُ كَثِيرٍ ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُمْ ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ كَثِيرٍ هَذَا الْقَوْلَ الْأَخِيرَ ، وَعَزَاهُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .

    وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَمَنْ أَحْيَاهَا ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَنْ حَرَّمَ قَتْلَهَا إِلَّا بِحَقٍّ حَيِيَ النَّاسُ مِنْهُ جَمِيعًا .

    وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِحْيَاؤُهُ عِبَارَةٌ عَنِ التَّرْكِ ، وَالْإِنْقَاذِ مِنْ هَلَكَةٍ ، وَإِلَّا فَالْإِحْيَاءُ حَقِيقَةً الَّذِي هُوَ الِاخْتِرَاعُ ، إِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا الْإِحْيَاءُ ، كَقَوْلِ نَمْرُودَ لَعَنَهُ اللَّهُ : أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [ 2 \ 258 ] ، فَسَمَّى التَّرْكَ إِحْيَاءً .

    وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ ، قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا الْآيَةَ ، اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ، فَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي الْحَرُورِيَّةِ .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #62
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (61)

    سُورَةُ الْمَائِدَةِ (16)
    صـ 401 إلى صـ 405


    [ ص: 401 ] وأشهر الأقوال هو ما تضافرت به الروايات في الصحاح ، وغيرها ، أنها نزلت في قوم " عرينة " ، و " عكل " الذين قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاجتووا المدينة ، فأمر لهم - صلى الله عليه وسلم - بلقاح ، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها ، وألبانها ، فانطلقوا ، فلما صحوا وسمنوا ، قتلوا راعي النبي - صلى الله عليه وسلم - واستاقوا اللقاح ، فبلغه - صلى الله عليه وسلم - خبرهم ، فأرسل في أثرهم سرية فجاءوا بهم ، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم ، وسملت أعينهم ، وألقوا في الحرة يستسقون ، فلا يسقون حتى ماتوا .

    وعلى هذا القول ، فهي نازلة في قوم سرقوا ، وقتلوا ، وكفروا بعد إيمانهم ، هذه هي أقوال العلماء في سبب نزولها ، والذي يدل عليه ظاهر القرآن أنها في قطاع الطريق من المسلمين ، كما قاله جماعة من الفقهاء بدليل قوله تعالى : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم الآية ، فإنها ليست في الكافرين قطعا ; لأن الكافر تقبل توبته بعد القدرة عليه ، كما تقبل قبلها إجماعا ; لقوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف [ 8 \ 38 ] ، وليست في المرتدين ; لأن المرتد يقتل بردته وكفره ، ولا يقطع لقوله - صلى الله عليه وسلم - عاطفا على ما يوجب القتل : " والتارك لدينه المفارق للجماعة " ، وقوله : " من بدل دينه فاقتلوه " ، فيتعين أنها في المحاربين من المسلمين ، فإن قيل : وهل يصح أن يطلق على المسلم أنه محارب لله ورسوله ؟ فالجواب : نعم .

    والدليل قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله [ 2 \ 278 ، 279 ] .

    تنبيه

    استشكل بعض العلماء تمثيله - صلى الله عليه وسلم - بالعرنيين ; لأنه سمل أعينهم مع قطع الأيدي والأرجل ، مع أن المرتد يقتل ولا يمثل به .

    واختلف في الجواب ، فقيل فيه ما حكاه الطبري عن بعض أهل العلم : أن هذه الآية نسخت فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بهم ، وقال محمد بن سيرين : كان ذلك قبل نزول الحدود ، وقال أبو الزناد : إن هذه الآية معاتبة له - صلى الله عليه وسلم - على ما فعل بهم ، وبعد العتاب على ذلك لم يعد ، قاله أبو داود .

    والتحقيق في الجواب هو أنه - صلى الله عليه وسلم - فعل بهم ذلك قصاصا ، وقد ثبت في صحيح [ ص: 402 ] مسلم وغيره أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما سمل أعينهم قصاصا ; لأنهم سملوا أعين رعاة اللقاح ، وعقده البدوي الشنقيطي في " مغازيه " بقوله : [ الرجز ]


    وبعدها انتهبها الألى انتهوا لغاية الجهد وطيبة اجتووا فخرجوا فشربوا ألبانها
    ونبذوا إذ سمنوا أمانها فاقتص منهم النبي أن مثلوا
    بعبده ومقلتيه سملوا


    واعترض على الناظم شارح النظم حماد لفظة " بعبده " ; لأن الثابت أنهم مثلوا بالرعاء ، والعلم عند الله تعالى .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ الْآيَةَ .

    اعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَسِيلَةِ هُنَا هُوَ الْقُرْبَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ ، وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ عَلَى وَفْقِ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِخْلَاصٍ فِي ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّ هَذَا وَحْدَهُ هُوَ الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى رِضَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَنَيْلِ مَا عِنْدَهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .

    وَأَصْلُ الْوَسِيلَةِ : الطَّرِيقُ الَّتِي تُقَرِّبُ إِلَى الشَّيْءِ ، وَتُوَصِّلُ إِلَيْهِ وَهِيَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُ لَا وَسِيلَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا بِاتِّبَاعِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى هَذَا فَالْآيَاتُ الْمُبَيِّنَةُ لِلْمُرَادِ مِنَ الْوَسِيلَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ 59 \ 7 ] ، وَكَقَوْلِهِ : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [ \ 31 ] ، وَقَوْلِهِ : قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [ 24 \ 54 ] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ .

    وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَسِيلَةِ الْحَاجَةُ ، وَلَمَّا سَأَلَهُ نَافِعٌ الْأَزْرَقُ هَلْ تَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ ؟ أَنْشَدَ لَهُ بَيْتَ عَنْتَرَةَ : [ الْكَامِلُ ]


    إِنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إِلَيْكِ وَسِيلَةٌ إِنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وَتَخَضَّبِي


    قَالَ : يَعْنِي لَهُمْ إِلَيْكِ حَاجَةٌ ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَالْمَعْنَى : وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [ 5 \ 35 ] ، وَاطْلُبُوا حَاجَتَكُمْ مِنَ اللَّهِ ; لِأَنَّهُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهَا ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ مَعْنَى هَذَا الْوَجْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ الْآيَةَ [ 29 \ 17 ] ، وَقَوْلُهُ : وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ الْآيَةَ [ 4 \ 32 ] ، وَفِي الْحَدِيثِ : " إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ " .

    [ ص: 403 ] قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ - : التَّحْقِيقُ فِي مَعْنَى الْوَسِيلَةِ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عَامَّةَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّهَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِخْلَاصِ لَهُ فِي الْعِبَادَةِ ، عَلَى وَفْقِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ دَاخِلٌ فِي هَذَا ; لِأَنَّ دُعَاءَ اللَّهِ وَالِابْتِهَالَ إِلَيْهِ فِي طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ عِبَادَتِهِ الَّتِي هِيَ الْوَسِيلَةُ إِلَى نَيْلِ رِضَاهُ وَرَحْمَتِهِ .

    وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ تَعْلَمُ أَنَّ مَا يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنْ مَلَاحِدَةِ أَتْبَاعِ الْجُهَّالِ الْمُدَّعِينَ لِلتَّصَوُّفِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَسِيلَةِ فِي الْآيَةِ الشَّيْخُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ ، أَنَّهُ تَخَبُّطٌ فِي الْجَهْلِ وَالْعَمَى وَضَلَالٌ مُبِينٌ وَتَلَاعُبٌ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَاتِّخَاذُ الْوَسَائِطِ مَنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ أَصُولِ كُفْرِ الْكَفَّارِ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ عَنْهُمْ : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [ 39 \ 3 ] ، وَقَوْلِهِ : وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [ 10 \ 18 ] ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الطَّرِيقَ الْمُوَصِّلَةَ إِلَى رِضَى اللَّهِ وَجَنَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ هِيَ اتِّبَاعُ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ حَادَ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ، لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُم ْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ الْآيَةَ [ 4 \ 123 ] .

    وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَسِيلَةَ فِي بَيْتِ عَنْتَرَةَ مَعْنَاهَا التَّقَرُّبُ أَيْضًا إِلَى الْمَحْبُوبِ ; لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِنَيْلِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ ، وَلِذَا أَنْشَدَ بَيْتَ عَنْتَرَةَ الْمَذْكُورَ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَالْقُرْطُبِيّ ُ وَغَيْرُهُمَا لِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا ، وَجَمْعُ الْوَسِيلَةِ : الْوَسَائِلُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : [ الطَّوِيلُ ]


    إِذَا غَفَلَ الْوَاشُونَ عُدْنَا لِوَصْلِنَا وَعَادَ التَّصَافِي بَيْنَنَا وَالْوَسَائِلُ


    وَهَذَا الَّذِي فَسَّرْنَا بِهِ الْوَسِيلَةَ هُنَا هُوَ مَعْنَاهَا أَيْضًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ الْآيَةَ [ 17 \ 57 ] ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْوَسِيلَةِ أَيْضًا الْمَنْزِلَةَ الَّتِي فِي الْجَنَّةِ الَّتِي أَمَرَنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْأَلَ لَهُ اللَّهَ أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهَا ، نَرْجُو اللَّهَ أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهَا ; لِأَنَّهَا لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ ، وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ هُوَ .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إِجْمَالٌ ; لِأَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ هَذَا ، مُفَسِّرٌ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ : فَخُذُوهُ ، وَقَوْلُهُ : لَمْ تُؤْتَوْهُ ، لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ فِي الْآيَةِ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَشَارَ لَهُ هُنَا ، وَذَكَرَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ .

    [ ص: 404 ] اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِيِّ وَالْيَهُودِيَّ ةِ الَّذِينَ زَنَيَا بَعْدَ الْإِحْصَانِ ، وَكَانَ الْيَهُودُ قَدْ بَدَّلُوا حُكْمَ الرَّجْمِ فِي التَّوْرَاةِ ، فَتَعَمَّدُوا تَحْرِيفَ كِتَابِ اللَّهِ ، وَاصْطَلَحُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى أَنَّ الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ الَّذِي يَعْلَمُونَ أَنَّ حَدَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، التَّوْرَاةِ : الرَّجْمُ ، أَنَّهُمْ يَجْلِدُونَهُ وَيَفْضَحُونَهُ بِتَسْوِيدِ الْوَجْهِ ، وَالْإِرْكَابِ عَلَى حِمَارٍ ، فَلَمَّا زَنَى الْمَذْكُورَانِ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ تَعَالَوْا نَتَحَاكَمُ إِلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَأْنِ حَدِّهِمَا ، فَإِنْ حَكَمَ بِالْجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ فَخُذُوا عَنْهُ ذَلِكَ وَاجْعَلُوهُ حُجَّةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَكُونُ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ قَدْ حَكَمَ فِيهِمَا بِذَلِكَ ، وَإِنْ حَكَمَ بِالرَّجْمِ فَلَا تَتَّبِعُوهُ ، فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : هَذَا ، وَقَوْلِهِ : فَخُذُوهُ ، وَقَوْلِهِ : وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ ، هُوَ الْحُكْمُ الْمُحَرَّفُ الَّذِي هُوَ الْجَلْدُ وَالتَّحْمِيمُ كَمَا بَيَّنَّا ، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ هُنَا بِقَوْلِهِ : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا يَعْنِي الْمُحَرَّفَ وَالْمُبَدَّلَ الَّذِي هُوَ الْجَلْدُ وَالتَّحْمِيمُ فَخُذُوهُ ، وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ بِأَنْ حَكَمَ بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ الرَّجْمُ فَاحْذَرُوا أَنْ تَقْبَلُوهُ .

    وَذَكَرَ تَعَالَى هَذَا أَيْضًا فِي قَوْلِهِ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ [ 3 \ 23 ] ، يَعْنِي التَّوْرَاةَ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ، يَعْنِي فِي شَأْنِ الزَّانِيَيْنِ الْمَذْكُورَيْن ِ ، ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ، أَيْ عَمَّا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ حُكْمِ رَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ ، وَقَوْلُهُ هُنَا : ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ، هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَنْهُمْ : وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ الْآيَةَ .

    أَخْبَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ اسْتَحْفَظُوا كِتَابَ اللَّهِ يَعْنِي اسْتَوْدَعُوهُ ، وَطَلَبَ مِنْهُمْ حِفْظَهُ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَا هَلِ امْتَثَلُوا الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ وَحَفِظُوهُ ، أَوْ لَمْ يَمْتَثِلُوا الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ وَضَيَّعُوهُ ؟ وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَمْتَثِلُوا الْأَمْرَ ، وَلَمْ يَحْفَظُوا مَا اسْتُحْفِظُوهُ ، بَلْ حَرَّفُوهُ وَبَدَّلُوهُ عَمْدًا كَقَوْلِهِ : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ . الْآيَةَ [ 4 \ 46 ] .

    وَقَوْلِهِ : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ، وَقَوْلِهِ : تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا [ 6 \ 91 ] ، وَقَوْلِهِ : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْآيَةَ [ 2 \ 79 ] ، وَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ الْآيَةَ [ 3 \ 78 ] ، [ ص: 405 ] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ .

    تَنْبِيهٌ

    إِنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ ؟ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَلَامُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولٍ مِنْ رُسُلِهِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ - وَالتَّوْرَاةُ حُرِّفَتْ ، وَبُدِّلَتْ كَمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا ، وَالْقُرْآنُ مَحْفُوظٌ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ ، لَوْ حَرَّفَ مِنْهُ أَحَدٌ حَرْفًا وَاحِدًا فَأَبْدَلَهُ بِغَيْرِهِ ، أَوْ زَادَ فِيهِ حَرْفًا أَوْ نَقَصَ فِيهِ آخَرَ لَرَدَّ عَلَيْهِ آلَافُ الْأَطْفَالِ مِنْ صِغَارِ الْمُسْلِمِينَ فَضْلًا عَنْ كِبَارِهِمْ .

    فَالْجَوَابُ أَنَّ اللَّهَ اسْتَحْفَظَهُمُ التَّوْرَاةَ ، وَاسْتَوْدَعَهُ مْ إِيَّاهَا ، فَخَانُوا الْأَمَانَةَ وَلَمْ يَحْفَظُوهَا ، بَلْ ضَيَّعُوهَا عَمْدًا ، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ لَمْ يَكِلِ اللَّهُ حِفْظَهُ إِلَى أَحَدٍ حَتَّى يُمْكِنَهُ تَضْيِيعُهُ ، بَلْ تَوَلَّى حِفْظَهُ جَلَّ وَعَلَا بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ الْمُقَدَّسَةِ ، كَمَا أَوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ 15 \ 9 ] ، وَقَوْلِهِ : لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ الْآيَةَ [ 41 \ 42 ] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ ، وَ " الْبَاءُ " فِي قَوْلِهِ : بِمَا اسْتُحْفِظُوا [ 5 \ 44 ] ، مُتَعَلِّقَةٌ بِالرُّهْبَانِ وَالْأَحْبَارِ ; لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا صَارُوا فِي تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ بِسَبَبِ مَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ .

    وَقِيلَ : مُتَعَلِّقَةٌ بِيَحْكُمُ . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : هَلْ هِيَ فِي الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ فِي الْكُفَّارِ ؟ ، فَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهَا فِي الْمُسْلِمِينَ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا فِي الْيَهُودِ ، وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ أَيْضًا أَنَّهَا فِي الْمُسْلِمِينَ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكُفْرِ فِيهَا كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْكُفْرَ الْمُخْرِجَ مِنَ الْمِلَّةِ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ الْكُفْرَ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ ، رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ، قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ .

    قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فِي الْيَهُودِ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ فِيمَا قَبْلَهَا أَنَّهُمْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا ، يَعْنِي الْحُكْمَ الْمُحَرَّفَ الَّذِي هُوَ غَيْرُ حُكْمِ اللَّهِ فَخُذُوهُ ، وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ أَيِ الْمُحَرَّفَ ، بَلْ أُوتِيتُمْ حُكْمَ اللَّهِ الْحَقَّ فَاحْذَرُوا ، فَهُمْ يَأْمُرُونَ بِالْحَذَرِ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُونَ أَنَّهُ حَقٌّ .





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #63
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (62)

    سُورَةُ الْمَائِدَةِ (17)
    صـ 406 إلى صـ 410


    [ ص: 406 ] وَقَدْ قَالَ تَعَالَى بَعْدَهَا وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ الْآيَةَ [ 5 \ 45 ] ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِيهِمْ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّ الْآيَةَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو مِجْلَزٍ ، وَأَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، وَزَادَ الْحَسَنُ ، وَهِيَ عَلَيْنَا وَاجِبَةٌ ، نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَنَقَلَ نَحْوَ قَوْلِ الْحَسَنِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ .

    وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وَ الظَّالِمُونَ وَ الْفَاسِقُونَ [ 5 \ 44 ، 45 ، 47 ] ، نَزَلَتْ كُلُّهَا فِي الْكُفَّارِ ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ، وَعَلَى هَذَا الْمُعْظَمِ ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَا يَكْفُرُ وَإِنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً ، وَقِيلَ فِيهِ إِضْمَارٌ ، أَيْ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ، رَدًّا لِلْقُرْآنِ وَجَحْدًا لِقَوْلِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ كَافِرٌ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ .

    فَالْآيَةُ عَامَّةٌ عَلَى هَذَا ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَالْحَسَنُ : هِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْيَهُودِ ، وَالْكُفَّارِ ، أَيْ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ وَمُسْتَحِلًّا لَهُ .

    فَأَمَّا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، وَهُوَ مُعْتَقِدٌ أَنَّهُ مُرْتَكِبُ مُحَرَّمٍ فَهُوَ مِنْ فُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ .

    وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَقَدْ فَعَلَ فِعْلًا يُضَاهِي أَفْعَالَ الْكُفَّارِ ، وَقِيلَ : أَيْ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِجَمِيعِ مَا أَنْزَلَ فَهُوَ كَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ حَكَمَ بِالتَّوْحِيدِ ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِبَعْضِ الشَّرَائِعِ فَلَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ إِلَّا أَنَّ الشَّعْبِيَّ قَالَ : هِيَ فِي الْيَهُودِ خَاصَّةً ، وَاخْتَارَهُ النَّحَّاسُ ، قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ :

    مِنْهَا أَنَّ الْيَهُودَ ذَكَرُوا قَبْلَ هَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لِلَّذِينَ هَادُوا [ 5 \ 44 ] فَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ .

    وَمِنْهَا أَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْدَهُ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ، فَهَذَا الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ بِإِجْمَاعٍ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْيَهُودَ هُمُ الَّذِينَ أَنْكَرُوا الرَّجْمَ وَالْقِصَاصَ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ " مَنْ " إِذَا كَانَتْ لِلْمُجَازَاةِ فَهِيَ عَامَّةٌ إِلَّا أَنْ يَقَعَ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِهَا ، قِيلَ لَهُ : " مَنْ " هُنَا بِمَعْنَى الَّذِي ، مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَالتَّقْرِيرِ ; وَالْيَهُودُ الَّذِينَ لَمْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ، فَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي هَذَا .

    [ ص: 407 ] وَيُرْوَى أَنَّ حُذَيْفَةَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَاتِ ، أَهِيَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَقَالَ : نَعَمْ هِيَ فِيهِمْ ، وَلَتَسْلُكُنَّ سَبِيلَهُمْ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ ، وَقِيلَ : الْكَافِرُونَ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَالظَّالِمُونَ لِلْيَهُودِ ، وَالْفَاسِقُونَ لِلنَّصَارَى ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ ، قَالَهُ : لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْآيَاتِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَابْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَالشَّعْبِيِّ أَيْضًا قَالَ طَاوُسٌ وَغَيْرُهُ : لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ ، وَلَكِنَّهُ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ .

    وَهَذَا يَخْتَلِفُ إِنْ حَكَمَ بِمَا عِنْدَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَهُوَ تَبْدِيلٌ لَهُ يُوجِبُ الْكُفْرَ ، وَإِنْ حَكَمَ بِهِ هَوًى وَمَعْصِيَةً فَهُوَ ذَنْبٌ تُدْرِكُهُ الْمَغْفِرَةُ عَلَى أَصْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْغُفْرَانِ لِلْمُذْنِبِينَ ، قَالَ الْقُشَيْرِيُّ : وَمَذْهَبُ الْخَوَارِجِ أَنَّ مَنِ ارْتَشَى ، وَحَكَمَ بِحُكْمِ غَيْرِ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَعَزَا هَذَا إِلَى الْحَسَنِ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا : أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْحُكَّامِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ : أَلَّا يَتَّبِعُوا الْهَوَى ، وَأَلَّا يَخْشَوُا النَّاسَ وَيَخْشَوْهُ ، وَأَلَّا يَشْتَرُوا بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ، انْتَهَى كَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ - : الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ سِيَاقِ الْآيَاتِ أَنَّ آيَةَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ، نَازِلَةٌ فِي الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ قَبْلَهَا مُخَاطِبًا لِمُسْلِمِي هَذِهِ الْأُمَّةِ : فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ، ثُمَّ قَالَ : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ، فَالْخِطَابُ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مُتَبَادِرٌ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ ، وَعَلَيْهِ فَالْكُفْرُ إِمَّا كُفْرٌ دُونَ كَفْرٍ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَحِلًّا لَهُ ، أَوْ قَاصِدًا بِهِ جَحْدَ أَحْكَامِ اللَّهِ وَرَدِّهَا مَعَ الْعِلْمِ بِهَا .

    أَمَّا مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ مُرْتَكِبٌ ذَنْبًا ، فَاعِلٌ قَبِيحًا ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْهَوَى فَهُوَ مِنْ سَائِرِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَسِيَاقُ الْقُرْآنِ ظَاهِرٌ أَيْضًا فِي أَنَّ آيَةَ : فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، فِي الْيَهُودِ ; لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَهَا : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ .

    فَالْخِطَابُ لَهُمْ لِوُضُوحِ دَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ كَمَا أَنَّهُ ظَاهِرٌ أَيْضًا فِي أَنَّ آيَةَ : فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ فِي النَّصَارَى ; لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَهَا : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ .

    وَاعْلَمْ أَنَّ تَحْرِيرَ الْمَقَامِ فِي هَذَا الْبَحْثِ أَنَّ الْكُفْرَ ، وَالظُّلْمَ ، وَالْفِسْقَ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا [ ص: 408 ] رُبَّمَا أُطْلِقَ فِي الشَّرْعِ مُرَادًا بِهِ الْمَعْصِيَةُ تَارَةً ، وَالْكُفْرَ الْمُخْرِجَ مِنَ الْمِلَّةِ أُخْرَى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ، مُعَارَضَةً لِلرُّسُلِ وَإِبْطَالًا لِأَحْكَامِ اللَّهِ ، فَظُلْمُهُ وَفِسْقُهُ وَكُفْرُهُ كُلُّهَا كُفْرٌ مُخْرِجٌ عَنِ الْمِلَّةِ ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مُرْتَكِبٌ حَرَامًا فَاعِلٌ قَبِيحًا فَكُفْرُهُ وَظُلْمُهُ وَفِسْقُهُ غَيْرُ مُخْرِجٍ عَنِ الْمِلَّةِ ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُولَى فِي الْمُسْلِمِينَ ، وَالثَّانِيَةَ فِي الْيَهُودِ ، وَالثَّالِثَةَ فِي النَّصَارَى ، وَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ الْأَلْفَاظِ لَا بِخُصُوصِ الْأَسْبَابِ ، وَتَحْقِيقُ أَحْكَامِ الْكُلِّ هُوَ مَا رَأَيْتَ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ الْآيَةَ ، قَدْ قَدَّمْنَا احْتِجَاجَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ ، وَنَفْسُ الْآيَةِ فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ الْآيَةَ .

    وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مِنَ الْمُتَصَدِّقِي نَ الَّذِينَ تَكُونُ صَدَقَتُهُمْ كَفَّارَةٌ لَهُمْ ; لِأَنَّ الْكُفْرَ سَيِّئَةٌ لَا تَنْفَعُ مَعَهَا حَسَنَةٌ ، نَبَّهَ عَلَى هَذَا إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ " ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي " فَتْحِ الْبَارِي " ، وَمَا ذَكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي مِنْ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ دُخُولِ الْعَبْدِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِجُرْحِهِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لِسَيِّدِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ; لِأَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ الْأُمُورَ الْمُتَعَلِّقَة َ بِبَدَنِ الْعَبْدِ ، كَالْقِصَاصِ لَهُ الْعَفْوُ فِيهَا دُونَ سَيِّدِهِ ، وَعَلَيْهِ فَلَا مَانِعَ مَنْ تَصْدُّقِهِ بِجُرْحِهِ ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنْ مَعْنَى فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ، أَنَّ التَّصَدُّقَ بِالْجِنَايَةِ كَفَّارَةٌ لِلْجَانِي ، لَا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، فَلَا مَانِعَ أَيْضًا مِنَ الِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ بِالْآيَةِ ; لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَذْكُرُ عَنِ الْكَافِرِ أَنَّهُ مُتَصَدِّقٌ ; لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا صَدَقَةَ لَهُ لِكُفْرِهِ ، وَمَا هُوَ بَاطِلٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لَا يَذْكُرُهُ اللَّهُ تَعَالَى ، فِي مَعْرِضِ التَّقْرِيرِ وَالْإِثْبَاتِ ، مَعَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ ضَعِيفٌ فِي مَعْنَى الْآيَةِ .

    وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ : عَلَى أَنَّ مَعْنَاهَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لِلْمُتَصَدِّقِ ، وَهُوَ أَظْهَرُ ; لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ عَائِدٌ إِلَى مَذْكُورٍ ، وَذَلِكَ فِي الْمُؤْمِنِ قَطْعًا دُونَ الْكَافِرِ ، فَالِاسْتِدْلَا لُ بِالْآيَةِ ظَاهِرٌ جِدًّا .

    تَنْبِيهٌ

    احْتَجَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ ; لِأَنَّهُمَا لَوْ قُتِلَا بِهِ لَخَرَجَ عَنْ قَوْلِهِ : أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ; لِكَوْنِهِمَا نَفْسَيْنِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ .

    [ ص: 409 ] وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا مُتَمَسِّكًا بِهَذَا الدَّلِيلِ ابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ ، وَرَبِيعَةُ ، وَدَاوُدُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالزُّهْرِيِّ أَنَّهُ يُقْتَلُ مِنْهُمْ وَاحِدٌ ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْبَاقِينَ حِصَصُهُمْ مِنَ الدِّيَةِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُكَافِئٌ لَهُ ، فَلَا تُسْتَوْفَى أَبْدَالٌ بِمُبْدَلٍ وَاحِدٍ ، كَمَا لَا تَجِبُ دِيَاتٌ لِمَقْتُولٍ وَاحِدٍ ، كَمَا نَقَلَهُ عَمَّنْ ذَكَرْنَا ابْنُ قُدَامَةَ فِي " الْمُغْنِي " .

    وَقَالُوا مُقْتَضَى قَوْلِهِ تَعَالَى : الْحُرُّ بِالْحُرِّ [ 2 \ 178 ] ، وَقَوْلِهِ : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ، أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِالنَّفْسِ أَكْثَرُ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ، قَالُوا : وَلِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْأَوْصَافِ يَمْنَعُ الْقِصَاصَ ، بِدَلِيلِ عَدَمِ قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ ، وَالتَّفَاوُتَ فِي الْعَدَدِ أَوْلَى .

    وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا حُجَّةَ مَعَ مَنْ أَوْجَبَ قَتَلَ جَمَاعَةٍ بِوَاحِدٍ ، وَعَدَمِ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ .

    وَالرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ : أَنَّهُ يُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَتَلَ سَبْعَةً بِوَاحِدٍ ، وَقَالَ : لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ جَمِيعًا ، وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ تَوَقَّفَ عَنْ قِتَالِ الْحَرُورِيَّةِ حَتَّى يُحْدِثُوا ، فَلَمَّا ذَبَحُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ ، كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ ، وَأُخْبِرَ عَلِيٌّ بِذَلِكَ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ نَادُوهُمْ أَنْ أَخْرِجُوا إِلَيْنَا قَاتِلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خِبَّابٍ ، فَقَالُوا : كُلُّنَا قَتَلَهُ ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَصْحَابِهِ : دُونَكُمُ الْقَوْمَ ، فَمَا لَبِثَ أَنْ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ ، نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الدَّارَقُطْنِي ِّ فِي " سُنَنِهِ " .

    وَيَزِيدُ قَتْلَ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ ، وَأَهْلَ الْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ " . قَالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، نَقَلَهُ عَنْهُ الْقُرْطُبِيُّ .

    وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي " السُّنَنِ الْكُبْرَى " نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ، وَزَادَ : " إِلَّا أَنْ يَشَاءَ " ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ " .

    وَرُوِيَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنُ ، [ ص: 410 ] وَأَبُو سَلَمَةَ ، وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِي ُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي : أَنَّ الْجَمَاعَةَ تُقْتَلُ بِالْوَاحِدِ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَيْضًا ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ ، فَصَارَ إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا ، وَاعْتَرَضَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ ثَبَتَ عَنْهُ عَدَمُ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .

    وَإِذَنْ فَالْخِلَافُ وَاقِعٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ، وَالْمُقَرَّرُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الصَّحَابَةَ إِذَا اخْتَلَفُوا ، لَمْ يَجُزِ الْعَمَلُ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إِلَّا بِتَرْجِيحٍ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ - : وَيَتَرَجَّحُ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ الَّذِي هُوَ قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ ، بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [ 2 \ 179 ] ، يَعْنِي أَنَّ مَنْ عُلِمَ أَنَّهُ يُقْتَلُ إِذَا قَتَلَ يَكُونُ ذَلِكَ رَادِعًا لَهُ وَزَاجِرًا عَنِ الْقَتْلِ ، وَلَوْ كَانَ الِاثْنَانِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُمَا لِلْوَاحِدِ ، لَكَانَ كُلُّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا ، أَخَذَ وَاحِدًا مِنْ أَعْوَانِهِ فَقَتَلَهُ مَعَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ رَادِعٌ عَنِ الْقَتْلِ ; وَبِذَلِكَ تَضِيعُ حِكْمَةُ الْقِصَاصِ مِنْ أَصْلِهَا ، مَعَ أَنَّ الْمُتَمَالِئِي نَ عَلَى الْقَتْلِ يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَاتِلٌ ، فَيُقْتَلُ ، وَيَدُلُّ لَهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَوْ قَذَفُوا وَاحِدًا لَوَجَبَ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى جَمِيعِهِمْ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي أَمَرَ أَهْلَ الْإِنْجِيلِ بِالْحُكْمِ بِهِ ، وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّ مِنْ ذَلِكَ الْبِشَارَةَ بِمَبْعَثِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوُجُوبِ اتِّبَاعِهِ ، وَالْإِيمَانِ بِهِ كَقَوْلِهِ : وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ 61 \ 6 ] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ الْآيَةَ [ 7 \ 157 ] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #64
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (63)

    سُورَةُ الْمَائِدَةِ (18)
    صـ 411 إلى صـ 415


    لَطِيفَةٌ لَهَا مُنَاسَبَةٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ نَصْرَانِيًّا قَالَ لِعَالِمٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ : نَاظِرْنِي فِي الْإِسْلَامِ وَالْمَسِيحِيَّ ةِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ الْعَالِمُ لِلنَّصْرَانِيّ ِ : هَلُمَّ إِلَى الْمُنَاظَرَةِ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ : الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ أَمِ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ ؟ فَقَالَ الْعَالِمُ : الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ : إِذَنْ يَلْزَمُكُمُ اتِّبَاعُ عِيسَى مَعَنَا ، وَتَرْكُ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ نَتَّفِقُ عَلَى نُبُوَّةِ عِيسَى ، وَنُخَالِفُكُمْ فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَالَ الْمُسْلِمُ : أَنْتُمُ الَّذِينَ تَمْتَنِعُونَ مِنْ [ ص: 411 ] اتِّبَاعِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ عِيسَى قَالَ لَكُمْ : وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ، فَلَوْ كُنْتُمْ مُتَّبِعِينَ عِيسَى حَقًّا لَاتَّبَعْتُمْ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَظَهَرَ أَنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ لَمْ تَتَّبِعُوا الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ وَلَا غَيْرَهُ ، فَانْقَطَعَ النَّصْرَانِيُّ .

    وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّصَارَى لَوْ كَانُوا مُتَّبِعِينَ عِيسَى ، لَاتَّبَعُوا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

    قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي النَّصَارَى ، وَالَّتِي قَبْلَهَا فِي الْيَهُودِ ، وَالَّتِي قَبْلَ تِلْكَ فِي الْمُسْلِمِينَ ، كَمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ .

    وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْكُفْرَ ، وَالظُّلْمَ ، وَالْفِسْقَ كُلَّهَا يُطْلَقُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِمَا دُونَ الْكُفْرِ ، وَعَلَى الْكُفْرِ الْمُخْرِجِ مِنَ الْمِلَّةِ نَفْسِهِ ، فَمِنَ الْكُفْرِ بِمَعْنَى الْمَعْصِيَةِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سَأَلَتْهُ الْمَرْأَةُ عَنْ سَبَبِ كَوْنِ النِّسَاءِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ، " إِنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ بِسَبَبِ كُفْرِهِنَّ " ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَنَّهُنَّ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، وَمِنَ الْكُفْرِ بِمَعْنَى الْمُخْرِجِ عَنِ الْمِلَّةِ ، قَوْلُهُ تَعَالَى : قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ الْآيَةَ [ 109 \ 1 ، 2 ] ، وَمِنَ الظُّلْمِ بِمَعْنَى الْكُفْرِ ، قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ 2 \ 254 ] ، وَقَوْلُهُ : وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [ 10 \ 106 ] ، وَقَوْلُهُ : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ 31 \ 13 ] ، وَمِنْهُ بِمَعْنَى الْمَعْصِيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ الْآيَةَ [ 35 \ 32 ] ، وَمِنَ الْفِسْقِ بِمَعْنَى الْكُفْرِ قَوْلُهُ : وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا الْآيَةَ [ 32 \ 20 ] ، وَمِنْهُ بِمَعْنَى الْمَعْصِيَةِ قَوْلُهُ فِي الَّذِينَ قَذَفُوا عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - : وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [ 24 \ 4 ] .

    وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَذْفَ لَيْسَ بِمُخْرِجٍ عَنِ الْمِلَّةِ ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [ 24 \ 11 ] ، وَمِنَ الْفِسْقِ بِمَعْنَى الْمَعْصِيَةِ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا الْآيَةَ [ 49 \ 6 ] .

    وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ الْأَلْفَاظِ لَا بِخُصُوصِ الْأَسْبَابِ ، فَمَنْ كَانَ امْتِنَاعُهُ مِنَ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ، لِقَصْدِ مُعَارَضَتِهِ وَرَدِّهِ ، وَالِامْتِنَاعِ مِنِ الْتِزَامِهِ فَهُوَ كَافِرٌ ظَالِمٌ فَاسِقٌ كُلُّهَا بِمَعْنَاهَا الْمُخْرِجِ مِنَ الْمِلَّةِ ، وَمَنْ كَانَ امْتِنَاعُهُ مِنَ الْحُكْمِ لِهَوًى وَهُوَ يَعْتَقِدُ قُبْحَ فِعْلِهِ ، فَكُفْرُهُ وَظُلْمُهُ وَفِسْقُهُ غَيْرُ الْمُخْرِجِ مِنَ الْمِلَّةِ ، إِلَّا إِذَا كَانَ مَا امْتَنَعَ مِنَ الْحُكْمِ بِهِ [ ص: 412 ] شَرْطًا فِي صِحَّةِ إِيمَانِهِ ، كَالِامْتِنَاعِ مِنِ اعْتِقَادِ مَا لَا بُدَّ مِنِ اعْتِقَادِهِ ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ ، كَمَا قَدَّمْنَا وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [ 5 \ 51 ] ، ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّ وِلَايَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ زَائِفَةٌ لَيْسَتْ خَالِصَةً ; لِأَنَّهَا لَا تَسْتَنِدُ عَلَى أَسَاسٍ صَحِيحٍ ، هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بَيْنَ النَّصَارَى دَائِمَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، بِقَوْلِهِ : وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [ 5 \ 14 ] ، وَبَيَّنَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْيَهُودِ أَيْضًا ، حَيْثُ قَالَ فِيهِمْ : وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [ 5 \ 64 ] ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا فِي الْيَهُودِ فِيمَا بَيْنَهُمْ ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ السِّيَاقِ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : إِنَّهَا بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى .

    وَصَرَّحَ تَعَالَى بِعَدَمِ اتِّفَاقِ الْيَهُودِ مُعَلِّلًا لَهُ بِعَدَمِ عُقُولِهِمْ فِي قَوْلِهِ : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ [ 59 \ 14 ] .

    تَنْبِيهٌ

    أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، أَنَّ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِي َّ يَتَوَارَثَانِ ، وَرَدَّهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ، بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ ، وِلَايَةُ الْيَهُودِ لِخُصُوصِ الْيَهُودِ ، وَالنَّصَارَى لِخُصُوصِ النَّصَارَى ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَلَا دَلِيلَ فِي الْآيَةِ لِتَوَارُثِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى .

    قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ، أَنَّ مَنْ تَوَلَّى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْهُمْ بِتَوَلِّيهِ إِيَّاهُمْ ، وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ تَوَلِّيَهُمْ مُوجِبٌ لِسُخْطِ اللَّهِ ، وَالْخُلُودِ فِي عَذَابِهِ ، وَأَنَّ مُتَوَلِّيَهُمْ لَوْ كَانَ مُؤْمِنًا مَا تَوَلَّاهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [ 5 \ 80 ، 81 ] .

    [ ص: 413 ] وَنَهَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ تَوَلِّيهِمْ مُبَيِّنًا سَبَبَ التَّنْفِيرِ مِنْهُ ; وَهُوَ قَوْلُهُ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ [ 60 \ 13 ] .

    وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ ، فِيمَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْمُوَالَاةُ بِسَبَبِ خَوْفٍ ، وَتَقِيَّةٍ ، وَإِنْ كَانَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَصَاحِبُهَا مَعْذُورٌ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً [ 3 \ 28 ] ، فَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِيهَا بَيَانٌ لِكُلِّ الْآيَاتِ الْقَاضِيَةِ بِمَنْعِ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ مُطْلَقًا وَإِيضَاحٌ ; لِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ ، وَأَمَّا عِنْدَ الْخَوْفِ وَالتَّقِيَّةِ ، فَيُرَخَّصُ فِي مُوَالَاتِهِمْ ، بِقَدْرِ الْمُدَارَاةِ الَّتِي يَكْتَفِي بِهَا شَرُّهُمْ ، وَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ سَلَامَةُ الْبَاطِنِ مِنْ تِلْكَ الْمُوَالَاةِ : [ الْوَافِرُ ]


    وَمَنْ يَأْتِي الْأُمُورَ عَلَى اضْطِرَارٍ فَلَيْسَ كَمِثْلِ آتِيهَا اخْتِيَارًا


    وَيُفْهَمُ مِنْ ظَوَاهِرِ هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ مَنْ تَوَلَّى الْكُفَّارَ عَمْدًا اخْتِيَارًا ، رَغْبَةً فِيهِمْ أَنَّهُ كَافِرٌ مِثْلَهُمْ .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ .

    ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ، وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ ، يَعْتَذِرُونَ عَنْ مُوَالَاةِ الْكَفَّارِ مِنَ الْيَهُودِ بِأَنَّهُمْ يَخْشَوْنَ أَنْ تَدُورَ عَلَيْهِمُ الدَّوَائِرُ ، أَيْ دُوَلُ الدَّهْرِ الدَّائِرَةُ مِنْ قَوْمٍ إِلَى قَوْمٍ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : [ الْوَافِرُ ]


    إِذَا مَا الدَّهْرُ جَرَّ عَلَى أُنَاسٍ كَلَاكِلَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينَا


    يَعْنُونَ إِمَّا بِقَحْطٍ فَلَا يَمِيرُونَنَا ، وَلَا يَتَفَضَّلُوا عَلَيْنَا ، وَإِمَّا بِظَفَرِ الْكُفَّارِ بِالْمُسْلِمِين َ ، فَلَا يَدُومُ الْأَمْرُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ ، زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَ تَقَلُّبِ الدَّهْرِ بِنَحْوِ مَا ذُكِرَ ، يَكُونُ لَهُمْ أَصْدِقَاءُ كَانُوا مُحَافِظِينَ عَلَى صَدَاقَتِهِمْ ; فَيَنَالُونَ مِنْهُمْ مَا يُؤَمِّلُ الصَّدِيقُ مِنْ صَدِيقِهِ ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَذِبِهِمْ فِي إِقْسَامِهِمْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ، إِنَّهُمْ لَمَعَ الْمُسْلِمِينَ ، وَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : أَنَّ تِلْكَ الدَّوَائِرَ الَّتِي حَافَظُوا مِنْ أَجْلِهَا عَلَى صَدَاقَةِ [ ص: 414 ] الْيَهُودِ ، أَنَّهَا لَا تَدُورُ إِلَّا عَلَى الْيَهُودِ ، وَالْكُفَّارِ ، وَلَا تَدُورُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، بِقَوْلِهِ : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ الْآيَةَ ، وَعَسَى مِنَ اللَّهِ نَافِذَةٌ ; لِأَنَّهُ الْكَرِيمُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا يُطْمَعُ إِلَّا فِيمَا يُعْطِي .

    وَالْفَتْحُ الْمَذْكُورُ قِيلَ : هُوَ فَتْحُ الْمُسْلِمِينَ لِبِلَادِ الْمُشْرِكِينَ ، وَقِيلَ : الْفَتْحُ الْحُكْمُ ، كَقَوْلِهِ : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [ 7 \ 89 ] ، وَعَلَيْهِ فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ بِقَتْلِ مُقَاتِلَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ ، وَإِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ ، وَقِيلَ : هُوَ فَتْحُ مَكَّةَ ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوَّلِ .

    وَبَيَّنَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ سَبَبَ حَلِفِهِمْ بِالْكَذِبِ لِلْمُسْلِمِينَ ، أَنَّهُمْ مِنْهُمْ ، إِنَّمَا هُوَ الْفَرَقُ أَيِ الْخَوْفُ ، وَأَنَّهُمْ لَوْ وَجَدُوا مَحَلًّا يَسْتَتِرُونَ فِيهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ لَسَارَعُوا إِلَيْهِ ؛ لِشِدَّةِ بُغْضِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ [ 9 \ 56 ، 57 ] ، فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ سَبَبِ أَيْمَانِ الْمُنَافِقِينَ ، وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ : اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [ 58 \ 16 ] .

    وَبَيَّنَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ تِلْكَ الْأَيْمَانَ لِيَرْضَى عَنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ ، وَأَنَّهُمْ إِنْ رَضُوا عَنْهُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنْهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [ 9 \ 96 ] .

    وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِأَيْمَانِهِمْ إِرْضَاءَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَحَقُّ بِالْإِرْضَاءِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ [ 9 \ 62 ] .

    وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ لَهُمْ لِيَرْضَوْا عَنْهُمْ ، بِسَبَبِ أَنَّ لَهُمْ عُذْرًا صَحِيحًا ، وَأَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ ، لَا لِأَنَّ لَهُمْ عُذْرًا صَحِيحًا ، بَلْ مَعَ الْإِعْلَامِ بِأَنَّهُمْ رِجْسٌ ، وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ بِسَبَبِ مَا كَسَبُوا مِنَ النِّفَاقِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [ 9 \ 95 ] .

    وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : أَنَّ أَيْمَانَهُمُ الْكَاذِبَةَ سَبَبٌ لِإِهْلَاكِهِمْ أَنْفُسَهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : [ ص: 415 ] وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ الْآيَةَ [ 9 \ 42 ] .

    وَهَذِهِ الْأَسْبَابُ لِحَلِفِ الْمُنَافِقِينَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ رَاجِعَةٌ جَمِيعًا إِلَى السَّبَبِ الْأَوَّلِ ، الَّذِي هُوَ الْخَوْفُ ; لِأَنَّ خَوْفَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، هُوَ سَبَبُ رَغْبَتِهِمْ فِي إِرْضَائِهِمْ ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُمْ بِأَنْ لَا يُؤْذُوهُمْ ، وَلِذَا حَلَفُوا لَهُمْ ، لِيُرْضُوهُمْ ، وَلِيُعْرِضُوا عَنْهُمْ ، خَوْفًا مِنْ أَذَاهُمْ ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ .

    تَنْبِيهٌ

    قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا [ 5 \ 53 ] فِيهِ ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ سَبْعِيَّاتٍ .

    الْأُولَى : يَقُولُ بِلَا وَاوٍ مَعَ الرَّفْعِ ، وَبِهَا قَرَأَ نَافِعٌ ، وَابْنُ كَثِيرٍ ، وَابْنُ عَامِرٍ .

    الثَّانِيَةُ : وَيَقُولُ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ مَعَ رَفْعِ الْفِعْلِ أَيْضًا ، وَبِهَا قَرَأَ عَاصِمٌ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ .

    الثَّالِثَةُ : بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ ، وَنَصْبِ " يَقُولُ " عَطْفًا عَلَى ( أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ ) وَبِهَا قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ الْآيَةَ .

    أَخْبَرَ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُمْ إِنِ ارْتَدَّ بَعْضُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ الْمُرْتَدِّ بِقَوْمٍ مِنْ صِفَاتِهِمُ الذُّلُّ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَالتَّوَاضُعُ لَهُمْ ، وَلِينُ الْجَانِبِ ، وَالْقَسْوَةُ وَالشِّدَّةُ عَلَى الْكَافِرِينَ ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَبِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُ بِلِينِ الْجَانِبِ لِلْمُؤْمِنِينَ ، بِقَوْلِهِ : وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [ 15 \ 88 ] ، وَقَوْلِهِ : وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ 26 \ 215 ] ، وَأَمَرَهُ بِالْقَسْوَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِي نَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [ 9 \ 73 ] ، وَأَثْنَى تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ بِاللِّينِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ الْآيَةَ [ 3 \ 159 ] ، وَصَرَّحَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْمَذْكُورَ مِنَ اللِّينِ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَالشِّدَّةِ عَلَى الْكَافِرِينَ ، مِنْ صِفَاتِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، بِقَوْلِهِ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [ 48 \ 29 ] .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #65
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (64)

    سُورَةُ الْمَائِدَةِ (19)
    صـ 416 إلى صـ 420


    [ ص: 416 ] وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : [ الطَّوِيلُ ]


    وَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا أَبَرَّ وَأَوْفَى ذِمَّةً مِنْ مُحَمَّدِ وَأَعْطَى إِذَا مَا طَالِبُ الْعُرْفِ جَاءَهُ
    وَأَمْضَى بِحَدِّ الْمَشْرَفِيِّ الْمُهَنَّدِ


    وَقَالَ الْآخَرُ فِيهِ : [ الطَّوِيلُ ]


    وَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا أَشَدَّ عَلَى أَعْدَائِهِ مِنْ مُحَمَّدِ


    وَيُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَلِينَ إِلَّا فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ لِلِّينِ ، وَأَلَّا يَشْتَدَّ إِلَّا فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ لِلشِّدَّةِ ، لِأَنَّ اللِّينَ فِي مَحَلِّ الشِّدَّةِ ضَعْفٌ ، وَخَوَرٌ ، وَالشِّدَّةَ فِي مَحَلِّ اللِّينِ حُمْقٌ ، وَخَرَقٌ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّي : [ الطَّوِيلُ ]


    إِذَا قِيلَ حِلْمٌ قُلْ فَلِلْحِلْمِ مَوْضِعٌ وَحِلْمُ الْفَتَى فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ جَهْلُ


    قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ، ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَوْ أَطَاعُوا اللَّهَ ، وَأَقَامُوا كِتَابَهُمْ بِاتِّبَاعِهِ ، وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ ، لَيَسَّرَ اللَّهُ لَهُمُ الْأَرْزَاقَ ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ ، وَأَخْرَجَ لَهُمْ ثَمَرَاتِ الْأَرْضِ .

    وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ خَاصًّا بِهِمْ ، كَقَوْلِهِ عَنْ نُوحٍ وَقَوْمِهِ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [ 71 \ 11 ] ، وَقَوْلِهِ عَنْ هُودٍ وَقَوْمِهِ : وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ الْآيَةَ [ 11 \ 52 ] ، وَقَوْلِهِ عَنْ نَبِيِّنَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَوْمِهِ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [ 11 \ 3 ] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّ هُ حَيَاةً طَيِّبَةً الْآيَةَ [ 16 \ 97 ] . عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ وَقَوْلِهِ : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الْآيَةَ [ 7 \ 96 ] ، وَقَوْلِهِ : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [ 65 \ 2 ، 3 ] ، وَقَوْلِهِ : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [ 20 \ 132 ] ، وَمَفْهُومُ الْآيَةِ أَنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ تَعَالَى ، سَبَبٌ لِنَقِيضِ مَا [ ص: 417 ] يُسْتَجْلَبُ بِطَاعَتِهِ ، وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ الْآيَةَ [ 30 \ 41 ] ، وَنَحْوَهَا مِنَ الْآيَاتِ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى : مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ، ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ، أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قِسْمَانِ :

    طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مُقْتَصِدَةٌ فِي عَمَلِهَا ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَيِّئُ الْعَمَلِ ، وَقَسَّمَ هَذِهِ الْأُمَّةَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ فِي قَوْلِهِ : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [ 35 \ 32 ] ، وَوَعَدَ الْجَمِيعَ بِالْجَنَّةِ بِقَوْلِهِ : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [ 35 \ 33 ] .

    وَذَكَرَ الْقِسْمَ الرَّابِعَ : وَهُوَ الْكُفَّارُ مِنْهَا بِقَوْلِهِ : وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا الْآيَةَ [ 35 \ 36 ] .

    وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِي الْمُقْتَصِدِ ، وَالسَّابِقِ ، وَالظَّالِمِ ، أَنَّ الْمُقْتَصِدَ هُوَ مَنِ امْتَثَلَ الْأَمْرَ ، وَاجْتَنَبَ النَّهْيَ ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَنَّ السَّابِقَ بِالْخَيْرَاتِ هُوَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، وَزَادَ بِالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ بِالنَّوَافِلِ ، وَالتَّوَرُّعِ عَنْ بَعْضِ الْجَائِزَاتِ ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِغَيْرِهِ ، وَأَنَّ الظَّالِمَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ : خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ الْآيَةَ [ 9 \ 102 ] ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْآيَةَ .

    أَمَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَبْلِيغِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ ، وَشَهِدَ لَهُ بِالِامْتِثَالِ فِي آيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ ، كَقَوْلِهِ : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ 5 \ 3 ] ، وَقَوْلِهِ : وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ [ 24 \ 54 ] ، وَقَوْلِهِ : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [ 51 \ 54 ] ، وَلَوْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكْتُمَ شَيْئًا ، لَكَتَمَ قَوْلَهُ تَعَالَى : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [ 33 \ 37 ] ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَمَ حَرْفًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ، فَقَدْ أَعْظَمَ الِافْتِرَاءَ عَلَى اللَّهِ ، وَعَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ الْآيَةَ .

    ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَمُوا وَصَمُّوا مَرَّتَيْنِ ، تَتَخَلَّلُهُمَ ا [ ص: 418 ] تَوْبَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وَبَيَّنَ تَفْصِيلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ الْآيَةَ [ 17 \ 4 ] ، فَبَيَّنَ جَزَاءَ عَمَاهُمْ ، وَصَمَمِهِمْ فِي الْمَرَّةِ الْأَوْلَى بِقَوْلِهِ : فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ الْآيَةَ [ 17 \ 5 ] ، وَبَيَّنَ جَزَاءَ عَمَاهُمْ وَصَمَمِهِمْ فِي الْمَرَّةِ الْآخِرَةِ بِقَوْلِهِ : فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ، وَبَيَّنَ التَّوْبَةَ الَّتِي بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ : ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُ مْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُمْ إِنْ عَادُوا إِلَى الْإِفْسَادِ عَادَ إِلَى الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ : وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ، فَعَادُوا إِلَى الْإِفْسَادِ بِتَكْذيبِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَتْمِ صِفَاتِهِ الَّتِي فِي التَّوْرَاةِ ، فَعَادَ اللَّهُ إِلَى الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَبَحَ مُقَاتِلَةَ بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَسَبَى نِسَاءَهُمْ ، وَذَرَارِيَّهُم ْ ، وَأَجْلَى بَنِي قَيْنُقَاعَ ، وَبَنِي النَّضِيرِ ، كَمَا ذَكَرَ تَعَالَى طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْحَشْرِ ، وَهَذَا الْبَيَانُ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ لَمْ يَذْكُرْهُ ، وَلَكِنْ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَقْتَضِيهِ ; لِأَنَّ السِّيَاقَ فِي ذِكْرِ أَفْعَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ الْمَاضِيَةِ ، مِنْ قَتْلِ الرُّسُلِ ، وَتَكْذِيبِهِمْ ، إِذْ قَبْلَ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ : كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ [ 5 \ 70 ] .

    وَمَعْنَى وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ [ 5 \ 71 ] ، ظَنُّوا أَلَّا يُصِيبَهُمْ بَلَاءٌ وَعَذَابٌ مِنَ اللَّهِ ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ، وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ ، لِزَعْمِهِمُ الْبَاطِلِ ، أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ، وَقَوْلُهُ : كَثِيرٌ مِنْهُمْ ، أَحْسَنُ أَوْجُهِ الْإِعْرَابِ فِيهِ ; أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ وَاوِ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ : عَمُوا وَصَمُّوا ، كَقَوْلِكَ : جَاءَ الْقَوْمُ أَكْثَرُهُمْ ، وَقَوْلُهُ : أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ ، قَرَأَهُ حَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ ، وَأَبُو عَمْرٍو بِالرَّفْعِ ، وَالْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ ، فَوَجْهُ قِرَاءَةِ النَّصْبِ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْحُسْبَانَ بِمَعْنَى الظَّنِّ ، وَوَجْهُ قِرَاءَةِ الرَّفْعِ ، تَنْزِيلُ اعْتِقَادِهِمْ لِذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَ بَاطِلًا ، مَنْزِلَةَ الْعِلْمِ ، فَتَكُونُ أَنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُو نَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ .

    أَشَارَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، إِلَى أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [ 5 \ 73 ] ، لَوْ تَابُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ، لَتَابَ عَلَيْهِمْ ، وَغَفَرَ لَهُمْ ، لِأَنَّهُ اسْتَعْطَفَهُمْ إِلَى ذَلِكَ أَحْسَنَ اسْتِعْطَافٍ ، وَأَلْطَفَهُ بِقَوْلِهِ : أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُو نَهُ ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ غَفَرَ لَهُمْ بِقَوْلِهِ : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، وَصَرَّحَ بِهَذَا الْمَعْنَى عَامًّا لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ بِقَوْلِهِ : [ ص: 419 ] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ الْآيَةَ [ 8 \ 38 ] .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُو نَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ .

    أَشَارَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، إِلَى أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [ 5 \ 73 ] ، لَوْ تَابُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ، لَتَابَ عَلَيْهِمْ ، وَغَفَرَ لَهُمْ ، لِأَنَّهُ اسْتَعْطَفَهُمْ إِلَى ذَلِكَ أَحْسَنَ اسْتِعْطَافٍ ، وَأَلْطَفَهُ بِقَوْلِهِ : أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُو نَهُ ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ غَفَرَ لَهُمْ بِقَوْلِهِ : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، وَصَرَّحَ بِهَذَا الْمَعْنَى عَامًّا لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ بِقَوْلِهِ : [ ص: 419 ] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ الْآيَةَ [ 8 \ 38 ] .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ الْآيَةَ ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : الَّذِينَ لُعِنُوا عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ ، الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ ، وَالَّذِينَ لُعِنُوا عَلَى لِسَانِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْمَائِدَةِ ، وَعَلَيْهِ فَلَعْنُ الْأَوَّلِينَ مَسْخُهُمْ قِرَدَةً ، كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [ 2 \ 65 ] ، وَقَوْلِهِ : فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [ 7 \ 166 ] ، وَلَعْنُ الْآخَرِينَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ : فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [ 5 \ 115 ] ، وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ مَسَخَهُمْ خَنَازِيرَ ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالْبَاقِرِ ، نَقَلَهُ الْأَلُوسِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ ، وَقَالَ : وَاخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَأَبِي مَالِكٍ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

    وَقَالَ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ : إِنَّ أَهْلَ أَيْلَةَ لَمَّا اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ ، قَالَ دَاوُدُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " اللَّهُمَّ أَلْبِسْهُمُ اللَّعْنَ مِثْلَ الرِّدَاءِ ، وَمِثْلَ الْمِنْطَقَةِ عَلَى الْحَقْوَيْنِ " ، فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً ، وَأَصْحَابُ الْمَائِدَةِ لَمَّا كَفَرُوا ، قَالَ عِيسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : [ ص: 420 ] " اللَّهُمَّ عَذِّبْ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ مَا أَكَلَ مِنَ الْمَائِدَةِ عَذَابًا لَمْ تُعَذِّبْهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ، وَالْعَنْهُمْ كَمَا لَعَنْتَ أَصْحَابَ السَّبْتِ ، فَأَصْبَحُوا خَنَازِيرَ " .

    وَأَنَّ هَذَا مَعْنَى لَعْنِهِمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ ، وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، وَفِي الْآيَةِ أَقْوَالٌ غَيْرُ هَذَا تَرَكْنَا التَّعَرُّضَ لَهَا ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ، قَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ، هُوَ مَا قَصَدْتُمْ عَقْدَ الْيَمِينِ فِيهِ ، لَا مَا جَرَى عَلَى أَلْسِنَتِكُمْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ نَحْوَ " لَا وَاللَّهِ " وَ " بَلَى وَاللَّهِ " ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ : [ الطَّوِيلُ ]


    وَلَسْتَ بِمَأَخُوذٍ بِلَغْوٍ تَقُولُهُ إِذَا لَمْ تَعْمَدْ عَاقِدَاتِ الْعَزَائِمِ


    وَهَذَا الْعَقْدُ مَعْنَوِيٌّ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْحُطَيْئَةِ : [ الْبَسِيطُ ]


    قَوْمٌ إِذَا عَقَدُوا عَقْدًا لِجَارِهِمُ شَدُّوا الْعِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا


    وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ ، وَشُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ : عَقَدْتُمْ [ 5 \ 89 ] ، بِالتَّخْفِيفِ بِلَا أَلِفٍ ، وَقَرَأَهُ ابْنُ ذَكْوَانَ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ : عَاقَدْتُمْ بِأَلِفٍ بِوَزْنِ فَاعِلٍ ، وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ ، وَالتَّضْعِيفُ وَالْمُفَاعَلَة ُ : مَعْنَاهُمَا مُجَرَّدُ الْفِعْلِ بِدَلِيلِ قِرَاءَةِ عَقَدْتُمْ بِلَا أَلِفٍ ، وَلَا تَضْعِيفٍ ، وَالْقِرَاءَاتُ يُبَيِّنُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَ " مَا " فِي قَوْلِهِ : بِمَا عَقَّدْتُمْ مَصْدَرِيَّةٌ عَلَى التَّحْقِيقِ لَا مَوْصُولَةٌ ، كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ زَاعِمًا أَنَّ ضَمِيرَ الرَّابِطِ مَحْذُوفٌ .

    وَفِي الْمُرَادِ بِاللَّغْوِ فِي الْآيَةِ أَقْوَالٌ ، أَشْهَرُهَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ اثْنَانِ :

    الْأَوَّلُ : أَنَّ اللَّغْوَ مَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِ الْإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، كَقَوْلِهِ : " لَا وَاللَّهِ " وَ " بَلَى وَاللَّهِ " .

    وَذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ : الشَّافِعِيُّ ، وَعَائِشَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْن ِ عَنْهَا ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَعِكْرِمَةَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَأَبِي صَالِحٍ ، وَالضَّحَّاكِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَغَيْرُهُ .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #66
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (65)

    سُورَةُ الْمَائِدَةِ (20)
    صـ 421 إلى صـ 425


    الْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ اللَّغْوَ هُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ ، فَيَظْهَرَ نَفْيُهُ ، وَهَذَا هُوَ [ ص: 421 ] مَذْهَبُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَقَالَ : إِنَّهُ أَحْسَنُ مَا سَمِعَ فِي مَعْنَى اللَّغْوِ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَالْحَسَنِ ، وَزُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، وَأَبِي مَالِكٍ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيّ ِ ، وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَحَدِ قَوْلَيْ عِكْرِمَةَ ، وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَمَكْحُولٍ ، وَمُقَاتِلٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَرَبِيعَةَ ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ .

    وَالْقَوْلَانِ مُتَقَارِبَانِ ، وَاللَّغْوُ يَشْمَلُهُمَا ; لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ لَمْ يَقْصِدْ عَقْدَ الْيَمِينِ أَصْلًا ، وَفِي الثَّانِي لَمْ يَقْصِدْ إِلَّا الْحَقَّ وَالصَّوَابَ ، وَغَيْرُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ مِنَ الْأَقْوَالِ تَرَكْتُهُ لِضَعْفِهِ فِي نَظَرِي ، وَاللَّغْوُ فِي اللُّغَةِ : هُوَ الْكَلَامُ بِمَا لَا خَيْرَ فِيهِ ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ : " إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةَ ، أَنْصِتْ ، فَقَدْ لَغَوْتَ أَوْ لَغَيْتَ " .

    وَقَوْلُ الْعَجَّاجِ : [ الرَّجَزُ ]


    وَرُبَّ أَسْرَابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ

    مَسَائِلُ مِنْ أَحْكَامِ الْأَيْمَانِ

    اعْلَمْ أَنَّ الْأَيْمَانَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ : اثْنَانِ فِيهِمَا الْكَفَّارَةُ بِلَا خِلَافٍ ، وَاثْنَانِ مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا .

    قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَا نَصُّهُ : الْأَيْمَانُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : قِسْمَانِ فِيهِمَا الْكَفَّارَةُ ، وَقِسْمَانِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِمَا . خَرَّجَ الدَّارَقُطْنِي ُّ فِي " سُنَنِهِ " : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : الْأَيْمَانُ أَرْبَعَةٌ ، يَمِينَانِ يُكَفَّرَانِ ، وَيَمِينَانِ لَا يُكَفَّرَانِ . فَالْيَمِينَانِ اللَّذَانِ يُكَفَّرَانِ ، فَالرَّجُلُ الَّذِي يَحْلِفُ : وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا فَيَفْعَلُ ، وَالرَّجُلُ يَقُولُ : وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا ، فَلَا يَفْعَلُ . وَالْيَمِينَانِ اللَّذَانِ لَا يُكَفَّرَانِ ، فَالرَّجُلُ يَحْلِفُ : وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا ، وَقَدْ فَعَلَ ، وَالرَّجُلُ يَحْلِفُ : لَقَدْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا وَلَمْ يَفْعَلْهُ .

    قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَذَكَرَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي " جَامِعِهِ " ، وَذَكَرَهُ الْمَرْوَزِيُّ عَنْهُ أَيْضًا ، قَالَ سُفْيَانُ : الْأَيْمَانُ أَرْبَعَةٌ ، يَمِينَانِ يُكَفَّرَانِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ : " وَاللَّهِ لَا [ ص: 422 ] أَفْعَلُ " ثُمَّ يَفْعَلُ ، أَوْ يَقُولَ : " وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ " ثُمَّ لَا يَفْعَلُ . وَيَمِينَانِ لَا يُكَفَّرَانِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ : " وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ " ، وَقَدْ فَعَلَ ، أَوْ يَقُولَ : " وَاللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتُ " وَمَا فَعَلَ .

    قَالَ الْمَرْوَزِيُّ : أَمَّا الْيَمِينَانِ الْأُولَيَانِ ، فَلَا اخْتِلَافَ فِيهِمَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا قَالَ سُفْيَانُ ، وَأَمَّا الْيَمِينَانِ الْأُخْرَيَانِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِمَا فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ حَلَفَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا ، أَوْ أَنَّهُ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا عِنْدَ نَفْسِهِ صَادِقًا يُرَى أَنَّهُ عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .

    وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا إِثْمَ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .

    قَالَ الْمَرْوَزِيُّ : وَلَيْسَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا بِالْقَوِيِّ ، قَالَ : وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا ، وَقَدْ فَعَلَ ، مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ فَهُوَ آثِمٌ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ : مَالِكٍ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .

    وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ : يُكَفِّرُ ، قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ الْمَرْوَزِيُّ : أَمِيلُ إِلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ ، اهـ مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنَ الْقُرْطُبِيِّ بِلَفْظِهِ ، وَهُوَ حَاصِلُ تَحْرِيرِ الْمَقَامِ فِي حَلِفِ الْإِنْسَانِ " لَأَفْعَلَنَّ " أَوْ " لَا أَفْعَلُ " .

    وَأَمَّا حَلِفُهُ عَلَى وُقُوعِ أَمْرٍ غَيْرِ فِعْلِهِ ، أَوْ عَدَمِ وُقُوعِهِ ، كَأَنْ يَقُولَ : وَاللَّهِ لَقَدْ وَقَعَ فِي الْوُجُودِ كَذَا ، أَوْ لَمْ يَقَعْ فِي الْوُجُودِ كَذَا ، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى مَاضٍ أَنَّهُ وَاقِعٌ ، وَهُوَ يَعْلَمُ عَدَمَ وُقُوعِهِ مُتَعَمِّدًا الْكَذِبَ فَهِيَ يَمِينٌ غَمُوسٌ ، وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ وُقُوعَهُ فَظَهَرَ نَفْيُهُ فَهِيَ مِنْ يَمِينِ اللَّغْوِ كَمَا قَدَّمْنَا ، وَإِنْ كَانَ شَاكًّا فَهُوَ كَالْغَمُوسِ ، وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مِنَ الْغَمُوسِ .

    وَإِنْ حَلَفَ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ لَا يَدْرِي أَيَقَعُ أَمْ لَا ؟ فَهُوَ كَذَلِكَ أَيْضًا يَدْخُلُ فِي يَمِينِ الْغَمُوسِ ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ يَمِينَ الْغَمُوسِ لَا تُكَفَّرُ ; لِأَنَّهَا أَعْظَمُ إِثْمًا مِنْ أَنْ تُكَفِّرَهَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ .

    وَقَدْ قَدَّمْنَا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ بِالْكَفَّارَةِ فِيهَا ، وَفِيهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ ، وَهُوَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِي غَيْرِ الْمُتَعَلِّقَة ِ بِالزَّمَنِ الْمَاضِي ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ مُنْقَسِمَةٌ أَيْضًا إِلَى يَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ عَلَى بِرٍّ ، وَيَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ عَلَى حِنْثٍ ، فَالْمُنْعَقِدَ ةُ عَلَى بِرٍّ هِيَ الَّتِي لَا يَلْزَمُ حَالِفَهَا تَحْلِيلُ الْيَمِينِ كَقَوْلِهِ : " وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا " ، وَالْمُنْعَقِدَ ةُ عَلَى حِنْثٍ ، هِيَ الَّتِي يَلْزَمُ صَاحِبَهَا حَلُّ الْيَمِينِ بِفِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، أَوْ بِالْكَفَّارَةِ كَقَوْلِهِ : " وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا " ، وَلَا يُحْكَمُ بِحِنْثِهِ [ ص: 423 ] فِي الْمُنْعَقِدَةِ عَلَى حِنْثٍ حَتَّى يَفُوتَ إِمْكَانُ فِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، إِلَّا إِذَا كَانَتْ مُوَقَّتَةً بِوَقْتٍ فَيَحْنَثُ بِفَوَاتِهِ ، وَلَكِنْ إِنْ كَانَتْ بِطَلَاقٍ كَقَوْلِهِ عَلَى طَلَاقِهَا : " لَأَفْعَلَنَّ كَذَا " ، فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ وَطْئِهَا حَتَّى يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَبَرُّ فِي يَمِينِهِ أَمْ يَحْنَثُ ؟ وَلَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى فَرْجٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ .

    وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : لَا يُمْنَعُ مِنَ الْوَطْءِ ، لِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ ، وَالطَّلَاقُ لَمْ يَقَعْ بِالْفِعْلِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أَحْمَدُ .
    الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ ، فَلَا يَجُوزُ الْقَسَمُ بِمَخْلُوقٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ ، أَوْ لِيَصْمُتْ " ، وَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينٌ بِمَخْلُوقٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ ، كَمَا أَنَّهَا لَا تَجُوزُ بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَبِالنَّصِّ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ فِي مَنْعِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ ، فَقَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِانْعِقَادِ الْيَمِينِ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِتَوَقُّفِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
    الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : يُخْرَجُ مِنْ عُهْدَةِ الْيَمِينِ بِوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ :

    الْأَوَّلُ : إِبْرَارُهَا بِفِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ .

    الثَّانِي : الْكَفَّارَةُ ، وَهِيَ جَائِزَةٌ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ عَلَى التَّحْقِيقِ .

    الثَّالِثُ : الِاسْتِثْنَاءُ بِنَحْوِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ حِلٌّ لِلْيَمِينِ لَا بَدَلَ مِنَ الْكَفَّارَةِ ، كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ قَصْدُ التَّلَفُّظِ بِهِ ، وَالِاتِّصَالُ بِالْيَمِينِ ، فَلَا يُقْبَلُ الْفَصْلُ بِغَيْرِ ضَرُورِيٍّ كَالسُّعَالِ ، وَالْعُطَاسِ ، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ جَوَازِ تَرَاخِي الِاسْتِثْنَاءِ .

    فَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ الْعَبْدَ يَلْزَمُهُ إِذَا قَالَ : " لَأَفْعَلَنَّ كَذَا " ، أَنْ يَقُولَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ : وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [ 18 \ 23 ، 24 ] ، فَإِنْ نَسِيَ الِاسْتِثْنَاءَ بِـ " إِنْ شَاءَ " ، وَتَذَكَّرَهُ وَلَوْ بَعْدَ فَصْلٍ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ ; لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ مِنْ عُهْدَةِ عَدَمِ تَفْوِيضِ الْأُمُورِ إِلَى اللَّهِ وَتَعْلِيقِهَا بِمَشِيئَتِهِ ، لَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُحِلُّ الْيَمِينَ الَّتِي مَضَتْ وَانْعَقَدَتْ .

    [ ص: 424 ] وَيَدُلُّ لِهَذَا أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِأَيُّوبَ : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ [ 38 \ 44 ] ، وَلَوْ كَانَ تَدَارُكُ الِاسْتِثْنَاءِ مُمْكِنًا لَقَالَ لَهُ قُلْ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا عُلِمَ انْعِقَادُ يَمِينٍ لِإِمْكَانِ أَنْ يَلْحَقَهَا الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَأَخِّرُ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِـ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ " يُفِيدُ فِي الْحَلِفِ بِاللَّهِ إِجْمَاعًا .

    وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي غَيْرِهِ كَالْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ وَالْعِتْقِ ، كَأَنْ يَقُولَ : إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَوْ أَنْتِ حُرَّةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ أَيْمَانًا ، وَإِنَّمَا هِيَ تَعْلِيقَاتٌ لِلْعِتْقِ وَالظِّهَارِ وَالطَّلَاقِ ، وَالِاسْتِثْنَا ءُ بِالْمَشِيئَةِ إِنَّمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ فِي الْيَمِينِ دُونَ التَّعْلِيقِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالْأَوْزَاعِي ُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ .

    وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُفِيدُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ . وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَطَاوُسٌ ، وَحَمَّادٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي " الْمُغْنِي " ، وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ الظِّهَارِ ، وَبَيْنَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ ; لِأَنَّ الظِّهَارَ فِيهِ كَفَّارَةٌ فَهُوَ يَمِينٌ تَنْحَلُّ بِالِاسْتِثْنَا ءِ ، كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ وَالنَّذْرِ ، وَنَقَلَهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي " الْمُغْنِي " عَنْ أَبِي مُوسَى ، وَجَزَمَ هُوَ بِهِ .
    الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : لَوْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَنْ فِعْلِهِ نَاسِيًا ، فَفِيهِ لِلْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ :

    الْأَوَّلُ : لَا حِنْثَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِالنِّسْيَانِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ [ 33 \ 5 ] ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ " ، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ أَعَلَّهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَرَأَ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [ 2 \ 286 ] ، قَالَ اللَّهُ نَعَمْ " ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالَ اللَّهُ " قَدْ فَعَلْتُ " وَكَوْنُ مَنْ فَعَلَ نَاسِيًا لَا يَحْنَثُ هُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ، كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " ، وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ ظَاهِرٌ لِلْأَدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ مُطْلَقًا ، وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَرَبِيعَةُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ صَاحِبُ [ ص: 425 ] " الْمُغْنِي " ، وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ أَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُهُ عَمْدًا ; فَلَمَّا كَانَ عَامِدًا لِلْفِعْلِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْحِنْثِ ، لَمْ يُعْذَرْ بِنِسْيَانِهِ الْيَمِينَ ، وَلَا يَخْفَى عَدَمُ ظُهُورِهِ .

    وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا ، فَلَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ ، وَيُعْذَرُ بِهِ فِي غَيْرِهِمَا ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " ، قَالَ : وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ ، وَصَاحِبُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : وَهَذَا الْقَوْلُ الْأَخِيرُ لَهُ وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ ; لِأَنَّ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ حَقًّا لِلَّهِ وَحَقًّا لِلْآدَمِيِّ ، وَالْحَالِفُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّدًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَيَدَّعِي النِّسْيَانَ ; لِأَنَّ الْعَمْدَ مِنَ الْقُصُودِ الْكَامِنَةِ الَّتِي لَا تَظْهَرُ حَقِيقَتُهَا لِلنَّاسِ ، فَلَوْ عُذِرَ بِادِّعَاءِ النِّسْيَانِ لَأَمْكَنَ تَأْدِيَةُ ذَلِكَ إِلَى ضَيَاعِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .
    الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إِذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُ أَمْرًا مِنَ الْمَعْرُوفِ كَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَنَحْوِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ ذَلِكَ وَالتَّعَلُّلُ بِالْيَمِينِ ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ ، وَيَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ الْآيَةَ [ 2 \ 224 ] ، أَيْ لَا تَجْعَلُوا أَيْمَانَكُمْ بِاللَّهِ تَعَالَى مَانِعَةً لَكُمْ مِنَ الْبِرِّ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ إِذَا حَلَفْتُمْ عَلَى تَرْكِهَا ، وَنَظِيرُ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي حَلِفِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَلَّا يُنْفِقَ عَلَى مِسْطَحٍ ، لِمَا قَالَ فِي عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا قَالَ : وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِي نَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ 24 \ 22 ] .

    وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَاللَّهِ لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ " ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ .

    وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي وَاللَّهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَ ا " ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #67
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (66)

    سُورَةُ الْمَائِدَةِ (21)
    صـ 426 إلى صـ 430


    وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ : " يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا ، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ " ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا ، وَالْأَحَادِيثُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ . وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : [ ص: 426 ] كَفَّارَتُهَا تَرْكُهَا مُتَمَسِّكًا بِأَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَالْأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهَا : " فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ " ، وَهِيَ الصِّحَاحُ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .

    قَوْلُهُ تَعَالَى : تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ، لَمْ يُقَيِّدْ هُنَا رَقَبَةٍ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ بِالْإِيمَانِ ، وَقَيَّدَ بِهِ كَفَّارَةَ الْقَتْلِ خَطَأً .

    وَهَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ فِي حَالَةِ اتِّفَاقِ الْحُكْمِ ، مَعَ اخْتِلَافِ السَّبَبِ ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ فِيهِ بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، فَتَقَيُّدُ رَقَبَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ بِالْقَيْدِ الَّذِي فِي رَقَبَةِ الْقَتْلِ خَطَأً ، حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ .

    وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِنَا " دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ " ، فِي سُورَةِ النِّسَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [ 4 \ 92 ] ; وَلِذَلِكَ لَمْ نُطِلِ الْكَلَامَ بِهَا هُنَا ، وَالْمُرَادُ بِالتَّحْرِيرِ الْإِخْرَاجُ مِنَ الرِّقِّ ، وَرُبَّمَا اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ فِي الْإِخْرَاجِ مِنَ الْأَسْرِ ، وَالْمَشَقَّاتِ ، وَتَعَبِ الدُّنْيَا وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ وَالِدَةِ مَرْيَمَ : إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا [ 3 \ 35 ] ، أَيْ مِنْ تَعَبِ أَعْمَالِ الدُّنْيَا ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ هَمَّامِ بْنِ غَالِبٍ التَّمِيمِيِّ : [ الْكَامِلُ ]


    أَبَنِي غُدَانَةَ إِنَّنِي حَرَّرْتُكُمْ فَوَهَبْتُكُمْ لِعَطِيَّةَ بْنِ جِعَالِ


    يَعْنِي حَرَّرْتُكُمْ مِنَ الْهِجَاءِ ، فَلَا أَهْجُوكُمْ .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ الْآيَةَ .

    يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْخَمْرَ نَجِسَةُ الْعَيْنِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ إِنَّهَا : رِجْسٌ ، وَالرِّجْسُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كُلُّ مُسْتَقْذَرٍ تَعَافُّهُ النَّفْسُ .

    وَقِيلَ : إِنَّ أَصْلَهُ مِنَ الرَّكْسِ ، وَهُوَ الْعُذْرَةُ وَالنَّتْنُ . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : وَيَدُلُّ لِهَذَا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي شَرَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [ 76 \ 21 ] ; لِأَنَّ وَصْفَهُ لِشَرَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِأَنَّهُ طَهُورٌ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ خَمْرَ الدُّنْيَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ كُلَّ الْأَوْصَافِ الَّتِي مَدَحَ بِهَا تَعَالَى خَمْرَ الْآخِرَةِ مَنْفِيَّةٌ عَنْ خَمْرِ الدُّنْيَا ، كَقَوْلِهِ : لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [ 37 \ 47 ] ، وَكَقَوْلِهِ : لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ [ 56 \ 19 ] ، بِخِلَافِ خَمْرِ الدُّنْيَا فَفِيهَا غَوْلٌ يَغْتَالُ الْعُقُولَ [ ص: 427 ] وَأَهْلُهَا يُصَدَّعُونَ ، أَيْ يُصِيبُهُمُ الصُّدَاعُ الَّذِي هُوَ وَجَعُ الرَّأْسِ بِسَبَبِهَا ، وَقَوْلُهُ : لَا يُنْزَفُونَ ، عَلَى قِرَاءَةِ فَتْحِ الزَّايِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ، فَمَعْنَاهُ : أَنَّهُمْ لَا يَسْكَرُونَ ، وَالنَّزِيفُ السَّكْرَانُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ : [ الطَّوِيلُ ]


    نَزِيفٌ تَرَى رَدْعَ الْعَبِيرِ يُجِيبُهَا كَمَا ضَرَّجَ الضَّارِي النَّزِيفَ الْمُكْلَمَا


    يَعْنِي أَنَّهَا فِي ثِقَلِ حَرَكَتِهَا كَالسَّكْرَانِ ، وَأَنَّ حُمْرَةَ الْعَبِيرِ الَّذِي هُوَ الطِّيبُ فِي جَيْبِهَا كَحُمْرَةِ الدَّمِ عَلَى الطَّرِيدِ الَّذِي ضَرَّجَهُ الْجَوَارِحُ بِدَمِهِ ، فَأَصَابَهُ نَزِيفُ الدَّمِ مِنْ جُرْحِ الْجَوَارِحِ لَهُ ، وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ : [ الْمُتَقَارِبُ ]


    وَإِذْ هِيَ تَمْشِي كَمَشْيِ النَّزِيفِ يَصْرَعُهُ بِالْكَثِيبِ الْبُهُرْ


    وَقَوْلُهُ أَيْضًا : [ الطَّوِيلُ ]


    نَزِيفٌ إِذَا قَامَتْ لِوَجْهٍ تَمَايَلَتْ تُرَاشِي الْفُؤَادَ الرَّخْصَ أَلَّا تَخْتَرَا


    وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ أَوْ جَمِيلٍ : [ الْكَامِلُ ]


    فَلَثَمَتْ فَاهَا آخِذًا بِقُرُونِهَا شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ مَاءِ الْحَشْرَجِ


    وَعَلَى قِرَاءَةِ يَنْزِفُونَ بِكَسْرِ الزَّايِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ مِنَ التَّفْسِيرِ لِلْعُلَمَاءِ :

    أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مِنْ أَنْزَفَ الْقَوْمُ إِذَا حَانَ مِنْهُمُ النُّزْفُ وَهُوَ السُّكْرُ ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ : أَحْصَدَ الزَّرْعُ إِذَا حَانَ حَصَادُهُ ، وَأَقْطَفَ الْعِنَبُ إِذَا حَانَ قِطَافُهُ ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَعْنَاهُ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوَّلِ .

    وَالثَّانِي : أَنَّهُ مِنْ أَنْزَفَ الْقَوْمُ إِذَا فَنِيَتْ خُمُورُهُمْ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْحُطَيْئَةِ : [ الطَّوِيلُ ]


    لَعَمْرِي لَئِنْ أَنْزَفْتُمُوا أَوْ صَحَوْتُمُوا لَبِئْسَ النَّدَامَى أَنْتُمْ آلٌ أَبْجَرَا


    وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ نَجِسَةُ الْعَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ رَبِيعَةُ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ ، وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِي نَ مِنَ الْبَغْدَادِيِّ ينَ وَالْقَرَوِيِّي نَ ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ الْقُرْطُبِيُّ فِي " تَفْسِيرِهِ " .

    وَاسْتَدَلُّوا لِطَهَارَةِ عَيْنِهَا بِأَنَّ الْمَذْكُورَاتِ مَعَهَا فِي الْآيَةِ مِنْ مَالِ مَيْسِرٍ ، وَمَالِ قِمَارٍ ، وَأَنْصَابٍ ، وَأَزْلَامٍ لَيْسَتْ نَجِسَةَ الْعَيْنِ ، وَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةَ الِاسْتِعْمَالِ .

    [ ص: 428 ] وَأُجِيبَ مِنْ جِهَةِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّ قَوْلَهُ : رِجْسٌ ، يَقْتَضِي نَجَاسَةَ الْعَيْنِ فِي الْكُلِّ ، فَمَا أَخْرَجَهُ إِجْمَاعٌ ، أَوْ نَصٌّ خَرَجَ بِذَلِكَ ، وَمَا لَمْ يُخْرِجْهُ نَصٌّ وَلَا إِجْمَاعٌ لَزِمَ الْحُكْمُ بِنَجَاسَتِهِ ; لِأَنَّ خُرُوجَ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ الْعَامُّ بِمُخَصِّصٍ مِنَ الْمُخَصِّصَاتِ ، لَا يَسْقُطُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي الْبَاقِي ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ صَاحِبِ " مَرَاقِي السُّعُودِ " : [ الرَّجَزُ ]


    وَهُوَ حُجَّةٌ لَدَى الْأَكْثَرِ إِنْ مُخَصِّصٌ لَهُ مُعَيِّنًا يَبِنْ


    وَعَلَى هَذَا ، فَالْمُسْكِرُ الَّذِي عَمَّتِ الْبَلْوَى الْيَوْمَ بِالتَّطَيُّبِ بِهِ الْمَعْرُوفُ فِي اللِّسَانِ الدَّارِجِيِّ بِالْكُولَانْيَ ا نَجَسٌ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي الْمُسْكِرِ : فَاجْتَنِبُوهُ ، يَقْتَضِي الِاجْتِنَابَ الْمُطْلَقَ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ مَعَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمُسْكِرِ ، وَمَا مَعَهُ فِي الْآيَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : لَا يَخْفَى عَلَى مُنْصِفٍ أَنَّ التَّضَمُّخَ بِالطِّيبِ الْمَذْكُورِ ، وَالتَّلَذُّذَ بِرِيحِهِ وَاسْتَطَابَتَه ُ ، وَاسْتِحْسَانَه ُ مَعَ أَنَّهُ مُسْكِرٌ ، وَاللَّهُ يُصَرِّحُ فِي كِتَابِهِ بِأَنَّ الْخَمْرَ رِجْسٌ فِيهِ مَا فِيهِ ، فَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَطَيَّبَ بِمَا يَسْمَعُ رَبَّهُ يَقُولُ فِيهِ : إِنَّهُ رِجْسٌ ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِإِرَاقَةِ الْخَمْرِ فَلَوْ كَانَتْ فِيهَا مَنْفَعَةٌ أُخْرَى لَبَيَّنَهَا ، كَمَا بَيَّنَ جَوَازَ الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ ، وَلَمَا أَرَاقَهَا .

    وَاعْلَمْ أَنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ سَعِيدُ بْنُ الْحَدَّادِ الْقَرَوِيُّ عَلَى طَهَارَةِ عَيْنِ الْخَمْرِ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَرَاقُوهَا فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ ; وَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ ; وَلَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، كَمَا نَهَاهُمْ عَنِ التَّخَلِّي فِي الطُّرُقِ ، لَا دَلِيلَ لَهُ فِيهِ ، فَإِنَّهَا لَا تَعُمُّ الطُّرُقَ ، بَلْ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهَا ، لِأَنَّ الْمَدِينَةَ كَانَتْ وَاسِعَةً ، وَلَمْ تَكُنِ الْخَمْرُ كَثِيرَةً جِدًّا بِحَيْثُ تَكُونُ نَهَرًا أَوْ سَيْلًا فِي الطُّرُقِ يَعُمُّهَا كُلَّهَا ، وَإِنَّمَا أُرِيقَتْ فِي مَوَاضِعَ يَسِيرَةٍ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهَا ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ، هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ يُفْهَمُ مِنْ دَلِيلِ خِطَابِهَا ، أَيْ مَفْهُومِ مُخَالَفَتِهَا ، أَنَّهُمْ إِنْ حَلُّوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ جَازَ لَهُمْ قَتْلُ الصَّيْدِ ، وَهَذَا الْمَفْهُومُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [ 5 \ 2 ] ، يَعْنِي إِنْ شِئْتُمْ ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ .

    قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا ، الْآيَةَ .

    [ ص: 429 ] ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ ذَاكِرًا حَرَامَهُ ، وَخَالَفَ مُجَاهِدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْجُمْهُورَ قَائِلًا : إِنَّ مَعْنَى الْآيَةِ : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ فِي حَالِ كَوْنِهِ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ ، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ [ 5 \ 95 ] ، كَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

    وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيَانِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا أَنْ يَقُولَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْآيَةِ قَوْلًا ، وَيَكُونُ فِيهَا قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ الْقَوْلِ ، وَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْآيَةِ قَرِينَةً وَاضِحَةً دَالَّةً عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ قَوْلِ مُجَاهِدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُتَعَمِّدًا أَمْرًا لَا يَجُوزُ ، أَمَّا النَّاسِي فَهُوَ غَيْرُ آثِمٍ إِجْمَاعًا ، فَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ : لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ [ 5 \ 95 ] ، كَمَا تَرَى ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ، الْآيَةَ .

    ظَاهِرُ عُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ يَشْمَلُ إِبَاحَةَ صَيْدِ الْبَحْرِ لِلْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ، وَهُوَ كَذَلِكَ ، كَمَا بَيَّنَهُ تَخْصِيصُهُ تَعَالَى تَحْرِيمَ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِصَيْدِ الْبَرِّ فِي قَوْلِهِ : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ [ 5 \ 96 ] ، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ صَيْدَ الْبَحْرِ لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ .

    مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالِاصْطِيَادِ

    فِي الْإِحْرَامِ أَوْ فِي الْحَرَمِ

    الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَنْعِ صَيْدِ الْبَرِّ لِلْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ .

    وَهَذَا الْإِجْمَاعُ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ الْوَحْشِيِّ كَالظَّبْيِ ، وَالْغَزَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِشَارَةُ إِلَى الصَّيْدِ وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ ، لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ مَعَ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ حَلَالٌ وَهُمْ مُحْرِمُونَ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحْرِمٌ أَمَامَهُمْ ، فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا وَأَبُو قَتَادَةَ مَشْغُولٌ يَخْصِفُ نَعْلَهُ فَلَمْ يُؤْذُنُوهُ ، وَأَحَبُّوا لَوْ أَنَّهُ أَبْصَرَهُ فَأَبْصَرَهُ فَأَسْرَجَ فَرَسَهُ ; ثُمَّ رَكِبَ وَنَسِيَ سَوْطَهُ وَرُمْحَهُ فَقَالَ لَهُمْ : نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ ، فَقَالُوا : وَاللَّهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ ، فَغَضِبَ فَنَزَلَ [ ص: 430 ] فَأَخَذَهُمَا فَرَكِبَ فَشَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَعَقَرَهُ ثُمَّ جَاءَ بِهِ وَقَدْ مَاتَ ، فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ ، ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُمٌ ، فَأَدْرَكُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلُوهُ فَقَرَّرَهُمْ عَلَى أَكْلِهِ ، وَنَاوَلَهُ أَبُو قَتَادَةَ عَضُدَ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ ، فَأَكَلَ مِنْهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلِمُسْلِمٍ : " هَلْ أَشَارَ إِلَيْهِ إِنْسَانٌ أَوْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ " ، قَالُوا : لَا ، قَالَ : " فَكُلُوهُ " .

    وَلِلْبُخَارِيّ ِ : " هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا " ، أَوْ " أَشَارَ إِلَيْهَا " قَالُوا : لَا ، قَالَ : " فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا " ، وَقَدْ أَجْمَعَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَا صَادَهُ مُحْرِمٌ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ لِلْمُحْرِمِ الَّذِي صَادَهُ ، وَلَا لِمُحْرِمٍ غَيْرِهِ ، وَلَا لِحَلَالٍ غَيْرِ مُحْرِمٍ ; لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ .

    وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَكْلِ الْمُحْرِمِ مِمَّا صَادَهُ حَلَالٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ، قِيلَ : لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مُطْلَقًا ، وَقِيلَ : يَجُوزُ مُطْلَقًا ، وَقِيلَ : بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ مَا صَادَهُ لِأَجْلِهِ ، وَمَا صَادَهُ لَا لِأَجْلِهِ فَيُمْنَعُ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي .

    وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ : " إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حَرَامٌ " ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَلِأَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ " لَحْمَ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ " .

    وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ ، وَقَالَ : " إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ إِنَّا حُرُمٌ " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ .

    وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ، وَيُرْوَى هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَاللَّيْثِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَعَائِشَةَ وَغَيْرِهِمْ .

    وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : بِجَوَازِ أَكْلِ الْمُحْرِمِ مَا صَادَهُ الْحَلَالُ مُطْلَقًا ; بِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِجَوَازِ أَكْلِ الْمُحْرِمِ مِنْ صَيْدِ الْحَلَالِ ، كَحَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ : أَنَّهُ كَانَ فِي قَوْمٍ مُحْرِمُونَ ، فَأُهْدِيَ لَهُمْ طَيْرٌ ، وَطَلْحَةُ رَاقِدٌ ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَكَلَ وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَرَّعَ فَلَمْ يَأْكُلْ ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَافَقَ مَنْ أَكَلَهُ وَقَالَ : أَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #68
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (67)

    سُورَةُ الْمَائِدَةِ (22)
    صـ 431 إلى صـ 435


    وَكَحَدِيثِ الْبَهْزِيِّ وَاسْمُهُ زَيْدُ بْنُ كَعْبٍ ، أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حِمَارٍ وَحْشِيٍّ عَقِيرٍ [ ص: 431 ] فِي بَعْضِ وَادِي الرَّوْحَاءِ وَهُوَ صَاحِبُهُ : شَأْنُكُمْ بِهَذَا الْحِمَارِ ، فَأَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ فَقَسَمَهُ فِي الرِّفَاقِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ ، أَخْرَجَهُ الْإِمَامَانِ مَالِكٌ فِي " مُوَطَّئِهِ " ، وَأَحْمَدُ فِي " مَسْنَدِهِ " ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِإِبَاحَتِهِ مُطْلَقًا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَأَقْوَاهَا دَلِيلًا ، هُوَ الْقَوْلُ الْمُفَصَّلُ بَيْنَ مَا صِيدَ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ ; فَلَا يَحِلُّ لَهُ ، وَبَيْنَ مَا صَادَهُ الْحَلَالُ ، لَا لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ ; فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ .

    وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَمْرَانِ :

    الْأَوَّلُ : أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَاجِبٌ مَتَى مَا أَمْكَنَ ; لِأَنَّ إِعْمَالَ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا ، وَلَا طَرِيقَ لِلْجَمْعِ إِلَّا هَذِهِ الطَّرِيقُ ، وَمَنْ عَدَلَ عَنْهَا لَا بُدَّ أَنْ يُلْغِيَ نُصُوصًا صَحِيحَةً .

    الثَّانِي : أَنَّ جَابِرًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ ، أَوْ يُصَدْ لَكُمْ " ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيّ ُ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيّ ُ ، وَالدَّارَقُطْن ِيُّ .

    وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هَذَا أَحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَقْيَسُ ، فَإِنْ قِيلَ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ ، عَنْ مَوْلَاهُ الْمُطَّلِبِ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَعَمْرٌو مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، قَالَ فِيهِ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ .

    وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي مَوْلَاهُ الْمُطَّلِبِ أَيْضًا : لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ جَابِرٍ ، وَقَالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : لَا أَعْرِفُ لَهُ سَمَاعًا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، إِلَّا قَوْلَهُ حَدَّثَنِي مَنْ شَهِدَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

    فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي رَدَّ هَذَا الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ عَمْرًا الْمَذْكُورَ ثِقَةٌ ، وَهُوَ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ ، وَمِمَّنْ رَوَى عَنْهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ثِقَةٌ ، وَقَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي " التَّقْرِيبِ " : ثِقَةٌ رُبَّمَا وَهِمَ ، وَقَالَ فِيهِ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " : أَمَّا تَضْعِيفُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو فَغَيْرُ ثَابِتٍ ; لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ ، وَمُسْلِمًا رَوَيَا لَهُ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَاحْتَجَّا بِهِ ، وَهُمَا الْقُدْوَةُ فِي هَذَا الْبَابِ .

    [ ص: 432 ] وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ ، وَرَوَى عَنْهُ وَهُوَ الْقُدْوَةُ ، وَقَدْ عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي فِي كِتَابِهِ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِيهِ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : هُوَ ثِقَةٌ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : لَا بَأْسَ بِهِ .

    وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : لَا بَأْسَ بِهِ ; لِأَنَّ مَالِكًا رَوَى عَنْهُ ، وَلَا يَرْوِي مَالِكٌ إِلَّا عَنْ صَدُوقٍ ثِقَةٍ ، قُلْتُ : وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ الْجَرْحَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا مُفَسَّرًا ، وَلَمْ يُفَسِّرْهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَالنَّسَائِيُّ بِمَا يُثْبِتُ تَضْعِيفَ عَمْرٍو الْمَذْكُورِ ، وَقَوْلُ التِّرْمِذِيِّ : إِنَّ مَوْلَاهُ الْمُطَّلِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ ، لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ جَابِرٍ ، وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ لِلتِّرْمِذِيِّ : لَا أَعْرِفُ لَهُ سَمَاعًا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا قَوْلَهُ : حَدَّثَنِي مَنْ شَهِدَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يَقْتَضِي رَدَّ رِوَايَتِهِ ، لِمَا قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مِنْ أَنَّ التَّحْقِيقَ هُوَ الِاكْتِفَاءُ بِالْمُعَاصَرَة ِ .

    وَلَا يَلْزَمُ ثُبُوتَ اللُّقْيِ ، وَأَحْرَى ثُبُوتُ السَّمَاعِ ، كَمَا أَوْضَحَهُ الْإِمَامُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مُقَدِّمَةِ " صَحِيحِهِ " ، بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ ، مَعَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ ذَكَرَ فِي كَلَامِهِ هَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ ، أَنَّ الْمُطَّلِبَ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو الْمَذْكُورَ ، صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ مِمَّنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِالسَّمَاعِ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ بِلَا شَكٍّ .

    وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " : وَأَمَّا إِدْرَاكُ الْمُطَّلِبِ لِجَابِرٍ ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَرَوَى عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَدْرَكَهُ ، هَذَا هُوَ كَلَامُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ، فَحَصَلَ شَكٌّ فِي إِدْرَاكِهِ ، وَمَذْهَبُ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ الَّذِي ادَّعَى فِي مُقَدِّمَةِ " صَحِيحِهِ " الْإِجْمَاعَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي اتِّصَالِ الْحَدِيثِ اللِّقَاءُ ، بَلْ يُكْتَفَى بِإِمْكَانِهِ ، وَالْإِمْكَانُ حَاصِلٌ قَطْعًا ، وَمَذْهَبُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، وَالْبُخَارِيِّ ، وَالْأَكْثَرِين َ اشْتِرَاطُ ثُبُوتِ اللِّقَاءِ ، فَعَلَى مَذْهَبِ مُسْلِمٍ الْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ ، وَعَلَى مَذْهَبِ الْأَكْثَرِينَ يَكُونُ مُرْسَلًا لِبَعْضِ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مُرْسَلَ التَّابِعِيِّ الْكَبِيرِ يُحْتَجُّ بِهِ عِنْدَنَا إِذَا اعْتَضَدَ بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ ; أَوْ قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ .

    وَقَدِ اعْتَضَدَ هَذَا الْحَدِيثُ ، فَقَالَ بِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَنْ سَنَذْكُرُهُ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ . اهـ . كَلَامُ النَّوَوِيِّ ، فَظَهَرَتْ صِحَّةُ الِاحْتِجَاجِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَى كُلِّ التَّقْدِيرَاتِ ، عَلَى مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ; لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ مِنْهُمْ هُوَ الَّذِي لَا يَحْتَجُّ [ ص: 433 ] بِالْمُرْسَلِ ، وَقَدْ عَرَفْتَ احْتِجَاجَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَقْدِيرِ إِرْسَالِهِ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : نَعَمْ ، يُشْتَرَطُ فِي قَبُولِ رِوَايَةِ الْمُدَلِّسِ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ ، وَالْمُطَّلِبُ الْمَذْكُورُ مُدَلِّسٌ ، لَكِنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - صِحَّةُ الِاحْتِجَاجِ بِالْمُرْسَلِ ، وَلَاسِيَّمَا إِذَا اعْتَضَدَ بِغَيْرِهِ كَمَا هُنَا ، وَقَدْ عَلِمْتَ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ مُوَافَقَةَ الشَّافِعِيَّةِ .

    وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ بِأَنَّ الْعَدْلَ لَا يَحْذِفُ الْوَاسِطَةَ مَعَ الْجَزْمِ بِنِسْبَةِ الْحَدِيثِ لِمَنْ فَوْقَهَا ، إِلَّا وَهُوَ جَازِمٌ بِالْعَدَالَةِ وَالثِّقَةِ فِيمَنْ حَذَفَهُ ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ : إِنَّ الْمُرْسَلَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَسْنَدِ ; لِأَنَّهُ مَا حَذَفَ الْوَاسِطَةَ فِي الْمُرْسَلِ إِلَّا وَهُوَ مُتَكَفِّلٌ بِالْعَدَالَةِ وَالثِّقَةِ فِيمَا حَذَفَ بِخِلَافِ الْمُسْنَدِ ، فَإِنَّهُ يُحِيلُ النَّاظِرَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْعَدَالَةِ وَالثِّقَةِ ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فِي " مَرَاقِي السُّعُودِ " بِقَوْلِهِ فِي مَبْحَثِ الْمُرْسَلِ : [ الرَّجَزُ ]


    وَهُوَ حُجَّةٌ وَلَكِنْ رُجِّحَا عَلَيْهِ مُسْنَدٌ وَعَكْسٌ صُحِّحَا


    وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ يَحْتَجُّ بِعَنْعَنَةِ الْمُدَلِّسِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى ، فَظَهَرَتْ صِحَّةُ الِاحْتِجَاجِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ مَعَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْخَطِيبِ وَابْنِ عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ وَهُوَ يُقَوِّيهِ .

    وَإِنْ كَانَ عُثْمَانُ الْمَذْكُورُ ضَعِيفًا ; لِأَنَّ الضَّعِيفَ يُقَوِّي الْمُرْسَلَ ، كَمَا عُرِفَ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا صَالِحٌ ، وَأَنَّهُ نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ ، وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ بِعَيْنِ الْجَمْعِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَوَّلًا ، فَاتَّضَحَ بِهَذَا أَنَّ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى مَنْعِ أَكْلِ الْمُحْرِمِ مِمَّا صَادَهُ الْحَلَالُ كُلَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ صَادَهُ مِنْ أَجْلِهِ ، وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى إِبَاحَةِ الْأَكْلِ مِنْهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِدْهُ مِنْ أَجْلِهِ ، وَلَوْ صَادَهُ لِأَجْلِ مُحْرِمٍ مُعَيَّنٍ حَرُمَ عَلَى جَمِيعِ الْمُحْرِمِينَ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : لَا يَحْرُمُ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ الْمُحْرِمِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ .

    وَيُرْوَى هَذَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَوْ يُصَدْ لَكُمْ " ، وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ : " هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا ، أَوْ أَشَارَ لَهَا ؟ " قَالُوا : لَا ، قَالَ : " فَكُلُوهُ " ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّ إِشَارَةَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تُحَرِّمُهُ عَلَيْهِمْ كُلِّهُمْ ، وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ دُعِيَ وَهُوَ مُحْرِمٌ إِلَى [ ص: 434 ] طَعَامٍ عَلَيْهِ صَيْدٌ فَقَالَ : " أَطْعِمُوهُ حَلَالًا فَإِنَّا حُرُمٌ " ، وَهَذَا مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ عِنْدَ أَصْحَابِهِ مَعَ اخْتِلَافِ قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ .
    الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : لَا تَجُوزُ زَكَاةُ الْمُحْرِمِ لِلصَّيْدِ بِأَنْ يَذْبَحَهُ مَثَلًا ، فَإِنْ ذَبَحَهُ فَهُوَ مَيْتَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لِأَحَدٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَتْلِهِ بِالْعَقْرِ وَقَتْلِهِ بِالذَّبْحِ ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [ 5 \ 95 ] ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالْقَاسِمُ ، وَسَالِمٌ ، وَالْأَوْزَاعِي ُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَقَالَ الْحَكَمُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : هُوَ بِمَنْزِلَةِ ذَبِيحَةِ السَّارِقِ .

    وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَأَيُّوبُ السَّخْتِيَانِي ُّ : يَأْكُلُهُ الْحَلَالُ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي " الْمُغْنِي " ، وَغَيْرُهُ .

    وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ مَنْ أَبَاحَتْ ذَكَاتُهُ غَيْرَ الصَّيْدِ أَبَاحَتِ الصَّيْدَ كَالْحَلَالِ ، وَالظَّاهِرُ هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ ذَبْحَ الْمُحْرِمِ لَا يُحِلُّ الصَّيْدَ ، وَلَا يُعْتَبَرُ ذَكَاةً لَهُ ; لِأَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ حَرَامٌ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ ذَكَاتَهُ لَا تُحِلُّ لَهُ هُوَ أَكْلَهُ إِجْمَاعًا ، وَإِذَا كَانَ الذَّبْحُ لَا يُفِيدُ الْحِلَّ لِلذَّابِحِ ، فَأَوْلَى وَأَحْرَى أَلَّا يُفِيدَ لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْفَرْعَ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ فِي أَحْكَامِهِ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَثْبُتَ مَا لَا يَثْبُتُ لِأَصْلِهِ ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ .
    الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الْحَيَوَانُ الْبَرِّيُّ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : قِسْمٌ هُوَ صَيْدٌ إِجْمَاعًا ، وَهُوَ مَا كَالْغَزَالِ مِنْ كُلِّ وَحْشِيٍّ حَلَالِ الْأَكْلِ ، فَيُمْنَعُ قَتْلُهُ لِلْمُحْرِمِ ، وَإِنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ ، وَقِسْمٌ لَيْسَ بِصَيْدٍ إِجْمَاعًا ، وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ ، وَقِسْمٌ اخْتُلِفَ فِيهِ .

    أَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي لَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ ، وَلَيْسَ بِصَيْدٍ إِجْمَاعًا فَهُوَ الْغُرَابُ ، وَالْحِدَأَةُ ، وَالْعَقْرَبُ ، وَالْفَأْرَةُ ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ .

    وَأَمَّا الْقِسْمُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ : فَكَالْأَسَدِ ، وَالنَّمِرِ ، وَالْفَهْدِ ، وَالذِّئْبِ ، وَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ : " أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ خَمْسِ فَوَاسَقَ فِي الْحِلِّ ، وَالْحَرَمِ : الْغُرَابُ ، وَالْحِدَأَةُ ، وَالْعَقْرَبُ ، وَالْفَأْرَةُ ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ " .

    [ ص: 435 ] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ " ، ثُمَّ عَدَّ الْخَمْسَ الْمَذْكُورَةَ آنِفًا ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَيَّةَ أَوْلَى بِالْقَتْلِ مِنَ الْعَقْرَبِ .

    وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ مُحْرِمًا بِقَتْلِ حَيَّةٍ بِمِنًى " ، وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو سُئِلَ : مَا يَقْتُلُ الرَّجُلُ مِنَ الدَّوَابِّ وَهُوَ مُحْرِمٌ ؟ فَقَالَ : " حَدَّثَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ ، وَالْفَأْرَةِ ، وَالْعَقْرَبِ ، وَالْحِدَأَةِ ، وَالْغُرَابِ ، وَالْحَيَّةِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا .

    وَالْأَحَادِيثُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ ، وَالْجَارِي عَلَى الْأُصُولِ تَقْيِيدُ الْغُرَابِ بِالْأَبْقَعِ ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ بَيَاضٌ ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي عَدِّ الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ الْمَذْكُورَةِ ، وَالْغُرَابِ الْأَبْقَعِ . وَالْمُقَرَّرُ فِي الْأُصُولِ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، وَمَا أَجَابَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ رِوَايَاتِ الْغُرَابِ بِالْإِطْلَاقِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا ، فَهِيَ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ الْقَيْدِ بِالْأَبْقَعِ لَا يَنْهَضُ ، إِذْ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ مُقَيَّدٍ وَمُطْلَقٍ ; لِأَنَّ الْقَيْدَ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنَ الْمُطْلَقِ .

    وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ عَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ بِمَنْعِ قَتْلِ الْغُرَابِ لِلْمُحْرِمِ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ النَّصِّ الصَّرِيحِ الصَّحِيحِ ، وَقَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَا عِبْرَةَ أَيْضًا بِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ : إِنَّ قَتْلَ الْفَأْرَةِ جَزَاءٌ ، لِمُخَالَفَتِهِ أَيْضًا لِلنَّصِّ وَقَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ، كَمَا لَا عِبْرَةَ أَيْضًا بِقَوْلِ الْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ : " لَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْعَقْرَبَ ، وَالْحَيَّةَ " ، وَلَا شَكَّ أَنَّ السِّبَاعَ الْعَادِيَّةَ كَالْأَسَدِ ، وَالنَّمِرِ ، وَالْفَهْدِ أَوْلَى بِالْقَتْلِ مِنَ الْكَلْبِ ; لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْهُ عَقْرًا ، وَأَشَدُّ مِنْهُ فَتْكًا .

    وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ ، فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، أَنَّهُ الْأَسَدُ ، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ : وَأَيُّ كَلْبٍ أَعْقَرُ مِنَ الْحَيَّةِ .

    وَقَالَ زُفَرُ : الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الذِّئْبُ خَاصَّةً ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ : كُلُّ مَا عَقَرَ النَّاسَ ، وَعَدَا عَلَيْهِمْ ، وَأَخَافَهُمْ ، مِثْلُ الْأَسَدِ ، وَالنَّمِرِ ، وَالْفَهْدِ ، وَالذِّئْبِ فَهُوَ عَقُورٌ ، وَكَذَا نَقَلَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ سُفْيَانَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #69
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (68)

    سُورَةُ الْمَائِدَةِ (23)
    صـ 436 إلى صـ 440


    وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْمُرَادُ بِالْكَلْبِ هُنَا هُوَ الْكَلْبُ الْمُتَعَارَفُ خَاصَّةً ، وَلَا يُلْحَقُ بِهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ سِوَى الذِّئْبِ ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ [ ص: 436 ] [ 5 \ 4 ] ، فَاشْتَقَّهَا مِنَ اسْمِ الْكَلْبِ ، وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وَلَدِ أَبِي لَهَبٍ : " اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ ، فَقَتَلَهُ الْأَسَدُ " ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : التَّحْقِيقُ أَنَّ السِّبَاعَ الْعَادِيَّةَ لَيْسَتْ مِنَ الصَّيْدِ ، فَيَجُوزُ قَتْلُهَا لِلْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِ فِي الْحَرَمِ وَغَيْرِهِ . لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ تُعَمِّمُ مَعْلُولَهَا ; لِأَنَّ قَوْلَهُ " الْعَقُورُ " عِلَّةٌ لِقَتْلِ الْكَلْبِ ، فَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ طَبْعُهُ الْعَقْرُ كَذَلِكَ .

    وَلِذَا لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ : " لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ " ، أَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ الَّتِي هِيَ فِي ظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْغَضَبُ تُعَمِّمُ مَعْلُولَهَا فَيَمْتَنِعُ الْحُكْمُ لِلْقَاضِي بِكُلِّ مُشَوِّشٍ لِلْفِكْرِ ، مَانِعٍ مِنَ اسْتِيفَاءِ النَّظَرِ فِي الْمَسَائِلِ كَائِنًا مَا كَانَ غَضَبًا أَوْ غَيْرَهُ ، كَجُوعٍ وَعَطَشٍ مُفْرِطَيْنِ ، وَحُزْنٍ وَسُرُورٍ مُفْرِطَيْنِ ، وَحَقْنٍ وَحَقَبٍ مُفْرِطَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فِي " مَرَاقِي السُّعُودِ " قَوْلُهُ فِي مَبْحَثِ الْعِلَّةِ : [ الرَّجَزُ ]


    وَقَدْ تُخَصَّصُ وَقَدْ تُعَمَّمُ لِأَصْلِهَا لَكِنَّهَا لَا تُخْرَمُ


    وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيّ ُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ فَقَالَ : " الْحَيَّةُ ، وَالْعَقْرَبُ ، وَالْفُوَيْسِقَ ةُ ، وَيَرْمِي الْغُرَابَ وَلَا يَقْتُلُهُ ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ ، وَالْحِدَأَةُ ، وَالسَّبُعُ الْعَادِيُّ " ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ .

    وَضَعَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ رِوَايَةَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، وَقَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي " التَّلْخِيصِ " فِيهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَفِيهِ لَفْظَةٌ مُنْكَرَةٌ وَهِيَ قَوْلُهُ : " وَيَرْمِي الْغُرَابَ وَلَا يَقْتُلُهُ " ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " : إِنْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ حُمِلَ قَوْلُهُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُتَأَكَّدُ نَدْبُ قَتْلِ الْغُرَابِ كَتَأْكِيدِ قَتْلِ الْحَيَّةِ وَغَيْرِهَا .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : تَضْعِيفُ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَمَنْعُ الِاحْتِجَاجِ مُتَعَقَّبٌ مِنْ وَجْهَيْنِ :

    الْأَوَّلُ : أَنَّهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ; لِأَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي زِيَادٍ مِنْ رِجَالِ صَحِيحِهِ وَأَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا ، وَمَنْعُ الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ لَا يَخْلُو مِنْ نَظَرٍ ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ " صَحِيحِهِ " ، أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُمْ فِي غَيْرِ الشَّوَاهِدِ وَالْمُتَابَعَا تِ أَقَلُّ أَحْوَالِهِمْ قَبُولُ الرِّوَايَةِ فَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ [ ص: 437 ] الْعِرَاقِيُّ فِي أَلْفِيَّتِهِ : [ الرَّجَزُ ]


    فَاحْتَاجَ أَنْ يَنْزِلَ فِي الْإِسْنَادِ إِلَى يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادِ


    الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا ضَعْفَ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُ يُقَوِّيهِ مَا ثَبَتَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا مِنْ جَوَازِ قَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ فِي الْإِحْرَامِ وَفِي الْحَرَمِ ، وَالسَّبُعُ الْعَادِيُّ إِمَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي الْمُرَادِ بِهِ ، أَوْ يُلْحَقَ بِهِ إِلْحَاقًا صَحِيحًا لَا مِرَاءَ فِيهِ ، وَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ أَنَّ الْكَلْبَ الْعَقُورَ يُلْحَقُ بِهِ الذِّئْبُ فَقَطْ ; لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ لَا يَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ لَا شَكَّ فِي أَنَّ فَتْكَ الْأَسَدِ وَالنَّمِرِ مَثَلًا ، أَشَدُّ مِنْ عَقْرِ الْكَلْبِ وَالذِّئْبِ ، وَلَيْسَ مِنَ الْوَاضِحِ أَنْ يُبَاحَ قَتْلُ ضَعِيفِ الضَّرَرِ ، وَيُمْنَعَ قَتْلُ قَوِيِّهِ ; لِأَنَّ فِيهِ عِلَّةَ الْحُكْمِ وَزِيَادَةً ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْإِلْحَاقِ مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأُصُولِ ، لَا مِنَ الْقِيَاسِ ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَقَوْمٍ ، كَمَا قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ .

    وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا نَصُّهُ : قُلْتُ : الْعَجَبُ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَحْمِلُ التُّرَابَ عَلَى الْبُرِّ بِعِلَّةِ الْكَيْلِ ، وَلَا يَحْمِلُ السِّبَاعَ الْعَادِيَّةَ عَلَى الْكَلْبِ بِعِلَّةِ الْفِسْقِ وَالْعَقْرِ ، كَمَا فَعَلَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ .

    وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّيْدَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ هُوَ مَأْكُولُ اللَّحْمِ فَقَطْ ، فَلَا شَيْءَ عِنْدَهُ فِي قَتْلٍ مَا لَمْ يُؤْكَلْ لَحْمُهُ ، وَالصِّغَارُ مِنْهُ وَالْكِبَارُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ ، إِلَّا الْمُتَوَلِّدَ مِنْ بَيْنِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِ مَأْكُولِهِ ، فَلَا يَجُوزُ اصْطِيَادُهُ عِنْدَهُ ، وَإِنْ كَانَ يَحْرُمُ أَكْلُهُ ، كَالسَّمْعِ وَهُوَ الْمُتَوَلِّدُ مِنْ بَيْنِ الذِّئْبِ وَالضَّبُعِ ، وَقَالَ : لَيْسَ فِي الرَّخَمَةِ ، وَالْخَنَافِسِ ، وَالْقِرْدَانِ ، وَالْحَلَمِ ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ شَيْءٌ ; لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الصَّيْدِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا [ 5 \ 96 ] ، فَدَلَّ أَنَّ الصَّيْدَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ ، هُوَ مَا كَانَ حَلَالًا لَهُمْ قَبْلَ الْإِحْرَامِ ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ .

    أَمَّا مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَذَهَبَ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَعْدُو مِنَ السِّبَاعِ ، كَالْهِرِّ ، وَالثَّعْلَبِ ، وَالضَّبُعِ وَمَا أَشْبَهَهَا ، لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ . فَإِنْ قَتَلَهُ فَدَاهُ ، قَالَ : وَصِغَارُ الذِّئَابِ لَا أَرَى أَنْ يَقْتُلَهَا الْمُحْرِمِ ، فَإِنْ قَتَلَهَا فَدَاهَا ، وَهِيَ مِثْلُ فِرَاخِ الْغِرْبَانِ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : أَمَّا الضَّبُعُ فَلَيْسَتْ مِثْلَ مَا ذُكِرَ مَعَهَا لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهَا ، دُونَ غَيْرِهَا ; بِأَنَّهَا صَيْدٌ يَلْزَمُ فِيهِ الْجَزَاءُ ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

    وَلَمْ يُجِزْ مَالِكٌ لِلْمُحْرِمِ قَتْلَ الزُّنْبُورِ ، وَكَذَلِكَ النَّمْلُ ، وَالذُّبَابُ ، وَالْبَرَاغِيثُ ، وَقَالَ : [ ص: 438 ] إِنْ قَتَلَهَا مُحْرِمٌ يُطْعِمُ شَيْئًا ، وَثَبَتَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِبَاحَةُ قَتْلِ الزُّنْبُورِ ، وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ شَبَّهَهُ بِالْعَقْرَبِ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : إِذَا ابْتَدَأَ بِالْأَذَى جَازَ قَتْلُهُ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَأَقْيَسُهَا مَا ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ; لِأَنَّهُ مِمَّا طَبِيعَتُهُ أَنْ يُؤْذِيَ .

    وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي غَيْرِ الصَّيْدِ الْمَأَكُولِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ .
    الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا صَادَ الصَّيْدَ الْمُحَرَّمَ عَلَيْهِ ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلَكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ [ 5 \ 95 ] .

    اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا ، أَنَّهُ مُتَعَمِّدٌ قَتْلَهُ ، ذَاكِرٌ إِحْرَامَهُ ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْآيَةِ . وَقَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ .

    وَمَا فَسَّرَهُ بِهِ مُجَاهِدٌ ، مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ مُتَعَمِّدٌ لِقَتْلِهِ نَاسٍ لِإِحْرَامِهِ ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَهُ : وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ، قَالَ : لَوْ كَانَ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ ; لَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ ، وَقَالَ : إِنْ كَانَ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ ، فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهُ لِارْتِكَابِهِ مَحْظُورَ الْإِحْرَامِ ، غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَلَا ظَاهِرٌ لِمُخَالَفَتِهِ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ بِلَا دَلِيلٍ ; وَلِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُتَعَمِّدٌ ارْتِكَابَ الْمَحْظُورِ ، وَالنَّاسِي لِلْإِحْرَامِ غَيْرُ مُتَعَمِّدٍ مَحْظُورًا .

    إِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ ، فَاعْلَمْ أَنَّ قَاتِلَ الصَّيْدِ مُتَعَمِّدًا ، عَالِمًا بِإِحْرَامِهِ ، عَلَيْهِ الْجَزَاءُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ ، بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ، خِلَافًا لِمُجَاهِدٍ ، وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ حُكْمَ النَّاسِي ، وَالْمُخْطِئِ .

    وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنَّ النَّاسِيَ هُوَ مَنْ يَقْصِدُ قَتْلَ الصَّيْدِ نَاسِيًا إِحْرَامَهُ ، وَالْمُخْطِئُ هُوَ مَنْ يَرْمِي غَيْرَ الصَّيْدِ ، كَمَا لَوْ رَمَى غَرَضًا فَيَقْتُلُ الصَّيْدَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِقَتْلِهِ .

    وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمَا لَا إِثْمَ عَلَيْهِمَا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ الْآيَةَ [ 33 \ 5 ] ، وَلِمَا قَدَّمْنَا فِي " صَحِيحٍ مُسْلِمٍ " : " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا [ ص: 439 ] قَرَأَ : رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [ 2 \ 286 ] ، أَنَّ اللَّهَ قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ " .

    أَمَّا وُجُوبُ الْجَزَاءِ عَلَيْهِمَا فَاخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ .

    فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : مِنْهُمُ الْمَالِكِيَّةُ ، وَالْحَنَفِيَّة ُ ، وَالشَّافِعِيَّ ةُ إِلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي الْخَطَإِ ، وَالنِّسْيَانِ ; لِدَلَالَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ غُرْمَ الْمَتْلَفَاتِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَامِدِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، وَقَالُوا : لَا مَفْهُومَ مُخَالَفَةٍ لِقَوْلِهِ مُتَعَمِّدًا ; لِأَنَّهُ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ ، إِذِ الْغَالِبُ أَلَّا يَقْتُلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ إِلَّا عَامِدًا ، وَجَرَى النَّصُّ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ مَوَانِعِ اعْتِبَارِ دَلِيلِ خِطَابِهِ ، أَعْنِي مَفْهُومَ مُخَالَفَتِهِ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ صَاحِبِ " مَرَاقِي السُّعُودِ " فِي مَوَانِعِ اعْتِبَارِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ : [ الرَّجَزُ ]


    أَوْ جَهِلَ الْحُكْمَ أَوِ النُّطْقُ انْجَلَبْ لِلسُّؤْلِ أَوْ جَرَى عَلَى الَّذِي غَلَبْ


    وَلِذَا لَمْ يَعْتَبِرْ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [ 4 \ 23 ] ; لِجَرْيهِ عَلَى الْغَالِبِ ، وَقَالَ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ ، كَالزُّهْرِيِّ : وَجَبَ الْجَزَاءُ فِي الْعَمْدِ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَفِي الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ بِالسُّنَّةِ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : إِنْ كَانَ يُرِيدُ بِالسُّنَّةِ الْآثَارَ الَّتِي وَرَدَتْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعُمَرَ فَنِعِمَّا هِيَ ، وَمَا أَحْسَنَهَا أُسْوَةً .

    وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ : بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ الضَّبُعِ ، فَقَالَ : " هِيَ صَيْدٌ " ، وَجَعَلَ فِيهَا إِذَا أَصَابَهَا الْمُحْرِمُ كَبْشًا ، وَلَمْ يَقُلْ عَمْدًا وَلَا خَطَأً ، فَدَلَّ عَلَى الْعُمُومِ ، وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ : قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : مُتَعَمِّدًا ، لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّجَاوُزَ عَنِ الْخَطَإِ ، وَذِكْرُ التَّعَمُّدِ لِبَيَانِ أَنَّ الصَّيْدَ لَيْسَ كَابْنِ آدَمَ الَّذِي لَيْسَ فِي قَتْلِهِ عَمْدًا كَفَّارَةٌ .

    وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي " تَفْسِيرِهِ " : إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ بِوُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُخْطِئِ ، وَالنَّاسِي ، وَالْعَامِدِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَطَاوُسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ .

    وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ النَّاسِيَ ، وَالْمُخْطِئَ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِمَا ، وَبِهِ قَالَ الطَّبَرَيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْن ِ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَطَاوُسٍ ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ الْقُرْطُبِيُّ .

    وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَمْرَيْنِ :

    [ ص: 440 ] الْأَوَّلُ : مَفْهُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا الْآيَةَ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُتَعَمِّدِ لَيْسَ كَذَلِكَ .

    الثَّانِي : أَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ ، فَمَنِ ادَّعَى شَغْلَهَا ، فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : هَذَا الْقَوْلُ قَوِيٌّ جِدًّا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَالدَّلِيلِ .
    الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إِذَا صَادَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ ، فَأَكَلَ مِنْهُ ، فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ لِقَتْلِهِ ، وَلَيْسَ فِي أَكْلِهِ إِلَّا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَا رُ ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلِ بِأَنَّ عَلَيْهِ أَيْضًا جَزَاءَ مَا أَكَلَ ، يَعْنِي قِيمَتَهُ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فِي ذَلِكَ ، وَيُرْوَى مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَطَاءٍ .
    الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْجَزَاءِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ، فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا الْآيَةَ ; لِأَنَّ تَكْرَارَ الْقَتْلِ يَقْتَضِي تَكْرَارَ الْجَزَاءِ ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْجَزَاءِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ، فَإِنْ عَادَ لِقَتْلِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ لَهُ : يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْكَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ .

    وَيُرْوَى هَذَا الْقَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَشُرَيْحٌ ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ الْقُرْطُبِيُّ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهُ يَضْرِبُ حَتَّى يَمُوتَ .
    الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : إِذَا دَلَّ الْمُحْرِمُ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ ، فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ جَزَاءٌ ; لِتَسَبُّبِهِ فِي قَتْلِ الْحَلَالِ لِلصَّيْدِ بِدَلَالَتِهِ لَهُ عَلَيْهِ أَوْ لَا ؟ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ، فَذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ الدَّالَّ يَلْزَمُهُ جَزَاؤُهُ كَامِلًا ، وَيُرْوَى نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَبَكْرٍ الْمُزَنِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْقَوْلِ سُؤَالُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ : " هَلْ أَشَارَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى أَبِي قَتَادَةَ عَلَى الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ ؟ " .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #70
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (69)

    سُورَةُ الْمَائِدَةِ (24)
    صـ 441 إلى صـ 445

    فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُمْ لَوْ دَلُّوهُ عَلَيْهِ كَانَ بِمَثَابَةِ مَا لَوْ صَادُوهُ فِي تَحْرِيمِ الْأَكْلِ ; وَيُفْهَمُ مِنْ [ ص: 441 ] ذَلِكَ لُزُومُ الْجَزَاءِ ، وَالْقَاعِدَةُ لُزُومُ الضَّمَانِ لِلْمُتَسَبِّبِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَضْمِينُ الْمُبَاشِرِ ، وَالْمُبَاشِرُ هُنَا لَا يُمْكِنُ تَضْمِينُهُ الصَّيْدَ ; لِأَنَّهُ حَلَالٌ ، وَالدَّالُّ مُتَسَبِّبٌ ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَظْهَرُ ، وَالَّذِينَ قَالُوا بِهِ مِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ الدَّلَالَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَ خَفَاءَ الصَّيْدِ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ دُونَ الدَّلَالَةِ ، كَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ : لَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِ .

    وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ نَحْوُهُ ، قَالُوا : لِأَنَّ الصَّيْدَ يُضْمَنُ بِقَتْلِهِ ، وَهُوَ لَمْ يَقْتُلْهُ وَإِذَا عَلِمَ الْمُحْرِمُ أَنَّ الْحَلَالَ صَادَهُ مِنْ أَجْلِهِ فَأَكَلَ مِنْهُ ; فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ كَامِلًا عِنْدَ مَالِكٍ ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي " مُوَطَّئِهِ " ، وَأَمَّا إِذَا دَلَّ الْمُحْرِمُ مُحْرِمًا آخَرَ عَلَى الصَّيْدِ فَقَتَلَهُ ، فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : عَلَيْهِمَا جَزَاءٌ وَاحِدٌ بَيْنَهُمَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي " الْمُغْنِي " ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءٌ كَامِلٌ ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ أَيْضًا صَاحِبُ " الْمُغْنِي " .

    وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : الْجَزَاءُ كُلُّهُ عَلَى الْمُحْرِمِ الْمُبَاشِرِ ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ الدَّالِّ شَيْءٌ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَهُوَ الْجَارِي عَلَى قَاعِدَةِ تَقْدِيمِ الْمُبَاشِرِ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ فِي الضَّمَانِ ، وَالْمُبَاشِرُ هُنَا يُمْكِنُ تَضْمِينُهُ ; لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ ، وَعَلَيْهِ : فَعَلَى الدَّالِ الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ ، وَبِهَذَا تَعْرِفُ حُكْمَ مَا لَوْ دَلَّ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا ، ثُمَّ دَلَّ هَذَا الثَّانِي مُحْرِمًا ثَالِثًا ، وَهَكَذَا ، فَقَتَلَهُ الْأَخِيرُ ، إِذْ لَا يَخْفَى مِنَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُمْ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ شُرَكَاءُ فِي جَزَاءٍ وَاحِدٍ .

    وَعَلَى الثَّانِي ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ ، وَعَلَى الثَّالِثِ ، لَا شَيْءَ إِلَّا عَلَى مَنْ بَاشَرَ الْقَتْلَ .
    الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : إِذَا اشْتَرَكَ مُحْرِمُونَ فِي قَتْلِ صَيْدٍ بِأَنْ بَاشَرُوا قَتْلَهُ كُلَّهُمْ ، كَمَا إِذَا حَذَفُوهُ بِالْحِجَارَةِ وَالْعِصِيِّ حَتَّى مَاتَ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ كَامِلٌ ، كَمَا لَوْ قَتَلَتْ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا ، فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ بِهِ جَمِيعًا ; لَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ قَاتِلٌ .

    وَكَذَلِكَ هُنَا كُلُّ وَاحِدٍ قَاتِلٌ صَيْدًا فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ : عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ ; لِقَضَاءِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، ثُمَّ قَالَ أَيْضًا : وَرَوَى الدَّارَقُطْنِي ُّ : أَنَّ مَوَالِيَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ أَحْرَمُوا فَمَرَّتْ بِهِمْ ضُبُعٌ فَحَذَفُوهَا بِعِصِيِّهِمْ فَأَصَابُوهَا ، [ ص: 442 ] فَوَقَعَ فِي أَنْفُسِهِمْ ، فَأَتَوُا ابْنَ عُمَرَ ، فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : عَلَيْكُمْ كُلُّكُمْ كَبْشٌ ، قَالُوا : أَوَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا كَبْشٌ ؟ قَالَ : إِنَّكُمْ لَمُعَزَّزٌ بِكُمْ عَلَيْكُمْ كُلُّكُمْ كَبْشٌ . قَالَ اللُّغَوِيُّونَ : لَمُعَزَّزٌ بِكُمْ أَيْ لَمُشَدَّدٌ عَلَيْكُمْ .

    وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْمٍ أَصَابُوا ضَبُعًا فَقَالَ : عَلَيْهِمْ كَبْشٌ يَتَخَارَجُونَه ُ بَيْنَهُمْ ، وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ، وَهَذَا خِطَابٌ لِكُلِّ قَاتِلٍ . وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَاتِلِينَ الصَّيْدَ قَاتِلٌ نَفْسًا عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ ; بِدَلِيلِ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْقِصَّاصُ ، وَقَدْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ إِجْمَاعًا مِنَّا وَمِنْهُمْ ، فَثَبَتَ مَا قُلْنَاهُ .

    وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا قَتَلَ جَمَاعَةٌ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ وَهُمْ مُحِلُّونَ ; فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَتَلَهُ الْمُحْرِمُونَ فِي الْحِلِّ أَوِ الْحَرَمِ ; فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ .

    وَقَالَ مَالِكٌ : عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ كَامِلٌ ; بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ مُحْرِمًا بِدُخُولِهِ الْحَرَمَ ، كَمَا يَكُونُ مُحْرِمًا بِتَلْبِيَتِهِ بِالْإِحْرَامِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفِعْلَيْنِ قَدْ أَكْسَبَهُ صِفَةً تَعَلَّقَ بِهَا نَهْيٌ ، فَهُوَ هَاتِكٌ لَهَا فِي الْحَالَتَيْنِ .

    وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ الدَّبُّوسِيُّ ، قَالَ : السِّرُّ فِيهِ أَنَّ الْجِنَايَةَ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى الْعِبَادَةِ ، وَقَدِ ارْتَكَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَحْظُورَ إِحْرَامِهِ .

    وَإِذَا قَتَلَ الْمُحِلُّونَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ ، فَإِنَّمَا أَتْلَفُوا دَابَّةً مُحْتَرَمَةً ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَتْلَفَ جَمَاعَةٌ دَابَّةً ; فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ دَابَّةً ، وَيَشْتَرِكُونَ فِي الْقِيمَةِ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَأَبُو حَنِيفَةَ أَقْوَى مِنَّا ، وَهَذَا الدَّلِيلُ يَسْتَهِينُ بِهِ عُلَمَاؤُنَا وَهُوَ عَسِيرُ الِانْفِصَالِ عَلَيْنَا . اهـ . مِنَ الْقُرْطُبِيِّ .
    الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : اعْلَمْ أَنَّ الصَّيْدَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ : قِسْمٌ لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ كَبَقَرَةِ الْوَحْشِ ، وَقِسْمٌ لَا مِثْلَ لَهُ مِنَ النَّعَمِ كَالْعَصَافِيرِ .

    وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَعْتَبِرُونَ الْمِثْلِيَّةَ بِالْمُمَاثَلَة ِ فِي الصُّورَةِ وَالْخِلْقَةِ ، وَخَالَفَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْجُمْهُورَ ، فَقَالَ : إِنَّ الْمُمَاثَلَةَ مَعْنَوِيَّةٌ ، وَهِيَ الْقِيمَةُ ، أَيْ قِيمَةُ الصَّيْدِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي قَتَلَهُ فِيهِ ، أَوْ أَقْرَبِ مَوْضِعٍ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ لَا يُبَاعُ الصَّيْدُ فِي مَوْضِعِ قَتْلِهِ ، فَيَشْتَرِي بِتِلْكَ الْقِيمَةِ هَدْيًا إِنْ شَاءَ ، أَوْ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا ، وَيُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ كُلَّ [ ص: 443 ] مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ .

    وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الشَّبَهُ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ مُعْتَبِرًا فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةً ، وَفِي الْحِمَارِ بَقَرَةً ، وَفِي الظَّبْيِ شَاةً ; لَمَا أَوْقَفَهُ عَلَى عَدْلَيْنِ يَحْكُمَانِ بِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ عُلِمَ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى الِارْتِيَاءِ وَالنَّظَرِ ، وَإِنَّمَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْعَدْلَيْنِ وَالنَّظَرِ مَا تَشَكَّلَ الْحَالُ فِيهِ ، وَيَخْتَلِفُ فِيهِ وَجْهُ النَّظَرِ .

    وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ : الْمُشَابَهَةُ لِلصَّيْدِ فِي الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ مِنْهَا ، قَوْلُهُ تَعَالَى : فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ الْآيَةَ ، فَالْمِثْلُ يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ الْمِثْلَ الْخِلْقِيَّ الصُّورِيَّ دُونَ الْمَعْنَوِيِّ ، ثُمَّ قَالَ : مِنَ النَّعَمِ ، فَصَرَّحَ بِبَيَانِ جِنْسِ الْمِثْلِ ، ثُمَّ قَالَ : يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ، وَضَمِيرُ بِهِ رَاجِعٌ إِلَى الْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِسِوَاهُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِ الضَّمِيرُ .

    ثُمَّ قَالَ : هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ، وَالَّذِي يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ هَدْيًا مِثْلَ الْمَقْتُولِ مِنَ النَّعَمِ ، فَأَمَّا الْقِيمَةُ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ هَدْيًا ، وَلَا جَرَى لَهَا ذِكْرٌ فِي نَفْسِ الْآيَةِ ، وَادِّعَاءُ أَنَّ الْمُرَادَ شِرَاءُ الْهَدْيِ بِهَا يُعِيدُ مِنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ ، فَاتَّضَحَ أَنَّ الْمُرَادَ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ ، وَقَوْلُهُ : لَوْ كَانَ الشَّبَهُ الْخِلْقِيُّ مُعْتَبَرًا لَمَا أَوْقَفَهُ عَلَى عَدْلَيْنِ ؟ ، أُجِيبَ عَنْهُ : بِأَنَّ اعْتِبَارَ الْعَدْلَيْنِ إِنَّمَا وَجَبَ لِلنَّظَرِ فِي حَالِ الصَّيْدِ مِنْ كِبَرٍ وَصِغَرٍ ، وَمَا لَا جِنْسَ لَهُ مِمَّا لَهُ جِنْسٌ ، وَإِلْحَاقُ مَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ نَصٌّ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ النَّصُّ ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : الْمُرَادُ بِالْمِثْلِيَّة ِ فِي الْآيَةِ التَّقْرِيبُ ، وَإِذًا فَنَوْعُ الْمُمَاثَلَةِ قَدْ يَكُونُ خَفِيًّا ، لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ وَالْفِطْنَةِ التَّامَّةِ ، كَكَوْنِ الشَّاةِ مَثَلًا لِلْحَمَامَةِ ; لِمُشَابَهَتِهَ ا لَهَا فِي عَبِّ الْمَاءِ وَالْهَدِيرِ .

    وَإِذَا عَرَفْتَ التَّحْقِيقَ فِي الْجَزَاءِ بِالْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ ، فَاعْلَمْ أَنَّ قَاتِلَ الصَّيْدِ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُ ، وَبَيْنَ الْإِطْعَامِ ، وَالصِّيَامِ ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ; لِأَنَّ " أَوْ " حَرْفُ تَخْيِيرٍ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ .

    فَإِنِ اخْتَارَ جَزَاءً بِالْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ ، وَجَبَ ذَبْحُهُ فِي الْحَرَمِ خَاصَّةً ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ ، وَلَا يُجْزِئُ فِي غَيْرِهِ ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ، وَالْمُرَادُ الْحَرَمُ كُلُّهُ ، كَقَوْلِهِ : ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ [ 22 \ 33 ] ، مَعَ أَنَّ الْمَنْحَرَ الْأَكْبَرَ مِنًى ، وَإِنِ اخْتَارَ الطَّعَامَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيهِ ، أَنَّهُ يُقَوَّمُ الصَّيْدُ [ ص: 444 ] بِالطَّعَامِ ، فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا ، أَوْ يَصُومُ مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا .

    وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : إِنْ قَوَّمَ الصَّيْدَ بِالدَّرَاهِمِ ، ثُمَّ قَوَّمَ الدَّرَاهِمَ بِالطَّعَامِ ، أَجْزَأَهُ . وَالصَّوَابُ : الْأَوَّلُ ; فَإِنْ بَقِيَ أَقَلُّ مِنْ مُدٍّ تَصَدَّقَ بِهِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ ، وَتَمَّمَهُ مُدًّا كَامِلًا عِنْدَ بَعْضٍ آخَرَ ، أَمَّا إِذَا صَامَ ، فَإِنَّهُ يُكْمِلُ الْيَوْمَ الْمُنْكَسِرَ بِلَا خِلَافٍ .

    وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا اخْتَارَ الْإِطْعَامَ ، أَوِ الصِّيَامَ ، فَلَا يُقَوَّمُ الصَّيْدُ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ ، وَإِنَّمَا يُقَوَّمُ مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ بِالدَّرَاهِمِ ، ثُمَّ تُقَوَّمُ الدَّرَاهِمُ بِالطَّعَامِ ، فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا ، أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا ، وَيُتَمِّمُ الْمُنْكَسِرَ .

    وَالتَّحْقِيقُ : أَنَّ الْخِيَارَ لِقَاتِلِ الصَّيْدِ الَّذِي هُوَ دَافِعُ الْجَزَاءِ .

    وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : الْخِيَارُ لِلْعَدْلَيْنِ الْحَكَمَيْنِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَنْبَغِي لِلْمُحَكِّمَيْ نِ إِذَا حَكَمَا بِالْمِثْلِ ، أَنْ يُخَيِّرَا قَاتِلَ الصَّيْدِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ .

    وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إِذَا حَكَمَا بِالْمِثْلِ لَزِمَهُ ، وَالْقُرْآنُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْمِثْلُ مِنَ النَّعَمِ ، إِلَّا إِذَا اخْتَارَهُ عَلَى الْإِطْعَامِ وَالصَّوْمِ ، لِلتَّخْيِيرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِحَرْفِ التَّخْيِيرِ فِي الْآيَةِ .

    وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : هِيَ عَلَى التَّرْتِيبِ ، فَالْوَاجِبُ الْهَدْيُ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالْإِطْعَامُ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالصَّوْمُ ، وَيُرْوَى هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالنَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِمَا ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي هَذَا مُخَالَفَةً لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ، بِلَا دَلِيلٍ .

    وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدَّيْنِ يَوْمًا وَاحِدًا اعْتِبَارًا بِفِدْيَةِ الْأَذَى ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ . وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ، أَنَّهُ يَصُومُ عَدْلَ الطَّعَامِ الْمَذْكُورِ ، وَلَوْ زَادَ الصِّيَامُ عَنْ شَهْرَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثَةٍ .

    وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : لَا يَتَجَاوَزُ صِيَامَ الْجَزَاءِ شَهْرَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا أَعْلَى الْكَفَّارَاتِ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَلَهُ وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ ، وَلَكِنْ ظَاهِرُ الْآيَةِ يُخَالِفُهُ .

    وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ : إِنَّمَا يُقَالُ : كَمْ رَجُلًا يَشْبَعُ مِنْ هَذَا الصَّيْدِ ؟ ; فَيَعْرِفُ الْعَدَدَ ، ثُمَّ يُقَالُ : كَمْ مِنَ الطَّعَامِ يُشْبِهُ هَذَا الْعَدَدَ ؟ فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ ذَلِكَ الطَّعَامَ ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَدَدَ أَمْدَادِهِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ احْتَاطَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ قِيمَةُ الصَّيْدِ مِنَ الطَّعَامِ قَلِيلَةً ، فَبِهَذَا النَّظَرِ يَكْثُرُ الْإِطْعَامُ .

    [ ص: 445 ] وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ ، وَاحِدٌ مِنْهَا يُشْتَرَطُ لَهُ الْحَرَمُ إِجْمَاعًا ، وَهُوَ الْهَدْيُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَوَاحِدٌ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ الْحَرَمُ إِجْمَاعًا ، وَهُوَ الصَّوْمُ ، وَوَاحِدٌ اخْتُلِفَ فِيهِ ، وَهُوَ الْإِطْعَامُ ، فَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُطْعِمُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يُطْعِمُ فِي مَوْضِعِ إِصَابَةِ الصَّيْدِ ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يُطْعِمُ حَيْثُ شَاءَ ، وَأَظْهَرُهَا أَنَّهُ حَقٌّ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ ; لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الْهَدْيِ ، أَوْ نَظِيرٌ لَهُ ، وَهُوَ حَقٌّ لَهُمْ إِجْمَاعًا ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَهُوَ عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ بِالصَّائِمِ لَا حَقَّ فِيهَا لِمَخْلُوقٍ ، فَلَهُ فِعْلُهَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ .

    وَأَمَّا إِنْ كَانَ الصَّيْدُ لَا مِثْلَ لَهُ مِنَ النَّعَمِ كَالْعَصَافِيرِ ; فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ ، ثُمَّ يُعْرَفُ قَدْرُ قِيمَتِهِ مِنَ الطَّعَامِ ، فَيُخْرِجُهُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ ، أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا .

    فَتَحَصَّلَ أَنَّ مَالَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : هِيَ الْهَدْيُ بِمِثْلِهِ ، وَالْإِطْعَامُ ، وَالصِّيَامُ ، وَأَنَّ مَا لَا مِثْلَ لَهُ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَقَطْ : وَهُمَا الْإِطْعَامُ ، وَالصِّيَامُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .

    وَاعْلَمْ أَنَّ الْمِثْلَ مِنَ النَّعَمِ لَهُ ثَلَاثُ حَالَاتٍ :

    الْأُولَى : أَنْ يَكُونَ تَقَدَّمَ فِيهِ حُكْمٌ مِنْ - النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

    الثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ تَقَدَّمَ فِيهِ حُكْمٌ مِنْ عَدْلَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، أَوِ التَّابِعَيْنِ مَثَلًا .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #71
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (70)

    سُورَةُ الْمَائِدَةِ (25)
    صـ 446 إلى صـ 450


    الثَّالِثَةُ : أَلَّا يَكُونَ تَقَدَّمَ فِيهِ حُكْمٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا مِنْهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَالَّذِي حَكَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْحِكَمُ فِيهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ كَالضَّبُعِ ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِيهَا بِكَبْشٍ ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " التَّلْخِيصِ " مَا نَصُّهُ : حَدِيثُ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ " أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَأَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ فِي " الْمُسْتَدْرَكِ " مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الضَّبُعِ فَقَالَ : " هُوَ صَيْدٌ ، وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ " ، وَلَفْظُ الْحَاكِمِ : " جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الضَّبُعِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ كَبْشًا " ، وَجَعْلَهُ مِنَ الصَّيْدِ ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ نَجْدِيًّا ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَأَلْتُ عَنْهُ الْبُخَارِيَّ فَصَحَّحَهُ ، وَكَذَا صَحَّحَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَقَدْ أَعْلَّ بِالْوَقْفِ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَجْلَحِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : " لَا أَرَاهُ إِلَّا قَدْ رَفَعَهُ أَنَّهُ حَكَمَ فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ " . الْحَدِيثَ ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ بِهِ مَوْقُوفًا ، وَصَحَّحَ وَقْفَهُ مِنْ [ ص: 446 ] هَذَا الْبَابِ الدَّارَقُطْنِي ُّ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي ُّ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الضَّبُعُ صَيْدٌ ، فَإِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ فَفِيهِ كَبْشٌ مُسِنٌّ وَيُؤْكَلُ " ، وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي ُّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ ، وَقَدْ أَعَلَّ بِالْإِرْسَالِ .

    وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا وَقَالَ : لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ لَوِ انْفَرَدَ ، ثُمَّ أَكَّدَهُ بِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ الْمُتَقَدِّمِ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا أَيْضًا .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : قَضَاؤُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَبْشٍ ثَابِتٌ كَمَا رَأَيْتَ تَصْحِيحَ الْبُخَارِيِّ وَعَبْدِ الْحَقِّ لَهُ ، وَكَذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَالْحَدِيثُ إِذَا ثَبَتَ صَحِيحًا مِنْ وَجْهٍ لَا يَقْدَحُ فِيهِ الْإِرْسَالُ وَلَا الْوَقْفُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ ; لِأَنَّ الْوَصْلَ وَالرَّفْعَ مِنَ الزِّيَادَاتِ ، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ صَاحِبِ " مَرَاقِي السُّعُودِ " : [ الرَّجَزُ ]


    وَالرَّفْعُ وَالْوَصْلُ وَزَيْدُ اللَّفْظِ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ إِمَامِ الْحِفْظِ


    ... إِلَخْ ...

    وَأَمَّا إِنْ تَقَدَّمَ فِيهِ حُكْمٌ مِنْ عَدْلَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، أَوْ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ ، فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : يَتَّبِعُ حُكْمَهُمْ وَلَا حَاجَةَ إِلَى نَظَرِ عَدْلَيْنِ وَحُكْمِهِمَا مِنْ جَدِيدٍ ; لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ : يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ [ 5 \ 95 ] ، وَقَدْ حَكَمَا بِأَنَّ هَذَا مِثْلٌ لِهَذَا .

    وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : لَا بُدَّ مِنْ حُكْمِ عَدْلَيْنِ مِنْ جَدِيدٍ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مَالِكٌ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَلَوِ اجْتَزَأَ بِحُكْمِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَكَانَ حَسَنًا .

    وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الْحُكْمَ فِي كُلِّ صَيْدٍ مَا عَدَا حَمَامَ مَكَّةَ ، وَحِمَارَ الْوَحْشِ ، وَالظَّبْيَ ، وَالنَّعَامَةَ ; فَيَكْتَفِي فِيهَا بِحُكْمِ مَنْ مَضَى مِنَ السَّلَفِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ : أَنَّهُ حَكَمَ هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي ظَبْيٍ بِعَنْزٍ ، أَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَالْبَيْهَقِيّ ُ وَغَيْرُهُمَا ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَسَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّهُمَا حَكَمَا فِي الظَّبْيِ بِتَيْسٍ أَعْفَرَ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : " فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ " ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ : أَنَّ فِي حِمَارِ الْوَحْشِ وَالْبَقَرَةِ بَقَرَةً ، وَأَنَّ فِي الْأَيِّلِ بَقَرَةً .

    [ ص: 447 ] وَعَنْ جَابِرٍ : أَنَّ عُمَرَ قَضَى فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ ، وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ ، وَفِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ ، وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ ، أَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَالْبَيْهَقِيّ ُ ، وَرَوَى الْأَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا الْأَثَرَ عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ عَلَى عُمَرَ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ قَضَى فِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ ، وَقَالَ : " هِيَ تَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ ، وَالْعَنَاقُ كَذَلِكَ ، وَهِيَ تَأْكُلُ الشَّجَرَ ، وَالْعَنَاقُ كَذَلِكَ ، وَهِيَ تَجْتَرُّ ، وَالْعَنَاقُ كَذَلِكَ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ .

    وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّهُ قَضَى فِي الْيَرْبُوعِ بِحَفْرٍ أَوْ جَفْرَةٍ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : قَالَ أَبُو زَيْدٍ : الْجَفْرُ مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ مَا بَلَغَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَفَصَلَ عَنْ أُمِّهِ ، وَعَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ : لَوْ كَانَ مَعِي حَكَمٌ حَكَمْتُ فِي الثَّعْلَبِ بِجَدْيٍ ، وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ : فِي الثَّعْلَبِ شَاةٌ ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَأَرْبَدَ - رَضِيَ اللَّهُ - عَنْهُمَا : أَنَّهُمَا حَكَمَا فِي ضَبٍّ قَتَلَهُ أَرْبَدُ الْمَذْكُورُ بِجَدْيٍ قَدْ جَمَعَ الْمَاءَ وَالشَّجَرَ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ .

    وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّهُ حَكَمَ فِي أُمِّ حُبَيْنٍ بِجِلَّانَ مِنَ الْغَنَمِ ، وَالْجِلَّانُ الْجَدْيُ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ .

    تَنْبِيهٌ

    أَقَلُّ مَا يَكُونُ جَزَاءً مِنَ النَّعَمِ عِنْدَ مَالِكٍ شَاةٌ تُجْزِئُ ضَحِيَّةً ، فَلَا جَزَاءَ عِنْدِهِ بِجَفْرَةٍ ، وَلَا عَنَاقٍ ، مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ كَالدِّيَةِ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، وَبِأَنَّ اللَّهَ قَالَ : هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ يَصِحُّ هَدْيًا ، فَفِي الضَّبِّ وَالْيَرْبُوعِ عِنْدَهُ قِيمَتُهَا طَعَامًا .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : قَوْلُ الْجُمْهُورِ فِي جَزَاءِ الصَّغِيرِ بِالصَّغِيرِ ، وَالْكَبِيرِ بِالْكَبِيرِ ، هُوَ الظَّاهِرُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ عُلَمَائِنَا ، يَعْنِي مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ الَّذِي هُوَ اعْتِبَارُ الصِّغَرِ ، وَالْكِبْرِ ، وَالْمَرَضِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ .
    الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : إِذَا كَانَ مَا أَتْلَفَهُ الْمُحْرِمُ بَيْضًا ، فَقَالَ مَالِكٌ : فِي بَيْضِ النَّعَامَةِ [ ص: 448 ] عُشْرُ ثَمَنِ الْبَدَنَةِ ، وَفِي بَيْضِ الْحَمَامَةِ الْمَكِّيَّةِ عُشْرُ ثَمَنِ شَاةٍ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَسَوَاءٌ كَانَ فِيهَا فَرْخٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، مَا لَمْ يَسْتَهِلَّ الْفَرْخُ بَعْدَ الْكَسْرِ ، فَإِنِ اسْتَهَلَّ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ كَامِلًا كَجَزَاءِ الْكَبِيرِ مِنْ ذَلِكَ الطَّيْرِ ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّارِ بِحُكُومَةِ عَدْلَيْنِ ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يَرَوْنَ فِي بَيْضِ كُلِّ طَائِرٍ قِيمَتَهُ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : وَهُوَ الْأَظْهَرُ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : رَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي بَيْضِ نَعَامٍ أَصَابَهُ مُحْرِمٌ بِقَدْرِ ثَمَنِهِ ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِي ُّ ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فِي بَيْضَةِ نَعَامٍ صِيَامُ يَوْمٍ أَوْ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ " ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، وَإِنْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ فِيلًا فَقِيلَ : فِيهِ بَدَنَةٌ مِنَ الْهِجَانِ الْعِظَامِ الَّتِي لَهَا سَنَامَانِ ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْإِبِلِ ; فَيُنْظَرُ إِلَى قِيمَتِهِ طَعَامًا ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ ذَلِكَ .

    قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَالْعَمَلُ فِيهِ أَنْ يُجْعَلَ الْفِيلُ فِي مَرْكَبٍ وَيُنْظَرَ إِلَى مُنْتَهَى مَا يَنْزِلُ الْمَرْكَبُ فِي الْمَاءِ ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْفِيلُ ، وَيُجْعَلُ فِي الْمَرْكَبُ طَعَامٌ إِلَى الْحَدِّ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ وَالْفِيلُ فِيهِ ، وَهَذَا عَدْلُهُ مِنَ الطَّعَامِ وَأَمَّا إِنْ نَظَرَ إِلَى قِيمَتِهِ ، فَهُوَ يَكُونُ لَهُ ثَمَنٌ عَظِيمٌ لِأَجْلِ عِظَامِهِ وَأَنْيَابِهِ ; فَيَكْثُرُ الطَّعَامُ وَذَلِكَ ضَرَرٌ اهـ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي اعْتِبَارِ مِثْلِ الْفِيلِ طَعَامًا فِيهِ أَمْرَانِ :

    الْأَوَّلُ : أَنَّهُ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ غَالِبًا ; لِأَنَّ نَقْلَ الْفِيلِ إِلَى الْمَاءِ ، وَتَحْصِيلَ الْمَرْكَبِ ، وَرَفْعَ الْفِيلِ فِيهِ ، وَنَزْعَهُ مِنْهُ ، لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ آحَادُ النَّاسِ غَالِبًا ، وَلَا يَنْبَغِي التَّكْلِيفُ الْعَامُّ إِلَّا بِمَا هُوَ مَقْدُورٌ غَالِبًا لِكُلِّ أَحَدٍ .

    وَالثَّانِي : أَنَّ كَثْرَةَ الْقِيمَةِ لَا تُعَدُّ ضَرَرًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ عَلَيْهِ إِلَّا قِيمَةُ مَا أَتْلَفَ فِي الْإِحْرَامِ ، وَمَنْ أَتْلَفَ فِي الْإِحْرَامِ حَيَوَانًا عَظِيمًا ; لَزِمَهُ جَزَاءٌ عَظِيمٌ ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ تَابِعٌ لِعِظَمِ الْجِنَايَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ .
    الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ صَيْدَ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ مَمْنُوعٌ ، وَأَنَّ قَطْعَ شَجَرِهِ ، وَنَبَاتِهِ حَرَامٌ ، إِلَّا الْإِذْخِرَ ; لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ : " إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَامٌ لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ ، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ ، إِلَّا لِمُعَرِّفٍ " . فَقَالَ [ ص: 449 ] الْعَبَّاسُ : إِلَّا الْإِذْخِرَ ; فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ لِلْقُيُونِ وَالْبُيُوتِ ، فَقَالَ : " إِلَّا الْإِذْخِرَ " ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ قَالَ : " لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا ، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ " ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ : إِلَّا الْإِذْخِرَ ; فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِلَّا الْإِذْخِرَ " ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا ، وَفِي لَفْظٍ " لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا " ، بَدَلَ قَوْلِهِ " لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا " ، وَالْأَحَادِيثُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ .

    وَاعْلَمْ أَنَّ شَجَرَ الْحَرَمِ وَنَبَاتَهُ طَرَفَانِ ، وَوَاسِطَةُ طَرَفٍ ، لَا يَجُوزُ قَطْعُهُ إِجْمَاعًا ، وَهُوَ مَا أَنْبَتَهُ اللَّهُ فِي الْحَرَمِ مِنْ غَيْرِ تَسَبُّبِ الْآدَمِيِّينَ ، وَطَرَفٌ يَجُوزُ قَطْعُهُ إِجْمَاعًا ، وَهُوَ مَا زَرَعَهُ الْآدَمِيُّونَ مِنَ الزُّرُوعِ ، وَالْبُقُولِ ، وَالرَّيَاحِينِ وَنَحْوِهَا ، وَطَرَفٌ اخْتُلِفَ فِيهِ ، وَهُوَ مَا غَرَسَهُ الْآدَمِيُّونَ مِنْ غَيْرِ الْمَأْكُولِ ، وَالْمَشْمُومِ ، كَالْأَثْلِ ، وَالْعَوْسَجِ ، فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ قَطْعِهِ .

    وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ بِالْمَنْعِ ، وَهُوَ أَحْوَطُ فِي الْخُرُوجِ مِنَ الْعُهْدَةِ ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إِنْ نَبَتَ أَوَّلًا فِي الْحَلِّ ، ثُمَّ نُزِعَ فَغُرِسَ فِي الْحَرَمِ جَازَ قَطْعُهُ ، وَإِنْ نَبَتَ أَوَّلًا فِي الْحَرَمِ ، فَلَا يَجُوزُ قَطْعُهُ ، وَيَحْرُمُ قَطْعُ الشَّوْكِ وَالْعَوْسَجِ ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي " الْمُغْنِي " ، وَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَحْرِمُ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ يُؤْذِي بِطَبْعِهِ ، فَأَشْبَهَ السِّبَاعَ مِنَ الْحَيَوَانِ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : قِيَاسُ شَوْكِ الْحَرَمِ عَلَى سِبَاعِ الْحَيَوَانِ مَرْدُودٌ مِنْ وَجْهَيْنِ :

    الْأَوَّلُ : أَنَّ السِّبَاعَ تَتَعَرَّضُ لِأَذَى النَّاسِ ، وَتَقْصِدُهُ ، بِخِلَافِ الشَّوْكِ .

    الثَّانِي : أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ " ، وَالْقِيَاسُ الْمُخَالِفُ لِلنَّصِّ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ ، قَالَ فِي " مَرَاقِي السُّعُودِ " : [ الرَّجَزُ ]

    وَالْخُلْفُ لِلنَّصِّ أَوْ إِجْمَاعٍ دَعَا فَسَادَ الِاعْتِبَارِ كُلُّ مَنْ وَعَى

    وَفَسَادُ الِاعْتِبَارِ قَادِحٌ مُبْطِلٌ لِلدَّلِيلِ ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ ، وَاخْتُلِفَ فِي قَطْعِ الْيَابِسِ مِنَ الشَّجَرِ ، وَالْحَشِيشِ ، فَأَجَازَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ كَالصَّيْدِ الْمَيِّتِ ، لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ قَدَّهُ نِصْفَيْنِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ " ; لِأَنَّ الْخَلَا هُوَ الرَّطْبُ مِنَ النَّبَاتِ ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِقَطْعِ الْيَابِسِ .
    [ ص: 450 ] وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : لَا يَجُوزُ قَطْعُ الْيَابِسِ مِنْهُ ، وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْإِذْخِرِ إِشَارَةٌ إِلَى تَحْرِيمِ الْيَابِسِ ، وَبِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : " وَلَا يُحْتَشُّ حَشِيشُهَا " ، وَالْحَشِيشُ فِي اللُّغَةِ : الْيَابِسُ مِنَ الْعُشْبِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَرْكَهُ أَحْوَطُ .

    وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي جَوَازِ تَرْكِ الْبَهَائِمِ تَرْعَى فِيهِ ، فَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مَالِكٍ ، وَفِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ جَوَازُهُ ، وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَهُ بِأَنَّ مَا حَرُمَ إِتْلَافُهُ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْهِ مَا يُتْلِفُهُ كَالصَّيْدِ ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَهُ بِأَمْرَيْنِ :

    الْأَوَّلُ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : " أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ ، فَوَجَدْتُ - النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ ، وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعِ " ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَمِنًى مِنَ الْحَرَمِ .

    الثَّانِي : أَنَّ الْهَدْيَ كَانَ يَدْخُلُ بِكَثْرَةٍ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَمَنِ أَصْحَابِهِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ الْأَمْرُ بِسَدِّ أَفْوَاهِ الْهَدْيِ عَنِ الْأَكْلِ مِنْ نَبَاتِ الْحَرَمِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

    وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ عَطَاءٌ ، وَاخْتُلِفَ فِي أَخْذِ الْوَرَقِ ، وَالْمُسَاوِيكِ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ ، إِذَا كَانَ أَخْذُ الْوَرَقِ بِغَيْرِ ضَرْبٍ يَضُرُّ بِالشَّجَرَةِ ، فَمَنَعَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ; لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ ; لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الشَّجَرَةِ ، وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ : أَنَّهُمَا رَخَّصَا فِي وَرَقِ السَّنَا لِلِاسْتِمْشَاء ِ بِدُونِ نَزْعِ أَصْلِهِ ، وَالْأَحْوَطُ تَرْكُ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ أَجَازَهُ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقِيَاسِهِ عَلَى الْإِذْخِرِ بِجَامِعِ الْحَاجَةِ .

    وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي " الْمُغْنِي " : وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِمَا انْكَسَرَ مِنَ الْأَغْصَانِ ، وَانْقَلَعَ مِنَ الشَّجَرِ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ ، وَلَا مَا سَقَطَ مِنَ الْوَرَقِ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; لِأَنَّ الْخَبَرَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْقَطْعِ ، وَهَذَا لَمْ يَقْطَعْ ، فَأَمَّا إِنْ قَطَعَهُ آدَمِيٌّ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَمْ أَسْمَعْ إِذَا قَطَعَ أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ ، وَقَالَ فِي الدَّوْحَةِ تُقْطَعُ مِنْ شَبَهِهِ بِالصَّيْدِ لَمْ يُنْتَفَعْ بِحَطَبِهَا ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إِتْلَافِهِ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ ، فَإِذَا قَطَعَهُ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَطْعُهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ ، كَالصَّيْدِ يَذْبَحُهُ الْمُحْرِمُ .

    وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُبَاحَ لِغَيْرِ الْقَاطِعِ الِانْتِفَاعُ بِهِ ; لِأَنَّهُ انْقَطَعَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ ، فَأُبِيحَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَهُ حَيَوَانٌ بَهِيمِيٌّ ، وَيُفَارِقُ الصَّيْدَ الَّذِي ذَبَحَهُ ; لَأَنَّ الذَّكَاةَ تُعْتَبَرُ لَهَا الْأَهْلِيَّةُ ، وَلِهَذَا لَا تَحْصُلُ بِفِعْلِ بَهِيَمَةٍ بِخِلَافِ هَذَا . اهـ .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #72
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (71)

    سُورَةُ الْمَائِدَةِ (26)
    صـ 451 إلى صـ 455


    [ ص: 451 ] وَقَالَ فِي الْمُغْنِي أَيْضًا : وَيُبَاحُ أَخْذُ الْكُمْأَةِ مِنَ الْحَرَمِ ، وَكَذَلِكَ الْفَقْعُ ; لِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ ، فَأَشْبَهَ الثَّمَرَةَ ، وَرَوَى حَنْبَلٌ قَالَ : يُؤْكَلُ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ الضَّغَابِيسُ وَالْعِشْرِقُ ، وَمَا سَقَطَ مِنَ الشَّجَرِ ، وَمَا أَنَبْتَ النَّاسُ .

    وَاخْتُلِفَ فِي عُشْبِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ ، هَلْ يَجُوزُ أَخْذُهُ لِعَلَفِ الْبَهَائِمِ ؟ وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ .

    فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْحَلَالَ إِذَا قَتَلَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ ، وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ ، وَهُوَ كَجَزَاءِ الْمُحْرِمِ الْمُتَقَدِّمِ ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : لَيْسَ فِيهِ الصَّوْمُ ; لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ مَحْضٌ مِنْ غَيْرِ مُحَرَّمٍ .

    وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيُّ ، مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ ، وَلَمْ يَرِدْ فِي جَزَاءِ صَيْدِ الْحَرَمِ نَصٌّ ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ ، وَقَوْلُهُ هَذَا قَوِيٌّ جِدًّا .

    وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ : بِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَضَوْا فِي حَمَامِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ بِشَاةٍ شَاةٍ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُمْ ; فَيَكُونُ إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقِيَاسِهِ عَلَى صَيْدِ الْمُحْرِمِ ، بِجَامِعِ أَنَّ الْكُلَّ صَيْدٌ مَمْنُوعٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا يَضْمَنُهُ الْمُحْرِمُ يَضْمَنُهُ مَنْ فِي الْحَرَمِ يُسْتَثْنَى مِنْهُ شَيْئَانِ :

    الْأَوَّلُ : مِنْهُمَا الْقَمْلُ ، فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي قَتْلِهِ فِي الْإِحْرَامِ ، وَهُوَ مُبَاحٌ فِي الْحَرَمِ بِلَا خِلَافٍ .

    وَالثَّانِي : الصَّيْدُ الْمَائِيُّ مُبَاحٌ فِي الْإِحْرَامِ بِلَا خِلَافٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي اصْطِيَادِهِ مِنْ آبَارِ الْحَرَمِ وَعُيُونِهِ ، وَكَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا " ; فَيَثْبُتُ حُرْمَةُ الصَّيْدِ لِحُرْمَةِ الْمَكَانِ ، وَظَاهِرُ النَّصِّ شُمُولُ كُلِّ صَيْدٍ ، وَلِأَنَّهُ صَيْدٌ غَيْرُ مُؤْذٍ فَأَشْبَهَ الظِّبَاءَ ، وَأَجَازَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ; مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَمْ يُحَرِّمْهُ ، فَكَذَلِكَ الْحَرَمُ ، وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ فِي ذَلِكَ بِالْمَنْعِ وَالْجَوَازِ .

    وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي شَجَرِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ وَخَلَاهُ ، هَلْ يَجِبُ عَلَى مَنْ قَطَعَهُمَا ضَمَانٌ ؟ .

    [ ص: 452 ] فَقَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : لَا ضَمَانَ فِي شَجَرِهِ وَنَبَاتِهِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَجِدُ دَلِيلًا أُوجِبُ بِهِ فِي شَجَرِ الْحَرَمِ فَرْضًا مِنْ كِتَابٍ ، وَلَا سُنَّةٍ ، وَلَا إِجْمَاعٍ ، وَأَقُولُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ : نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى .

    وَالَّذِينَ قَالُوا بِضَمَانِهِ ، مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : يَضْمَنُ كُلَّهُ بِالْقِيمَةِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ : يَضْمَنُ الشَّجَرَةَ الْكَبِيرَةَ بِبَقَرَةٍ ، وَالصَّغِيرَةَ بِشَاةٍ ، وَالْخَلَا بِقِيمَتِهِ ، وَالْغُصْنَ بِمَا نَقَصَ ، فَإِنْ نَبْتَ مَا قَطَعَ مِنْهُ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَسْقُطُ الضَّمَانُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِعَدَمِ سُقُوطِهِ .

    وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ : فِي الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ ، وَفِي الشَّجَرَةِ الْجَزْلَةِ شَاةٌ ، بِآثَارٍ رُوِيَتْ فِي ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ كَعُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالدَّوْحَةُ : هِيَ الشَّجَرَةُ الْكَبِيرَةُ ، وَالْجَزْلَةُ : الصَّغِيرَةُ .
    الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : حَرَمُ الْمَدِينَةِ ، اعْلَمْ أَنَّ جَمَاهِيرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ حَرَمٌ أَيْضًا لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا ، وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ الْجُمْهُورَ ، فَقَالَ : إِنَّ حَرَمَ الْمَدِينَةِ لَيْسَ بِحَرَمٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَلَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْحَرَمِ مِنْ تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ ، وَقَطْعِ الشَّجَرِ ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ تَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ ، وَتَقْضِي بِأَنَّ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ حَرَمٌ ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ إِلَّا لِعَلَفٍ ، فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ " ، الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .

    وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : " حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ ، وَجَعَلَ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حَوْلَ الْمَدِينَةِ حِمًى " ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ : " لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ تَرْتَعُ فِي الْمَدِينَةِ مَا ذَعَرْتُهَا " ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا فِي الْمَدِينَةِ ، قَالَ : " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحَرِّمُ شَجَرَهَا أَنْ يَخْبِطَ أَوْ يُعْضَدَ " ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ . وَعَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ : " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ " ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .

    وَلِلْبُخَارِيّ ِ عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا ، لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا ، وَلَا يُحْدَثُ فِيهَا حَدَثٌ ، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَة ِ وَالنَّاسِ [ ص: 453 ] أَجْمَعِينَ " ، وَلِمُسْلِمٍ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسًا ، أَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ هِيَ حَرَامٌ ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا " ، الْحَدِيثَ .

    وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ ، حَرَامٌ مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا أَلَّا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ ، وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ وَلَا يُخْبَطَ فِيهَا شَجَرٌ إِلَّا لِعَلَفٍ " ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ .

    وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ، لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهُا ، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا " ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا .

    وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ " ، الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .

    وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَدِينَةِ " لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمَنْ أَشَادَ بِهَا ، وَلَا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا السِّلَاحَ لِقِتَالٍ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تُقْطَعَ فِيهَا شَجَرَةٌ ، إِلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ " ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .

    وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهُا ، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا " .

    وَقَالَ : " الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، لَا يَخْرُجُ عَنْهَا أَحَدٌ رَغْبَةً إِلَّا أَبْدَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ ، وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا ، أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ .

    وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا .

    وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : أَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ : " إِنَّهَا حَرَمٌ آمِنٌ " ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا .

    وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " إِنِّي حَرَّمْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ ، كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ " .

    قَالَ : وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَجِدُ فِي يَدِ أَحَدِنَا الطَّيْرَ ، فَيَأْخُذُهُ فَيَفُكُّهُ مِنْ يَدِهِ ، ثُمَّ [ ص: 454 ] يُرْسِلُهُ ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ أَيْضًا " ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَادَةَ الزُّرَقِيِّ : أَنَّهُ كَانَ يَصِيدُ الْعَصَافِيرَ فِي بِئْرِ إِهَابٍ ، وَكَانَتْ لَهُمْ ، قَالَ : فَرَآنِي عُبَادَةُ ، وَقَدْ أَخَذْتُ عُصْفُورًا ، فَانْتَزَعَهُ مِنِّي فَأَرْسَلَهُ ، وَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " حَرَّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَكَّةَ " ، وَكَانَ عُبَادَةُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ .

    وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : اصْطَدْتُ طَيْرًا بِالْقُنْبُلَةِ ، فَخَرَجْتُ بِهِ فِي يَدِي ، فَلَقِيَنِي أَبِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، فَقَالَ : مَا هَذَا فِي يَدِكَ ؟ ، فَقُلْتُ : طَيْرٌ اصْطَدْتُهُ بِالْقُنْبُلَةِ ، فَعَرَكَ أُذُنِي عَرْكًا شَدِيدًا ، وَانْتَزَعَهُ مِنْ يَدِي ، فَأَرْسَلَهُ ، فَقَالَ : " حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَيْدَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا " ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا ، وَالْقُنْبُلَةُ : آلَةٌ يُصَادُ بِهَا النُّهَسُ وَهُوَ طَائِرٌ .

    وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّهُ وَجَدَ غِلْمَانًا قَدْ أَلْجَؤُوا ثَعْلَبًا إِلَى زَاوِيَةٍ فَطَرَدَهُمْ عَنْهُ ، قَالَ مَالِكٌ : وَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : " أَفِي حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصْنَعُ هَذَا " ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا .

    وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّهُ وَجَدَ رَجُلًا بِالْأَسْوَافِ - وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ - وَقَدِ اصْطَادَ نُهَسًا ، فَأَخَذَهُ زَيْدٌ مِنْ يَدِهِ فَأَرْسَلَهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّمَ صَيْدَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا " ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَالرَّجُلُ الَّذِي اصْطَادَ النُّهَسَ هُوَ شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالنُّهَسُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْهَاءِ بَعْدَهُمَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ ، طَيْرٌ صَغِيرٌ فَوْقَ الْعُصْفُورِ شَبِيهٌ بِالْقُنْبُرَةِ .

    وَالْأَحَادِيثُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ الَّتِي أَوْرَدْنَا فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ لَا شَكَّ مَعَهَا ، وَلَا لَبْسَ فِي أَنَّهَا حَرَامٌ ، لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا إِلَّا لِعَلَفٍ ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ حَرَامٍ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ يَا أَبَا عُمَيْرٍ ؟ " ، لَا دَلِيلَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ لِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ ، وَمُحْتَمَلٌ لِأَنْ يَكُونَ صِيدَ فِي الْحِلِّ ، ثُمَّ أُدْخِلَ الْمَدِينَةَ .

    وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ إِمْسَاكِ الصَّيْدِ الَّذِي صِيدَ فِي الْحِلِّ وَإِدْخَالِهِ الْمَدِينَةَ ، وَمَا كَانَ مُحْتَمَلًا لِهَذِهِ الِاحْتِمَالَات ِ لَا تُعَارَضُ بِهِ النُّصُوصُ الصَّرِيحَةُ الصَّحِيحَةُ الْكَثِيرَةُ الَّتِي لَا لَبْسَ فِيهَا وَلَا احْتِمَالَ ، فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ الْقَائِلِينَ بِحُرْمَةِ الْمَدِينَةِ ، وَهُمْ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ اخْتَلَفُوا فِي صَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ ، هَلْ يَضْمَنُهُ قَاتِلُهُ أَوْ لَا ؟ [ ص: 455 ] وَكَذَلِكَ شَجَرُهَا ، فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ ، وَأَصْحَابُهُمَ ا ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْن ِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ مَوْضِعٌ يَجُوزُ دُخُولُهُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ جَزَاءٌ كَصَيْدِ وَجٍّ .

    وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ وَثَوْرٍ ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا ، أَوْ آوَى فِيهَا مُحْدِثًا ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَة ِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا " ، فَذِكْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ فِي الْآخِرَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَفَّارَةً فِي الدُّنْيَا ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ تَجِبُ فِيهِ فِي الدُّنْيَا ، وَهُوَ ظَاهِرٌ .

    وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يَجِبُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ الْمَدَنِيِّ الْجَزَاءُ الْوَاجِبُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ، وَاسْتَدَلَّ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَرَّحَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَقَدِّمَة ِ بِأَنَّهُ حَرَّمَ الْمَدِينَةَ مِثْلَ تَحْرِيمِ إِبْرَاهِيمَ لِمَكَّةَ ، وَمُمَاثَلَةُ تَحْرِيمِهَا تَقْتَضِي اسْتِوَاءَهُمَا فِي جَزَاءِ مَنِ انْتَهَكَ الْحُرْمَةَ فِيهِمَا .

    قَالَ الْقُرْطُبِيُّ ، قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ : وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْيَسُ عِنْدِي عَلَى أُصُولِنَا ; لَاسِيَّمَا أَنَّ الْمَدِينَةَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . اهـ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ فِي تَفْضِيلِ مَكَّةَ ، وَكَثْرَةِ مُضَاعَفَةِ الصَّلَاةِ فِيهَا زِيَادَةً عَلَى الْمَدِينَةِ بِمِائَةِ ضِعْفٍ أَظْهَرُ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

    وَذَهَبَ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي الْحَرَمِ الْمَدَنِيِّ إِلَى أَنَّ الْجَزَاءَ فِيهِ هُوَ أَخْذُ سَلَبِ قَاتِلِ الصَّيْدِ ، أَوْ قَاطِعِ الشَّجَرِ فِيهِ .

    قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ أَقْوَى الْأَقْوَالِ دَلِيلًا ; لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " أَنَّهُ رَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا ، أَوْ يَخْبِطُهُ ، فَسَلَبَهُ ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ ، فَقَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَى أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ " ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " ، وَأَحْمَدُ .

    وَمَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ خَاصٌّ بِسَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ قَوْلَهُ : " نَفَّلَنِيهِ " أَيْ أَعْطَانِيهِ ، ظَاهِرٌ فِي الْخُصُوصِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ ، فِيهِ عِنْدِي أَمْرَانِ :


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #73
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (72)

    سُورَةُ الْمَائِدَةِ (27)
    صـ 456 إلى صـ 460


    الأول : أن هذا لا يكفي في الدلالة على الخصوص ; لأن الأصل استواء الناس في الأحكام الشرعية إلا بدليل ، وقوله " نفلنيه " ليس بدليل ; لاحتمال أنه نفل كل من وجد قاطع شجر ، أو قاتل صيد بالمدينة ثيابه ، كما نفل سعدا ، وهذا هو الظاهر .

    الثاني : أن سعدا نفسه روي عنه تعميم الحكم ، وشموله لغيره ، فقد روى الإمام أحمد ، وأبو داود عن سليمان بن أبي عبد الله قال : " رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلا يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلبه ثيابه ، فجاء مواليه ، فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرم هذا الحرم ، وقال : " من رأيتموه يصيد فيه شيئا فلكم سلبه " ; فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن إن شئتم أن أعطيكم ثمنه أعطيتكم " ، وفي لفظ : " من أخذ أحدا يصيد فيه فليسلبه ثيابه " ، وروى هذا الحديث أيضا الحاكم وصححه ، وهو صريح في العموم وعدم الخصوص بسعد كما ترى ، وفيه تفسير المراد بقوله : " نفلنيه " وأنه عام لكل من وجد أحدا يفعل فيها ذلك .

    وتضعيف بعضهم لهذا الحديث بأن في إسناده سليمان بن أبي عبد الله غير مقبول ; لأن سليمان بن أبي عبد الله مقبول ، قال فيه الذهبي : تابعي موثق ، وقال فيه ابن حجر في " التقريب " : مقبول .

    والمقبول عنده كما بينه في مقدمة تقريبه : هو من ليس له من الحديث إلا القليل ، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله ، فهو مقبول حيث يتابع ، وإلا فلين الحديث ، وقال فيه ابن أبي حاتم : ليس بمشهور ، ولكن يعتبر بحديثه . اهـ .

    وقد تابع سليمان بن أبي عبد الله في هذا الحديث عامر بن سعد عند مسلم ، وأحمد ، ومولى لسعد ، عند أبي داود ، كلهم عن سعد - رضي الله عنه - فاتضح رد تضعيفه مع ما قدمنا من أن الحاكم صححه ، وأن الذهبي قال فيه : تابعي موثق .

    والمراد بسلب قاطع الشجر أو قاتل الصيد في المدينة أخذ ثيابه ، قال بعض العلماء : حتى سراويله .

    والظاهر ما ذكره بعض أهل العلم من وجوب ترك ما يستر العورة المغلظة ، والله تعالى أعلم .

    وقال بعض العلماء : السلب هنا سلب القاتل ، وفي مصرف هذا السلب ثلاثة أقوال :

    [ ص: 457 ] أصحها : أنه للسالب كالقتيل ، ودليله حديث سعد المذكور .

    والثاني : أنه لفقراء المدينة .

    والثالث : أنه لبيت المال ، والحق الأول .

    وجمهور العلماء على أن حمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي تقدم في حديث أبي هريرة المتفق عليه ، أن قدره اثنا عشر ميلا من جهات المدينة لا يجوز قطع شجره ، ولا خلاه ، كما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " لا يخبط ولا يعضد حمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن يهش هشا رفيقا " أخرجه أبو داود والبيهقي ، ولم يضعفه أبو داود ، والمعروف عن أبي داود - رحمه الله - أنه إن سكت عن الكلام في حديث فأقل درجاته عنده الحسن .

    وقال النووي في " شرح المهذب " بعد أن ساق حديث جابر المذكور : رواه أبو داود بإسناد غير قوي لكنه لم يضعفه . اهـ ، ويعتضد هذا الحديث بما رواه البيهقي بإسناده عن محمد بن زياد قال : " كان جدي مولى لعثمان بن مظعون ، وكان يلي أرضا لعثمان فيها بقل وقثاء ، قال : فربما أتاني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نصف النهار ، واضعا ثوبه على رأسه يتعاهد الحمى ، ألا يعضد شجره ، ولا يخبط ، قال : فيجلس إلي فيحدثني ، وأطعمه من القثاء والبقل ، فقال له يوما : أراك لا تخرج من هاهنا ، قال : قلت : أجل ، قال : إني أستعملك على ما هاهنا فمن رأيت يعضد شجرا أو يخبط فخذ فأسه وحبله ، قال : قلت : آخذ رداءه ، قال : لا " وعامة العلماء على أن صيد الحمى المذكور غير حرام ; لأنه ليس بحرم ، وإنما هو حمى حماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للخيل وإبل الصدقة والجزية ، ونحو ذلك .

    واختلف في شجر الحمى ؛ هل يضمنه قاطعه ؟ والأكثرون على أنه لا ضمان فيه ، وأصح القولين عند الشافعية وجوب الضمان فيه بالقيمة ، ولا يسلب قاطعه ، وتصرف القيمة في مصرف نعم الزكاة والجزية .
    المسألة الثالثة عشرة : اعلم أن جماهير العلماء على إباحة صيد وج ، وقطع شجره ، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى : أكره صيد وج ، وحمله المحققون من أصحابه على كراهة التحريم .

    [ ص: 458 ] واختلفوا فيه على القول بحرمته ، هل فيه جزاء كحرم المدينة أو لا شيء فيه ؟ ولكن يؤدب قاتله ، وعليه أكثر الشافعية .

    وحجة من قال بحرمة صيد وج ما رواه أبو داود ، وأحمد ، والبخاري في " تاريخه " ، عن الزبير بن العوام - رضي الله عنه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " صيد وج محرم " الحديث .

    قال ابن حجر في " التلخيص " : سكت عليه أبو داود ، وحسنه المنذري ، وسكت عليه عبد الحق ، فتعقبه ابن القطان بما نقل عن البخاري ، أنه لم يصح ، وكذا قال الأزدي .

    وذكر الذهبي ، أن الشافعي صححه ، وذكر الخلال أن أحمد ضعفه ، وقال ابن حبان في رواية المنفرد به ، وهو محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفي ، كان يخطئ ، ومقتضاه تضعيف الحديث فإنه ليس له غيره ، فإن كان أخطأ فيه فهو ضعيف ، وقال العقيلي : لا يتابع إلا من جهة تقاربه في الضعف ، وقال النووي في " شرح المهذب " : إسناده ضعيف .

    وذكر البخاري في " تاريخه " في ترجمة عبد الله بن إنسان : أنه لا يصح .

    وقال ابن حجر في " التقريب " في محمد بن عبد الله بن إنسان الثقفي الطائفي المذكور : لين الحديث ، وكذلك أبوه عبد الله الذي هو شيخه في هذا الحديث قال فيه أيضا : لين الحديث ، وقال ابن قدامة في " المغني " في هذا الحديث في صيد وج : ضعفه أحمد ، ذكره الخلال في كتاب " العلل " ، فإذا عرفت هذا ظهر لك أن حجة الجمهور في إباحة صيد وج وشجره ، كون الحديث لم يثبت ، والأصل براءة الذمة ، ووج : بفتح الواو وتشديد الجيم ، أرض بالطائف ، وقال بعض العلماء : هو واد بصحراء الطائف ، وليس المراد به نفس بلدة الطائف ، وقيل : هو كل أرض الطائف ، وقيل : هو اسم لحصون الطائف ، وقيل : لواحد منها ، وربما التبس وج المذكور بوح بالحاء المهملة وهي ناحية نعمان .

    فإذا عرفت حكم صيد المحرم ، وحكم صيد مكة والمدينة ووج مما ذكرنا ، فاعلم أن الصيد المحرم ، إذا كان بعض قوائمه في الحل وبعضها في الحرم ، أو كان على غصن ممتد في الحل ، وأصل شجرته في الحرم ، فاصطياده حرام على التحقيق تغليبا [ ص: 459 ] لجانب حرمة الحرم فيهما .

    أما إذا كان أصل الشجرة في الحل ، وأغصانها ممتدة في الحرم ، فاصطاد طيرا واقعا على الأغصان الممتدة في الحرم ، فلا إشكال في أنه مصطاد في الحرم ; لكون الطير في هواء الحرم .

    واعلم أن ما ادعاه بعض الحنفية ، من أن أحاديث تحديد حرم المدينة مضطربة ; لأنه وقع في بعض الروايات باللابتين ، وفي بعضها بالحرتين ، وفي بعضها بالجبلين ، وفي بعضها بالمأزمين ، وفي بعضها بعير وثور ، غير صحيح لظهور الجمع بكل وضوح ; لأن اللابتين هما الحرتان المعروفتان ، وهما حجارة سود على جوانب المدينة ، والجبلان هما المأزمان ، وهما عير وثور والمدينة بين الحرتين ، كما أنها أيضا بين ثور وعير ، كما يشاهده من نظرها ، وثور جبيل صغير يميل إلى الحمرة بتدوير خلف أحد من جهة الشمال .

    فمن ادعى من العلماء أنه ليس في المدينة جبل يسمى ثورا ، فغلط منه ; لأنه معروف عند الناس إلى اليوم ، مع أنه ثبت في الحديث الصحيح .

    واعلم أنه على قراءة الكوفيين : فجزاء مثل الآية ، بتنوين " جزاء " ورفع مثل فالأمر واضح ، وعلى قراءة الجمهور فجزاء مثل بالإضافة ، فأظهر الأقوال أن الإضافة بيانية ، أي جزاء هو مثل ما قتل من النعم ، فيرجع معناه إلى الأول ، والعلم عند الله تعالى .
    قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، قد يتوهم الجاهل من ظاهر هذه الآية الكريمة عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن نفس الآية فيها الإشارة إلى أن ذلك فيما إذا بلغ جهده فلم يقبل منه المأمور ، وذلك في قوله : إذا اهتديتم [ 5 \ 105 ] ; لأن من ترك الأمر بالمعروف لم يهتد ، وممن قال بهذا حذيفة ، وسعيد بن المسيب ، كما نقله عنهما الألوسي في " تفسيره " ، وابن جرير ، ونقله القرطبي عن سعيد بن المسيب ، وأبي عبيد القاسم بن سلام ، ونقل نحوه ابن جرير عن جماعة من الصحابة ، منهم ابن عمر ، وابن مسعود .

    فمن العلماء من قال : إذا اهتديتم ، أي : أمرتم فلم يسمع منكم ، ومنهم من قال : يدخل الأمر بالمعروف في المراد بالاهتداء في الآية ، وهو ظاهر جدا ولا ينبغي [ ص: 460 ] العدول عنه لمنصف .

    ومما يدل على أن تارك الأمر بالمعروف غير مهتد ، أن الله تعالى أقسم أنه في خسر في قوله تعالى : والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [ 103 \ 1 ، 2 ، 3 ] ، فالحق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبعد أداء الواجب لا يضر الآمر ضلال من ضل ، وقد دلت الآيات كقوله تعالى : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [ 8 \ 25 ] ، والأحاديث على أن الناس إن لم يأمروا بالمعروف ، ولم ينهوا عن المنكر ، عمهم الله بعذاب من عنده .

    فمن ذلك ما خرجه الشيخان في " صحيحيهما " عن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش - رضي الله عنها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها فزعا مرعوبا يقول : " لا إله إلا الله ، ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ، وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها ، فقلت : يا رسول الله ! أنهلك وفينا الصالحون ؟ ، قال : نعم إذا كثر الخبث " .

    وعن النعمان بن بشير - رضي الله عنهما : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " مثل القائم في حدود الله ، والواقع فيها ، كمثل قوم استهموا على سفينة ، فصار بعضهم أعلاها ، وبعضهم أسفلها ، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم ، فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ، ولم نؤذ من فوقنا ، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا ، وهلكوا جميعا ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ، ونجوا جميعا " ، أخرجه البخاري والترمذي .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #74
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (73)

    سُورَةُ الْمَائِدَةِ (28)
    صـ 461 إلى صـ 465


    وعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال : يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية : ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن رأى الناس الظالم فلم يأخذوا على يده ، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه " ، رواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي بأسانيد صحيحة ، وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل ، أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول : يا هذا اتق الله ، ودع ما تصنع ، فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله ، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا [ ص: 461 ] ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض " ، ثم قال : لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون [ 5 \ 79 ، 80 ، 81 ] ، ثم قال : " كلا والله لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، ولتأخذن على يد الظالم ، ولتأطرنه على الحق أطرا ، ولتقصرنه على الحق قصرا ، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ، ثم ليلعننكم كما لعنهم " .

    رواه أبو داود ، والترمذي وقال : حسن ، وهذا لفظ أبي داود ، ولفظ الترمذي : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي ، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا ، فجالسوهم وواكلوهم ، وشاربوهم ; فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ; ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون " ، فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان متكئا ، فقال : " لا والذي نفسي بيده ، حتى يأطروهم على الحق أطرا " .

    ومعنى تأطروهم أي : تعطفوهم ، ومعنى تقصرونه : تحبسونه ، والأحاديث في الباب كثيرة جدا ، وفيها الدلالة الواضحة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل في قوله : إذا اهتديتم ، ويؤيده كثرة الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كقوله تعالى : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون [ 3 \ 104 ] ، وقوله : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر [ 3 \ 110 ] . وقوله : لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ، وقوله : وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر [ 18 \ 29 ] ، وقوله : فاصدع بما تؤمر [ 15 \ 94 ] ، وقوله : أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون [ 7 \ 165 ] ، وقوله : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [ 8 \ 25 ] .

    والتحقيق في معناها : أن المراد بتلك الفتنة التي تعم الظالم وغيره هي أن الناس [ ص: 462 ] إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بالعذاب ، صالحهم وطالحهم ، وبه فسرها جماعة من أهل العلم ، والأحاديث الصحيحة شاهدة لذلك ، كما قدمنا طرفا منها .
    مسائل تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    المسألة الأولى : اعلم أن كلا من الآمر والمأمور يجب عليه اتباع الحق المأمور به ، وقد دلت السنة الصحيحة على أن من يأمر بالمعروف ولا يفعله ، وينهى عن المنكر ويفعله ، أنه حمار من حمر جهنم يجر أمعاءه فيها .

    وقد دل القرآن العظيم على أن المأمور المعرض عن التذكرة حمار أيضا ، أما السنة المذكورة فقوله - صلى الله عليه وسلم : " يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار ، فتندلق أقتابه ، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه ، فيطيف به أهل النار فيقولون : أي فلان ؛ ما أصابك ؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ ، فيقول : كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه ، وأنهاكم عن المنكر وآتيه " ، أخرجه الشيخان في " صحيحيهما " من حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنهما .

    ومعنى تندلق أقتابه : تتدلى أمعاؤه ، أعاذنا الله والمسلمين من كل سوء ، وعن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت رجعت ، فقلت لجبريل : من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء خطباء من أمتك ، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ، وهم يتلون الكتاب ، أفلا يعقلون " ، أخرجه الإمام أحمد ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، والبزار ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو نعيم في الحلية ، وابن حيان ، وابن مردويه ، والبيهقي ، كما نقله عنهم الشوكاني وغيره . وعن ابن عباس - رضي الله عنهما : " أنه جاءه رجل فقال له : يا ابن عباس إني أريد أن آمر بالمعروف ، وأنهى عن المنكر ، فقال ابن عباس : أوبلغت ذلك ؟ فقال : أرجو ، قال : فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله فافعل ، قال : وما هي ؟ قال : قوله تعالى : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم الآية [ 2 \ 44 ] ، وقوله تعالى : كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون [ 61 \ 3 ] ، وقوله تعالى عن العبد الصالح شعيب - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه الآية [ ص: 463 ] [ 11 \ 88 ] ، أخرجه البيهقي في " شعب الإيمان " ، وابن مردويه ، وابن عساكر ، كما نقله عنهم أيضا الشوكاني وغيره .

    واعلم أن التحقيق أن هذا الوعيد الشديد الذي ذكرنا من اندلاق الأمعاء في النار ، وقرض الشفاه بمقاريض النار ، ليس على الأمر بالمعروف ، وإنما هو على ارتكابه المنكر عالما بذلك ، ينصح الناس عنه ، فالحق أن الأمر بالمعروف غير ساقط عن صالح ولا طالح ، والوعيد على المعصية لا على الأمر بالمعروف ; لأنه في حد ذاته ليس فيه إلا الخير ، ولقد أجاد من قال : [ الكامل ]


    لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم


    وقال الآخر : [ الطويل ]


    وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو مريض


    وقال الآخر : [ الطويل ]


    فإنك إذ ما تأت ما أنت آمر به تلف من إياه تأمر آتيا


    وأما الآية الدالة على أن المعرض عن التذكير كالحمار أيضا ، فهي قوله تعالى : فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة [ 74 \ 49 ، 50 ، 51 ] ، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب ، فيجب على المذكر بالكسر ، والمذكر بالفتح أن يعملا بمقتضى التذكرة ، وأن يتحفظا من عدم المبالاة بها ، لئلا يكونا حمارين من حمر جهنم .
    المسألة الثانية : يشترط في الآمر بالمعروف أن يكون له علم ، يعلم به أن ما يأمر به معروف ، وأن ما ينهى عنه منكر ; لأنه إن كان جاهلا بذلك فقد يأمر بما ليس بمعروف ، وينهى عما ليس بمنكر ، ولاسيما في هذا الزمن الذي عم فيه الجهل وصار فيه الحق منكرا ، والمنكر معروفا ، والله تعالى يقول : قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني الآية [ 12 \ 108 ] ، فدل على أن الداعي إلى الله لا بد أن يكون على بصيرة ، وهي الدليل الواضح الذي لا لبس في الحق معه ، وينبغي أن تكون دعوته إلى الله بالحكمة ، وحسن الأسلوب ، واللطافة مع إيضاح الحق ; لقوله تعالى : [ ص: 464 ] ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة الآية [ 16 \ 125 ] ، فإن كانت دعوته إلى الله بقسوة وعنف وخرق ، فإنها تضر أكثر مما تنفع ، فلا ينبغي أن يسند الأمر بالمعروف إسنادا مطلقا ، إلا لمن جمع بين العلم ، والحكمة ، والصبر على أذى الناس ; لأن الأمر بالمعروف وظيفة الرسل ، وأتباعهم ، وهو مستلزم للأذى من الناس ; لأنهم مجبولون بالطبع على معاداة من يتعرض لهم في أهوائهم الفاسدة ، وأغراضهم الباطلة ، ولذا قال العبد الصالح لقمان الحكيم لولده ، فيما قص الله عنه : وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك الآية [ 31 \ 17 ] ، ولما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لورقة بن نوفل : " أومخرجي هم ؟ " ، يعني قريشا ، أخبره ورقة : أن هذا الدين الذي جاء به لم يأت به أحد إلا عودي ، وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال : " ما ترك الحق لعمر صديقا " ، واعلم أنه لا يحكم على الأمر بأنه منكر ، إلا إذا قام على ذلك دليل من كتاب الله تعالى ، أو سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - أو إجماع المسلمين .

    وأما إن كان من مسائل الاجتهاد فيما لا نص ، فلا يحكم على أحد المجتهدين المختلفين بأنه مرتكب منكرا ، فالمصيب منهم مأجور بإصابته ، والمخطئ منهم معذور كما هو معروف في محله .

    واعلم أن الدعوة إلى الله بطريقين : طريق لين ، وطريق قسوة ، أما طريق اللين فهي الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، وإيضاح الأدلة في أحسن أسلوب وألطفه ، فإن نجحت هذه الطريق فبها ونعمت ، وهو المطلوب ، وإن لم تنجح تعينت طريق القسوة بالسيف حتى يعبد الله وحده ، وتقام حدوده ، وتمتثل أوامره ، وتجتنب نواهيه ، وإلى هذه الإشارة بقوله تعالى : لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد الآية [ 57 \ 25 ] .

    ففيه الإشارة إلى أعمال السيف بعد إقامة الحجة ، فإن لم تنفع الكتب تعينت الكتائب ، والله تعالى قد يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن .
    المسألة الثالثة : يشترط في جواز الأمر بالمعروف ألا يؤدي إلى مفسدة أعظم من ذلك المنكر ; لإجماع المسلمين على ارتكاب أخف الضررين ، قال في " مراقي السعود " : [ الرجز ]

    [ ص: 465 ] وارتكب الأخف من ضرين وخيرن لدى استوا هذين

    ويشترط في وجوبه مظنة النفع به ، فإن جزم بعدم الفائدة فيه لم يجب عليه ، كما يدل له ظاهر قوله تعالى : فذكر إن نفعت الذكرى [ 87 \ 9 ] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم : " بل ائتمروا بالمعروف ، وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك ، ودع عنك أمر العوام ، فإن من ورائكم أياما ، الصابر فيهن كالقابض على الجمر ، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم " ، وفي لفظ : " قيل : يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا ، أو منهم ؟ قال : بل أجر خمسين منكم " ، أخرجه الترمذي ، والحاكم ، وصححاه ، وأبو داود ، وابن ماجه ، وابن جرير ، والبغوي في " معجمه " ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في " الشعب " من حديث أبي ثعلبة الخشني - رضي الله عنه - وقال الراوي : هذا الحديث عنه أبو أمية الشعباني ، وقد سأله عن قوله تعالى : عليكم أنفسكم ، والله لقد سألت عنها خبيرا ، سألت عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " بل ائتمر " إلى آخر الحديث .

    وهذه الصفات المذكورة في الحديث من الشح المطاع ، والهوى المتبع . . . إلخ ، مظنة لعدم نفع الأمر بالمعروف ; فدل الحديث على أنه إن عدمت فائدته سقط وجوبه .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #75
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (74)

    سُورَةُ الْمَائِدَةِ (29)
    صـ 466 إلى صـ 470

    تنبيه

    الأمر بالمعروف له ثلاث حكم :

    الأولى : إقامة حجة الله على خلقه ، كما قال تعالى : رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [ 4 \ 165 ] .

    الثانية : خروج الآمر من عهدة التكليف بالأمر بالمعروف ، كما قال تعالى في صالحي القوم الذين اعتدى بعضهم في السبت : قالوا معذرة إلى ربكم الآية [ 7 \ 164 ] ، وقال تعالى : فتول عنهم فما أنت بملوم [ 51 \ 54 ] ; فدل على أنه لو لم يخرج من العهدة ، لكان ملوما .

    الثالثة : رجاء النفع للمأمور ، كما قال تعالى : معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون [ ص: 466 ] وقال تعالى : وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين [ 51 \ 55 ] ، وقد أوضحنا هذا البحث في كتابنا " دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " في سورة الأعلى في الكلام على قوله تعالى : فذكر إن نفعت الذكرى [ 87 \ 9 ] ، ويجب على الإنسان أن يأمر أهله بالمعروف كزوجته ، وأولاده ، ونحوهم ، وينهاهم عن المنكر ; لقوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا الآية [ 66 \ 6 ] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " ، الحديث .
    المسألة الرابعة : اعلم أن من أعظم أنواع الأمر بالمعروف كلمة حق عند سلطان جائر ، وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر " ، أخرجه أبو داود ، والترمذي ، وقال : حديث حسن .

    وعن طارق بن شهاب - رضي الله عنه : " أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد وضع رجله في الغرز : أي الجهاد أفضل ؟ قال : كلمة حق عند سلطان جائر " ، رواه النسائي بإسناد صحيح .

    كما قاله النووي - رحمه الله : واعلم أن الحديث الصحيح قد بين أن أحوال الرعية مع ارتكاب السلطان ما لا ينبغي ثلاث :

    الأولى : أن يقدر على نصحه وأمره بالمعروف ، ونهيه عن المنكر ، من غير أن يحصل منه ضرر أكبر من الأول ، فآمره في هذه الحالة مجاهد سالم من الإثم ولو لم ينفع نصحه ، ويجب أن يكون نصحه له بالموعظة الحسنة مع اللطف ; لأن ذلك هو مظنة الفائدة .

    الثانية : ألا يقدر على نصحه لبطشه بمن يأمره ، وتأدية نصحه لمنكر أعظم ، وفي هذه الحالة يكون الإنكار عليه بالقلوب ، وكراهة منكره ، والسخط عليه ، وهذه الحالة هي أضعف الإيمان .

    الثالثة : أن يكون راضيا بالمنكر الذي يعمله السلطان ، متابعا له عليه ، فهذا شريكه في الإثم ، والحديث المذكور هو ما قدمنا في سورة البقرة عن أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية - رضي الله عنها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون ، فمن كره فقد برئ ، ومن أنكر فقد سلم ، ولكن من رضي وتابع " ، قالوا : [ ص: 467 ] يا رسول الله ألا نقاتلهم ؟ قال : " لا ما أقاموا فيكم الصلاة " ، أخرجه مسلم في " صحيحه " .

    فقوله - صلى الله عليه وسلم : " فمن كره " يعني بقلبه ، ولم يستطع إنكارا بيد ولا لسان " فقد برئ " من الإثم ، وأدى وظيفته ، " ومن أنكر " بحسب طاقته " فقد سلم " من هذه المعصية ، " ومن رضي " بها " وتابع " عليها ، فهو عاص كفاعلها .

    ونظيره حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عند مسلم : قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " وقوله في هذه الآية الكريمة : عليكم أنفسكم ، صيغة إغراء ، يعني : الزموا حفظها ، كما أشار له في " الخلاصة " بقوله : [ الرجز ]

    والفعل من أسمائه عليكا وهكذا دونك مع إليكا
    قوله تعالى : ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين ، ذكر في هذه الآية الكريمة أن كاتم الشهادة آثم ، وبين في موضع آخر أن هذا الإثم من الآثام القلبية ، وهو قوله : ومن يكتمها فإنه آثم قلبه [ 2 \ 283 ] ، ومعلوم أن منشأ الآثام والطاعات جميعا من القلب ; لأنه إذا صلح صلح الجسد كله ، وإذا فسد الجسد كله .
    قوله تعالى : وإذ تخرج الموتى بإذني ، معناه إخراجهم من قبورهم أحياء بمشيئة الله وقدرته ، كما أوضحه بقوله : وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله [ 3 \ 49 ] .
    قوله تعالى : وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات الآية ، لم يذكر هنا كيفية كفه إياهم عنه ، ولكنه بينه في مواضع أخر ، كقوله : وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ، وقوله : وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه [ 4 \ 158 ] ، وقوله : ومطهرك من الذين كفروا [ 3 \ 55 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
    قوله تعالى : وإذ أوحيت إلى الحواريين الآية ، قال بعض أهل العلم : المراد بالإيحاء إلى الحواريين الإلهام ، ويدل له ورود الإيحاء في القرآن بمعنى الإلهام ، كقوله : وأوحى ربك إلى النحل الآية [ 16 \ 68 ] ، يعني ألهمها ، قال بعض العلماء : [ ص: 468 ] ومنه وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه [ 28 \ 7 ] ، وقال بعض العلماء معناه : أوحيت إلى الحواريين إيحاء حقيقيا بواسطة عيسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام .
    بسم الله الرحمن الرحيم

    سورة الأنعام

    قوله تعالى : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ، في قوله تعالى : يعدلون [ 6 \ 1 ] ، وجهان للعلماء :

    أحدهما : أنه من العدول عن الشيء بمعنى الانحراف ، والميل عنه ، وعلى هذا فقوله : بربهم متعلق بقوله : كفروا ، وعليه فالمعنى : إن الذين كفروا بربهم يميلون وينحرفون عن طريق الحق إلى الكفر والضلال ، وقيل على هذا الوجه : إن " الباء " بمعنى " عن " أي : يعدلون عن ربهم ، فلا يتوجهون إليه بطاعة ، ولا إيمان .

    والثاني : أن " الباء " متعلقة بيعدلون ، ومعنى يعدلون يجعلون له نظيرا في العبادة ، من قول العرب : عدلت فلانا بفلان إذا جعلته له نظيرا وعديلا ، ومنه قول جرير : [ الوافر ]


    أثعلبة الفوارس أم رياحا عدلت بهم طهية والخشابا

    يعني أجعلت طهية والخشاب نظراء وأمثالا لبني ثعلبة وبني رياح ، وهذا الوجه الأخير يدل له القرآن ، كقوله تعالى ، عن الكفار الذين عدلوا به غيره : تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين [ 26 \ 97 ، 98 ] ، وقوله تعالى : ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله [ 2 \ 165 ] ، وأشار تعالى في آيات كثيرة إلى أن الكفار ساووا بين المخلوق والخالق ، قبحهم الله تعالى ، كقوله : أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار [ 13 \ 16 ] ، وقوله : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون [ 16 \ 17 ] ، وقوله : ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء الآية [ 30 \ 28 ] ، إلى غير ذلك من الآيات ، وعدل الشيء في اللغة مثله ونظيره ، قال بعض علماء العربية : إذا كان من جنسه ، فهو عدل بكسر العين ، وإذا كان من غير جنسه ، فهو عدل بفتح العين ، ومن الأول قول مهلهل : [ الوافر ]

    [ ص: 470 ]
    على أن ليس عدلا من كليب إذا برزت مخبأة الخدور
    على أن ليس عدلا من كليب إذا اضطرب العضاه من الدبور
    على أن ليس عدلا من كليب غداة بلابل الأمر الكبير


    يعني أن القتلى الذين قتلهم من بكر بن وائل بأخيه كليب الذي قتله جساس بن مرة البكري لا يكافئونه ، ولا يعادلونه في الشرف .

    ومن الثاني قوله تعالى : أو عدل ذلك صياما [ 5 \ 95 ] ; لأن المراد نظير الإطعام من الصيام ، وليس من جنسه ، وقوله : وإن تعدل كل عدل [ 6 \ 70 ] ، وقوله : ولا يقبل منها عدل [ 2 \ 123 ] ، والعدل : الفداء ، لأنه كأنه قيمة معادلة للفدى تؤخذ بدله ، قوله تعالى : وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم الآية [ 6 \ 3 ] ، في هذه الآية الكريمة ثلاثة أوجه للعلماء من التفسير ، وكل واحد منها له مصداق في كتاب الله تعالى :

    الأول : أن المعنى وهو الله في السماوات وفي الأرض ، أي : وهو الإله المعبود في السماوات والأرض ; لأنه جل وعلا هو المعبود وحده بحق في الأرض والسماء ، وعلى هذا فجملة يعلم حال ، أو خبر ، وهذا المعنى يبينه ويشهد له قوله تعالى : وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله [ 43 \ 84 ] ، أي : وهو المعبود في السماء والأرض بحق ، ولا عبرة بعبادة الكافرين غيره ; لأنها وبال عليهم يخلدون بها في النار الخلود الأبدي ، ومعبوداتهم ليست شركاء لله سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان [ 53 \ 23 ] ، وقوله تعالى : وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون [ 10 \ 66 ] .

    وهذا القول في الآية أظهر الأقوال ، واختاره القرطبي .

    الوجه الثاني : أن قوله : في السماوات وفي الأرض [ 6 \ 3 ] ، يتعلق بقوله : يعلم سركم ، أي : وهو الله يعلم سركم في السماوات وفي الأرض ; ويبين هذا القول ويشهد له قوله تعالى : قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض الآية [ 25 \ 6 ] .

    قال النحاس : وهذا القول من أحسن ما قيل في الآية ، نقله عنه القرطبي .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #76
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (75)

    سُورَةُ الْأَنْعَامِ (1)
    صـ 471 إلى صـ 475


    بسم الله الرحمن الرحيم

    سورة الأنعام


    قوله تعالى : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ، في قوله تعالى : يعدلون [ 6 \ 1 ] ، وجهان للعلماء :

    أحدهما : أنه من العدول عن الشيء بمعنى الانحراف ، والميل عنه ، وعلى هذا فقوله : بربهم متعلق بقوله : كفروا ، وعليه فالمعنى : إن الذين كفروا بربهم يميلون وينحرفون عن طريق الحق إلى الكفر والضلال ، وقيل على هذا الوجه : إن " الباء " بمعنى " عن " أي : يعدلون عن ربهم ، فلا يتوجهون إليه بطاعة ، ولا إيمان .

    والثاني : أن " الباء " متعلقة بيعدلون ، ومعنى يعدلون يجعلون له نظيرا في العبادة ، من قول العرب : عدلت فلانا بفلان إذا جعلته له نظيرا وعديلا ، ومنه قول جرير : [ الوافر ]


    أثعلبة الفوارس أم رياحا عدلت بهم طهية والخشابا

    يعني أجعلت طهية والخشاب نظراء وأمثالا لبني ثعلبة وبني رياح ، وهذا الوجه الأخير يدل له القرآن ، كقوله تعالى ، عن الكفار الذين عدلوا به غيره : تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين [ 26 \ 97 ، 98 ] ، وقوله تعالى : ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله [ 2 \ 165 ] ، وأشار تعالى في آيات كثيرة إلى أن الكفار ساووا بين المخلوق والخالق ، قبحهم الله تعالى ، كقوله : أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار [ 13 \ 16 ] ، وقوله : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون [ 16 \ 17 ] ، وقوله : ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء الآية [ 30 \ 28 ] ، إلى غير ذلك من الآيات ، وعدل الشيء في اللغة مثله ونظيره ، قال بعض علماء العربية : إذا كان من جنسه ، فهو عدل بكسر العين ، وإذا كان من غير جنسه ، فهو عدل بفتح العين ، ومن الأول قول مهلهل : [ الوافر ]

    [ ص: 470 ]
    على أن ليس عدلا من كليب إذا برزت مخبأة الخدور
    على أن ليس عدلا من كليب إذا اضطرب العضاه من الدبور
    على أن ليس عدلا من كليب غداة بلابل الأمر الكبير


    يعني أن القتلى الذين قتلهم من بكر بن وائل بأخيه كليب الذي قتله جساس بن مرة البكري لا يكافئونه ، ولا يعادلونه في الشرف .

    ومن الثاني قوله تعالى : أو عدل ذلك صياما [ 5 \ 95 ] ; لأن المراد نظير الإطعام من الصيام ، وليس من جنسه ، وقوله : وإن تعدل كل عدل [ 6 \ 70 ] ، وقوله : ولا يقبل منها عدل [ 2 \ 123 ] ، والعدل : الفداء ، لأنه كأنه قيمة معادلة للفدى تؤخذ بدله ، قوله تعالى : وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم الآية [ 6 \ 3 ] ، في هذه الآية الكريمة ثلاثة أوجه للعلماء من التفسير ، وكل واحد منها له مصداق في كتاب الله تعالى :

    الأول : أن المعنى وهو الله في السماوات وفي الأرض ، أي : وهو الإله المعبود في السماوات والأرض ; لأنه جل وعلا هو المعبود وحده بحق في الأرض والسماء ، وعلى هذا فجملة يعلم حال ، أو خبر ، وهذا المعنى يبينه ويشهد له قوله تعالى : وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله [ 43 \ 84 ] ، أي : وهو المعبود في السماء والأرض بحق ، ولا عبرة بعبادة الكافرين غيره ; لأنها وبال عليهم يخلدون بها في النار الخلود الأبدي ، ومعبوداتهم ليست شركاء لله سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان [ 53 \ 23 ] ، وقوله تعالى : وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون [ 10 \ 66 ] .

    وهذا القول في الآية أظهر الأقوال ، واختاره القرطبي .

    الوجه الثاني : أن قوله : في السماوات وفي الأرض [ 6 \ 3 ] ، يتعلق بقوله : يعلم سركم ، أي : وهو الله يعلم سركم في السماوات وفي الأرض ; ويبين هذا القول ويشهد له قوله تعالى : قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض الآية [ 25 \ 6 ] .

    قال النحاس : وهذا القول من أحسن ما قيل في الآية ، نقله عنه القرطبي .

    [ ص: 471 ] الوجه الثالث : وهو اختيار ابن جرير ، أن الوقف تام على قوله في : السماوات ، وقوله : وفي الأرض يتعلق بما بعده ، أي يعلم سركم وجهركم في الأرض ، ومعنى هذا القول : أنه جل وعلا مستو على عرشه فوق جميع خلقه ، مع أنه يعلم سر أهل الأرض وجهرهم ، لا يخفى عليه شيء من ذلك .

    ويبين هذا القول ، ويشهد له قوله تعالى : أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا الآية [ 67 \ 16 ، 17 ] ، وقوله : الرحمن على العرش استوى [ 20 \ 5 ] ، مع قوله : وهو معكم أين ما كنتم [ 57 \ 4 ] ، وقوله : فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين [ 7 \ 7 ] ، وسيأتي إن شاء الله تحقيق هذا المقام بإيضاح في سورة " الأعراف " ، واعلم أن ما يزعمه الجهمية من أن الله تعالى في كل مكان ، مستدلين بهذه الآية على أنه في الأرض ، ضلال مبين ، وجهل بالله تعالى ; لأن جميع الأمكنة الموجودة أحقر وأصغر من أن يحل في شيء منها رب السماوات والأرض ، الذي هو أعظم من كل شيء ، وأعلى من كل شيء ، محيط بكل شيء ، ولا يحيط به شيء ، فالسماوات والأرض في يده - جل وعلا - أصغر من حبة خردل في يد أحدنا ، وله المثل الأعلى ، فلو كانت حبة خردل في يد رجل فهل يمكن أن يقال : إنه حال فيها ، أو في كل جزء من أجزائها ، لا وكلا ، هي أصغر وأحقر من ذلك ، فإذا علمت ذلك ، فاعلم أن رب السماوات والأرض أكبر من كل شيء ، وأعظم من كل شيء ، محيط بكل شيء ، ولا يحيط به شيء ، ولا يكون فوقه شيء :لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين [ 34 \ 3 ] ، سبحانه وتعالى علوا كبيرا لا نحصي ثناء عليه ، هو كما أثنى على نفسه : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما [ 20 \ 110 ] .
    قوله تعالى : ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ، ذكر في هذه الآية الكريمة : أن الكفار لو نزل الله عليهم كتابا مكتوبا في قرطاس ، أي صحيفة ، إجابة لما اقترحوه ، كما قال تعالى عنهم : ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه الآية [ 17 \ 93 ] ، فعاينوا ذلك الكتاب المنزل ، ولمسته أيديهم ، لعاندوا ، وادعوا أن ذلك من أجل أنه سحرهم ، وهذا العناد واللجاج العظيم والمكابرة الذي هو شأن الكفار بينه تعالى في آيات كثيرة كقوله : [ ص: 472 ] ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون [ 15 \ 14 ، 15 ] .

    وقوله : وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم [ 52 \ 44 ] ، وقوله : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله [ 6 \ 111 ] ، وقوله : إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية الآية [ 10 \ 96 ، 97 ] ، وقوله : وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون [ 10 \ 101 ] ، وقوله : وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها [ 7 \ 146 ] ، إلى غير ذلك من الآيات ، وذكر تعالى نحو هذا العناد واللجاج عن فرعون وقومه في قوله : وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين [ 7 \ 132 ] .

    قوله تعالى : وقالوا لولا أنزل عليه ملك ، لم يبين هنا ماذا يريدون بإنزال الملك المقترح ، ولكنه بين في موضع آخر أنهم يريدون بإنزال الملك أن يكون نذيرا آخر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك في قوله : وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا الآية [ 25 \ 7 ] .

    قوله تعالى : ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ، يعني : أنه لو نزل عليهم الملائكة وهم على ما هم عليه من الكفر والمعاصي ، لجاءهم من الله العذاب ، من غير إمهال ولا إنظار ، لأنه حكم بأن الملائكة لا تنزل عليهم إلا بذلك ، كما بينه تعالى بقوله : ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين [ 15 \ 8 ] ، وقوله : يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين الآية [ 25 \ 22 ] .
    قوله تعالى : ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ، أي : لو بعثنا إلى البشر رسولا ملكيا ، لكان على هيئة الرجل ; لتمكنهم مخاطبته ، والانتفاع بالأخذ عنه ; لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من شدة النور ، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما هم يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة الرسول البشري .

    وهذه الآية الكريمة تدل على أن الرسول ينبغي أن يكون من نوع المرسل إليهم ، كما أشار تعالى إلى ذلك أيضا بقوله : قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا [ 17 \ 95 ] .
    قوله تعالى : ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون [ ص: 473 ] ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة : أن الكفار استهزءوا برسل قبل نبينا - صلى الله عليه وسلم - وأنهم حاق بهم العذاب بسبب ذلك ، ولم يفصل هنا كيفية استهزائهم ، ولا كيفية العذاب الذي أهلكوا به ، ولكنه فصل كثيرا من ذلك من مواضع متعددة ، في ذكر نوح وقومه ، وهود وقومه ، وصالح وقومه ، ولوط وقومه ، وشعيب وقومه ، إلى غير ذلك .

    فمن استهزائهم بنوح قولهم له : " بعد أن كنت نبيا صرت نجارا " ، وقد قال الله تعالى عن نوح : إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون [ 11 \ 38 ] ، وذكر ما حاق بهم بقوله : فأخذهم الطوفان وهم ظالمون [ 49 \ 14 ] ، وأمثالها من الآيات .

    ومن استهزائهم بهود ما ذكره الله عنهم من قولهم : إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء [ 11 \ 54 ] ، وقوله عنهم أيضا : قالوا ياهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك الآية [ 11 \ 53 ] ، وذكر ما حاق بهم من العذاب في قوله : أرسلنا عليهم الريح العقيم الآية [ 51 \ 41 ] ، وأمثالها من الآيات .

    ومن استهزائهم بصالح قولهم فيما ذكر الله عنهم : ياصالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين [ 7 \ 77 ] ، وقولهم : ياصالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا الآية [ 11 \ 62 ] ، وذكر ما حاق بهم بقوله : وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين [ 11 \ 94 ] ، ونحوها من الآيات .

    ومن استهزائهم بلوط قولهم فيما حكى الله عنهم : فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم الآية [ 27 \ 56 ] ، وقولهم له أيضا : لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين [ 26 \ 167 ] ، وذكر ما حاق بهم بقوله : فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل [ 15 \ 74 ] ، ونحوها من الآيات .

    ومن استهزائهم بشعيب قولهم فيما حكى الله عنهم : قالوا ياشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز [ 11 \ 91 ] ، وذكر ما حاق بهم بقوله : فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم [ 26 \ 189 ] ونحوها من الآيات .
    قوله تعالى : وهو يطعم ولا يطعم ، يعني : أنه تعالى هو الذي يرزق الخلائق ، وهو الغني المطلق فليس بمحتاج إلى رزق ، وقد بين تعالى هذا بقوله : [ ص: 474 ] وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين [ 51 \ 56 ، 57 ، 58 ] ، وقراءة الجمهور على أن الفعلين من الإطعام ، والأول مبني للفاعل ، والثاني مبني للمفعول ، كما بيناه ، وأوضحته الآية الأخرى ، وقرأ سعيد بن جبير ، ومجاهد ، والأعمش الفعل الأول كقراءة الجمهور ، والثاني بفتح الياء والعين ، مضارع طعم الثلاثي بكسر العين في الماضي ، أي أنه يرزق عباده ويطعمهم ، وهو جل وعلا لا يأكل ; لأنه لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه المخلوق من الغداء ; لأنه جل وعلا الغني لذاته ، الغني المطلق ، سبحانه وتعالى علوا كبيرا ، ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد [ 35 \ 15 ] .

    والقراءة التي ذكرنا عن سعيد ، ومجاهد ، والأعمش موافقة لأحد الأقوال في تفسير قوله تعالى : الله الصمد [ 112 \ 2 ] ، قال بعض العلماء : الصمد السيد ، الذي يلجأ إليه عند الشدائد والحوائج ، وقال بعضهم : هو السيد الذي تكامل سؤدده ، وشرفه ، وعظمته ، وعلمه ، وحكمته ، وقال بعضهم : الصمد هو الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ; وعليه ، فما بعده تفسير له ، وقال بعضهم : هو الباقي بعد فناء خلقه ، وقال بعضهم : الصمد هو الذي لا جوف له ، ولا يأكل الطعام ، وهو محل الشاهد ، وممن قال بهذا القول ابن مسعود ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، ومجاهد ، وعبد الله بن بريدة ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وعطاء بن أبي رباح ، وعطية العوفي ، والضحاك ، والسدي ، كما نقله عنهم ابن كثير ، وابن جرير وغيرهما .

    قال مقيده - عفا الله عنه : من المعروف في كلام العرب إطلاق الصمد على السيد العظيم ، وعلى الشيء المصمت الذي لا جوف له ، فمن الأول قول الزبرقان : [ البسيط ]


    سيروا جميعا بنصف الليل واعتمدوا ولا رهينة إلا سيد صمد


    وقول الآخر : [ البسيط ]


    علوته بحسام ثم قلت له خذها حذيف فأنت السيد الصمد


    وقول الآخر : [ الطويل ]


    ألا بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد


    ومن الثاني قول الشاعر : [ الطويل ]

    [ ص: 475 ]
    شهاب حروب لا تزال جياده عوابس يعلكن الشكيم المصمدا


    فإذا علمت ذلك ، فالله تعالى هو السيد الذي هو وحده الملجأ عند الشدائد والحاجات ، وهو الذي تنزه وتقدس وتعالى عن صفات المخلوقين ، كأكل الطعام ونحوه ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا .

    قوله تعالى : قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم الآية ، يعني أول من أسلم من هذه الأمة التي أرسلت إليها ، وليس المراد أول من أسلم من جميع الناس ، كما بينه تعالى بآيات كثيرة تدل على وجود المسلمين قبل وجوده - صلى الله عليه وسلم - ووجود أمته ، كقوله عن إبراهيم : إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين [ 2 \ 131 ] ، وقوله عن يوسف : توفني مسلما وألحقني بالصالحين [ 12 \ 101 ] ، وقوله : يحكم بها النبيون الذين أسلموا [ 5 \ 44 ] ، وقوله عن لوط وأهله : فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين [ 51 \ 36 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
    قوله تعالى : وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ، أشار تعالى بقوله هنا : فهو على كل شيء قدير [ 6 \ 17 ] ، بعد قوله : وإن يمسسك بخير ، إلى أن فضله وعطاءه الجزيل لا يقدر أحد على رده ، عمن أراده له تعالى ، كما صرح بذلك في قوله : وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء الآية [ 10 \ 107 ] .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #77
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (76)

    سُورَةُ الْأَنْعَامِ (2)
    صـ 476 إلى صـ 480


    قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ، صَرَّحَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنْذِرٌ لِكُلِّ مَنْ بَلَغَهُ هَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ كَائِنًا مَنْ كَانَ ، وَيُفْهَمُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ الْإِنْذَارَ بِهِ عَامٌّ لِكُلِّ مَنْ بَلَغَهُ ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ بَلَغَهُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ .

    أَمَّا عُمُومُ إِنْذَارِهِ لِكُلِّ مَنْ بَلَغَهُ ، فَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتٌ أُخَرُ أَيْضًا كَقَوْلِهِ : قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [ 7 \ 158 ] ، وَقَوْلِهِ : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [ 34 \ 28 ] ، وَقَوْلِهِ : تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [ 25 \ 1 ] .

    وَأَمَّا دُخُولُ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ النَّارَ ، فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [ 11 \ 17 ] .

    [ ص: 476 ] وَأَمَّا مِنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَهُ حُكْمُ أَهْلِ الْفَتْرَةِ الَّذِينَ لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ، هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ - جَلَّ وَعَلَا - الَّذِي أَحَاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ وَمَعْدُومٍ ، يَعْلَمُ الْمَعْدُومَ الَّذِي سَبَقَ فِي الْأَزَلِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَوْ وُجِدَ كَيْفَ يَكُونُ ; لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ رَدَّ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الدُّنْيَا مَرَّةً أُخْرَى لَا يَكُونُ ، وَيَعْلَمُ هَذَا الرَّدَّ الَّذِي لَا يَكُونُ لَوْ وَقَعَ كَيْفَ يَكُونُ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ : وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [ 6 \ 28 ] ، وَهَذَا الْمَعْنَى جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي آيَاتٍ أُخَرَ .

    فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ ، لَا يَخْرُجُونَ إِلَيْهَا مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاللَّهُ ثَبَّطَهُمْ عَنْهَا لِحِكْمَةٍ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ : وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ الْآيَةَ [ 9 \ 46 ] ، وَهُوَ يَعْلَمُ هَذَا الْخُرُوجَ الَّذِي لَا يَكُونُ لَوْ وَقَعَ كَيْفَ يَكُونُ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ : لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا الْآيَةَ [ 9 \ 47 ] ، وَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ 23 \ 75 ] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ .
    قَوْلُهُ تَعَالَى : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ الْآيَةَ ، صَرَّحَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : بِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحْزُنُهُ مَا يَقُولُهُ الْكُفَّارُ مِنْ تَكْذِيبِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ نَهَاهُ تَعَالَى عَنْ هَذَا الْحُزْنِ الْمُفْرِطِ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ ، كَقَوْلِهِ : فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ الْآيَةَ [ 35 \ 8 ] ، وَقَوْلِهِ : فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [ 5 \ 68 ] ، وَقَوْلِهِ : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [ 18 \ 6 ] ، وَقَوْلِهِ : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ 26 \ 3 ] ، وَالْبَاخِعُ : هُوَ الْمُهْلِكُ نَفْسَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ غَيْلَانَ بْنِ عُقْبَةَ : [ الطَّوِيلُ ]


    أَلَا أَيُّهَذَا الْبَاخِعُ الْوَجْدُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ الْمَقَادِرُ


    وَقَوْلُهُ : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ ، فِي الْآيَتَيْنِ يُرَادُ بِهِ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ ، وَنَظِيرُهُ : فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ [ 11 \ 12 ] ، أَيْ لَا تُهْلِكْ نَفْسَكَ حَزَنًا عَلَيْهِمْ فِي الْأَوَّلِ ، وَلَا تَتْرُكْ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ فِي الثَّانِي .
    [ ص: 477 ] قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ الْآيَةَ .

    قَالَ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ : الْمُرَادُ بِالْمَوْتَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ : الْكُفَّارُ ، وَتَدُلُّ لِذَلِكَ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ الْآيَةَ [ 6 \ 122 ] ، وَقَوْلِهِ : وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ [ 35 \ 22 ] ، وَقَوْلِهِ : وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [ 35 \ 22 ] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ .
    قوله تعالى : قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ، ذكر في هذه الآية الكريمة : أنه قادر على تنزيل الآية التي اقترحها الكفار على رسوله ، وأشار لحكمة عدم إنزالها بقوله : ولكن أكثرهم لا يعلمون [ 6 \ 37 ] ، وبين في موضع آخر أن حكمة عدم إنزالها : أنها لو أنزلت ولم يؤمنوا بها لنزل بهم العذاب العاجل ، كما وقع بقوم صالح لما اقترحوا عليه إخراج ناقة عشراء ، وبراء ، جوفاء ، من صخرة صماء ، فأخرجها الله لهم منها بقدرته ومشيئته ، فعقروها وقالوا ياصالح ائتنا بما تعدنا [ 7 \ 77 ] ، فأهلكهم الله دفعة واحدة بعذاب استئصال ، وذلك في قوله : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا [ 17 \ 59 ] ، وبين في مواضع أخر أنه لا داعي إلى ما اقترحوا من الآيات ; لأنه أنزل عليهم آية أعظم من جميع الآيات التي اقترحوها وغيرها ، وتلك الآية هي هذا القرآن العظيم ; وذلك في قوله : أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم [ 29 \ 51 ] ، فإنكاره جل وعلا عليهم عدم الاكتفاء بهذا الكتاب عن الآيات المقترحة يدل على أنه أعظم وأفخم من كل آية ، وهو كذلك ; ألا ترى أنه آية واضحة ، ومعجزة باهرة ، أعجزت جميع أهل الأرض ، وهي باقية تتردد في آذان الخلق غضة طرية حتى يأتي أمر الله ، بخلاف غيره من معجزات الرسل - صلوات الله عليهم وسلامه - فإنها كلها مضت وانقضت .
    قوله تعالى : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون الآية ، ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن المشركين إذا أتاهم عذاب من الله ، أو أتتهم الساعة أخلصوا الدعاء الذي هو مخ العبادة لله وحده ، ونسوا ما كانوا يشركون به ; لعلمهم أنه لا يكشف الكروب إلا الله وحده جل وعلا .

    ولم يبين هنا نوع العذاب الدنيوي الذي يحملهم على الإخلاص لله ، ولم يبين هنا أيضا إذا كشف عنهم العذاب هل يستمرون على إخلاصهم ، أو يرجعون إلى كفرهم [ ص: 478 ] وشركهم ، ولكنه بين كل ذلك في مواضع أخر .

    فبين أن العذاب الدنيوي الذي يحملهم على الإخلاص ، هو نزول الكروب التي يخاف من نزلت به الهلاك ، كأن يهيج البحر عليهم وتلتطم أمواجه ، ويغلب على ظنهم أنهم سيغرقون فيه إن لم يخلصوا الدعاء لله وحده ، كقوله تعالى : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق الآية [ 10 \ 22 ، 23 ] ، وقوله : وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه [ 17 \ 67 ] ، وقوله : فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين [ 29 \ 65 ] ، وقوله : وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين [ 31 \ 32 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

    وبين أنهم إذا كشف الله عنهم ذلك الكرب ، رجعوا إلى ما كانوا عليه من الشرك في مواضع كثيرة ، كقوله : فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا ، وقوله : فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ، وقوله : قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون [ 6 \ 64 ] ، وقوله : فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ، إلى غير ذلك من الآيات .

    وبين تعالى أن رجوعهم للشرك ، بعد أن نجاهم الله من الغرق ، من شدة جهلهم وعماهم ; لأنه قادر على أن يهلكهم في البر ، كقدرته على إهلاكهم في البحر ، وقادر على أن يعيدهم في البحر مرة أخرى ، ويهلكهم فيه بالغرق ، فجرأتهم عليه إذا وصلوا البر لا وجه لها ; لأنها من جهلهم وضلالهم ، وذلك في قوله : أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا [ 17 \ 68 ، 69 ] .
    قوله تعالى : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، نهى الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن طرد ضعفاء المسلمين وفقرائهم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، وأمره في آية أخرى أن يصبر نفسه معهم ، وأن لا تعدو عيناه عنهم إلى أهل الجاه والمنزلة في الدنيا ، ونهاه عن إطاعة الكفرة في ذلك وهي قوله :

    [ ص: 479 ] واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا [ 18 \ 28 ] ، كما أمره هنا بالسلام عليهم ، وبشارتهم برحمة ربهم جل وعلا في قوله :

    وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة الآية [ 6 \ 54 ] ، وبين في آيات أخر أن طرد ضعفاء المسلمين الذي طلبه كفار العرب من نبينا - صلى الله عليه وسلم - فنهاه الله عنه ، طلبه أيضا قوم نوح من نوح ، فأبى كقوله تعالى عنه : وما أنا بطارد الذين آمنوا الآية [ 11 \ 29 ] ، وقوله : ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم الآية [ 11 \ 30 ] ، وقوله : وما أنا بطارد المؤمنين [ 26 \ 114 ] ، وهذا من تشابه قلوب الكفار المذكور في قوله تعالى : تشابهت قلوبهم الآية [ 2 \ 118 ] .
    قوله تعالى : وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ، أجرى الله تعالى الحكمة بأن أكثر أتباع الرسل ضعفاء الناس ، ولذلك لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن نبينا - صلى الله عليه وسلم : " أأشراف الناس يتبعونه ، أم ضعفاؤهم ؟ فقال : بل ضعفاؤهم ، قال : هم أتباع الرسل " .

    فإذا عرفت ذلك ، فاعلم أنه تعالى أشار إلى أن من حكمة ذلك فتنة بعض الناس ببعض ، فإن أهل المكانة والشرف والجاه يقولون : لو كان في هذا الدين خير لما سبقنا إليه هؤلاء ; لأنا أحق منهم بكل خير كما قال هنا : وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا الآية [ 6 \ 53 ] ، إنكارا منهم أن يمن الله على هؤلاء الضعفاء دونهم ، زعما منهم أنهم أحق بالخير منهم ، وقد رد الله قولهم هنا بقوله : أليس الله بأعلم بالشاكرين .

    وقد أوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله تعالى : وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه الآية [ 46 \ 11 ] ، وقوله : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا [ 19 \ 73 ] .

    والمعنى : أنهم لما رأوا أنفسهم أحسن منازل ومتاعا من ضعفاء المسلمين اعتقدوا أنهم أولى منهم بكل خير ، وأن اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - لو كان خيرا ما سبقوهم إليه ، ورد الله افتراءهم هذا بقوله : وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا [ ص: 480 ] [ 19 \ 74 ] ، وقوله : أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون [ 23 \ 55 ، 56 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
    قوله تعالى : ما عندي ما تستعجلون به الآية ، أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآية الكريمة أن يخبر الكفار ، أن تعجيل العذاب عليهم الذي يطلبونه منه - صلى الله عليه وسلم - ليس عنده ، وإنما هو عند الله ، إن شاء عجله ، وإن شاء أخره عنهم ، ثم أمره أن يخبرهم بأنه لو كان عنده لعجله عليهم بقوله : قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم الآية [ 6 \ 58 ] .

    وبين في مواضع أخر أنهم ما حملهم على استعجال العذاب إلا الكفر والتكذيب ، وأنهم إن عاينوا ذلك العذاب علموا أنه عظيم هائل ، لا يستعجل به إلا جاهل مثلهم ، كقوله : ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون [ 11 \ 8 ] ، وقوله : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها الآية [ 42 \ 54 ] ، وقوله : يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين [ 29 \ 54 ] ، وقوله : قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون [ 10 \ 50 ] .

    وبين في موضع آخر أنه لولا أن الله حدد لهم أجلا لا يأتيهم العذاب قبله لعجله عليهم ، وهو قوله :ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم الآية [ 29 \ 53 ] .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #78
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (77)

    سُورَةُ الْأَنْعَامِ (3)
    صـ 481 إلى صـ 485


    تنبيه

    قوله تعالى في هذه الآية الكريمة : قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر الآية ، صريح في أنه - صلى الله عليه وسلم - لو كان بيده تعجيل العذاب عليهم لعجله عليهم ، مع أنه ثبت في " الصحيحين " من حديث عائشة - رضي الله عنها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل الله إليه ملك الجبال ، وقال له : إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين ، وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها ، فقال - صلى الله عليه وسلم : " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا " .

    والظاهر في الجواب : هو ما أجاب به ابن كثير - رحمه الله - في تفسير هذه الآية ، [ ص: 481 ] وهو : أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبون تعجيله في وقت طلبهم ، لعجله عليهم ، وأما الحديث فليس فيه أنهم طلبوا تعجيل العذاب في ذلك الوقت ، بل عرض عليه الملك إهلاكهم فاختار عدم إهلاكهم ، ولا يخفى الفرق بين المتعنت الطالب تعجيل العذاب وبين غيره .
    قوله تعالى : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو الآية ، بين تعالى المراد بمفاتح الغيب بقوله : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير [ 31 \ 34 ] ، فقد أخرج البخاري ، وأحمد ، وغيرهما عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم : أن المراد بمفاتح الغيب الخمس المذكورة في الآية المذكورة ، والمفاتح الخزائن ، جمع مفتح بفتح الميم بمعنى المخزن ، وقيل : هي المفاتيح ، جمع مفتح بكسر الميم ، وهو المفتاح ، وتدل له قراءة ابن السميقع .

    " مفاتيح " بياء بعد التاء جمع مفتاح ، وهذه الآية الكريمة تدل على أن الغيب لا يعلمه إلا الله ، وهو كذلك ; لأن الخلق لا يعلمون إلا ما علمهم خالقهم جل وعلا .

    وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : " من زعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخبر بما يكون في غد ، فقد أعظم على الله الفرية " ، والله يقول : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله [ 27 \ 65 ] ، أخرجه مسلم ، والله تعالى في هذه السورة الكريمة أمره - صلى الله عليه وسلم - أن يعلن للناس أنه لا يعلم الغيب ، وذلك في قوله تعالى : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي [ 6 \ 50 ] .

    ولذا لما رميت عائشة - رضي الله عنها - بالإفك ، لم يعلم ، أهي بريئة أم لا ، حتى أخبره الله تعالى بقوله : أولئك مبرءون مما يقولون [ 24 \ 26 ] .

    وقد ذبح إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - عجله للملائكة ، ولا علم له بأنهم ملائكة حتى أخبروه ، وقالوا له : إنا أرسلنا إلى قوم لوط [ 11 \ 70 ] ، ولما جاءوا لوطا لم يعلم أيضا أنهم ملائكة ، ولذا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب [ 11 \ 77 ] ، يخاف عليهم من أن يفعل بهم قومه فاحشتهم المعروفة ، حتى قال : لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد [ 11 \ 80 ] ، ولم يعلم خبرهم حتى قالوا له : إنا رسل ربك لن يصلوا إليك الآيات [ 11 \ 81 ] .

    [ ص: 482 ] ويعقوب - عليه السلام - ابيضت عيناه من الحزن على يوسف ، وهو في مصر لا يدري خبره حتى أظهر الله خبر يوسف .

    وسليمان - عليه السلام - مع أن الله سخر له الشياطين والريح ، ما كان يدري عن أهل مأرب قوم بلقيس حتى جاءه الهدهد ، وقال له : أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين الآيات [ 27 \ 22 ] .

    ونوح - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - ما كان يدري أن ابنه الذي غرق ليس من أهله الموعود بنجاتهم ، حتى قال : رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق الآية [ 11 \ 45 ] ، ولم يعلم حقيقة الأمر حتى أخبره الله بقوله : قال يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين [ 11 \ 46 ] .

    وقد قال تعالى عن نوح في سورة هود : ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب الآية [ 6 \ 50 ] ، والملائكة - عليهم الصلاة والسلام - لما قال لهم : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا [ 2 \ 31 ، 32 ] .

    فقد ظهر أن أعلم المخلوقات وهم الرسل ، والملائكة لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى ، وهو تعالى يعلم رسله من غيبه ما شاء ، كما أشار له بقوله : وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء [ 3 \ 179 ] ، وقوله : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول الآية [ 72 \ 26 ، 27 ] .

    تنبيه

    لما جاء القرآن العظيم بأن الغيب لا يعلمه إلا الله ، كان جميع الطرق التي يراد بها التوصل إلى شيء من علم الغيب غير الوحي من الضلال المبين ، وبعض منها يكون كفرا .

    ولذا ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما " ، ولا خلاف بين العلماء في منع العيافة ، والكهانة ، والعرافة ، والطرق ، والزجر ، والنجوم ، وكل ذلك يدخل في الكهانة ; لأنها تشمل جميع أنواع ادعاء الاطلاع على علم الغيب .

    وقد سئل - صلى الله عليه وسلم - عن الكهان ، فقال : " ليسوا بشيء " .

    [ ص: 483 ] وقال القرطبي في تفسير هذه الآية ما نصه : فمن قال إنه ينزل الغيث غدا وجزم به ، فهو كافر ، أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا ، وكذلك من قال إنه يعلم ما في الرحم فإنه كافر ، فإن لم يجزم ، وقال : إن النوء ينزل به الماء عادة ، وإنه سبب الماء عادة ، وإنه سبب الماء على ما قدره وسبق في علمه ، لم يكفر ، إلا أنه يستحب له ألا يتكلم به ، فإن فيه تشبيها بكلمة أهل الكفر ، وجهلا بلطيف حكمته ; لأنه ينزل متى شاء مرة بنوء كذا ، ومرة دون النوء .

    قال الله تعالى : " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكواكب " ، على ما يأتي بيانه في الواقعة إن شاء الله تعالى .

    قال ابن العربي : وكذلك قول الطبيب إذا كان الثدي الأيمن مسود الحلمة ، فهو ذكر ، وإن كان في الثدي الأيسر فهو أنثى ، وإن كانت المرأة تجد الجنب الأيمن أثقل فالولد أنثى ، وادعى ذلك عادة لا واجبا في الخلقة لم يكفر ، ولم يفسق .

    وأما من ادعى الكسب في مستقبل العمر فهو كافر ، أو أخبر عن الكوائن المجملة ، أو المفصلة ، في أن تكون قبل أن تكون فلا ريبة في كفره أيضا ، فأما من أخبر عن كسوف الشمس والقمر ، فقد قال علماؤنا : يؤدب ولا يسجن ، أما عدم كفره فلأن جماعة قالوا : إنه أمر يدرك بالحساب وتقدير المنازل ، حسبما أخبر الله عنه من قوله : والقمر قدرناه منازل [ 36 \ 39 ] .

    وأما أدبهم ، فلأنهم يدخلون الشك على العامة ، إذ لا يدرون الفرق بين هذا وغيره ، فيشوشون عقائدهم ، ويتركون قواعدهم في اليقين ، فأدبوا حتى يستروا ذلك إذا عرفوه ولا يعلنوا به .

    قلت : ومن هذا الباب ما جاء في " صحيح مسلم " عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أتى عرافا فسأله عن شيء ، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة " ، والعراف : هو الحازي والمنجم الذي يدعي علم الغيب ، وهي العرافة ، وصاحبها عراف ، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها ، وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر ، والطرق ، والنجوم ، وأسباب معتادة في ذلك ، وهذا الفن هو العيافة بالياء ، وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة ، قاله القاضي عياض .

    والكهانة : ادعاء علم الغيب .

    قال أبو عمر بن عبد البر في " الكافي " : من المكاسب المجتمع على تحريمها [ ص: 484 ] الربا ، ومهور البغايا ، والسحت ، والرشا ، وأخذ الأجرة على النياحة والغناء ، وعلى الكهانة ، وادعاء الغيب ، وأخبار السماء ، وعلى الزمر واللعب ، والباطل كله . اهـ من القرطبي بلفظه ، وقد رأيت تعريفه للعراف والكاهن .

    وقال البغوي : العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ، ومكان الضالة ونحو ذلك ، وقال أبو العباس بن تيمية : العراف : اسم للكاهن والمنجم والرمال ، ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق .

    والمراد بالطرق : قيل الخط الذي يدعي به الاطلاع على الغيب ، وقيل إنه الضرب بالحصى الذي يفعله النساء ، والزجر هو العيافة ، وهي التشاؤم والتيامن بالطير ، وادعاء معرفة الأمور من كيفية طيرانها ، ومواقعها ، وأسمائها ، وألوانها ، وجهاتها التي تطير إليها .

    ومنه قول علقمة بن عبدة التميمي : [ البسيط ]


    ومن تعرض للغربان يزجرها على سلامته لا بد مشئوم


    وكان أشد العرب عيافة بنو لهب ، حتى قال فيهم الشاعر : [ الطويل ]


    خبير بنو لهب فلا تك ملغيا مقالة لهبي إذا الطير مرت


    وإليه الإشارة بقول ناظم عمود النسب : [ الرجز ]

    في مدلج بن بكر القيافة كما للهب كانت العيافة

    ولقد صدق من قال : [ الطويل ]


    لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع


    ووجه تكفير بعض أهل العلم لمن يدعي الاطلاع على الغيب ، أنه ادعى لنفسه ما استأثر الله تعالى به دون خلقه ، وكذب القرآن الوارد بذلك كقوله : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله [ 27 \ 65 ] ، وقوله هنا : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو [ 6 \ 59 ] ، ونحو ذلك .

    وعن الشيخ أبي عمران من علماء المالكية : أن حلوان الكاهن لا يحل له ، ولا يرد لمن أعطاه له ، بل يكون للمسلمين في نظائر نظمها بعض علماء المالكية بقوله : [ الرجز ]


    وأي مال حرموا أن ينتفع موهوبه به ورده منع


    [ ص: 485 ] حلوان كاهن وأجرة الغنا ونائح ورشوة مهر الزنا


    هكذا قيل ، والله تعالى أعلم .
    قوله تعالى : وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار الآية ، ذكر في هذه الآية الكريمة أن النوم وفاة ، وأشار في موضع آخر إلى أنه وفاة صغرى ، وأن صاحبها لم يمت حقيقة ، وأنه تعالى يرسل روحه إلى بدنه حتى ينقضي أجله ، وأن وفاة الموت التي هي الكبرى قد مات صاحبها ، ولذا يمسك روحه عنده ، وذلك في قوله تعالى : الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون [ 39 \ 42 ] .
    قوله تعالى : ويرسل عليكم حفظة الآية ، لم يبين هنا ماذا يحفظون ، وبينه في مواضع أخر ، فذكر أن مما يحفظونه بدن الإنسان ، بقوله : له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [ 13 \ 11 ] ، وذكر أن مما يحفظونه جميع أعماله من خير وشر ، بقوله : وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون [ 82 \ 10 ، 11 ، 12 ] ، وقوله : إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ 50 \ 17 ، 18 ] ، وقوله : أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون .
    قوله تعالى : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ، نهى الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآية الكريمة عن مجالسة الخائضين في آياته ، ولم يبين كيفية خوضهم فيها ، التي هي سبب منع مجالستهم ، ولم يذكر حكم مجالستهم هنا ، وبين ذلك كله في موضع آخر ، فبين أن خوضهم فيها بالكفر والاستهزاء بقوله : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم الآية [ 4 \ 140 ] .

    وبين أن من جالسهم في وقت خوضهم فيها مثلهم في الإثم ، بقوله : إنكم إذا مثلهم ، وبين حكم من جالسهم ناسيا ، ثم تذكر بقوله هنا : وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين [ 6 \ 68 ] ، كما تقدم في سورة النساء .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #79
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (78)

    سُورَةُ الْأَنْعَامِ (4)
    صـ 486 إلى صـ 490


    قوله تعالى : فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي ، الآيات ، قوله : هذا ربي [ 6 \ 76 ] ، في المواضع الثلاثة محتمل لأنه كان يظن ذلك ، كما روي عن ابن عباس وغيره ، [ ص: 486 ] ومحتمل ، لأنه جازم بعدم ربوبية غير الله ، ومراده هذا ربي في زعمكم الباطل ، أو أنه حذف أداة استفهام الإنكار ، والقرآن يبين بطلان الأول ، وصحة الثاني .

    أما بطلان الأول : فالله تعالى نفى كون الشرك الماضي عن إبراهيم في قوله : وما كان من المشركين [ 3 \ 67 ] ، في عدة آيات ، ونفي الكون الماضي يستغرق جميع الزمن الماضي ، فثبت أنه لم يتقدم عليه شرك يوما ما .

    وأما كونه جازما موقنا بعدم ربوبية غير الله ، فقد دل عليه ترتيب قوله تعالى : فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي ، إلى آخره ، " بالفاء " على قوله تعالى : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين [ 6 \ 75 ] ; فدل على أنه قال ذلك موقنا مناظرا ومحاجا لهم ، كما دل عليه قوله تعالى : وحاجه قومه [ 6 \ 80 ] ، وقوله : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه الآية [ 6 \ 83 ] ، والعلم عند الله تعالى .
    قوله تعالى : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم الآية ، المراد بالظلم هنا الشرك ، كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في " صحيح البخاري " من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وقد بينه قوله تعالى : إن الشرك لظلم عظيم [ 31 \ 13 ] ، وقوله : والكافرون هم الظالمون [ 12 \ 254 ] ، وقوله : ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين [ 10 \ 106 ] .
    قوله تعالى : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم الآية ، قال مجاهد وغيره هي قوله تعالى : وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن الآية [ 6 \ 81 ] ، وقد صدقه الله ، وحكم له بالأمن والهداية ، فقال : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون [ 6 \ 82 ] .

    والظاهر شمولها لجميع احتجاجاته عليهم ، كما في قوله : لا أحب الآفلين الآية [ 6 \ 76 ] ; لأن الأفول الواقع في الكوكب ، والشمس ، والقمر ، أكبر دليل وأوضح حجة على انتفاء الربوبية عنها ، وقد استدل إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - بالأفول على انتفاء الربوبية في قوله : لا أحب الآفلين ، فعدم إدخال هذه الحجة في قوله : وتلك حجتنا ، غير ظاهر ، وبما ذكرنا من شمول الحجة لجميع احتجاجاته المذكورة صدر [ ص: 487 ] القرطبي ، والعلم عند الله تعالى .
    قوله تعالى : ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ، ذكر تعالى أن هؤلاء الأنبياء المذكورين في هذه السورة الكريمة لو أشركوا بالله لحبط جميع أعمالهم .

    وصرح في موضع آخر بأنه أوحي هذا إلى نبينا والأنبياء قبله - عليهم كلهم صلوات الله وسلامه - وهو قوله : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك الآية [ 39 \ 65 ] ، وهذا شرط ، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع ، كقوله : قل إن كان للرحمن ولد الآية [ 43 \ 81 ] ، على القول بأن " إن " شرطية ، وقوله : لو أردنا أن نتخذ لهوا الآية [ 21 \ 17 ] ، وقوله : لو أراد الله أن يتخذ ولدا الآية [ 39 \ 41 ] .
    قوله تعالى : ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ، أي : لا أحد أظلم ممن قال : أنزل مثل ما أنزل الله ، ونظيرها قوله تعالى : وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا [ 8 \ 31 ] ، وقد بين الله تعالى كذبهم في افترائهم هذا حيث تحدى جميع العرب بسورة واحدة منه ، كما ذكره تعالى في البقرة بقوله : فأتوا بسورة من مثله [ 2 \ 23 ] ، وفي يونس بقوله : قل فأتوا بسورة مثله [ 2 \ 38 ] ، وتحداهم في هود بعشر سور مثله في قوله : قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، وتحداهم به كله في الطور بقوله : فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين .

    ثم صرح في سورة بني إسرائيل بعجز جميع الخلائق عن الإتيان بمثله في قوله : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا [ 17 \ 88 ] ، فاتضح بطلان دعواهم الكاذبة .
    قوله تعالى : والملائكة باسطو أيديهم الآية ، لم يصرح هنا بالشيء الذي بسطوا إليه الأيدي ، ولكنه أشار إلى أنه التعذيب بقوله : أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون الآية [ 6 \ 93 ] ، وصرح بذلك في قوله : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم [ 8 \ 50 ] ، وبين في مواضع أخر أنه يراد ببسط اليد التناول بالسوء كقوله : ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء [ 60 \ 2 ] ، وقوله : لئن بسطت إلي يدك لتقتلني الآية [ 5 \ 28 ] .
    قوله تعالى : ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ، [ ص: 488 ] ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار يأتون يوم القيامة كل واحد منهم بمفرده ليس معهم شركاؤهم ، وصرح تعالى بأن كل واحد يأتي فردا في قوله : وكلهم آتيه يوم القيامة فردا [ 19 \ 95 ] ، وقوله في هذه الآية : كما خلقناكم أول مرة [ 6 \ 94 ] ، أي منفردين لا مال ، ولا أثاث ، ولا رقيق ، ولا خول عندكم ، حفاة ، عراة ، غرلا ، أي : غير مختونين : كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين [ 21 \ 4 ] ، وقد عرفت من الآية أن واحد الفرادى فرد ، ويقال فيه أيضا : فرد بالتحريك ، ومنه قول نابغة ذبيان : [ البسيط ]



    من وحش وجرة موشي أكارعه طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد




    قوله تعالى : لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون ، ذكر في هذه الآية الكريمة أن الأنداد التي كانوا يعبدونها في الدنيا تضل عنهم يوم القيامة ، وينقطع ما كان بينهم وبينها من الصلات في الدنيا ، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة جدا ، كقوله : وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين [ 46 \ 6 ] ، وقوله : كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا [ 19 \ 82 ] ، وقوله : إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين [ 29 \ 25 ] ، وقوله : أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون [ 26 \ 92 ، 93 ] ، وقوله هنا : وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم [ 6 \ 94 ] .
    قوله تعالى : وجعل الليل سكنا ، أي : مظلما ساجيا ليسكن فيه الخلق ; فيستريحوا من تعب الكد بالنهار ، كما بينه قوله تعالى : هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا [ 10 \ 67 ] ، وقوله : قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله [ 28 \ 71 ، 72 ، 73 ] ، وقوله : لتسكنوا فيه يعني : الليل ، ولتبتغوا من فضله يعني : بالنهار ، ومن آياته الليل والنهار الآية [ 41 \ 37 ] .
    قوله تعالى : وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ، ظاهر هذه [ ص: 489 ] الآية الكريمة أن حكمة خلق النجوم هي الاهتداء بها فقط ، كقوله : وبالنجم هم يهتدون [ 16 \ 16 ] ، ولكنه تعالى بين في غير هذا الموضع أن لها حكمتين أخريين غير الاهتداء بها ؛ وهما تزيين السماء الدنيا ، ورجم الشياطين بها ، كقوله : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين الآية [ 67 \ 5 ] ، وقوله : إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب [ 37 \ 6 ، 7 ، 8 ، 9 ، 10 ] ، وقوله : وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم [ 41 \ 12 ] .
    قوله تعالى : وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر الآية ، لم يبين هنا كيفية إنشائهم من نفس واحدة ، ولكنه بين في مواضع أخر أن كيفيته أنه خلق من تلك الواحدة التي هي آدم زوجها حواء ، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء كقوله : ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء [ 4 \ 1 ] ، وقوله : هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها الآية [ 7 \ 189 ] .
    قوله تعالى : لا تدركه الأبصار الآية ، أشار في مواضع أخر إلى أن نفي الإدراك المذكور هنا لا يقتضي نفي مطلق الرؤية ، كقوله : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة [ 75 \ 22 ، 23 ] ، وقوله : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة [ 10 \ 26 ] ، والحسنى الجنة ، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم ، وقوله : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [ 83 \ 15 ] ، يفهم منه أن المؤمنين ليسوا محجوبين عنه ، وهو كذلك .
    قوله تعالى : وليقولوا درست الآية ، يعني ليزعموا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما تعلم هذا القرآن بالدرس والتعليم من غيره من أهل الكتاب ، كما زعم كفار مكة أنه - صلى الله عليه وسلم - تعلم هذا القرآن من جبر ويسار ، وكانا غلامين نصرانيين بمكة ، وقد أوضح الله تعالى بطلان افترائهم هذا في آيات كثيرة ، كقوله : ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين [ 16 \ 103 ] ، وقوله : فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر سأصليه سقر [ 74 \ 24 ، 25 ، 26 ] ، ومعنى يؤثر : يرويه محمد - صلى الله عليه وسلم - عن غيره في زعمهم الباطل ، وقوله : [ ص: 490 ] وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض الآية [ 25 \ 4 ، 5 ، 6 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

    وفي قوله : درست [ 6 \ 105 ] ، ثلاث قراءات سبعيات :

    قرأه ابن كثير ، وأبو عمر دارست بألف بعد الدال مع إسكان السين وفتح التاء من المفاعلة بمعنى : دارست أهل الكتاب ودارسوك حتى حصلت هذا العلم .

    وقرأه بقية السبعة غير ابن عامر : درست بإسقاط الألف ، مع إسكان السين وفتح التاء أيضا ، بمعنى درست هذا على أهل الكتاب حتى تعلمته منهم .

    وقرأه ابن عامر : درست بفتح الدال والراء والسين وإسكان التاء على أنها تاء التأنيث ، والفاعل ضمير عائد إلى الآيات المذكورة في قوله : وكذلك نصرف الآيات [ 6 \ 105 ] .

    قال القرطبي : وأحسن ما قيل في قراءة ابن عامر أن المعنى : ولئلا يقولوا انقطعت وانمحت ، وليس يأتي محمد - صلى الله عليه وسلم - بغيرها . اهـ .

    وقال القرطبي : وليقولوا درست ، الواو للعطف على مضمر ، أي : نصرف الآيات لتقوم الحجة وليقولوا درست ، وقيل : وليقولوا درست صرفناها .

    قال مقيده - عفا الله عنه : ومعناهما آيل إلى شيء واحد ، ويشهد له القرآن في آيات كثيرة دالة على أنه يبين الحق واضحا في هذه الكتاب ، ليهدي به قوما ، ويجعله حجة على آخرين ، كقوله : لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا [ 19 \ 97 ] ، وقوله : قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى [ 41 \ 44 ] ، وقوله : ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء [ 74 \ 31 ] ، كما قال هنا : وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون ، فالأشقياء يقولون : تعلمته من البشر بالدراسة ، وأهل العلم والسعداء يعلمون أنه الحق الذي لا شك فيه .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #80
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    22,686

    افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
    صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
    الحلقة (79)

    سُورَةُ الْأَنْعَامِ (5)
    صـ 491 إلى صـ 495


    قوله تعالى : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن الآية ، ذكر تعالى في [ ص: 491 ] هذه الآية الكريمة أنه جعل لكل نبي عدوا ، وبين هنا أن أعداء الأنبياء هم شياطين الإنس والجن ، وصرح في موضع آخر أن أعداء الأنبياء من المجرمين ، وهو قوله : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين [ 25 \ 31 ] ; فدل ذلك على أن المراد بالمجرمين شياطين الإنس والجن ، وذكر في هذه الآية أن من الإنس شياطين ، وصرح بذلك في قوله : وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم الآية [ 2 \ 14 ] ، وقد جاء الخبر بذلك مرفوعا من حديث أبي ذر عند الإمام أحمد وغيره ، والعرب تسمي كل متمرد شيطانا ، سواء كان من الجن أو من الإنس كما ذكرنا ، أو من غيرهما ، وفي الحديث : " الكلب الأسود شيطان " ، وقوله : شياطين ، بدل من قوله : عدوا ، أو مفعول أول لـ " جعلنا " ، والثاني : " عدوا " ، أي : جعلنا شياطين الإنس والجن عدوا .
    قوله تعالى : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ، ذكر في هذه الآية الكريمة أن إطاعة أكثر أهل الأرض ضلال ، وبين في مواضع أخر أن أكثر أهل الأرض غير مؤمنين ، وأن ذلك واقع في الأمم الماضية ، كقوله : ولكن أكثر الناس لا يؤمنون [ 13 \ 1 ] ، وقوله : وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين [ 12 \ 103 ] ، وقوله : ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين [ 37 \ 71 ] ، وقوله : إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين [ 26 \ 8 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
    قوله تعالى : وقد فصل لكم ما حرم عليكم الآية ، التحقيق أنه فصله لهم بقوله : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة الآية [ 6 \ 145 ] ، ومعنى الآية : أي شيء يمنعكم أن تأكلوا ما ذكيتم ، وذكرتم عليه اسم الله ؟ ، والحال أن الله فصل لكم المحرم أكله عليكم في قوله : قل لا أجد في ما أوحي إلي الآية [ 6 \ 145 ] ، وليس هذا منه .

    وما يزعمه كثير من المفسرين من أنه فصله لهم بقوله : حرمت عليكم الميتة الآية [ 5 \ 3 ] ، فهو غلط ; لأن قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة من سورة المائدة ، وهي من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة ، وقوله : وقد فصل لكم ما حرم عليكم [ 119 ] ، من سورة الأنعام ، وهي مكية ، فالحق هو ما ذكرنا ، والعلم عند الله تعالى .
    قوله تعالى : وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها الآية ، ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة : أنه جعل في كل قرية أكابر المجرمين منها ليمكروا فيها ، [ ص: 492 ] ولم يبين المراد بالأكابر هنا ، ولا كيفية مكرهم ، وبين جميع ذلك في مواضع أخر : فبين أن مجرميها الأكابر هم أهل الترف ، والنعمة في الدنيا ، بقوله : وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون [ 34 \ 34 ] ، وقوله : وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون [ 43 \ 23 ] . ونحو ذلك من الآيات .

    وبين أن مكر الأكابر المذكور : هو أمرهم بالكفر بالله تعالى ، وجعل الأنداد له بقوله : وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا [ 34 \ 33 ] ، وقوله : ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم الآية [ 71 \ 22 ، 23 ] .

    وأظهر أوجه الإعراب المذكورة في الآية عندي اثنان :

    أحدهما : أن أكابر مضاف إلى مجرميها ، وهو المفعول الأول لجعل التي بمعنى صير ، والمفعول الثاني هو الجار والمجرور ، أعني في كل قرية .

    والثاني : أن مجرميها مفعول أول ، و أكابر مفعول ثان ، أي : جعلنا مجرميها أكابرها ، والأكابر جمع الأكبر .
    قوله تعالى : وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ، يعنون أنهم لن يؤمنوا حتى يأتيهم الملائكة بالرسالة ، كما أتت الرسل ، كما بينه تعالى في آيات أخر ، كقوله : وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا الآية [ 25 \ 21 ] ، وقوله : أو تأتي بالله والملائكة قبيلا الآية [ 17 \ 92 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
    قوله تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام الآية .

    جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن هذه الآية الكريمة ، فقيل : كيف يشرح صدره يا رسول الله ؟ - صلى الله عليه وسلم - قال : " نور يقذف فيه ، فينشرح له ، وينفسح " ، قالوا : فهل لذلك من أمارة يعرف بها ؟ قال : " الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت " ، ويدل لهذا قوله تعالى : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه [ 39 \ 22 ] .
    [ ص: 493 ] قوله تعالى : يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم الآية .

    قال بعض العلماء : المراد بالرسل من الجن نذرهم الذين يسمعون كلام الرسل ، فيبلغونه إلى قومهم ; ويشهد لهذا أن الله ذكر أنهم منذرون لقومهم في قوله : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين [ 46 \ 29 ] .

    وقال بعض العلماء : رسل منكم [ 6 \ 130 ] أي : من مجموعكم الصادق بخصوص الإنس ; لأنه لا رسل من الجن ، ويستأنس لهذا القول بأن القرآن ربما أطلق فيه المجموع مرادا بعضه ، كقوله : وجعل القمر فيهن نورا [ 71 \ 16 ] ، وقوله : فكذبوه فعقروها [ 91 \ 14 ] ، مع أن العاقر واحد منهم ، كما بينه بقوله : فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر [ 54 \ 29 ] . واعلم أن ما ذكره الحافظ ابن كثير - رحمه الله - وغيره من أجلاء العلماء في تفسير هذه الآية : من أن قوله : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان [ 55 \ 22 ] يراد به البحر الملح خاصة دون العذب غلط كبير ، لا يجوز القول به ; لأنه مخالف مخالفة صريحة لكلام الله تعالى ; لأن الله ذكر البحرين الملح والعذب بقوله : وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج [ 35 \ 12 ] ، ثم صرح باستخراج اللؤلؤ والمرجان منها جميعا بقوله : ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها ، والحلية المذكورة هي اللؤلؤ والمرجان ، فقصره على الملح مناقض للآية صريحا ، كما ترى .
    قوله تعالى : ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ، النفي في هذه الآية الكريمة منصب على الجملة الحالية ، والمعنى أنه لا يهلك قوما في حال غفلتهم ، أي عدم إنذارهم ، بل لا يهلك أحدا إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل - عليهم صلوات الله وسلامه - كما بين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [ 17 \ 15 ] ، وقوله : رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [ 4 \ 165 ] ، وقوله : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير [ 35 \ 24 ] ، وقوله : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت [ 16 \ 36 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
    [ ص: 494 ] قوله تعالى : ولكل درجات مما عملوا ، بين في موضع آخر : أن تفاضل درجات العاملين في الآخرة أكبر ، وأن تفضيلها أعظم من درجات أهل الدنيا ، وهو قوله : انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا [ 17 \ 21 ] .
    قوله تعالى : وآتوا حقه يوم حصاده الآية .

    اختلف العلماء في المراد بهذا الحق المذكور هنا ، وهل هو منسوخ أو لا ؟ فقال جماعة من العلماء : هذا الحق هو الزكاة المفروضة ، وممن قال بهذا أنس بن مالك ، وابن عباس ، وطاوس ، والحسن ، وابن زيد ، وابن الحنفية ، والضحاك ، وسعيد بن المسيب ، ومالك ، ونقله عنهم القرطبي ، نقله ابن كثير عن أنس وسعيد ، وغيرهما ، ونقله ابن جرير عن ابن عباس ، وأنس ، والحسن ، وجابر بن زيد ، وسعيد بن المسيب ، وقتادة ، وطاوس ، ومحمد ابن الحنفية ، والضحاك ، وابن زيد .

    وقال قوم : ليس المراد به الزكاة ، وإنما المراد به أنه يعطي من حضر من المساكين يوم الحصاد القبضة ، والضغث ، ونحو ذلك ، وحمله بعضهم على الوجوب ، وحمله بعضهم على الندب ، قال القرطبي : وقال علي بن الحسين ، وعطاء ، والحكم ، وحماد ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد : هو حق في المال سوى الزكاة ، أمر الله به ندبا ، وروي عن ابن عمر ، ومحمد ابن الحنفية أيضا ، ورواه أبو سعيد الخدري عنه - صلى الله عليه وسلم - قال مجاهد : إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل ، وإذا جذذت فألق لهم من الشماريخ ، وإذا درسته وذريته فاطرح لهم منه ، وإذا عرفت كيله فأخرج منه زكاته .

    وقال قوم : هو حق واجب غير الزكاة ، وهو غير محدد بقدر معين ، وممن قال به عطاء ، كما نقله عنه ابن جرير .

    وقال قوم : هي منسوخة بالزكاة ، واختاره ابن جرير ، وعزاه الشوكاني في " تفسيره " لجمهور العلماء ، وأيده بأن هذه السورة مكية ، وآية الزكاة نزلت بالمدينة في السنة الثانية بعد الهجرة .

    وقال ابن كثير : في القول بالنسخ نظر ; لأنه قد كان شيئا واجبا في الأصل ، ثم إنه فصل بيانه ، وبين مقدار المخرج وكميته ، قالوا : وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة ، والله أعلم ، انتهى من ابن كثير .

    ومراده أن شرع الزكاة بيان لهذا الحق لا نسخ له ، وممن روى عنه القول بالنسخ ابن [ ص: 495 ] عباس ، ومحمد ابن الحنفية ، والحسن ، والنخعي ، وطاوس ، وأبو الشعثاء ، وقتادة والضحاك ، وابن جريج ، نقله عنهم الشوكاني ، والقرطبي أيضا ونقله عن السدي وعطية ، ونقله ابن جرير أيضا عن ابن عباس ، وابن الحنفية ، وسعيد بن جبير ، وإبراهيم ، والحسن ، والسدي ، وعطية ، واستدل ابن جرير للنسخ بالإجماع على أن زكاة الحرث لا تؤخذ إلا بعد التذرية والتنقية ، وزكاة التمر لا تؤخذ إلا بعد الجذاذ ، فدل على عدم الأخذ يوم الحصاد ، فعلم أن الآية منسوخة ، أو أنها على سبيل الندب ، فالأمر واضح .

    وعلى أن المراد بها الزكاة ، فقد أشير إلى أن هذا الحق المذكور هو جزء المال الواجب في النصاب في آيات الزكاة ، وهو المذكور في قوله : ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض الآية [ 2 \ 267 ] ، وبينته السنة ، فإذا علمت ذلك ، فاعلم أنه يحتاج هنا إلى بيان ثلاثة أشياء :

    الأول : تعيين ما تجب فيه الزكاة مما تنبته الأرض .

    الثاني : تعيين القدر الذي تجب فيه الزكاة منه .

    الثالث : تعيين القدر الواجب فيه وسنبينها إن شاء الله مفصلة .

    اعلم أولا أنه لا خلاف بين العلماء في وجوب الزكاة في الحنطة ، والشعير ، والتمر ، والزبيب .

    واختلف فيما سواها مما تنبته الأرض ، فقال قوم : لا زكاة في غيرها من جميع ما تنبته الأرض ، وروي ذلك عنالحسن ، وابن سيرين ، والشعبي .

    وقال به من الكوفيين ابن أبي ليلى ، والثوري ، والحسن بن صالح ، وابن المبارك ، ويحيى بن آدم ، وإليه ذهب أبو عبيد .

    وروي ذلك عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مذهب أبي موسى ، فإنه كان لا يأخذ الزكاة إلا من الحنطة ، والشعير ، والتمر ، والزبيب ، ذكره وكيع عن طلحة بن يحيى ، عن أبي بردة ، عن أبيه ، كما نقله عنهم القرطبي .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 4 من 7 الأولىالأولى 1234567 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •