من أبجدية السعادة الزوجية
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 25

الموضوع: من أبجدية السعادة الزوجية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي من أبجدية السعادة الزوجية

    "أخلص نيتك"


    محمد عزت السعيد


    في سلسلة ماتعة من المقالات كتب الأستاذ : محمد عزت مصطفى
    حرف الألف
    "أخلص نيتك"
    لا شك أن من أهم أسباب السعادة تحديد الهدف والغاية، فإن من لا غاية له ولا هدف كحاطب بليل؛ لا يدري ماذا يجمع، ولا إلى أين يتوجه، وهو كذلك يعيش في التيه، ويحلم بالأوهام، ويرى السراب ماءً، قال الله تعالى:" {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } " [النور:39]
    ولذا فقد وردت العديد من الآيات والأحاديث النبوية تؤسس لإخلاص النية وتوجيه المقصد في كل الأعمال إلى الله – جل في علاه-وقد جاء في سورة البينة قول الله – تعالى-: " {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} " [البينة:5] وفي الحديث الشريف عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله –تعالى- عليه وعلى آله وسلم- يقول: " «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» ." [متفق عليه]
    ولذا فاحرص على أن تجدد نيتك لله –تعالى-ليس قبل أن تشرع في الزواج بل حتى وأنت تبحث عن الزوجة في بداية مشوارك الأسري، وثمة نقاط أسوقها إليك أذكرك بها هي – في الواقع -مفاتيح تجلب لك السعادة والسكينة في بيتك ومع زوجتك، وتسهم في تحقيق السكينة والسكن فيما بينكما....
    أخلص نيتك في بحثك عن زوجة تعفك وتعفها، سدًا لمنافذ الشيطان وتزيينه الشر أمامك، وعدم الوقوع على الجيف والقاذورات بإطفاء الغريزة الجنسية بما لا يحل الله – سبحانه وتعالى-وفيما لا يرضى، وكم من أناس أبوا أن يعفوا أنفسهم بالحلال، فانزلقوا في مهاوي الردى والشهوات، فباؤوا بخسران مبين.
    أخلص نيتك في تعليمها وتأديبها فيكون لك أجر الدعوة إلى الله، ولا ريب أن أساس المجتمع الصالح هو الأسرة الصالحة، ومن روافد المجتمع الرباني أن يقوم الرجل فيه بدور الأب والمربي لزوجته وأولاده، ولك أن تتخيل لو أن كل رجل أصلح نفسه وأهل بيته، كم من الأسر التي ستبني مجتمعًا صحيحًا سليمًا، إضافة إلى أن الرجل حينما يقوم بتعليم أهله وتأديبهم فقد جمع بين الخيرين: تعليم نفسه أولاً وتأديبها وإصلاحها؛ حيث لا يتصور أن يُعَلِّم غيره ولا علم لديه، ففاقد الشيء لا يعطيه، وثانيًا: حاز أجر التعليم والدعوة بما غرس في أهله من قيم وفضائل وآداب، له بها أجرها وأجر من عمل بها، وأسقط ما عليه من واجب في تبليغ دعوة الله – عز وجل – عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ب «لِّغوا عني ولو آية» " [رواه البخاري] .
    أخلص نيتك في تعاملك معها بالحسنى، والخلق القويم، ولأنك ذو أصل وجب عليك أن تكون أخلاقك أخلاق الفرسان شهامة ورجولة، كن غيورًا عليها، احمها ... حافظ عليها من نظرات الآخرين وخلساتهم بحجاب شرعي ....
    أخلص نيتك في تعاملك وتقرب إلى الله ببر أهلها وصلة ذوي رحمها، والصبر على هفواتها وأخطائها، والتغافل عن بعض ما تقوم بها حسبة لله تعالى.
    أخلص نيتكفي إحصان نفسك بها، عَنْ أبي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «وَفِي بِضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ يَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: " أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلالِ كَانَ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ "» " [رواه مسلم] .
    أخلص نيتكفي تبسمك في وجهها ومداعبتها والتلطف معها في القول والفعل بل وفي جماعها، وقد ذكرنا ذلك من قبل، ولقد كان أحدهم يقول: " والله إني لأكره نفسي على جماع زوجتي رغبة أن يرزقني الله منها بالولد الصالح"
    وتجديد النية لله –تعالى-وإخلاصها له في الأعمال كلها يجلب الاستقرار النفسي والاتزان العاطفي والبركة والطمأنينة والسكينة والسكن والدفء والحميمية في العلاقة بينكما، قال الله تعالى-:" {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} " [الروم: 21] .
    وإنك لتعجب كل العجب من زوج هو خارج بيته ضحوكًا بشوشًا بسامًا متفائلاً، يمازح هذا ويداعب ذاك، فإذا دخل إلى بيته ورأى زوجته كان حزينًا مقطبًا عبوسًا متشائمًا صامتًا لا يتكلم، متجهمًا يتطاير منه كل لفظ بذيء كأن بينه وبين صاحبته عدواة لا تنتهي وبغضاء لا تحد، ولله در الشاعر حين قال:

    أسَـدٌ عَلَيَّ وَفي الحُروبِ نَعامَــةٌ رَبْداءُ تجفلُ مِن صَفيرِ الصافِرِ
    بل كن من خير الناس، ولن تكون إلا إن كنت خيرًا لأهلك، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم-حين قال فيما روت أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها-قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» " [أخرجه الترمذي] .
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي رد: من أبجدية السعادة الزوجية

    بادر


    محمد عزت السعيد



    خلق الله -تعالى-آدم وجعل له زوجًا ليسكن إليه، وكانت إرادة إلهية في ذرية آدم إلى أن تقوم الساعة، قال الله -تعالى-:" {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } .... " الأعراف: 189، وقال – جل شأنه-: " { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } " الروم:21، ولعل ذلك هو المقصود الأعظم والغاية الكبرى، أن يحدث السكن، وتتأصل السكينة فتنتج بذلك المودة والرحمة بين الزوجين، الأمر الذي يستدعي التفكر في عظيم رحمة الله، وجميل تقديره.

    وقد جعل الله سبحانه وتعالى لكل من الزوجين خصائص وقدرات: مادية ومعنوية، يختلفان فيها فيما بينهما، لكنه اختلاف تكامل لا تضاد، ففي الوقت الذي تكون فيه القوة البدنية من نصيب الرجل - تهيئة للمهام المنوطة به من السعي على الرزق والجد والاجتهاد في العمل وتوفير متطلبات الحياة له ولأسرته التي يتكفل برعايتها، وفي ذات الوقت لم يجعل ذلك من نصيب المرأة أو من خصائص تكوينها- هيأها- أعني المرأة- لمهمة أخرى، فجعل فيها من الرقة واللين، وملأها بالمشاعر التي من شأنها أن تكون مركزًا للاستقرار العاطفي والنفسي لأفراد الأسرة أجمعين، وعلى هذا في جميع الفروقات والاختلافات بين الرجل والمرأة.
    ثم إن الله –تبارك وتعالى-جعل القوامة في يد الرجل بما مكنه وجعل له من خصائص تؤهله للقيام بدوره كرجل، قال الله تعالى: " {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} .... " النساء:34، وأوضح ربنا – سبحانه-العلة والغاية من إسناد تلك القوامة للرجل دون المرأة لما أودع فيه من خصائص بنيوية وغيرها، وبما يقوم به الرجل من رعاية لأسرته من نفقة ونحوها، وعليهما جرى التفضيل.
    ولما كانت القوامة بيد الرجل فإن من أسباب السعادة ومفاتيحها أن تبادر إلى القيام بمهامك كرجل في رعايتك لأسرتك في شتى نواحي الحياة ومجالاتها، فإن أردت أن تحقق السعادة في بيتك وأن تفشي مظاهر البهجة والسرور، والحياة الهانئة فكن مبادرًا إلى كل خير لهم......
    بادر.... بأن تقدم النصح لزوجتك من تعليم ونحوه، اجعل لكما جلسة أسبوعية تتناولان فيها آيات من القرآن الكريم، وقبسًا من نور النبوة، أو تقرآن كتابًا، أو تتصفحان شيئًا من مواقف السلف الصالح وسيرهم أو نحوًا ذلك.
    بادر.... بأن تغمرها بحبك وحنانك، فالمرأة بطبيعتها تحب أن تسمع منك تغزلاً فيها، وإطراءً لها، وأن تبادلها الحب والمودة، ولقد ورد في السنة النبوية المطهر العديد والعديد من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجاته، لا سيما أم المؤمنين عائشة التي حازت النصيب الأوفى من حبه صلى الله عليه وسلم، فكن صاحب لسان عذب ومشاعر جياشة، أظهر حبك لك، ولا تمل من ذلك، فلكما قدمت الحب وجدت أضعاف ما قدمت.
    بادر .... بما يدلل على حبك لها، فلا تكدر صفوها بذكرك لامرأة غيرها أو أن تحسن الكلام عنها، فالمرأة غيورة بطبعها، وقد ورد في السنة المطهرة عن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- عندَ بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصَحْفةٍ فيها طعامٌ، فضربت التي النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في بيتها يدَ الخادم، فسقطت الصَّحْفةُ، فانفَلَقَتْ، فجمع النبي -صلى الله عليه وسلم- فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: "غارت أمُّكم"، ثم حبس الخادمَ حتى أُتِي بصَحْفَةٍ من عند التي هو في بيتها، فدفع الصَّحْفَةَ الصحيحة إلى التي كُسرت صَحْفَتُها، وأمسَكَ المكسورة في بيت التي كسَرَتْ» . رواة البخاري
    بادر .... بالسؤال عنها إن كنت خارج البيت، أو كنت مسافرًا، جرب أن ترسل لها رسائل على جوالك، أو تخط لها رسائل خاصة، أو فكر فيما يجدد الحب بينكما دومًا، ولا تستسلم لمرور الأيام أن تحث الجفوة بينكما، فالحب يبلى ويهرم، كما يهرم الإنسان، لكنه يتجدد كما يتجدد الدم في عروقه.
    بادر .... بزيارة أهلها، وصلة رحمها، فأهلها هم أهلك، وإخوانها هو إخوانك، حسِّن علاقتك بهم، وكن بارًا بهم كما تبر إخوانك، فكلما فعلت ذلك – ابتغاء رضوان الله-نلت منها الرضى كله، وطابت نفسها لصنيعك، وبادلتك صلة بصلة، وودًا بود.
    بادر .... بتقديم هدية لها وإن قلت قيمتها، فقدر الهدية في تذكرك لها، لا بغلو ثمنها وقيمتها المادية، وتحين وقت تقديمها لها، ولتغلف هديتك بالحب الخالص لها، وإياك أن يكون ذلك لمنفعة تريدها منها، أو تقدمة لغاية لك، بل اجعل ذلك إظهار لحبك لها، وتقديرًا لمكانتها في قلبك.
    بادر .... بتحفيزها وتعزيز سلوكها، فالزوجة هي المحرك الأساس الذي يقوم عليه البيت كله، فإن مرضت مرض البيت كله، وإن حزنت أصاب البيت كله الهم والغم، ولذا فعليك أن تقدر دورها، وتستشعر عظيم أفعالها، فهي تعتني بك، وتقوم على رعاية أبنائك، تطعم الجائع، وتقم البيت، وتعتني به وبنظافته، تؤدب الولد وتهتم بدروسه، فشجعها وعزز أفعالها، واشكر لها صنيعها، فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله.
    بادر .... إلى سد احتياجاتها من ملبس ومأكل ومشرب، فما كانت القوامة لك إلا "وبما أنفقوا من أمولهم ..." فلا تنظر أن تطلب منك طلبًا خاصًا بها، بل تفقد احتياجاتها، وقم على تأمينه في غير إسراف وتبذير أو شح وتقتير، فمن أفضل النفقة النفقة على الأهل والعيال.
    بادر .... بالدعاء لها بظاهر الغيب، بصلاحها وصلاح ذريتها، واجعل لها دعوة في كل صلاة لك، وعند خلوتك بربك، فأولى من يدعى له هم أهلك وذريتك، يتقبل الله منك، ويؤمن الملك على دعائك، وتزداد المحبة بينكما وتتنزل السكينة في بيتكم.
    بادر .... بحفظ حقها وهيبتها أمام أبنائك، وإياك أن تنال منها أو تعاتبها على أمر صدر منها أمام أحد أبنائها أو أقاربك أو أقاربها، فلطالما انهدمت بيوت لتعامل بغير حكمة أو تصرف غير مدروس، احفظ مكانتها، ولا تسمح لأحد كائنًا من كان أن ينال منها بوجودك وحضرتك.

    كن مبادرًا وإيجابيا مقدامًا، ولا تنتظر أن يأتي إليك الخير، واعلم أنه على قدر عطائك تكون ثمرته، وعلى قدر بذلك يكون نصيبك، وعلى قدر مبادراتك تنال من الحب والتقدير وتنعم بالاستقرار والسعادة في بيوت ملؤها الدفء والجنان والبهجة، وهذه من أبجديات السعادة الزوجية.








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي رد: من أبجدية السعادة الزوجية


    دربهم


    محمد عزت السعيد


    من أبجدية السعادة الزوجية – دربهم
    تتغير أحوال الدنيا وظروفها، فلم تُخلق الحياة على لونٍ واحدٍ من النعيم ولا من الشقاء، بل شاء الله - سبحانه وتعالى- أن يتمايز الخلق في كل شيء: في اللون والشكل والمظهر، وفيما منَّ به الله من رزق في الولد أو المال أو الأهل أو غير ذلك من فضل الله – سبحانه وتعالى- « {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} » [هود:118 ] وقد ذكر ابن كثير في تفسيره: "يخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة ، من إيمان أو كفران كما قال تعالى: " {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا} " [يونس: 99 ] وقوله: " {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} " أي : ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم. قال عكرمة: مختلفين(في الهدى) . وقال الحسن البصري، مختلفين في الرزق، يسخر بعضهم بعضًا، والمشهور الصحيح الأول. وقال تعالى: « {وَلَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} » الزخرف:33
    ومن وسائل التربية المفيدة، والأساليب الجيدة أن يتحمل أفراد الأسرة المسؤولية، وأن يتعود الأبناء على تحملها، فالأبناء الذين ينشؤون على الاعتماد على الذات وتحمل المسؤولية وتقاسم الأعباء يكبرون وقد اعتادوا ذلك، فلا يصطدمون بمشكلات الحياة وتعقيداتها، وإن حدث كانوا على التعامل معها أقدر، وعلى حلها أكثر قدرة.
    ولذا فمن الضروري أن تدرب أبناءك وبناتك وأهل بيتك على تحمل المسؤولية، ففيها النفع الكثير لك ولهم، وفي تعويدهم على تحمل المسؤولية الكثير من المنافع ولعل منها أنها:
    تكسبهم الثقة بالنفس وإمكاناتها، واحترام الذات وتقديرها.
    تكسبهم التوقف والابتعاد عن الخوف والقلق من الفشل وانتقاد الاخرين وغير ذلك.
    تكسبهم التمكن الجيد من إدارة الحياة، فالذي يتعود تحمل المسؤولية يستطيع أن يدير حياته بكل سهولة ويسر.
    تكسبهم النجاح المحقق في أغلب شؤون الحياة وذلك من واقع التجربة والخبرة الميدانية.
    وكثيرًا ما يتردد قول القائل: اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم، ولا مانع أن ترتب وتخطط لتعويد أبنائك على تحمل المسؤولية وتدريبهم عليها، لأننا – وللأسف الشديد – في كثير من الأحايين لا نهتم بذلك، فنتج جيل اتكالي يعتمد على الآخر، مدلل في الكثير من شؤون حياته، لا يستطيع أن يخدم نفسه، أو أن يكون عونًا لأهله وأسرته في أبسط الأمور، تعوَّد على الراحة والدعة، ولله در عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – حينما قال: " إني لأكره أن أرى الرجل سَبَهلَلاً لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة " وما ورد عن بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: " إني لأمقت الرجل أراه فارغًا ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة" ومن ثم تجد كم العاطلين بالألوف .... لا تجد لهم عملاً، ولا ترى لهم قيمة سوى أنهم غير ذي قيمة.
    ولم يكن ذلك شأن أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولا السلف الصالح ولا الكبار والقادة من هذه الأمة، فأسامة بن زيد قاد بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم – للروم وعمره ستة عشر عامًا، ومحمد بن القاسم الثقفي يقود جيوش المسلمين لفتح بلاد السند وعمره ثمانية عشر عامًا، وحفظ الشافعي القرآن وهو ابن سبع والموطأ وهو ابن عشر، وبدأ يفتي وهو دون العشرين، وغيرهم من كبار هذه الأمة.
    والحق أنه كلما اعتمد الشاب على نفسه والفتاة على نفسها، كان ذلك أدعى إلى نجاح كل منهما، واستقرار الأسرة وسعادتها، فنجاح الأبناء والبنات -آباء وأمهات المستقبل- لا شك- نجاح الأسرة بأكملها، وفي سعادتهما سعادة للجميع.
    وإن مما يعين على تربية الأبناء على تحمل المسؤولية مجموعة من الأمور أضعها بين يديك لعلها تكون سببًا في تربية جيل قادر على تحمل المسؤولية:
    وضوح الغاية من خلق الإنسان في نفوس الأبناء، فالله لم يخلقنا عبثًا وإنما لغاية وعلة، قال الله تعالى: " {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} " المؤمنون: 115، وقال – سبحانه-: " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ " الذاريات: 56، جيد أن يكون ذلك الأساس الذي تبني عليه.
    القدوة الحسنة لما تقوم به، فلابد أن يكون الزوج والزوجة مثالاً لتحمل المسؤولية والقيام بها، فلا يمكن أن ينشأ الأبناء على ما تريد وهم يرون الوالدين خلاف ما يوجهان به، أو يأمران بعمله، كن قدوة لأبنائك في القيام بواجبك نحوهم وفي تحمل المسؤولية.
    جيد أن تتناول معهم النماذج الرائعة والمشرقة من تاريخ أمتنا وسلفها الصالح، حدثهم عن مالك والشافعي وأحمد، حدثهم عن عائشة ورفيدة وزينب وأم كلثوم، حدثهم عن معاذ بن جبل وزيد بن ثابت، ومحمد الفاتح وصلاح الدين وغيرهم من أبطال الأمة ورموزها، حدثهم وشجعهم على القراءة عنهم، لا شك أنهم يتخذونهم قدوة، وليكن شعارك وشعارهم قول الشاعر:
    فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكــرام فلاح
    الميدان العملي والتجربة أفضل ما يمكن أن يصقل المهارات فيهم، كلف أحد أبنائك بإدارة شؤون البيت ليوم واحد، حدد له الغاية والهدف، أعطه الإمكانات والصلاحيات كاملة، في نهاية اليوم اجلس مع أسرتك وقيم التجربة، وقدم له نجاحاته فيما قام به، وما يمكن أن يعالجه لاحقًا.
    عزز سلوكه وشجعه، وقدِّر فيه روح الجدية والانضباط والمبادرة والحرص على النجاح، وإياك أن تحبطه أو ترسل له أية رسائل سلبية، فإن أكثر ما يؤدي إلى الفشل هو هذه الرسائل.
    لا تيأس من إعادة المحاولة إن لم ينجح، وكرر ذلك معه مرات ومرات وبأشكال مختلفة.

    لا تقصر ذلك على أبنائك وفقط، وليكن ذلك نهج تربيتك لأولادك، وليكن لبناتك من ذلك الحظ والنصيب، فهن أمهات المستقبل، لتتحمل البنت هي الأخرى المسؤولية، يمكن أن تكلفها والدتها بالمسؤولية عن إعداد وترتيب وتجهير استقبال ضيوفكم أو إدارة شؤون البيت أو غيرها من المهام.
    إن الإنسان ينشأ على ما تربى عليه، وهو بالطبع انعكاس لما تكون عليه بيئته، وإن مما يحفظ من الأشعار قول أبي العلاء المعري:
    وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوّده أبوه
    بهذه المعينات وغيرها يتعود أبناؤكم تحمل المسؤولية، وتنبت العديد من صفات الرجولة والقدرة والوعي بالمهام والتكليفات في أسرتك، وتسعد وتسعد أسرتك، قال -تعالى-:" {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} .... " الأعراف:58










    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي رد: من أبجدية السعادة الزوجية

    ذَكَّرْهم بالله وبذِكره


    محمد عزت السعيد


    ذِكْرُ الله – سبحانه وتعالى – من أفضل القربات إليه، ومن أسهل الطاعات وأيسرها على المسلم، عن أبي الدرداء – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" «ألا أُنبِّئُكم بخيرِ أعمالِكم، وأزكاها عند مَليكِكم، وأرفعِها في درجاتِكم، وخيرٍ لكم من إنفاقِ الذَّهبِ والوَرِقِ، وخيرٍ لكم من أن تَلْقَوا عدوَّكم فتضرِبوا أعناقَهم، ويضرِبوا أعناقَكم؟ قالوا: بلى. قال: ذكرُ اللهِ» . (1)
    هذا الحديث من أجمل ما يُذكر في هذا الباب، فقد فضل رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ذكر الله على العديد من أمهات الأعمال وعظائمها كالجهاد وإنفاق الأموال النفيسة من ذهب وفضة في سبيل الله، إضافة إلى ما فيها من جهد ومشقةٍ بدنيةٍ واضحةٍ كالجهاد أو نفسيةٍ واضحةٍ كالإنفاق.
    ولكن ثمَّة بُعدٍ آخر في جميل ذكر الله وعظمة التعلق به، وهو في الحديث عن فضله وعظيم أثره ليس فقط على عظيم الأجر والثواب، بل آثار أخرى تغير من حياة المسلم الذاتية، وتنعكس - بطبيعة الحال- على أسرته وأهل بيته، والمتصفح لكتاب الله وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – يستطيع أن يخرج بالعديد من آثار ذكر الله- سبحانه وتعالى – على الفرد والأسرة والمجتمع، أذكر منها:
    ذِكْرُ الله – تعالى - يحدث نوعًا من الاستقرار النفسي والاتزان الانفعالي بشكل كبير، يدل على ذلك قول الله – تعالى -: " {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} " الرعد:28 ولقد ذكر الطبري في تفسيره:" وقوله: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} ، يقول: ألا بذكر الله تسكن وتستأنس قلوبُ المؤمنين."
    يجلب ذِكْرُ الله – سبحانه وتعالى- رضوان الله ومحبته، واصطحاب معيته -جل شأنه- قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يقول الله تعالى: « أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا وإن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» ".(2)
    ذِكْرُ الله – تعالى- يجلب الطمأنينة والهدوء والسكينة، روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-:" « لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إلا حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ» ".(3)
    في قراءة القرآن الكريم -وهو من أفضل أنواع ذِكْرِ الله- زوال للهمِّ والغمِّ، وتفريج للكرب والضيق، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: " «ما قال عبدٌ قطُّ إذا أصابه هَمٌّ وحَزَنٌ اللهمَّ إني عبدُك وابنُ عبدِك وابنُ أَمَتِك ناصيتي بيدِك ماضٍ فيَّ حكمُك عَدْلٌ فيَّ قضاؤُك أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك أو أنزلتَه في كتابِك أو علَّمتَه أحدًا مِنْ خلقِك أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ عندَك أنْ تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبي ونورَ صدري وجلاءَ حُزْني وذَهابَ هَمِّي إلا أذهب اللهُ عز وجل هَمَّه وأبدله مكانَ حُزْنِه فَرَحًا قالوا : يا رسولَ اللهِ ينبغي لنا أنْ نتعلَّمَ هؤلاء الكلماتِ قال : أجلْ ينبغي لمن سمعهنَّ أنْ يتعلَّمَهن» ." (4)
    ذِكْرُ الله – تعالى- سببٌ في سعة الرزق وبركته، عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضِي اللَّه عنْهُما قَال: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “ «منْ لَزِم الاسْتِغْفَار، جَعَلَ اللَّه لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مخْرجًا، ومنْ كُلِّ هَمٍّ فَرجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ» " (5) رواه أبو داود.
    فقط أردت ذكر بعض هذه الآثار لأنها- وبشكل مباشر – تبين تأثير ذكر الله – سبحانه وتعالى – على الأسرة المسلمة، فاستقرار النفس واتزانها، ومحافظتها على هدوئها الانفعالي بركونها إلى الله واصطحاب معيته، واللجوء والتضرع إليه والتودد إليه بذكره وكلامه، وحسن الظن واليقين به – سبحانه - ينعكس إيجابًا على النواحي المادية، فذكر الله – كما ورد- سبب في سعة الرزق والبركة فيه، والنعيم الوفير والهبة بالمال والولد، قال الله تعالى على لسان نبيه نوح عليه السلام: " {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا} " [نوح:10-12]
    ومن ثم فإن ذكر الله-تعالى- باب عظيم للخير، وهو من أهم أسباب السعادة والطمأنينة داخل البيت، يجلب الراحة والهناء، ويزيد المحبة الود، فعوِّد نفسك وزوجك وأولادك على التزام ذكر الله -سبحانه وتعالى-وليكن لكم ورد من الأذكار: المطلقة كانت أو المقيدة، والاهتمام بأذكار الأحوال واليوم والليلة، وكثرة الاستغفار، والاجتماع على ذلك للتعليم والتدريب، وإلزام النفس به، ولن يكون ذلك كله إلا من خلال الممارسات العملية والتطبيقات الفعلية، وأسرد لك بعض المعينات على ذلك:
    كن أنت القدوة في التزام ذكر الله -سبحانه وتعالى- بقراءة وردك القرآني والأذكار المتنوعة حالاً ومقالاً.
    اجتمع وأسرتك على ذكر الله -سبحانه وتعالى- فاقرؤا سورة الكهف سويًا مثلاً، أو خصصوا لكم جلسة قرآنية للقراءة وتعلم التجويد.
    تدارسوا أحد كتب الأذكار، وكلف أولادك بحفظه تباعًا، في غير مشقة ولا عنت ولا إكثار فيملوا، ولكن بتدرج واستمرار، وخير الأعمال أدومها وإن قل.
    تناول معهم فضل ذكر الله – سبحانه وتعالى- واستعرض معهم صورًا من فعل سلف الأمة في الحرص على مداومة ذكره.
    ليكن لك ولهم ورد من الأذكار اليومية بين الحمد والتسبيح والتكبير والتهليل وغيره من ألوان الذكر.
    اجعل لهم مسابقات وجوائز تشجعهم بها، وتحفزهم على التزامها والمداومة عليها.
    ليكن الدعاء أحد الأذكار المعينة على ذلك، وليكن لك ولزوجك ورد يومي تدعوا فيه أن يعينكم الله على ذكره وأن يوفقكم إلى ذلك، ولطالما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم – يوصي معاذ بن جبل -رضي الله عنه – بقوله قال: " يا معاذُ أوصيك ألا تدَعَنَّ في دبُرِ كلِّ صلاةٍ أنْ تقولَ: « اللَّهمَّ أعِنِّي على ذِكرِك وشُكرِك وحُسنِ عبادتِك» " (6) وصلِّ اللهم وبارك على محمد وآله وصحبه
    سنن الترمذي - رقم 3377
    صحيح مسلم – رقم 2675
    صحيح مسلم – رقم 2700
    صحيح ابن حبان – رقم 972

    سن أبي داود – رقم 1518
    صحيح ابن حبان -رقم 2020








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي رد: من أبجدية السعادة الزوجية

    راقب


    محمد عزت السعيد


    من أبجدية السعادة الزوجية – راقب
    المسؤولية تكليف وليست تشرف، والمسؤولية توجب المتابعة والعناية والاهتمام، والمراقبة لون من ألوان التربية، ودليل على تحمل المسؤولية، ولا تؤتي الشجرة ثمارها، ولا تدر التجارة ربحها، إلا إذا تفقدها صاحبها، وأولاها عناية ورعاية، أما من لا يرعَ غرسه، ولم يتفقد نبتته فلا شك أنه إما أن تكون خسارته جسيمة، أو أن تهلك وتزول.
    ولا يمكن أن يترك الراعي اليقظ غنماته للذئب، ولا أن يتركهم إلى العراء في الليلة المطيرة الشاتية، بل يتفقد أحوالهم، ويتعهد شؤونهم، ويراقب حركاتهم وسكناتهم، ورب العزة يلفت انتباهنا إلى ذلك بقوله: " {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} " المؤمنون: 115 قال فيها ابن كثير في تفسيره: أي: أفظننتم أنكم مخلوقون عبثًا بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا، "وأنكم إلينا لا ترجعون" أي : لا تعودون في الدار الآخرة ، كما قال: " يحسب الإنسان أن يترك سدى " القيامة : 36 ، يعني هملاً .
    وكذلك الوالدان .... من أسس مسؤوليتهم متابعة أبنائهم ومراقبتهم، ورعاية شؤونهم وأحوالهم، وتفقد تصرفاتهم وأفعالهم، ولا يعني ذلك وقوفهم -أي محاسبتهم- على ما دقَّ منها أو صغر، وإنما هي لتقويم ما ساء من أخلاقهم، وتجويد ما حَسُن منها، ولا يكون ذلك إلا بدوام رصد أفعالهم والوقوف عليه، ولعل هذا من تعنيه كلمة المراقبة، ، والإشارة في ذلك إلى قول الله -تعالى-: " إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا " النساء: 1 ويعني بقوله: "رقيبًا"(حفيظً
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي رد: من أبجدية السعادة الزوجية

    "ثبت دعائم بيتك"


    محمد عزت السعيد


    الإنسان إذا أراد أن يتخذ له بيتًا بحث عن الأميز مكانًا، الأجود هواءً والأفضل جيرة وأصدقاء؛ لأنه يغلب على ظنه أن يعيش فيه طويلًا، ويلبث فيه مليًا، وهكذا الناس يحبون الاستقرار ويميلون إلى الديمومة في مواطنهم، ولذا فإنك تجد العربي القديم ومنذ الأزل يظهر في أبيات شعره، وقصائد نظمه مدى تعلق بمنزله وبيته، وحنينه إليه كلما غاب عنه أو رحل منه، فهذا المتنبي تراه يقول:
    حي المنــــازل أقفــــــرت بسهــــــــام وعفت معالمها بجنب بِرام
    جرت عليها الرامسات ذيولها وسجال كل مخلخل سجام
    أقوت وقد كانت تحل بجوارها حور المدامع من ظباء الشام
    ويظهر مدى لوعته وتعلق به، لما يربطه من ذكريات جميلة وأيام لطيفة لا يمكن له أن ينساها، بل ويظهر آخر أن الإنسان مهما حاول فذكراه الأولى في بيته الأول هي التي تظل ثابتة راسخة، لا تنفك لها عقدة، ولا تُمحى من ذاكر العمر، ولذا تسمعه يقول:
    نَقِّلْ فُؤادَك حيث شئتَ من الهوى ما الحُبُّ إلا للحبيبٍ الأولٍ
    كم منزلِ في الأرضٍ يألفُـــــــــه ُ الفــــتى وحنيــــــــنـُ هُ أبــــــــــداً لأولٍ منــــزل
    وليس هذا بمستغرب .... بل هي الفطرة التي خُلق عليها الإنسان، فهو اجتماعي بطبيعته، يألف المكان الذي يستقر فيه، ويأنس بالبيت الذي يقيم فيه، وليس هذا خاص بالإنسان وفقط، بل هو بين الحيوانات في أوكارها، والطيور في أعشاشها بل والحيتان في أعماق البحار ...
    وقد سطر ربنا - سبحانه وتعالى- هذا المعنى القرآني الجميل في صفحات الكتاب الخالد:" { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} " الروم:21
    فالسكن والمودة والرحمة كلها دواع للاستقرار وراحة البال والطمأنينة التي يجدها الإنسان في بيته، وهذا ما أود أن أخلص إليه، هذه الدعائم الثلاثة: السكن والمودة والرحمة هي مبتغى كل بيت للزوجية ينشأ، فالسكن والراحة والهدوء، وكذلك الألفة والمودة والمحبة، وأيضًا الرحمة بين الزوجين هي ما تجعل الحياة الأسرية ذات قيمة، بل وتجعل من البيت إحدى جنات النعيم، ألم يذكر الله – جل وعلا – عن آدم ما امتن به عليه من زوجة أنجب منها الولد والبنت على السواء، قال الله – جل شانه- :" {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } ... [الأعراف: 189]

    وقد ذكر ابن كثير في تفسير قوله- سبحانه وتعالى -: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا " أي: خلق لكم من جنسكم إناثا يكن لكم أزواجا، لتسكنوا إليها، كما قال تعالى:" هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها " الأعراف: 189، يعني بذلك حواء، خلقها الله من آدم من ضلعه الأقصر الأيسر. ولو أنه جعل بني آدم كلهم ذكورًا وجعل إناثهم من جنس آخر من غيرهم، إما من جان أو حيوان، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل نفرة لو كانت الأزواج من غير الجنس. ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن مودة: وهي المحبة، ورحمة: وهي الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمة بها ، بأن يكون لها منه ولد ، أو محتاجة إليه في الإنفاق ، أو للألفة بينهما ، وغير ذلك، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون .
    ولذا فإن أردت أن تقيم بيتًا جيدًا، فدعم قواعده، وثبت بنيانه وأركانه، ولن يكون ذلك إلا بتحقيق تلك الشروط والدعائم الثلاثة، فلتكن الزوجة سكن لك، تبث إليها همومك، وتبث لك، تلقي عليها أحزانك وتلقي عليك، تفرحا سويًا وتواجها الحزن معًا، تتألم لألمها، وتتألم لك، وتأمل لمستقبلكما وتأمل هي الأخرى لك، هذه المشاركة الوجدانية، والشراكة الحقيقية في كل الأحوال أحد أهم الأركان التي ينبغي أن تثبت بها بيتك، وقد كنت في وقت من الأوقات، لا أحب أن أبوح بما يهمني، أو ينزل بي من تقلبات الدهر وصروفه، ولفترة من الزمن – حتى بعد أن رزقني الله بزوجة أسكن إليها_ آثرت أن أبقى على ما أنا عليه، لكن وبعد تجذر العلاقة بيننا وترسخها، أصبحت أجد المتعة في الأنس إليها، وفي الحديث معها، تخفف عني وأخفف عنها، فثبتت بذلك العلاقة بيننا.
    وقد توقفت كثيرًا عند قول الله تعالى: " {وجعل بينكما مودة ورحمة} " وأخذت أعيش بين مفردات الآية وألحظ دقة القرآن الكريم وهو يميز بين المودة والرحمة، كما ذكر ابن كثير في تفسيره: " فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمة بها، بأن يكون لها منه ولد ، أو محتاجة إليه في الإنفاق ، أو للألفة بينهما ، وغير ذلك..." وذكره سبحانه أن هذه الدعامة لا يقوم بها واحدٌ دون شريكة بل يقوما بها سويًا، ولذا فقد استعمل(بينكما) ولم يقل منكم أو لكم، بل وقدم المودة على الرحمة وفي التقديم اعتبار أن الأساس هو المحبة لا الرحمة، وإنما الرحمة تكون لاعتبارات أخرى كالإبقاء على رابطة الزوجية حتى لا تنهدم الأسرة أو يضيع الولد.
    وإن من أهم ما يثبت به البيت، وتقوى به أسسه، أن يكون أصل هذه المودة مرتبطة بالدين، نابعة من الاجتماع على القيم الفاضلة والأخلاق النبيلة والرؤى والأهداف المشتركة، فتأسيس البيت من أول يوم على تقوى الله ورضوانه، والعمل الصالح، والرغبة القوية في حب الخير وصلاح الدنيا، وتوجيه الجهود إلى ذلك كله، يوطد الأركان ويدعم البنيان، ويثبت الأساسات فتصير أقوى من الجبال رسوخًا، وأثبت من الأرض وهي تَسبح في فلك السماء، قال الله تعالى:" {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} " [التوبة: 109]


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي رد: من أبجدية السعادة الزوجية

    جُدْ


    محمد عزت السعيد


    من أبجديات السعادة الزوجية ... جُدْ
    الحياة الزوجية قائمة في الأساس على التكامل لا التنافر ... على البذل والعطاء لا الحرص والأنانية ... وإنك لو تأملت في ذلك لوجدت أن الحياة الزوجية الناجحة هي التي يسعى كل طرف فيها إلى بذل أجمل ما لديه ماديًا ومعنويًا، خلقًا وسلوكًا، بل وعلى المستوى الإنساني والجسماني .... فالرجل مثلاً لا يبخل بما لديه من وقت وجهد في توفير سبل المعيشة الآمنة والمريحة لأسرته، بل ويطير فرحًا وهو يسمع أحد أبنائه يطلب منه ما في مقدوره أن يوفره له ... فما يملأ فكره وما يشغل باله هو كيف يوفر لبنيه حاجاتهم من مأكل ومشرب ومسكن وتعليم ورعاية في شتى الجوانب ....
    وشريك دربه هي الأخرى لا تمل ولا تكل في بذل جهدها ورعايتها لبنيها وزوجها، وسعادتها كل سعادتها وهي ترى غرسها يكبر، وبيتها تظلل عليه السعادة والاستقرار، ويملؤه الهدوء وتحيط به الطمأنينة، ولذا تجدها وهي تقوم بتدبير شؤون بيتها تارة، وتارة أخرى تعتني بشؤون زوجها، وثالثة تقوم على متابعة تعليمهم والاهتمام برعايتهم الصحية وغيرها
    ولعلي لا أبالغ إن قلت: إن عنوان البيت السعيد والحياة الزوجية الناجحة تكمن في هذه الكلمة التي تتكون من حروف ثلاثة وإن تجاوزت قلت: حرفين اثنين .... (جُد)
    والقرآن الكريم يرسخ لهذا المبدأ( الجـــــــود والعطاء ) وهو يستعرض العوامل التي من أجلها جعل القوامة للرجل دون المرأة، فقال – جل شأنه- :﴿ {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} ﴾ وقد جاء في تفسيرها كما ذكر ابن كثير في تفسيره: "الرجل قيم على المرأة ، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت،﴿ {بما فضل الله بعضهم على بعض} ﴾ أي : لأن الرجال أفضل من النساء ، والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال وكذلك الملك الأعظم، لقوله صلى الله عليه وسلم:﴿ {لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة} ﴾ رواه البخاري من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه وكذا منصب القضاء وغير ذلك ﴿ {وبما أنفقوا من أموالهم} ﴾ أي : من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيمًا عليها.
    وهذه القوامة ليست إلا تكليفًا للرجل للبذل والعطاء والجود ليستحق أن يمنح تلك القوامة على المرأة، ويوم أن يقوم بدوره هذا يتحقق الجزء الأكبر من السعادة، ولا أتحدث هنا فقط عن الجود المرتبط بالمال وحده، وإن كان ذلك في غاية الأهمية، وإنما هناك العديد من صور الجود والبذل لا تقل شأنًا عن الأول ...
    فكم من أناس جمعوا من الدنيا خيراتها .... مال لا حصر له ... ذهب وفضة وعقارات .... لكن كانوا لها من المقترين ...وعليها من المحافظين الحريصين ... فماتوا عنها فلا هم تمتعوا بها في حياتهم، وما قاموا بحق الله فيها، وأمسكوا عن أولادهم فحرموهم منها في حياتهم ولُعنوا بها بعد موتهم، فقد آلت إليهم من غير تعب، وورثوها بغير كدًّ ولا نصب ... ولعل ذلك ما دفع -كما روت كتب السيرة- في ذكر هند بنت عتبة -رضي الله عنها – عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ قَالَ: لاَ، إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ»
    جُدْ على زوجتك بمالك وثروتك، فلها الحق كل الحق فيه، وما كانت القوامة لك عليها إلا لإنفاقك عليها، قال – صلى الله عليه وسلم –:" «استوصُوا بالنِّساءِ خيرًا؛ فإنَّ المرأةَ خُلِقَتْ من ضِلَعٍ، وإنَّ أعْوجَ شيءٍ في الضِّلَعِ أعْلَاهُ؛ فإنْ ذهبْتَ تُقِيمُهُ كسرْتَهُ، وإنْ تركتَهُ لمْ يزلْ أعوَجَ؛ فاسْتوصُوا بالنِّساءِ خيرًا» " وفي حجة الوداع قال – صلى الله عليه وسلم -: " «استَوصوا بالنِّساءِ خيرًا فإنَّهنَّ عندَكُم عَوانٍ ليسَ تملِكونَ منهنَّ شيئًا غيرَ ذلِكَ» ...."
    والزوج الحق من يقوم على رعاية أهله وأولاده فيجود عليهم بحبه وحنانه، يسارع في نقل مشاعره إلى زوجته، يخاطبها بأجمل الكلمات وأعذبها، ويدللها بأرق العبارات وألطفها، فقد كان رسولنا الكريم ينادي أحب الناس إليه وهي عائشة -رضي الله عنها- بقوله يا عائش، ففي الصحيحين عن عائشة، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا عائش! هذا جبريل يقرئك السلام. قلت وعليك السلام ورحمة الله وبركاته"
    وكذلك روى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نادى حبيبته عائشة - رضي الله عنها -بالحميراء، تحببا إليها وملاطفة لها ومن ذلك ما رواه عدد من العلماء من رواية أم المؤمنين عائشة، زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: دخل الحبشة المسجد يلعبون، فقال لي:" يا حميراء أتحبين أن تنظري إليهم فقلت: "نعم، فقام بالباب وجئته فوضعت ذقني على عاتقه فأسندت وجهي إلى خده" قالت: "ومن قولهم يومئذ أبا القاسم طيبا" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حسبك" فقلت: يا رسول الله لا تعجل، فقام لي ثم قال: "حسبك" فقلت: "لا تعجل يا رسول الله" قالت: "وما لي حب النظر إليهم، ولكني أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي ومكاني منه" قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يا حميراء! أتحبين أن تنظُري إليهم؟! يعني: إلى لعب الحبشة ورقصهم في المسجد" بل كان يناديها بابنة أبي بكر، وابنة الصديق والموفقة وغيرها
    جُدْ على أهلك بحبك وحنانك، ولا تكن شحيحًا بخيلاً، فكن(رومانسيًا) مع زوجتك، مازحها ... داعبها ... ولا تبخل عنها ولا عن أبنائك بما تفصح به عن حبك وتقديرك لهم، أذكر أنني كنت في أحد البرامج التدريبية يومًا، وكان من ضمن أنشطة البرنامج فقرة للأمهات مع بناتهن، وللآباء مع أبنائهم، يعانق كل منهما الآخر ويتحدث إليه ببعض عبارات الحب يظهر فيها كل طرف مشاعره تجاه الطرف الآخر، وإنك لتجد العجب .... العديد من الآباء والأمهات لم يستطع أحد منهم تقبيل أو احتضان أبنائهم وبناتهم، مع صرخات وبكاء وعويل وابتعاد كل طرف عن الآخر لما تركوه على مدار الأيام والأعوام من جفوة وقسوة ملأت القلب وسيطرت عليها.
    جد على أهل بيتك بوقتك ... فلا تكن بخيلاً به .... تعطيهم فضول أوقاتك وما تبقى من عمل طوال اليوم، وشغل مع أصدقائك ... لا ... بل أعطهم منه أجوده وأفضله، فكن معهم وأنت خالي البال ... خصص لكل واحد منهم وقتًا تجلس معه ... تتحدث إليه ... تصغي لحديثه ... تقدم لهم نصحك وتجاربك .... تستمع إليهم ويستمعون إليك .... ولا تنشغل عنهم ... فهم رأس مالك وثروتك .....
    جد عليهم بتوجيهك في هدوء، وبإرشادك في صبر، وبتعليمك في حب وأمل ... والزوج الناجح من يكون في بيته أجمل منه في خارجه، مع أهله ناصحًا أمينًا، ولذلك مدح الله إسماعيل عليه السلام بقوله:﴿ {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} ﴾ مريم: 55 قال ابن كثير: هذا أيضًا من الثناء الجميل ، والصفة الحميدة ، والخلة السديدة ، حيث كان مثابرًا على طاعة ربه آمرًا بها لأهله ....
    جعلني الله وإياكم من أهل الصلاح والهدى.








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي رد: من أبجدية السعادة الزوجية

    حاسب


    محمد عزت السعيد


    من أبجدية السعادة الزوجية .... حاسب
    من جميل ما تجد في هذا الدين العظيم أنه يراعي الفطرة البشرية والنزعة الإنسانية، يراعي حب الذات ورغبتها في الثناء والتقدير والمدح، وهو في ذات الوقت يعلم أن النفس البشرية قد جبلت على التفلت والتمرد والفتور فيدفعها أحيانًا بالزجر والردع ... ولعلك إذا تأملت القرآن الكريم فإنك قلما تجد ترغيبًا إلا وتلاه ترهيب، ذكرًا للجنة إلا ويليه ذكر للنار .... يتحدث عن الفجار وما لهم تارة ... ويعطف عليهم بالحديث عن الأبرار وما لهم تارة أخرى.. والأمثلة عديدة وكثيرة ...
    هذه بعض آيات من سورة المطففين يقول الله تعالى:" { كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَّرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِي نَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (17) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَّرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21)} " [المطففين: 7-21]
    وهذا مبدأ عظيم يتبعه القرآن الكريم على طول الطريق، والذي هو امتداد لنهج الوسطية الذي يلتزمه في أسلوبه، ومنه وسطية الخطاب، فالنفس تحتاج إلى التعزيز والتقدير والثناء، وهذا ما يطلق عليه علماء النفس والتربية بالتعزيز الإيجابي، كما أنها قد تمل أو تفتر أحيانًا وربما تتمرد أو تخرج عن المألوف أحيانًا أخرى، ولذا فإنها بحاجة ماسة إلى ما يسمى بالتعزيز السلبي، وهو ما تجده كثيرًا في ذكر الجنة والنار والثواب والعقاب، والحديث عن المتقين والفاسقين، وأهل التقوى والصلاح، وأهل الشر والفسوق ....
    والإنسان بطبيعته يحتاج إلى رعاية ومتابعة فهو كالبذرة تحتاج إلى تعهد ورعاية منذ أن توضع في التراب....وحتى تمام حصادها، وهكذا الإنسان ... ولذا فإن البيت الناجح والأسرة السعيدة ليست هي من يترك فيها رب الأسرة- رجلاً كان أو امرأة- الحبل على الغارب ... فلا توجيه ولا متابعة ولا حساب يتبعه تعزيز بالإيجاب أو بالسلب ... لا وإنما النجاح يكمن في التوجيه والتربية الرشيدة التي تقوم على تقديم كل ما يكفل لها سعادتها واستقرارها ... فالأب يقوم بالتربية والأم كذلك من منطلق كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ... وهذه المسؤولية تكفل له المتابعة، والمتابعة هي الأخرى لا بد لها من سلطة تتمثل في قرارات يتم اتخاذها من خلال تعزيز الفعل الإيجابي بثواب وجزاء، وكذلك تعزيز الفعل السلبي بعقاب ونحوه ... ولا ينصرف الذهن إلى أن المقصود هو العقاب البدني والضرب والتوبيخ ونحوه ... وإن كانت هذه هي أحدى صوره .... ولله در الشاعر حين يقول:
    فقسا لتزدجروا ومنْ يكُ حازمًا فَليَقْسُ أحيانًا وحينًا يَرْحَمُ
    والقرآن الكريم والسنة النبوية يجعلان للرجل الولاية على بيته ... بل وتحمله المسؤولية الكاملة في رعايته وبنائه على أسس من الصلاح والتقوى، وخولته بأن يستعمل هذا الحق الكامل في تربية بنيه وتعليمهم، بل أعطاه الدين الإسلامي ذلك الحق مع زوجته حال نشوزها .... قال الله تعالى: " {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنّ} "َ ..... تعالج الآية الكريمة واحدة من الخلافات الزوجية، وهي ظهور أمارات نشوز المرأة على الرجل، وقد تدرجت الآية في علاج تلك المشكلة بالخطوات الآتية، واتخذت التدابير الواقية من انهيار كيان الأسرة وتماسكها،{ {فَعِظُوهُنَّ} } بالتخويف من الله، والوعظ بالقول، { {وَاهْجروهن} } يعني: إن لم ينزعن عن ذلك بالقول فاهجروهن في المضاجع، قال ابن عباس: يوليها ظهره في الفراش ولا يكلمها، وقال غيره: يعتزل عنها إلى فراش آخر،{ {وَاضْربوهن} } يعني: إن لم ينزعن من الهجران فاضربوهن ضربًا غير مُبَرِّح ولا شائِن، يعني: ضربًا غير مؤثر، وقال عطاء: ضربًا بالسواك. وهو ما يمكن التعبير عنه بالضرب الصوري أو الرمزي.
    الثواب والعقاب وسيلة من وسائل التربية التي يعتمدها القرآن لصيانة المجتمع من غوائل الانحراف والشذوذ، لتأديب الجاني وللترهيب من الجناية، ولحث المؤمن على أن يتمسك بدينه ودفعه إلى الاستزادة من العمل الصالح رغبة فيما عند ربه ورجاء عفوه ومغفرته.
    فالإسلام يضع من التشريعات والقوانين والإجراءات الاحترازية والزاجرة ما يضمن سلامة المجتمع وسلامة الأفراد من شتى المخالفات والجرائم. كما أن القرآن ذكر جملة من الحوافز والمكافآت لمن التزم شرع خالقه وابتعد عن الأخطاء والمخالفات وذلك بما يناسب طبائع الناس كافة ويعتبر الترغيب والترهيب حافزًا يدفع إلى التعلم الصحيح والفعل الحسن وتجنب الأخطاء، وترك القبائح، وتتنوع رغبات الناس في الأشياء المادية والمعنوية، وكلها ترجع إلى ما يحفظ عليهم صحتهم ويشبع غرائزهم ويلبي دوافعهم. وصراع الحياة واختلاف الطباع يوجب أن يكون للخير ثواب وللشر عقاب فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره ....

    ولذا ... ومن أجل استقرار البيت ونجاحه، وسعادته وهنائه فلابد من التوجيه والتربية والنصح والإرشاد ... وذلك يعقبه متابعة حكيمة وجادة دونما تهاون أو تفريط وكذلك دونما تشدد أو تضييق، ومن ثم تعزيز الجوانب الإيجابية في سلوكات أفراد الأسرة بمكافأة أو تقدير وثناء ونحو ذلك ... وتعزيز الجوانب السلبية في سلوكات أفرادها بلوم أو عقاب مناسب أو حرمان من مفضل لديهم أو نحو ذلك ...
    حاسب أبناءك وأهل بيتك ... وعزز لديهم السلوك الحسن، وأطفئ- بمفردات علماء النفس والتربية- السلوك السيء، ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﺃﻣﺎﻣﺔ - ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ- ﻗﺎﻝ :ﺇﻥ ﻓﺘﻰ ﺷﺎﺑًﺎ ﺃﺗﻰ ﺍﻟﻨﺒﻲ -ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ- ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺸﺎﺏ : ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺇﺋﺬﻥ ﻟﻲ ﺑﺎﻟﺰﻧﺎ. ﻓﺄﻗﺒﻞ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﺰﺟﺰﺭﻭﻩ، ﻭﻗﺎﻟﻮﺍ : ﻣﻪ ﻣﻪ !!ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ -ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ : (ﺃﺩﻧﻪ). ﻓﺪﻧﺎ ﻣﻨﻪ ﻗﺮﻳﺒًﺎ ﻓﺠﻠﺲ، ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ -ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ: (ﺃﺗﺤﺒﻪ ﻷﻣﻚ) ؟ ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺸﺎﺏ: ﻻ ﻭﺍﻟﻠﻪ ... ﺟﻌﻠﻨﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﺪﺍﺀﻙ. ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ -ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ: (ﻭﻻ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﺤﺒﻮﻧﻪ ﻷﻣﻬﺎﺗﻬﻢ ﺃﺗﺤﺒﻪ لاﺑﻨﺘﻚ)؟ ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺸﺎﺏ: ﻻ ﻭﺍﻟﻠﻪ ...ﺟﻌﻠﻨﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﺪﺍﺀﻙ. ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ -ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ: (ﻭﻻ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﺤﺒﻮﻧﻪ ﻟﺒﻨﺎﺗﻬﻢ ﺃﻓﺘﺤﺒﻪ ﻷﺧﺘﻚ)؟ ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺸﺎﺏ: ﻻ ... ﻭﺍﻟﻠﻪ ﺟﻌﻠﻨﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﺪﺍﺀﻙ.ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ : (ﻭﻻ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﺤﺒﻮﻧﻪ ﻷﺧﻮﺍﺗﻬﻢ ﺃﻓﺘﺤﺒﻪ ﻟﻌﻤﺘﻚ) ؟ ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺸﺎﺏ: ﻻ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﺟﻌﻠﻨﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﺪﺍﺀﻙ.ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ : (ﻭﻻ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﺤﺒﻮﻧﻪ ﻟﺨﺎﻻﺗهم .(ﻓﻮﺿﻊ ﻳﺪﻩ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﻗﺎﻝ -ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ: (ﺍﻟﻠﻬﻢ ﺍﻏﻔﺮ ﺫﻧﺒﻪ ﻭﻃﻬﺮ ﻗﻠﺒﻪ ﻭﺣﺼﻦ ﻓﺮﺟﻪ).ﻓﻠﻢ ﻳﻜﻦ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻔﺘﻲ ﻳﻠﺘﻔﺖ ﺇﻟﻰ ﺷﻲﺀ.
    حاسب أبناءك وأهل بيتك ..... ضع مع زوجتك وأولادك قانونًا أسريًا تتفقون عليه وضوابط محددة للتعامل بين أفراد الأسرة .... اجعلهم يشاركونكم في اتخاذ القرارات التي تكفل للبيت السعادة والاستقرار، اتفقوا على مجموعة من وسائل التأديب والتربية حال لم يلتزموا بها .... وكن أنت وزوجتك الأكثر انضباطًا والتزامًا ... فإن أكثر الخطط فشلاً وأسوأ صور التربية هي ما يكون بالقدوة السيئة .... تعليمات وضوابط وقوانين ... لكن أكثر من يفشلونها هم من وضعوها ... فلا التزام بها، ولا انضباطًا بتعليماتها ...
    حاسب أبناءك وأهل بيتك ..... وجه مرة بعد مرة ... وأعد التوجيه مرة بعد مرة ... أظهر لهم حبك وودك في توجيهاتك ... ومرر لهم وجود عقوبة تترتب على عدم الالتزام .... تجاهل أحيانًا، وتغافل عن بعض ما لا يؤثر .... هدد بالحرمان ... بالعقوبة ... لُم أحيانًا ...وبِّخ أحيانًا ... لكن اجعل الهدف هو الفعل لا الشخص ... اجلس معهم ... تحاور معهم ... ناقش معهم الأفعال غير الجيدة .... لا يكن أول همك العقاب ... بل اجعل أكبر همك هو الإصلاح ....
    حاسب أبناءك وأهل بيتك ..... ضع معهم قوانين ثابتة ... واستخدم التحذيرات مبكرًا .... وبيِّن الآثار السلبية المترتبة على الفعل الخطأ .... كن قدوة صالحة ... كن إيجابيًا في حسابك لهم ... تبحث معهم عن الحلول لا المشكلات ... ساعتها يطيب غرسك ويفلح سعيك .... " {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه} ..." الأعراف: 58









    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي رد: من أبجدية السعادة الزوجية

    خٌذ


    محمد عزت السعيد

    خذ من صحتك لمرضك، ومن قوتك لضعفك، ومن غناك لفقرك، ومن فراغك لشغلك .... بهذه الألفاظ أو بمتشابهات لها تتحقق -بإذن الله- السعادة في بيتك وبين أولادك .... ولعل هذا المعنى ما ورد به حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما روى عبد الله بن عباس لرجلٍ وهو يَعِظُه:" «اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ: شبابَك قبل هِرَمِك ، وصِحَّتَك قبل سِقَمِك ، وغناك قبل فقرِك ، وفراغَك قبل شُغلِك ، وحياتَك قبل موتِك» "
    وقديمًا قالوا: الدهر يومان، يوم لك ويوم عليك، وقال الشاعر:
    فيومٌ عَلينا ويومٌ لنا ... ويومٌ نُساءُ ويومٌ نُسَرُّ
    والعمر- وإن طال- أيام، سرعان من تنقضي، وساعات – وإن كثرت- سرعان ما تنتهي، قال الحسن البصري: "يا ابن آدم.. إنما أنت أيام مجموعة.. فإذا ذهب يومك.. ذهب بعضك " ولا شك أن البعض إذا ذهب أوشك الكل على الانقضاء، ولا يبقى القوي قويًا، ولا الغني غنيًا، فتقلبات الأيام كثيرة، وتغيرات الأحوال كبيرة، فكم من قوي خارت قواه فبقي بدونها، وكم من غني ذهب غناه فبقي بدونه وانصرف الناس من حوله، وكم من معمر أو شاب في عنفوانه وفاتهما المنية ولم تفرق بينهما .....
    ونحن لا يعلم ما تخفيه الأقدار عنا، ولا ما يقدره الله لنا، ولذا لا ينبغي على المرء أن يغتر بصحته وعافيته وقوته ونشاطه، فإن الصحة لا تدوم ولا تبقى، وإذا ذهبت عن المرء صحته وعافيته ندم أشد الندم أن لم يستعمل صحته وعافيته في طاعة الله جل وعلا.
    وكثير من الناس يغتر بصحته وعافيته فيضيِّعها في الآثام ويُذهِبها في المعاصي والحرام ثم يندم حيث لا ينفعه ندم. وما يجده المرء من مال ووفرةٍ في الخيرات والأرزاق لا تدوم ولا تبقى؛ فلا المال يبقى لصاحبه، ولا صاحب المال يبقى لماله؛ ولهذا على المرء ألا يغتر بأمواله وتعددها فإنها زخرفٌ زائل ومتاعٌ فان، والعاقل من لا يغتر بزهرة الحياة الدنيا ولا يُفتن بأموالها وبهجتها قال الله تعالى: " {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور} " [الحديد: 20]
    هذا أبو جعفر المنصور، الخليفة العباسي، حينما بويع بالخلافة ذهب الناس يهنئونه بخلافة المؤمنين، ودخل عليه مقاتل بن سليمان وكان أحد الواعظين، وهنا قال أبو جعفر لنفسه: جاء ليعكر علينا صفو يومنا، سأبدأه قبل أن يبدأني، وقال له: عظنا يا مقاتل. قال مقاتل: أعظك بما رأيت أم بما سمعت؟ قال أبو جعفر: تكلم بما رأيت. قال: يا أمير المؤمنين، مات عمر بن عبد العزيز وقد ترك أحد عشر ولدًا. وخلف ثمانية عشر دينارًا كُفن منها بخمسة، واشتروا له قبرًا بأربعة، ثم وزع الباقي على ورثته، ومات هشام بن عبد الملك، فكان نصيب إحدى زوجاته الأربع ثمانين ألف دينار، غير الضياع والقصور. كان نصيب الزوجات الأربع هو ثلاثمائة وعشرون ألف دينار، وهذا هو ثُمن التركة فقط، ووالله يا أمير المؤمنين لقد رأيت بعيني هاتين في يوم واحد، ولدًا من أولاد عمر بن عبد العزيز يحمل على مئة فرس في سبيل الله، وولدًا من أولاد هشام بن عبد الملك يسأل الناس في الطريق.
    وإن من أجمل ما يريح البال، ويطمئن النفس هو اصطحاب معية الله تعالى، والاستعانة بها على طاعته، والخوف منه وخشيته، ومراقبته في السر والعلن، وليكن ذلك هو القيمة الأساس التي نربي عليها أنفسنا وأبناءنا ... الله ناظر إليَّ .... الله مطَّلع عليَّ ... الله يراني .... بهذه المفردات يعظم الله في قلوبنا ... وتترجم جوارحنا هذا العظمة في أفعالنا .... قال الله تعالى: " {وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} " [النساء:9]
    فعليك اغتنام ساعات العمر في كل نافع مفيد، فالشَّعْر سرعان ما يشيب، والظَّهر سرعان من ينحني، والمال قل أو كثر هو إلى فناء، والحياة إلى انقضاء، اجعل هذه المعاني حاضرة بين أبنائك وأهلك .... يتربون عليها .... ويحيون عليها، فينشؤون على تقدير الوقت واحترام العمل واستثمار الفراغ، والاستفادة منه في تطوير الذات، وكن حريصًا على تقديم قدوات صالحة، ونماذج رائعة في الجدية والانضباط واربطهم بحالات النجاح من الشباب النابهين الذين كانوا صورًا مشرقة في الحاضر وفي الماضي، تحدث لهم عن أهمية تعلم لغة مثلاً ... واذكر لهم ما قاله زيد بن ثابت كاتب الوحي حينا قال: "أمرني رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أنْ أتعلَّمَ له كتابَ يهودٍ قال: إني واللهِ ما آمن يهودَ على كتابي، قال : فما مر بي نصفُ شهرٍ حتى تعلمتُه له، قال : فلما تعلمتُه كان إذا كتَبَ إلى يهودَ كتَبْتُ إليهم، وإذا كتَبوا إليه قرأْتُ له كتابَهم" رواه: الترمذي في سننه.
    اغرس في نفسك وفيهم أهمية المعرفة والعلم واكتساب النافع من العلوم والمعارف، بل وقم بتوجيههم إلى تعلم بعض الحرف والمهن، ففي الأمثال: حرفة في اليد أمان من الفقر، ولا أقصد في "حرفة" ما يتبادر إليه الذهن من الأعمال التي تحتاج إلى القوة والفتوة فقط، بل توجيههم إلى مهن المستقبل ... فلا شك أنه وفي ظل تسارع الثورة التقنية ... هناك آلاف الوظائف ستختفي ... وأضعافها ستكون حاجة البشرية إليها .... وحري بالمسلم أن يتبوأ زمام المبادرة وقيادة البشرية في حضارتها ....
    ولن يكون ما ترجوه إلا إذا كنت أنت القدوة ... حريصًا على استثمار وقتك ... قادرًا على إدارته بشكل جيد ... في القراءة وتطوير الذات وأعمال التطوع وغيرها مما يكسب المزيد من الإحساس بالذات والقيمة والفائدة، وعدم الاتكالية والاعتماد على الغير، بل افتح لنفسك ولبنيك العديد من الأبواب التي يشغلون بها أوقاتهم فيشعرون بالنجاح وتنجح أنت معه، كم من الشباب الذي طرقوا أبواب التعلم والتدريب والمال والاقتصاد والعلوم والمعرفة وغيرها فنجحوا نجاحًا باهر فأكسبهم ذلك السعادة والاستقرار، فانطلقوا مرة أخرى بعد النجاح يواصلون العمل والجد والمثابرة سعيدين بذلك فأكسبتهم هذه السعادة نجاحات أخرى أضيفت إلى نجاحاتهم.... وفقنا الله وإياكم إلى كل نجاح، ورزقنا الله وإياكم سعادة الدارين .....


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي رد: من أبجدية السعادة الزوجية

    شَاورْهم


    محمد عزت السعيد


    من أبجدية السعادة الزوجية: شَاورْهم
    إن الإسلام الحنيف يحرص كل الحرص على أصول ومبادئ ثابتة، يرسخ لوجودها، ويدعم غرسها في نفوس أتباعه، ومن أهم هذه المبادئ الشورى، والشورى لفظ عربي أصيل ولها معانٍ عدة: لغة واصطلاحًا، أما لغة: فهي الأمر الذي يُتشاور فيه، قال الراغب الأصفهاني: التشاور والمشاورة والمشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض من قولهم: شرت العسل إذا اتخذته من موضعه واستخرجته منه، وشرت العسل وأشرته: أخرجته، وفي لسان العرب: عن ثعلب أن شار الدابة يشورها شورًا وشِوارًا وشوّرها وأشارها، كل ذلك: راضها أو ركبها عند العرض على مشتريها، وقيل: عرضها للبيع، وقيل: بلاها ينظر ما عندها، وقيل: قلبها، والتشوير: أن تشور الدابة تنظر كيف مشوارها أي كيف سيرتها، وفي حديث أبي بكر -رضي الله عنه- أنه ركب فرسًا يشوره أي يعرضه، وأما في الاصطلاح فهي تعني: طلب الرأي من أهله، وإجالة النظر فيه، وصولاً إلى الرأي الموافق للصواب.
    ولقد حرص القرآن الكريم أن يوليها مزيدًا من الرعاية والاهتمام، فخص لها سورة قرآنية سماها باسمها، ونص عليها صراحة في غير موضع منه، فتارة يجعلها بين ركنين عظيمين من أركان الإسلام، فجعلها بين الصلاة والزكاء، قال – جل شأنه-:" { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} " الشورى: (38)، ذكر الطبري في تفسره: وقوله: والذين استجابوا لربهم ) أي : اتبعوا رسله وأطاعوا أمره، واجتنبوا زجره، وأقاموا الصلاة، وهي أعظم العبادات لله عز وجل، وأمرهم شورى بينهم، أي : لا يبرمون أمرًا حتى يتشاوروا فيه، ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها، كما قال تعالى :" {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله} " آل عمران : 159ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يشاورهم في الحروب ونحوها، ليطيب بذلك قلوبهم).
    وتارة يأمر نبيه أن يلتزم بها، وأن يقدمها على ما سواها، حتى وإن كان في الالتزام بها نتائج يبدو في ظاهرها الألم والشدة عليه وعلى المسلمين، فقد لحقتهم الهزيمة في غزوة من أعظم الغزوات وهي غزوة أحد، بعدما أخذوا بالشورى، فقد استشار رسول الله – صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج للقاء جيش المشركين، أو البقاء في المدينة والتحصن بها، وكان رأيه مع رأي العديد من كبار الصحابة هو البقاء في المدينة، ولكن الأغلبية كانت لرأي الشباب الذين رأوا في أنفسهم الرغبة في مواجهة المشركين لا سيما من لم يشهد بدرًا منهم، أصابهم القرح والألم بسبب هذه الشوري- فيما يبدو للكثير- خاصة بعد مقتلة عظيمة في جند المسلمين، استشهد على إثرها عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حمزة بن المطلب-رضي الله عنه- والعديد من صحابته الكرام، قال تعالى: " {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِي نَ} " آل عمران: (159، ذكر الطبري في تفسيره قوله:" ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي من أجله أمر تعالى ذكره نبيَّه -صلى الله عليه وسلم- أن يشاورهم، وما المعنى الذي أمره أن يشاورهم فيه، فقال بعضهم: أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم بقوله " -وشاورهم في الأمر "، بمشاورة أصحابه في مكايد الحرب وعند لقاء العدو، تطييبًا منه بذلك أنفسَهم، وتألّفًا لهم على دينهم، وليروا أنه يسمع منهم ويستعين بهم، وإن كان الله -عز وجل- قد أغناه بتدبيره له أمورَه، وسياسته إيّاه وتقويمه أسبابه عنهم.
    وتحقيق الشورى بين أفراد الأسرة الواحدة أصل من أصول هذا الدين، وأساس لحياة زوجية سعيدة، فالرجل لم يكن يومًا ما لينفرد بالرأي من دون شريك حياته وأولاده، بل إن الزوج وزوجته شريكان في اتخاذ كل قرار يناسب حياتهما، وهو لم يكن يومًا ليُعطَى الحق بالتسلط عليه أو على أبنائه، فيكون فرعون داخل بيته وكان لسان حاله يقول: "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل لرشاد" بل يشعر الجميع بدوره وقيمته داخل البيت، فلا يقطع أمرًا دون مشورتهم والاستئناس برأيهم، حتى يتحمل الجميع المسؤولية معًا، وحتى يشعر الجميع أن له قيمة وكيانًا.
    ولم تكن الزوجة يومًا ما كمًا مهملاً لا قيمة لرأيها، بل لم تكن المرأة المسلمة مجرد زوجة وربة بيت وأم أطفال فقط بل كانت صاحبة رأي ومشورة، ومثال على ذلك أم سلمة زوجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد كانت صاحبة رأي صائب، وقد أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمشورتها، عندما حدث صلح الحديبية بين المسلمين والكفار، وكان من شروط الصلح ألا يدخل المسلمون في هذه المرة لزيارة الكعبة ويعودوا العام القادم، وبعدما فرغوا من كتابة وثيقة الصلح طلب رسول الله من المسلمين أن ينحروا ويحلقوا ولكن أحدًا لم يقم منهم، وأعاد الرسول -صلى الله عليه وسلم- طلبه ثلاث مرات ولم يفعلوا، فدخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أم سلمة فذكر لها ما حدث من المسلمين، وهو يقول: هلك الناس، فقالت -رضي الله عنها-: يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج ولا تكلم أحدًا حتى تنحر بدنك (ذبيحتك) وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج رسول الله وفعل بمشورتها فما كان من المسلمين إلا أن نحروا وحلق بعضهم لبعض، وبذلك حلت المشكلة، وأنقذ الله – تعالى – بها الأمة من عاقبة عصيانه- صلى الله عليه وسلم.
    وصور تحقيق الشورى كثيرة وكثيرة ذكرت منها ما يحقق الفائدة المرجوة، والذي ينبغي أن تعمل به، وتجعله أساسًا لإدارة البيت اعتماد الشورى بين أفراد أسرتك في كل ما يتعلق بشؤون حياتها، فالزوجة تستشار فيما صغر أو كبر مما يتعلق بأمور حياتكم، والأبناء والبنات فيما يتعلق بشؤونهما، ونحن نجد فيما ورد من السنة النبوية الكريمة ما روي َعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ» . [ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] .
    والبيت الذي يقوم على الاختيار والمشاروة في أمور الحياة هو أعظم البيوت نجاحًا، وأكثرها استقرارًا، وإني أقدم لك بعض المفاتيح التي إن شاعت بينكم، وأصبحت أساسًا داخل بيتك نشأ الأبناء على احترام الرأي، والجرأة على إبداء الرأي، والمهارة في عرض الرأي، وتحمل تبعات الرأي مهما كانت نتائجه.
    اجعل الشورى والحوار والنقاش في كل أمر يخص شؤون البيت، وزوجتك شريك أساس في ذلك.
    درب أبناءك وشجعهم على عرض أرائهم في الأمور التي تحتاج فيها لرأي، وعلمهم أن يحترموا رأي الغير وإن كان على غير رأيهم.
    استمع لآراء أسرتك: زوجك وأبنائك، ولا تنفرد بقرار ولا تستأثر برأي دونهم.
    قدم الثناء على ما قدموا من رأي ومشورة، وعزز لديهم اعتزازهم بعرض آرائهم ومناقشتهم فيها.
    رسخ فيهم أنك ما صنعت ذلك، وما قاموا به من الحوار والنقاش والشورى إنما هو عبادة يتقرب بها إلى الله كما ورد سلفًا في سورة الشورى.

    بهذه وغيرها تطمئن البيوت وتستقر، تهدأ وتسعد، ويشعر كل فرد بقيمته ودوره، وتملأ السعادة جنبات البيت وأركانه... رزقنا الله وإياكم كل سعادة وهناء، وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي رد: من أبجدية السعادة الزوجية

    سامح


    محمد عزت السعيد

    من أبجدية السعادة الزوجية : سامح
    التسامح خلق نبيل لا يعرفه إلا أصحاب النفوس العالية والأخلاق الرفيعة، وهو خلق أصيل في ديننا، بل وفي عادات العرب وطباعهم، والبيت الواحد والأسرة السعيدة المتآلفة التي يملأ جوانب بيتها هذا الخلق الجميل هي أسعد الأسر وأهنؤها، وأجمل البيوت وأكثرها استقرارًا واطمئنانًا، فكم من شجارات تحدث وخلافات تنشأ بين أفراد الأسرة الواحدة على اختلاف مستوياتها وتعدد أشكالها، فلا تستقيم الحياة بدون خلافات بين الزوج وزوجته، فأنت تتحاور مع زوجتك في أمر ما، لكن سرعان ما ينقلب الحوار الهادئ والنقاش السهل البسيط إلى خلاف واختلاف، وقد يفضي ذلك إلى خصام وتخاصم، والأمر نفسه في أحوال مختلفة، وفي حالات متعددة، والأمر ذاته يكون بين أبنائك وبناتك يختلفون ... يتشجارون ... يضرب بعضهم بعضًا ... ينال الأخ من أخته ... وسرعان ما يصافحها وتصافحه ...
    ولذا فقد جعل ديننا هذا الخلق أساسًا في أخلاق المسلم، قال تعالى: " {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} " [الأعراف:199] ذكر ابن كثير في تفسيرها: "وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله : "خذ العفو " أمره الله بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين، ثم أمره بالغلظة عليهم. واختار هذا القول ابن جرير .وفي سيرته الشريفة ما يدعو للتأمل والوقوف طويلاً أمام أفعاله وأقواله – صلى الله عليه وسلم - فكثيرة هي المواقف التي دلت على عظيم خلقه وجميل سيرته، وإذا ذكر تسامحه ذكر عفوه عن قومه من قريش يوم الفتح، حينما قال – صلى الله عليه وسلم - :" «اذهبوا فأنتم الطلقاء» "، وعن جابر -رضي الله عنه- قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-بذات الرقاع (إحدى غزوات الرسول)، «ونزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحت شجرة فعلَّق بها سيفه. فجاء رجل من المشركين، وسيف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-معلَّق بالشجرة فأخذه، فقال الأعرابي: تخافني؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا، فقال الأعرابي: فمَن يمنعك مني؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: الله، فسقط السيف من يد الأعرابي، فأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-السيف فقال للأعرابي: مَن يمنعك مني؟ فقال الأعرابي: كن خير آخذ. فقال -صلى الله عليه وسلم-: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: لا، ولكني أُعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سبيله، فأتى أصحابه فقال: جئتكم من عند خير الناس» " [صححه ابن حبان].
    والأسرة السعيدة الهانئة هي التي يعلو فيها هذا الخلق على ما عداه، فالعفو عن الزلات، والصفح عن الأخطاء هي التي تجعل الود والمحبة والألفة بين أفرادها، بل وهي التي تحدث نوعًا من التوافق النفسي بين أفرادها، وأنتَ – أخي الزوج- وأنتِ - أختي الزوجة- لابد وأن تخلقا فيما بينكما مساحات واسعة للاختلافات، مساحات واسعة للأخطاء، ولا معنى للصفح إن لم يسبق بعتاب، ولا فائدة من القيم والأخلاق الكريمة ما لم تكتسب بعد جهد وعناء فتكون أدوم وأبقى، لا سيما وأنتما القدوة لأبنائكم، وكم من مرات احتدم الخلاف والشجار، وكاد البيت أن ينهار فأنقذته كلمات العفو وعبارات التسامح.
    ورد من حديث ‏النعمان بن بشير ‏ ‏قال ‏‏ «جاء ‏‏أبو بكر ‏ ‏يستأذن على النبي ‏ -‏صلى الله عليه وسلم- ‏فسمع ‏ ‏عائشة وهي رافعة صوتها على رسول الله ‏ -‏صلى الله عليه وسلم- ‏‏فأذن له فدخل فقال يا‏ ‏ابنة أم رومان‏ ‏(وتناولها) أترفعين صوتك على رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم؟! ‏قال فحال النبي ‏ ‏-صلى الله عليه وسلم- ‏ ‏بينه وبينها، قال فلما خرج ‏ ‏أبو بكر جعل النبي ‏ ‏-صلى الله عليه وسلم- ‏ ‏يقول لها ‏ ‏يترضاها ‏ ‏ألا ترين أني قد حلت بين الرجل وبينك ... قال ثم جاء أبو بكر ‏فاستأذن عليه فوجده يضاحكها، قال فأذن له فدخل، فقال له ‏ ‏أبو بكر ‏ ‏يا رسول الله أشركاني في سلمكما كما أشركتماني‏ في حربكما}» [ مسند أحمد].
    من محاسن العفو وجميل خصال التسامح والمغفرة والصفح أن الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد ظفر برجل كان يطلبه فلما دخل عليه أمر بضرب عنقه، فقال الرجل : دعني يا أمير المؤمنين أنشدك أبياتًا فقال :
    زَعَموا بأن البازَ علقَ مــــــــــــــ ــــــــــرة عصفورَ برً ساقَه المقـــــــــــ ــدور
    فتكلمَ العصفورُ تحتَ جناحِه والبازُ منقضٌ عليــــــــــــ ــه يطير
    ما بي لمـــــــــــــ ـا يغني لمثلِكَ شبعة ولئن أكلتُ فإِنني لحقــــــــــــ ـــير
    فتبسم البــــــــــــ ـــــــــــازُ المُدِلُّ بنفسِه كَرَما وأطلق ذلك العصفور
    فأطلقه المأمون وخلع عليه ووصله . وأكرمه
    فاحرص على أخي الكريم:
    تأصيل هذا الخلق في وفي أهل بيتك ذاتًا وسلوكًا.
    تدريب الذات والأبناء على التحلي بخلق التسامح في الأفعال والأقوال.
    ربط أفعالهم بالتحفيز والتعزيز، والتشجيع والمتابعة.
    القراءة في سير الصالحين فإنهم القدوات الصالحة والمثل العليا.

    الدعاء بأن يرزقنا الله وإياكم حسن الخلق فهو النعمة البالغة.
    وصلِّ اللهم وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي رد: من أبجدية السعادة الزوجية

    صُنْ


    محمد عزت السعيد


    من أبجدية السعادة الزوجية : صُنْ
    الإسلام دين نظيف لا يعرف القاذورات بشتى أنواعها: خُلقِيَّة أو غيرها، طاهرٌ لا يعْرف الرِّجس ولا النَّجس الحِسِّي كان أو المعنوي، يحمي أعراضَ النَّاس كافَّة، والمؤمنين على وجه الخصوص، فلا يُبيح للمسلم أن ينالَ من عِرض أخيه بلفظٍ أو قولٍ أو إشارة، قال تعالى: ﴿ {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} ﴾ الهمزة:1 يقول الطبري في تفسيره: " ويعني باللمزة: الذي يعيب الناس، ويطعن فيهم". فحرم الكذب والغيبة وشدد في النهي من الزور والبهتان والإفك، وعدَّ ذلك من كبائر الذنوب والآثام.
    وهو في ذات الوقت يَعتبر صيانة العْرض إحْدى الكُليَّات الخَمس التي جعلها الإسلام ضروريَّة لحياة الإنسان وهي: الدين، والعقل، والنفس، والمال، والعِرْض، واتخذ من الإجراءات والضمانات لحفظ وصيانة هذه الكُليَّات.
    وللمحافظة على الأعْراض وصيانتها فقد حرَّم الإسلام النَّظر إلى الأجنبية والخُلوة بها، وحرَّم الزِّنى ودواعيه وجعل له حدًا، وحرَّم قذفَ المحصَنات وجعلَ له عقوبة وحدًّا، كل ذلك من التشديد هو بهَدف صِيانة الأعراض وحِفظها، ونظافة المجتمع من كل ما يلوثه من ملوثات خلقيةّ تودي في النهاية إلى انهيار المجتمع وتماسكه.
    بل إن القارئ لآيات القرآن الكريم يجِد توجيهه للنبي – صلى الله عليه وسلم - وآل بيته، وهم الصَّفوة من خَلقِه، وكيف كانت أوامره لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وجوب صِيانة أمهَات المؤمنين وحمايتهم من خِلال فرضِ الحجاب عليهن، وعدم انكشافهن للعامة، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59] ، وقوله تعالى: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ }[الأحزاب:32]
    وفي العديد من أحاديث السنة النبوية المطَهَّرة يؤكد النبي – صلى الله عليه وسلم – على التزام الأدب والبعد عن الوقوع في أعراض الغير بأي شكل من الأشكال، ففي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " «من قال في مؤمنٍ ما ليس فيه أسكنَه الله رَدْغَة الخَبال حتى يخرج مما قال» ". ورَدْغَة الخَبال: عصارة أهل النار."
    وفي ظل الانفتاح الأخلاقي في هذا العَصر، وتَداخِل الأدوار في التربية وترسيخ القِيم، فإنَّ على الأسرة أن تقوم بكامل دَورهَا في صيانة أفرادها وحمايتهم من الانحراف الأخلاقي والسلوكي، والرَّجُل كونُه راعي الأسرة والمسؤول عنها في المقام الأول فهو المنُوط به أن يؤسس للقيم والأخلاق النَّبيلةِ، يبدأُ بنفسه في الالتزام بالنهج الرباني الكريم في عَدم الوقوع في أعْراض الآخرين قولاً وفعلاً، وثمَّة شيء آخر يجب عليه القيام به، وهو تأصيل هذه القيم في نفوس أسرته: زوجته وأبنائه وبناته، فالحشمةُ والحيَاء وغَضُّ البَصرِ وحفظ اللسان أسسٌ هَامة في صيانة الأسرة من الرذائل والدنايا الخُلقيَّة، ولله درُّ القائل إذ يقول:
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليمــــــــًا مِن الأذى وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُــــــكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَــورَةَ امـــــــــــــ ــــــــرئٍ فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّــــــــــ ــــاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليـــــكَ مَعــــــــــــ ــــــــايِبًا فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى ودَافع ولكــــــــن بالتي هِيَ أحسَنُ
    فصن لسانك من الوقوع في أعراض الناس، وصن عِرضَك بعدم الوقوع في أعراضهم، ودرِّب أبناءك وربِّهم على ذلك، وإن من العجيب أن تجد الانفصَام واضحًا فيما يفعله بعضهم في غَيرتِه الشَّديدَة على أهل بيته، ثم لا يَسْلم لِسَانه من الوُقوع في أعْراضِ الآخرين، بل وإنَّه من المُبكي أن تجدَ الرَّجل يتحدث عن مَكارم الأخْلاق: العِفَّة والحِشمة والحَياء، ونفرٌ من أهل بيته بعيدون كل البعد عن ذلك، والأصْلُ أن يقوم الزَّوج والزوجة بتربية أبنائهما على هذه الأخلاق النبيلة، والشِّيم الأصيلة، والتي هي من مكارم الأخلاق التي عرفها العَربي حتى قبل قُدوم الإسْلام، يقول المقَنع الكِندي وهو من شعراء العصر الأموي:
    وإنّ الــــــــــــذ ي بـيـنـي وبـيــن بنــــــي أبـي وبـيــن بـنـــي عَـمـــي لمختــلــفٌ جــــــــــــــ ـــــدّا

    إذا أكـلـوا لحْمـي وَفـرْتُ لـحـــــــــومَ هُــم وإنْ هــدَمـوا مَجــــــــــــ ــدي بـنيْـتُ لهـم مَجْدا
    وإنْ ضـيّـعوا غيبـي حفظـتُ غيوبَهـم وإنْ هـم هَــوَوا غيِّـي هويتُ لهـم رُشــدا
    وإن من الأمور الجالبة للسَّعادة الزوْجية والاستقرار الأسري، هو المحافظةُ على الآخَر وصيانة حقه وحمايته، وحفظ العرض من هذه الحقوق، فذلك أدعى إلى استقرار المجتمع وهدوئه، وانتشار القيم النبيلة فيه.








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي رد: من أبجدية السعادة الزوجية

    ضع صدقة


    محمد عزت السعيد



    من أبجدية السعادة الزوجية: ضع صدقة
    خلق الله الإنسان وكرَّمه وفضَّله على سائر خلقه بما أودعه فيه من حكمة، وما منحه من تكليفات ربانية، وسخر له ما يهيئ له حياةً كريمةً تكون محطَّة وصولٍ للآخرة، قال -تعالى-: " {ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُم ْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} " [الإسراء: 70] قال القرطبي في تفسيرها: " والصحيح الذي يعول عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يُعرفُ الله ويفهم كلامُه، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله، إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بُعثَت الرسل وأُنزِلت الكتب. فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين، فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء. وما تقدم من الأقوال بعضه أقوى من بعض. وقد جعل الله في بعض الحيوان خصالاً يفضل بها ابن آدم أيضًا، كجري الفرس وسمعه وإبصاره، وقوة الفيل وشجاعة الأسد وكرم الديك. وإنما التكريم والتفضيل بالعقل كما بيناه. والله أعلم .
    ومع هذا التكريم وتلك الإشارة الربانية اللطيفة في تفضيل الإنسان على خلق الله فقد جعل فيه الاستعداد الفطري لاكتساب الخير أو الشر، فيكون مؤمنًا إذا شاء وإذا شاء كفر، يكون بَرًا إن أراد ذلك، وإن أراد فَجَر، ليكون غضوبًا إن لم يملك نفسه، وإلا فهو الحليم بخُلُقِه، ومن أبرز الاستعدادات الفطرية لدى الإنسان كونه مستعدًا للبخل أو الجود، للبذل أو الشح، قال الله تعالى: " { وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ} " النساء:128 وهذه وإن كانت نَزلَت في حقِّ النِّساء في حرصهن على حقهن في أزواجهن من النفقة والمعيشة وغيرها، إلا أن الإنسان قد جُبل على الحرص والاستئثار بالمال ونحوه، قال الله تعالى: " {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} " ذكر الطبري في تفسيره: "يقول تعالى ذكره: وإن الإنسان لحب المال لشديد. واختلف أهل العربية في وجه وصفه بالشدة لحب المال، فقال بعض البصريين: معنى ذلك: وإنه من أجل حب الخير لشديد: أي لبخيل، قال: يقال للبخيل: شديد ومتشدد. واستشهدوا لقوله ذلك ببيت طرفة بن العبد البكري:
    أرَى المَـوْتَ يَعْتـامُ النُّفُوسَ ويَصْطَفِي عَقِيلَــةَ مــالِ البــاخِلِ المُتَشَـددِ
    وقال آخرون: معناه: وإنه لحب الخير لقوي." انتهى كلامه في تفسيره.
    والله – سبحانه وتعالى- وهو خالق النفوس والمطلع عليها- جعل لها ما يصلحها، ففرض الزكاة لتطهر بها النفس، وندب إلى الصدقات بأنواعها لتطيب بها النفوس، وتتوطد بها الأواصر، وتقوى بها العلاقات بين أفراد المجتمع الواحد، ولأن الأسرة أساس نسيج هذا المجتمع فتطهير النفس من الشح والبخل أحد أهم عوامل السعادة عامة والزوجية خاصة.
    والتصدق ولو بالقليل يترك أكبر الأثر في انسجام العلاقات داخل الأسرة الواحدة، صدقة يومية أو أسبوعية تضعها في صندوق خاص بها، تُسَمِّيه إ-ن شئت- صندوق السعادة، يتعارف عليه أبناؤك وزوجتك وتغرس فيهم هذه القيمة، يرسخ-لا شك- لقيمة البذل والعطاء في نفوسهم وتطيب به نفسك وتطهر، ولقد رأيت بعض البيوت كلما نزلت بهم نازلة تصدقوا ولو بالقليل فحلَّ محلَّ النازلة الخيرُ الكثيرُ، ولقد عرفت بيوتًا كلما جنح أحد الأبناء أو ارتفع صوته على أبويه على غير العادة، أو ساء خلقه، أو مرض أحد الأبناء أو ألمَّ به ما قد يحل بالناس في حياتهم اليومية تصدقوا ولو بالقليل فبرأ مريضهم- بإذن الله- واستقام خلق بنيهم، وانصلح حال بناتهم، وبوركت الحياة وسعدوا بها، بل وفتح الله عليهم من أبواب الرزق، وصنوف الخير ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
    ولا عجب في ذلك فقد ورد في السنة النبوية عن أبي هُريرة: أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ» " [رواه مسلم] . وعن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " «الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو؛ فبائع نفسه، فمعتقها، أو موبقها» ". (رواه مسلم).
    والجميل في هذا الأمر وهو مجرب، أنه فيه من الفوائد والمنافع ما لا يمكن حصره، ولعلي أذكر منها:
    رضا الله سبحانه وتعالى لأن في ذلك استجابة لأوامره – جل شأنه – قال تعالى:" {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِين َ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ } " [الحديد:07]
    تعزيز قيمة العطاء والجود في نفوس الأبناء، فيكبرون على حب العطاء وذم البخل، قال – تعالى:" {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} ۚ" [ الحديد: 38] .
    اقتداءٌ واهتداءٌ بسنة النبي – صلى الله عليه وسلم – في جوده وكرمه وعطائه، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: «كَانَ رَسُولُ الله أجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ الله أجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» . [متفق عليه] .
    البركة في الرزق والفسحة في العمل والهداية والصلاح في الأهل والذرية فقد حث الله -تعالى- المسلم على التصدق وربط بين الصدقة والزيادة في الرزق في كثير من الآيات القرآنية الكريمة، حيث يقول -سبحانه وتعالى-: ( {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ) [سورة البقرة: 245]
    السعادة النفسية والمتعة المعنوية وأنت تجعل من مالك نصيبًا تخرجه لله -تعالى – بمحض اختيارك وبخالص إرادتك ترجو به رضوان الله -تعالى- تجد هذه السعادة في نفسك وأهلك، وترى أثرها باديًا في كل حياتك.
    تتقي بها مصارع السوء ومصائب الدهر ونوائبه، ولقد جاء في فتوي للشيخ ابن باز في الرد على مثل هذا المعنى بقوله: " يؤخذ من معاني الأحاديث كون الصدقة يدفع الله بها الشر، وقد جاء في حديث الحارث الأشعري أن يحيى بن زكريا عليه الصلاة والسلام أمره الله أن يبلغ بني إسرائيل، ومن ذلك أنه قال: آمركم بالصدقة، فإن مثلها كمثل رجل أسره العدو فقدموه ليضربوا عنقه، فجعل يفتدي منهم نفسه بالقليل والكثير، فهذا دل على أن الصدقة تقي مصارع السوء تقي الشر". انتهى كلامه رحمه الله.
    فاحرص على أن تضع صدقة يومية كانت أو ما يتناسب معك في صندوق السعادة، وستجد السعادة بين أهلك والبركة في رزقك وولدك، والرضا والرضوان من المولى -جل وعلا- طابت نفوسكم وزكت، واطمأنت قلوبكم وسعدت، وصل اللهم على محمد وآله وصحبه.












    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي رد: من أبجدية السعادة الزوجية

    لا تفش سراً


    محمد عزت السعيد



    مِن أبجَديَّات السَّعادَة الزَّوجِيَّة: لا تُفشِ سِرًا
    الأمانة -على اختلاف أنواعها وشتى صورها- مصونة محفوظة، يتوجب على من أُوكِلت إليه أن يحفظها حفظًا، وأن يشملها عناية ورعاية، إلى أن يردَّها إلى أهلها، قال الله تعالى { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)}
    ولقد لُقِّب نبينا – صلى الله عليه وسلم – بمكة المكرمة قبل أن تتنزل عليه آيات النبوة وأنوار القرآن الكريم بالصَّادق الأمين لما عُرِف عنه – صلى الله عليه وسلم – من حفظٍ للأمانة والوفاء بها.
    ولقد روت كتب السيرة أنه – صلى الله عليه وسلم – قد ترك عليًا – رضي الله عنه – في فراشه ليرد الأمانات إلى أهلها، تلك التي كانت لأهل مكة لديه، حرصًا على الوفاء بها.
    ولقد نهى الشرع الحنيف عن إفشاء السر ما دام سرًا؛ كبيرًا كان أو صغيرًا، وحادثة حاطب بن أبي بلتعة حينما كتب كتابًا يخبر فيه أهل مكة بما يرتب له النبي – صلى الله عليه وسلم – من فتح لمكة المكرمة؛ تلك التي خرج منها منذ سنوات قليلة، حينها أرسل النبي- صلى الله عليه وسلم- عليًّا -رضي الله عنه- ونفرًا من أصحابه فأدركوا المرأة التي حملت كتاب حاطب، وقد جعلت كتابه بين طفيرتين لها، والحديث مشهور معلوم روته كتب السير والمغازي.
    بل إن صحابيًا جليلاً من صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو أبو لبابة نزلت فيه آيات وآيات .... تروي كتب السيرة في غزوة بني قريظة .... «أن يهود بعثوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-":‏ أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، أخا بني عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الأوس، لنستشيره في أمرنا، فأرسله رسول الله -صلى الله عليه وسلم إليهم- فلما رأوه قام إليه الرجال، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم، وقالوا له‏:‏ يا أبا لبابة‏!‏ أترى أن ننزل على حكم محمد‏؟‏ قال‏:‏ نعم، وأشار بيده إلى حلقه، إنه الذبح‏.، قال أبو لبابة‏:‏ فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله صلى الله عليه وسلم‏» .‏
    ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال‏:‏ لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت، وعهد الله‏:‏ ألا أطأ بني قريظة أبدًا، ولا أُرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدًا‏.‏
    هكذا لام الصحابي الجليل نفسه لومًا شديدًا، بل وعد ذلك خيانة كبيرة، وأخبر رسول الله بما فعل، وربط نفسه في سارية بالمسجد، وعزم ألا يفكه إلا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وفيه نزل قول الله تعالى:"‏{ يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون}
    ولقد نهى النبي – صلى الله عليه وسلم – من إفشاء أسرار الزوجية على اختلافها، وحذَّر من ذلك تحذيرًا شديدًا، وبالغ في ذلك أشد المبالغة، فقد روي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وتُفْضِي إِلَيْهِ، ثم يَنْشُرُ سِرَّهَا» . [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ]
    وإن من أسباب انهيار البيوت وخرابها، وما يؤدي إلى دمارها وفشلها، ألا يحفظ الرجل سر زوجته أو المرأة سر زوجها، فيمسي كل منهما وللآخر سر أسره إليه وأفضى به، فتبوح به إلى قريناتها وأقاربها، ويبوح به إلى أقرانه وأقاربه.
    بل إن من مسببات اطمئنان البيوت وسعادتها ودواعيها أن يشعر الجميع فيها أن أمانته مأمونة مصونة محفوظة، وإن مما لا يأخذه الآباء أو تأخذه الأمهات على محمل الجد أن يسر أحد الأبناء إلى والديه سرًا، وقد أخذ عليهما العهود والمواثيق ألا يخبروا به أحدًا ... فتراهم يتناقلونه فيما بينهم، يخبرون به إخوانه، ويستشيرون فيه بعضهم البعض...فيصبح السر عندهم علانية، والحديث مشاعًا، وتلك – لعمري – من سوء الأفعال وسيء الأخلاق.

    بل وجب على الجميع أن يحفظ السر في كل حال، وألا يفشي ما طلب كتمانه، ساعتها تطمئن البيوت وتحفظ الأسرار وتصان الأعراض.









    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي رد: من أبجدية السعادة الزوجية

    مَكِّن لهُم


    محمد عزت السعيد



    مِن أبجِدية السَّعادة الزَّوجيَّة: مَكِّن لهُم
    أسَّس الإسْلام الأسرة على الاحترام المتبادل بين الزوجين، فلا حياةَ ناجحة سعيدة إلا إذا قدَّم كلُّ طرفٍ ما يُدلِّل على احترامه للآخر، والحياة الزوجية لم تكن -يومًا ما – قائمة على النِّديَّة أو الصِّراع أو التَّنافسِ والخصُومة، بل على المودَّة والمحبَّة، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ﴿٢١﴾ الروم: ٢١
    والتعبير القرآني يؤكِّد على قُوة التَّرابط بين الزوجَين باستعمال "من" التي تفيد البعضية، فقال: {مِنْ أَنْفُسِكُمْ} " وحَدَّد العِلَّة والغَاية من ذلك، فقال { أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} "
    وإنَّ من متطلباتِ هذا الاحترامِ والتَّقديرِ أن يُعطَي للزوجة حقها في إدارة شؤون بيتها؛ فهي شريكةٌ مع زوجها في ذلك، وليسَ للزوج – وإن كانت له القَوامة – أن يتفرَّد بإدارة شؤونِ البيتِ بمفْردِه، بل إنَّ من مقومَات البيتِ السَّعيدِ النَّاجح أن يزاول فيه الزوجَان المهَام والمسؤولياتِ في جوٍّ من الانسِجام والتَّفاهُم، ومن دواعي هذا الاحْترام والتقْدير أن تمكن لها فيما يتعلق بحرية التصرُّفِ فيمَا يخصها كالجوانب المالية أو نحْوها، ومن دواعي ذلك أيضًا أن تخَوِّلها في العديد من الأمورِ التي لابد أن تشَاركك فيها، فالقيامُ على رعَاية الأبناء وتربيتهِم، وتحَمُّل المسؤوليات والأعبَاء، وإبْداء الرَّأي واتخاذِ القرارات المهَمَّة، ومعالجة المشْكلات .... هذه وغيرها الكَثيرُ والكَثيرُ لابد أن تمكن فيهَا المرأة من التَّصرف والتعَامل معَها، وليس بالضَّرورة الانفراد بها، بل لا بأسَ أن يتم تقديم الدَّعم اللازمِ من مشورةٍ ومعونةٍ ونحوه.
    ولا يقتصِر التمكينُ والتفويضُ في المسؤوليات ولا يكونُ حِجرًا على الزوجة وحدها، بل يتعَدَّاه إلى الأبنَاء والبنَات، وكلما كان تدريبُ الأولاد وتعويدُهم على تحَمُّل المسؤولية، وتفويضِهم في بعضِ المهَام والأعمَال، وتزيدهم بالخِبراتِ ومتابعةِ أدائهم، وتقديم الدَّعم الكاَمل لهم، وتقييم ذلك وتقويمه فإن ذلك– لا شك – يخْلقُ منهم أفرادًا يستطيعون أن يجَابهوا الحياةَ وصُعوباتها، ويجعلَهم أكثرَ ثقةً بالنفس، وجُرأةً وقدرةً على تحمُّل المسؤولية، والتعَامل معَ الأزماتِ بشكلٍ جَيد.
    والذي يتصَفَّح آيات القرآنِ الكريمِ يجد هذا التفويضَ، بل والتمكينَ واضحًا جليًا في قصة نبي اللهِ موسى - عليه السلام- مع أخيه هارون – عليه السلام- {وَقَالَ موسى لأَخِيهِ هَارُونَ اخلفني فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين} [الأعراف: ١٤٢]
    فقد أعطاه – عليه السلام – المهمة كاملة(اخلفني فِي قَوْمِي) ورسَم له الأهدافَ المطلوب تحقِيقها(وأصلح) وبين المخاطر والعقبات التي قد تطرأ( {وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين} ).
    وثمَّة أمرٍ آخَر لابدَّ أن نَلفِتَ إليه الانتباه، وهو أنَّ تمكِينَ الزَّوجةِ والأبناءِ وإعْطَاءهم الفرصة للإدارة والتعبيرِ عن الرأي والمشُورة يخلق- لا شكَّ- منهُم أدواتٍ تنفعُ وقت الحاجَة، يقدِّمون الدَّعم الكامل عند افتقاده، ولعَلَّنا نذكر هنا ما حَدث مع النبي – صلى الله عليه وسلم – في صلح الحديبية، ومَا أشارت عَليه به زوجه أُم سلَمة – رضي الله عنها- حيثُ كانت صاحبة رأي صَائب، وقد أخذ الرسول الله -صلى الله عليه وسلم بمشورتها- فقَد كَان من شروط الكفَّار ألا يدْخل المسلمون في هذه المرة لزيارة البيت الحرام على أن يعودوا العَام القَادم، وبعدما فرغوا من كتابة وثيقة الصُّلح طلب رسول الله – صلى الله عليه وسلم - من المسلمين أن ينحَروا ويحْلقُوا، لكنَّ أحدًا منهم لم يقُم، وأعاد الرسول -صلى الله عليه وسلم- طلبه ثلاثَ مراتٍ لكنهم لم يفعلوا، فدخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أم سلمة – رضي الله عنها- فذَكَر لها ما حدَث من المسلمين، فقالت -رضي الله عنها-:" يا نبي الله، أتحبُّ ذلك؟ اخرج ولا تكلم أحدًا... حتى تنْحر بُدنَك، وتَدعو حَالِقَك فيحْلقك، فخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وفعل بمشُورتها، فما كان من المسْلمين إلا أن نحَروا، وحلق بعضُهم لبعض، وبذلك حُلَّت المشْكلة.
    وقد اختارَ النَّبي – صلى الله عليه وسَلَّم - أسَامة بن زيد الشَّاب الممتلئ بالطموحِ والقدرة- رغم صغر سنِّه- لقيادة الجيش، وكأن النَّبي – صلى الله عليه وسَلَّم -يلفت نظر الأمَّة أجمعين إلى دور الشباب وضرورة تمكينهم، وهو مفهوم بالغ الأهمية، خصوصًا أن بعث أسَامة كمَا يروق للمؤرخين والكُتَّاب أن ينعتوه لم يُصَب منه أحَد بسوءٍ، وعادَ الجيشُ سالمًا غانمًا، حتى قال المسلمون عنه: "ما رأينا جيشا أسلم من جيش أسامة"

    مَكِّن لزَوجتِك في ممَارسَة دَورِها؛ فهْي حَبيبَتك، ونصفُ رُوحِك، وشريكُ حيَاتك، تقَاسمُك الهمُوم كما تقَاسمُك الأفراحَ، تشَاطِرك النجَاحات كما تشَاركك الإخفاقات، وكذلك أبناؤك وبناتُك عوِّدهم المسْؤولية، ومكِّن لهم، ساعتها تجدُ السعادة في ظل بيت يحرصُ كلُّ واحدٍ فيه عَلى التَّعاون والبنَاء، وتَنعَم وينْعم آلُ بيتِك الكِرامُ.








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي رد: من أبجدية السعادة الزوجية

    نَقِّ قَلْبَك


    محمد عزت السعيد



    من أبجدية السعادة الزوجية: نَقِّ قَلْبَك
    مَا من نعْمة أنعمَ الله بها على أحدٍ من عباده مثل صفاء القلب وطهارته، فالقلبُ مستودَع الأسرار ومَكمَن المشاعر والنوايا والخواطر والخطرات، وهو صُندوق مغْلق لا يفتحه إلا صَاحبه، ولا يملك ُمفتاحه إلا خَالقه، و ولا يطَّلع على أسْراره إلا واهِبه، وفي أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يؤكد على هذا المعنى، فقد ورد فيما روي عنه عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ -وأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ: إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وعِرْضِهِ، ومَنْ وقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وهِيَ الْقَلْبُ» . [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] .
    وصلاح الإنسَان إنما هو في صَلاح قبله، والضِّدُ بالضِّد، ولا قيمةَ ولا عبرة بشْكل المرء ولا مسْتواه من فقرٍ أو غني، ولا لونه أحمر كان أو أصفر، ولا لجنسه من عرب ولا عَجم، ولا شيئًا من غير ذلك كلِّه، لا قيمة له عند الله ما لم يُقْبل عليه بقلبٍ صافٍ نقي طَاهر، وفي الحديث عَنْ أبي هُريْرة عَبْدِ الرَّحْمن بْنِ صخْرٍ -رضي الله عنه - قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : « إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ » [رواه مسلم] .
    وقد كان رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فيما رواه أنس بن مالك – رضي الله عنه - كثيرًا ما يدعو بهذه الكلمات:" يُكثرُ أن يقولَ يا مقلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلبِي على دينِك فقلت يا نبيَّ اللهِ آمنَّا بك وبما جئتَ به فهل تخافُ علينا؟ قال نعم إن القلوبَ بينَ إصبعينِ من أصابعِ اللهِ يُقلِّبُها كيفَ يشاءُ" أخرجه الترمذي، ومن دعاء المؤمنين فيما جاء على لسانهم: { رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [ آل عمران: ٨] ، قال ابن كثير في تفسيرها: "ثم قال تعالى عنهم مخبرًا أنهم دعوا ربهم قائلين : " {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} ؛ أي : لا تملها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه من القرآن ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم، ودينك القويم، وهب لنا من لدن، أي : من عندك، رحمة تثبت بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيمانا وإيقانا، إنك أنت الوهاب" .
    وقد حَرص الإسلامُ على أن ينقِّي قلوب أتباعه ويطهِّرها من كل دنسٍ ورجْس؛ من الغِلِّ والحقْد والحسَد وكل الأوداء والعلل الباطنة؛ التي لا يعلمه إلا الله تعالى، بل إنه – سبحانه – قد امتن على المؤمنين في جناتِ النعيم بأن طهَّر قلوبهم وزكَّاها {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ۖ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ۖ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} .
    قال بن كثير في تفسيرها:" وقوله ": {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين} " روى القاسم، عن أبي أمامة قال : يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من الشَّحناء والضَّغائن، حتى إذا توافَوا وتقَابلوا نزع الله ما في صدورهم في الدنيا من غِلٍ ، ثم قرأ : ونزعنا ما في صدورهم من غل، هكذا في هذه الرواية، وقد روى سنيد في تفسيره: حدثنا ابن فُضَالة، عن لقمان، عن أبي أُمَامة قال: لا يدخِل مؤمنٌ الجنةَ حتى ينزع الله ما في صُدرهم من غِل، حتى ينزعَ منه مثل السَّبع الضَّاري.
    بل وحثَّ المسلمين على المحبةِ الصَّادقة والإيثار والتسامح، وقد اشترط الله على عباده – فيما جاء على قلبِ إبراهيم الخليل – عليه السلام- ليلقوه يوم القيامة غير خزايا، اشترط أن يأتوه بقلب بسليم، قال جل شأنه
    ﯾَوْمَ ﻻَ ﯾَﻧْﻔَﻊُ ﻣَﺎلٌ وَﻻَ ﺑَﻧُونَ * إِﻻﱠ ﻣَنْ أَﺗَﻰ َ ﺑِﻘَﻠْبٍ ﺳَﻠِﯾمٍ
    والقلب الذي يملكُ أفراده قلوبًا نقية طَاهرة زكيَّة هم أسعد الناس في الدنيا، وأقربهم إلى الله، وأحبهم بين خلقه، فالقلوب التي لا تعرف لغيرها إلا الحب، ولا تحمل داخلها إلى معاني التسامح والعفو هي – لاشك قلوب سّوية تحيا على الفطرة؛ لم تتلوث بمكائد الشيطان، ولم تسقط في حبائله، لا تعرف غلاً لأحد، ولا يمتلئ قبلها حقدًا على أحد، بل إنها تفيض صفاءً وتمتلئ حبًا، وإن أردت بيتًا سعيدًا تملأ السَّعادة أركانه، وتْسكن البهجةُ جوانبه فليكن قلبك نظيفًا نقيًّا، وليكن أهل بيتك كذلك، ازرع في نفسِك وزوجتك وأبنائك حبَّ الآخرين، ورغبهم في تمني الخير لهم، نَقِّ قبلك من كل خُلُق ذمِيم أو صفةٍ مشينة أو دَاء من أدواء القلوب، واحرص على أن تزرع في نفوسهم الوفَاء والإخلاص حرصِك على أن تربيهم على حُسن التوكل على الله والرجاء فيه والخوف منه، فإنهم إن شَبُّوا على هذه المعني الراقية وامتلأت قلوبهم بها نقَت وتطَهرت، ففَاضت على غيرها.
    احرص وأهل بيتك على أن لا تتحدثوا عن أحد في غيبته بسوء، ولا تذكروا نعمةً لأحدٍ إلا دعوتم لصَاحبها، ولا تنالوا من عِرضِ أحَد، ولا تتمنوا لأحدٍ سوءًا ولا شرًا، فما أجمل قلبًا يبيت وليس فيه شيءٌ لأحد، فعَن أنسٍ بن مالك رضي الله عنه قال: كنَّا جلوسًا مع الرَّسول صلى الله عليه وسلم فقال: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنَّة، فطَلع رجلٌ من الأنصَار، تَنْطِفُ لحيته من وضوئه، قد تَعَلَّق نَعْلَيه في يده الشِّمال، فلمَّا كان الغد، قال النَّبي -صلى الله عليه وسلم- مثل ذلك، فطلع ذلك الرَّجل مثل المرَّة الأولى، فلمَّا كان اليوم الثَّالث، قال النَّبي -صلى الله عليه وسلم- مثل مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرَّجل على مثل حاله الأولى، فلمَّا قام النَّبي -صلى الله عليه وسلم- تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: إنِّي لَاحَيْت أبي فأقسمت ألَّا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تُـؤْوِيَني إليك حتَّى تمضي، فَعلتَ. فقال: نعم. قال أنس: وكان عبد الله يحدِّث أنَّه بات معه تلك الليالي الثَّلاث، فلم يره يقوم من اللَّيل شيئًا، غير أنَّه إذا تعارَّ وتقلَّب على فراشه، ذَكَر الله عزَّ وجلَّ وكبَّر حتَّى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أنِّي لم أسمعه يقول إلَّا خيرًا. فلمَّا مضت الثَّلاث ليال، وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله، إنِّي لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هَجْرٌ، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ثلاث مِرَار: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنَّة، فطلعت أنت الثَّلاث مِرَار، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك، فأقتدي به، فلم أرك تعمل كثير عملٍ، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أنِّي لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غِشًّا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه. فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق» .









    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي رد: من أبجدية السعادة الزوجية

    زُر أقاربك وصِلْ رحمَك


    محمد عزت السعيد



    مِن أبجِدية السَّعادة الزَّوجية: زُر أقاربك وصِلْ رحمَك
    إن من المعانيَ الجميلة والأخْلاق السَّامية النبيلة التي أكَّد عليها الإسلامُ الوُدَّ الجميلَ وصِلةَ الأرحَام، بل إنَّ الله – جلَّ في عُلاه – جعل له اسمًا يجَسِّد هَذه الصِّفة وهو اسْم الله الودود، قال الله تعَالى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} [البروج: 14] قال القرطبي في تفسيرها:" الودود أي المحبُّ لأوليائه". وروى الضَّحاك عن ابن عباس قال: "كما يود أحدكم أخَاه بالبشرى والمحبة. " وقال على لسَان نبيه شُعيب: {وَاسْتغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود:99]
    وقد جَعل الله المودَّة والصِّلة منحةً ربانية ومكافأةً أُخْروية للمؤمنين في جنَّاته قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا} [مريم: ٩٦] قال ابن كثير في تفسيره: " يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وهي الأعمال التي ترضي الله - عز وجل - لمتابعتها الشريعة المحمدية - يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين مودة، وهذا أمْر لا بدَّ منه ولا مَحيد عنه. وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير وجه."
    بل جعل الله – سبُحانه وتعالى- قَطيعة الأرحام وجفَاءهم وقطْع الصِّلة بهم سببٌ في وجوبِ لعْنة الله وغَضَبه وعقَابه، قال - سُبحانه وتعالى -: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد:22،23]
    وقال على لسان نبيه – صَلى الله عليه وسلم – مُوضحًا صَفاء مَودته وإخْلاصه في حبه لأهْله، وهو يبلِّغهُم دعوةَ الله – عز وجل -: {لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ} [الشورى: ٢٣]
    وقد امتلأتْ كتبُ السُّنة النَّبوية بالعَديد من الأحاديث التي تدل على فضْل زيَارة أولي القُربي وصِلتهم، وترسِيخ الموَدة والمحَبة بينهم، فعَن أبي هريرة – رضِي الله عنه – أن رسُول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضَيفه، ومن كاَن يؤمن بالله واليوم الآخر، فليصِل رحمه، ومن كانَ يؤمن
    بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصْمت".

    والوُدُّ والأنسُ والقُرب والصِّلة جميعها مترادفاتٌ تحمل معاني متقاربة، يعشَقها النَّاس ويطْربون لسَماعها، ويألفونها ويعتادون عَليها، ويُقَدِّرون من يتصفُ بها، بل إنَّ أشْعار العَرب وتراثهم قد امتلأ بها، قال أبو الفتح البستي:
    إذا ظفرت بود امرئ ** قليل الخلاف على صاحبه
    فلا تغبطن به نعمة ** وعلق يمينك يا صاح به
    وعن أبي هريرة - رضِي الله عنه - قال: «قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: (إنَّ الله - تعالى - خَلَق الخَلْق؛ حتى إذا فرَغ منهم قامَت الرَّحِم فقالت: هذا مَقام العَائذ بك من القَطِيعة، قال: نعم، أمَا تَرْضَين أنْ أصِل مَن وصَلك، وأقطَع مَن قطَعك، قالت: بلى، قال: فَذاك لك)، ثم قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: (اقرَؤُوا إنْ شئتم ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾ محمد:22،23»
    وفي الحَديث عن أبي هريرة - رضِي الله عنه - « أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إنَّ لي قَرابة أصِلُهم ويقطعوني، وأُحسِن إليهم ويُسِيئون إليَّ، وأحلمُ عليهم ويجهلُون عليَّ، فقال: (إنْ كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهُم الملَّ، ولا يَزال معك من الله ظَهير عَليهم ما دُمْت على ذلك)» .
    فإن أردت سَعادة في دَارك، وطُمأنينة في بيتك، وبرَكة في عمرك وعمَلك وصلاحًا في ولدك، وقُرة عينٍ لك فعليك بزيارة أقاربك: أعمَامك وأخوالك و .... وصِلة أرحَامك، ولتكن عَينك دَومًا على مَن نُسيَ منهم من أقَاربك، فهم أولى الناس بصلتك.
    اغرس هذا الخُلُق النَّبِيل في نفسِك وعَوِّد عليه أبناءك، ورَبِّهم عَليه، واصْطَحبهم في زياراتٍ لهم، ورغِّبهُم في فِعْله وشَجِّعهم عليه، فقد كان النَّبي – صَلَّى الله عَليه وسَلَّم – يجْعل له نصيبًا من يومه لصِلةِ رحمِه وزيَارة أقَاربه.
    وهَذه جُمْلة من النَّصائِح تجْلِبُ السَّعادة إلى بيتك وتعيش بها هانئًا ترى الخَير في أبنائِك، والسَّعة في رزقِك، والبركة في عمرك:
    خَصِّص جزءًا من برنامجكَ الأسْبوعي لزيَارة أحَد أقاربِك بصُحبة أحَد أبنائك.
    خَصِّص جزءًا من وقتك كلَّ يوم للتواصل هاتفيًا مع أحَد أقَاربك.
    وجِّه أبناءَك وأهْل بيتك بالتواصُل مع أعمَامِهم وأخْوالهم وزيارتهم.
    ابدأ بالأقرْبين منك وذوي الرَّحِم لك: الأقرب فالأقرب.
    اجْعل لك جملةً من النَّصائح والتوجيهات في جلساتك مع أبنَائِك.
    إن كنت في سَعة من الرَّزق فتعهَّد أقاربك بشَيءٍ من فضْل مَالِك.

    إنَّ أولى الناس بوِدِّك وزيارتك وصِلتك لهُم هم والديك.
    فإن فعلتَ ذلك جَلبت السَّعادة لك ولأهل بيتك، وسَكنَت الطمَانينةُ في بيتك والبركةُ فيه، ومَلات أركانه.








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي رد: من أبجدية السعادة الزوجية

    ظُنَّ خيرًا


    محمد عزت السعيد



    من أبجَديَّة السَّعادَة الزَّوجِيَّة: ظُنَّ خيرًا
    حَافظ الإسْلام على البيوتِ وضَمِن لها سُبل استقرارها، وكفَل لها من التشريعات التي تحُوطها بسِياج من السّتر والحفظ والأمَان، والقرآنُ الكريم يؤكِّد في عددٍ من آياته الكريمة على ضَرورة حفظ اللسان، وعدم الوقُوع في الرذائل من الأخلاقِ كالغِيبة والنَّميمة والبُهتان والكذبِ والزُّور، وغَيرها من الآفَات والأمْراض التي تفْتك بالعَلاقَات الإنسَانية داخِل المجتمع المسْلم.
    وإنَّ ممَّا شَرعه الإسْلام حُسن الظَّن، بل وأوجَبه وأكَّد عَليه، ابتداءً من حُسن الظَّن بالخَالق جلَّ وعَلا؛ حيثُ جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَقُولُ اللهُ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي » ....."
    وقَد نبَّه القرآنُ الكَريم المؤمنين إلى خُطُورة سُوء الظَّن بإخْوانهم؛ فهو يَنخُر– لا شَكَّ – في المجتمعاتِ فيُفسِدُها كمَا يَنخُر في العَظْم السُّوس، قال الله تعالى:" {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} ..." الحجرات:12، قال ابن كثير في تفسيرها:" يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، لا تقربوا كثيرًا من الظنّ بالمؤمنين، وذلك أن تظنوا بهم سوءًا، فإن الظانّ غير محقّ، وقال جلّ ثناؤه : "اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ " ولم يقل: الظنّ كله، إذ كان قد أذن للمؤمنين أن يظن بعضهم ببعض الخير، فقال : "لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات ُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ" فأذن الله -جلّ ثناؤه- للمؤمنين أن يظنّ بعضُهم ببعض الخير وأن يقولوه، وإن لم يكونوا من قيله فيهم على يقين. ...".
    وقد حَرص الرسول – صَلى الله عليه وسلم – أن يُغلِق كل الأبوابَ التي يمكن أن تَفتَح علي المسلم سُوء الظَّن بإخوانه، فعن صَفية بنت حُيي -رضْي الله عنها- قالت: «كان رسُول الله -صلى الله عليه وسلم- مُعتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا، فحدَّثته، ثم قمتُ لأنقَلبَ، فقامَ معي ليقْلبني، وكان مَسكنها في بيت أسَامة بن زيد، فمرَّ رجُلان من الأنصَار، فلما رأَيَا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسرَعا في المشْي، فقال: "على رِسلكما إنما هي صَفية بنت حُيي"، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، فقال: "إن الشَّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خفتُ أن يقذف في قلوبكما شرًّا، أو قال: شيئًا» ".
    والحقيقةُ أنَّ سُوء الظَّن بالآخرين مَدعاةٌ للهَم والغَمِّ، ومجْلبة للحُزن والنَّكدِ، والذي يقَدِّم سوء الظَّن بالناس لا يقيم معهم عَلاقات إنسَانية سَوية، بل إنه يبني بينه وبينهم أسوارًا وحَواجز في تعامله معهم، بل ويحْرق نفْسه بنفسِه في كلِّ يوم، ويظل أبدَ دهْره فريسةً لخيالاته وظُنونه، وحبيسًا لأوهامه وشكوكه.
    وانتقالاً من خارجِ البيت إلى داخِله فإن أحد أهم أسْباب استقرار البيوت وطمأنينتها هو أن يقدِّم كِلا الزوجين حُسن الظَّن بالآخر؛ فلا يؤول أحَدهما لصَاحبه كلمةً في غير موطِنها، أو سلوكًا غير مقصوده، أو تفكيرًا في غير محله، بل ينبغي عليهما أن يُقيما جُسورًا من الثقة وحبائل من الأمَان والظن الحَسن، ولا يبني تعامَله مع زوجته، أو تبْني هي تعاملها مع زَوجِها على سُلوك طَارئ، ووجهة نظر غير صَحيحة، أو ظنٍّ في غير محله، ولا يترك لنفسه أو تترك لنفسها الانجراف في تأويلاتٍ غير صحيحة أو تفسيرات عاريةٍ عنها ...
    فلا يقدم سُوء الظن، بل ظُنَّ خيرًا في جميع أحوالك، في بيتك ومع أهلك، مع جيرانك وبين أصدقائك، أما أولادك فعودهم وربِّهم عليه، ودرِّبهم في مواقف شتَّى لأن في ذلك تصالح اجتماعي رائع ينتج عنه تكاتف الفرد مع أبناء مجتمعه وألفته بهم ودوام تواصله معهم وبناء علاقات متوازنة معهم.
    وتخيل بيتًا سوء الظن فيه هو أساس التَّعامل؛ فلا لا الزوج يثق بزوجته، وهي الأخرى لا تثق به؛ تعامله بالمثل، ويعاملها به، فأي حياة يحياها الطرفان، غيوم من الاتهامَات المتبادلة واللَّوم المستمر، والنَّكد والهَّم الذي لا ينقَطِع. وما أجمل ما صدر عن أبي أيوب الأنصاري لزوجته، وهو يدفع عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – ما رميت به من كَذبٍ وإفك في الحادثة المشهورة، حيث قال – رضي الله عنه -مخَاطبًا زوجته يا أم أيوب أرأيت لو كنت مكان عائشة أيمكن أن تفعلي ما رميت به؟ قالت لا والله، قال فوالله لعائشة خير منك وخير من نساء العالمين. فبادلته مقالة بمقالة، قالت: يا أبا أيوب أرأيت لو كنت مكان صفوان أيمكن أن تفعل ما رمي به؟ قال لا والله، قالت فصفوان والله خير منك.
    ما أجمله من إحسَان الظن بالمؤمنين! فهذا هو الخلق الذي لا يتصف به إلا المؤمنون، بل إن عائشة -رضي الله عنها- صاحبة الألم كله في هذه الحادثة، والذي بقيت وقتًا من الزَّمن لا يرقأ لها دمْع، دمُوعها وقلبها يتفطَّر، تسمع رجلا يسُبُّ حسان بن ثابت – رضي الله عنه- وقد وقع فيمن وقع، وتكلم في حديث الإفك، فتقول دعوه، أليس هو القائل:
    فإن أبي وولده وعرضي *** لعرض محمد منكم فداءُ
    وأخيرًا فإنَّ الحياة الهَانئة السَّعيدة التي يتبادل فيها الزَّوجَان الثقة والتقدير وحُسْن الظنِّ ببعضها، يقدر كل منها للآخر شعورَه النيل وتعامله الراقي ولا ينجرف في تأويل الحركات والسكنات والأفعال والأقوال في غير محلها، يقَدِّم حسن الظن في كل حالٍ .... ساعتها تهنأ وتسعد ويمتلئ بيتك سعادة وحبورًا.










    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي رد: من أبجدية السعادة الزوجية

    وَسِّط أمُورَك كُلَّها


    محمد عزت السعيد



    مِن أبجَديةِ السَّعادَة الزَّوجِيَّة: وَسِّط أمُورَك كُلَّها
    إذا أردنا أن نصفَ دينًا بوصفٍ يبرز أجمل ما فيه فلن نجد أفضَل من وصفه بأنه دين الوَسطيَّة، حيثُ لا وصفَ أجمل لهذه الأمة من وصفها به، ﭧﭐﭨﭐﱡﭐ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥﱦ ﱠ البقرة: ١٤٣
    ذكر ابن كثير في تفسيره: يقول تعالى: إنما حوَّلناكم إلى قِبلة إبراهيم- عليه السَّلام- واخترنَاها لكم لنجعلَكم خِيارَ الأمَم، لتكُونوا يوم القيامة شُهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل. والوسط هاهنا: الخِيار والأجْود، كما يقال: قريش أوسَط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها. وكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وسطًا في قومه، أي: أشرفهم نسبًا، ومنه الصَّلاة الوسطى، التي هي أفضل الصَّلوات، وهي العَصْر، كما ثبت في الصِّحاح وغْيرها، ولما جَعل الله هذه الأمَّة وسطًا خَصَّها بأكمل الشَّرائع وأقوم المناهج وأوضَح المذاهِب، {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج: ٧٨]
    والدِّين الإسْلامي في مجمله قَائم على الاعتدال في الأمور كلِّها: أوامره ونواهيه، أخلاقِه وعباداتِه، بل في شؤونه كلِّها ابتداءً من أصول الاعتقادِ وانتهاء بمكارم الأخلاقِ والآدابِ، فهو وسَط بين الغُلو في عِبادةِ المخلوق والحَجر والشَّجَر والتَّفرُّد في عبودية الله الواحِد الأحَد، حيثُ وجَّه العقولَ والقلوبَ إلى عبادة الخالقِ – جلَّ وعَلا – وهو وسَط في العبادات والتكليفاتِ من أوامرَ ونواهيَ بين الغلو والتشَدد والإفراطِ والتهَاون، بل هُو وسطٌ حتى في الأخلاق والفضائلِ والنوافلِ من الأعمال.
    وقد أرسى القرآنُ الكريم هذا المعنى في نفوسِ المؤمنين من أتباعِه وتعددت الآيات التي ترسِّخ لذلك، وفَاضَت كتبُ السنة النبوية بالكثيرِ من الأحاديث التي أكَّدت على هذا المعنى، وإنَّك لتلمح هَذا جليًا واضحًا في العديد من الآيات،
    {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [ القصص: ٧٧]
    والنَّبي -صلَّى الله عليه وسَلم- يؤكد على هذا المعنى في الكثير من أفعَاله وأقواله ..... «عن أَبِي هريرة -رضي الله عنه -عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولنْ يشادَّ الدِّينُ إلاَّ غَلَبه فسدِّدُوا وقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، واسْتعِينُوا بِالْغدْوةِ والرَّوْحةِ وشَيْءٍ مِن الدُّلْجةِ " رواه البخاري. وعن أَنسٍ – رضي الله عنه- قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمسْجِدَ فَإِذَا حبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْن ِ فقالَ: مَا هَذَا الْحبْلُ؟ قالُوا، هَذا حبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَترَتْ تَعَلَقَتْ بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: حُلّوهُ، لِيُصَلِّ أَحدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذا فَترَ فَلْيرْقُدْ» " [متفقٌ عَلَيهِ] .
    وفي حديث عَائشة – رضي الله عنها - « ما خُيِّرَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنَ أمْرَيْنِ قَطُّ إلَّا أخَذَ أيْسَرَهُمَا، ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا، فإنْ كانَ إثْمًا كانَ أبْعَدَ النَّاسِ منه، وما انْتَقَمَ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- لِنَفْسِهِ في شيءٍ قَطُّ، إلَّا أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ بهَا لِلَّه»
    « وعن أنسٍ – رضي الله عنه- قال: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إلى بُيُوتِ أزْوَاجِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، يَسْأَلُونَ عن عِبَادَةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقالوا: وأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ قدْ غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ، قالَ أحَدُهُمْ: أمَّا أنَا فإنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أبَدًا، وقالَ آخَرُ: أنَا أصُومُ الدَّهْرَ ولَا أُفْطِرُ، وقالَ آخَرُ: أنَا أعْتَزِلُ النِّسَاءَ فلا أتَزَوَّجُ أبَدًا، فَجَاءَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إليهِم، فَقالَ: أنْتُمُ الَّذِينَ قُلتُمْ كَذَا وكَذَا، أما واللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وأَتْقَاكُمْ له، لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأَرْقُدُ، وأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي. »
    وإذا كان الأمر ُكذلك فإنَّ البيتَ السَّعيد والأسرة المتوازنةَ ينبغي أن يكونَ الاعتدالُ منهجَ حياتها، والوسطية صورة معبرةً عنها، اعتدالٌ في الأوامر والنواهي، واعتدالٌ في المشاعر والعواطف بين الأبناء، بل إن اعتدالَك في بيتكَ ومع أبنائك وتبَنِّيك نهجَ الوسطية والاعتدال في الأمور كلِّها أدعى إلى الاستقرار النفسي والفكْري لديهم، بل ويحفظهم من كل تطرف أو غُلو.
    وإنَّ مما لفتَ انتباهي يومًا مَا أنْ وجدتُّ واحدًا من أصدقائي يأمر أبناءَه على غير ما يفعَل، ويفعلُ عكْس ما يأمُرهم به أو ينهاهم عَنه، الأمر الذي خَلَق في أبنائه انفصَامًا وانفصالاً في شخصيتهم نفسيًا وفكريًا، بل وانفصالاً عاطفيًّا ووجدانيًّا بينهم وبين أبيهم، وإنْ حدَّثتك عَن ضَعف انتمائهم وولائِهم فحَدِّث ولا حَرج، وهَكذا حَال عَددٍ من أبناءِ امتنا في هَذه الأيام.
    زوجتُك إن رَأَتْ منك نظرة متَّزنة لشؤون بيتك كلِّها، فلم تجدك يومًا متعصبًا لفكرة ولا متشددً لأمرٍ، ولا أنت متهاونًا فيه، قَلَّت بينكما الخلافاتُ الأسرية، وانعدمت المشاكلُ الزوجية، وعِشتُما سعيدي البالِ مُرتاحي النفس، ونشأ الأبناءُ يقلِّدون منهجَكم، ويقتفون أثركم؛ فَزِن الأمورَ كلَّها بميزان الاعتدال، وكُن وسَطًا في أمورك كلِّها، تميلُ إلى التسيير دون تفريط وإلى الالتزام والانْضباط دونما تشَدُّد، حينها يفيض بيتكم أُنسًا وسعادة، وتمتلئ أركانه نورًا وضياءً.










    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,610

    افتراضي رد: من أبجدية السعادة الزوجية

    كِل بمكْيالٍ واحِد


    محمد عزت السعيد



    إن من أعظم مفسدات القلوب، ومن أشد ما يقتل معاني الإنسانية في النفوس هو شعورها بالظّلم والاضطهاد، فمجرد الشعور؛ والشعور فقط – وإن كان غير صحيح في مجمله- بالغَبن أو الاعْتداء على الحقوقِ أو عدم تقدير الذَّات أو تفضيل الغير فيما يراه صاحبه حقًا، كل هذا يؤدي – لا شك – إلى اتخاذ مواقف عدوانية ردًا للاعتبار وسعيًا وراء الحقوق المهضومة كما يزعم صاحبها.

    ولا أدلَّ على ما أعرضه من هذا القَصص القرآني البديع في سورة يوسف، وهو ما تجلَّت فيه قصَّة أبناء يعقوب-عليه السَّلام- وتعاملهم مع أخيهم يوسُف الصِّديق؛ رمز الجمال ومستودع الصَّفاء، فلم يذنبْ يوسُف – عليه السَّلام – ذنبًا، ولم يقتطع من حقوقهم حقًا، لا، ولم يعتدِ على أحدٍ منهم، فضْلاً عن كونه صغيرهم، وهو الَّذي فقد أمَّه صغيرًا، فله الحق في رِعاية أبيهم، ومزيدٌ من حنَان تلك الأبوة.
    والجمْلة الأخِيرة هَذه هي كلِمة السِّر، فحَاجة يوسفُ لرعَاية والدِهم، وما انعَكَس من أفعالٍ تترجم لهَذه الرعَاية قد أوغر في نفوسِ إخوته، وتسلَّط الشَّيطان على تبقى منها من مشَاعر الأخُوة، فزَين لهم أنَّ يوسف هو الحَائل والمَانع بينهم وبين حبِّ أبيهم له، وبالغِ رعايته لهُم، وكأنهم يروْن أن أبَاهم ملكًا لهم، ولا ينبغي أن يشَاركهم فيه أحَدٍ، وإن كان أخَاهم من أبيهم.
    وما نودُّ الوقوف عنده هو كيفَ أنَّ يوسُف -مع يقيننا التام من عدالة أبيه يعقوب النبي- عليه السَّلام- في تربيته لَه ولإخوانه- لم ينجُ من كيدِهم ومَكرِهم، ولذا فإنَّه ومن وحْي هذه القِصَّة وجَبَ عليكَ إن رغبت أن تعيشَ ويعيشَ أبناؤك في هناءَة وسَعَادة وأن تؤسِّس لميزانِ العَدلِ بين أبنائك، فلا تمايزَ بين أحدٍ منهم في عطِيَّةٍ، ولا تخصّ أحدهم بهدية دونَ غيره، وأن تسَاوي بين الجميع إنِاثًا كانوا أو ذكرانًا، في عطَائك: مَاديًا كان أو معْنويًا، فذلك أدْعى أن يجدوا فيك رمزَ العَدل.
    وإيَّاك أن تكيل بمكيالين، فتعطي أحدَهم وتمنع أخَاه، أو تهبَ ابنتك وتترك أبناءك، أو تؤثر كبيرَهم وتحرِم صغيرهم، فتفضِّله على بقيَّة إخْوانِه، فتغْدِق عليهم من مَالك وإنْ كانَ مالَك.
    وقد أبى رسُول الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يشْهد على عطاء قيس بن ثابت لأحَد أبنائه، واعتبر ذلك شهَادة على زورٍ، حيث إنَّه لم يجعل لبنيه مثلَ ما جعل له.
    واعلم أنَّ ذلك ليس حتمًا ألا يحْدث خلافاتٍ بين الأخوة، فلطالما رأينا صورًا يُقيم فيها الوالدان ميزانَ العَدالة بين أبنائهم، ولا يميِّزون بين كبيرٍ وصغيرٍ، بل هم صورةٌ مُشْرقة لا تقِلُّ في إشراقها وروعتها بعضًا مما رأيناه في عدَالة يعقوبَ -عليه السَّلام- مع أبنَائه، أو اهتداءً واقتداءً بسنة نبينا محمد -صلَّى الله عليه وسَلم- ومع ذلك نزَع الشَّيطَان بين الأخوة حتى صَاروا أعداء، وهذا من جملة ما قد يبتلى به العَبدُ.
    ومما يجْدر أنْ نلفتَ الانتباه إليه أنَّ العَدل إنما يكون فيما تُشَاهده وتَحسُّه من أمورٍ مَادية أو سلوكات تصْدر من منكما- أعني كلا الزوجين - كأن يُقبِّل أحَد الوالدين أبناءه، أو يفَرِّق بينهم في المعَاملة من حُسن الكلام ولِين الجانب، والهَدية والرِّعاية والاهْتمام ونحوه، أمَّا ما يخَالِطُ القَلبَ ولا يطَّلعُ عليه أحَدٌ إلا الله فإنمَا هو عَطِيَّة من الخَالق – سبحانه – قَسَمَه الله ووزَّعَه بينهم، وفي الحديث .... اللهم إن هذا قَسَمي فيمَا أمْلِك، فلا تُؤاخِذني فيما تمْلك ولا أمْلِك.

    وإنْ أردت حياةً سعِيدة وبيتًا هانئًا سَعيدًا فاعدل بين أبنائك في حياتك، وإيَّاك أن تميلَ إلى أحدهم أو تقسِم لأحدٍ قِسْمة دونَ الآخَر، بل كِلْ بمِكيالٍ واحِدٍ، في القَول وفي الفِعل، في الهبَة والعَطِيَّة، في المنْح وفي المنْع، قال الله تعالى: "وإذا قلتم فاعْدلوا..." رَبِّ أبناءَك على المحبَّة والإِيثَار، فإنَّ ذلك سَبيلٌ إلى رَاحة القَلْب وسَلامة الصَّدر.








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •