العربية في سوق اللغات
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: العربية في سوق اللغات

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,857

    افتراضي العربية في سوق اللغات

    العربية في سوق اللغات 1-2
    د·جمال الحسيني أبو فرحة


    لقد أعلن نبي الإسلام أنه يحمل رسالة للعالم أجمع، ولا شك أن دعوى عالمية أي رسالة سماوية لابد أن يبرهن على عالمية لغتها، بمعنى صلاحيتها لحمل الرسالة إلى العالم أجمع، ومن هنا يمكننا أن نفهم قوله تعالى{إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون}الزحرف-3 وقوله في الآية 195 من سورة الشعراء {بلسان عربي مبين}أن المراد بالخطاب هنا ليس العرب فقط بل العالم كله، وكأن معنى الآيات: إنا جعلناه قرآنا عربياً لأن العربية لغة تصلح لأن يخاطب بها العالم أجمع لأنها لغة تفصح عن أدق المعاني بأبسط الألفاظ وأجملها، ومن ثم كان حري بنا أن نعقل ما يتنزل علينا بها من قرآن ومن لا يعرفها يمكنه أن يتعلمها ومن لم يستطع أو لم يرد فيمكنه أن يعتمد على من يعرفها، فالمهم أن المعنى الموحى به بها يصل إلى الأرض بدقة من دون لبس وجمال من دون عيب·
    وهذا ما يؤكده حديث الرسول [ >فضلت على الأنبياء بست، أعطيت جوامع الكلم···< الخ الحديث·
    فإعطاؤه [ جوامع الكلم كما يعني فصاحته القادرة على توظيف اللغة العربية في حمل الرسالة الخاتمة إلى العالم أجمع على أتم صورة وأجملها، لا شكك أنه يعني أيضا قابلية هذه اللغة لهذه المهمة، وهذا ما يبرهنه علم اللغة المقارنة، كما أن هذا ما يقتضيه العقل للغة الرسالة الخاتمة، فعالمية الرسالة لابد أن تبرهن على عالمية لغتها، وهو ما يقتضي لها الكمال أو الاكتمال اللغوي الذي يعني كفاءة وانتظام قواعدها الصوتية، والصرفية، وقواعد التراكيب والعبارات، كما يعني ازدهار ظاهرة التمييز والتخصيص بها: كالتمييز بين المذكر والمؤنث، وبين المفرد والمثنى والجمع، وبين جموع القلة وجموع الكثرة، وبين الصفات العارضة والصفات الملازمة الخ···، كما يعني كفاءة أبجديتها في ضبط الألفاظ في دقة ويسر، كما يعني بساطة ألفاظها وموسيقية اللفظة حتى يسهل تعلَّمها لمن ليس من أهلها وتناقل نصوصها المقدَّسة عبر الزمان والمكان وحفظه في القلوب والسطور·
    وهذه كلها من المزايا التي تمت للغة العربية، وهو ما أدركه الإنسان العربي الأول حين جعل الفصاحة علماً على العروبة فجاءت كلمة عُرِب بمعنى: فصح ، وأعرب بمعنى: أفصح·
    كما أدرك المقارن للعربية بالعبرية- لغة الكتاب المقدس الأصيلة- أو بالانكليزية أو الفرنسية أهم لغتين في عصر العلم المعاصر الذي لا يألو جهدا في البحث عن دقة التعبير وجماله·
    فالأبجدية العربية قد جُرِبت زمناً طويلا في كتابة اللغات من كل أسرة لسانية فلم تقصر، أما الحروف اللاتينية مثلا (وهي من أعظم الأبجديات اللغوية) فتستخدم للكتابة في عائلة واحدة من العائلات اللغوية الكبرى، وهي العائلة المسماه (الهندية الجرمانية)·
    وهذه العائلة هي العائلة التي يقوم فيها تصريف الكلمات على (النحت) أو على إضافة المقاطع إلى أول الكلمة أو آخرها وتسمى من أجل ذلك باللغات >الغروية< أي من الغراء اللاصق، أما الحروف العربية فهي تقوم بأداء الكتابة بهذه اللغات وبكثير غيرها، فهي تستخدم لكتابة الفارسية والأوردية وهما من لغات النحت أو من عائلة اللغات >الغروية<، وتستخدم لكتابة التركية وهي من العائلة المسماة بـ>الطورانية< ويرجعون في تصريف ألفاظها إلى النحت تارة وإلى الاشتقاق تارة أخرى، فهي وسط بين اللغة الفارسية واللغة العربية، وتستخدم الحروف العربية بطبيعة الحال لكتابة لغة الضاد المميزة بمخارجها الواضحة الدقيقة ، وهي أعظم لغات الاشتقاق التي اشتهرت باسم العائلة السامية، وتكتب بالحروف العربية كذلك هناك لهجات ملاوية، لعلها تشكل عائلة مستقلة من العائلات اللغوية·
    وقد استطاعت هذه الأمم جميعاً أن تؤدي كتابتها بالحروف العربية من دون أن تدخل عليها تعديلات في تركيبها ولا أشكالها المنفردة، ولم تتصرف فيها بغير زيادة العلامات والنقط على بعض الحروف، وهي زيادة موافقة لبنية الحروف العربية وليست بالغريبة عنها، لأن العرب أنفسهم أضافوا النقط والشكل عند الحاجة إلى ذلك، وليست زيادة شرطة على الكاف بأغرب من زيادة النقط على الحروف للتمييز بين الأشكال المتشابهة أو المتقاربة·
    وعلى كثرة اللغات والعائلات اللغوية التي تؤديها حروف العربية لم يزل ضبطها للألفاظ أدق وأسهل من ضبط الحروف اللاتينية التي تستخدم لكتابة عائلة لغوية واحدة·
    فالأبجديات الأوروبية كثيرا ما لايتفق فيها نطق الكلمة المكتوبة على ألسنة أمتين ولو كانت لهما أبجدية واحدة أظهر مايظهر ذلك في كتابة الأعلام، فاسم >Franklin< مثلا ينطق (فرانكلن) بالإنكليزية، وينطق (فرانكلا) بالفرنسية·
    وهذا ما لانعهده في نطق الفارسي الذي يقرأ الأوردية أو التركية أو العربية، ولا نعهده في نطق العربي الذي يقرأ الفارسية أو الأوروبية أو التركية·
    بل إن من الحروف في الأبجديات الأوروبية ما يلفظ في خمسة أصوات كحرف (T) الذي ينطق في الإنكليزية (تاء) كما في >to< و(ثاء) كما في >think< و(ذالا) كما في (this) وشينا كما في >mention< بل (سينا) كما في هذه الكلمة نفسها بالفرنسية·
    وكذلك حرف (S) في الإنكليزية فينطق (زايا) في is و(صادا) في >salt< و(شينا) في >sure< و(جيما معطشة) في >pleasure<·
    وكذلك حرف (G) في الإنكليزية فينطق (جيما حسب اللهجة القاهرية) كم في God (وجيما معطشة) في >Religion< وقد يكتب ولا ينطق في >right<·
    وبعض حروف العلة في الإنكليزية تقترن فتنطق على أربعة أصوات كما في هذه الكلمات >moon,blood,door,food< وهو غموض لانجد له مثيلا في العربية·
    وأما قواعد النحو والصرف فهي غير منتظمة في كثير من اللغات انتظامها في العربية، مما يضطر معه المتعلِّم إلى حفظ الكثير من الأفعال لشذوذها في التصريف بين المضارع والماضي والكثير من الصفات والظروف التي لا تجري على قاعدة مطردة في اشتقاق الصفة والظرف، كما هو الحال في الفرنسية والإنكليزية·
    إما بالنسبة للغة العبرية فإنه بالرغم من أن هناك علاقة قرابة واضحة بينها وبين العربية، وبالرغم من أن اللغة العربية ظلت محتفظة بكيانها· بل وصلت في خصوبتها وغناها إلى أعلى الدرجات كما يتبين لنا بوضوح مما تبقى لدينا من تراث جاهلي قبل الإسلام من شعر ونثر، وحتى كان الإعجاز اللغوي أحد أوجه الإعجاز القرآني، فإن اللغة العبرية الحية نسيت في وقت ما، واقتصرت معرفتها على مجموعة قليلة من رجال الدين، ولم يترك علماء اللغة العبرية القدماء للخلف شيئا ذا بال بشأن الأسس والمبادئ التي تقوم عليها هذه اللغة، لقد فقدت الأمة العبرية كل ما يشرف الأمة ويزينها (ولا عجب في ذلك بعد كل ما عانت من المحن والاضطهاد) إلا فتاتاً من لغتها وأدبها، فلقد ضاعت تقريباً جميع أسماء الفاكهة والطيور والأسماك وأسماء أخرى كثيرة على مر الزمان·
    كما أن معاني كثيرة من الأسماء والأفعال التي نصادفها في التوراة إما مفقودة، أو على الأقل مختلف عليها·
    كما أنا نفتقر بدرجة أشد إلى معرفة التراكيب الخاصة في هذه اللغة فقد ضاعت جل العبارات والأساليب الخاصة التي استعملها العبرانيون من ذاكرة الناس·
    فلن نستطيع إذن أن نبحث لكل نص كما نود عن جميع المعاني المقبولة وفقاً للاستعمال الجاري في هذه اللغة، وسنجد نصوصاً كثيرة تتضمن كلمات معناها غامض للغاية ولا يمكن إدراكه على الإطلاق·
    وفضلا عن أننا لا نستطيع أن نحصل على معرفة تامة بالعبرية، فهناك تكوين هذه اللغة نفسه وطبيتعها، إذ يوجد فيها كثير من المتشابهات مما يستحيل معه العثور على منهج يسمح لنا بأن نحدد عن يقين معاني جميع نصوص العهد القديم·
    فالعبرية مثلا لا تعرف المضارع، وإنما تعبِّر عنه بصيغة اسم الفاعل، وأحيانا بصيغة المستقبل، كما أن العبرانيين لم تكن لديهم حروف تعادل الحروف المتحركة حتى القرن السادس الميلادي، ولم يعرفوا الحركات قبل أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن الميلادي على يد علماء لغويين لا تساوي سلطتهم شيئا، وخصوصا مع عدم تواتر الحفظ في الصدور·
    هذا بالإضافة إلى أن الحروف العبرية إنما تكتب فرادى، ولا يتصل بعضها ببعض، ولم يتعود العبرانيون أن يقسموا كلامهم المكتوب أو أن يبرزوا المعنى بصوة أقوى، أي تأكيده بعلامات·
    ومن ثم بدت دراسة اللغة العبرية في حاجة ماسة إلى دراسة تلك اللغات الشقيقة، وبخاصة العربية باعتبارها أكثر اللغات الشقيقة حياة وازدهاراً، من أجل حل المشكلات الصعبة، وهذا ما أكد عليه >مران بن جناح< في كتابه >التنقيح< وكذلك أكد عليه >دوناش بن ليرت< عندما ترك لنا قائمة تحتوي على (168) كلمة عبرية لا يمكن فهمها إلا إذا قورنت باللغة العربية، كما أكد عليه كثير من علماء اليهود عندما اقتفوا في دراستهم النحوية أثر النحويين العرب، ولا سيما >سيبوية< حتى جاءت كتاباتهم باللغة العربية، ولا شك أن فهم أي لغة جيداً يحتاج إلى معرفة غيرها من اللغات وبخاصة اللغات الشقيقة المنبثقة عن نفس الأصل، وكذلك اللغات التي احتكت بها فتأثرت وأثرت، إلا أن حاجة دراس اللغة العربية إلى دراسة مثل هذه اللغات هو من باب الكمال أما حاجة دارس العبرية كمتخصص فهو من باب الحاجة الضرورية لفهم لغة الأم·

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,857

    افتراضي رد: العربية في سوق اللغات

    العربية في سوق اللغات(2-2)


    د. جمال الحسيني أبوفرحة *



    بالإضافة إلى ما سبق ذكره فى مقالنا السابق؛ فإن المزية البينة فى قواعد اللغة العربية أنها تابعة لأغراض التعبير والدلالة. ويظهر ذلك بوضوح في ازدهار ظاهرة الإعراب في اللغة العربية، وهو ما لا نجد له آثرًا يذكر لا في الإنجليزية ولا في الفرنسية، أما اللغة العبرية ففيها قليل من حالات الإعراب، ولا تخفى أهمية وجود هذه الظاهرة، ولا يخفى أثرها في دقة التعبير والدلالة؛ يقول الزجاجي: "إن الأسماء لما كانت تعتورها المعاني، فتكون فاعلة، ومفعولة، ومضافة، ومضافا إليها، ولم يكن في صورها وأبنيتها أدلة على هذه المعاني، بل كانت مشتركة، جعلت حركات الإعراب فيها تنبئ عن هذه المعاني 000 ليتسعوا في كلامهم ويقدموا الفاعل إن أرادوا ذلك أو المفعول عند الحاجة إلى تقديمه وتكون الحركات دالة على المعاني".
    وتتفوق العربية كذلك فى وجازتها وسهولتها ودقتها على لغات كالإنجليزية والفرنسية؛ فيجوز أن يخلو مكان الفعل الظاهر من الجملة العربية وتفيد معناها المستقل مع تقديره أو تقدير ما ينوب عنه؛ فيجوز مثلا أن يقال: (رجل فى الدار)، ويفهم منها ما يفهم من قولهم باللغات الأوروبية: (رجل يوجد في الدار)، أو ما يفهم من قولنا بلغتنا العربية: (رجل موجود في الدار)؛ ولكن في الفرنسية والإنجليزية لا تتم الجملة على وضع من هذه الأوضاع بغير الفعل الظاهر، فكل كلام خلا من الفعل الظاهر عندهم فهو غير مفهوم.

    واللغة العربية كذلك تدل على المبنى للمجهول بصيغة خاصة في أوزان الفعل بينما الإنجليزية والفرنسية فتدلان على المبنى للمجهول بعبارة؛ ففي العربية نقول: (يُفْتَح الباب) بصيغة المجهول، ولكن العبارة الإنجليزية التي تدل على ذلك هي The door is opened وهى تقابل قولنا: (إن الباب يكون مفتوحا)، وهو تعبير يخلو من دقة الصيغة العربية؛ لأنه أقرب إلى الوصف منه إلى الإخبار عن حدث.
    وتزيد اللغة العربية صيغة لا وجود لها فى الإنجليزية والفرنسية، وهى ما اقتصرت عليه اللغة العبرية، وهى صيغة الفعل المطاوع (انفعل) فيقول القائل: (انفتح الباب)، ويعبر بذلك عن معنى لا تدل عليه دلالته الدقيقة كل من صيغة المبنى للمعلوم، وصيغة المبنى للمجهول.
    فإذا قلنا: (فتح محمد الباب)، فهذا لمن يهمه أن يعرف من الذي فتح الباب، وإذا قلنا: (فُتِحَ الباب)، فقد يكون الخبر موجها – أيضا – إلى سامع يهمه أن يعلم شيئا عن الفاعل، ولكن المتكلم يخبره بأنه لا يعرفه، أو يخبره بأنه يعرفه ولا يريد أن يذكره؛ تعمدا لإخفائه، أو لإهماله، ولكن هناك حالة غير هذه وتلك، وهى حالة إنسان ينتظر فتح الباب، ولا يعنيه من الذي فتحه كما لا يعنيه أن يقول له المتكلم إنه يجهله أو يعرفه ولا يريد أن يذكره؛ فى هذه الحالة يقول العربي: (انفتح الباب)، فيؤدى المعنى المطلوب بغير خلط بينه وبين الحالات الأخرى.
    واللغة الدقيقة هي اللغة التي تلاحظ مقتضى الحال في كل عبارة من العبارات الثلاثة، ولا تستخدم عبارة واحدة لموضوعين ملتبسين، بل تستخدم كل عبارة لموضوعها الذي لا لبس فيه، وهذه هي صفة اللغة العربية في وفائها بالمعاني المقصودة على حسب إرادة المتكلم والسامع، أو على حسب ضرورة التفاهم بين الاثنين.

    كما تبدو عظمة هذه اللغة ووجازتها مع دقتها من أن درجة الفاعلية في الاسم تثبت في اللغة العربية باستخدام صيغ من مادة الفعل نفسه بغير حاجة إلى مادة مستعارة من غيره.
    ففي اللغة العربية صيغ للمبالغة تعطينا من مادة الفتح مثلا كلمة (فتّاح)، بمعنى كثير الفتح، ولا مقابل لهذه الصيغة وأمثالها من صيغ المبالغة في الإنجليزية والفرنسية، إلا باستخدام جملة أو عبارة مركبة من عدة كلمات.
    أما الصفة المشبهة فهي آية الآيات في توضيح هذه الدقة للغة العربية؛ حيث تفرق اللغة العربية بين الصفات بفروق لفظية تحيط بأعمق ما بينها من فروق المعنى.
    فهناك فرق بين كلمة (كريم)، وكلمة (معطى)، وكلمة (معطاء)؛ فمن أعطى مرة واحدة فهو معط أو فاعل لفعل من أفعال الكرم، وإن لم يكن كريما على الدوام، وكذلك المعطاء الذي يعطى مرات كثيرة، لا يلزم من ذلك أن يكون كريما أو أن يكون عطاؤه من عنده، فربما كان المعطاء في معنى من معانيه مرادفا للصراف على هذا الاعتبار؛ فالكرم صفة لا تحدث في كل عطاء أو كل منحة أو كل صنيع معدود من الصنائع الكريمة، ولكنه صفة ملازمة، ولو لم يحدث فعل الكرم غير مرة واحدة، أو مرات معدودة، فإن الذي يعمل عمل الكرماء (كريم) ولو لم تتجدد أعماله أو هباته؛ فالكرم يعبر عن الخلق الثابت الذي لا يتوقف على حدث في زمن محدد؛ ومن ثم جاءت صفة الكريم من فعل لازم، وجاءت صفة المعطاء من فعل متعد لمفعولين، واستغنى المتكلم عن صيغة اسم الفاعل من الفعل كرم مع وجود الصفة المشبهة؛ لأن صيغة (الكارم) مع سهولتها على اللسان لو وجدت لا تؤدى المقصود من الفعل (كرُم) الذي هو صفة دائمة وليس بعمل متكرر.

    أما الضمائر وأسماء الإشارة والأسماء الموصولة، فموجودة في جميع لغات الحضارة، ولكنها في اللغة العربية توجد مميزة حيث يحتاج الأمر إلى التمييز، وبمقدار الحاجة إليه، وكثيرًا ما تأتى جزافا في غيرها من اللغات.
    فضمير المتكلم لا يحتاج إلى تمييز بين المذكر والمؤنث؛ لأن إشارة المتكلم إلى نفسه كافية للتعريف بجنسه، ولكن يحتاج إلى التفرقة في العدد، فالفرد يتحدث إما بلسان نفسه، وإما بلسان جماعة، وهو ما نجده في اللغة العربية كما نجده في جميع اللغات؛ فنقول: (أنا كتبت)، للمفرد مذكرا ومؤنثا، ونقول: (نحن كتبنا)، للجمع مذكرا ومؤنثًا.
    ولكن الضمير في حالة الخطاب والغياب يحتاج إلى التمييز في الجنس والعدد، فميزته اللغة العربية، كما ميزت الفعل مع الضمائر المختلفة في العدد وفى الجنس، كما ميزت بين الفعل في حالة التكلم وحالة الخطاب وحالة الغياب فنقول في حالة الخطاب للرجل: (أنتَ كتبتَ)، وللمرأة: (أنتِ كتبتِ)، وللرجال: (أنتم كتبتم )، وللنساء: (أنتن كتبتن)، وللمثنى بنوعيه: (أنتما كتبتما)، ونقول في حالة الغياب للرجل: (هو كتب)، وللمرأة: (هي كتبت)، وللرجال: (هم كتبوا)، وللنساء: (هن كتبن)، وللمثنى المذكر: (هما كتبا)، وللمثنى المؤنث: (هما كتبتا)
    بينما الضمائر في لغات كالإنجليزية والفرنسية فلا تعرف المثنى، ولا تفرق الإنجليزية بين الضمير المذكر والضمير المؤنث إلا في حالة المفرد الغائب، ويتساوى ضمير المخاطب في الإنجليزية في حالة الإفراد والتثنية والجمع.
    كما يتساوى الفعل في الإنجليزية مع الضمائر المختلفة في الجنس والعدد، سواء في حالة التكلم أو الخطاب أو الغياب.
    وفى العبرية كذلك لا نجد ضمائر مثناه، كما أن العبرية لا تفرق في صيغة الفعل بين الغائبات والغائبين؛ فأصبحت لهما صيغة واحدة تشبه العامية المصرية (فعلوا)، هذا مع الفعل الماضي؛ أما مع الفعل في المستقبل، فهناك التباس بين مستقبل الغائبات ومستقبل المخاطبات.
    ومما يبين دقة العربية كذلك ما نجده في العبرية مثلا من جزافية لا نعهدها في العربية عندما أدخلت أداة التعريف على اسم الإشارة والمشار إليه، بينما أدخلت العربية أداة التعريف على المشار إليه فقط، ولم تدخله على اسم الإشارة باعتباره معرفة ولا تعريف للمعرف.
    وتتجلى دقة اللغة العربية حين نلاحظ أنها تفرق بين جموع للقلة وجموع للكثرة؛ فتقول: (أَبْسط ، أَرْغِفَة ، أَفْراخ ، فِتْيَة) للقلة، وتقول: (بسط ، ورغفان ، وقفول ...الخ ) للكثرة؛ وهذا ما لا نجده لا فى الإنجليزية ولا فى الفرنسية ولا فى العبرية.
    كما نجد في اللغة العربية (التصغير) وهو ما لا نجده في لغات كالإنجليزية والفرنسية.
    وفى اللغة العربية بخلاف كثير من اللغات نجد كذلك أن التعبير عن اختلاف كيفيات الفعل ودرجاته متحقق من وفرة الأفعال التي تؤدى معنى كل كيفية ودرجة؛ فإذا تحدث المتحدث عن هبوب الريح مثلا ففي وسعه أن يقول: إنها نسمت، أو خفقت، أو سرت، أو هبت، أوعصفت، أو قصفت، أو تهزَّمت، إلى أشباه هذا الترتيب في القوة والتأثير.
    كما أن التضعيف والزيادة في اللغة العربية يؤديان معنى الفعل على درجات وأشكال شتى يستغني بها المتكلم عن الظروف بعكس كثير من اللغات الأخرى كالإنجليزية والفرنسية مثلا؛ ففي العربية من مادة الفتح – مثلا – يمكن أن نقول: فتح وفتّح بتشديد التاء، وافتح، واستفتح، وفاتح، وانفتح ..الخ.
    واجتزئ بما ذكـرت في التدليل على ما حظيت به العربية من اكتمال لغوى يهيئها لحمل رسالة عالمية، وهو قليل من كثير لا يتسع المقام لعرضه.
    وأضيف هنا أنه كما تحتاج اللغة العالمية لكل ما سبق، تحتاج كذلك لكل ما يجعلها رشيقة على اللسان، محببة إلى الآذان، ومن ثم يسهل على الأذهان حفظها واستذكارها.

    أما الرشاقة فأكثر كلمات اللغة العربية ثلاثيا، ولا يتجاوز الاسم بالزيادة سبعة أحرف (وهو الخماسي المزيد بحرفين)، كما أن الفعل لا يتجاوز بالزيادة ستة أحرف (وهو الرباعي المزيد بحرفين )؛ أما الإنجليزية والفرنسية فلا مقارنة لهما بالعربية في هذا المضمار، انظر مثلا كلمة (دين) فهي بالعربية مكونة من ثلاثة أحرف أما في الإنجليزية وكذلك الفرنسيةReligion فهي مكونة من ثمانية أحرف، وكلمة مثل (نبيّ) فهي فى العربية مكونة من أربعة أحرف؛ أما في الإنجليزيةProphet فهي مكونة من سبعة أحرف، وفى الفرنسية Prophete مكونة من ثمانية أحرف، بل إن كلمة (مشرك) وهى في العربية مكونة من أربعة أحرف نجدها مكونه من ستة عشر حرفا في الإنجليزية Associationnator وكذلك في الفرنسية Associationniste 0
    وأما الموسيقية: فيعتمد الشعر الإنجليزي في موسيقاه على النبر، بينما يعتمد الشعر الفرنسي على عدد المقاطع في كل بيت؛ أما الشعر العربي فيعتمد على التفعيلات التي تكون بحور الشعر العربي التي ذكر الخليل بن أحمد الفراهيدى منها ستة عشر بحرا، لكل بحر منها عدة صور، بل وللصورة الواحدة عدة تنوعات موسيقية، هذا بالإضافة إلى ما لم يذكره الخليل من فنون الشعر: كالموشح، والدوبيت، والزجل، والمواليا، والكان وكان، والقواما000 الخ0
    أضف إلى ذلك أن أوزان العروض العربية على إحكامها وإتقانها سهلة الأداء قابلة للتوسع والتنويع إلى الغاية المطلوبة في كل موضع يتناوله الشعراء، ومن ثمة اختار شعراء اللغات الفارسية والعبرية والأوردية أن ينظموا بلغاتهم في أوزان العروض العربية، وفضلوها على أوزانهم القديمة ، لأنها أسهل منها وأجمل فى موقعها من الأسماع والنفوس.
    كل هذا بعض مما هيأ العربية لحمل الرسالة الخاتمة، يبرهنه علم اللغة المقارن ويقتضيه العقل للغة الرسالة الخاتمة. فصدق حافظ إبراهيم فى قوله على لسان اللغة العربية:
    وسـعت كتاب الله لفظًا وغايـة وما ضقت عن آي به وعظات
    فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة وتنسيق أسماء لمخترعات
    أنـا البحر في أحشائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •