نحو أسلوبية للرحمة في الخطاب القرآني
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: نحو أسلوبية للرحمة في الخطاب القرآني

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,822

    افتراضي نحو أسلوبية للرحمة في الخطاب القرآني

    نحو أسلوبية للرحمة في الخطاب القرآني
    د·محمد إقبال عروي




    إن مدلول الوصف الذي نعت به القرآن في القول المأثور: >لا تنقضي عجائبه<(1)، لا يتصور له حقيقة وتحقق إلا إذا شغل الإنسان طاقته التدبُّرية، وانتبه إلى أن التدبَّر في القرآن إنما هو خلق وفريضة عليه أن يأتيه كما يأتي سائر الأخلاق والفرائض، وكلما أقبل عليه المقبلون بقلوب متدبِّرة وعقول متأملة، أعطاهم من كنوزه ذخائر لا تنقضي، وسبحان الله الذي رتب الاهتداء إلى أسرار كتابه على حسب طاقة الناس التدبُّرية·

    نماذج من الاطرادات الأسلوبية في الخطاب القرآني
    لقد يسر الله لي نشر دراسة في موضوع: >الاطرادات الأسلوبية في الخطاب القرآني<(2)، ضمنتها مجموعة من النماذج تبرز كيف أن الخطاب القرآني يحرص على أن ترد بعض ألفاظه وتراكيبه على نسق واحد مطرد لا يتخلف·
    وقد هدى التأمل في مخاطبات القرآن الكريم إلى الوقوف على نماذج أخرى نعرض لها في الفقرات التالية، وقد تم الاقتصار على النماذج التي من شأنها أن ترتفع بالبحث في مخاطبات القرآن إلى مستوى الكشف عن قانون مفاده أن رحمة الله في القرآن لا تنجلي فقط في وصفه لذاته أو ذكره لنعمه، أو مغفرته للمذنبين··· وإنما تظهر في المستوى الأسلوبي كذلك، بمعنى أن من خصائص الأسلوب القرآني أنه يجمع ويفرد، ويقدم ويؤخر، ويذكر ويحذف، ويكرر لمقاصد كثيرة من بينها إبراز رحمته الواسعة، وفي الفقرات المقبلة بيان ذلك:

    اطرادات الجمع والأفراد
    بعض الألفاظ ترد في القرآن الكريم مفردة وجمعاً، في حين يظل بعضها خاضعاً لصيغة واحدة·
    ـ من ذلك لفظتا >الجنة والنار<، فإن الجنة ترد في الاستعمال القرآني مفردة وجمعاً، مثل قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) البقرة:82، وقوله: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير) الحج:23، بخلاف لفظ >النار<، فإنه لم يرد في القرآن إلا مفرداً، مثل قوله تعالى: (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة) البقرة:24، وقوله: (وقال الذين اتَّبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار) البقرة:167·
    ولعل من أسرار ذلك أن تتحرك قلوب الناس وعقولهم لإدراك رحمة الله الواسعة، ففي جمع لفظ >الجنة< إيحاء بالتنوع والتعدد والاختلاف، مما يجعل حواس الإنسان غارقة، حقيقة، في ذلك التنوع الذي يضم >ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر<(3)، وتلك صفات تستدعي الإيمان بنعم الله ورضاه ورحمته التي ينشرها على أصحاب الجنة مما يناسب جو رحمة الله الواسعة·
    أما >النار<، فإن إفرادها، على ضوء الخطاب القرآني، يوحي بالأحادية، وفي ذلك الإيحاء تجلٍّ آخر من تجليات رحمة الله، إذ لم يجعل النار إلا واحدة، وذلك يعني أنه ليس الفضل في تعذيب أهل النار، وإنما هو العدل الإلهي الذي قامت عليه السموات والأرض·
    ـ ومن ذلك لفظتا >الظلام والنور<، فإن الأولى وردت في القرآن جمعاً في جميع السياقات، مثل قوله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) البقرة:257، وقوله: (قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور) الرعد:16، أما لفظ >النور<، فلم يرد في الاستعمال القرآني إلا مفرداً، مثل قوله تعالى: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) المائدة:15، وقوله: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون) الصف:8·
    وهذا يشعر بأن للظلمات مصادر مختلفة، منها الشيطان، ومنها النفس، ومنها الطغاة وقادة السوء، بينما يظل النور أحادي المصدر مهما تعددت مجالاته ومستوياته، فهو آيل إلى مصدر واحد وهو نور الله المتمثل في الهداية القرآنية؟ يقول تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين) الزمر:22·
    وهذا يعني أن القرآن لم يرد من المؤمنين أن يفتنوا بكثرة المصادر و>الأنوار<، أو يتيهوا في مسالك الاختلاف والفرقة حول هذا النور الذي يستحق أن يتبع من بين مجموع >الأنوار<، بل اقتضى عدله واستدعت رحمته أن يجعله نوراً واحداً، وهو ما يفسر ورود لفظ >النور< مفرداً في الاستعمال القرآني·
    والغريب في الأمر أن كثيراً من المسلمين يغفلون عن سر هذا الإفراد، فالقرآن يريد من المؤمنين أن يكونوا على نور الله، وأن يتحدوا على منهاجه، والذي يحدث في أرض الواقع أن أهل الظلمات يتحدون ويندمجون ويتآزرون، مع أن مصادر ظلماتهم متعددة ومتباينة، في حين يختلف أهل الإيمان ويتصارعون ويعمر الشقاق بينهم، فيكون الفشل والتخلف مصيرهم، والخشية كبيرة من أن يرى العالم ذهاب ريحهم، مع أنهم ينتمون إلى نور واحد·

    اطراد اقتران المغفرة بالتبعيض في خطاب الكافرين من دون خطاب المؤمنين
    على المستوى التركيبي، يقع المتشابه في القرآن كثيراً، وبسبب تلك الكثرة، قد لا يلحظ القارئ للقرآن الفوارق الدقيقة التي توجد بين تركيب وآخر، وقد تدق الفروق لتنحصر في إضافة حرف أو إزالته، أو إيراد اللفظ معرفاً هنا ومنكراً هناك، أو في تقديم لفظ في سياق معين وتأخيره في سياق آخر·
    ومن نماذج المتشابه الذي يكشف عن دقة اختيار اللفظ وصياغة التركيب في الخطاب القرآني ما يلاحظ في الآيات التي تضمنت جواباً عن شرط اشترطه الله على الناس، مؤمنهم وكافرهم، وفحوى ذلك الجواب وعد الله لهم بأن يغفر لهم ذنوبهم·
    لقد هدى إحصاء تلك الآيات إلى أنه سنة، وهي:
    1 ـ (قالت لهم رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم) إبراهيم:10·
    2 ـ (يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم) الأحقاف:31·
    3 ـ (قال يا قوم إني لكم نذير مبين· أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون· يغفر لكم من ذنوبكم) نوح: 2 ـ 4·
    4 ـ (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) آل عمران:31·
    5 ـ (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً· يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم) الأحزاب:71·
    6 ـ (يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم· تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون· يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار) الصف: 10 ـ 12·
    وبالتدبر في نصوص تلك الآيات وسياق ورودها، يصل المتدبر إلى استخلاص الملحوظات الذوقية التالية:
    ـ وردت الآيات الثلاث الأولى في سياق خطاب الكفار والمكذبين، فقد جاءت الآية الأولى في سياق ذكر إعراض الكفار عن دعوة أنبيائهم وكفرهم برسالاتهم، والآية الثانية واردة في معرض استماع الجن لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم، وعودتهم إلى قومهم منذرين، أما الآية الثالثة، ففي سياق دعوة نوح إلى قومه الكافرين·
    ـ بخلاف ذلك، فإن الآيات الثلاث الأخيرة واردة في سياق خطاب المؤمنين، فمساق الآية الرابعة متصل بتحذير المؤمنين من اتخاذ الكفار أولياء، وإشعارهم بأن الله عليم بذات الصدور، والآية الخامسة واردة في سياق حض المؤمنين على التقوى وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألا يكونوا مثل الذين آذوا موسى، وبالنسبة إلى الآية السادسة، فإن مطلعها يدل على أنها خطاب للمؤمنين من أجل معرفة التجارة الرابحة التي يريدها لهم المولى عز وجل·
    ـ لقد ظهر، إذاً، وجود اختلاف في جهة الخطاب، إذ إن الآيات الثلاث الأولى تخاطب الكفار والمكذبين، بينما تخاطب الآيات الثلاث الأخيرة المؤمنين، وقد استدعى اختلاف المخاطبين حصول اختلاف دقيق في متعلق المغفرة ومشمولة، فالآيات الثلاث الأولى تجعل المغفرة متعلقة ببعضهم دون الكل، (يغفر لكم من ذنوبكم)، وهذا ما تفيده >من< التبعيضية، بينما تجعل الآيات الأخيرة المغفرة مستغرقة لجميع الذنوب، (يغفر لكم ذنوبكم)·
    ولم يكن حرف >من< زائداً، وإنما له دلالة خاصة في هذا السياق، لأن مغفرة بعض الذنوب يشعر بأن المخاطبين، أي الكفار، لهم ذنوب كثيرة وعظيمة، وأن استجابتهم لنور الإيمان تنعكس بمغفرة بعض الذنوب دون بعض، لأن حياتهم في ظل الإيمان واستقامتهم على نهج التقوى كفيلان بأن يجعلاهم متمتعين بمغفرة بقية الذنوب·
    أما بالنسبة إلى المؤمنين، فإن جزاء إيمانهم والتزامهم بمقتضيات الإيمان في حياتهم الخاصة والعامة هو أن يغفر لهم الله ذنوبهم جميعاً، مما يجعلهم يشعرون برحمة الله ونعمته، وأن الله ميَّزهم عن الكفار، إذ منحهم مشروعية الإحساس بأن ذنوبهم جميعها مغفورة بنص القرآن·
    وقد تتبعت أقوال المفسرين في الموضوع، إلى أن عثرت، وأنا أنجز أطروحتي لنيل دكتوراه الدولة في علوم القرآن، في موضوع: >بديع القرآن: دراسة نقدية<، على التفاتة >الزمخشري< إلى هذا الاطراد في الاستعمال القرآني، لكنه لم يوسع الكلام فيه بما يشفي·
    يقول: >فإن قيل ما معنى التبعيض في قوله: (يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم) إبراهيم:01، قلت: ما علمته جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين، كقوله: (واتقوه وأطيعون· يغفر لكم من ذنوبكم) نوح: 3 ـ 4، وقال في خطاب المؤمنين: (هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم)، إلى أن قال: (يغفر لكم ذنوبكم) الصف: 10 ـ 12، وغير ذلك مما يقفك عليه الاستقراء، وكأن ذلك للتفريق بين الخطابين ولئلا يسوي بين الفريقين في الميعاد<·(4)
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,822

    افتراضي رد: نحو أسلوبية للرحمة في الخطاب القرآني

    نحو أسلوبية للرحمة في الخطاب القرآني
    د·محمد إقبال عروي


    والحاصل أن الأمر لا يتعلق بعدم التسوية بين الفريقين في الميعاد فقط، بل يرتبط، أصلاً، بعدم التسوية بين الفريقين، شعورياً، في الحياة الدنيا، إذ إن الحمولة الشعورية والنفسية للتبعيض تتضاءل إزاء الحمولة الشعورية والنفسية للاستغراق والشمول، إضافة إلى أن الشعور بالخوف والحذر مضاعف بالنسبة إلى الفريق الأول، فريق الكافرين، دون فريق المؤمنين المستجيبين لنور الله أصلاً، والله أعلم·
    والمتأمل في خطاب القرآن وأسلوبه يلحظ أن هذين البعدين: الاستغراق والتبعيض يتحولان إلى ملمح أسلوبي مطرد في الاستعمال القرآني يدل على وسع رحمة الله وأسبقيتها واستغراقها، وفي هذا السياق، نذكر أن الأسلوب القرآني أسقط حرف >من< عند حديثه عن تكفيره لسيئات المؤمنين، مثل قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفِّر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً) النساء:31، وقوله: (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفِّر عنكم سيئاتم) الأنفال:29، وقوله: (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفِّر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً) الفتح:5، وغيرها·
    وما يوحد بين تلك الآيات أنها وردت في سياق خطاب المؤمنين وحضهم على الامتثال للشروط التي تؤهلهم إلى الحصول على مكافأة تكفير سيئاتهم مثل شرط التقوى واجتناب الكبائر، وقد ناسب ذلك السياق أن تسقط >من< المفيدة للتبعيض والتقليل، لأن من أهداف الخطاب القرآني، في هذه المناسبة، أن يستحث المؤمنين ويشجعهم، وليس هناك حض وتشجيع أكبر من الوعد بتكفير جميع السيئات·
    لكن ورد في آية واحدة ذكر >من< المفيدة للتبعيض، وذلك في قوله تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير) البقرة:172، وهذه المخالفة للقاعدة تدعو إلى تأمل خاص·
    لقد سبق لتاج القراء الكرماني(5)، أن تنبه إلى هذا الملحظ، لكن تعليله له اقتصر على مستوى المناسبة التركيبية، يقول: >قوله: (ويكفر عنكم من سيئاتكم)، في هذه السورة بزيادة >من< موافقة لما بعدها، لأن بعدها ثلاث آيات فيها >من< على التوالي، وهي قوله: (وما تنفقوا من خير) >ثلاث مرات<·(6)
    والحقيقة أن المناسبة، هنا، تتجاوز المستوى التركيبي لتتصل أساسا بالمستوى الدلالي مما يعطي لحرف >من< دوراً لا يتحقق في حال إسقاطه·
    إن سياق الآية (172) من سورة البقرة يتمثل في توعد القرآن للمؤمنين الذي قد يغفلون فيبطلون صدقاتهم بالمن والأذى، وقد أورد، بين يدي تحذيره لهم، صورة تشبيهية قوية في دلالتها على ضياع الصدقة بالمن والأذى، أو المشوبة بالرياء، يقول تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنِّ والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين)البقرة: 462، وفي مقابل ذلك، يرسم القرآن صورة إيجابية للمؤمنين الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله·
    وبعد ذلك، ينبه القرآن المؤمنين إلى دور الشيطان في إيقاع قلوب الناس في مخافة الفقر فيمتنعون عن الإنفاق في سبيل الله، ثم يبرز كيف أن الإنفاق عمل محمود سواء أكان سراً أم جهراً، مع اعتبار القرآن أن الصدقة الخفية خير لصاحبها·
    لقد وردت الآية المذكورة في هذا السياق، وهو سياق متعلق بسلوك مخصوص، وهو سلوك الإنفاق والصدقة، بينما الآيات التي سقط منها حرف >من< وردت في سياق عام، سياق الحض على التقوى واجتناب الكبائر، وبموازنة السياقين، يظهر كيف أن السياق الأخير مستوعب للسياق الأول وزائد عليه، لأن التقوى واجتناب الكبائر أعم من الإنفاق، أي إن الثاني خاص، والأول عام، وبموجب هذا التباين في الطبيعة، ناسب أن تذكر >من< في الآية (271) من سورة البقرة، وأن تسقط من بقية الآيات التي تشترك معها في المكون الأسلوبي: >تكفير السيئات<·
    وإذا كان من العدل، نفسياً وواقعياً، أن يترتب على الامتثال إلى شروط التقوى واجتناب الكبائر تكفير السيئات جميعها، فإن من اقتضاءات ذلك العدل أن يترتب على الإنفاق، وهو سلوك مخصوص وجزئي، مجرد تكفير بعض السيئات·
    وإضافة إلى العدل المتحقق في اختلاف النتيجتين وتباين المكافأتين، فإن من شأن توهم المؤمن أن مجرد إنفاقه يوجب تكفير جميع سيئاته مشعر له بنشوة المغفرة، وقد يدفعه إلى الكسل في بقية الطاعات، فلابد من تدخل أسلوب القرآن ليقضي على تلك البذور النفسية الخبيثة، وليجعل المؤمن حذراً مزوداً باليقظة والوجل· يقول الإمام الطبري: >فإن قال قائل: وما وجه دخول >من< في قوله تعالى: (ونكفِّر عنكم من سيئاتكم)؟، قيل: وجه دخولها في ذلك بمعنى: ونكفِّر عنكم من سيئاتكم ما نشاء من تكفيرها وليس جميعها، ليكون العباد على وجل من الله، فلا يتكلوا على وعده ما وليس على الصدقات التي يخفيها المتصدق، فيتجرؤوا على حدوده ومعاصيه<·(7)

    من أسرار الإفراد والجمع في السياق الواحد
    ورد لفظ >الخلد< في القرآن بصيغة الفعل والمصدر واسم الفاعل، ويلاحظ أنه حينما يرد بصيغة اسم الفاعل يتنوع بين الإفراد والتثنية والجمع·
    فمن أمثلة وروده مفرداً، قوله تعالى: (مثل الجنة التي وُعِدَ المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم) محمد:15، ومن أمثلة وروده مثنى، قوله تعالى: (فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها) الحشر:17، ومن الآيات التي ورد فيها لفظ >خالد< جمعاً، قوله تعالى: (ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون) البقرة:25·
    غير أن الأسلوب القرآني حريص على أن تحمل كل صيغة >شحنة< دلالية ووجدانية لا توجد في الصيغ الأخرى بالرغم من اشتقاقها من أصل واحد·
    وأبرز مثال على ذلك قوله تعالى: (تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم· ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين) النساء:13 ـ 14·
    فالملاحظ أن اسم الفاعل >خالد< جمع وأفرد في آية واحدة، مع أن الخطاب يقتضي اطراد الإفراد، لأن >من< تحيل، في سياق الآية، على المفرد، والدليل على ذلك أن ضمير >الهاء< المتصل بجواب الشرط يحيل على المفرد في حالي الطاعة والعصيان: >يدخله جنات<، >يدخله ناراً<·
    ولا شك أن لهذا التنوع الدقيق في سياق واحد أسرار دلالية ونفسية يتعين على قارئ القرآن أن يتدبره ويقلب فيه النظر من حين لآخر·
    وقد عثرت على مخطوط(8) لأبي الفيض حمدون بن الحاج(9)، قيد فيه تفسيره واستنباطه للمعاني الواردة في الآية المذكورة من سورة النساء، ووجدته قد أشار إلى هذه الملحوظة، واعتمد، في بيان معانيها النفسية والشعورية، على ما أشار إليه الأستاذ الجليل أبوسعيد بن لب(10) في جواب عن مسألة جمع >خالدين< أولاً وإفرادها >خالداً< ثانياً·
    يقول >أبوسعيد بن لب<: سئلت عن قوله تعالى في سورة النساء: (ومن يطع الله)، إلى قوله (خالدين)، و>من يعص الله<، إلى قوله: >خالداً<، فجمع أولاً وأفراد ثانياً، وأجبت بأن الجنة لما كان لأهلها فيها اجتماعات وليست فيها فرقة، جاء قوله >خالدين< اعتباراً بالمعنى الحاصل في الجنة من الاجتماع، ولما كان أهل النار على الضد من هذا، فكل واحد منهم في تابوت من نار حتى يقول أحدهم ليس في النار إلا هو، جاء قوله: >خالداً فيها< باعتبار هذا المعنى·(11)
    فمن المعاني المصاحبة لجمع >خالدين< شعور المؤمن بأن من نعم الله عليه، فوق نعمة إدخاله الجنة وتمتيعه بنعيمها الدائم والمتنوع، أن جمعه بصفوة المؤمنين، يأنس بهم، ويتمتع بمجالستهم ومنادمتهم، فلا يشعر المرء فيها بشعور الوحدة والقنوط، بخلاف الكافر، فينضاف إلى العذاب المادي البدني عذاب نفسي يتمثل في شعوره بقسوة الوحدة، وكأن النار فارغة إلا منه، وكأن لا أحد يلج جهنم إلى جواره·
    وهناك معنى نفسي آخر يصاحب تدبّر جمع >خالدين< في سياق امتثال المؤمن لطاعة الله ورسوله، وهو أن ذلك الجمع يشعر بكثرة المطيعين والملتزمين بحدود الشرع، فكثيراً ما يشعر المؤمن أنه وحيد في ساحة الالتزام والابتلاء، ولكن لفظ >خالدين< يبعث في نفسه الطمأنينة بأن هناك من هو، مثله، قابض على دينه، مستحضر لرقابة ربه، وقد ألمح الإمام البقاعي(12) إلى هذا المعنى بقوله: >وجمع الفائزين بدخول الجنة في قوله >خالدين فيها<، يشير إلى كثرة الواقفين على الحدود، ولأن منادمة الإخوان من أعلى نعيم الجنان<(13)
    ولا شك أن هذين المعنيين كفيلان بأن يمنحا روح المؤمن قوة وثقة تجعلانه يسلك طريق الابتلاء في الحياة الدنيا بقلب مطمئن ويقين ثابت·
    والحاصل أن تلك القوة رحمة، وذلك الشعور رحمة، والإيحاء إليهما بأسلوب الذكر والحذف والإفراد والجمع والاستغراق والتبعيض هو الآخر مظهر من مظاهر الرحمة المعروضة في الخطاب القرآني، أو هو وسيلة أسلوبية للشعور بها وتذوقها·
    وإذا أضفنا إلى تلك الأساليب والصيغ أسلوب أول آية افتتح بها القرآن الكريم: >بسم الله الرحمن الرحيم<، وبحثنا في أسرار انتقاء صفة الرحمة من جموع صفات الذات العلية، وقمنا بإحصاء موارد ذكر صفة الرحمة والمغفرة في الخطاب القرآني، ومقارنتها بموارد ذكر صفة >شديد العقاب< و>شديد العذاب<، فإن النتيجة البارزة هي أن الرحمة روح تسري في خطاب القرآن ليس على المستوى الدلالي فقط، وإنما على المستوى الأسلوبي بالدرجة الأولى·
    ويمكن أن يستحضر، في سياق ذلك البحث والإحصاء، كيف أن لفظ >الرحمة< كتب، في الرسم القرآني، بتاء مبسوطة على الشكل التالي >الرحمت<، وذلك من أجل الدلالة، إشارياً، إلى انبساط رحمة الله وانفتاحها وتجاوزها لمختلف أشكال الحدود والربط والانغلاق، وفي ذلك لفت لإحساس المسلمين بأن يتحولوا، في واقع الحياة، إلى نماذج تعكس أسلوبية الرحمة وجماليتها في الخطاب القرآني، ويكونوا آيات تمثل أسلوبية الرحمة وجماليتها في الحياة·

    الهوامش
    1 ـ هذا الوصف طرف من حديث رواه الترمذي في جامعه: >كتاب ثواب القرآن< (باب ما جاء في فضل القرآن)، وقال: >هذا لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال< ج 11/30·
    وأورده البغوي في >شرح السنة<، حديث رقم: 1181، ج4/438 وقال محققاً الشرح: >الحارث هو ابن الأعور الهمداني صاحب علي، كان فقيهاً فرضياً، وثقه ابن معين والنسائي، وأحمد بن صالح، وابن أبي داود، وتكلم فيه النووي وابن المديني وأبوزرعة والدارقطني وغيرهم·· والجمهور على توهينه· وتعقبه الحافظ في >التهذيب< بقوله: >لم يحتج به النسائي، وإنما أخرج له في >السنن< حديثاً واحداً مقروناً بابن ميسرة، وآخر في >اليوم والليلة<·
    وقال الحافظ ابن كثير في >فضائل القرآن<: وقصارى القول أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح·
    2 ـ انظر: محمد إقبال عروي: >اطرادات أسلوبية في الخطاب القرآني<، دار الأمان، الرباط، ط:1، 1996م·
    3 ـ رواه البخاري في صحيحه، باب ما جاء في صفة الجنة، حديث رقم: 3072، ج3 ص 1185، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها، حديث رقم: 2824، ج4 ص 2174، والترمذي في جامعه، باب سورة السجدة، ج5 ص346، وقال: هذا حديث حسن صحيح·
    4 ـ الزمخشري: >الكشاف<، ج2، ص369·
    5 ـ هو محمود بن حمزة بن نصر الكرماني، عاش في حدود الخمسمئة، وتوفي بعدها، لم يرحل عن بلده >كرمان< مما قد يفسر جهل مصنفي الطبقات بتاريخ ولادته، ووفاته وأسماء شيوخه·
    من تصانيفه: >لباب التفسير وعجائب التأويل<، أشار إليه السيوطي في >تناسق الدرر<، و>الإيجاز في النحو< و>البرهان في توجيه متشابه القرآن<، انظر ترجمته في >معجم الأدباء<، ج19 ص125، و>بغية الوعاة< ج2 ص277·
    6 ـ الكرماني: >البرهان في توجيه متشابه القرآن<، تحقيق: عبدالله عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1 1986م، ص43·
    7 ـ الطبري: >جامع البيان عن تأويل آي القرآن<، ج3، ص94، وبهذا التأمل، يسقط تأويل بعض نحاة البصرة من أن: >من< زائدة، انظر المرجع نفسه·
    8 ـ المخطوط بعنوان: >تقييد على آية: >تلك حدود الله< للشيخ أبي الفيض سيدي حمدون بن الحاج، ضمن مجموع يحمل رقم (1348د) بالخزانة العامة في الرباط·
    9 ـ أبوالفيض حمدون بن عبدالرحمن الشهير بابن الحج، ولد سنة 1174هـ، أخذ عن الشيخ الطيب بن كيران والتاودي والبناني واليازغي، وحج ولقي أعلاماً، وأخذ عنه ابناه محمد الطالب ومحمد والشيخ عبدالقادر الكوهن، توفي سنة 1232هـ· له مصنفات كثيرة منها حاشية على تفسير أبي السعود ومختصر السعد ومنظومة في السيرة وأرجوزة في المنطق وأخرى في علم الكلام، ومقصورة في علم العروض، ونظم مقدمة ابن حجر وشرحها في كتابه >نفحة المسك الداري لقارئ صحيح البخاري<·
    وقد أفرد له ابنه محمد الطالب ترجمة طويلة في كتابه: >رياض الورد فيما انتهى إليه هذا الجوهر الفرد<، حققه د·جعفر بن الحاج السلمي الأستاذ في كلية الآداب في تطوان·
    ولأبي الفيض ديوان شعري بعنوان: >النوافح الغالية في الأمداح السليمانية<، حققه د·أحمد العراقي الأستاذ في كلية الآداب، ظهر المهراز في فاس·
    وله تقييدات وحواشي في التفسير، عملنا على تحقيقها برفقة الباحث الموريتاني الأستاذ >بومية بن محمد السعيد<، وهي، إن شاء الله، في طريقها إلى النشر ضمن سلسلة: >الحلقة الإفريقية للتحقيق<·
    انظر ترجمته في >شجرة النور الزكية<، ص 379 ـ 380، و>رياض الورد···< بتحقيق الأستاذ جعفر بن الحاج السلمي·
    10 ـ أبوسعيد فرج بن قاسم بن لب التغلبي الغرناطي، ولد سنة 107هـ، ولي الخطابة والإفتاء في غرناطة، أخذ عنه الشاطبي وابن سراج والإمام الحفار ولسان الدين بن الخطيب ومحمد بن جزي، وأكثر المواقف من النقل عنه في >شرح المختصر< توفي سنة 782هـ·
    انظر ترجمته في >شجرة النور الزكية<، ص230، و>الأعلام< ج5 ص140، و>موسوعة أعلام المغرب<، ج2 ص694·
    11 ـ سيدي حمدون بن الحاج: >تقييد على آية >تلك حدود الله<، (مخ)، ص221·
    12 ـ أبوالحسن برهان الدين إبراهيم بن عمر بن علي بن أبي بكر البقاعي، أصله من البقاع في سورية، ولد سنة 908هـ، وسكن دمشق، ورحل إلى بيت المقدس والقاهرة، وتوفي في دمشق سنة 588هـ، قرأ على علماء أجلاء منهم التاج بن بهاء والجزري والتقي الحصني والتاج الغرابيلي والحافظ ابن حجر·
    له مصنفات كثيرة منها: >عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران<، و>الباحة في علمي الحساب والمساحة<، غير أن أهم مصنفاته هو: >نظم الدرر في تناسب الآيات والسور< الذي قال فيه الشوكاني: >ومن أمعن النظر في كتاب المترجم له في التفسير، الذي جعله من المناسبة بين الآي والسور، علم أنه من أوعية العلم المفرطين في الذكاء الجامعين بين علمي المعقول والمنقول<، وله ديوان شعر سماه: >إشعار الواعي بأشعار البقاعي<، كان بينه وبين معاصره السخاوي انحراف، ظهرت آثاره في ترجمة هذا الأخير له في كتابه >الضوء اللامع<·
    انظر ترجمته في: >البدر الطالع< ج1 ص18 ـ 19، و>الضوء اللامع< ج1 ص101، وشذرات الذهب، ج7 ص339، و>الأعلام< ج1 ص56·
    13 ـ البقاعي: >نظم الدرر في تناسب الآيات والسور<، ج5 ص214·




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •