صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 32 من 32

الموضوع: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    33,914

    افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد



    صفحات مِن ذاكرة التاريخ (21)
    موقعة صفين (37هـ) "الأسباب والنتائج"


    زين العابدين كامل


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فقد ذكرنا في المقال السابق أن أهل الشام رفضوا بيعة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وطالب معاوية -رضي الله عنه- بالقصاص مِن قتلة عثمان -رضي الله عنه-، ثم تقابل الطرفان في صفين، ورأينا كيف كفـَّر الخوارج أهل الشام دون بينةٍ أو دليل، وهكذا إذا وُجدت الدماء ظهرت بدعة المبتدع، وظهر الفكر المنحرف، وظهرت العقائد الفاسدة، وهذا ما يحدث اليوم مِن التساهل والتسرع في تكفير الناس بلا برهان ولا دليل؛ لذا وجب على أهل السُّنة أن يقفوا أمام هذه البدع لا سيما في أوقات الفتن وإذا سالت الدماء، وأن يبينوا الحق للناس.

    محاولات الصلح:

    ما إن دخل شهر المحرم حتى بادر الفريقان إلى الموادعة والهدنة طمعًا في صلح يحفظ دماء المسلمين، فاستغلوا هذا الشهر في المراسلات بينهم، وقيل إن البادئ بالمراسلة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- إلى معاوية -رضي الله عنه-، يدعوه كما دعاه مِن قبْل إلى الدخول في الجماعة والمبايعة، فرد معاوية عليه برده السابق المعروف بتسليم قتلة عثمان أو القود منهم أولاً ثم يدخل في البيعة, كما أن قراء الفريقين قد عسكروا في ناحية مِن صفين، وهم عدد كبير، قد قاموا بمحاولاتٍ للصلح بينهما، فلم تنجح تلك المحاولات لالتزام كل فريق منهما برأيه وموقفه(1).

    وقد حاول اثنان مِن الصحابة، وهما أبو الدرداء وأبو أمامة -رضي الله عنهما- الصلح بيْن الفريقين، فلم تنجح مهمتهما أيضًا لنفس الأسباب السابقة، فتركا الفريقين ولم يشهدا معهما أمرهما, وكذلك حضر مسروق بن الأجدع أحد كبار التابعين فوعظ وخوف، ولم يقاتِل(2).

    وقوع القتال بيْن الفريقين:

    لقد فشلتْ محاولات الصلح بيْن الفريقين، ثم خرج علي -رضي الله عنه- وأعلن في جيشه أن غدًا الأربعاء سيكون الالتحام الكلي لجميع الجيش، ثم نبذ معاوية يخبره بذلك(3), فثار الناس في تلك الليلة إلى أسلحتهم يصلحونها ويحدونها، وقام عمرو بن العاص -رضي الله عنه- بإخراج الأسلحة وهو يحرض الناس على الاستبسال في القتال، وبات جميع الجيشين في مشاوراتٍ وتنظيم للقيادات والألوية.

    وأصبح الجيشان في يوم الأربعاء وقد نظمت صفوفهم, وتقابلت الجيوش الإسلامية، ومِن كثرتها قد سدت الأفق، والتحم الجيشان في قتال عنيف، استمر محتدمًا إلى غروب الشمس لا يتوقف إلا لأداء الصلاة، ويصلي كل فريق في معسكره وبينهما جثث القتلى في الميدان تفصل بينهما، وسأل أحد أفراد جيش علي -رضي الله عنه- حين انصرافه مِن الصلاة، فقال: ما تقول في قتلانا وقتلاهم يا أمير المؤمنين؟ فقال: مَن قتل منا ومنهم يريد وجه الله والدار الآخرة دخل الجنة(4).

    وقد صبر بعضهم على بعض فلم يغلب أحدٌ أحدًا، ولم يُرَ موليًا حتى انتهى ذلك اليوم، وفي المساء خرج علي -رضي الله عنه- إلى ساحة القتال فنظر إلى أهل الشام، فدعا ربه قائلاً: اللهم اغفر لي ولهم(5).

    وفي يوم الخميس اشتبك الطرفان في قتال عنيف أشد مِن سابقه، وبدأ أهل العراق في التقدم وأظهروا تفوقًا على أهل الشام، واستطاع عبد الله بن بديل أن يكسر ميسرة معاوية، وعليها حبيب بن مسلمة، ويتقدم باتجاه كتيبة معاوية (الشهباء)، وصاحب هذا التقدم الجزئي، تقدم عام لجيش العراق، وهنا استحث معاوية كتيبته الشهباء، واستطاعوا قتل عبد الله بن بديل، وتماسك أهل الشام وبايع بعضهم على الموت، وانقلب الأمر لجيش الشام، وأظهر تقدمًا، وبدأ جيش العراق في التراجع، واستحر القتل في أهل العراق وكثرت الجراحات.

    ولما رأى علي -رضي الله عنه- جيشه في تراجع، أخذ يناديهم ويحمسهم، وقاتل قتالاً شديدًا، واتجه إلى القلب حيث ربيعة؛ فثارت فيهم الحمية وبايعوا أميرهم خالد بن المعتمر على الموت وكانوا أهل قتال، وكان عمّار بن ياسر -رضي الله عنه- قد جاوز التسعين عامًا، وكان يحارب بحماس، يحرض الناس ويستنهض الهمم، ولكنه بعيد كل البعد عن الغلو، فقد سمع رجلاً بجواره يقول: كفر أهل الشام؛ فنهاه عمار عن ذلك وقال: إنما بغوا علينا، فنحن نقاتلهم لبغيهم، فإلهنا واحد، ونبينا واحد، وقبلتنا واحدة(6)، وهذا هو الفهم الصحيح لقضايا الكفر والإيمان، وهذا هو التطبيق العملي لتنحية العاطفة وتغليب المنهج، وعمار يقول: تقدم يا هشام، الجنة تحت ظلال السيوف، والموت في أطراف الأسل(7), وقد فتحت أبواب السماء، وتزينت الحور العين، اليوم ألقى الأحبة، محمدًا وحزبه(8).

    وعند غروب شمس ذلك اليوم الخميس، طلب عمار شربة مِن لبن ثم قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لي: إن آخر شربة تشربها مِن الدنيا شربة لبن(9), ثم تقدَّم واستحث معه حامل الراية هشام بن عتبة بن أبي وقاص الزهري فلم يرجعا وقُتلا -رحمهما الله ورضي عنهما-(10)، ثم عادت الحرب في نفس الليلة بشدة لم تشهدها الأيام السابقة، وكان اندفاع أهل العراق بحماس وروح عالية حتى أزالوا أهل الشام عن أماكنهم, وذكر أن عليًّا -رضي الله عنه- صلى بجيشه المغرب صلاة الخوف(11)، ومِن شدة القتال، فنيت نبالهم، واندقت رماحهم، وانقصفت سيوفهم، ومشى بعضهم إلى بعض، وتضاربوا بما بقي مِن السيوف وعمد الحديد(12).

    وقال ابن كثير -رحمه الله- في وصف ليلة الهرير ويوم الجمعة: وتعاضوا بالأسنان، يقتتل الرجلان حتى يثخنا ثم يجلسان يستريحان، وكل واحد منهما ليهمر على الآخر(13)، ثم يقومان فيقتتلان كما كانا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولم يزل ذلك دأبهم حتى أصبح الناس مِن يوم الجمعة، وهم كذلك، وصلى الناس الصبح إيماءً وهم في القتال حتى تضاحى النهار، وتوجه النصر لأهل العراق على أهل الشام(14).

    وكان قتل عمّار -رضي الله عنه- شديدًا على جيش علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، لكنه كان أشد على جيش الشام؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أخبر أن عمارًا -رضي الله عنه- تقتله الفئة الباغية، وقد كان عمار علمًا لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتبعونه حيث سار، وكان خزيمة بن ثابت حضر صفين وكان كافًا سلاحه، فلما رأى مقتل عمار سل سيفه وقاتل أهل الشام، وذلك لأنه سمع حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن عمار: (تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ) (رواه البخاري)، واستمر في القتال حتى قُتل(15)، وكان لمقتل عمّار أثر في معسكر معاوية، فهذا أبو عبد الرحمن السلمي دخل في معسكر أهل الشام، فرأى معاوية وعمرو بن العاص وابنه عبد الله بن عمرو، وأبا الأعور السلمي، عند شريعة الماء يسقون، وكانت هي شريعة الماء الوحيدة التي يستقي منها الفريقان، وكان حديثهم عن مقتل عَمّار بن ياسر، إذ قال عبد الله بن عمرو لوالده: لقد قتلنا هذا الرجل وقد قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ)، فقال عمرو لمعاوية: لقد قتلنا الرجل وقد قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما قال! فقال معاوية: اسكت فوالله ما تزال تدحض(16) في بولك، أنحن قتلناه؟! إنما قتله مَن جاء به(17).

    وجاء في رواية: أن معاوية -رضي الله عنه- قال: أنحن قتلناه؟! إنما قتله علي وأصحابه، وجاءوا به حتى ألقوه بيْن رماحنا، أو قال: بيْن سيوفنا وانتشر تأويل معاوية بيْن أهل الشام، وهذه الكلمة مِن معاوية -رضي الله عنه- ليستْ في محلها في هذا الموطن؛ لأن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- كان على الحق في هذا الخروج.

    قال ابن كثير -رحمه الله-: "ومعلوم أن عمارًا كان في جيش على يوم صفين، وقتله أصحاب معاوية مِن أهل الشام، وكان الذي تولى قتله رجل يُقال له أبو الغادية، رجل مِن أفناد الناس، وقيل: إنه صحابي". ويخبر عمرو بن العاص، -رضي الله عنه-، الخبر فيقول: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: قاتل عمار وسالبه في النار(18).

    فلما استحر القتل بأهل الشام قال عمرو لمعاوية: أرسل إلى علي المصحف؛ فادعه إلى كتاب الله، فإنه لا يأبى عليك، فجاء به رجل فقال: بيننا وبينكم كتاب الله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ) (آل عمران:23)، فقال علي: نعم، أنا أولى بذلك، فقام القُراء -الذين صاروا بعد ذلك خوارج- بأسيافهم على عواتقهم فقالوا: يا أمير المؤمنين ألا نمشي إلى هؤلاء حتى يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقام سهل بن حنيف الأنصاري -رضي الله عنه- فقال: أيها الناس، اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية، ولو نرى قتالاً لقاتلنا، وذلك في الصلح الذي بيْن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين المشركين، ثم حدثهم عن معارضة عمر -رضي الله عنه- للصلح يوم الحديبية ونزول سورة الفتح على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال علي: أيها الناس، إن هذا فتح، فقبل القضية ورجع، ورجع الناس(19)، ويروى أن عليًّا -رضي الله عنه- قد أبدى معارضة في بداية الأمر، ولكنه سرعان ما وافق على التحكيم والتحاكم إلى كتاب الله -تعالى-(20).

    وهكذا كان الصحابة -رضي الله عنهم- يتعلمون مِن سيرة رسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فهي المنهج الحقيقي الواضح الصافي في كيفية التعامل مع الواقع، وأظهر سهل بن حنيف -رضي الله عنه- رفضه الشديد حول استمرار الحرب بيْن الإخوة، وقال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ" (رواه البخاري)، وبيَّن لهم أنه لا خيار عن الحوار والصلح؛ لأن ما سواه فتنة لا تُعرف عواقبها.

    إن الدعوة إلى تحكيم كتاب الله دون التأكيد على تسليم قتلة عثمان إلى معاوية، وقبول التحكيم دون التأكيد على دخول معاوية في طاعة علي والبيعة له، تطور فرضته أحداث حرب "صفين"؛ إذ إن الحرب التي أودت بحياة الكثير مِن المسلمين أبرزت اتجاهًا جماعيًّا رأى أن وقف القتال وحقن الدماء أصبح ضرورة.

    إن أمير المؤمنين عليًّا -رضي الله عنه- قَبِل وقف القتال في صفين، ورضي التحكيم وعدَّ ذلك فتحًا ورجع إلى الكوفة، وعلق على التحكيم آمالاً في إزالة الخلاف وجمع الكلمة، ووحدة الصف، وتقوية الدولة، وإعادة حركة الفتوح مِن جديدٍ، وقد خشي عددٌ مِن عقلاء الطرفين مِن استمرار القتال حتى لا يهلك المسلمون؛ فيستغل الأعداء ذلك، ويستأصلوا الإسلام، فلا تقوم له بعد ذلك قَوْمة!

    وكان عقلاء الكوفة أسبق إلى الموادعة؛ فهذا الأشعث بن قيس الكندي لمَّا اشتد القتال خطب في قومه -أهل الكوفة- في المساء خطبته التي قادت للصلح؛ فقال: "قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي، وما قد فني فيه مِن العرب، فوالله لقد بلغتُ مِن السن ما شاء الله أن أبلغ، فما رأيتُ مثل هذا اليوم قَطُّ؛ ألا فليبلغ الشاهد الغائب، إنْ نحن تواقفنا غدًا إنه لفناء العرب وضيعة الحرمات، أما والله ما أقول هذه المقالة جزعًا مِن الحتف، ولكني رجل مسنّ أخاف على النساء والذراري غدًا إذا فنينا، اللهم إنك تعلم أني قد نظرتُ لقومي ولأهل ديني فلم آلُ، وما توفيقي إلا بالله"(21).

    فلما وصل الخبر معاوية -رضي الله عنه- بخطبة الأشعث قال: أصاب ورب الكعبة، لئن نحن التقينا غدًا لتميلن الروم على ذرارينا ونسائنا، ولتميلنَّ أهل فارس على نساء أهل العراق وذراريهم، وإنما يبصر هذا ذوو الأحلام والنُّهى؛ اربطوا المصاحف على أطراف القَنَا -أي الرماح-، قال صعصعة: فثار أهل الشام فنادوا في سواد الليل: يا أهل العراق، مَن لذرارينا إن قتلتمونا، ومَن لذراريكم إن قتلناكم؟ اللهَ الله في البقية!

    فأصبح أهل الشام وقد رفعوا المصاحف على رءوس الرماح وقلدوها الخيل، والناس على الرايات قد اشتهوا ما دعوا إليه، ورفع مصحف دمشق الأعظم تحمله عشرة رجال على رءوس الرماح، ونادوا: يا أهل العراق، كتاب الله بيننا وبينكم(22).

    لقد كان رفع المصاحف عملاً رائعًا اشترك فيه العقلاء مِن الفريقين، وتُوِّج بموافقة أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه-؛ إذ قال: "نعم، بيننا وبينكم كتاب الله، أنا أولى به منكم"(23).

    ونستكمل في المقال القادم -إن شاء الله تعالى-.

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــ

    (1) تاريخ الرسل والملوك للطبري (5/ 612، 613).

    (2) سير أعلام النبلاء للذهبي (4/ 67).

    (3) البداية والنهاية لابن كثير (7/ 273).

    (4) الطبقات لابن سعد (4/ 255) من طريق الواقدي.

    (5) المصنف في الأحاديث والآثار لابن أبي شيبة (15/ 297).

    (6) المصنف في الأحاديث والآثار لابن أبي شيبة (15/ 290).

    (7) الأسل: الرماح، والأَسَل: عِيدانٌ تَنْبُتُ طِوَالًا دِقَاقاً مُسْتَوِيَةً لَا وَرَقَ لَهَا يُعْمَل مِنْهَا الحُصُر. والأَسَل: شَجَرٌ. وَيُقَالُ: كُلُّ شَجَرٍ لَهُ شَوْكٌ طَوِيلٌ فَهُوَ أَسَل، وَتُسَمَّى الرِّمَاحُ أَسَلًا، ابن منظور، لسان العرب (11/15).

    (8) تاريخ الرسل والملوك للطبري (5/ 652).

    (9) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"، وأحمد، والحاكم وقال:"صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي.

    (10) تاريخ الرسل والملوك للطبري (5/ 653).

    (11) السنن الكبرى للبيهقي. وقال الألباني: "رواه البيهقي بصيغة التمريض" (إرواء الغليل 3/ 42).

    (12) شذرات الذهب في أخبار مَن ذهب.

    (13) هَمَرَ الرَّجُلُ: دَمْدَمَ بِغَضَبٍ.

    (14) البداية والنهاية لابن كثير (7/ 283).

    (15) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للإمام الهيثمي، المحقق: حسام الدين القدسي، الناشر: مكتبة القدسي، القاهرة، 1414هـ - 1994م، وقال فيه: "رواه الطبراني وفيه أبو معشر وهو لين".

    (16) الدَّحْضُ: الزَّلَقُ، والإِدْحاضُ: الإِزْلاقُ، الدُّحَّضُ: جَمْعُ داحِضٍ، وَهُمُ الَّذِينَ لَا ثَبَاتَ لَهُمْ وَلَا عَزِيمَةَ فِي الأُمور، ابن منظور، لسان العرب (7/ 148).

    (17) مسند أحمد (2/ 206)، وإسناده حسن.

    (18) السلسلة الصحيحة للألباني (5/ 18، 19).

    (19) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (8/ 336)، وفي مسند أحمد مع الفتح الرباني (8/ 483).


    (20) تاريخ الرسل والملوك للطبري (5/49).

    (21) نصر بن مزاحم المنقري (المتوفى سنة 212هـ) وقعة صفين، تحقيق عبد السلام هارون.

    (22) نصر بن مزاحم المنقري، وقعة صفين ص880.

    (23) المصنف لابن أبي شيبة 8/ 376، والبلاذري: أنساب الأشراف (3/ 131).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    33,914

    افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد

    صفحات مِن ذاكرة التاريخ (22)
    موقعة صفين (37هـ) "الأسباب والنتائج"


    زين العابدين كامل



    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فلقد ذكرنا في المقال السابق أحداث موقعة "صفين"، وما هي الأسباب التي أدت إلى وقوع القتال بيْن أهل الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- وبيْن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وأتباعه مِن أهل العراق والحجاز، وغيرهم، ثم كان رفع المصاحف مِن قِبَل أهل الشام، وموافقة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- على التحاكم إلى كتاب الله -تعالى-.
    ونود أن نشير إلى بعض الأمور حول الموقعة.
    الأخلاق الحسنة أثناء الحرب:
    إن وقعة "صفين" كانت مِن أعجب الوقائع بيْن المسلمين؛ لقد كانت معركة فريدة في بواعثها، وفي طريقة أدائها؛ فكان المتقاتلون إخوة يذهبون معًا إلى مكان الماء فيستقون جميعًا، ويزدحمون وهم يغرفون الماء، وما يؤذي إنسان إنسانًا!(1).
    وهم إخوة يعيشون معًا عندما يتوقف القتال؛ فيٌروى عن أحد المشاركين أنه قال: "كنا إذا تَوَادَعْنَا مِن القتال دخل هؤلاء في معسكر هؤلاء، وهؤلاء في معسكر هؤلاء، وتحدثوا إلينا وتحدثنا إليهم"، وهم أبناء قبيلة واحدة، ولكلٍّ منهما اجتهاده؛ فيقاتل أبناءُ القبيلة الواحدة كل في طرف قتالاً مريرًا، وكل منهما يرى نفسه على الحق، وعنده الاستعداد لأن يُقتَل مِن أجله، فكان الرجلان يقتتلان حتى يُثْخَنا (وهنًا وضعفًا) ثم يجلسان يستريحان، ويدور بينهما الكلام الكثير، ثم يقومان فيقتتلان كما كانا, وهما أبناء دين واحد يجمعها، وهو أحب إليهما مِن أنفسهما، فإذا حان وقت الصلاة توقفوا لأدائها(2).
    وظهر في هذه الحرب نماذج متعددة حول المعاملة الحسنة للأسرى.
    قال محب الدين الخطيب -رحمه الله- معلِّـقًا على هذه الحرب: "ومع ذلك، فإن هذه الحرب المثالية هي الحرب الإنسانية الأولى في التاريخ التي جرى فيها المتحاربان معًا على مبادئ الفضائل التي يتمنى حكماء الغرب لو يعمل بها في حروبهم، ولو في القرن الحادي والعشرين، وإن كثيرًا مِن قواعد الحرب في الإسلام لم تكن لتعلم وتدون لولا وقوع هذه الحرب، ولله في كل أمر حكمة(3)".
    وها هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- للمرة الثانية يتعامل مع الخصم المنهزم معاملة حسنة لا يتعامل بها منتصر مع خصمه الذي أوشك على الهزيمة.
    عدد القتلى:
    ذكر ابن أبي خيثمة أن القتلى في "صفين" بلغ عددهم سبعين ألفًا؛ مِن أهل العراق خمسة وعشرون ألفًا، ومِن أهل الشام خمسة وأربعون ألف مقاتل، كما ذكر ابن القيم -رحمه الله- أن عدد القتلى في "صفين" بلغ سبعين ألفًا أو أكثر(4).
    وهذه الأرقام ربما يكون قد بالغ البعض فيها، لكن بلا شك كثر عدد القتلى في هذه المعركة، وقد قام أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- بعد نهاية الجولات الحربية بتفقد القتلى، وقد وقف عليٌّ -رضي الله عنه- على قتلاه وقتلى معاوية -رضي الله عنه- فقال: "غفر الله لكم، غفر الله لكم" للفريقين جميعًا!
    وعن يزيد بن الأصم قال: لما وقع الصلح بيْن علي ومعاوية -رضي الله عنهما-، خرج علي -رضي الله عنه- فمشى في قتلاه، فقال: "هؤلاء في الجنة، ثم خرج إلى قتلى معاوية فقال: هؤلاء في الجنة"، وكان علي -رضي الله عنه- يَنهى عن شتم معاوية ولعن أهل الشام(5).
    قضية التحكيم:
    تم الاتفاق بيْن الفريقين على التحكيم بعد انتهاء موقعة "صفين"، وهو أن يُحكِّم كل واحد منهما رجلاً مِن جهته ثم يتفق الحكمان على ما فيه مصلحة المسلمين، فوكّل معاوية عمرو بن العاص، ووكل عليٌّ أبا موسى الأشعري -رضي الله عنهم جميعًا-، واختيار علي -رضي الله عنه- لأبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- فيه إشارة إلى ميل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى الصلح والحل السلمي؛ لأن هذا هو الطبع الغالب على أبي موسى -رضي الله عنه-.
    وكُتبتْ بيْن الفريقين وثيقة في ذلك، وكان ذلك في يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت مِن صفر، سنة سبع وثلاثين، على أن يكون مقر اجتماع الحكمين في دومة الجندل(6) في شهر رمضان مِن نفس العام، وقد رأى قسمٌ مِن جيش علي -رضي الله عنه- أن عمله هذا ذنب يوجب الكفر؛ وذلك لأنه حكّم الرجال في دين الله! فعليه أن يتوب إلى الله -تعالى-، وخرجوا عليه "فسموا الخوارج"؛ فأرسل علي -رضي الله عنه- إليهم ابن عباس -رضي الله عنهما- فناظرهم وجادلهم، ثم ناظرهم علي -رضي الله عنه- بنفسه، فرجعت طائفة منهم وأبت طائفة أخرى، فجرت بينهم وبيْن علي -رضي الله عنه- حروب أضعفت مِن جيشه وأنهكت أصحابه، وما زالوا به حتى قتلوه غيلة.
    وسنذكر في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى- نص المناظرة، وتعد قضية التحكيم مِن أخطر الموضوعات في تاريخ الخلافة الراشدة، وقد تاه فيها كثير مِن الكُتاب، وتخبَّط فيها آخرون وسطروها في كتبهم ومؤلفاتهم، وقد اعتمدوا على الروايات الضعيفة والموضوعة التي شوهت الصحابة الكرام -رضي الله عنهم-، وخصوصًا أبا موسى الأشعري الذي وصفوه بأنه كان أبله، ضعيف الرأي، مخدوعًا في القول! ووصفوا عمرو بن العاص -رضي الله عنه- بأنه كان صاحب مكر وخداع!(7).
    وما فضل الصحابيين منا ببعيدٍ؛ فلقد أثنى عليهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مواطن كثيرة.
    ما نصت عليه "وثيقة التحكيم":
    1- هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب, ومعاوية بن أبي سفيان، وشيعتهما, فيما تراضيا فيه مِن الحكم بكتاب الله وسُنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
    2- قضية علي -رضي الله عنه- على أهل العراق شاهدهم وغائبهم, وقضية معاوية على أهل الشام شاهدهم وغائبهم.
    3- إنا تراضينا أن نقف عند حُكم القرآن فيما يحكم مِن فاتحته إلى خاتمته, نحيي ما أحيا، ونميت ما أمات؛ على ذلك تقاضينا، وبه تراضينا.
    4- وإن عليًّا -رضي الله عنه- وشيعته رضوا بعبد الله بن قيس ناظرًا وحاكمًا, ورضي معاوية بعمرو بن العاص ناظرًا وحاكمًا.
    5 - على أن عليًا ومعاوية أخذا على عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله -صلى الله عليه وسلم-, أن يتخذا القرآن إمامًا، ولا يعدوا به إلى غيره في الحكم بما وجداه فيه مسطورًا, وما لم يجدا في الكتاب رداه إلى سُنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجامعة؛ لا يعتمدان لها خلافًا, ولا يبغيان فيها بشبهة.
    6- وأخذ عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص على علي ومعاوية عهد الله وميثاقه بالرضا بما حكما به مما في كتاب الله وسُنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-, وليس لهما أن ينقضا ذلك ولا يخالفاه إلى غيره.
    7- وهما آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما، وأشعارهما وأبشارهما، وأهاليهما وأولادهما, ما لم يَعْدُوَا الحق, رضي به راضٍ أو سخط ساخط, وإن الأمة أنصارهما على ما قضيا به مِن الحق مما في كتاب الله.
    8 - فإن توفي أحد الحكمين قبْل انقضاء الحكومة؛ فلشيعته وأنصاره أن يختاروا مكانه رجلاً مِن أهل المعدلة والصلاح, على ما كان عليه صاحبه مِن العهد والميثاق.
    9- وإن مات أحد الأميرين قبْل انقضاء الأجل المحدود في هذه القضية, فلشيعته أن يولوا مكانه رجلاً يرضون عدله.
    10- وقد وقعت القضية بيْن الفريقين والمفاوضة، ورفع السلاح.
    11- وقد وجبت القضية على ما سميناه في هذا الكتاب مِن موقع الشرط على الأميرين، والحكمين، والفريقين, والله أقرب شهيد وكفى به شهيدًا؛ فإن خالفا وتعديا, فالأمة بريئة مِن حكمهما, ولا عهد لهما ولا ذمة.
    12- والناس آمنون على أنفسهم وأهاليهم وأولادهم وأموالهم إلى انقضاء الأجل, والسلاح موضوعة, والسبل آمنة, والغائب مِن الفريقين مثل الشاهد في الأمر.
    13- وللحكمين أن ينزلا منزلاً متوسطًا عدلاً بيْن أهل العراق والشام.
    14- ولا يحضرهما فيه إلا مَن أحبَّا عن تراضٍ منهما.
    15- والأجل إلى انقضاء شهر رمضان, فإن رأى الحكمان تعجيل الحكومة عجلاها, وإن رأيا تأخيرها إلى آخر الأجل أخَّراها.
    16- فإن هما لم يحكما بما في كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- إلى انقضاء الأجل؛ فالفريقان على أمرهما الأول في الحرب.
    17- وعلى الأمة عهد الله وميثاقه في هذا الأمر, وهم جميعًا يد واحدة على مَن أراد في هذا الأمر إلحادًا أو ظلمًا أو خلافًا، وشهد على هذا الكتاب الحسن والحسين, وعبد الله بن عباس -رضي الله عنهم-, وغيرهم كثير(8).
    وبعد ما كُتبت هذه الوثيقة بدأ علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يتوجه بجيشه إلى الكوفة، وعاد معاوية -رضي الله عنه- بجيشه إلى الشام، وبذلك توقف القتال، وتم دفن القتلى -رحمة الله عليهم أجمعين-.
    وفي سنة (40هـ) جرت بيْن عليٍّ وبيْن معاوية المهادنة -بعد مكاتبات جَرَتْ بينهما- على وضع الحرب بينهما، ويكون لعليٍّ العراق ولمعاوية الشام، فلا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش، ولا غارة، ولا غزو؛ فأقام معاوية بالشام بجنوده يجبيها وما حولها، وعلي بالعراق يجيبها ويقسمها بيْن جنوده(9).
    وبما أن الغاية الكبرى مِن دراسة التاريخ هي العبرة والعظة، واستخلاص الدروس المستفادة، كما قال الله -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف:111)؛ فسوف نستخلص في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى- الدروس والعِبَر مِن أحداث الموقعتين "الجمل وصفين".
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــ
    (1) تاريخ الرسل والملوك للطبري (5/ 610).
    (2) البداية والنهاية لابن كثير (7/ 270).
    (3) العواصم مِن القواصم لأبي بكر بن العربي، ص (168-169).
    (4) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة لابن القيم.
    (5) المصنف لابن أبي شيبة (15/ 303).
    (6) تقع دُومة على مشارف الشام، وقال أبو عبيد السكوني: "دومة الجندل حصن وقرى بيْن الشام والمدينة قرب جبلي طيّء"، وذكر الحموي في معجم البلدان أنها سُميت بذلك نسبة إلى حصن بناه دوماء بن إسماعيل، معجم البلدان (2/485).
    (7) قال ابن العربي -رحمه الله-: "وقد تكلم الناس في التحكيم فقالوا فيه ما لا يرضاه الله. وإذا لحظتموه بعين المروءة -دون الديانة- رأيتم أنها سخافة، حمل على سطرها في الكتب في الأكثر عدم الدين، وفي الأقل جهل متين!".
    والذي يصح مِن ذلك ما روى الأئمة كخليفة بن خياط والدارقطني أنه لما خرجت الطائفة العراقية مائة ألف، والشامية في سبعين أو تسعين ألفًا ونزلوا على الفرات بصفين، اقتتلوا في أول يوم وهو الثلاثاء ثم التقوا يوم الأربعاء لسبع خلون مِن صفر سنة "سبع وثلاثين"، ويوم الخميس ويوم الجمعة وليلة السبت، ورفعت المصاحف مِن أهل الشام، ودعوا إلى الصلح، وتفرقوا على أن تجعل كل طائفة أمرها إلى رجل حتى يكون الرجلان يحكمان بيْن الدعويين بالحق، فكان مِن جهة علي أبو موسى، ومِن جهة معاوية عمرو بن العاص، وكان أبو موسى رجلًا تقيًّا فقيهًا عالمًا، وأرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن مع معاذ، وقدَّمه عمرو وأثنى عليه بالفهم.
    وزعمت الطائفة التاريخية الركيكة أنه كان أبله، ضعيف الرأي، مخدوعًا في القول! وأن ابن العاص كان ذا دهاءٍ وأرب حتى ضربت الأمثال بدهائه تأكيدًا لما أرادتْ مِن الفساد؛ اتبع في ذلك بعض الجهال بعضًا وصنفوا فيه حكايات. وغيره مِن الصحابة كان أحدق منه وأدهى، وإنما بنوا على أن عمرًا لما غدر أبا موسى في قصة التحكيم صار له الذكر في الدهاء والمكر. وقالوا: إنما لما اجتمع بأذرح مِن دومة الجندل وتفاوضا، اتفقا على أن يخلعا الرجلين. فقال عمرو لأبي موسى: اسبق بالقول. فتقدم فقال: إني نظرت فخلعتُ عليًّا عن الأمر، وينظر المسلمون لأنفسهم، كما خلعت سيفي هذا مِن عنقي أو مِن عاتقي، وأخرجه مِن عنقه فوضعه في الأرض. وقام عمرو فوضع سيفه في الأرض وقال: إني نظرت فأثبت معاوية في الأمر كما أثبت سيفي هذا في عاتقي، وتقلده. فأنكر أبو موسى. فقال عمرو: كذلك اتفقنا. وتفرَّق الجمع على ذلك مِن الاختلاف" (انتهى بتصرف يسير مِن العواصم مِن القواصم).

    (8) تاريخ الرسل والملوك للطبري (5/ 665 - 666), والبداية والنهاية لابن كثير (7/ 276 - 277)، وانظر جمل مِن أنساب الأشراف للبلاذري، والأخبار الطوال للدينوري.
    (9) تاريخ الرسل والملوك للطبري ( 6/60)، والبداية والنهاية لابن كثير (7/336) والمنتظم لابن الجوزي (3 /404).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    33,914

    افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد




    صفحات مِن ذاكرة التاريخ (23)
    قراءة نقدية وتحليل لأحداث موقعتي "الجمل وصفين"









    زين العابدين كامل


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فلا شك أن الغاية الكبرى مِن دراسة التاريخ هي العبرة والعظة، واستخلاص الدروس المستفادة، قال الله -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف:111)، وعلى الباحث في التاريخ أن يتجرد مِن ميوله وأهوائه، وأن ينقل الحقيقة دون تحريف.

    وتاريخنا الإسلامي تاريخ مشرق في جملته، يمتلئ بالصفحات المشرقة، رغم ما فيه مِن بعض الأحداث المؤلمة، كبعض الأحداث التي وقعتْ في القرن الأول؛ فليس هناك أمة على وجه الأرض سار تاريخها على منوال واحدٍ مِن الانتصارات والفتوحات والازدهار، والحضارات المشرقة، فلكل أمة كبوة في فترةٍ مِن الزمن، طالت أو قصرت، وتاريخ أمة الإسلام مليء بالانتصارات والإنجازات، وقد فاق كل الأمم في رصيدها الحضاري.

    وإن المتأمل في هذه الأحداث الجسام التي وقعتْ منذ أن توفي أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- يَعلم أن ما حدث وما جرى في هذه الحقبة التاريخية يُعد مِن أشد المحن التي واجهت الأمة منذ بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإن الناظر والمتأمل في الأحداث بعين العدل والإنصاف، يعلم علم اليقين أن مسألة الحٌكم مِن أشد الأمور تعقيدًا، وقد ظهر ذلك جليًّا في نهاية عصر أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-، وفي مدة خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما-.

    قال محب الدين الخطيب -رحمه الله-: "وقد يظن مَن لا نظر له في حياة الشعوب وسياستها أن الحاكم يستطيع أن يكون كما يريد أن يكون حيثما يكون، وهذا خطأ؛ فللبيئة مِن التأثير في الحاكم، وفي نظام الحكم أكثر مما للحاكم ونظام الحكم مِن التأثير على البيئة، وهذا مِن معاني قول الله -عز وجل-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(1).

    وإذا تأملنا أحداث موقعتي "الجمل وصفين": نرى أنه كان مِن الصعوبة بمكان أن يسيطر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- على الأحداث، وأن يمسك بزمام الأمور ويسيطر على الدولة، وأن يٌرضى جميع الأطراف المختلفة والمتناحرة؛ وذلك لوجود عددٍ مِن السبئية في الصف ممن يهيجون المشاعر وينشرون الفتن، وإذا تعالت الأصوات وكثر الصراخ بيْن الناس، وكثرت الشائعات في المجتمع؛ أدى كل ذلك إلى ضعف صوت العقل، فلا يسمعه إلا القليل مِن الناس!

    ومما نتعلمه مِن هذه الأحداث التاريخية: أن الحماس وحده لا يكفي، وأن الإخلاص وحده لا يكفي أيضًا، بل لا بد مِن مراعاة الواقع والترجيح ما بيْن المصالح والمفاسد، وتقدير مواطن القوة والضعف، ولا بد مِن مراعاة المصالح العليا للعباد والبلاد، فدفع المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، ولا بد مِن تحمل الضرر الخاص لرفع الضرر العام، والذين طالبوا بدم عثمان -رضي الله عنه- نحسبهم جميعًا على خير، ولا نطعن في نواياهم، ولكنهم أخطأوا في اجتهادهم وتقديرهم للأمور، فكان مِن الأولى أن نحافظ على وحدة الأمة، وعلى دماء المسلمين حتى لو أدى ذلك إلى ارتكاب مفسدة هي أدنى مِن مفسدة أخرى، فالشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها, وتعطيل المفاسد وتقليلها؛ إذن فلابد مِن مراعاة قاعدة: "اعتبار القدرة والعجز"، وقاعدة: "تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما"، وقاعدة: "ارتكاب أخف المفسدتين لتفويت أشدهما"، وقاعدة: "اعتبار المآلات"، وهذا ما أصاب فيه أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- وأخطأ فيه غيره، بل ودلَّ موقفه على فقهه وفطنته -رضي الله عنه-.

    ومما نتعلمه أيضًا: أن الحماس الممزوج بالعاطفة فقط دون مراعاة الضوابط السابقة لا يتلاءم مع منهجية التغيير الصحيحة.

    ومما نتعلمه أيضًا: أن الجلوس على مائدة المفاوضات والسعي في الإصلاح بيْن الأطراف المختلفة والمتناحرة، هو مِن أسباب حفظ دماء المسلمين، ومِن أسباب ضعف شدة الخلاف بيْن الأطراف المختلفة، حتى لو طالتْ فترة السعي في الإصلاح، فمع مرور الوقت تهدأ النفوس وتطيب؛ لذا رأينا أن الحكمين ومَن معهما لم يستطيعوا أن يصلوا إلى حل جذري في القضية، لكن مجرد جلوسهم كان بمثابة الدواء للجرح الغائر، ووقف نزيف الدم.

    ثم إن الواجب علينا في هذه الفتنة: الإمساك عما شجر بيْن الصحابة إلا فيما يليق بهم -رضي الله عنهم-؛ لما يسببه الخوض في ذلك مِن توليد العداوة والحقد، والبغض لأحد الطرفين، ويجب على كل مسلم أن يحب الجميع ويرضى عنهم ويترحم عليهم, ويحفظ لهم فضائلهم, ويعترف لهم بسوابقهم, وينشر مناقبهم, وأن الذي حصل بينهم إنما كان عن اجتهاد, والجميع مثابون في حالتي الصواب والخطأ؛ غير أن ثواب المصيب ضعف ثواب المخطئ في اجتهاده, وأن القاتل والمقتول مِن الصحابة في الجنة، وهذا هو مذهب أهل السُّنة والجماعة أن عليًّا -رضي الله عنه- هو المصيب، وإن كان معاوية -رضي الله عنه- قد اجتهد فأخطأ, وهو مأجور -إن شاء الله-, ولكن عليًّا هو الإمام؛ فله أجران كما ثبت في صحيح البخاري: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ)(2)، وقال -تعالى-: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات:9).

    ففي هذه الآية أمر الله -تعالى- بالإصلاح بيْن المؤمنين إذا ما جرى بينهم قتال؛ لأنهم إخوة, وهذا الاقتتال لا يخرجهم عن وصف الإيمان حيث سمَّاهم الله -عز وجل- مؤمنين، وأمر بالإصلاح بينهم، وإذا كان حصل اقتتال بيْن عموم المؤمنين ولم يخرجهم ذلك مِن الإيمان؛ فأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين اقتتلوا في موقعة الجمل وبعدها أول مَن يدخل في اسم الإيمان الذي ذُكِر في هذه الآية, فهم لا يزالون عند ربهم مؤمنين إيمانًا حقيقيًّا، ولم يؤثـِّر ما حصل بينهم مِن شجار في إيمانهم بحال؛ لأنه كان عن اجتهادٍ.

    وقد سئل عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- عن القتال الذي حصل بيْن الصحابة، فقال: "تلك دماء طهر الله يدي منها؛ أفلا أطهر منها لساني؟! مثل أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثل العيون, ودواء العيون ترك مسها!".

    قال البيهقي -رحمه الله- معلقًا على قول عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: "هذا حسن جميل؛ لأن سكوت الرجل عما لا يعنيه هو الصواب".

    وسئل الحسن البصري -رحمه الله- عن قتال الصحابة فيما بينهم، فقال: "قتال شهده أصحاب محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وغبنا, وعلموا وجهلنا, واجتمعوا فاتبعنا, واختلفوا فوقفنا"(3).

    وقال الإمام أحمد -رحمه الله- بعد أن قيل له: "ما تقول فيما كان بيْن علي ومعاوية -رضي الله عنهما-؟ قال: ما أقول فيهم إلا الحسنى".

    وقال أبو بكر بن الطيب الباقلاني: "ويجب أن يُعلم أن ما جرى بيْن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم-, مِن المشاجرة؛ نكف عنه، ونترحم على الجميع، ونثني عليهم، ونسأل الله -تعالى- لهم الرضوان والأمان، والفوز والجنان, ونعتقد أن عليًّا -رضي الله عنه- أصاب فيما فعل وله أجران, وأن الصحابة -رضي الله عنهم- إنما صدر منهم كان باجتهادٍ فلهم الأجر، ولا يفسقون ولا يبدعون, والدليل عليه قوله -تعالى-: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (الفتح:18).

    وقال ابن تيمية -رحمه الله- في صدد عرضه لعقيدة أهل السُّنة والجماعة فيما شجر بيْن الصحابة: "ويمسكون عما شجر بيْن الصحابة ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم، ومنها ما قد زيد فيه ونقص، وغيِّر عن وجهه, والصحيح منه هم فيه معذورون؛ إما مجتهدون مصيبون, وإما مجتهدون مخطئون"(4).

    وقال ابن كثير -رحمه الله-: "أما ما شجر بينهم بعده عليه الصلاة والسلام، فمنه ما وقع مِن غير قصدٍ كيوم الجمل, ومنه ما كان عن اجتهادٍ كيوم صفين, والاجتهاد يخطئ، ولكن صاحبه معذور، وإن أخطأ فهو مأجور أيضًا، وأما المصيب فله أجران"(5).

    وقال ابن حجر -رحمه الله-: "واتفق أهل السُّنة على وجوب منع الطعن على أحدٍ مِن الصحابة بسبب ما وقع لهم مِن ذلك، ولو عُرف المحق منهم؛ لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهادٍ, بل ثبت أنه يؤجر أجرًا واحدًا, وأن المصيب يؤجر أجرين"(6).

    وعن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- قال: "رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المنام، وأبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلمتُ عليه وجلستُ، فبينما أنا جالس إذ أتي بعلي ومعاوية فأدخلا بيتًا وأجيف الباب(7)، وأنا أنظر، فما كان بأسرع مِن أن خرج علي -رضي الله عنه- وهو يقول: قضي لي ورب الكعبة، فما كان بأسرع مِن أن خرج معاوية وهو يقول: غفر لي ورب الكعبة"(8).

    وكذا يجب علينا أن نترضى على الطرف الثالث الذي اعتزل الفتنة: كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وغيرهما -رضي الله عنهما-، وللأسف فإن بعض المؤرخين يطعنون في معاوية -رضي الله عنه-، بل ويفسقونه! ونسي هؤلاء أن معاوية -رضي الله عنه- مِن كتبة الوحي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ولم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداءً، بل كان مِن أشد الناس حرصًا على أن لا يكون قتال".

    وفي النهاية نؤكِّد على أن هذه الحقبة التاريخية كانت مِن أخطر الأزمنة التي مرَّت على الأمة، وهذه الفتنة هي أشد فتنة أيضًا، ولله الأمر مِن قبْل ومِن بعد، ومِن هنا يتضح أنه لابد مِن محاربة الفرق الضالة والطوائف المنحرفة، محاربة فكرية واجتماعية وأمنية أيضًا؛ لأنها عندما تنتشر في بلاد المسلمين تعرِّض أهله للخطر، وتهدد الأمن والاستقرار، وتشكك الناس في عقيدتهم، وتلك هي حال الخوارج المارقين الذين خرجوا على علي -رضي الله عنه- وكفروه، وقتله نفر منهم، زاعمين أنهم يتقربون بهذا الفعل إلى الله! وما عندهم في ذلك مستند ولا برهان، إن هو إلا اتباع الأهواء وطاعة الشياطين.

    ولا بد أن يقوم العلماء والدعاة بواجبهم في ذلك؛ حفاظًا على الإسلام والمسلمين، ولتمكين عقيدة أهل السُّنة والجماعة، وهذه هي الطريقة المثلى لجمع الشمل ووحدة الصف، ومَن تأمل تاريخ الإسلام الطويل وجد أن الدول التي قامت على السُّنة هي التي جمعتْ شمل المسلمين،، وعز به الإسلام قديمًا وحديثًا، وهذا بخلاف الدول التي قامتْ على البدعة، وأشاعت الفوضى والفرقة والمحدثات، وفرَّقت الشمل، فهذه سرعان ما تندثر.

    والله المستعان.

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــــ

    (1) هامش العواصم مِن القواصم لابن العربي، ص77.

    (2) البخاري مع شرحه فتح الباري (13/ 318).

    (3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (16/ 332).

    (4) عبد المحسن العباد البدر، عقيدة أهل السُّنة والجماعة في الصحابة الكرام -رضي الله عنهم وأرضاهم-.

    (5) الباعث الحثيث اختصار علوم الحديث لابن كثير, ص (182).

    (6) فتح الباري لابن حجر (13/ 34).

    (7) أجيف الباب: رد وأغلق، المعجم الوسيط.

    (8) البداية والنهاية لابن كثير (8/ 133).





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    33,914

    افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد




    صفحات مِن ذاكرة التاريخ (24)

    حول مناظرة "عبد الله بن عباس" مع "الخوارج" وأثرها








    كتبه/ زين العابدين كامل


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فلقد انتهينا مِن الحديث عن موقعتي: "الجمل وصفين"، وذكرنا الأحداث التي وقعتْ وأسبابها ونتائجها، ثم أتبعنا ذلك بقراءةٍ تحليلية نقدية لأحداث الموقعتين، وألقينا الضوء على الدروس المستفادة مِن هذه الأحداث.

    وإتمامًا للفائدة نذكر اليوم تفاصيل المناظرة التي كانت بيْن حبر الأمة عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- وبيْن الخوارج؛ فبعد الاتفاق الذي تم بيْن أهل الشام وأهل العراق على التحكيم، وأثناء عودة علي -رضي الله عنه- مِن صفين إلى الكوفة؛ انفصل الخوارج في جماعةٍ كبيرة مِن جيش علي -رضي الله عنه-، وقد قٌدر عددهم بعدة آلاف.

    وقد انفصل هؤلاء عن الجيش قبْل أن يصلوا إلى الكوفة بمراحل, وقد أقلق هذا التفرق أصحاب علي -رضي الله عنه- وهالهم, وسار عليٌّ -رضي الله عنه- بمَن بقي مِن جيشه على طاعته حتى دخل الكوفة, وانشغل أمير المؤمنين -رضي الله عنه- بأمر الخوارج؛ خصوصًا بعد ما بلغه تنظيم جماعتهم مِن تعيين أمير للصلاة وآخر للقتال, وأن البيعة لله -عز وجل-؛ مما يعني انفصالهم فعليًّا عن جماعة المسلمين.

    فأرسل علي -رضي الله عنه- ابن عباس إليهم لمناظرتهم؛ فرجع منهم ألفان بعد مناظرة ابن عباس -رضي الله عنهما- لهم, ثم خرج أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- بنفسه إليهم فكلمهم، فرجعوا ودخلوا الكوفة؛ إلا أن هذا الوفاق لم يستمر طويلاً.

    لكننا نريد أن نقف على تفاصيل المناظرة، وكيف أقام ابن عباس -رضي الله عنهما- الحجة عليهم؛ لنأخذ مِن ذلك العبرة في كيفية التعامل مع المخالف، فعن عَبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: لَمَّا خَرَجَتِ الْحَرُورِيَّةُ اجْتَمَعُوا في دَارٍ وَهُمْ سِتَّةُ آلاَفٍ، أَتَيْتُ عَلِيًّا -رضي اللَّهُ عَنْهُ- فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَبْرِدْ بِالظُّهْرِ لَعَلِّي آتِي هَؤُلاَءِ الْقَوْمَ فَأُكَلِّمُهُمْ . قَالَ: إني أَخَافُ عَلَيْكَ. قُلْتُ: كَلاَّ. قَالَ: فَخَرَجْتُ آتِيهُمْ، وَلَبِسْتُ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنْ حُلَلِ الْيَمَنِ فَأَتَيْتُهُمْ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ في دَارٍ وَهُمْ قَائِلُونَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابن عَبَّاسٍ، فَما هَذِهِ الْحُلَّةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: مَا تَعِيبُونَ عَلَيَّ، لَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الْحُلَلِ وَنَزَلَتْ: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (الأعراف:32)، قَالُوا: فَمَا جَاءَ بِكَ؟ قُلْتُ: أَتَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ صَحَابَةِ النبي -صلى الله عليه وسلم- مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لأُبْلِغَكُمْ مَا يَقُولُونَ وَتُخْبِرُونِي بِمَا تَقُولُونَ، فَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ وَهُمْ أَعْلَمُ بِالْوَحْي مِنْكُمْ، وَفِيهِمْ أُنْزِلَ، وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ!

    فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ تُخَاصِمُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) (الزخرف:58)، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَتَيْتُ قَوْمًا لَمْ أَرَ قَوْمًا قَطُّ أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْهُمْ، مُسَهَّمَةٌ وُجُوهُهُمْ مِنَ السَّهَرِ(2) كَأَنَّ أَيْدِيَهُمْ وَرُكَبَهُمْ ثَفِنٌ(3)، عَلَيْهِمْ قُمُصٌ مُرَحَّضَةٌ -أي مغسولة-، قَالَ بَعْضُهُمْ: لَنُكَلِّمَنَّه ُ وَلَنَنْظُرَنَّ مَا يَقُولُ. قُلْتُ: أَخْبِرُونِي مَاذَا نَقَمْتُمْ عَلَى ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَصِهْرِهِ وَالْمُهَاجِرِي نَ وَالأَنْصَارِ؟ قَالُوا: ثَلاَثًا. قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالُوا: أَمَّا إِحْدَاهُنَّ: فَإِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ) (الأنعام:57)، وَمَا لِلرِّجَالِ وَمَا لِلْحُكْمِ. فَقُلْتُ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ. قَالُوا: وَأَمَّا الأُخْرَى فَإِنَّهُ قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، فَلَئِنْ كَانَ الَّذِينَ قَاتَلَ كُفَّارًا لَقَدْ حَلَّ سَبْيُهُمْ وَغَنِيمَتُهُمْ ، وَإِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ مَا حَلَّ قِتَالُهُمْ! قُلْتُ: هَذِهِ ثِنْتَانِ فَمَا الثَّالِثَةُ؟ قَالُوا: إِنَّهُ مَحَا اسْمَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ أَمِيرُ الْكَافِرِينَ. قُلْتُ: أَعِنْدَكُمْ سِوَى هَذَا؟ قَالُوا: حَسْبُنَا هَذَا. فَقُلْتُ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَمِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا يُرَدُّ بِهِ قَوْلُكُمْ أَتَرْضَوْنَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَقُلْتُ لَهُمْ: أَمَّا قَوْلُكُمْ حَكَّمَ الرِّجَالَ في أَمْرِ اللَّهِ، فَأَنَا أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ مَا قَدْ رُدَّ حُكْمُهُ إِلَى الرِّجَالِ في ثَمَنِ رُبُعِ دِرْهَمٍ في أَرْنَبٍ وَنَحْوِهَا مِنَ الصَّيْدِ، فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) إِلَى قَوْلِهِ (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) (المائدة:95)، فَنَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ: أَحُكْمُ الرِّجَالِ في أَرْنَبٍ وَنَحْوِهَا مِنَ الصَّيْدِ أَفْضَلُ أَمْ حُكْمُهُمْ في دِمَائِهِمْ وَإِصْلاَحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ، وَأَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لَحَكَمَ وَلَمْ يُصَيِّرْ ذَلِكَ إِلَى الرِّجَالِ، وَفِي الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهُمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) (النساء:35)، فَجَعَلَ اللَّهُ حُكْمَ الرِّجَالِ سُنَّةً مَاضِيَةً؛ أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ.

    قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: قَاتَلَ؛ فَلَمْ يَسْبِ، وَلَمْ يَغْنَمْ! أَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- ثُمَّ تَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا يُسْتَحَلُّ مِنْ غَيْرِهَا؛ فَلَئِنْ فَعَلْتُمْ لَقَدْ كَفَرْتُمْ وَهِيَ أُمُّكُمْ، وَلَئِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَتْ بِأُمِّنَا لَقَدْ كَفَرْتُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- يَقُولُ: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِين َ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) (الأحزاب:6)، فَأَنْتُمْ تَدُورُونَ بَيْنَ ضَلاَلَتَيْنِ أَيَّهُمَا صِرْتُمْ إِلَيْهَا صِرْتُمْ إِلَى ضَلاَلَةٍ، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؛ قُلْتُ: أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ.

    وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنَا آَتِيكُمْ بِمَنْ تَرْضَوْنَ أُرِيكُمْ، قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ كَاتَبَ الْمُشْرِكِينَ: سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (اكْتُبْ يَا عَلِىُّ هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) (رواه أحمد والحاكم والطبراني)، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لاَ وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا قَاتَلْنَاكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُكَ، اكْتُبْ يَا عَلِيُّ هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ). فَوَاللَّهِ لَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ وَمَا أَخْرَجَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ حِينَ مَحَا نَفْسَهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: فَرَجَعَ مِنَ الْقَوْمِ أَلْفَانِ وَقُتِلَ سَائِرُهُمْ عَلَى ضَلاَلَةٍ. (أخرجه النسائي، والبيهقي، والحاكم في المستدرك، والطبراني في الكبير، وعبد الرزاق في المصنف).

    كانت فتنة الخوارج وبدعتهم أول بدعة اعتقادية ظهرت في أواخر عصر الصحابة -رضي الله عنهم-، وكانت تتعلق بقضايا الإيمان، فبدعة الخوارج هي أول البدع ظهورًا وأكثرها تأثيرًا وأشدها ضررًا على وحدة الأمة بسبب غلوهم وجهلهم وضلالهم، وأحاديث الخوارج مِن الأحاديث المتواترة كما نص على ذلك كثير مِن المحدثين، وكان اعتقاد الخوارج في ذلك أن مرتكب الكبيرة كافر ومخلد في النار، فتساهلوا في مسألة التكفير، ونحن نرى الآن مَن يكفـِّر المسلم بالزي والثياب! فمِن الناس مَن يقول مثلاً: مَن ارتدى الزي العسكري أو ثياب الفرنجة الكفار فهو كافر -ولا حول ولا قوة إلا بالله!-، وقد رأينا كيف أنهم أنكروا على ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه لبس حلة جميلة حسنة مِن حٌلل اليمن!

    فهذه المُناظَرة فيها فوائد كثيرة لِمَن يتدبرها، فوائد تَنفَع الدعاة وطلاب العلم؛ لا سيما في واقِعنا المُعاصِر، وقد كثرت الفتن وانتشرت المناهج المنحرفة؛ فصاحب هذه المناظرة هو حبر الأمَّة وعالمها عبد الله بن عباس -رضِي الله عنهما- الذي دعا له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بالفقه في الدين؛ فلنتأمل كيف كان ابن عباس -رضي الله عنهما- حريصًا على هداية مَن ضلَّ الطريق؟!

    وهذا الحرص ينبع مِن حبه للمسلمين، ومِن خوفه على أمته، والدين النصيحة كما أخبر بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلا حرج مِن إجراء بعض المناظرات مع المخالفين إن كانت هناك مصلحة في ذلك، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تكون النية هي الحرص على هداية الخلق والوصول للحق، لا الانتصار للنفس وحب الظهور والشهرة.

    قال الشافعي -رحمه الله-: "ما كلَّمت أحدًا قط إلا أحببت أن يوفَّق ويسدد ويعان, ويكون عليه رعاية مِن الله وحفظ, وما كلمت أحدًا قطُّ إلا ولم أبال بيَّن الله الحقَّ على لساني أو لسانِه!".

    ولنتأمل أيضًا: حرص علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- على ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال علي لابن عباس -رضِي الله عنهم-: "إني أخافُهم عليك"، وكان قد اشتَهَر عن الخوارج استِحلال دماء المسلمين، كما وصَفَهم رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بقوله: (يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ) (متفق عليه)، وهذا ما يجب أن يكون بيْن أهل العلم وطلابه.

    ولنتأمل أيضًا: حسن توكُّل ابن عباس -رضي الله عنهما-، واستِحضار مشيئة الله وقدره، كما قال ابن عباس لعلي -رضِي الله عنهم- لما قال له علي: "أخافُهم عليك"، قال ابن عباس: "كلا إن شاء الله"، والداعية إلى الله لا بد وأن يتعرَّض في دعوته للمَخاطِر والابتلاءات، فإن لم يُحسِن التوكُّل على الله، ويحسن الظنَّ بخالقه، ويستشعر معنى اسم الله "الحفيظ"، واسم الله "القوي" ونحو ذلك، ربما أدى ذلك إلى تركه للدعوة بالكلية، ولنتأمل كذلك قول ابن عباس للخوارج: أتيتكم مِن عند أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، المهاجرين والأنصار، ومِن عند ابن عمِّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وصهره، وعليهم نزل القرآن؛ فهم أعلم بتأوِيله منكم، وليس فيكم منهم أحد. فكأنه يقول لهم، فأني لكم، كيف تُخالِفونهم؟ ثم مَن تُناصِبُونه العداء هو علي ابن عمِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وزوْج ابنته فاطمة التي هي بَضْعة منه! وهؤلاء جميعًا هم مَن نزل عليهم القرآن، فهم أَوْلَى منكم بمعرفة تفسيره وأحكامه، ولم ينحز واحدٌ منهم إليكم، ولا فهم الذي فهمتم مِن القرآن! وبهذا يُرَسِّخ الداعية للحقِّ الذي يحمله مع مُخالِفه، فيجعله أكثر قابليَّة للحق.

    وتدل المناظرة على استِعمال عامَّة أهل البِدَع والضَّلال نصوص الوحيَيْن في غير موضعها، كما استدلَّت الخوارج على ترك السماع مِن ابن عباس -رضي الله عنهما-؛ لأنه قرشيٌّ! والله يقول عن قريش: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)، فالآية نزلت في مُشرِكي قريش الذين يُخاصِمون بالباطل، وابن عباس إنَّما جاءهم ليَرُدَّهم إلى الحقِّ، ويُكلِّمهم بكتاب الله وسُنَّة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فكيف يجعَلونه مِن أهل هذه الآية؟!

    وفي هذه المُناظَرة الكثير مِن جهل الخوارج بنصوص كتاب الله -تعالى- وتنزيلها غير موضعها، أو عدم فهمها ابتِداءً.

    ومِن الفوائد أيضًا: عدم الاغتِرار بالهدي الظاهر والسَّمْت فقط؛ لأنَّ الدين مَبناه على العلم والعمل جميعًا، لا العمل على جهل، كحال الخوارج هنا، ولا العلم دون عمل كحال كثيرٍ مِن الناس، فابن عباس -رضِي الله عنهما- قال عن الخوارج: وما أتيتُ قومًا قطُّ أشدَّ اجتِهادًا منهم، مُسهِمة وجوههم مِن السهر! كأنَّ أيديهم ورُكَبهم تثنى عليهم، لكنَّهم مع ذلك (يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق عليه، فكيف تُؤثِّر فيهم القراءة، وكيف يَفقَهُون ما يقرؤون؟! فهم يعبدون الله على جهل، وكثيرٌ مِن الناس يَغتَرُّون ببعض الدعاة وبشهرتهم وبلباقة لسانهم، ولا يفرِّقون بيْن العالم وغيره، فكل مَن لبس لباسًا معينًا فهو عندهم العالم! ومِن هنا تقع الفِتَن والمِحَن.

    ومِن الفوائد أيضًا: إياك وسوء الظن في المخالفين جملة واحدة، فمِن الخوارج مَن قال: لنُكَلِّمنَّه ولنَنظُرَنَّ ما يقول، وهذا منهم تحرٍّ للخير، ثم منهم مَن قَبِل الحق، وعاد إلى صوابه ولم يستكبر.

    ثم لا بد مِن دراسة وتعلم فن المناظرة، ويَظهَر هذا جليًّا مِن أسئلة ابن عباس -رضي الله عنهما- للخوارج، فهو يقول لهم أولاً: هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وابن عمِّه. وقال لهم: هل عندكم شيء غير هذا؟ ثم قال لهم ابن عباس كذلك مُشتَرِطًا: أرأيتُكم إن قرأتُ عليكم من كتاب الله وسُنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ما يردُّ قولكم، أترجعون؟ وهذا أيضًا مِن حُسْنِ سياسة ابن عباس في حوارِه، فهو سأَلَهم بدايةً ما يُنكِرونه على أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم اشتَرَط عليهم الرُّجوع إلى الجماعة إذا ما ردَّ عليهم قولهم مِن كتاب الله وسنَّة نبيِّه -صلى الله عليه وسلم-.

    وبعد كلِّ تفنيد شبهة يسألهم: أخرجتُ مِن هذه؟ فالمناظرة فن لا يحسنه كل أحد، فلا بد مِن تعلم هذا الفن، ولا يتصدر لهذا الفن إلا مَن أتقنه فحسب؛ لأنه مِن الممكن لضعف المناظِر ينتصر الباطل فيما يبدو للناس، وكذا لا بد أن نحذر مِن الاستخفاف بالمخالفين، فابن عباس -رضي الله عنهما- لم يَتعالَ عن مُناقَشة عقولٍ بهذا الفكر وهذا الفهم، وهذا هو واجب الدُّعاة إلى الله في كلِّ زمان.

    ومِن فقه الداعية أيضًا: تذكيره لِمُخالِفِيه بالله، حتى تلِين قلوبُهم للحقِّ ولا يُكابِرون، كما كان يقول ابن عباس -رضي الله عنهما- للخوارج: أنشدكم بالله، أحكم الرجال في صَلاحِ ذات البَيْنِ وحَقْنِ دمائهم أفضل أو في أرنب؟ قالوا: بلى، بل هذا أفضل.

    فالعبد يحتاج للتذكير بالله -تعالى- في خصوماته دومًا، ليُصَحِّح نيَّته، ويرضى بالحقِّ ويقبله، وهذه المناظرة أكبر دليل على أننا بحاجةٍ ماسة لا سيما في واقعنا المعاصِر إلى العُلَماء الربانيِّين وطلاب العلم النابِغين الذين يَرُدُّون الناس إلى الحقِّ، ويَأخُذون بأيديهم إلى السُّنة، فابن عباس جعَلَه الله سببًا في هِدايَة ألفَيْن مِن رجال الخوارج، الله أعلم بمصيرهم لو لم يرجعوا معه.

    ثم إنه يجب على أهل العلم الذين مَنَّ الله عليهم بالفقه في الدين إذا ظهرت الفتن أن يُخرجوا علمهم، ويدلوا بدلوهم؛ لكشف الجهل وأهله، وتحذير الناس مِن الباطل.

    ولا بد أن يكون الجميع على يقين أن الفكر لا يقاوَم إلا بالمواجهة الفكرية: فالخلل الفكري لا يواجَه بالسجون والتعذيب والتنكيل، فإن هذا قد لا يزيدهم إلا تشددًا وتعصبًا لأفكارهم، فالمواجهة الأمنية لا تكفي هنا، بل لا بد مِن مواجهةٍ فكرية علمية معهم، يقوم بها رجال ثقات في علمهم، ثقات في دينهم، فإن الذي يتعمق في واقع هذه الجماعات الإسلامية التي اتخذت العنف سبيلاً لها؛ يجد بوضوح أن وراءها أسبابًا فكرية هي الأكبر تأثيرًا، فهناك عوامل نفسية وسياسية واجتماعية تسهم بحد كبير جدًّا في ظهور التطرف والانحراف الفكري، فلا بد مِن معالجتها بما يتناسب معها.

    فهذه كانت مناظرة حبْر الأمة للخوارج، وهذه كانت بعض الدروس والعبر المستفادة مِن المناظرة لعلها تنير لنا الطريق؛ لا سيما في خضم هذه الأحداث المتلاحقة، والفتن المختلفة.

    والله المستعان.

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــ


    (1) سموا الحرورية، نسبة إلى بلدة حروراء في الكوفة، وكانت مركز خروجهم على علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.

    (2) أي متغير لون وجوههم، انظر "لسان العرب".
    (3) جمع ثفِنة بكسر الفاء: ما ولي الأرض مِن كل ذات أربع إذا بركت، كالركبتين وغيرهما، أي: غلظت جلود أكفهم لطول السجود "النهاية في غريب الحديث".



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    33,914

    افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد



    صفحات مِن ذاكرة التاريخ (25)

    الخوارج ومقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-










    كتبه/ زين العابدين كامل


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فبعد الاتفاق الذي تم بيْن أهل الشام وأهل العراق على التحكيم، وأثناء عودة علي -رضي الله عنه- مِن صفين إلى الكوفة انفصل الخوارج في جماعةٍ كبيرة مِن جيش علي -رضي الله عنه-، فأرسل إليهم ابن عباس -رضي الله عنهما- لمناظرتهم، فرجع منهم ألفان بعد مناظرة ابن عباس لهم.

    وقد ذكرنا تفاصيل المناظرة في المقال السابق، ثم خرج أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- بنفسه إليهم، فكلمهم فرجعوا ودخلوا الكوفة؛ إلا أن هذا الوفاق لم يستمر طويلاً؛ بسبب أن الخوارج فهموا مِن علي -رضي الله عنه- أنه رجع عن التحكيم وتاب مِن خطيئته, ثم تدهورت الأمور وتأزمت، فكانت معركة النهروان (38هـ - 658م) بيْن أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- وبيْن الخوارج.

    وسبب المعركة: أن أمير المؤمنين عليًّا -رضي الله عنه- اشترط على الخوارج ألا يسفكوا دمًا, ولا يروعوا آمنًا, ولا يقطعوا سبيلاً, ونظرًا لأن الخوارج يكفِّرون مَن خالفهم ويستبيحون دمه وماله, فقد بدؤوا بسفك الدماء المحرمة في الإسلام, وقد تعددت الروايات في ارتكابهم المحظورات, وكان أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- يدرك أن هؤلاء القوم هم الخوارج الذين عناهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمروق مِن الدين, لذلك أخذ يحث أصحابه أثناء مسيرهم إليهم ويحرضهم على قتالهم, فقد كان -رضي الله عنه- يحث جيشه على البدء بهؤلاء الخوارج, فقال: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: (يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ، لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) (رواه مسلم). وقال -رضي الله عنه- في يوم النهروان: "أُمِرْتُ بِقِتَالِ الْمَارِقِينَ، وَهَؤُلَاءِ الْمَارِقُونَ" (أخرجه ابن أبي عاصم في السُّنة، وصححه الألباني).

    وأرسل علي -رضي الله عنه- رسله يناشدهم الله ويأمرهم أن يرجعوا, وأرسل إليهم البراء بن عازب -رضي الله عنه- يدعوهم ثلاثة أيام فأبوا (أخرجه البيهقي في السنن الكبرى), ولم تزل رسله تختلف إليهم حتى قتلوا رسله! (المصنف لابن أبي شيبة).

    وعندما بلغ الخوارج هذا الحد، وقطعوا الأمل في كل محاولات الصلح وحفظ الدماء, ورفضوا عنادًا واستكبارًا العودة إلى الحق، وأصروا على القتال؛ قام أمير المؤمنين بترتيب الجيش وتهيئته للقتال، وزحف الخوارج إلى علي -رضي الله عنه-, فقال علي لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدأوكم, وأقبلت الخوارج يقولون: "لا حكم إلا لله, الرواح الرواح إلى الجنة!"، وبدأ القتال فاستقبلهم الرماة بالنبل, فرموا وجوههم, وعطفت عليهم الخيالة مِن الميمنة والميسرة, ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف, فأناموا الخوارج فصاروا صرعى وقُتِل أمراؤهم، وقد كانت معركة حاسمة وقصيرة أخذت وقتًا مِن اليوم التاسع مِن شهر صفر مِن عام ثمان وثلاثين للهجرة, وأسفرت هذه المعركة الخاطفة عن عددٍ كبيرٍ مِن القتلى في صفوف الخوارج, وكان الحال على عكس ذلك تمامًا في جيش أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه, فقتلى أصحاب علي -رضي الله عنه- فيما رواه مسلم في صحيحه, عن زيد بن وهب رجلان فقط، قال: "وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ إِلَّا رَجُلَانِ" (رواه مسلم). وفي رواية: "وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ اثْنَا عَشَرَ أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ" (المصنف لابن أبي شيبة).

    ثم وافق أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- في سنة أربعين للهجرة بعد الاتفاق الذي تم بيْن الطرفين بشكل مؤقت أن يكون لمعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- الشام، على أن يكون العراق له، ولا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو، وذلك بعد ما جرت بيْن علي ومعاوية -رضي الله عنهما- المهادنة بعد مكاتبات جرت بينهما (انظر تاريخ الرسل والملوك للطبري).

    وكان أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- قد تنغصت عليه الأمور، واضطرب عليه جيشه، وخالفه أهل العراق، ونكلوا عن القيام معه، وقد كان أهل الشام بعد التحكيم يسمون معاوية الأمير، وكلما ازداد أهل الشام قوة ضعف جأش أهل العراق، هذا وأميرهم علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- خير أهل الأرض في ذلك الزمان، أعبدهم وأزهدهم، وأعلمهم وأخشاهم لله -عز وجل-، ومع هذا كله خذلوه وتخلوا عنه حتى كره الحياة وتمنى الموت، وذلك لكثرة الفتن وظهور المحن، فكان يكثر أن يقول: "ما يحبس أشقاها!"، أي ما ينتظر؟ ما له لا يقتل؟ (البداية والنهاية لابن كثير)، وكان علي -رضي الله عنه- في هذا التوقيت يتوجه إلى الله بالدعاء ويطلب منه -عز وجل- أن يعجل منيته، وقال يومًا: "اللهم إني قد سئمتهم وسئموني، ومللتهم وملوني، فأرحني منهم وأرحهم مني، فما يمنع أشقاكم أن يخضبها بدم، ووضع يده على لحيته!" (أخرجه عبد الرزاق في مصنفه بسندٍ صحيح، وابن سعد في الطبقات).

    وتفيد بعض الروايات أن عليًّا -رضي الله عنه- كان على علمٍ مسبق مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنه سيموت مقتولاً، وهو مِن الشهداء بنص أحاديث رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، وقد جمع البيهقي -رحمه الله- هذه الروايات في كتابه (دلائل النبوة)، وجمعها الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في كتابه (البداية والنهاية).

    فعن علي -رضي الله عنه- قال: "إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَهِدَ إِلَيَّ أَنْ لَا أَمُوتَ حَتَّى أُؤَمَّرَ، ثُمَّ تُخْضَبَ هَذِهِ -يَعْنِي لِحْيَتَهُ- مِنْ دَمِ هَذِهِ -يَعْنِي هَامَتَهُ-" (رواه أحمد، وصححه الشيخ أحمد شاكر).

    لقد تركت معركة النهروان في نفوس الخوارج جرحًا غائرًا، فاتفق نفر منهم على أن يفتكوا بعلي -رضي الله عنه-، ويثأروا لمَن قُتِل مِن إخوانهم في النهروان؛ فاجتمع عبد الرحمن بن ملجم الكندي، وكان في وجهه علامة السجود مِن كثرة العبادة -وكان معروفًا بها-، والبُرك بن عبد الله، وعمرو بن بكر التيمي، فتذاكروا أمر الناس، وعابوا على ولاتهم، ثم ذكروا أهل النهر، فترحموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئًا، إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم، والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسهم فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد، وثأرنا بهم إخواننا، فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب -وكان مِن أهل مصر-، وقال البرك بن عبد الله: وأنا أكفيكم معاوية، وقال عمرو بن أبي بكر: وأنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاهدوا وتواثقوا بالله لا ينكص رجل منا عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذوا أسيافهم، فسموها وتواعدوا لسبع عشرة تخلو مِن رمضان أن يثب كل واحد منهم على صاحبه الذي توجه إليه، وأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذي صاحبه فيه يطلب، ودخل شهر رمضان فواعدهم ابن ملجم ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت (الكامل في التاريخ لابن الأثير، والبداية والنهاية لابن كثير)، وقال: هذه الليلة التي واعدتُ أصحابي فيها أن يثأروا بمعاوية وعمرو بن العاص.

    فجاء ثلاثة نفر، وهم: ابن ملجم، ووردان، وشبيب، وهم مشتملون على سيوفهم، فجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي -رضي الله عنه-، وانتظر عبد الرحمن بن ملجم في فجر هذا اليوم حتى خرج علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- مِن بيته لصلاة الفجر، وأخذ يمرّ على الناس يوقظهم للصلاة، وكان لا يصطحب معه حراسًا، حتى اقترب مِن المسجد فضربه شبيب بن نجدة ضربة وقع منها على الأرض، لكنه لم يمت منها، فأمسك به ابن ملجم، وضربه بالسيف المسموم على رأسه، فسالت الدماء على لحيته، ولما ضربه ابن ملجم قال: لا حكم إلا لله، ليس لك يا علي ولا لأصحابك، وجعل يتلو قوله -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) (البقرة:207)، ونادى علي -رضي الله عنه-: عليكم به، وهرب وردان فأدركه رجل مِن حضرموت فقتله، وذهب شبيب فنجا بنفسه وفات الناس، ومُسك ابن ملجم.

    وقدَّم عليُّ جعدة بن هبيرة بن أبي وهب فصلى بالناس صلاة الفجر، وحٌمل علي -رضي الله عنه- إلى منزله، وحمل إليه عبد الرحمن بن ملجم فأوقف بيْن يديه وهو مكتوف -قبحه الله- فقال له: أي عدو الله ألم أحسن إليك؟ قال: بلى: قال. فما حملك على هذا: قال؟ شحذته أربعين صباحًا، وسألتُ الله أن يُقتل به شر خلقه، فقال له علي -رضي الله عنه-: لا أراك إلا مقتولاً به، ولا أراك إلا مِن شر خلق الله، ثم قال: إن مت فاقتلوه، وإن عشتُ فأنا أعلم كيف أصنع به، فقال جندب بن عبد الله: يا أمير المؤمنين إن مت نبايع الحسن؟ فقال: لا آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر.

    ولما احتضر علي -رضي الله عنه- جعل يكثر مِن قول: "لا إله إلا الله"، لا يتلفظ بغيرها، وقد قيل: إن آخر ما تكلم به (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة:7-8) (الطبقات لابن سعد، وتاريخ الرسل والملوك للطبري)، وقد أوصى ولديه الحسن والحسين بتقوى الله والصلاة والزكاة، وكظم الغيظ وصلة الرحم والحلم عن الجاهل، والتفقه في الدين والتثبيت في الأمر، والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش، ووصاهما بأخيهما محمد بن الحنفية ووصاه بما وصاهما به، وأن يعظمهما ولا يقطع أمرًا دونهما، وكتب ذلك كله في كتاب وصيته -رضي الله عنه وأرضاه-، وقد غسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وصلى عليه الحسن (الطبقات لابن سعد).

    ولما جاء خبر مقتل علي -رضي الله عنه- إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: "أتبكيه وقد قاتلته؟! فقال: ويحك! إنكِ لا تدرين ما فقد الناس مِن الفضل والفقه والعلم!"(1) (البداية والنهاية لابن كثير 8 /133).

    وكانت مدة خلافة علي -رضي الله عنه- على قول خليفة بن خياط، أربع سنين وتسعة أشهر وستة أيام، ويقال ثلاثة أيام، ويقال أربعة عشر يومًا، فكانت وفاته شهيدًا في شهر رمضان يوم الجمعة لسبع عشرة خلت منه (تاريخ الرسل والملوك للطبري). وقيل: في اليوم الحادي والعشرين مِن شهر رمضان عام أربعين للهجرة (أخرج البخاري في التاريخ الكبير بسندٍ صحيح).

    وأما معاوية -رضي الله عنه-: فقد انتظره البرك بن عبد الله الذي تعهد بقتله في نفس التوقيت، وضربه بالسيف المسموم فتجنّبه معاوية -رضي الله عنه- فأصاب فخذه، فحمله الناس إلى بيته، وقبضوا على البرك بن عبد الله، وداوى الناس معاوية -رضي الله عنه- فشفاه الله، ولم يمت مِن هذه الضربة.

    وأما عمرو بن العاص -رضي الله عنه-: فذهب إليه عمرو بن بكر المتعهد بقتله، وانتظر خروجه لصلاة الصبح، ولكن سبحان مَن بيده ملكوت كل شيء؛ كان مريضًا في هذا اليوم فعهد بالصلاة إلى نائبه خارجة، فلما خرج إلى الصلاة ظنّه الرجل عمرو بن العاص، فذهب إليه وقتله، فأمسكوا به وقتلوه به، ونجّى الله عمرو بن العاص منه، وقال الناس: "أراد عمرًا، وأراد الله خارجة!" فصارت مثلاً لمَن أراد شيئًا وأراد الله شيئًا آخر.

    وبعد مقتل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أصبح المسلمون بلا خليفة، وبدأ المسلمون يفكرون في اختيار خليفة لهم (الأخبار الطوال للدينوري، وانظر البداية والنهاية لابن كثير).

    وهكذا هم الخوارج الذين سعوا في الأرض فسادًا؛ لقد كانت فتنة الخوارج وبدعتهم أول بدعة اعتقادية ظهرت في أواخر عصر الصحابة -رضي الله عنهم-، وكانت تتعلق بقضايا الإيمان، فبدعة الخوارج هي أول البدع ظهورًا، وأكثرها تأثيرًا، وأشدها ضررًا على وحدة الأمة؛ بسبب غلوهم وجهلهم وضلالهم، فتساهلوا في مسألة التكفير، واستحلال دماء المسلمين، مع أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقال لعلي -رضي الله عنه-: (أَلاَ تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ، مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي) (متفق عليه)، ومع ذلك كفـَّره الخوارج، وقتلوه واستحلوا دمه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ويظنون أنهم يتقربون بذلك إلى الله -عز وجل-!

    والله المستعان.

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــ

    (1) وهذا يدل على إنصاف الصحابة -رضي الله عنهم- وأنهم مع اختلافهم، لكنهم لا ينكِرون فضل أحدٍ، فرغم ما حدث بينهم إلا أنهم يعرفون فضل بعضهم على بعض ولا ينكرونه، ولا يحملهم ما جرى ووقع بينهم على ألا يعدلوا، فعَن عبد الرَّحْمَنِ بْن مَعْقِلٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ عَلِيٍّ صَلَاةَ الْغَدَاةِ، قَالَ: فَقَنَتَ، فَقَالَ فِي قُنُوتِهِ: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِمُعَاوِيَةَ وَأَشْيَاعِهِ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَشْيَاعِهِ، وَأَبِي السُّلَمِيِّ وَأَشْيَاعِهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ وَأَشْيَاعِهِ" (مصنف ابن أبي شيبة).


    قال شيخ الإسلام معلقًا على هذا الأثر: "وَقِيلَ: إِنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ كَانَتْ تَقْنُتُ عَلَى الْأُخْرَى. وَالْقِتَالُ بِالْيَدِ أَعْظَمُ مِنَ التَّلَاعُنِ بِاللِّسَانِ، وَهَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَنْبًا أَوِ اجْتِهَادًا: مُخْطِئًا أَوْ مُصِيبًا، فَإِنَّ مَغْفِرَةَ اللَّهِ وَرَحْمَتَهُ تَتَنَاوَلُ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ وَالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ وَالْمَصَائِبِ الْمُكَفِّرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ" (منهاج السُّنة 4/ 469)، وقد سمع عمار بن ياسر -رضي الله عنهما- رجلاً بجواره يقول: "كفر أهل الشام!" فنهاه عمار -رضي الله عنه- عن ذلك وقال: "إنما بغوا علينا، فنحن نقاتلهم لبغيهم، فإلهنا واحد، ونبينا واحد، وقبلتنا واحدة".




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    33,914

    افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد

    صفحات مِن ذاكرة التاريخ (26)

    بيعة الحسن بن علي -رضي الله عنهما- وتنازله عن الخلافة






    كتبه/ زين العابدين كامل

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    فلما ظهر مِن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه علامات الوداع ومفارقة الدنيا، قال له بعض مَن كانوا حوله: "استخلف علينا، قال: لا، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته، قال: أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم" (رواه البيهقي والبزار). وفي رواية: "أقول: اللهم استخلفتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني وتركتك فيهم" (رواه الهيثمي).
    فلما مات، جاء الناس وبايعوا ولده الحسن بن علي -رضي الله عنهما-، وكان أول مَن بايع الحسنَ قيس بن سعد، قال له: "ابسط يدك أبايعك على كتاب الله -عز وجل-، وسنة نبيه، وقتال المُحلِّين -المحل: الذي نقض العهد-، فقال له الحسن -رضي الله عنه-: على كتاب الله وسنة نبيه، فإن ذلك يأتي مِن وراء كل شرط: فبايعه وسكت، وبايعه الناس" (تاريخ الرسل والملوك للطبري).
    "وقد اشترط الحسن بن علي -رضي الله عنهما- على أهل العراق عندما أرادوا بيعته، فقال لهم: إنكم سامعون مطيعون، تسالمون مَن سالمت، وتحاربون مَن حاربت" (تاريخ الرسل والملوك للطبري).
    وفي رواية ابن سعد: "إن الحسن بن علي أبي طالب -رضي الله عنه- بايع أهل العراق بعد علي على بيعتين، بايعهم على الإمرة، وبايعهم على أن يدخلوا فيما دخل فيه ويرضوا بما رضي به" (رواه ابن سعد في الطبقات).
    ويُستفاد مِن الروايات السابقة ابتداء الحسن -رضي الله عنهما- في التمهيد للصلح فور استخلافه، وقد استمر أمير المؤمنين الحسن بن علي -رضي الله عنهما- بعد بيعته خليفة على الحجاز، واليمن، والعراق، وغير ذلك نحو سبعة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر، وقيل: ستة أشهر، وكانت خلافته هذه مدة خلافة راشدة حقة؛ لأن هذه المدة كانت تتمة لمدة الخلافة الراشدة التي أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن مدتها ثلاثون سنة، فقد روي الترمذي بإسناده إلى سفينة مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الخِلَافَةُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
    ثالثًا: الصلح بيْن الحسن بن علي ومعاوية -رضي الله عنهم-:
    بويع الحسن -رضي الله عنه-، وبايعه الأمراء الذين كانوا مع والده، وكل الناس الذين بايعوا لأمير المؤمنين علي -رضي الله عنه-، وباشر سلطته كخليفة؛ فرتب العمال، وأمّر الأمراء، وجنَّد الجنود، وفرق العطايا، وزاد المقاتلة في العطاء، وكان في وسعه أن يخوض حربًا لا هوادة فيها ضد معاوية -رضي الله عنه-، وكانت شخصيته الفذة مِن الناحية السياسية، والعسكرية، والأخلاقية، والدينية تساعد على ذلك، مع وجود عوامل أخرى، كوجود قيس بن سعد بن عبادة، وحاتم بن عدي الطائي، وغيرهما مِن قادة المسلمين الذين لهم مِن القدرات القيادية الشيء الكثير؛ إلا أن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- مال إلى السلم والصلح؛ لحقن الدماء، وتوحيد الأمة، ورغبة فيما عند الله وزهدًا في الملك، وغير ذلك مِن الأسباب، وقد قاد الحسن بن علي -رضي الله عنهما- مشروع الإصلاح الذي توّج بوحدة الأمة، وظل زمام الموقف في جانبه وبيده ويد أنصاره، وكانت جبهته العسكرية قوية كما جاء في رواية البخاري، وقد عبَّر عن ذلك عمرو بن العاص -رضي الله عنه- عندما قال: "إِنِّي لَأَرَى كَتَائِبَ لاَ تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا" (رواه البخاري)، وقال الحسن بن علي -رضي الله عنهما-: "كانت جماجم العرب بيدي تحارب مَن حاربت، وتسالم مَن سالمت" (أخرجه الحاكم في المستدرك)، ولكن الحسن كان ذا خُلُقٍ يجنح إلى السلم، وكراهة الفتنة ونبذ الفرقة(1).
    وهذا الفعل مِن الحسن يُعد عَلَمًا مِن أعلام النبوة، والحجة في ذلك ما أخرجه البخاري مِن طريق أبي بكرة -رضي الله عنه- قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى المِنْبَرِ وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً، وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: (إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ) (رواه البخاري).
    إن صلح الحسن مع معاوية -رضي الله عنهما- مِن الأحداث العظام في تاريخ الأمة الإسلامية، فمن ثمار هذا الصلح: حقن دماء المسلمين، وجمع كلمتهم على إمامٍ واحدٍ بعد سنواتٍ مِن الفرقة، ويٌعد الحسن -رضي الله عنه- أول خليفة يتنازل عن منصبه ويخلع نفسه طواعية، دون إجبار مِن أحدٍ، وذلك مع قدرته على أن يستمر في الحكم، ولكن الحسن -رضي الله عنه- كان ينظر إلى المصلحة العامة للأمة ويريد جمع شتاتها وتوحيد كلمتها، وبعد أن كشف الحسن عن نيته في الصلح مع معاوية -رضي الله عنه- وقعت المحاولة الأولى لاغتياله -رضي الله عنه-، وهذه المحاولة يبدو أنها قد جرت بعد استخلافه بقليل، فإن الحسن بن علي لما استخلف بعد مقتل علي -رضي الله عنه-، فبينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجر، فوقعت في وركه فمرض منها أشهرًا ثم برئ، فقعد على المنبر فقال: "يا أهل العراق اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وضيفانكم، أهل البيت الذين قال الله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الأحزاب:33)، قال: فما زال يقول ذلك حتى ما رُئي أحد مِن أهل المسجد إلا وهو يخن -الخنين: البكاء في الأنف- بكاءً" (رواه ابن سعد في الطبقات).
    خروج الحسن -رضي الله عنه- بجيش العراق مِن الكوفة إلى المدائن:
    بعد أن بايع أهل العراق الحسن بن علي -رضي الله عنهما- قالوا له: "سر إلى هؤلاء القوم الذين عصوا الله ورسوله، ارتكبوا العظيم وابتزوا -الابتزاز: هو أخذ الشيء بجفاء وقهر، وهو أيضًا الحصول على المال أو المنافع مِن شخص تحت التَّهديد بفضح بعض أسراره أو غير ذلك- الناس أمورهم، فإنا نرجو أن يمكِّن الله منهم، فسار الحسن إلى أهل الشام، وجعل على مقدمته قيس بن سعد بن عبادة في اثنى عشر ألفًا" (رواه ابن سعد في الطبقات).
    وبهذا يتضح أن أهل العراق هم الذين دفعوا الحسن -رضي الله عنه- إلى الخروج لقتال أهل الشام مِن غير رغبةٍ منه، وهذا الأمر قد أشار إليه ابن كثير -رحمه الله- بقوله: "ولم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحدًا، ولكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعًا عظيمًا لم يُسمع بمثله، فأمّر الحسن بن علي، قيس بن سعد بن عبادة، على المقدمة في اثنى عشر ألفًا بيْن يديه، وسار هو بالجيوش في إثره قاصدًا بلاد الشام، فلما اجتاز بالمدائن نزلها وقدم المقدمة بيْن يديه، وقد أظهر الحسن حنكة كبيرة دلت على سعهَ أفقه ودهائه وبصيرته، عندما لم يشأ أن يواجِه أهل العراق مِن البداية بميله إلى مصالحة معاوية وتسليمه الأمر؛ لأنه يعرف خفتهم وتهورهم، فأراد أن يقيم مِن مسلكهم الدليل على صدق نظرته فيهم، وعلى سلامة ما اتجه إليه، فوافقهم على المسير لحرب معاوية وعبأ جيشه" (البداية والنهاية لابن كثير).
    خروج معاوية -رضي الله عنه- مِن الشام إلى العراق:
    بعد أن وصل خبر خروج الحسن -رضي الله عنه- مِن الكوفة إلى المدائن بجيوشه، أقبل معاوية -رضي الله عنه- في أهل الشام يريد الحسن -رضي الله عنه- حتى نزل جسر منيح -قرية في الجزيرة الفراتية-، ثم أقبل مِن جسر منيح إلى مسكِن -موضع على نهر دجيل عند دير الجاثليق به كانت الوقعة بيْن عبد الملك بن مروان ومصعب بن الزبير سنة 72هـ- في خمسة أيام وقد دخل يوم السادس، وقد تأخر خروج معاوية -رضي الله عنه- وكان ذلك بعد سماعه لخروج الحسن بجيوشه، وكان معاوية قد أصيب إصابة بليغة مِن جراء محاولة الاغتيال التي تعرض لها مِن قِبَل الخارجي البرك بن عبد الله التميمي، حين خرج لصلاة الفجر، وهي المحاولةَ التي نفذت في نفس فجر اليوم الذي اغتيل فيه علي -رضي الله عنه-، وهو فجر يوم الجمعة السابع عشر مِن شهر رمضان سنة 40هـ على الصحيح المشهور مِن الأقوال. (البداية والنهاية لابن كثير).
    وقد أشار الخلاَّل إلى شدة إصابة معاوية -رضي الله عنه- في الرواية التي أخرجها مِن طريق جُنْدُبٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي رَكْبٍ فَنَزَلَ سَعْدٌ وَنَزَلْتُ، وَاغْتَنَمْتُ نُزُولَهُ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَمْشِي إِلَى جَانِبِهِ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ، وَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ طٌعن طَعْنَا بَيْنَنَا لَا أُرَاهَا إِلَّا قَاتِلَتُهُ، وَإِنَّ النَّاسَ -يقصد الخوارج- قَاتِلُونَ بَقِيَّةَ أَصْحَابِ الشُّورَى وَبَقِيَّةَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِنْ وُلِّيتَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِمْ، أَوْ تَشُقُّ عَصَاهُمْ، وَأَنْ تُفَرِّقَ جَمْعَهُمْ، أَوْ تَدَعَهُمْ إِلَى أَمْرِ هَلَكَةٍ. فَحَمِدَ سَعْدٌ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللَّهِ لَا أَشُقُّ عَصَاهُمْ، وَلَا أُفَرِّقُ جَمْعَهُمْ، وَلَا أَدْعُهُمْ إِلَى أَمْرِ هَلَكَةٍ حَتَّى يَأْتُونِي بِسَيْفٍ. يَقُولُ: يَا سَعْدُ، هَذَا مُؤْمِنٌ فَدَعْهُ، وَهَذَا كَافِرٌ فَاقْتُلْهُ"(السُّنة لأبي بكر الخلال).
    وبينما الحسن -رضي الله عنه- في المدائن، إذ نادى منادٍ مِن أهل العراق: إن قيسًا قد قُتل فسرت الفوضى في الجيش، وعادت إلى أهل العراق طبيعتهم في عدم الثبات، فاعتدوا على سرادق الحسن -رضي الله عنه-، ونهبوا متاعه حتى إنهم نازعوه بساطًا كان تحته، وطعنوه وجرحوه، وهنا حدثت حادثهَ لها دلالة كبيرة، فقد كان والي المدائن مِن قِبَل علي -رضي الله عنه-، سعد بن مسعود الثقفي، فأتاه ابن أخيه المختار بن أبي عبيد بن مسعود، وكان شابًا، فقال له: "هل لك في الغنى والشرف؟ قال: وما ذاك؟ قال: توثق الحسن، وتستأمن به إلى معاوية، فقال له عمه: عليك لعنة الله، أَثِبُ على ابن بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَأُوثِقُهُ! بئس الرجل أنتَ!" (تاريخ الرسل والملوك للطبري).
    فلما رأى الحسن -رضي الله عنه- صنع أصحابه أيقن أنه لا فائدة منهم، ولا نصر يُرجى على أيديهم، وهذه كانت قناعته منذ البداية، فدفعه ذلك إلى قطع خطوات أوسع والاقتراب أكثر مِن الصلح.
    ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــ
    (1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فقد كان بمقدور الحسن أن يقاتِل معاوية بمَن كان معه، وإن كان أقل ممن كان مع معاوية، صنيع الذين قاتلوا خصومهم على قلةٍ مَن كان معهم مِن الأعوان والأنصار، ولكن الحسن كان ذا خُلُقٍ يجنح إلى السلم وكراهة الفتنة ونبذ الفرقة، جعل الله به رأب الصدع، وجمع الكلمة" (منهاج السُّنة 4/ 536).


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    33,914

    افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد



    صفحات مِن ذاكرة التاريخ (27)

    بيعة الحسن بن علي -رضي الله عنهما- وتنازله عن الخلافة









    كتبه/ زين العابدين كامل


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فقد ذكرنا في المقال السابق أن الحسن -رضي الله عنه- لما رأى صنع أصحابه أيقن أنه لا فائدة منهم، ولا نصر يُرجى على أيديهم، وهذه كانت قناعته منذ البداية، فدفعه ذلك إلى قطع خطواتٍ أوسع، والاقتراب أكثر مِن الصلح.


    وقوع الصلح بيْن الحسن ومعاوية -رضي الله عنهما-:

    لقد سجَّلتْ لنا صفحات التاريخ تلك اللحظات الحرجة مِن تاريخ الأمة المسلمة حين التقى الجمعان؛ جمع أهل الشام، وجمع أهل العراق، وذلك في الرواية التي أخرجها البخاري مِن طريق الحسن البصري، قال: اسْتَقْبَلَ وَاللَّهِ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مُعَاوِيَةَ بِكَتَائِبَ أَمْثَالِ الجِبَالِ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ: إِنِّي لَأَرَى كَتَائِبَ لاَ تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ وَكَانَ وَاللَّهِ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ: أَيْ عَمْرُو إِنْ قَتَلَ هَؤُلاَءِ هَؤُلاَءِ، وَهَؤُلاَءِ هَؤُلاَءِ مَنْ لِي بِأُمُورِ النَّاسِ؟ مَنْ لِي بِنِسَائِهِمْ؟ مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ، فَقَالَ: اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَاعْرِضَا عَلَيْهِ، وَقُولاَ لَهُ، وَاطْلُبَا إِلَيْهِ، فَأَتَيَاهُ، فَدَخَلاَ عَلَيْهِ فَتَكَلَّمَا، وَقَالاَ لَهُ، فَطَلَبَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: إِنَّا بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ، قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا المَالِ، وَإِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا، قَالاَ: فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا، وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ قَالَ: فَمَنْ لِي بِهَذَا؟ قَالاَ: نَحْنُ لَكَ بِهِ، فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلَّا قَالاَ: نَحْنُ لَكَ بِهِ، فَصَالَحَهُ، فَقَالَ الحَسَنُ: وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى المِنْبَرِ وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً، وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: (إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ)(1).

    فالذي حدث مِن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- هو عَلَم مِن أعلام النبوة، ومنقبة للحسن بن علي -رضي الله عنهما-، فإنه ترك المُلك لا لقلة، ولا لذلة، ولا لعلة، بل لرغبته فيما عند الله؛ لما رآه مِن حقن دماء المسلمين، فراعى مصلحة الأمة.

    وفى هذه الرواية: رد على الخوارج الذين كانوا يكفـِّرون عليًّا ومَن معه، ومعاوية ومَن معه، بشهادة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالطائفتين بأنهم مِن المسلمين.

    وفيها: دلالة على رأفة معاوية -رضي الله عنه- بالرعية، وشفقته على المسلمين، وقوة نظره في تدبير الملك، ونظره في العواقب.

    وفيها: جواز خلع الخليفة نفسه، إذا رأى في ذلك صلاحًا للمسلمين" (فتح الباري).

    وفي رواية: "أن معاوية -رضي الله عنه- كان يعلم أن الحسن -رضي الله عنه- أكره الناس للفتنة، فلما تُوفي علي -رضي الله عنه- بعث معاوية إلى الحسن، فأصلح الذي بينه وبينه سرًّا، وأعطاه معاوية عهدًا إن حدث به حدث والحسن حي لَيُسَمَيّنًّه -أي يرشحه للخلافة مِن بعده-، وليجعلن هذا الأمر إليه، فلما توثق منه الحسن، قال ابن جعفر -أي عبد الله بن جعفر-: والله إني لجالس عند الحسن إذ أخذت لأقوم فجذب بثوبي، وقال: اقعد يا هناه -أي يا رجل-، واجلس، فجلستُ، قال: إني قد رأيتُ رأيًا وأحب أن تتابعني عليه. قال: قلتُ: ما هو؟ قال: قد رأيتُ أن أعمد إلى المدينة فأنزلها وأخلي بيْن معاوية، وبيْن هذا الحديث، فقد طالت الفتنة، وسقطت فيها الدماء، وقطعت فيها الأرحام، وقطعت السبل، وعُطلت الفروج -يعني الثغور-، فقال ابن جعفر: جزاك الله عن أمة محمد، فأنا معك على هذا الحديث.

    فقال الحسن: ادع لي الحسين، فبعث إلى الحسين، فأتاه فقال: يا أخي قد رأيت رأيًا وإني أحب أن تتابعني عليه. قال: ما هو؟ قال: فقص عليه الذي قال لابن جعفر قال الحسين: أعيذك بالله أن تكذب عليًّا في قبره وتصدق معاوية. قال الحسن: والله ما أردتُ أمرًا قط إلا خالفتني إلى غيره، والله لقد هممتُ أن أقذفك في بيت فأطينه عليك حتى أقضى أمري. قال: فلما رأى الحسين غضبه، قال: أنت أكبر ولد علي، وأنت خليفته، أمرنا لأمرك تبع، فافعل ما بدا لك" (الطبقات لابن سعد).

    ويُلاحظ مِن الروايتين: أن الرغبة في الصلح كانت موجودة لدى الطرفين، فقد سعى الحسن -رضي الله عنه- إلى الصلح، وخطط له منذ اللحظات الأولى لمبايعته، ثم جاء معاوية فأكمل ما بدأه الحسن، فكان عمل كل واحد منهما مكملاً للآخر -رضي الله عنهما-.

    وبعد نجاح مفاوضات الصلح بيْن الحسن ومعاوية -رضي الله عنهما-، شرع الحسن -رضي الله عنه- في تهيئة نفوس أتباعه على تقبل الصلح الذي تم، فقام فيهم خطيبًا ليبيِّن لهم ما تم بينه وبيْن معاوية، وفيما هو يخطب هجم عليه بعض عسكره محاولين قتله! لكن الله -سبحانه وتعالى- أنجاه كما أنجاه مِن قبْل.

    وقد أورد البلاذري خطبة الحسن -رضي الله عنه- التي ألقاها في أتباعه، ومحاولة قتله -رضي الله عنه-، فقال: "إني أرجو أن أكون أنصح خلقه لخلقه، وما أنا محتمل على أحدٍ ضغينة، ولا حقدًا، ولا مريدًا به غائلة، ولا سوءًا، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرًا مِن نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، ولا تردوا عليَّ، غفر الله لي ولكم. فنظر بعض الناس إلى بعض، وقالوا: عزم والله على صلح معاوية، وضعف وخار، وشدوا على فسطاطه، فدخلوه، وانتزعوا مصلاه مِن تحته، وانتهبوا ثيابه، ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي جعال الأزدي، فنزع مطرفه -أي رداءه- مِن عاتقه، ثم تعرض للحسن الجراح بن سنان(2)، وكان يرى رأى الخوارج، فقعد للحسن ينتظره فلما مرَّ الحسن ودنا مِن دابته فأخذ بلجامها، أخرج الجراح معولاً -حديدة ينقر بها الصخر- كان معه وقال: أشركت يا حسن كما أشرك أبوك مِن قبْل، وطعنه بالمعول في أصل فخذه، فشق في فخذه شقـًّا كاد يصل إلى العظم، وهذه محاولة أخرى لاغتيال الحسن -رضي الله عنه-، وضرب الحسن وجهه، ثم اعتنقا وخرا إلى الأرض، ووثب عبد الله بن الخضل الطائي، فنزع المعول مِن يد الجراح، وأخذ ظبيان بن عمارة التميمي بأنفه فقطعه، وضرب بيده إلى قطعة آجرة فشدخ بها وجهه ورأسه حتى مات، وحُمل الحسن إلى المدائن، ثم إن سعد بن مسعود أتى الحسن بطبيب، وقام عليه حتى برئ وحوَّله إلى أبيض المدائن -يسمَّى القصر الأبيض، يقع على الضفة الشرقية لنهر دجلة-.

    وفي بعض الروايات: أن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- خطب الناس في قصر المدائن، فقال: "يا أهل العراق، لو لم تذهل نفسي -تسلو نفسي- عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت: مقتلِكم أبي، ومطعِنكم بغلتي، وانتهابِكم ثقلي -أو قال: ردائي عن عاتقي-، وإنكم قد بايعتموني أن تسالموا مَن سالمتُ، وتحاربوا مَن حاربت، وإني قد بايعتُ معاوية فاسمعوا له وأطيعوا، قال: ثم نزل فدخل القصر" (الطبقات لابن سعد).

    وهنا حدث اضطراب في مقدمة جيش العراق وهم شرطة الخميس، فقد أخرج الحاكم عن أبي الغريف، قال: "كنا في مقدمة الحسن بن علي اثني عشر ألفًا، تقطر أسيافنا مِن الحدة على قتال أهل الشام، وعلينا أبو العمرطة، فلما أتانا صلح الحسن بن علي ومعاوية كأنما كسرت ظهورنا مِن الحرد -الغضب- والغيظ، فلما قدِم الحسن بن علي الكوفة، قام إليه رجل منا يُكنى أبا عامر سفيان بن الليل. فقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال الحسن: لا تقل ذلك يا أبا عامر، لم أذل المؤمنين، ولكني كرهتُ أن أقتلهم في طلب المُلك. فبعث الحسن بالبيعة إلى معاوية، فكتب بذلك الحسن إلى قيس بن سعد، فقام قيس بن سعد في أصحابه، فقال: يا أيها الناس، أتاكم أمران، لابد لكم مِن أحدهما: دخول في الفتنة، أو قتل مع غير إمام، فقال الناس: ما هذا؟ فقال: الحسن بن علي قد أعطى البيعة معاوية، فرجع الناس، فبايعوا معاوية".

    وقد أشار ابن كثير -رحمه الله- إلى ذلك بقوله: "وبعثَ الحسن بن علي إلى أمير المقدمة قيس بن سعد أن يسمع ويطيع؛ فأبى قيس بن سعد قبول ذلك، وخرج مِن طاعتهما جميعًا، واعتزل بمَن أطاعه، ثم راجع الأمر، فبايع معاوية" (البداية والنهاية).

    وتباينت ردود الأفعال بالنسبة لأمراء علي بن طالب -رضي الله عنه- وموقفهم مِن الصلح ما بيْن القبول والاستحسان، أو الرفض ثم القبول، وهناك فريق ثالث دخل في الصلح وهو كاره له، ثم ترك الحسن -رضي الله عنه- المدائن وسار إلى الكوفة، وسار معاوية -رضي الله عنه- مِن مسكن إلى النخيلة -موضع قرب الكوفة على سمت الشام-، ثم خرج الحسن -رضي الله عنه- مِن الكوفة إلى النخيلة ليقابل معاوية -رضي الله عنه- ويسلِّم الأمر له، فعن الشعبي، قال: شهدتُ الحسن بن علي -رضي الله عنهما- بالنخيلة حين صالحه معاوية -رضي الله عنه-، فقال معاوية: إذا كان ذا فقم فتكلم، وأخبر الناس أنك قد سلمتَ هذا الأمر لي، فقام فخطب على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه.

    قال الشعبي: وأنا أسمع، ثم قال: أما بعد فإن أكيس -أعقل، والكيس العقل- الكيس التقى، وإن أحمق الحمق الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفتُ فيه أنا ومعاوية إما كان حقـًّا لي تركته لمعاوية إرادة صلاح هذه الأمة، وحقن دمائهِم، أو يكون حقًّا كان لامرئ كان أحق به مني ففعلتُ ذلك (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (الأنبياء:111)" (انظر الطبقات لابن سعد، والمستدرك للحاكم، وحلية الأولياء).

    وفي رواية: "قال الحسن بن علي يوم كلم معاوية: ما بيْن جابلص وجابلق -مدينتان: إحداهما بالمشرق، والأخرى بالمغرب- رجل جده نبي غيري، وإني رأيتُ أن أصلح بيْن أمة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وكنتُ أحقهم بذاك، ألا إنا قد بايعنا معاوية، ولا أدري (لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)".

    وبتنازل الحسن بن علي -رضي الله عنهما- عن الخلافة ومبايعته لمعاوية -رضي الله عنه- تنتهي بذلك فترة خلافة النبوة، وهي ثلاثون سنة، والحجة في ذلك قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ أَوْ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

    وقد علـَّق ابن كثير -رحمه الله- على هذا الحديث، فقال: "وإنما كملتِ الثلاثون بخلافة الحسن بن علي، فإنه نزل على الخلافة لمعاوية في ربيع الأول مِن سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة مِن موت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة مِن الهجرة، وهذا مِن أكبر دلائل النبوة". (البداية والنهاية).

    وبذلك يكون الحسن بن علي -رضي الله عنهما- خامس الخلفاء الراشدين.

    وبهذا حقن الحسن دماءَ المسلمين، وقد قال الحسن -رضي الله عنه-: "خشيتُ أن يجيء يوم القيامة سبعون ألفًا، أو أكثر أو أقل، كلهم تنضح أوداجهم دمًا، كلهم يستعدي الله فيمَ هُريق دمه" (البداية والنهاية).

    فالحسن بن علي -رضي الله عنه- أراد أن يحقن دماء المسلمين قربة إلى الله -عز وجل-، وخشي على نفسه مِن حساب الله يوم القيامة في أمر الدماء، ولو أدى به الأمر إلى ترك الخلافة؛ فكان ذلك دافعًا له نحو الصلح، فهو يعلم -رضي الله عنه- خطورة سفك الدماء بيْن المسلمين؛ لأن ذلك مِن أخطر الأمور التي تهز كيان البشرية، ثم حرص الحسن على وحدة الأمة بتنازله عن عرضٍ زائل مِن أعراض الدنيا حتى سُمي ذلك العام "عام الجماعة".

    وهذا يدل على فقه الحسن -رضي الله عنه- في معرفته لاعتبار المآلات، ومراعاته نتائج التصرفات، ولهذا الفقه مظاهره في كتاب الله وشواهده، وكان هذا العام سعيدًا على المسلمين؛ لاجتماع الكلمة ووحدة الصف، وللمرة الأولى منذ ست سنواتٍ يهدأ القتال، وتُجمع الأمة الإسلامية على خليفةٍ واحدٍ، وبهذا قامت الدولة الأموية وتأسست على يد معاوية -رضي الله عنه-، وتصدت الدولة الأموية للخوارج.

    ثم عادت حركة الفتوحات المباركة، وتعد الفتنة التي أدت إلى استشهاد عثمان -رضي الله عنه- أكبر معوق أصاب الدعوة الإسلامية بعد حركة الردة أيام أبي بكر -رضي الله عنه-، حيث أدى استشهاد عثمان -رضي الله عنه- إلى توقف الجهاد، واتجاه سيوف المسلمين إلى بعضهم في فتنةٍ كادت تعصف بالأمة الإسلامية؛ لولا أن تداركتها رحمة الله -سبحانه وتعالى- بصلح الحسن بن علي مع معاوية -رضي الله عن الجميع-.

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـ

    (1) شرح بعض ألفاظ الرواية: (بكتائب) جمع كتيبة، وهي الجيش ويقال الكتيبة ما جمع بعضها إلى بعض. (أقرانها) جمع قرن، وهو الكفء والنظير في الشجاعة والحرب. (خير الرجلين) مِن كلام الحسن البصري، وقع معترضًا بيْن قوله: قال له معاوية، وبيْن قوله: أي عمرو، وأراد بالرجلين معاوية وعمرًا، وأراد بخيرهما معاوية، وقال ذلك لأن عمرًا كان أشد مِن معاوية في الخلاف مع الحسن بن علي -رضي الله عنهم أجمعين-. (بضيعتهم) أي مَن يقوم بأطفالهم وضعفائهم الذين لو تركوا بحالهم لضاعوا؛ لعدم قدرتهم على الاستقلال بالمعاش. (أصبنا مِن هذا المال) أي أيام الخلافة حصل لدينا مال كثير وصارت عادتنا الإنفاق على الأهل والحاشية، فإن تركنا هذا الأمر قطعنا عادتنا. (عاثت) قتل بعضها بعضًا فلا يكفون إلا بالمال. (فمن لي بهذا) يتكفل لي بالذي تذكرانه. (ابني) المراد ابن ابنته، ويطلق على ولد الولد أنه ابن.


    (2) الجراح بن سنان الأسدى له سابقة في الشر، حيث كان مِن الذين بهتوا سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، وسعوا في عزله في الكوفة أيام خلافة عمر -رضي الله عنه-، فدعا عليهم سعد، فكان لهم مِن سوء الخاتمة نصيب (الطبري 4/ 141).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    33,914

    افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد

    صفحات مِن ذاكرة التاريخ (28)

    فتنة حُجر بن عدي -رضي الله عنه-






    كتبه/ زين العابدين كامل

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    فهذه حركة معارضة جديدة قادها حُجر بن عدي الكندي -رضي الله عنه-، وحجر بن عدي مختلف في صحبته، وذكر ابن سعد ومصعب الزبيري فيما رواه الحاكم عنه أنه وفد على النبي -صلى الله عليه وسلم- هو وأخوه هانئ بن عدي، وأما البخاري, وابن أبي حاتم عن أبيه, وخليفة بن خياط, وابن حبان، فذكروه في التابعين.
    وكان حجر بن عدي مِن شيعة علي -رضي الله عنه- في الجمل وصفين. وكان رضي الله عنه مِن المعارضين للصلح الذي قام بيْن الحسن ومعاوية -رضي الله عنهما-، غير أن هذه المعارضة لم يترتب عليها في هذه المرحلة أي فعل، بل اقتصرت على الأقوال فقط (مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري ص422).
    ولم يزل حجر بن عدي منكِرًا على الحسن بن علي بن أبي طالب صلحه لمعاوية -رضي الله عنهم-، فكان يلومه على ذلك، ويقول: "تركتَ القتال ومعك أربعون ألفًا ذوو نيات وبصائر في قتال عدوك"، ثم كان بعد ذلك يذكر معاوية فيعيبه (البلاذري: أنساب الأشراف 4/ 255).
    وكان زياد بن أبيه في خلافة علي واليًا مِن ولاته، وكان حجر بن عدي مِن أولياء زياد بن أبيه وأنصاره يومئذٍ، ولم يكن ينكر عليه شيئًا، فلما صار مِن ولاة معاوية صار ينكر عليه، ولما قدِم زياد الكوفة أميرًا مِن قِبَل معاوية -رضي الله عنه- أكرم حجر بن عدي، وأدناه، وشفَّعَه، و قَال له: "قد بلغني ما كنت تصنع بالمغيرة بن شعبة، وما كان يحتمل منك"، ثم لما أراد زياد الانحدار إلى البصرة دعاه، فقال له: "يا حجر إنك قد رأيت ما صنعت بك، وإني أريد البصرة، فأحب أن تشخص معي، فإني أكره أن تتخلف بعدي، فعسى أن أبلَّغ عنك شيئًا فيقع في نفسي، وإذا كنت معي لم يقع في نفسي منك شيء، فقد علمتُ رأيك في علي بن أبي طالب، وقد كان رأيي فيه قبلك على مثل ذلك، فلما رأيتُ الله صرف الأمر إلى معاوية، لم أتهم قضاء الله ورضيت به، وقد رأيتُ إلى ما صار أمر علي وأصحابه، وإني أحذرك أن تركب أعجاز أمور هلك مَن ركب صدورها".
    وهذا تحذير مِن زياد لحجر يدل على رغبته على حسم مادة الفتنة؛ ولذلك حرص على اصطحابه معه إلى البصرة، فقال حجر: "إني مريض، ولا أستطيع الشخوص"، فخرج زياد فلحق بالبصرة، واجتمع إلى حجر قُرّاء أهل الكوفة، فجعل لا ينفذ لعامل زياد معهم أمر، ولا يريد شيئًا إلا منعوه إياه. (البلاذري، المصدر السابق 4/ 270).
    والمقصود مِن كلام زياد أنه كان مِن خواص علي -رضي الله عنه-، ولما رأى تنازل الحسن لمعاوية -رضي الله عنهما- وإجماع الأمة عليه دخل في الجماعة، وحرص على وحدة الصف، وحذر مِن الفتن، ثم في عام 51هـ حدث تدهور أخر في علاقة حجر بن عدي مع زياد بن أبيه والي العراق، وقد ذكر المؤرخون أن زيادًا -وهو أمير الكوفة- خطب خطبة أطال فيها، فنادى حجر بن عدي: "الصلاة!"، فمضى زياد في خطبته؛ فحصبه حجر وحصبه آخرون معه -أي ألقوه بالحجارة-، فكتب زياد إلى معاوية يشكو بغي حجر على أميره في بيت الله، وعدَّ ذلك مِن الفساد في الأرض، فكتب معاوية إلى زياد أن سرح به إليَّ (تاريخ الرسل والملوك للطبري 5/ 169).
    قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "ولكن حجرًا فيما يُقال رأى مِن زياد أمورًا منكرة فحصبه، وخلعه، وأراد أن يقيم الخلق للفتنة، فجعله معاوية ممن سعى في الأرض فسادًا" (العواصم مِن القواصم).
    ويقول محب الدين الخطيب في تعليقه على "العواصم مِن القواصم": "كان حجر بن عدي مِن أولياء زياد وأنصاره، ولم يكن ينكر عليه شيئًا، فلما صار مِن ولاة معاوية صار ينكر عليه مدفوعًا بعاطفة التحزب والتشيع، وكان حجر يفعل مثل ذلك مع مَن تولى الكوفة لمعاوية قبْل زياد".
    ثم كان مِن أمر معاوية -رضي الله عنه- أنه أمر بقتل حجر بن عدي وبعض أصحابه، وهو لم يقتلهم على الفور، ولم يطلب منهم البراءة مِن علي -رضي الله عنه- كما تزعم بعض الروايات الشيعية المكذوبة، بل استشار أهل مشورته، ثم كان حكمه فيهم.
    والحجة في ذلك ما يرويه صالح بن أحمد بن حنبل بإسنادٍ حسن عن ابن عياش، قال: "حدثني شرحبيل بن مسلم قال: لما بُعِث بحجر بن عدي وأصحابه مِن العراق إلى معاوية بن أبي سفيان، استشار الناس في قتلهم، فمنهم المشير، ومنهم الساكت. فدخل معاوية منزله، فلما صلى الظهر قام في الناس خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه، ثم جلس على منبره، فقام المنادي فنادى: أين عمرو بن الأسود العنسي؟ فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا إنا بحصن مِن الله حصين لم نؤمر بتركه، وقولك يا أمير المؤمنين في أهل العراق، ألا وأنت الراعي ونحن الرعية، ألا وأنت أعلمنا بدائهم، وأقدرنا على دوائهم، وإنما علينا أن نقول: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة:285)، فقال معاوية -رضي الله عنه-: "أما عمرو بن الأسود فقد تبرأ إلينا مِن دمائهم، ورمى بها ما بيْن عيني معاوية". ثم قام المنادي فنادى: أين أبو مسلم الخولاني؟ فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، فلا والله ما أبغضناك منذ أحببناك، ولا عصيناك منذ أطعناك، ولا فارقناك منذ جامعناك، ولا نكثنا بيعتنا منذ بايعناك، سيوفنا على عواتقنا، إن أمرتنا أطعناك، وإن دعوتنا أجبناك، وإن سبقناك نظرناك"، ثم جلس. ثم قام المنادي فقال: أين عبد الله بن مِخْمَر الشرعبي؟ فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "وقولك يا أمير المؤمنين في هذه العصابة مِن أهل العراق، إن تعاقبهم فقد أصبت، وإن تعفُ فقد أحسنت".
    فقام المنادي فنادى: أين عبد الله بن أسد القسري؟ فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "يا أمير المؤمنين، رعيتك وولايتك وأهل طاعتك، إن تعاقبهم فقد جنوا على أنفسهم العقوبة، وإن تعفو؛ فإن العفو أقرب للتقوى، يا أمير المؤمنين لا تطع فينا مَن كان غشومًا ظلومًا، بالليل نؤومًا، عن عمل الآخرة سؤومًا، يا أمير المؤمنين إن الدنيا قد انخشعتْ أوتارها، ومالت بها عمادها، وأحبها أصحابها، واقترب منها ميعادها"، ثم جلس، ثم قتل معاوية بعضًا واستحيا بعضًا، وكان فيمن قتل حجر بن عدي" (أحمد بن حنبل، المسائل، رواية ابنه صالح 2/ 328، 331).

    وقد اعتمد معاوية -رضي الله عنه- في قضائه على قوله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ) (رواه مسلم)، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ) (رواه مسلم). (هَنَاتٌ): جمع هَنَّة، والمراد بها هنا الفتن، والأمور الحادثة.
    وعن ابن أبي مليكه: إن معاوية جاء يستأذن على عائشة، فأبتْ أن تأذن له، فخرج غلام لها يقال له: ذكوان، قال: ويحك أدخلني على عائشة، فإنها قد غضبت علَيَّ، فلم يزل بها غلامها حتى أذِنتْ له، وكان أطوع مني عندها، فلما دخل عليها قال: "أٌمّاه فيما وجَدْتِ عليَّ يرحمكِ الله؟ قالت: "وجدتُ عليك في شأن حِجْر وأصحابه أنك قتلتهم". فقال لها: "وأما حِجْر وأصحابه فإني تخوفت أمرًا، وخشيت فتنة تكون، تهراق فيها الدماء، وتستحل فيها المحارم، وأنت تخافيني، دعيني والله يفعل بي ما يشاء". قالت: "تركتك والله، تركتك والله، تركتك والله".
    وجاء في رواية أخرى: "لما قدِم معاوية دخل على عائشة، فقالت: "أقتلت حجرًا؟". قال: "يا أم المؤمنين، إني وجدتُ قتل رجلٍ في صلاح الناس، خير مِن استحيائه في فسادهم" (تاريخ دمشق لابن عساكر 4/ 273، 274)، ومع ذلك فقد ذكرتْ بعض المصادر التاريخية أن معاوية -رضي الله عنه- ندم بعد ذلك على قتل حجر بن عدي (تاريخ الطبري 6/ 195، سير أعلام النبلاء 3/ 465).
    قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "فإن قيل: قتل حجر بن عدي -وهو مِن الصحابة، مشهور بالخير- صبرًا أسيرًا، وبعثت إليه عائشة في أمره فوجدته قد فات بقتله.
    قلنا: علمنا قتل حجر كلنا، واختلفنا: فقائل يقول: قتله ظلمًا، وقائل يقول: قتله حقـًّا.
    فإن قيل: الأصل قتله ظلمًا؛ إلا إذا ثبتْ عليه ما يوجب قتله.
    قلنا: الأصل أن قتل الإمام بالحق -ولا شك أن الأصل في الدماء أنها معصومة، وذلك ثابت بنصوص الكتاب والسُّنة-، فمَن ادعى أنه بالظلم فعليه الدليل، ولو كان ظلمًا محضًا لما بقي بيت إلا لُعن فيه معاوية، وقد كلمته عائشة -رضي الله عنها- في أمره حين حج، فقال لها: دعيني وحجرًا حتى نلتقي عند الله. وأنتم معشر المسلمين أولى أن تدعوهما حتى يقفا بيْن يدي الله مع صاحبهما العدل الأمين المصطفى المكين".
    وقال محب الدين الخطيب: "فالذين يريدون أن معاوية قتله بحق يقولون: ما مِن حكومة في الدنيا تعاقب بأقل مِن ذلك، مَن يحصب أميره وهو قائم يخطب على المنبر في المسجد الجامع، مندفعًا بعاطفة الحزبية والتشيع. والذين يعارضونهم يذكرون فضائل حجر ويقولون: كان ينبغي لمعاوية أن لا يخرج عن سجيته مِن الحلم وسعة الصدر لمخالفيه.
    ويجيبهم الآخرون بأن معاوية يملك الحلم وسعة الصدر عند البغي عليه في شخصه، فأما البغي على الجماعة في شخص حاكمها وهو على منبر المسجد؛ فهو ما لا يملك معاوية أن يتسامح فيه، ولا سيما في مثل الكوفة التي أخرجت العدد الأكبر مِن أهل الفتنة الذين بغوا على عثمان بسبب مثل هذا التسامح، فكبدوا الأمة مِن دمائها، وسمعتها، وسلامة قلوبها، ومواقف جهادها، تضحيات غالية كانت في غنى عنها؛ لو أن هيبة الدولة حُفظتْ بتأديب عددٍ قليلٍ مِن أهل الرعونة والطيش في الوقت المناسب، وكما كانت عائشة -رضي الله عنها- تود لو أن معاوية -رضي الله عنه- شمل حجرًا بسعة صدره، فإن عبد الله بن عمر كان يتمنى مثل ذلك، والواقع أن معاوية -رضي الله عنه- كان فيه مِن حلم عثمان -رضي الله عنه- وسجاياه؛ إلا أنه في مواقف الحكم كان يتبصر في عاقبة عثمان، وما جرَّ إليه تمادي الذين اجترؤوا عليه".
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وَقَلَّ مَنْ خَرَجَ عَلَى إِمَامٍ ذِي سُلْطَانٍ إِلَّا كَانَ مَا تَوَلَّدَ عَلَى فِعْلِهِ مِنَ الشَّرِّ أَعْظَمَ مِمَّا تَوَلَّدَ مِنَ الْخَيْرِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْحَرَّةِ وَابْنُ الْأَشْعَثِ وَابْنُ الْمُهَلَّبِ وَغَيْرُهُمْ؛ فَهُزِمُوا وَهُزِمَ أَصْحَابُهُمْ، فَلَا أَقَامُوا دِينًا وَلَا أَبْقَوْا دُنْيَا" (منهاج السُّنة 2/ 241).

    وهكذا مرت هذه الحركة مِن المعارضة دون أن تحقق أدنى مصلحة، ولا بد أن نتعلم مِن التاريخ؛ فهو مرآة الأمم .
    والله المستعان.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    33,914

    افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد



    صفحات مِن ذاكرة التاريخ (29)

    معارضة الحسين بن علي -رضي الله عنهما- في عهد يزيد بن معاوية









    كتبه/ زين العابدين كامل


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    وفاة معاوية ومعارضة الحسين بن علي -رضي الله عنهم-:

    تُمثـِّل معارضة الحسين بن علي -رضي الله عنهما- ليزيد بن معاوية نقطة تحول في التاريخ، فهي تٌعد أول معارضة عملية في خلافة يزيد، وقد أثرت حادثة مقتل الحسين على المجتمع الإسلامي بصفة عامة وعلى الدولة الأموية وتاريخها بصفة خاصة، بل واستمر تأثير هذه الحادثة لمدةٍ قرون طويلة، بل إلى يومنا هذا، وهناك مَن انحرف مِن أبناء الأمة بسبب هذه الحادثة، وظهر بسببها التعصب والانحراف الفكري عند الكثيرين، وكانت هذه الحادثة هي إحدى الروافد التي ساعدتْ على قيام الثورات ضد الأمويين، وكان موقف الحسين -رضي الله عنه- مِن بيعة يزيد بن معاوية هو موقف المعارض، وشاركه في المعارضة عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما-.

    والسبب في ذلك: حرصهما على مبدأ الشورى، وأن يتولى الأمة أصلحها، وتلك الممانعة الشديدة مِن قِبَل الحسين وابن الزبير -رضي الله عنهم-، قد عبَّرت عن نفسها بشكلٍ عملي فيما بعد، فالحسين -رضي الله عنه- كما مر سابقًا، كان معارضًا للصلح بيْن الحسن ومعاوية -رضي الله عنهما-، والذي حمله على قبوله هو متابعة أخيه الحسن بن علي، ثم إن الحسين بن علي استمر على صِلاته بأهل الكوفة، وقد كان يعدهم بالمعارضة، ولكن بعد وفاة معاوية، والدليل على ذلك أنه بمجرد وفاة معاوية سارع زعماء الكوفة بالكتابة إلى الحسين، وطلبوا منه المسير إليهم على وجه السرعة (مواقف المعارضة في خلافة يزيد للشيباني، ص 180).

    والذي يبدو أن أهل الكوفة كانوا يتخيلون ويتوقعون أن المرشح الأقوى للخلافة بعد معاوية هو الحسين -رضي الله عنه- (أنساب الأشراف للبلاذري 3/ 152)، وكان معاوية -رضي الله عنه- دائم الصلة بالحسين، وكان يوقره ويكرمه، ويغدق له في العطاء، وقيل: إنه أعطاه مرة أربعمائة ألف (المصنف لابن أبي شيبة، وانظر المصدر السابق).

    وقد أوصى معاوية -رضي الله عنه- ابنه يزيد، فقال له: "انظر حسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنه أحب الناس إلى الناس؛ فصل رحمه، وارفق به يصلح لك أمره؛ فإن يك منه شيء فإني أرجو أن يكفيكه الله بمَن قتل أباه، وخذل أخاه" (الطبقات لابن سعد 1/ 244).

    وقد كانت هناك وصية جامعة مِن معاوية لابنه يزيد، قال عوانة: "قد سمعنا أن معاوية لما حضره الموت -وذلك في سنة ستين- وكان يزيد غائبًا، فدعا بالضحاك بن قيس الفهري -وكان صاحب شرطته- ومسلم بن عقبة المري، فأوصى إليهما، فقال: بلغا يزيد وصيتي، انظر أهل الحجاز فإنهم أصلك؛ فأكرم مَن قدم عليك منهم، وتعاهد مَن غاب، وانظر أهل العراق، فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملاً؛ فافعل، فإن عزل عامل أحب إلي مِن أن تشهر عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك، فإن نابك شيء مِن عدوك فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم، وإني لستُ أخاف مِن قريش إلا ثلاثة: حسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، فأما ابن عمر فرجل قد وقذه الدين، فليس ملتمسًا شيئًا قبلك، وأما الحسين بن علي فإنه رجل خفيف، وأرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه، وخذل أخاه، وإن له رحمًا ماسة، وحقـًّا عظيمًا، وقرابة مِن محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه، فإن قدرت عليه فاصفح عنه، فإني لو أني صاحبه عفوت عنه، وأما ابن الزبير فإنه خب -الخب: الخداع- ضب، فإذا شخص لك فالبد له -أي تعامل معه بحزم وحرص-؛ إلا أن يلتمس منك صلحًا، فإن فعل فاقبل، واحقن دماء قومك ما استطعت" (تاريخ الرسل والملوك للطبري 5/ 523).

    وهكذا رسم معاوية -رضي الله عنه- ليزيد سياسة التعامل مع الأقاليم المختلفة، وكذلك بعض الأشخاص أيضًا، وبالفعل توافدت الرسائل مِن زعماء الكوفة على الحسين -رضي الله عنه-، والتي تطلب منه المسارعة في القدوم إليهم، ولما كان العدد مشجعًا، أراد أن يطلع على حقيقة الأمر، فبعث ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب ليستجلي له حقيقة الخبر، ثم يكتب إليه بواقع الحال، فإن كان ما يقولون حقـًّا قدِم عليهم، ولما بلغ أهل الكوفة قدوم مسلم بن عقيل قدموا إليه، فبايعه اثنا عشر ألفًا" (تاريخ دمشق لابن عساكر).

    وتمتْ تلك المبايعة بصورة سرية، ولما تأكد لمسلم بن عقيل رغبة أهل الكوفة في الحسين وقدومه إليهم، كتب إلى الحسين: إن جميع أهل الكوفة معك فأقبل حين تنظر في كتابي، وهنا تأكد للحسين صدق نوايا أهل الكوفة، وأنه ليس عليهم إمام كما ذكروا مِن قبْل، فلما وصل إلى الحسين بن علي كتاب مسلم بن عقيل، والذي طلب منه القدوم إلى الكوفة، وأن الأمر مهيأ لقدومه؛ تجهز الحسين بن علي، وعزم على المضي إلى الكوفة بأهله وخاصته.

    نصائح الصحابة والتابعين إلى الحسين بعدم الخروج إلى الكوفة:

    لا شك أن مسألة خروج الحسين -رضي الله عنه- على يزيد كانت محل جدال وخلاف بيْن الكثيرين(1)، وقد حرص كثيرٌ مِن الصحابة على منع الحسين مِن الخروج لكنه أبى.

    ومِن الذين عارضوا خروج الحسين -رضي الله عنه-:

    محمد بن الحنفية: لما بلغ محمد بن الحنفية عزم أخيه الحسين على الخروج إلى الكوفة قدِم عليه، وقال: يا أخي أنت أحب الناس إلي، وأعزهم علي، ولستُ أدخر النصيحة لأحدٍ مِن الخلق أحق بها منك، تنح ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت، ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك، فإن بايعوا لكَ حمدنا الله على ذلك، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك، ويذهب به مروءتك ولا فضلك، إني أخاف أن تدخل مصرًا مِن هذه الأمصار وتأتي جماعة مِن الناس فيختلفون بينهم، فمنهم طائفة معك، وأخرى عليك؛ فيقتتلون فتكون لأول الأسنة غرضًا، فإذا خير هذه الأمة كلها نفسًا، وأبًا وأمًا، أضيعها دمًا، وأذلها أهلًا، فقال الحسين: فإني ذاهب يا أخي، قال: فانزل مكة فإذا أطمأنت بك الدار فسبيل ذلك، وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال، وخرجتَ مِن بلدٍ إلى بلدٍ حتى تنتظر إلى ما يصير أمر الناس، وتعرف عند ذلك الرأي فإنك أصوب ما تكون رأيًا، وأحزمه عملاً حين تستقبل الأمور استقبالاً، ولا تكون الأمور عليك أبدًا أشكل منها حين تستدبرها استدبارًا، قال: يا أخي قد نصحت فأشفقت، وأرجو أن يكون رأيك سديدًا" (تاريخ الرسل والملوك للطبري 5/ 341).

    ومِن الصحابة الذين عارضوا خروج الحسين -رضي الله عنه-:

    عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: ولما بلغ خبر عزمه على الخروج إلى ابن عمه عبد الله بن عباس، أتاه وقال: "يا ابن عم إنه قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبيّن لي ما أنت صانع؟ قال: قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين -إن شاء الله تعالى-. فقال له ابن عباس: أخبرني إن كان عدوك بعد ما قتلوا أميرهم ونفوا عدوهم وضبطوا بلادهم فسر إليهم، وإن كان أميرهم حي وهو مقيم عليهم، قاهر لهم وعماله تجبي بلادهم فإنهم إنما دعوك للفتنة والقتال، ولا آمن عليك أن يستفزوا عليك الناس ويقلبوا قلوبهم عليك، فيكون الذي دعوك أشد الناس عليك. فقال الحسين: إني استخير الله وأنظر ما يكون. ولكن ابن عباس أدرك مِن كلام الحسين واستعداده أنه عازم على الخروج، ولكنه يحاول إخفاء الأمر عنه لعلمه بعدم رضاه عن ذلك؛ لذا جاء ابن عباس إلى الحسين مِن الغد، فقال: يا ابن عم إني أتصبر ولا أصبر، وإني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك، إن أهل العراق قوم غدر؛ فلا تغترن بهم، أقم في هذا البلد حتى ينفي أهل العراق عدوهم ثم أقدم عليهم، وإلا فسر إلى اليمن فإن به حصونًا وشعابًا، ولأبيك به شيعة، وكن عن الناس بمعزل، واكتب إليهم وبث دعاتك فيهم، فإني أرجو إذا فعلت ذلك أن يكون ما تحب. فقال الحسين: يا ابن عم، والله إني لأعلم أنك ناصح شفيق، ولكني قد أزمعت المسير. فقال له: فإن كنت ولا بد سائرًا؛ فلا تسر بأولادك ونسائك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان، ونساؤه وولده ينظرون إليه" (تاريخ دمشق لابن عساكر).

    عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما-: وقد اتهمته بعض الروايات الضعيفة أنه أحد المتسببين في إقناع الحسين بالخروج إلى الكوفة، وهو نفسه ثبت عنه بأنه قد أسدى النصائح للحسين، وحذره مِن مغبة مغادرة مكة والذهاب إلى الكوفة، وقد نصح الحسين قائلاً: "أين تذهب إلى قوم قتلوا أباك، وطعنوا أخاك؟! فقال له الحسين: لأن أقتل بمكان كذا وكذا، أحب إلي مِن أن تستحل بي -يعني مكة-" (المصنف لابن أبي شيبة 15/ 95).

    عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: فقد نصح الحسين -رضي الله عنه- في أكثر مِن موقف، فحين بلغه خروج ابن الزبير والحسين إلى مكة رافضين بيعة يزيد لقيهما، وقال: "أذكركما الله إلا رجعتما فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس وتنظران، فإن اجتمع عليه الناس لم تشذا، وإن افترق عليه كان الذي تريدان" (الطبقات لابن سعد).

    ولما قدِم المدينة، وبلغه خروج الحسين لأهل الكوفة لحقه ابن عمر على مسيرة ليلتين، فقال: "أين تريد؟ قال: العراق، ومعه طوامير وكتب، فقال: لا تأتهم. قال: هذه كتبهم وبيعتهم. فقال: إن الله خيَّر نبيه بيْن الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وإنكم بضعة منه، لا يليها أحد منكم أبدًا، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم، فارجعوا فأبى، فاعتنقه ابن عمر، وقال: استودعك الله مِن قتيل" (سير أعلام النبلاء 3/ 292).

    وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول بعد ذلك: "غلبنا الحسين بن علي بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، ورأى مِن الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له ألا يتحرك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فإن الجماعة خير" (مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر 7/ 138).

    وقد نظر بعض الصحابة إلى العمل الذي سيُقدِم عليه الحسين -رضي الله عنه- بأنه في حقيقته خروج على الإمام صاحب البيعة، كما نظروا إلى خروج الحسين وما يحمله خروجه على أنه نذير شر وبلاء على الأمة مهما كانت النتائج لأيٍ مِن الطرفين.

    ومِن هؤلاء:

    - أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- حيث قال: "غلبني الحسين على الخروج، وقد قلتُ له: اتقِ الله في نفسك والزم بيتك، ولا تخرج على إمامك" (البداية والنهاية لابن كثير).

    - وقال جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: "كلمتُ حسينًا، فقلتُ له: اتقِ الله، ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فوالله ما حمدتم ما صنعتم فعصاني" (الطبقات لابن سعد).

    ولم تتوقف المحاولات الهادفة بيْن الحسين -رضي الله عنه- وبيْن خروجه إلى الكوفة؛ فكتب إليه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنهما-: "أما بعد، فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي، فإني مشفق عليك مِن الوجه التي توجهت له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك" (تاريخ الأمم والملوك للطبري).

    ولكن الحسين -رضي الله عنه- رفض الرجوع، وقد حاول كثيرٌ مِن أهل الرأي والحكمة منع الحسين -رضي الله عنه-، وكتب إليه المسور بن مخرمة -رضي الله عنه- وأبو واقد الليثي، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعبد الله بن مطيع، وسعيد بن المسيب، وعمرو بن سعيد بن العاص، وابن عياش، ويزيد بن الأصم، والأحنف بن قيس، وعمرة بنت عبد الرحمن، وغيرهم.

    ومِن الملاحظ: إجماع كل مَن نصح الحسين -رضي الله عنه- على ألا يخرج للعراق، ولا يثق في أهل الكوفة، وإجماع الناصحين للحسين على خيانة أهل الكوفة ووجوب عدم الثقة بوعودهم، وكذلك يلفت الانتباه: إجماعهم في توقعهم لمقتل الحسين كما يبدو ذلك مِن أسفهم عليه، وكلمات التوديع له؛ وما ذلك إلا دليل على معرفة أولئك الناصحين مِن العلماء بالأوضاع، ووعيهم لما سبق مِن أحداثٍ جَرَت إبان الفتنة بيْن علي ومعاوية -رضي الله عنهما- عرفوا مِن خلالها الدوافع والأهواء التي تدفع ببعض الأقوام للاستفادة مِن إثارة الإحن ودوام الفتن. (الدولة الأموية: عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار ص 465).

    وكل هذه النصائح لم تؤثِّر على الحسين -رضي الله عنه- في قراره بالخروج إلى الكوفة، فعقد العزم على الخروج، وأخذ يجهز نفسه وأهل بيته للخروج، وبالفعل خرج في يوم التروية "الثامن مِن ذي الحجة" سنة 60 هـ - 680م، وخرج معه أهل بيته، وقيل خرج معه ستون شيخ مِن أهل الكوفة،.

    وهنا تكررت بعض المحاولات مِن كثيرٍ مِن الناصحين أثناء سير الحسين -رضي الله عنه- إلى الكوفة، ولكنها دون جدوى؛ فالحسين رغم كل ما سمعه مِن المقربين المخلصين لا يتراجع عن قراره؛ فهذا قدر الله وهذا حكمته، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.

    ولعل مِن الأسباب التي جعلت الحسين -رضي الله عنه- لا يتراجع عن رأيه: هو الواقع الذي يراه الحسين -رضي الله عنه-، فيزيد لن يترك الحسين هكذا دون بيعة، وربما توقع الحسين أن يزيد سيحمله على البيعة في أقرب وقت ممكن، ولن يرضى أن تكون له حرية التصرف دون بيعة، ولعل الحسين -رضي الله عنه- شعر بالحرج مِن وجوده في مكةٍ دون بيعة الخليفة، دون أن يكون له ما يبرر موقفه بشكلٍ واضح.

    أضف إلى ذلك: الخوف مِن تأصيل القيصرية والهرقلية والتوريث في الأمة، وهذا يعد مِن أنواع الفساد بلا شك، وكان موقف الحسين مِن بيعة يزيد بن معاوية هو موقف المعارض منذ البداية.

    والسبب في ذلك: الحرص على مبدأ الشورى، وأن يتولى الأمة أصلحها، ثم الصورة المشجعة التي نقلها له ابن عمه مسلم ابن عقيل لحالة الكوفة، وأن أهلها جميعًا ينتظرون الحسين، والنصر يتوقف على حضور الحسين فقط، فربما كانت هذه بعض الأسباب التي جعلت الحسين -رضي الله عنه- اتخذ قراره بلا رجعة. والله أعلى وأعلم. (مواقف المعارضة في خلافة يزيد، للشيباني، ص 302).

    ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــــ

    (1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "إن الله -تعالى- بعث رسوله -صلى الله عليه وسلم- بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تولى خليفة مِن الخلفاء: كيزيد، وعبد الملك، والمنصور، وغيرهم؛ فإما أن يُقال: يجب منعه مِن الولاية وقتاله حتى يُولى غيره كما يفعله مَن يرى السيف، فهذا رأى فاسد؛ فإن مفسدة هذا أعظم مِن مصلحته، وقلَّ مَن خرج على إمامٍ ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله مِن الشر أعظم مما تولد مِن الخير، كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق، وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضًا، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة وأمثال هؤلاء، وغاية هؤلاء إما أن يُغلبوا، وإما أن يَغلبوا ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة، فإن عبد الله بن علي، وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلقًا كثيرًا، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور، وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم؛ فهُزموا وهُزم أصحابهم، فلا أقاموا دينًا ولا أبقوا دنيا.

    والله -تعالى- لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا، وإن كان فاعل ذلك مِن أولياء الله المتقين، ومِن أهل الجنة؛ فليسوا أفضل مِن علي وعائشة وطلحة والزبير وغيرهم، ومع هذا لم يُحمد ما فعلوه مِن القتال، وهم أعظم قدْرًا عند الله وأحسن نية مِن غيرهم" (منهاج السُّنة).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    33,914

    افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد



    صفحات مِن ذاكرة التاريخ (30)

    مقتل الحسين بن علي -رضي الله عنهما- في عهد يزيد بن معاوية









    كتبه/ زين العابدين كامل


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فقد ذكرنا في المقال السابق أن معارضة الحسين بن علي -رضي الله عنهما- ليزيد بن معاوية تُمثِّل نقطة تحول في التاريخ؛ فهي تُعد أول معارضة عملية في خلافة يزيد، وقد أثَّرت حادثة مقتل الحسين -رضي الله عنه- على المجتمع الإسلامي بصفة عامة، وعلى الدولة الأموية وتاريخها بصفةٍ خاصة، بل واستمر تأثير هذه الحادثة لمدة قرونٍ طويلة، بل إلى يومنا هذا!

    وهناك مَن انحرف مِن أبناء الأمة بسبب هذه الحادثة، وظهر بسببها التعصب والانحراف الفكري عند الكثيرين، وكانت هذه الحادثة هي إحدى الروافد التي ساعدتْ على قيام الثورات ضد الأمويين، وقد ألقينا الضوء على وجهة نظر كبار الصحابة والتابعين حول مسألة خروج الحسين -رضي الله عنه- ونصائحهم له بعدم الخروج إلى الكوفة، وذكرنا الدوافع التي كانت وراء خروج الحسين -رضي الله عنه- مِن وجهة نظره.

    موقف يزيد مِن أحداث الكوفة:

    لم يغب عن يزيد تحركات الحسين -رضي الله عنه-، وخروجه مِن المدينة رافضًا البيعة، واستقراره بمكة وعلاقته مع الكوفيين، لكنه كان يريد العمل بوصية أبيه معاوية مع الحسين -رضي الله عنه- وهي الرفق به؛ لذا لم يحرِّك يزيد ساكنًا مع معرفته بما يحدث، لكنه لما تأكد مِن تصميم الحسين -رضي الله عنه- على الاستجابة لدعوة أهل الكوفة، كتب لابن عباس -رضي الله عنهما-؛ لأنه شيخ بني هاشم في عصره وعالم المسلمين، قائلًا: "ونحسب أن رجالًا أتوه مِن المشرق فمنّوه الخلافة، فإنهم عندك منهم خبرة وتجربة، فإن كان فعل فقد قطع وشائج القرابة، وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه، فاكففه عن السعي في الفرقة".

    ثم كتب بهذه الأبيات إليه، وإلى مَن بمكة والمدينة مِن قريش:

    يا أيـهـا الـراكـب الــغـادي لـطـيـتـه على عُـذَافـرةِ فـي ســيــرها قـحــم

    أبلغ قريـشًا على نـأي الـمـزار بهـا بيني وبين حـسيـن الـلـه والـرحــم

    إلى أن قال:

    يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ خـمدت وأمسكوا بـجـبال السلم واعتصموا

    لا تركبوا البغي إن البغي مـصرعه وإن شــارب كـأس الـبـغـي يـتـخـم

    فـقـد غـرّت الـحـرب مَن كان قبلـكم مِن القرون وقـد بـادت بـهـا الأمـم

    فـأنصـفـوا قـومكم لا تهلكوا بـذخــًا فــرب ذي بــذخ زلــت بــه الــقـدم

    "طيته: أي: حاجته. عذافرة: الناقة الشديدة العظيمة. قحم: أي سريعة تطوى المنازل وتقتحمها منزلة بعد منزلة" (البداية والنهاية).

    فكتب إليه ابن عباس -رضي الله عنهما-: "إني لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه، ولستُ أدع النصيحة له في كل ما يجمع الله به الألفة وتُطفى به الثائرة" (سير أعلام النبلاء للذهبي).

    وفي تلك الأثناء كانت الأحداث تتسارع، وذلك بعد ما أخذ الشيعة يلتفون حول مسلم بن عقيل ليبايعوا الحسين -رضي الله عنه-، وعندما أحس النعمان بن بشير الأنصاري والي الكوفة بخطورة الوضع قام فخطب في الناس، وقال: "اتقوا الله عباد الله، ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإن فيها يهلك الرجال، وتسفك الدماء وتغصب الأموال". وقال: "إني لن أقتل مَن لم يقاتلني، ولن أثب على مَن لا يثب عليَّ، لا أشاتمكم ولا أتحرش بكم، ولا آخذ بالقرف ولا الظنة والتهمة، ولكن إن أبديتم صفحتكم لي، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن لي منكم ناصر، أما إني أرجو أن يكون مَن يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل".

    ولم تعجب يزيد سياسة النعمان فعزله مِن ولاية الكوفة، وعين بدله عبيد الله بن زياد واليه على البصرة؛ وذلك لأن بعض المقربين مِن يزيد أخبروه أن النعمان يميل إلى السلم، وقد ظهر هذا في حديثه وخطبته، وأقبل ابن زياد إلى الكوفة ودخلها، فلما نزل في القصر نودي: "الصلاة جامعة"؛ فاجتمع الناس فخرج إليهم ثم خطبهم، ووعد مَن أطاع منهم خيرًا، وتوعَّد مَن خالف وحاول الفتنة منهم شرًّا" (تاريخ الرسل والملوك للطبري).

    وكان عبيد الله يتمتع بشخصية قوية، وقد بدأ بمراقبة وحصر الفئات المؤيدة لمسلم بن عقيل، والذين يؤمِّنون له السكن والمأوى والاجتماعات، وقد نجح عبيد الله بهذا في تحجيم تحركات مسلم بن عقيل، ونجح في ضبط الأمن في الكوفة، وبدأ الخوف يدب في قلوب بعض المؤيدين لابن عقيل، واستطاع عبيد الله أن يصل إلى مكان اختباء ابن عقيل (تاريخ الرسل والملوك للطبري).

    وحرص عبيد الله بن زياد على جمع المعلومات، واستطاع أن يخترق أتباع مسلم بن عقيل، وعلم بنزول مسلم بن عقيل في دار هانئ بن عروة (الأخبار الطوال للدينوري).

    واستطاع عبيد الله بحيلة أن يأتي بهانئ في قصر الإمارة، وواجهه بما يعرف؛ فأنكر هانئ في البداية، لكنه اعترف بعد ذلك؛ لأنه أيقن أن عبيد الله علم بكل شيء، ثم قام عبيد الله فضرب وجهه، وهشم أنفه، وكسر حاجبه، وسال منه الدم وأمر به فأدخل بيتًا وتم سجنه فيه (أنساب الأشراف للبلاذري).

    ولما بلغ مسلم بن عقيل خبر ضرب وجه هانئ بن عروة، أمر أن ينادي في أصحابه الذين بايعوه، فتنادى أهل الكوفة فاجتمعوا إليه وكان عدد الذين حضروا أربعة آلاف رجل.

    وتقدَّم مسلم بهذه الجموع صوب قصر الإمارة التي يتحصن بها ابن زياد، وهنا طلب ابن زياد مِن أشراف الناس وزعماء الكوفة الذين معه في القصر، وكان قد جمعهم عنده، فطلب منهم أن يعظوا الناس ويخذلوهم ويخوفوهم بقرب أهل الشام، وصار هؤلاء الأمراء والزعماء يثبطون الناس، ويذكرونهم بالسلامة والأمن، وأنهم إن لم ينصرفوا سيحرمون مِن العطاء، وسيساقون إلى الثغور، وسينالهم العقاب الشديد، ولم يكن التثبيط مقصورًا على الأمراء فقط، بل إن النساء كان لهن دور كبير في إضعاف عزيمة المناصرين لمسلم؛ إضافة إلى الآباء وكبار السن، فقد كان لهم نفس الدور، وكانت المرأة تأتي ابنها وأخاها وتقول: "انصرف، الناس يكفونك"، ويجيء الرجل إلى ابنه وأخيه، ويقول: "غدًا يأتيك أهل الشام" فما تصنع بالحرب والشر، انصرف. (تاريخ الرسل والملوك للطبري).

    وأمام هذه الإجراءات السريعة مِن ابن زياد، وأمام الشد النفسي الذي نازع غالبية مَن انضموا إلى مسلم بن عقيل؛ أخذ هذا العدد يتضاءل حتى وصل إلى ستين رجلًا، ثم حدثت معركة بيْن الطرفين لم تدم طويلاً، ولما أمسى المساء تفرَّق الناس، وبقي مسلم بن عقيل وحيدًا في طرقات الكوفة (تاريخ الرسل والملوك للطبري).

    ثم أمر ابن زياد بقتل مسلم، واتخذ ابن زياد إجراءً يدل على قسوته وجبروته وظلمه، فقد أمر بهانئ فأخرج إلى السوق وقُتل، وظل هانئ يصيح لقبيلته، ولكن لم ينصره أحد، ثم صلب هانئ ومسلم في سوق أمام الناس، ثم أمر بضرب أعناق اثنين مِن الذين كانوا يخططون لنصر مسلم بن عقيل وصلبهما في السوق أيضًا!

    وكان مسلم بن عقيل يدعو عليهم عند قتله، ويقول: "اللهم احكم بيننا وبيْن قوم غرٌّونا وكذبونا، ثم خذلونا وقتلونا".

    موقف عبيد الله بن زياد مِن الحسين -رضي الله عنه- ومعركة كربلاء:

    خرج الحسين -رضي الله عنه- مِن مكة يوم التروية الموافق لثمان مِن ذي الحجة سنة ستين، وأدرك والي مكة عمرو بن سعيد بن العاص خطورة الموقف، فأرسل وفدًا إلى الحسين -رضي الله عنه-، وعلى رأسهم أخوه يحيى بن سعيد بن العاص، فحاولوا أن يثنوه عن عزمه، ولكنه رفض فنادوه: "يا حسين، ألا تتقي الله؟! تخرج عن جماعة المسلمين وتفرِّق بيْن هذه الأمة"، فردَّ الحسين -رضي الله عنه- بقول الله -تعالى-: (لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) (يونس:41)، فخرج الحسين -رضي الله عنه- متوجهًا إلى العراق في أهل بيته وستين شيخًا مِن أهل الكوفة (تاريخ الرسل والملوك للطبري).

    وكتب مروان بن الحكم وعمرو بن سعيد بن العاص إلى ابن زياد ينهيانه عن التعرض للحسين -رضي الله عنه-، وأن يكون حذرًا في تعامله مع الحسين -رضي الله عنه-؛ فهو الحسين ابن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتالله ما أحد يسلمه الله أحب إلينا مِن الحسين، وإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء، ولا ينساه العامة، ولا يدع ذكره، والسلام عليك (الطبقات لابن سعد).

    وفي الطريق إلى الكوفة: قابل الحسين -رضي الله عنه- "الفرزدق" الشاعر المشهور بذات عرق -ذات عرق على مرحلتين مِن مكة، وهو ميقات أهل العراق، وهو الحد بيْن نجد وتهامة-، فسأله الحسين بن علي -رضي الله عنهما- عن تصوره لما يقوم به أهل الكوفة حياله، ثم أراد أن يعطي الفرزدق إيضاحًا أكثر، وقال: "هذه كتبهم معي"، فرد عليه الفرزدق: "يخذلونك؛ فلا تذهب، فإنك تأتي قومًا، قلوبهم معك وأيديهم عليك" (البداية والنهاية لابن كثير).

    واستمر الحسين -رضي الله عنه- في مسيره إلى الكوفة، وهو لا يعلم شيئًا عن التغيرات التي حدثتْ، واتخذ ابن زياد بعض التدابير لكي يحول بيْن أهل الكوفة وبيْن الحسين -رضي الله عنه-، ويحكم سيطرته على الكوفة، فقام بجمع المقاتلة وفرَّق عليهم العطاء حتى يضمن ولاءهم، ثم أصدر أوامره إلى الحصين بن تميم صاحب شرطته بأن يقبض على كل مَن ينكره، ثم أمر ابن زياد بمراقبة جميع الطرق ما بيْن مكة والشام والبصرة، وأرسل خيله إلى حدود الكوفة ومنافذها، ولم يترك أحدًا يدخل أو يخرج، وبهذا قطع الاتصالات بيْن الكوفة والحسين (البداية والنهاية لابن كثير).

    وكانت لتلك الإجراءات الأمنية الصارمة التي اتخذها ابن زياد أثر كبير على نفوس أتباع الحسين -رضي الله عنه-، فهم يرون أن مَن كان له علاقة بالحسين فإن مصيره القتل، وعلى أبشع صورة فأصبح مَن يفكر في نصرة الحسين -رضي الله عنه- فإن عليه أن يتصور نهايته على ذلك النحو المؤلم، ولما بلغ الحسين زبالة -زبالة: منزل معروف بطريق مكة مِن الكوفة بيْن واقصة والثعلبين-، وقيل: شراف -شراف: بيْن واقصة والقرعاء على ثمانية أميال مِن الإحساء-، جاءه خبر مقتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن بقطر، إضافة إلى تخاذل أهل الكوفة عن نصرته، وكان لهذا الخبر المفجع المؤلم وقعه الشديد على الحسين -رضي الله عنه-، فهؤلاء أقرب الناس إليه قد قُتلوا، وأهل الكوفة تخاذلوا في نصرته (تاريخ الرسل والملوك للطبري).

    ولما بلغ الحسين -رضي الله عنه- مقتل ابن عمه مسلم بن عقيل وتخاذل الناس عنه؛ أعلم الحسين مَن معه بذلك، وقال: "مَن أحب أن ينصرف فلينصرف"؛ فتفرق الناس عنه يمينًا وشمالًا، وقال له بعض مَن ثبتوا معه: "ننشدك الله إلا ما رجعت مِن مكانك، فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة، بل نتخوف أن يكونوا عليك!".

    وهنا راجع الحسين أمره، وفكَّر في الوضع الراهن والواقع في الكوفة، وهمَّ أن يتراجع، وشاركه في رأيه ابنه الأكبر علي (الطبقات لابن سعد)، فوثب بنو عقيل إخوة مسلم، وقالوا: "والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق كما ذاق مسلم! ثم قال له بعض مِن حوله: إنك لست كمسلم بن عقيل، ولو قدمت الكوفة لأسرع الناس إليك" (تاريخ الرسل والملوك للطبري).

    فواصل الحسين -رضي الله عنه- سيره، وكان ابن زياد قد أمر الحرّ بن يزيد -وكان يقود ألف فارس- أن يعسكر في شراف، وأن يلازم الحسين عندما يدركه، ولا يأذن له بالانصراف حتى يدخله الكوفة، وقد أدرك الحرُّ بن يزيد الحسين -رضي الله عنه- ومَن معه قريبًا مِن شراف، ولما طلب منه الحسين -رضي الله عنه- الرجوع منعه، وذكر له أنه مأمور بملازمته حتى الكوفة، وقام الحسين وأخرج خرجين مملوءة بالكتب التي تطلب منه القدوم إلى الكوفة، فأنكر الحر والذين معه أي علاقة لهم بهذه الكتب، وهنا رفض الحسين الذهاب مع الحر إلى الكوفة وأصر على ذلك، فاقترح عليه الحر أن يسلك طريقًا يجنبه الكوفة ولا يرجعه إلى المدينة، وذلك مِن أجل أن يكتب الحر إلى ابن زياد بأمره، وأن يكتب الحسين إلى يزيد بأمره.

    وبالفعل تياسر الحسين عن طريق العذيب والقادسية، واتجه شمالًا على طريق الشام، وأخذ الحر يساير الحسين وينصحه بعدم المقاتلة، ويذكّره بالله، وبيّن له أنه إذا قاتل فسوف يقتل، وكان الحسين -رضي الله عنه- يصلي بالفريقين إذا حضرت الصلاة (تاريخ الرسل والملوك).

    ولما وصل الحسين -رضي الله عنه- إلى كربلاء أدركته خيل عمر بن سعد ومعه شمر بن ذي الجوشن، والحصين بن تميم (أنساب الأشراف للبلاذري)، وكان هذا الجيش الذي يقوده عمر بن سعد مكونًا مِن أربعة آلاف مقاتل، ولما وصل الحسين كربلاء أحاطت به الخيل، وبدأ الحسين بن علي -رضي الله عنهما- بالتفاوض مع عمر بن سعد، وبيّن الحسين أنه لم يأتِ إلى الكوفة إلا بطلبٍ مِن أهلها، وأبرز لعمر بن سعد الدليل على ذلك، وأشار إلى حقيبتين كبيرتين تتضمن أسماء المبايعين والداعين للحسين.

    وكتب عمر بن سعد لابن زياد بما سمعه مِن الحسين، وقال: "بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي، فسألتُه عما أقدمه، وماذا يطلب؟ فقال: كتب إليَّ أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم، فسألوني القدوم ففعلت، فأما إذا كرهوني، فبدا لهم غير ما أتتني به رسلهم فأنا منصرف عنهم"، فلما قرئ على ابن زياد تمثـَّل قول الشاعر:

    الآن إذا عـلـقــت مــخـالـبـنـا بــه يرجو النجاة ولات حين مـنـاص!

    ثم كتب ابن زياد لعمر بن سعد: "بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت، فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية وجميع أصحابه، فإذا فعل ذلك رأيْنا رأينَا والسلام. ولما اطلع عمر بن سعد على جواب بن زياد ساءه ما يحمله الجواب مِن تعنت، وعرف أن ابن زياد لا يريد السلامة (تاريخ الرسل والملوك للطبري).

    ورفض الحسين هذا العرض، ثم لما رأى جهامة الموقف وخطورته طلب مِن عمر بن سعد مقابلته، وعرض على عمر بن سعد عرضًا آخر يتمثـّل في إجابته واحدة مِن ثلاث نقاط:

    أ- أن يتركوه فيرجع مِن حيث أتى.

    ب- وإما أن يتركوه ليذهب إلى الشام، فيضع يده في يد يزيد بن معاوية.

    جـ- وإما أن يسيّروه إلى أي ثغرٍ مِن ثغور المسلمين، فيكون واحدًا منهم، له ما لهم وعليه ما عليهم (تاريخ الرسل والملوك).

    وقد أكَّد الحسين -رضي الله عنه- موافقته للذهاب إلى يزيد، وكتب عمر بن سعد إلى ابن زياد بكتابٍ أظهر فيه أن هذا الموقف المتأزم قد حُلّ، وأن السلام قد أوشك، وما على ابن زياد إلا الموافقة، وبالفعل فقد أوشك ابن زياد أن يوافق ويرسله إلى يزيد؛ لولا تدخل شمر بن ذي الجوشن الذي كان جالسًا في المجلس حين وصول الرسالة، فقد اعترض على رأي ابن زياد في أن يرسله إلى يزيد، وبيَّن لابن زياد أن الأمر الصائب هو أن يطلب مِن الحسين أن ينزل على حكمه -أي ابن زياد- حتى يكون هو صاحب الأمر المتحكم فيه.

    فلما وصل الخبر إلى الحسين -رضي الله عنه- رفض الطلب، وقال: "لا والله، لا أنزل على حكم عبيد الله بن زياد أبدًا!"، وقال لأصحابه الذين معه: "أنتم في حلٍّ مِن طاعتي"، ولكنهم أصرّوا على مصاحبته، والمقاتلة معه حتى الشهادة. (تاريخ الرسل والملوك).

    واتخذ ابن زياد إجراءً احترازيًّا حين خرج إلى النخيلة -النخيلة: تصغير نخلة، وهي موضع قرب الكوفة-، واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث، وضبط الجسر، ولم يترك أحدًا يجوزه، وخاصة أنه علم أن بعض الأشخاص مِن الكوفة بدأوا يتسللون مِن الكوفة إلى الحسين (الطبقات لابن سعد)، وانضم الحر بن يزيد إلى الحسين ليكفر عن فعله، فهو الذي منع الحسين مِن الرجوع إلى المدينة، وانضم إليه أيضًا ثلاثون رجلًا مِن جيش عمر بن سعد.

    وفي صباح يوم الجمعة مِن شهر المحرم عام 61 هـ-680م نظـَّم الحسين -رضي الله عنه- أصحابه، وعزم على القتال، وكان معه اثنان وثلاثون فارسًا، وأربعون راجلًا،، وجعل البيوت وراء ظهورهم، وأمر الحسين -رضي الله عنه- بحطبٍ وقصبٍ؛ فجعله من وراء البيوت، وأشعل فيه النار مخافة أن يأتوهم مِن خلفهم، وأما عمر بن سعد فقد نظم جيشه، وكان هذا الجيش الذي يقوده عمر بن سعد مكونًا مِن أربعة آلاف مقاتل، وبدأت المعركة سريعة وكانت مبارزة في بداية الأمر، وكانت المقاومة شديدة مِن قِبَل أصحاب الحسين -رضي الله عنه-، حيث إن مقاتلتهم اتسمت بالفدائية فلم يعد لهم أمل في الحياة (تاريخ الرسل والملوك).

    وكان الحسين -رضي الله عنه- في البداية لم يشترك في القتال، وكان أصحابه يدافعون عنه، ولما قٌتل أصحابه لم يجرؤ أحد على قتله، وكان جيش عمر بن سعد يتدافعون ويخشى كل فرد أن يبوء بقتله، وتمنوا أن يستسلم، ولكن الحسين -رضي الله عنه- لم يبدِ شيئًا مِن الليونة، بل كان -رضي الله عنه- يقاتلهم بشجاعةٍ نادرة؛ عندئذٍ خشي شمر بن ذي الجوشن مِن انفلات زمام الأمور؛ فصاح بالجند وأمرهم بقتله، فحملوا عليه، وضربه زرعة بن شريك التميمي ثم طعنه سنان بن أنس النخعي واحتز رأسه، ويُقال: إن الذي قتله عمرو بن بطار التغلبي، وزيد بن رٌقاد الجنبي، ويقال: إن المتولي للإجهاز عليه شمر بن ذي الجوشن الضبي، وحمل رأسه إلى ابن زياد خولي بن يزيد الأصبحي(1)، ولا تعارض بيْن الروايات؛ فهؤلاء جميعًا اشتركوا في قتل الحسين -رضي الله عنه- (الشيباني، مواقف المعارضة في عهد يزيد بن معاوية)، ولكن الثابت: أن سنان بن أنس هو مَن قتله (المعجم الكبير للطبراني).

    وكان قتله -رضي الله عنه- في محرم، في العاشر منه، سنة إحدى وستين، وقٌتل مع الحسين -رضي الله عنه- اثنان وسبعون رجلًا، وقتل مِن أصحاب عمر ثمان وثمانون رجلًا، وكان الذين قتلوا مع الحسين -رضي الله عنه- مِن آل أبي طالب، سبعة عشر شابًا، منهم خمسة مِن إخوته، وقٌتل مِن أولاده عبد الله وعلي الأكبر(2) (تاريخ الخلفاء للسيوطي)، وبعد انتهاء المعركة أمر عمر بن سعد بأن لا يدخل أحد على نساء الحسين وصبيانه، وأن لا يتعرض لهم أحدٌ بسوءٍ (الطبقات لابن سعد).

    وأرسل عمر بن سعد برأس الحسين ونسائه، ومَن كان معه الصبيان إلى ابن زياد، ولما وصل نساء الحسين وصبيانه أمر لهم بمنزلٍ في مكان معتزل فأجرى عليهم الرزق، وأمر لهن بالكسوة والنفقة (أنساب الأشراف للبلاذري).

    وهناك روايات كثيرة تتحدث عن صفة مقتله وتأثر الكون كله بمقتله -رضي الله عنه-، وعن الذلة والمهانة التي تعرض لها أهله ونساؤه بعد مقتله، وهذا كله كذب وباطل لم يثبت(3).

    ونشير إلى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أخبر فيما روي عنه أن الحسين -رضي الله عنه- سيٌقتل بشط الفرات، وهذه مِن معجزات رسول الله -صلى الله عليه وسلم-(4).

    وللحديث بقية -إن شاء الله تعالى-.

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـ

    (1) تاريخ الرسل والملوك للطبري (6/ 355).

    قلتُ: لقد قتل الحسين -رضي الله عنه- في يوم عاشوراء عام 61هـ، وقد قٌتل عبيد الله بن زياد المتحمل ا?ول لدم الحسين أيضًا في يوم عاشوراء عام 67هـ على يد إبراهيم بن ا?شتر الذي قطع رأس ابن زياد وأرسل بها إلى المختار الثقفي، وتم تتبع كل مَن شاركوا في قتل الحسين -رضي الله عنه-، وتم قتل معظمهم في الكوفة.

    (2) علي الأكبر غير عليّ زين العابدين؛ لأنه كان عنده علي الأصغر، وعلي الأكبر، وعبد الله. ومِن أبناء أبناء الحسن، قُتل: عبد الله، والقاسم، وأبو بكر. ومِن أولاد عقيل قُتل: جعفر، وعبد الله، وعبد الرحمن. ومسلم بن عقيل قُتل بالكوفة، وعبد الله بن مسلم. ومِن أولاد عبد الله بن جعفر، قُتل: عون ومحمد. فقيل: قٌتل ثمانية عشر رجلًا كلهم مِن بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد قتلوا في هذه المعركة. (تاريخ خليفة بن خياط ص234).

    (3) وليس صحيحًا كذلك أن ابن زياد قد أساء معاملة نساء الحسين بعد قتله، أو في ترحيله لهن إلى الشام، فالروايات التاريخية تخبرنا أن أحسن شيءٍ صنعه ابن زياد أنه أمر لهن بمنزلٍ في مكان معتزل، وأجرى عليهن رزقًا، وأمر لهن بنفقةٍ وكسوة.

    وقال ابن تيمية -رحمه الله- في رده على بعض كذابي الشيعة: "وأما ما ذكره مِن سبي نسائه، والدوران بهن على البلدان، وحملهن على الجمال بغير أقتاب؛ فهذا كذب وباطل، وما سبى المسلمون -ولله الحمدـ هاشمية قط، ولا استحلت أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- هاشمية قط، ولكن أهل الهوى والجهل يكذبون كثيرًا".

    بل المرجح أن ابن زياد بعد أن ذهبت عنه نشوة النصر، أحس فداحة خطئه وكان ذلك الشعور هو المسيطر على بعض أفراد أسرته القريبين منه، فقد كانت أمه تقول له: ويلك ماذا صنعت؟ أو ماذا ركبت؟ وكان أخوه عثمان بن زياد يقول: "لوددتُ والله أنه ليس مِن بني زياد رجل إلا وفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة، وأن حسينًا لم يُقتل!" فلا ينكر عليه عبيد الله قوله.

    وقال ابن كثير -رحمه الله-: "ولقد بالغ الشيعة في يوم عاشوراء، فوضعوا أحاديث كثيرة كذبًا فاحشًا، مِن كون الشمس كُسفت يومئذٍ حتى بدت النجوم، وما رفع يومئذ حجر إلا وجد تحته دم، وأن أرجاء السماء احمرت، وأن الشمس كانت تطلع وشعاعها كأنه الدم، وصارت السماء كأنها علقة، وأن الكواكب ضرب بعضها بعضًا، وأمطرت السماء دمًا أحمر، وأن الحمرة لم تكن في السماء قبْل يومئذٍ، ونحو ذلك.

    وروى ابن لهيعة عن أبي قبيل المعافري: أن الشمس كسفت يومئذٍ حتى بدت النجوم وقت الظهر، وأن رأس الحسين لما دخلوا به قصر الإمارة جعلت الحيطان تسيل دمًا، وأن الأرض أظلمتْ ثلاثة أيام، ولم يمس زعفران ولا ورس مما كان معه يومئذٍ إلا احترق مِن مسه، ولم يرفع حجر مِن حجارة بيت المقدس إلا ظهر تحته دم عبيط، وأن الإبل التي غنموها مِن إبل الحسين حين طبخوها صار لحمها مثل العلقم! إلى غير ذلك مِن الأكاذيب والأحاديث الموضوعة التي لا يصح منها شيء" (البداية والنهاية 8/ 2019).

    (4) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُجَيٍّ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَارَ مَعَ عَلِيٍّ -رضي الله عنه- وَكَانَ صَاحِبَ مِطْهَرَتِهِ, فَلَمَّا حَاذَى نِينَوَى وَهو مُنْطَلِقٌ إِلَى صِفِّينَ, نَادَى عَلِيٌّ -رضي الله عنه- بِشَطِّ الْفُرَاتِ: اصْبِرْ أَبَا عَبْدِ اللهِ, اصْبِرْ أَبَا عَبْدِ اللهِ, ثُمَّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ وَعَيْنَاهُ تَفِيضَانِ, فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَغْضَبَكَ أَحَدٌ؟ مَا شَأنُ عَيْنَيْكَ تَفِيضَانِ؟ فَقَالَ: (بَلْ قَامَ مِنْ عِنْدِي جِبْرِيلُ قَبْلُ, فَحَدَّثَنِي أَنَّ الْحُسَيْنَ يُقْتَلُ بِشَطِّ الْفُرَاتِ, فَقَالَ: هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ أُشِمَّكَ مِنْ تُرْبَتِهِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ, فَمَدَّ يَدَهُ فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَأَعْطَانِيهَا , فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ أَنْ فَاضَتَا) (رواه أحمد، وقال الألباني: هذا إسناد ضعيف، نجي والد عبد الله لا يدرى مَن هو، كما قال الذهبي، ولم يوثقه غير ابن حبان، وابنه أشهر منه، فمَن صحح هذا الإسناد فقد وهم. والحديث، قال الهيثمي (9/ 187): "رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني، ورجاله ثقات، ولم ينفرد نجي بهذا. قال الألباني. يعني أن له شواهد تقويه، وهو كذلك).


    وعن عبد الله بن سعيد عن أبيه عن عائشة أو أم سلمة، قال وكيع: شك هو -يعني عبد الله بن سعيد- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لإحداهما: (لَقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ الْبَيْتَ مَلَكٌ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ قَبْلَهَا، فَقَالَ لِي: إِنَّ ابْنَكَ هَذَا حُسَيْنٌ مَقْتُولٌ، وَإِنْ شِئْتَ أَرَيْتُكَ مِنْ تُرْبَةِ الْأَرْضِ الَّتِي يُقْتَلُ بِهَا، قَالَ: فَأَخْرَجَ تُرْبَةً حَمْرَاءَ) (رواه أحمد، وقال الألباني: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    33,914

    افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد



    صفحات مِن ذاكرة التاريخ (31)

    موقف يزيد بن معاوية مِن قتل الحسين -رضي الله عنه- ومِن أهل الحسين وذريته










    كتبه/ زين العابدين كامل

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فقد ذكرنا أن معارضة الحسين بن علي -رضي الله عنهما- ليزيد بن معاوية تٌمثل نقطة تحول في التاريخ، فهي تُعد أول معارضة عملية في خلافة يزيد، وقد أثرت حادثة مقتل الحسين على المجتمع الإسلامي بصفةٍ عامة، وعلى الدولة الأموية وتاريخها بصفة خاصة، بل واستمر تأثير هذه الحادثة لمدة قرون طويلة، بل إلى يومنا هذا!

    وهناك مَن انحرف مِن أبناء الأمة بسبب هذه الحادثة، وظهر بسببها التعصب والانحراف الفكري عند الكثيرين، وكانت هذه الحادثة هي إحدى الروافد التي ساعدتْ على قيام الثورات ضد الأمويين.

    وقد ألقينا الضوء على تفاصيل خروج الحسين -رضي الله عنه- مِن المدينة وحتى مقتله في كربلاء، وموقف يزيد مِن أحداث الكوفة، وموقف عبيد الله بن زياد مِن الحسين -رضي الله عنه-، وبعد مقتل الحسين -رضي الله عنه- كتب عبيد الله بن زياد إلى يزيد بن معاوية يخبره بما حدث، ويستشيره في شأن أبناء الحسين ونسائه، فلما بلغ الخبر يزيد بن معاوية بكى، وقال: "كنتُ أرضى مِن طاعتكم -أي أهل العراق- بدون قتل الحسين، كذلك عاقبة البغي والعقوق، لعن الله ابن مرجانة، لقد وجده بعيد الرحم منه، أما والله لو أني صاحبه لعفوتُ عنه، فرحم الله الحسين" (تاريخ الرسل والملوك للطبري). وفي رواية أنه قال: "أما والله، لو كنت صاحبه، ثم لم أقدر على دفع القتل عنه إلا ببعض عمري لأحببتُ أن أدفعه عنه!" (الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير للجورقاني، بسندٍ كل رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا بيْن الشعبي والمدائني)، فجاء رد يزيد على ابن زياد يأمره بإرسال الأسارى إليه، وبادر ذكوان أبو خالد فأعطاهم عشرة آلاف درهم فتجهزوا بها (الطبقات لابن سعد).

    ومِن هنا يُعلم: أن ابن زياد لم يحمل آل الحسين بشكلٍ مؤلم أو أنه حملهم مغللين كما ورد في بعض الروايات، وقد مرَّ معنا كيف أن ابن زياد قد أمر للأسارى بمنزلٍ منعزل، وأجرى عليهم الرزق والنفقة وكساهم، ولما دخل أبناء الحسين على يزيد، قالت فاطمة بنت الحسين: "يا يزيد: أبنات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سبايا؟! قال: بل حرائر كرام" اٌدخلي على بنات عمك تجديهن قد فعلن ما فعلتِ. قالت فاطمة: فدخلت إليهن فما وجدت فيهن سفيانية إلا ملتزمة تبكي" (العقد الفريد لابن عبد ربه).

    وعندما دخل علي بن الحسين قال يزيد: "يا حبيب، إن أباك قطع رحمي وظلمني، فصنع الله به ما رأيت".

    وكان علي بن الحسين في معركة كربلاء لم يشترك بسبب المرض الذي كان ملازمه، وكان أثناء احتدام المعركة طريح الفراش فحُمل إلى ابن زياد مع بقية الصبيان والنساء، فرد علي بن الحسين على يزيد: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد:22)، ثم طلب يزيد مِن ابنه خالد أن يجيبه، فلم يدرِ خالد ما يقول، فقال يزيد: قل له: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى:30)" (تاريخ الرسل والملوك للطبري).

    وهناك بعض الروايات تفيد بأن أبناء الحسين -رضي الله عنه- وبناته تعرضن للمهانة، وكأنهن في مزادٍ علني! فهذا مِن الكذب البيِّن الذي لم يدعمه سند صحيح، ثم إنها مغايرة لما ثبت مِن إكرام يزيد لآل الحسين، ثم إن يزيد لم يستعرض النساء ويجعلهن عرضة للجمهور ليختر ما يشاء (الشيباني، مواقف المعارضة في خلافة يزيد).

    وأرسل يزيد إلى كل امرأة مِن الهاشميات يسأل عن كل ما أخذ منهن، وكل امرأة تدعي شيئًا بالغًا ما بلغ إلا أضعفه لهن في العطية، وكان يزيد لا يتغذى ولا يتعشى إلا دعا علي بن الحسين (الطبقات لابن سعد).

    وبعث يزيد إلى المدينة فقدم عليه ذوو السنِّ مِن موالي بني هاشم ومِن موالي بني علي، وبعد أن وصل الموالي أمر يزيد بنساء الحسين -رضي الله عنه- وبناته أن يتجهزن، وأعطاهن كل ما طلبن حتى لم يدع لهم حاجة بالمدينة إلا أمر بها (الطبقات لابن سعد).

    ثم أمر النعمان بن بشير أن يقوم بتجهيزهم (سير أعلام النبلاء للذهبي).

    وقبْل أن يغادروا، قال يزيد لعلي بن الحسين: "إن أحببتَ أن تقيم عندنا، فنصل رحمك، ونعرف لك حقك فعلت"، ولكن علي بن الحسين اختار الرجوع إلى المدينة، وأكرم يزيد أبناء الحسين وخيّرهم بيْن المقام عنده والذهاب إلى المدينة فاختاروا الرجوع إلى المدينة (تاريخ الرسل والملوك للطبري، ومنهاج السُّنة النبوية لابن تيمية).

    وعند مغادرتهم دمشق كرّر يزيد الاعتذار مِن علي بن الحسين، وقال: "لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبدًا إلا أعطيتها إياه، ولدفعت عنه الحتف بكل ما استطعت، ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن الله قضى ما رأيت، كاتبني بكل حاجة تكون لك" (تاريخ الرسل والملوك للطبري).

    وأمر يزيد بأن يرافق ذرية الحسين وفدٌ مِن موالي بني سفيان، وكان عددهم ثلاثين فارسًا، وأمر المصاحبين لهم أن ينزلوا حيث شاءوا ومتى شاءوا، وخرج آل الحسين مِن دمشق محفوفين بأسباب الاحترام والتقدير حتى وصلوا إلى المدينة (مواقف المعارضة في خلافة يزيد للشيباني).

    قال ابن كثير -رحمه الله- في يزيد: "وأكرم آل بيت الحسين، وردَّ عليهم جميع ما فُقد لهم وأضعفه، وردهم إلى المدينة في محامل وأبهة عظيمة، وقد ناح أهله على الحسين" (البداية والنهاية).

    وهكذا قُتل الحسين -رضي الله عنه-، وقد حَمَّل العلماء مسئولية قتل الحسين لعبيد الله بن زياد، وعمر بن سعد بن أبي وقاص، وشمر بن ذي الجوشن، وحمَّلوا كذلك أهل الكوفة مسئولية مقتله؛ فهم الذين كاتبوا الحسين بن علي -رضي الله عنهما- ثم خذلوه!

    واختلف العلماء في أمر يزيد: هل يتحمل دم الحسين أم لا؟ فلقد قٌتل الحسين في خلافته، وعلى أرضٍ تسيطر عليها جيوشه، وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يٌحمّل نفسه مسئولية بغلة عثرت في العراق أو في الشام(1)، علمًا بأنه لم يأمر بقتله، بل ولم يشر إلى ذلك، ولكن يؤخذ على يزيد أنه ما انتصر للحسين، ولا أمر بقتل قاتله، بل ولم يعزله أو يعاقبه على قتله للحسين -رضي الله عنه-! (البداية والنهاية لابن كثير، ومنهاج السُّنة لابن تيمية).

    وكان موقف الحسين -رضي الله عنه- مِن بيعة يزيد بن معاوية هو موقف المعارِض منذ البداية، والسبب في ذلك: الحرص على مبدأ الشورى، وأن يتولى الأمة أصلحها، فالحسين اعترض على فكرة التوريث دفاعًا عن الشورى، ومبادئ الإسلام الداعمة لحق الأمة في اختيار مَن تريد، وأحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- التي يأمر فيها بقتل المفارق للجماعة لم تتناوله؛ فإنه -رضي الله عنه- لم يفارِق الجماعة، ولم يُقتل إلا وهو طالب للرجوع إلى بلده، أو إلى الثغر، أو إلى يزيد، داخلاً في الجماعة، معرضًا عن تفريق الأمة، ولو كان طالب ذلك أقل الناس لوجب إجابته إلى ذلك؛ فكيف لا تجب إجابة الحسين -رضي الله عنه-؟!(2).

    وأما عن مكان رأس الحسين -رضي الله عنه-: فإن سبب الاختلاف في موضع رأس الحسين -رضي الله عنه- عند عامة الناس، إنما هو ناتج عن تلك المشاهد المنتشرة في ديار المسلمين، والتي أقيمتْ في عصور التخلف الفكري والعقدي، وكلها تدعي وجود رأس الحسين -رضي الله عنه-، ثم إن الجهل بموضع رأس الحسين -رضي الله عنه- جعل كل طائفة تنتصر لرأيها في ادعاء وجود الرأس عندها!

    وإذا أردنا التحقيق في مكان الرأس، فإنه يلزمنا تتبع وجود الرأس منذ انتهاء معركة "كربلاء"، فلقد ثبت أن رأس الحسين -رضي الله عنه- حُمل إلى ابن زياد، فجعل الرأس في طست وأخذ يضربه بقضيب كان في يده، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أُتِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الحُسَيْنِ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ-، فَجُعِلَ فِي طَسْتٍ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ، وَقَالَ فِي حُسْنِهِ شَيْئًا، فَقَالَ أَنَسٌ: "كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (رواه البخاري).

    ثم بعد ذلك تختلف الروايات والآراء اختلافًا بينًا بشأن رأس الحسين -رضي الله عنه-، فهناك بعض الروايات التي ذكرتْ أن ابن زياد أرسل الرأس إلى يزيد بن معاوية، وهي روايات ضعيفة، ولم تثبت(3).

    ثم كان مما ترتب على مقتل الحسين -رضي الله عنه- التفاف الناس حول ابن الزبير حتى قاد حركة المعارضة في الحجاز، وقيام حركات ثورية في الكوفة وغيرها، مثل حركة التوابين، وحركة المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكلها نادت بالثأر للحسين -رضي الله عنه-؛ فضلًا عن بعض الانحرافات الفكرية التي تولدت عند البعض.

    وللحديث بقية -بمشيئة الله تعالى-.

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــ

    (1) وقد سئل ابن الصلاح -رحمه الله- عن يزيد، فقال: "لم يصح عندنا أنه أمر بقتل الحسين -رضي الله عنه-، والمحفوظ أن الآمر بقتاله المفضي إلى قتله إنما هو عبيد الله بن زياد والي العراق إذ ذاك، وأما سب يزيد ولعنه فليس ذلك مِن شأن المؤمنين، وقد ورد في الحديث المحفوظ: (وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ) (متفق عليه)" (البخاري مع الفتح 10/ 479).

    وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "افْتَرَقَ النَّاسُ فِي "يَزِيدَ" بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، ثَلَاثُ فِرَقٍ: طَرفان ووَسٌط، أَحدُ الطَّرَفَيْنِ قَالُوا: إنَّهُ كَانَ كَافِرًا مُنَافِقًا، وَأَنَّهُ سَعَى فِي قَتْلِ سَبْطِ رَسُولِ اللَّهِ تَشَفِّيًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَانْتِقَامًا مِنْهُ، وَأَخْذًا بِثَأْرِ جَدِّهِ عتبة، وَأَخِي جَدِّهِ شَيْبَةَ، وَخَالِهِ الْوَلِيدِ بْنِ عتبة، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ قَتَلَهُمْ أَصْحَابُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِ يَوْمَ بَدْرٍ وَغَيْرِهَا؛ وَقَالُوا: تِلْكَ أَحْقَادٌ بَدْرِيَّةٌ وَآثَارُ جَاهِلِيَّةٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ سَهْلٌ عَلَى الرَّافِضَةِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ؛ فَتَكْفِيرُ يَزِيدَ أَسْهَلُ بِكَثِيرِ.

    وَالطَّرَفُ الثَّانِي: يَظُنُّونَ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَإِمَامٌ عَدْلٌ، وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ "الصَّحَابَةِ" الَّذِينَ وُلِدُوا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَحَمَلَهُ عَلَى يَدَيْهِ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا فَضَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ!

    وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ كَانَ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ لَهُ حَسَنَاتٌ وَسَيِّئَاتٌ، وَلَمْ يُولَدْ إلَّا فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَلَمْ يَكُنْ كَافِرًا؛ وَلَكِنْ جَرَى بِسَبَبِهِ مَا جَرَى مِنْ مَصْرَعِ "الْحُسَيْنِ"، وَفِعْلِ مَا فُعِلَ بِأَهْلِ الْحَرَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبًا، وَلَا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، ثُمَّ افْتَرَقُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ لَعَنَتْهُ، وَفِرْقَةٌ أَحَبَّتْهُ، وَفِرْقَةٌ لَا تَسُبُّهُ وَلَا تُحِبُّهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد، وَعَلَيْهِ الْمُقْتَصِدُون َ مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.. . وَأَمَّا قَتْلُ الْحُسَيْنِ فَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ، وَلَمْ يَرْضَ بِهِ، بَلْ ظَهَرَ مِنْهُ التَّأَلُّمُ لِقَتْلِهِ، وَذَمَّ مَنْ قَتَلَهُ، وَلَمْ يُحْمَلْ الرَّأْسُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا حُمِلَ إلَى ابْنِ زِيَادٍ" (مجموع الفتاوى بتصرف).

    وقال أيضًا في الوصية الكبرى: "وَجَرَتْ فِي إمَارَتِهِ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ: أَحَدُهَا: مَقْتَلُ الحسين -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، وَهُوَ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِ الحسين، وَلَا أَظْهَرَ الْفَرَحَ بِقَتْلِهِ؛ وَلَا نَكَّتَ بِالْقَضِيبِ عَلَى ثَنَايَاهُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، وَلَا حَمَلَ رَأْسَ الحسين -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- إلَى الشَّامِ، لَكِنْ أَمَرَ بِمَنْعِ الحسين -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَبِدَفْعِهِ عَنْ الْأَمْرِ، وَلَوْ كَانَ بِقِتَالِهِ، فَزَادَ النُّوَّابُ عَلَى أَمْرِهِ، وحض الشمر بن ذي الجوشن الجيوش عَلَى قَتْلِهِ لعبيد الله بن زياد؛ فَاعْتَدَى عليه عبيد الله بن زياد، وأمر عمر بن سعد بقتاله، فَطَلَبَ مِنْهُمْ الحسين -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنْ يَجِيءَ إلَى يزيد، أَوْ يَذْهَبَ إلَى الثَّغْرِ مُرَابِطًا، أَوْ يَعُودَ إلَى مَكَّةَ فَمَنَعُوهُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- إلَّا أَنْ يَسْتَأْسِرَ لَهُمْ، وَأَمَرَ عمر بن سعد بِقِتَالِهِ فَقَتَلُوهُ مَظْلُومًا لَهُ وَلِطَائِفَةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-، وَكَانَ قَتْلُهُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مِنْ الْمَصَائِبِ الْعَظِيمَةِ، فَإِنَّ قَتْلَ الحسين، وَقَتْلَ عثمان قَبْلَهُ كَانَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْفِتَنِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَتَلَتُهُمَا مِنْ شِرَارِ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ" (انتهى).

    وقال في منهاج السُّنة: "إِنَّ يَزِيدَ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ النَّقْلِ، وَلَكِنْ كَتَبَ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ وِلَايَةِ الْعِرَاقِ. وَالْحُسَيْنُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- كَانَ يَظُنُّ أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ يَنْصُرُونَهُ وَيَفُونَ لَهُ بِمَا كَتَبُوا إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَ عَمِّهِ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ، فَلَمَّا قَتَلُوا مُسْلِمًا وَغَدَرُوا بِهِ وَبَايَعُوا ابْنَ زِيَادٍ، أَرَادَ الرُّجُوعَ فَأَدْرَكَتْهُ السَّرِيَّةُ الظَّالِمَةُ، فَطَلَبَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى يَزِيدَ، أَوْ يَذْهَبَ إِلَى الثَّغْرِ، أَوْ يَرْجِعَ إِلَى بَلَدِهِ، فَلَمْ يُمَكِّنُوهُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَأْسِرَ لَهُمْ، فَامْتَنَعَ، فَقَاتَلُوهُ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا مَظْلُومًا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، وَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ يَزِيدَ أَظْهَرَ التَّوَجُّعَ عَلَى ذَلِكَ، وَظَهَرَ الْبُكَاءَ فِي دَارِهِ، وَلَمْ يَسْبِ لَهُ حَرِيمًا أَصْلًا، بَلْ أَكْرَمَ أَهْلَ بَيْتِهِ، وَأَجَازَهُمْ حَتَّى رَدَّهُمْ إِلَى بَلَدِهِمْ، ويزيد هو أول مَن غزا القسطنطينية، غزاها في خلافة أبيه معاوية، وقد روى البخاري في "صحيحه" عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ) (انتهى بتصرف)"، وبهذا قال جمع مِن أهل العلم، كابن طولون في كتاب "قيد الشريد"، وكذا قال الطيب النجار، ويوسف العش وغيرهما.

    (2) قال شيخ الإسلام: "ولهذا لما أراد الحسين -رضي الله عنه- أن يخرج إلى أهل العراق لما كاتبوه كتبًا كثيرة، أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين: كابن عمر، وابن عباس، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ألا يخرج، وغلب على ظنهم أنه يُقتل حتى إن بعضهم قال: أستودعك الله مِن قتيل، وقال بعضهم: لولا الشفاعة لأمسكتك، والله ورسوله إنما يأمر بالصلاح لا بالفساد، لكن الرأي يصيب تارة وتخطيء أخرى، فتبيَّن أن الأمر على ما قاله أولئك، ولم يكن في الخروج لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا، بل تمكن أولئك الظلمة الطغاة مِن سبط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى قتلوه مظلومًا شهيدًا، وكان في خروجه وقتله مِن الفساد ما لم يكن حصل لو قعد في بلده، فإن ما قصده مِن تحصيل الخير ودفع الشر لم يحصل منه شيء، بل زاد الشر بخروجه وقتله، ونقص الخير بذلك، وصار ذلك سببًا لشرٍ عظيم، وكان قتل الحسين مما أوجب الفتن كما كان قتل عثمان مما أوجب الفتن، وهذا كله مما يبين أن ما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن الصبر على جَوْر الأئمة وترك قتالهم والخروج عليهم هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأن مَن خالف ذلك متعمدًا أو مخطئًا لم يحصِّل بفعله صلاحٌ، بل فسادٌ.

    ولهذا أثنى النبي -صلى الله عليه وسلم- على الحسن بقوله: (ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) (رواه البخاري)، ولم يثنِ على أحدٍ لا بقتالٍ في فتنة، ولا بخروجٍ على الأئمة، ولا نزع يدٍ مِن طاعة، ولا مفارقةٍ للجماعة" إلى أن قال: "وكذلك الحسن كان دائمًا يشير على أبيه وأخيه بترك القتال، ولما صار الأمر إليه ترك القتال وأصلح الله به بيْن الطائفتين المقتتلتين، وعلي -رضي الله عنه- في آخر الأمر تبيَّن له أن المصلحة في ترك القتال أعظم منها في فعله.

    وكذلك الحسين -رضي الله عنه- لم يُقتل إلا مظلومًا شهيدًا، تاركًا لطلب الإمارة، طالبًا للرجوع؛ إما إلى بلده، أو إلى الثغر، أو إلى المتولي على الناس يزيد، وإذا قال القائل: إن عليًّا والحسين إنما تركا القتال في آخر الأمر للعجز؛ لأنه لم يكن لهما أنصار، فكان في المقاتلة قتل النفوس بلا حصول المصلحة المطلوبة.

    قيل له: وهذا بعينه هو الحِكْمَة التي راعاها الشارع -صلى الله عليه وسلم- في النهي عن الخروج على الأمراء، وندب إلى ترك القتال في الفتنة، وإن كان الفاعلون لذلك يرون أن مقصودهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كالذين خرجوا بالحرَّة، وبدير الجماجم على يزيد والحجاج وغيرهما، لكن إذا لم يزل المنكر إلا بما هو أنكر منه صار إزالته على هذا الوجه منكرًا، وإذا لم يحصل المعروف إلا بمنكر مفسدته أعظم مِن مصلحة ذلك المعروف، كان تحصيل ذلك المعروف على هذا الوجه منكرًا" (منهاج السُّنة 4/ 527).

    (3) وقد ذهب ابن كثير -رحمه الله- إلى ذهاب الرأس إلى يزيد، فقد قال: "وقد اختلف العلماء في رأس الحسين: هل سيّره ابن زياد إلى الشام أم لا؟ على قولين، الأظهر منهما أنه سيّره إليه،، فقد ورد في ذلك آثار كثيرة، والله أعلم".

    وقال ابن كثير في موضع آخر: "والصحيح أنه لم يبعث برأس الحسين إلى الشام" (انظر البداية والنهاية 11/ 580)، والقول بإرسالها إلى الشام هو ما ذهب إليه الذهبي (تاريخ الإسلام).


    وقال قال ابن تيمية -رحمه الله- بضعف الراويات التي تقول بإرسال الرأس إلى الشام، وقد اُختلف في المكان المقبور به رأس الحسين -رضي الله عنه-، وهي ما بيْن دمشق والرقة وعسقلان والقاهرة وكربلاء والمدينة، وأقرب الأقوال: أن الرأس بالمدينة، فقد ذكر ابن سعد بإسنادٍ جمعي: أن يزيد بعث بالرأس إلى عمرو بن سعيد والي المدينة، فكفنه ودفنه بالبقيع إلى حيث قبر أمه فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

    وقال ابن تيمية -رحمه الله-: "ثم إن دفنه بالبقيع هو الذي تشهد له عادة القوم، فإنهم كانوا في الفتن إذا قتل الرجل منهم -لم يكن منهم- سلموا رأسه وبدنه إلى أهله، كما فعل الحجاج بابن الزبير لما قتله وصلبه، ثم سلموه إلى أهله، وقد علم أن سعي الحجاج في قتل ابن الزبير، وأن ما كان بينهما مِن الحروب أعظم بكثير مما كان بيْن الحسين وبين خصومه" (انتهى). وبهذا قال الزبير بن بكار، ومحمد بن سعد وهما مِن المؤرخين، وانظر أيضًا: (أنساب الأشراف للبلاذري، ومواقف المعارضة في خلافة يزيد للشيباني).




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    33,914

    افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد



    صفحات من ذاكرة التاريخ (32)

    معارضة أهل المدينة في عهد يزيد وموقعة الحرَّة (عام 63 هـ -683م)










    كتبه/ زين العابدين كامل


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فكما هو معلوم فإن المدينة هي عاصمة الإسلام الأولى، ومدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وموطن المهاجرين والأنصار، ولها أهمية كبرى، وفيها تكونت الدولة المسلمة، ومهما تعددت العواصم في العالم الإسلامي تبقى المدينة هي العاصمة الروحية للمسلمين؛ ففيها وجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المأوى والأمن، والتأييد والنصرة مِن الأنصار -رضي الله عنهم-.

    وبعد أن لحق الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالرفيق الأعلى، استمرتْ هي العاصمة للخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم-، وفي المدينة يوجد مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولما آلت الخلافة إلى معاوية -رضي الله عنه- واتخذ دمشق عاصمة للدولة، ظلت المدينة تحتفظ بقيمتها ومكانتها في قلوب المسلمين، وكان معاوية -رضي الله عنه- يعلم ذلك جيدًا، وكان يوقـِّر ويحترم ويكرم أهل المدينة، وأوصى بذلك ولده يزيد.

    إن ثورة أهل المدينة ومعارضتهم للحكم الأموي وخلافة يزيد بن معاوية ما هي إلا امتداد طبيعي لمعارضة ابن الزبير -رضي الله عنهما- التي بدأها في مكة، ثم إن قرب فترة يزيد بن معاوية (60 هـ) بالخلافة الراشدة جعل أبناء الصحابة أكثر شوقًا لإعادة الشورى وتمكينها بيْن الناس، وعندما قتل الحسين -رضي الله عنه- بتلك الصورة الشنيعة ومعه إخوته وأبناء عمه على يد عبيد الله بن زياد أحس الكثير مِن أبناء الصحابة بحجم الاستبداد والتسلط الذي بدأتْ تمارسه الدولة؛ الأمر الذي جعل الناس في الحجاز يتعاطفون مع ابن الزبير -رضي الله عنهما-، ورفعه شعار الشورى، ورفضه مبدأ التوريث، في الوقت الذي لم يحاكم يزيدٌ عبيد الله بن زياد كأحد المسئولين المباشِرين عن الجريمة النكراء التي لحقتْ بالحسين -رضي الله عنه- وأهله في كربلاء، واعتبر الناس هذا التصرف محاباة لابن زياد مِن قِبَل ابن عمه يزيد بن معاوية.

    ومما لا شك فيه أن مقتل الحسين -رضي الله عنه- ومَن معه بتلك الصورة قد أغضب الناس جميعًا، وولد لديهم شعورًا بالحزن والأسى العميق على فقدانه بتلك الطريقة البشعة (مواقف المعارضة في خلافة يزيد للشيباني ص 452).

    وعند دراسة معارضة أهل المدينة يلاحظ أن الحماس الممزوج بالعاطفة لا يتلاءم مع منهجية التغيير الصحيحة، وقد ظهر في هذه الحادثة الفارق الكبير ما بيْن جيش منظم له أهدافه وخططه الواضحة، وبيْن أناس تجمعوا يرفعون بعض الشعارات الممزوجة بأحلام اليقظة، يدفعهم الحماس وتحركهم العاطفة، دون معرفة وبصيرة بحقائق الواقع ومآلات الأمور وعواقبها!

    ومِن الأسباب التي أدت إلى معارضة أهل المدينة إضافة لمقتل الحسين: أن بعض أبناء الصحابة يرون أنهم أحق مِن يزيد بأمر الخلافة، ثم إن البعض له بعض المآخذ على شخصية يزيد بن معاوية، فهناك مَن اتهمه بشرب الخمر وترك الصلاة وغير ذلك، مع أن هذا لم يثبت على يزيد، ولكنه كلام يتردد بيْن الناس.

    معارضة أهل المدينة وخلع يزيد بن معاوية:

    أخرج أهل المدينة عامل يزيد، عثمان بن محمد مِن المدينة كما أخرجوا مروان بن الحكم وسائر بني أمية، وبلغ الأمر يزيد، وعلم بما كان مِن أهل المدينة مِن خلعه والميل إلى ابن الزبير؛ فأعد جيشًا لغزو المدينة أسند قيادته لمسلم بن عقبة المري (تاريخ خليفة بن خياط، ص 237).

    وقد اعترض بعض علماء المدينة على خلع يزيد والخروج عليه ولم يؤيدوا مَن قام بالخروج، وقاموا بنصح إخوانهم واعتزلوا الفتنة، وكان أغلب هذا الرأي مِن أهل العلم والفقه في الدين، وفي مقدمة هؤلاء الصحابي الجليل: عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- فقد اشتهر عنه إنكاره على الذين رفضوا البيعة ليزيد وسعوا في خلعه، وعندما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده، وقال: إني سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ)، وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي لاَ أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ القِتَالُ، وَإِنِّي لاَ أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ، وَلاَ بَايَعَ فِي هَذَا الأَمْرِ، إِلَّا كَانَتِ الفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ. (رواه البخاري).

    فقد عارض ابن عمر -رضي الله عنهما- مَن خرج مِن أهل المدينة لسببين:

    الأول: نقضهم البيعة، وهو يرى أنهم أعطوا البيعة عن رضا واختيار، ولم يفعلوا مثل الحسين -رضي الله عنه-، حيث كان موقفه واضحًا منذ البداية، ولم يعطِ البيعة، وذلك عند ابن عمر -رضي الله عنهما- خيانة وغدر!

    ويتضح ذلك في قوله لعبد الله بن مطيع: إني سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) (رواه مسلم).

    الثاني: هو تعظيم حرمة دماء المسلمين وحرمة الاقتتال بينهم، وتزداد هذه الحرمة في الأماكن المقدسة: كمكة والمدينة، ولقد استدل ابن حجر -رحمه الله- بموقف ابن عمر -رضي الله عنهما- السابق والأحاديث التي استشهد بها، على وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع مِن الخروج عليه، ولو جار في حكمه، وأنه لا ينخلع بالفسق، وتبع ابن عمر في موقفه أيضًا: محمد بن علي بن أبي طالب (ابن الحنفية)؛ فإنه لم يرَ خروج أهل المدينة على يزيد، ولم يستجب لدعوتهم إياه بالخروج معهم، بل كان يجادلهم في نفي التهم التي أشاعوها عن يزيد.

    فقال له ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر، ويترك الصلاة، ويتعدى حكم الكتاب.

    فقال لهم: ما رأيتُ منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظبًا على الصلاة، متحريًا للخير، يسأل عن الفقه، ملازمًا للسُّنة.

    قالوا: فإن ذلك كان منه تصنعًا لك.

    فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر لي الخشوع، فأطلعكم على ما تذكرون مِن شرب الخمر؟! فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا.

    قالوا: إنه عندنا لحق، وإن لم يكن رأيناه، فقال لهم: أبى الله ذلك على أهل الشهادة، فقال: (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (الزخرف:86)، ولستُ مِن أمركم في شيء!" (البداية والنهاية لابن كثير).

    قالوا: فلعلك تكره أن يتولى الأمر غيرك، فنحن نوليك أمرنا. قال: ما أستحل القتال على ما تريدون عليه تابعًا ولا متبوعًا. قالوا: فقد قاتلتَ مع أبيك، قال: جيئوني بمثل أبي أقاتل على ما قاتل عليه، ولما رأى محمد بن الحنفية الأمور تسير في الاتجاه الذي لا يريده، وبدا يظهر له سوء عاقبة تصرفات المخالفين له مِن أهل المدينة حينما ترامى إلى الأسماع قدوم جيش أهل الشام إلى المدينة؛ لذلك قرر ترك المدينة وتوجَّه إلى مكة (البداية والنهاية لابن كثير).

    وقد سار أهل بيت النبوة على هذا الطريق، ولزموا الطاعة، ولم يخرجوا مع أهل المدينة ضد يزيد، فعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لم يخرج مع أهل المدينة ولزم الطاعة ليزيد، وهو الذي قال فيه الزهري: "كان أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعة"، وقال عنه: "لم أدرك مِن آل البيت أفضل مِن علي بن الحسين" (تاريخ دمشق لابن عساكر).

    وكذلك ابن عباس -رضي الله عنهما- وهو فقيه الأمة وحبرها وعالمها لم ينقل عنه تأييد لأهل المدينة، كما أنه لم يذكر عنه أنه نزع بيعة يزيد بن معاوية، فهؤلاء أفضل آل بيت النبوة في زمانهم، ومع ذلك لم يخرجوا مع أهل المدينة، ومسوغات الخروج على يزيد عندهم هي أكثر مِن غيرهم.

    وممن عاب على أهل المدينة خروجهم وعارضه: الصحابي الجليل النعمان بن بشير الأنصاري -رضي الله عنه-، وقد كان إبان خروج أهل المدينة في الشام؛ فاستغل يزيد فرصة وجوده فبعثه إلى أهل المدينة لعله يفلح في صدهم عن الخروج، ويعيدهم إلى الطاعة ولزوم الجماعة، فاستجاب النعمان -رضي الله عنه- لذلك، وقدِم المدينة فجمع عامة الناس، وأمرهم بالطاعة ولزوم الجماعة، وخوَّفهم الفتنة، وقال لهم: "إنه لا طاقة لكم بأهل الشام. فقال له عبد الله بن مطيع: ما يحملك يا نعمان على تفريق جماعتنا، وفساد ما أصلح الله مِن أمرنا؟! فقال النعمان: أما والله لكأني بك لو قد نزلت تلك التي تدعو إليها، وقامت الرجال على الركب تضرب مفارق القوم وجباههم بالسيوف، ودارت رحى الموت بيْن الفريقين، قد هربتَ على بغلتك تضرب جبينها إلى مكة، وقد خلَّفت هؤلاء المساكين يٌقتلون في سككهم ومساجدهم، وعلى أبواب دورهم؛ فعصاه الناس، فانصرف، وكان والله كما قال" (تاريخ الرسل والملوك للطبري).

    وهذا موقف عبد الله بن جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنهما-: فقد كان بالشام عندما عزم يزيدٌ أن يبعث جيشًا إلى المدينة، فحاول عبد الله بن جعفر -رضي الله عنهما- أن يتدخل في الأمر ليجنِّب أهل المدينة شرَّ القتال، فكلَّم يزيد وطلب منه الرفق بأهل المدينة ورققه عليهم، وقال: إنما تقتل بهم نفسك، وقد تجاوب معه يزيد حين قال: فإني أبعث أول جيش وآمرهم أن يمروا بالمدينة إلى ابن الزبير، فإنه قد نصب لنا الحرب ويجعلونها طريقًا ولا يقاتلهم، فإن أقر أهل المدينة بالسمع والطاعة تركهم، وقد وجد عبد الله بن جعفر مدخلًا لكف القتال والأذى عن أهل المدينة، فكتب على الفور إلى زعماء أهل المدينة يخبرهم بذلك، ويقول: استقبلوا ما سلف واغنموا السلامة والأمن، ولا تعرضوا لجنده ودعوهم يمضون عنكم (الطبقات لابن سعد).

    وكان ردهم عليه: "لا يدخلها علينا عنوةً"، وكذلك سعيد بن المسيب -رحمه الله-، فإنه قد اعتزل فتنة خروج أهل المدينة ولم يدخل فيما دخلوا فيه، ولم يكن يحضر لهم أمرًا مِن أمورهم إلا الجمعة والعيد، وقد لزم المسجد نهاره ولا يبرحه إلى الليل، والناس في قتالهم أيام الحرة (الطبقات لابن سعد، وسير أعلام النبلاء)، وهكذا لم يقبل أهل المدينة مِن المعارضين جميع النصائح مِن أهل العلم والفضل، وعقدوا النية على القتال.

    معركة الحرَّة:

    تولى القيادة على قريش وقبائل المهاجرين في المدينة،عبد الله بن مطيع، وتولى القيادة على الأنصار عبد الله بن حنظلة، واتفق المعارضون على أن يكون القتال داخل المدينة وألا يخرجوا منها، وبدأوا في حفر بعض الخنادق داخل المدينة (مواقف المعارضة في خلافة يزيد للشيباني، ص 521).

    واشتد الأمر على يزيد حين علم بأن بني أمية في المدينة محاصَرون في دار مروان بن الحكم، فأراد أن يخلصهم مِن هذا الحصار قبْل أن يُقتلوا أو يحل بهم مكروه، وكانوا ألف رجل؛ فعزَّ عليه أن يٌقتل هؤلاء دون أن يقدِّم لهم عونًا، فأمر بتجهيز جيش ليذهب إلى المدينة، فيخلص بني أمية، ويرد هؤلاء المتمردين إلى الطاعة، وطلب عمرو بن سعيد ليقود الجيش فأبى، وأرسل إلى عبيد الله بن زياد ليرد أهل المدينة إلى الأهل الطاعة ثم يغزو ابن الزبير، فقال: لا أجمعهما للفاسق أبدًا، أقتل ابن بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأغزو البيت، ثم استقر الرأي على إرسال مسلم بن عقبة المرِّي (تاريخ الرسل والملوك للطبري).

    واجتمع الجيش، وهمّ مسلم بن عقبة أن ينطلق بهم إلى المدينة، فقال له يزيد: ادع القوم ثلاثًا، فإن رجعوا إلى الطاعة، فاقبل وكف عنهم، وإلا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا ظهرتَ عليهم فأبح المدينة ثلاثًا، ثم اكفف عن الناس، وانظر إلى علي بن الحسين فاكفف عنه، واستوصي به خيرًا، وأدن مجلسه فإنه لم يدخل في شيءٍ مما دخلوا فيه، وأمر مسلمًا إذا فرغ مِن المدينة أن يذهب لحصار ابن الزبير، وقال له: إن حدث بك أمر فعلى الناس حصين بن نمير السكوني (البداية والنهاية لابن كثير).

    واستعرض مسلم بن عقبة جيشه الذي سيحارب به أهل المدينة، وسار مسلم إلى المدينة، فوجد بني أمية وقد أخرجوا منها، وساروا في اتجاه الشام، ومِن الواضح جدًّا عدم التكافؤ بيْن الجيشين، فعدد الجيش الشامي اثنا عشر ألفًا، بينما عدد أهل المدينة ألفا رجل (الطبقات لابن سعد).

    وارتحل الناس مع مسلم حتى نزل المنزل الذي أمره به عبد الملك، فصنع فيه ما أمره به، ثم مضى في الحرة حتى نزلها، فأتاهم مِن قِبَل المشرق، ثم دعاهم مسلم بن عقبة، فقال: يا أهل المدينة، إن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية يزعم أنكم الأصل، وأني أكره هراقة دمائكم، وأني أؤجلكم ثلاثًا، فمن ارعوى وراجع الحق قبلنا منه، وانصرفتُ عنكم وسرتُ إلى هذا الملحد الذي بمكة، وإن أبيتم كنا قد أعذرنا إليك، ولما مضت الأيام الثلاثة قال: يا أهل المدينة، قد مضت الأيام الثلاثة، فما تصنعون؟ أتسالمون أم تحاربون؟ فقالوا: بل نحارب، فقال لهم: لا تفعلوا، بل ادخلوا في الطاعة، ونجعل حدنا وشوكتنا على هذا الملحد الذي قد جمع إليه المراق والفساق مِن كل أوب، فقالوا لهم: يا أعداء الله، والله لو أردتم أن تجوزوا إليهم ما تركناكم حتى نقاتلكم، نحن ندعكم أن تأتوا بيت الله الحرام، وتخيفوا أهله، وتلحدوا فيه، وتستحلوا حرمته! لا والله لا نفعل (المحاسن والمساوئ للبيهقي).

    وفي يوم الأربعاء لليلتين بقيتا مِن شهر ذي الحجة 63 هـ - 683م وقعت المعركة: فوجَّه مسلم خيله نحو أهل المدينة والتقى الجيشان، واختل نظام الدفاع لأهل المدينة وتراجعوا وتفرقوا، وانتهت المعركة لصالح جيش الشام، وهزم أهل المدينة هزيمة ماحقة، قتل فيها خلق كثير مِن القادة ووجوه الناس، وكان القتل ذريعًا في المدنيين، وقد شبهتهم الرواية بنعام الشُّرَّد، وأهل الشام يقتلونهم في كل وجه (الطبقات لابن سعد).

    وقد قتل في هذه المعركة عددٌ مِن الصحابة -رضوان الله عليهم-، ويشهد لذلك ما ذكره سعيد بن المسيب حينما قال: "وقعت الفتنة الأولى -يعني مقتل عثمان- فلم تبقِ مِن أصحاب بدر أحدًا، ثم وقعت الفتنة الثانية -يعني الحرَّة- فلم تبقِ مِن أصحاب الحديبية أحدًا" (تاريخ خليفة بن خياط).


    ولقد أورد خليفة في تاريخه قوائم بأسماء قتلى الحرَّة ثم قال: "فجميع مَن أصيب مِن قريش والأنصار ثلاثمائة رجل وستة رجال"، وقد تابعه على ذلك أبو العرب (المحن لأبي العرب)، والأتابكي (النجوم الزاهرة)، وهناك رواية مسندة عن الإمام مالك -رحمه الله- قال فيها: "إن قتلى الحرَّة سبعمائة رجل مِن حملة القرآن"، وقال الراوي: "وحسبتُ أنه قال: "وكان معهم ثلاثة أو أربعة مِن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" (المحن لأبي العرب).

    وللحديث بقية بمشيئة الله تعالى.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •