بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله الذى أرسل رسوله بالهُدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، وكفى بالله شهيدًا ، وأشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ، وأشهد ان محمدًا عبد ورسوله . صلى الله عليه وعلى اله واصحابه وسلم تسليمًا مزيدًا الى يوم الدين .
أما بعد : فهذه مقالة قصيرة فى بيان حقيقة مذهب من المذاهب الضالة الخداعة التى أنتجتها العقلية الأوروبية فى التفافها على الكنيسة وديانتها الزائفة فالديمقراطية - اسم جذاب - اذ يقصدون به العدالة والحرية فى الظاهر مما جعل كثيرًٍا من المسلمين ومن غيرهم يتاثرون بدعاية المذهب ظانين أنها تحمل تحت هذا الاسم ما يوحى بظاهره - ولم يعلموا أنها تسمية سراب - وأن المستفيدين منها هم الطبقات العليا طبقة الحكام والأثرياء الذين هم نسخة عن الاقطاعيين فى الزمن القديم ، أو من لم غرض فى محاربة الأديان وخصوصًا الاسلام [1]
وليُعلم انى مُجرد مُسلم بسيط جدًا . فقط اردت الدفاع عن هذا الدين الذى تكالبت عليه الأُمم الكافرة ، وامتلأت قلوبهم حقدًا وحسدًا على التوحيد وأهله ..
بالرغم من قلة اطلاعى وضعفى وتقصيرى . ولكن مالا يُدرك كله لا يُترك جُله
وقد اجتهدت على حسب استطعاتى ، فى مُطالعة ما يتعلق ببعض المذاهب الفكرية المُعاصرة ،
لأن دراسة هذه المذاهب المُنتشرة فى اقطار الأرض مهمه يحتاج كل مسلم الى معرفتها مهما كان مستواه الثقافى اذ من الظلام تُعرف قيمة النور
وبضدها تتبين الأشياء ..
قال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - : " لايعرف الاسلام من لا يعرف الجاهلية"
وستشمل دراستنا لهذا المذهب البحوث التالية :
(1) الديمقراطية تعريفها واركانها (2) نظرية السيادة تعريفها وأركانها (3)الفرق بين الشورى والديمقراطية (4)نظرية الحقوق والحريات (5)موقف الاسلام من جميع ما سبق
والان نشرع فى المقصود مستعينين بالله متوكلين عليه ، مستدين القوة منه
- تمهيد : الكلمات ذات الأصل غير العربى ، اذا اردنا معرفة معناها ومدلولها وحقيقتها ، ينبغى علينا الرجوع الى أصل الكلمة فى الموضع الذى خرجت منه ، حتى لا يخدعنا المُترجمون لها ممن لهم أهواء وشبهات بتحريف معنى هذه المُصطلحات الأجنبية ، وتقديمها فى ثوب خادع يستخفون به ويستغفلون غير المُتخصصين من الناس ، وقليلى المعرفة ، لترويج هذه المُصطلحات فى مجتمع المسلمين
[2]
أولًا : {الديمقراطية}
(1) التعريف : قد تضافرت وتعاونت تعريفات الكاتبين والقواميس على ان الديمقراطية
كلمةً يونانية الأصل ، مكونة من جزئين "ديموس" وتعنى الشعب و"كراتوس" وتعنى السيادة . فالمعنى : السيادة للشعب
(2) الخصائص والأركان : للنظام الديمقراطى اركان لا يقوم بدونها ، وأبرزها أمران :
- سيادة الشعب او الأمة او جمهور الناس - والاقرار بحقوق الأفراد وحرياتهم

ثانيًا : {نظرية السيادة}
(1) اما التعريف فكما يُقررون : "هى السُلطة العليا المُطلقة التى تفردت بتملك حق التشريع ولا يوجد سلطة مساوية لها أو اعلى منها ، فهى سلطةُ تسمو فوق الجميع وتفرض نفسها على الجميع ، بما تملك من سلطة الأمر والنهى العُليا" . او هى "السلطة العليا المطلقة التى تفردت وحدها بالحق فى انشاء الخطاب المُلزم المتعلق بالحُكم على الأشياء والأفعال على سبيل التكليف (بجعل الشئ واجبًا او محظورًا او مُباحًا) او الوضع (بجعل الشئ سببًا أو شرطًا او مانعًا)"
لأن التكليف قد يكون بفعل الشئ او بتركه او تخيير بين الفعل والترك
[3]
(2) اما خصائصها وأركانها : التى لا تقوم الا عليها فكثيرة ولكن نذكر ابرزها واهمها :
1- الاطلاق . اى انها سيادة لا تحدها الحدود ولا تقيدها القيود
فالقانون تعبير ، عن ارادة الشعب ، فلا يُفرض عليه ارادة أُخرى من أى جهةٍ كانت لأنه يملك الركن الثانى وهو
2- السمو . فهى فى مجالها ارادة تعلو جميع الارادات وسلطة تعلو كافة السُلطات ، بحيث لا يوجد لها مساوٍ ولا مُناهض
3- التفرد والوحدانية . فهى سيادة واحده منفردة لا تقبل التعدد ، لأنه يؤدى الى التضاد والتصادم وفساد الأحوال
قالو : لأنه لو كانت هناك سيادتان .
- فاما ان تنفذا ارادتهما معًا وذلك جمعُ بين النقيضين -واما ان لا تنفذا جميعًا فتبطل السيادتان معًا
-واما ان تنفذ ارادة احدهما فقط فيكون صاحبها هو الاحق بالسيادة وتبطل سيادة ما سواه
والعجيب ان هذا هو نفس الدليل الذى يستدل به علماء المسلمون فى كتب العقائد على الوحدانية
4- العصمة من الخطأ . تنسب نظرية السيادة الى الشعب صفة العصمة من الخطأ ، لأنها تعتبر الارادة الجماعية ارادة مشروعة ، فالقانون يكون عادلًا مصيبًا بمجرد صدوره عن الأمة او ممثليها
[4]

{موقف الاسلام مما سبق}
بعد ان عرفت ان السيادة التى يدعو اليها هؤلاء هى باختصار تعنى :
ان الشعب او الامة ، له سلطة التشريع المطلق وحده لا يشاركه شعب او مصدر اخر فى ذلك ، اراداته وتشريعاته من أمره ونهيه (الواجب - والمحظور - والمباح) تعلو على جميع التشريعات ، بل لا يوجد من يساميه او يساويه فى ذلك
حينئذٍ هل يشك مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر ان السيادة بهذا المعنى حق خالص لله وحده لا شريك له ، فالله هو المشرع وحده لا حُكم الا له
"أأرباب مُتفرقون خيرُ ام الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه الا اسماءً سميتموها انتم واباؤكم ما انزل الله بها من سُلطان ان الحُكم الا لله أمر الا تعبدوا الا اياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون" . "ولا يُشرك فى حكمة احدًا" .
وقال تعالى "الم تر الى الذين يزعمون انهم امنوًا بما انزل اليك وما اُنزل من قبلك يُريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت . وقد أُمروا ان يكفروا به ويُريد الشيطان أن يُضلهم ضلالًا بعيدًا واذا قيل لهم تعالوا الى ما انزل الله والى الرسول رأيت المُنافقين يصدون عنك صدودًا"
يقول العلامة - صلاح الصاوى - : "فالارادة التى تعلوا جميع الارادات ، والسُلطة التى تُهيمن على جميع السُلطات والتى لا تعرف فيما تُنظمه أو تقضى فيه سلطة أُخرى تساويها أو تساميها انما هى ارادة الله عز وجل وحده لا شريك له .
ولقد انعقد اجماع الأُمة كلها فى مُختلف الأعصار والأمصار اجماعًا لم يشذ عنه كبير ولا صغير ولا ذكر ولا انثى ولا حر ولا عبد لا طائعُ ولا عاصٍ أنه لا دين الا ما أوجبه الله ، ولا شرع الا ما شرعه ، ولا حلال الا ما احله ولا حرام الا ما حرمه ، وأن من جادل فى هذه البيدهية فأحل ما حرمه الله أو حرم ما احله الله أو رد شيئًا من حُكمه أو اعطى غيره حق التحليل والتحريم والايجاب والندب فهو مارقُ من الدين كافر باجماع المُسلمين" أ.هـ
[5]
ويقول - شيخ الاسلام - ابن تيمية : "والانسان متى حلل الحرام المُجمع عليه او حرم الحلال المُجمع عليه او بدل الشرع المجمع عليه . كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء" أ.هـ [6]
وقال ابن كثير : "فمن ترك الشرع المُحكم المُنزل على محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - وتحاكم الى غيره من الشرائع المنسوخه كفر فكيف بمن تحاكم الى الياسا وقدمها عليه من فعل ذلك كفر باجماع المُسلمين"
[7]
وفى موضع آخر ذكر حقيقة اليساق قال فى تفسير قوله تعالى (أفحكم الجاهلية يبغون) :
"ينكر تعالى على من خرج عن حُكم الله المُحكم المُشتمل على كل خير الناهى عن كُل شر وعدل الى ما سواه من الاراء والاهواء والاصطلاحات التى وضعها الرجال بلا مُستند من شريعة الله ، كما كان اهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها باراءهم واهواءهم ، وكما يحكُم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذى وضع لهم اليساق وهو كتاب مجموع من احكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الاسلامية ، وفيها كثيرُ من الاحكام اخذها من مجرد نظره وهواه ، فصارت فى بنيه شرعًا مُتبعًا ، يُقدمونها على الحُكم بالكتاب والسنة .
ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع الى حكم الله ورسوله " أ.هـ
[8]
وقال - الامام - ابن حزمٍ الاندلسى : " لاخلاف بين اثنين من المُسلمين ان من حكم بحُكم الانجيل مما لم يأت بالنص عليه وحىُ فى شريعة الاسلام انه كافرُ مشركُ خارج عن الاسلام" [9]
وللامام - محمد الآمين الشنقيطى - كلام مهم بخصوص هذا الموضوع . سأنقله بكامله لأهميته قال :
"ويفهم من هذه الآيات ، كقوله : ولا يشرك في حكمه أحدا ، أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله ، وهذا المفهوم جاء مبينا في آيات أخر ، كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون، فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم ، وهذا الإشراك في الطاعة ، واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى : ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ، وقولـه تعالى عن نبيه إبراهيم : ياأبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا ، وقولـه تعالى : إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا ، أي : ما يعبدون إلا شيطانا ، أي : وذلك باتباع تشريعه ، ولذا سمى الله تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء ، في قوله تعالى : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم الآية، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا لعدي بن حاتم رضي الله عنه لما سأله عن قوله تعالى : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ، فبين له أنهم أحلوا لهم ما حرم الله ، وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم في ذلك ، وأن ذلك هو اتخاذهم إياهم أربابا .
ومن أصرح الأدلة في هذا : أن الله جل وعلا في " سورة النساء " بين أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون ، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب ; وذلك في قوله تعالى : ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا .
وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور : أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم ، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته ، وأعماه عن نور الوحي مثلهم ."
الى ان قال :
"
وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السماوات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السماوات والأرض ، كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف ، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث . وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم ، وأن الطلاق ظلم للمرأة ، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان ، ونحو ذلك . فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم كفر بخالق السماوات والأرض ، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها وهو أعلم بمصالحها سبحانه وتعالى عن أن يكون معه مشرع آخر علوا كبيرا أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ، قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون ، ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، وقد قدمنا جملة وافية من هذا النوع في سورة " بني إسرائيل " في الكلام على قوله تعالى : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم الآية."
أ.هـ المقصود [10]
ثالثًا : {الفرق بين الشورى والديمُقراطية}
[11]
1- الشورى : جزء من نظام متكامل قائم على الايمان بأن السيادة للشرع المنزل من عند الله العلى الكبير على رسوله محمد ، فالامر كله لله ، والتشريع والحُكم كله لله وحده لا شريك له . واما الديمقراطية : فهى مذهب قائم على الايمان بأن السيادة للبشر المخلوقين المربوبين ، فالأمر كله لهم والحُكم والتشريع كله لهم ، الحلال ما احلوه والحرام ما حرموه ، والطيب ما استحسنته اهوائهم والخبيث ما استقبحته نفوسهم
2- الشورى : انطلاقًأ من نظام الاسلام القائم على سيادة الشرع لها نطاق مُحدد ولا تتعداه . فهى شورى مُقيدة بالأحكام الشرعية لا تخرُج عنها ولا تخالفها
واما الديمُقراطية : فالامر فيها مُطلق ، ويمكن للناس بناءًا عليها أن يتناقشوا وان يتباحثوا ، وأن يقرروا فى النهاية ما لا يُمكن أن يخطر على فكر رجلٍ مُسلم ، وليس حكاية زواج الرجل بالرجل منا ببعيد (او ما يُسمى بزواج المثليين)
3- الشورى : فى النظام الاسلامى ليست حقًا لكل الناس على اختلاف قُدراتهم واستعدادهم وميولهم ، وانما للشورى اهلها وهم الثقات العدول أهل الاختصاص والخبرة فى كل ما تطلب فيه المشورة . واما فى الديمقراطية : فلا يُفرق فى ذلك بين العالم والجاهل ، وبين الحكيم والسفية ، بل كل من استطاع أن يحصُل على أكبر عددٍ من أصوات الناخبين حتى ولو كان ذلك بطريق الكذب والخداع فهو من اهل الشورى الذين يُعتد بقولهم ولهم حق فى تشريع القوانين
4- الشورى : معيار الصواب فيها اتباع الدليل أو القواعد الشرعية وتحقيق مصلحة الامة الاسلامية
واما الديمقراطية : فتجعل الكثرة - ايًا كانت - هى معيار الصواب والله عزوجل يقول فى غير موضعٍ من كتابه "ولكن اكثر الناس لا يعلمون" . "لا يعقلون" . "لا يفقهون" . "وان تطع اكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل الله"
ولعله بعد ذكر هذه الفروق الجلية الواضحة بين "الشورى" و "الديمقراطية" سواءً منها ما تعلق بأصلها أو أحكامها يظهر فساد القول بأن الديمقراطية هى التطبيق العصرى لنظام الشورى

ثالثًا : {نظرية الحقوق والحريات}
[12]
تمهيد : النظام الديمقراطى قد أقر – قانونيًا – بعدد غير قليل من الحقوق والحريات (الرأى – الشخصية – العقيدة – العمل – السكن – الانتقال – التعليم) ،
ولكنه يُعطى الحرية المطلقة غير المُقيدة فى جميع ما ذُكر
واما (الاسلام) فيُقر باكثر هذه الحريات ، ولكنه يُقيدها بقيود الشريعة ، فلا توجد به حرية مطلقة
وهذا هو الفارق بين الديمقراطية والاسلام فى هذه الحريات ..

- والمقام هنا يقتضى أن نذكر طائفة من الاثار والنتائج المُترتبة على ما هذه الحريات :
1) فى مجال الاعتقاد : يحق لكل فردٍ فى النظام الديمقراطى أن يدين بما شاء من العقائد والملل والنحل ولا تثريب عليه فى ذلك ، ويحق له ان يُغير دينه كيفما شاء ولا تثريب عليه فى ذلك ، وليست هناك أدنى قيود عليه بل هى حرية مطلقة
، وفى هذا المجال لا تسل عن جريمة الردة أو عن حدها ، فالردة حق من الحقوق وحرية متاحة للجميع
وموقف الاسلام هنا واضح جدًا وصارم: اذ يقول رسول الهدى محمد -عليه الصلاة والسلام- : "من بدل دينه فاقتلوه"
فلا يوجد شئ اسمه "حرية عقيدة" فى الاسلام الا مقيدة اذا دفع اهل الذمة الجزية فلا نكرههم على الاسلام واما اذا ابوا ورفضوا فليس لهم الا حد السيف "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فان تابوا واقاموا الصلاة واتوا الزكاة فخلوا سبيلهم"
بل "حرية العقيدة" المطلقة هذه كفر وردة عن الاسلام يقول الشيخ عبد العزيز الناصر الرشد فى (التنبيهات السنية) :
"او ان الانسان حر فى التدين فى اى دين شاء من يهودية او نصرانية او غير ذلك فهذا كفر باتفاق علماء الاسلام"
2) واما فى مجال "الاخلاق" او "الحرية الشخصية" : ففى ظل النظام الديمقراطى كل الرذائل والموبقات الخلقية اصبحت حقوقًا وحريات . فالزنا حق من الحقوق وحرية من الحريات، وممارسة الأفعال الفاضحة علنًا وفى الشوارع حق أيضًا من حقوقهم، وحرية متاحة للجميع وكذلك اللواط ومواقعة الرجال بعضهم بعضًا لا غضاضة فيه ولا تحريج عليه، بل هو حق مكفول بقوة القانون !!
يقول الاستاذ محمد قطب : "وحرية الانسان فى الفساد حرية مكفولة بالقانون !
فالسلوك الجنسى ......، لا يتدخل القانون بشأنه أى تدخل الا فى حالة واحدة وهى جريمة الاغتصاب لأنها تقع بالاكراه لا بالاتفاق، أما أى علاقة اخرى -على الاطلاق- تقع بالاتفاق فلا دخل للقانون بها، ولا دخل للمجتمع ولا احد من الناس .... فسواء كانت هذه العلاقة سويه أو شاذة، سواء كانت مع فتاة لم تتزوج او مع امرأة متزوجة ، فهذا شأن الأطراف أصحاب العلاقة وليس شأن أحد اخر .........، ومن سنوات عدة عقد فى الكنتيسة الهولندية عقد شرعى بين فتى وفتى على يد القسيس .. " الخ ما ذكره
[13]
ولعله من المناسب ذكر بعض الاحكام التى تضمنها قانون دولة عربية ديمقراطية ..
- تقول احدى مواد هذا القانون : " لا يعاقب القانون على جريمة هتك العرض، اذا ما كانت الفتاة بالغة، وتم الفعل برضاها"
_وتقول مادة اخرى : "للزوجة التى زنى زوجها فى منزل الزوجة الحق فى أن تزنى مع من شاءت، ولا تثريب عليها ان فعلت ذلك"
كل هذا يتم باسم من ؟ باسم الديمقراطية والحرية !
واما فى الاسلام : فالامر واضح بين هنا ولزيادة الايضاح نقول :
- للرجل مثلاً أن يختار الزوجة بحريته، ثم يتم زواجها برضاها وموافقة وليها، بواسطة ولى معتبر فى الشرع وشهود
ولكن لا يجوز له أن يضم اليها أختها ولا خالتها ولا عمتها لقوله (وأن تجمعوا بين الاختين) اى هذا منهى عنه ومحرم
ولقوله عليه السلام ( لاتنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها) رواه البخارى
واذا اراد جماعها، تجنب أيام حيضها ونفاسها، وابتعد عن اتيانها فى دبرها فهى حرية مقيدة بالشرع .
3) واما فى مجال "حرية الرأى" : ففى النظام الديمقراطى الانسان حر فى كل ما يريد ان يقوله، وله أن يعبر عما فى نفسه بما شاء، وبأى أسلوب يريد، لا فرق عندهم بين الاساءة والاحسان، والحسن والقبيح، بل هذا التقسيم غير وارد فى ذلك النظام . فمن ذلك (الصور المسيئة للرسول) و(سب الدين والانبياء) كل هذا من حرية الرأى
واما فى النظام الاسلامى : فكل انسان ذكرًا كان أو انثى حرية الرأى والقول فى الاسلام مقيدة بقيود الشريعة : يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وينصح ويذكر ، ولكن لا يسئ، ولا يشتم، ولا يلعن، ولا يقذف، متأدبًا بالاداب الشرعية فى ذلك : بمثل قوله عليه السلام " من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليل خيرًا او ليصمت" وبقوله "ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا بالفاحش ولا بالبذئ"
4) واما فى مجال العمل والاقتصاد : ففى النظام الديمقراطى للفرد حرية مطلقة فى الكسب والتملك والثراء بلا قيود ولا ضوابط ولا أخلاق ، فالربا والاحتكار وغير ذلك من الطرق المشابهة وسيلة شريفة ومشروعة لكسب المال ، والفرد حر حريةُ مطلقة ايضًا فى انفاق المال المكسوب ولو كان ذلك على الفساد والرذيلة ، وليست هناك أهداف أو غايات اجتماعية محمودة يتم تحقيقها من وراء تملك المال ، فليس للفقير أو المسكين أو المحتاج أدنى حق فى مال الغنى وليس للدولة أن تتدخل فى شأن الافراد الاقتصادى ، وانما تنحصر وظيفتها فى القيام بمهمة الحارس
واما فى النظام الاسلامى : فهذا باب واسع ومرغوب فيه ، شريطة أن يكتسب ماله بالطرق المباحة ومن الحلال ، ثم ينفق منه فى مرضاة الله من أداء الواجبات الكثيرة من الواجبات المالية كالزكاة والتطوع
فالخلاصة : أن جميع الحريات التى جعلها النظام الديمقراطى حريات وحقوق مطلقة غير مقيدة ، فالاسلام يقر أكثرها مقيدة بقيود الشريعة ولا توجد فى الاسلام حرية مطلقة منفلته من قيود الشريعة .
هذا ونسأل الله سبُحانه ،
ان يجعل هذا العمل البسيط خالصًا لوجهة الكريم ، وان ينفع بمقالتى ويجعلها مقربةً اليه ،
ويفتح بها قلوب من انخدعوا ، بمثل هذه الافكار الغربية ، التى غزى بها الكفار عقول المنتسبين الى الاسلام ..

والله اعلم وصلى الله على محمدٍ واله وصحبه وسلم

المراجع والمصادر لمن اراد التوسع :
-"مذاهب فكرية معاصرة" لمحمد قطب -"المذاهب الفكرية المعاصرة وموقف الاسلام منها" لغالب عواجى -"نظرية السيادة وأثرها على شرعية الانظمة الوضعيه" لصلاح الصاوى
-"جلاء الظُلمه فى التحذير من سيادة الشعب او الأُمة" لأحمد الشريف -"الدولة والسيادة دراسة مُقارنة" لفتحى عبد الكريم
-"حقيقة الديمقراطية" لمحمد شاكر -"حقيقة الديمقراطية وانها ليست من الاسلام" لمحمد امان الجامى
-"العدل فى شريعة الاسلام وليس فى الديمقراطية المزعومة" لعبد المحسن العباد البدر -"معالم فى الطريق" لسيد قطب
_____________________
[1] المذاهب الفكرية لغالب عواجى ص755
[2] حقيقة الديمقراطية لمحمد شاكر ص5
[3] الموضاع السابقة ص8 - نظرية السيادة لصلاح الصاوى ص10 - جلاء الظلمة لأحمد الشريف ص12
[4] نظرية السيادة ص7-10 . "جلاء الظلمة" ص13-15
[5] نظرية السيادة ص31
[6] مجموع الفتاوى 3/267
[7] البداية والنهاية 13/139
[8] تفسير القرآن العظيم عند تفسيره لهذه الآية
[9] الاحكام فى أصول الاحكام 5/162
[10]اضواء البيان عند تفسير لقوله (ولا يُشرك فى حُكمه احدًا)
[11] حقيقة الديمقراطية لمحمد شاكر ص44 ، ولمزيد من التفصيل عن الفوارق راجع "الشورى المفترى عليها" لمحمد المغربى
[12] حقيقة الديمقراطية لشاكر ص10-16 . و"حقيقة الديمقراطية وانها ليست من الاسلام" للجامى ص23-31
[13] مذاهب فكرية مُعاصرة ص216