التسليم والاستسلام للواحد الديان
عيد فطر مبارك
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: التسليم والاستسلام للواحد الديان

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي التسليم والاستسلام للواحد الديان

    قال الطحاوى رحمه الله
    فإنَّهُ ما سَلِمَ في دينِهِ إِلاَّ مَن سَلَّمَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.
    وَرَدَّ عِلْمَ ما اشْتَبَهَ عليهِ إلى عَالِمِهِ.
    ولا تَثْبُتُ قَدَمُ الإسلامِ إِلاَّ على ظَهْرِ التَّسْلِيمِ والاسْتِسْلاَمِ .
    (3)
    فَمَنْ رَامَ عِلْمَ مَا حُظِرَ عنهُ عِلْمُهُ
    (4)، ولم يَقْنَعْ بالتسليمِ فَهْمُهُ، حَجَبَهُ مَرَامُهُ عن خالصِ التوحيدِ، وصافي المَعْرِفَةِ، وَصَحِيحِ الإِيمَانِ.
    فَيَتَذَبْذَبُ بينَ الكُفْرِ والإيمانِ، والتصديقِ والتكذيبِ، والإقرارِ والإنكارِ.(5)
    مُوَسْوِسًا تَائِهًا، شَاكًّا، لا مُؤْمِنًا مُصَدِّقًا، وَلاَ جَاحِدًا مُكَذِّبًا
    (6).
    قال الشيخ صالح الفوزان
    لا يَثْبُتُ الإسلامُ الصحيحُ إِلَّا بالتسليمِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ سُبْحَانَهُ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسُهِم حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء: 65).
    والاستسلامُ هو: الانقيادُ والطاعةُ لِمَا جاءَ عن اللَّهِ ورسولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    (4) مَن لم يُؤْمِنْ بما حُجِبَ عنه عِلْمُهُ، مثلَ علمِ الكيفيَّةِ، فالواجبُ علينا الإيمانُ بها وَرَدُّهَا، أي: رَدُّ عِلْمِهَا إلى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا } (البقرة: 26).
    وقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} (آل عِمْرَان: 7)، حَجَبَ اللَّهُ عِلْمَهُ عن الخلقِ فلا تُتْعِبْ نفسَكَ، ثم قَالَ: {والراسخون فى الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} (آل عِمْرَان: 7). يُسَلِّمُونَ وَيَسْتَسْلِمُو نَ، ولا يَمْنَعُهُم عَدَمُ مَعْرِفَةِ مَعْنَاهُ مِن الإيمانِ بهِ والتسليمِ لهُ. أو أنَّ المعنى أَنَّهُم يَرُدُّونَ المُتَشَابِهَ من كتابِ اللَّهِ إلى المُحْكَمِ منهُ لِيُفَسِّرُوهُ وَيَتَّضِحَ معناهُ ويقولونَ: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا).

    (5) مَن لم يُسْلِّمْ للهِ ولا إلى الرسولِ، فإِنَّهُ يُحْجَبُ عن معرفةِ اللَّهِ ومعرفةِ الحقِّ، فيكونُ في متاهاتٍ وضلالاتٍ.
    وهذه حالُ المنافقينَ الذينَ يَتَذَبْذَبُونَ ، تارةً مع المسلمينِ, وتارةً مع المنافقينَ، وتارةً يُصَدِّقُونَ وتارةً يُكَذِّبُونَ {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} (البَقَرَة: 20). أَمَّا أَهْلُ الإيمانِ فما عَرَفُوا قالوا بهِ، وما لم يَعْرِفُوا وَكَّلُوا عِلْمَهُ إلى اللَّهِ جلَّ وَعَلَا، ولا يُكَلِّفُونَ أنفُسَهُم شيئًا لا يَعْرِفُونَهُ، أو يقولونَ على اللَّهِ ما لا يعلمونَ – فالقولُ على اللَّهِ بغيرِ عِلْمٍ هو عَدِيلُ الشركِ، بل هو أعظمُ من الشركِ، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا َوَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } (الأَعْرَاف: 33). فَجَعَلَ القولَ على اللَّهِ بغيرِ عِلْمٍ فوقَ الشركِ باللَّهِ، مِمَّا يَدُلُّ على خُطُورَةِ القولِ على اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.

    (6) هذه حالةُ أهلِ التَّرَدُّدِ والنِّفَاقِ، دائمًا شاكِّينَ، دَائِمًا مُتَرَدِّدِينَ وَمُتَذَبْذِبِي نَ؛ لِأَنَّهُ ما ثَبَتَتْ قَدَمُ أَحَدِهِمْ فِي الإسلامِ, ولم يُسَلِّمْ للهِ ولا إلى رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عن المُنَافِقِينَ أَنَّهُم {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ}(النساء: 143).، {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي رد: التسليم والاستسلام للواحد الديان

    قال الله -تعالى-: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء:65).
    فأقسم الله -تعالى- بنفسه الكريمة أنه لا يؤمن أحدٌ حتى يحكِّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جميع الأمور دون ممانعة أو منازعة،
    ولما كان (لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) غير كافٍ في تحقيق الإيمان؛
    قال الله -تعالى- بعدها: (
    ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ) فاشترط الانقياد الظاهر والباطن لما قضى به النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبلا شكٍّ أو حرج (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
    فبهذا يتحقق الإيمان.
    وقال الله -تعالى-: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا) (الأحزاب:36).
    وقد أثنى الله -تعالى- على إبراهيم -عليه السلام- لأنه استسلم لحكم الله وسلم له وسارع في ذلك فقال -تعالى- عنه: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) وعندما عاتب الله نوحًا -عليه السلام- في شان ولده الكافر وظنه أنه مِن أهله؛ سارع نوح -عليه السلام- إلى الاستسلام والتسليم لحكم الله -تعالى-، قال لله عنه: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ . قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ . قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
    وقال -تعالى- عن إبراهيم إسماعيل -عليهما السلام-: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ . وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (الصافات:103-107).
    (
    أَسْلَمَا): أي استسلما.
    قال قتادة -رحمه الله-: "أسلم هذا بذبح ولده، وأسلم هذا بتسليم نفسه لأبيه". فضرب إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- أروع الأمثال في الخضوع والاستسلام لله، فإبراهيم -عليه السلام- لا يعارض ولا يمانع، بل ولا يسأل ربه حتى عن الحكمة في ذبح ولده إسماعيل وهو ابنه الوحيد -آنذاك- الذي رزقه الله إياه على الكبر ومع شدة حاجته إليه، وكذلك الولد الصالح إسماعيل -عليه السلام- يسارع في الانصياع والاستجابة لأمر الله ويهون على أبيه قائلاً بودٍّ وتودد: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات:102).
    وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلـِّم أمته دعوات تتضمن التربية على التسليم والاستسلام لله -تعالى-: ومِن ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- في ركوعه: (اللهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي)، وفي سجوده: (اللهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (رواه مسلم). وقوله -صلى الله عليه وسلم- في تهجده: (اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَقَوْلُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ الحَقُّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لاَ إِلَهَ إِلا أَنْتَ) (متفق عليه). وقوله عند النوم: (اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) (متفق عليه).
    وقد ضرب الصحابة -رضي الله عنهم- كذلك أروع الأمثلة في التسليم والاستسلام لله -تعالى- ووحيه المنزل على رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهذه أمثلة على ذلك: - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُنَادِيًا يُنَادِي: "أَلاَ إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ" قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ، فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ. (متفق عليه). فامتنعوا -رضي الله عنهم- عن الخمر من ساعتهم وسارعوا بالاستجابة والتسليم لشرع الله -تعالى-؛ على الرغم مِن أن الخمر كانت شرابًا لا يستغني عنه العرب ويعتادونه، ولكن بمجرد ما نزل قوله الله -تعالى-: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ) إِلَى قَوْلِهِ: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (المائدة:91)، قال قائلهم كعمر -رضي الله عنه-: "انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا" (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني). -
    وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: (
    وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) (النور:31)، شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا. (رواه البخاري). -
    ولما أُخبر بعض الصحابة -وهم يصلون تجاه بيت المقدس- بتحول القبلة نحو الكعبة،
    استداروا إلى الكعبة وهم في الصلاة مسارعة منهم في الاستجابة والامتثال؛ فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدِ اُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوه َا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ" (متفق عليه). -
    وعن جابر بن سليم -رضي الله عنه- أنه قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-:
    اعْهَدْ إِلَيَّ، قَالَ: (لا تَسُبَّنَّ أَحَدًا) قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرًّا، وَلا عَبْدًا، وَلا بَعِيرًا، وَلا شَاةً. (رواه أبو داود، وصححه الألباني). -
    وهذا معقل بن يسار -رضي الله عنه- قد زوَّج أخته لرجل، لكنه طلقها ثم ندم وجاء يخطبها مرة أخرى، فقال معقل: زوجتك وأكرمتك ثم طلقت أختي، لا والله لا ترجع إليك أبدًا، فأنزل الله -تعالى-: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ)
    (البقرة:232). فقال معقل -رضي الله عنه-: "سَمْعًا لِرَبِّي وَطَاعَةً، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: أُزَوِّجُكَ وَأُكْرِمُكَ" (رواه الترمذي، وصححه الألباني، وأصله عند البخاري). -
    وكذلك كانالسلف الصالح -رضي الله عنهم- في مسابقتهم وتسليمهم لشرع الله -تعالى-:
    فهذا الشافعي -رحمه الله- ذكر عنه الحميدي أن رجلاً جاءه فسأله عن مسألة، فقال الشافعي: قضى فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا وكذا، فقال الرجل: وما تقول أنت؟ فقال الشافعي: سبحان الله! تراني في كنيسة، تراني في بيعة -معبد اليهود-؟ ترى على وسطي زنارًا -شعار أهل الذمة-، أقول لك قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنت تقول: ما تقول أنت؟!" (ذم الكلام وأهله).
    - بل مِن لطائف ما يذكر في ذلك عن أحد العوام ما ذكره أبو إسحاق الحبال قال: "كنا يومًا نقرأ على شيخ فقرأنا حديث النبي -عليه السلام-: (لا يدخل الجنة قتات) (متفق عليه)، وكان في الجماعة رجل عامي يبيع القت -وهو علف الدواب-، فقام وبكى وقال: أتوب إلى الله من بيع القت، فقال له الشيخ: ليس هذا القصد، لكن القتات النمام: الذي ينقل الحديث مِن قوم إلى قوم، فسكن الرجل، وطابت نفسه" (تاريخ الإسلام للذهبي).
    فالتسليم والاستسلام للواحد الديان هو روح الإسلام
    ؛ فلا يصل العبد إلى حقيقة الإيمان إلا بالإذعان والاستسلام للوحي المنزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- كتابًا وسنة؛ فلم يكن الاقتناع العقلي شرطـًا عندهم للانقياد والإذعان، بل كان الواحد منهم يمتثل الشرع سواء اقتنع أم لا؟ فهم العلة أم لا؟
    قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ" (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
    وهكذا ينبغي أن يكون حال كل مسلم مع الله ووحيه وشريعته ومع رسوله -صلى الله عليه وسلم-، قال الله -تعالى-: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (النور:51)، وهذا خلاف حال أهل الضلالة والكفر والنفاق الذين قال الله في شأنهم: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) (النساء:61).
    قال ابن القيم -رحمه الله-:
    "
    إن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم، وعدم الخوض في تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع، ولهذا لم يحكِ الله -سبحانه- عن أمة نبي صَدَّقت نبيها وآمنت بما جاء به، أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به ونهاها عنه، ولو فعلت ذلك لما كانت مؤمنة بنبيها، بل انقادت وسَلَّمت وأذعنت، وما عرفت مِن الحكمة عرفته، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها وإيمانها واستسلامها على معرفته، ولا جعلت طلبه مِن شأنها" (الصواعق المرسلة).
    وهذا التسليم لشرع الله ليس فقط بقول اللسان وإنما بالتحاكم الفعلي إلى دين الإسلام في كل شيء مِن أمور الحياة، قال الله -تعالى-: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء:65)، وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) (البقرة:208)، وقال: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162-163).
    وهذا التسليم والانقياد لا فرق فيه بيْن القرآن والسنة؛ إذ السنة مبيِّنة للقرآن ومفسِّرة له، قال الله -تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل:44)، (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر:7)، وقال: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور:63).
    والمؤمن يسلِّم لأمر الله وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- في كل شأنه وأموره وأحواله، ويعلم أن الخير كله فيما شرعه الله وما جاء به رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأن الشر كله في مخالفة حكم الله وما جاء به رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ فلا يعارض شيئًا مِن وحي الله بعقله وهواه، فهذا العقل الذي خلقه الله -تعالى- وميَّز به الإنسان عن غيره مِن الكائنات غير المكلفة هداه الله للتعرف على بعض المصالح والحكم المودعة في الأشياء، وخفي عنه الكثير منها والكثير منها، وصدق الله إذ يقول (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)
    فهذا العقل له عبودية عظيمة وهي الإذعان والاستسلام والاعتراف بأن الله -تعالى- يحكم ما يريد ويشرِّع ما يشاء، وما على العبد إلا الانقياد والتسليم المطلق لرب العالمين -تبارك وتعالى-.
    وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
    كتبه/ محمود عبد الحفيظ

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    703

    افتراضي رد: التسليم والاستسلام للواحد الديان

    نعم أخى محمد
    فالتسليم والاستسلام للواحد الديان هو روح الإسلام؛ فلا يصل العبد إلى حقيقة الإيمان إلا بالإذعان والاستسلام للوحي المنزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- كتابًا وسنة؛ فلم يكن الاقتناع العقلي شرطـًا عندهم للانقياد والإذعان، بل كان الواحد منهم يمتثل الشرع سواء اقتنع أم لا؟ فهم العلة أم لا؟

    ........
    يقول العزيز الحكيم : { وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَات وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً }
    فالكل قد أسلم لله .. ( تسليم واستسلام وانقياد وإذعان ) .. فجميعهم مقهورين ..
    أسلموا لله : طاعةً واختيارا .. وأسلموا لله : كَرهاً وجبراً وخضوعاً وإذعاناً ..
    .....
    فلقد قهر الله جميع مخلوقاته وقهر كل ما فى أرضه وسماواته .. قهرهم الله : طائعين أو عاصين . ومؤمنين أو غير مؤمنين .
    .....

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •