كيف تُبنى الأمم؟
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: كيف تُبنى الأمم؟

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,776

    افتراضي كيف تُبنى الأمم؟

    كيف تُبنى الأمم؟ (1)
    أنموذج من حياة نبي الله يوسف -عليه السلام
    -



    كتبه/ وائل عبد القادر


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


    فقد أرسل الله -تعالى- رسله الكرام مبشرين ومنذرين ليخرجوا أقوامهم من
    الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، ولإقامة الحجة عليهم، قال
    -تعالى-: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا
    يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ
    عَزِيزًا حَكِيمًا
    )
    (النساء:165)، وقص علينا -جل وعلا-
    مِن أخبارهم وقصصهم، فقال -عز من قائل-: (وَرُسُلًا قَدْ
    قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ
    وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا
    )
    (النساء:164).


    وجعل في قصصهم عبرة وعظة لمن بعدهم من الأمم، وجعل من قصص بعضهم نموذجًا
    ومثلًا للتغيير المنشود الذى يتحول فيه الجميع إلى حال مرضية عند الله -تعالى-.



    ومن أعظم نماذج
    التغيير التي قصها علينا ربنا -تبارك وتعالى- قصة نبي الله يوسف -عليه السلام-،
    وقد فَصّل القرآن فيها تفصيلًا، ووصف -جل وعلا- القصة بأنها أحسن القصص،
    فقال -عز وجل-: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا
    إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ
    )
    (يوسف:3).


    وزكاها -جل وعلا- في آخر السورة بأنها عبرة لأصحاب العقول السليمة، فقال
    -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ
    لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي
    بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ
    يُؤْمِنُونَ
    )
    (يوسف:111).


    والمتأمل في قصة نبي الله يوسف -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- يجد
    فيها العبرة والعظة، ومصداق قول ربنا في تزكية القصة، فهي عبرة لأولي الألباب،
    وخاصة في زمن الناس هذا وفي بلدنا هذه، حيث وقعت فيها أغلب أحداث هذه القصة
    وأكثرها أثرًا وعبرة .



    وكأنِّي بها رسالة خاصة لأهل مصر أن يتأمل أولو الألباب وأصحاب العقول
    السليمة التي تقرأ السنن الربانية وتحسن النظر في واقع الناس، وما هو أجدر وأنجع
    لإصلاح حياتهم ودينهم.



    ونظرة بصيرة إلى أحداث القصة من بدايتها حتى نهايتها نجد أن يوسف -عليه
    السلام- استطاع ـبفضل الله تعالى- أن يؤثر في المجتمع الذي كان يعيش فيه وينهض به
    أعظم نهضة، نهضة ترضى الله -تعالى-، فتغير بسببه الحكام والمحكومون؛ الرجال
    والنساء، حتى آب الجميع إلى ربهم وعرفوا قدر يوسف النبي الكريم بن الكريم بن
    الكريم، فكان عليه السلام بمفرده أمة وكان وحده إمامًا في الخير وبنى وحده ـبفضل
    الله تعالى- أمة كاملة بعد أن شاع الفساد وعم الانحلال بين صفوف المجتمع وخاصة في
    أكابر القوم، فنساء يراودنه عن نفسه، وعلى رأسهن امرأة العزيز، والعزيز نفسه قد
    هام على وجهه وسكرته من شرب الخمر، وهو ما يظهر في قول يوسف لأحد الفتيين: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ
    خَمْرًا...
    ) (يوسف:41)، وأعظم من ذلك ما
    كانوا عليه من أنواع الشرك بالله -تعالى- الذي يظهر من سياق القصة، كما في قوله
    -عليه السلام- للفتيين: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ
    إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
    بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ
    )
    (يوسف:40).


    هذه هي صورة المجتمع آنذاك!


    والسؤال: كيف استطاع يوسف -عليه السلام- أن يبني هذه
    الأمة، ويغير كل هذه الانحرافات؟!



    لا شك أننا أحوج الناس الآن أن نقف على الأسباب الشرعية لبناء الأمة بناءً
    حقيقيًّا، بحيث لا نرتكن فقط إلى الأسباب المادية في هذا البناء؛ لأنها وحدها لا
    تكفي، فقد جربت الأمم والدول أعظم أسباب التقدم والنهضة من الناحية المادية
    البحتة، فما أغنت يومًا من جوع ولا آمنت من خوف، ولا أفلحت في إسعاد رعاياها ولا
    أنجعت في صون الإنسان وتقوية صلته بربه وإشعاره بأن عبوديته لا تنفك عن خالقه، بل
    تقوى كلما فتح الله -تعالى- عليه من أسباب الدنيا.



    والجواب يسير على مَن تأمل في القصة؛ إنه فقه التمكين والتغيير في هذه
    القصة المباركة، فقد بنى يوسف -عليه السلام- هذه الأمة ونهضتها على ركيزتين
    أساسيتين، وهما:



    أولًا: العقيدة الصحيحة.


    ثانيًا: الأخلاق الحميدة.


    وللحديث بقية -إن شاء الله-.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,776

    افتراضي رد: كيف تُبنى الأمم؟

    كيف تُبنى الأمم؟ (2)
    أنموذج من حياة نبي الله يوسف -عليه السلام
    -



    كتبه/ وائل عبد القادر



    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    فقد ذكرنا في المقال الماضي أسس بناء الأمم على منهج الأنبياء، وكمثال لهذا تناولنا دعوة يوسف -عليه السلام-، وبيَّنا أنها تقوم على ركيزتين أساسيتين، وهما:
    أولًا: العقيدة الصحيحة.
    ثانيًا: الأخلاق الحميدة.
    واليوم كلامنا عن الركيزة الأولى، وهي:
    أولًا: العقيدة الصحيحة:
    وهو ما ظهر جليًّا في أحداث القصة من داخل السجن حيث قدَّم العقيدة الصحيحة للفتيين اللذين كانا معه بالسجن، واغتنم فرصة أنهما مَن بدأ الكلام، وكان لهما حاجة لديه، وهي تأويل رؤياهما، فانطلق يعلم التوحيد الخالص، فقال -عليه السلام-: (... لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ . وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ . يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ . مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف:37-40).
    فتأمل كيف دعى إلى التوحيد بشقيه: (لا إله) (إلا الله)، فنبذ المعبودات الباطلة ثم أثبت اتباع الملة الحنيفية، وهذه هي خلاصة شهادة التوحيد التي قال -تعالى- عنها: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:256).
    وهذه هي زبدة دعوة الرسل جميعهم كما قال -تعالى-: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) (النحل:36).
    وهو من فقه وحكمة الداعية أن يغتنم فرصة الدعوة حين تأتيه، وأن يدعو الناس إلى التخلي عما في معتقداتهم وأخلاقهم من انحرافات وشوائب ثم التحلي بالمحامد ومعالي الخصال ومحاسن العقيدة، وبيان أن هذه الأمور هي التي بها يتأهل الإنسان لقبول العلم ويفتح الله تعالى له من أبوابه، بل وينال بهذه العقيدة الخيرات والكرامات.
    قال أبو السعود في تفسيره للآية:
    "... أنه إنما حاز هذه الكمالاتِ، وفاز بتلك الكراماتِ؛ بسبب أنه اتبع ملةَ آبائِه الكرامِ ولم يتبع ملةَ قومٍ كفروا بالمبدأ والمعاد، وإنما قاله -عليه السلام- ترغيبًا لصاحبيه في الإيمان والتوحيدِ، وتنفيرًا لهما عما كانا عليه من الشرك والضلالِ، وقُدّم ذكرُ تركِه لملّتهم على ذكر اتباعِه لملة آبائِه لأن التخليةَ متقدمةٌ على التحلية.
    وقال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير الآية: "... وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى، واتبع المرسلين، وأعرض عن طريق الظالمين فإنه يهدي قلبه ويعلّمه ما لم يكن يعلمه، ويجعله إمامًا يقتدى به في الخير، وداعيًا إلى سبيل الرشاد".
    فمن فقه الداعية أن يبدأ بالأمور المهمة أولًا، ولا يختلف أحد أن التوحيد هو أعظم المعروف الذي يدعو إليه الداعي ويأمر به، وأن الشرك بجميع مظاهره من أعظم المنكر الذي ينبغي النهى عنه،
    ففي ذلك كله تنبيه إلى أهمية العقيدة الصحيحة في صلاح البلاد والعباد، وأنها أول ما ينبغي على العباد أن يحققوه ويبدأوا به عند تطبيق منهج التغيير المنشود، فيسعوا جاهدين إلى تطهير العقيدة من شوائب الشرك صغيره وكبيره، وليوقنوا أن إهمال هذا الركن وتلكم الركيزة من أعظم معوقات التغيير والإصلاح المأمول.
    ومن هنا نعلم جيدًا: أن انتشار بعض مظاهر الشرك في المجتمع من أول وأهم أسباب تخلفهم وتسلط الأعداء عليهم، ومن أعظم معوقات نهضتهم وتقدمهم؛ لأن المسلم الصادق يبتغي عند الله الرزق، والقاعدة أن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته، وأعظم الطاعة تحقيق التوحيد الخالص لله -تعالى-.
    ومن هنا نوقن أن ما يفعله فئام من الناس أمام أضرحة بعض المنسوبين للصلاح مِن صرف بعض أنواع العبادات لهم من دون الله -تعالى-: كالذبح، والنذر، والدعاء، والطواف، وغيرها؛ من أعظم المنكرات العقدية التي لا يشك عاقل أنها من أعظم أسباب محق البركة ونزول البلاء على البلاد والعباد.
    وهو الأمر الذي تنبه له أعداء الإسلام فراحوا يدعمون مظاهر الشرك والبدع في المجتمعات الإسلامية لينخروا في كيان العقيدة الصافية، حاملين معاول الهدم لهذا الكيان الشامخ، وقد علموا أن هذا السبيل أيسر بكثير لغزو المسلمين واحتلالهم من مواجهتهم بالعدد والعدة!
    ثم تأمل كيف أكَّد وهو على هذا الحال على توحيد الحاكمية، وإثبات الحكم لله -تعالى- وحده لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وإثبات أن ذلك من أعظم معاني التوحيد والعقيدة الصحيحة، فالحلال ما أحل الله والحرام ما حرّم الله، والدين ما شرع الله -تعالى-، وأنه ليس للبشر أن يشرعوا مع الله -تعالى-؛ لأن التشريع من خالص حقوق الرب -جل وعلا- القائل: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) (الكهف:26)، والقائل: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) (الأعراف:54).
    وتعْجب من إفراده -عليه السلام- الكلام عن توحيد الحاكمية ضمن الكلام عن معاني التوحيد؛ وكأنه تحذير للأمة المصرية خاصة وللناس عامة ألا ينازعوا الله -تعالى- في حاكميته، وفي حقه الخالص في التشريع.
    وكأنِّي بها وصية خاصة لواضعي القوانين والدساتير أن يضمنوها مواد تحكيم الشريعة صريحة واضحة لا لبس فيها ولا تأويل؛ حتى يسعد الجميع تحت ظلال حكم الشرع الحنيف.
    وللحديث بقية -إن شاء الله-.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,776

    افتراضي رد: كيف تُبنى الأمم؟



    كيف تُبنى الأمم؟ (3) أنموذج من حياة نبي الله يوسف -عليه السلام-








    كتبه/ وائل عبد القادر


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    الركيزة الثانية: الأخلاق الحميدة:

    فعلى الأخلاق الحميدة مدار القصة مِن أولها حتى نهايتها، فكان يوسف -عليه السلام- صاحب خلق عظيم، فجادت نفسه بالإحسان، وما رآه أحد إلا وصفه بالإحسان، وكان مِن محاسن خلقه: أن واجَه البلاء بالصبر، والفتنة بصدق اللجوء والاعتصام بالله، والإساءة بالعفو والإحسان؛ فدعا الناس جميعًا إلى مكارم الأخلاق؛ دعا بسلوكه وفعله قبل لسانه.

    وإليك بعض الأمثلة مِن هذه الأخلاق لتظهر لنا بجلاء أسبابًا عظيمة في النهضة والتنمية، ما أحوجنا إليها وما أيسرها علينا؛ إنما هي سلامة الصدر، وبشاشة الوجه، وترك الانتصار للنفس، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة.

    أولًا: رد الإساءة بالعفو والإحسان:

    ويظهر هذا جليًّا في أكثر مِن مشهدٍ بالقصة:

    المشهد الأول: وهو مِن أجلِّ المشاهد وأكثرها عبرة؛ وذلك أنه حين جاءه الفتى الذي نجا ليعبِّر له رؤيا الملك، علم يوسف -عليه السلام- أن الرؤيا تتعلق بمصير الأمة بأسرها، فلم يتوانَ ولم يتأخر، بل سارع في تأويلها بلا تعقيب ولا مساومات، وهو المظلوم البريء الذي أُلقي في السجن بضع سنين بلا أدنى جريرة، بل كان صاحب الحق الأبلج، والعقل السديد؛ فلم يدفعه كل ذلك لأن ينتصر لنفسه أو حتى يبحث عن براءته في هذه اللحظة الفارقة من عمر الأمة، فالوضع لا يحتمل، فلنؤخر مصالحنا الشخصية الآن، ولنقدم مصلحة بلدنا، فلنترك حتى العتاب واللوم الآن ولنبني مجدنا حتى لو كانت مفاتيح النهضة بيدي أنا وحدي، ولولاي لم ينهضوا أفلا أساومهم؟! أفلا أشهد بعيني أولًا عقاب الظالمين؟ وأشفي صدري بهذه العقوبة بعد أن أستخرج براءتي؟!

    لا لم يحدث شيء من هذا؛ لأنها الأخلاق السامية، والخصال السامقة؛ فأي خلق هذا الذي كان عليه الصديق؟!

    إنها خصال المصطفين الأخيار الذين يؤخِّرون مصالحهم في سبيل نهضة بلدهم، حتى لو كانوا هم أصحاب الحقوق؛ فأين هذا الخُلُق من هذه الشرذمة التي تبحث عن مصالح متوهمة ومآرب شخصية؛ فضلًا عن انعدام حقهم فيها بداءة؛ فلا هم أصحاب حق، ولا الوقت يسمح لتقديم مصالح شخصية على حساب تأخر البلاد وقهر العباد.

    فأقدَمَ عليه السلام يعبِّر الرؤيا بكل ما يملك من حب، الخير وإرادة نهضة بلده، وخروجها مِن أي كبوة تلم بها وهي سالمة غانمة؛ فوضّح لهم كيف يزرعون، وكيف يخزنون محصولهم، وبشَّرهم بالخير العميم الذي سيحل بهم بعد أن يجتازوا السنوات العجاف (وهو العام الذي يُغاث فيه الناس) وهو ما لم يكن أصلًا في رؤيا الملك، ولكنها النفس السخية المحبة للخير والنماء، المبغضة للشر والفساد،

    فعل ذلك -عليه السلام- وهو يضع معلمًا رائعًا مِن معالم التغيير، وهو أن: "إصلاح دنيا الناس من أعظم أسباب صلاح دينهم"، فكان -عليه السلام- أهلًا للتمكين في الأرض حتى صار وزيرًا للمالية والخزانة، وأصبحت مصر في عهده مركزًا لخزائن الأرض بعد أن جاءت سنوات الجدب والقحط، وأصابت البلاد والعباد، وجاء الجميع ليحمل الميرة من مصر التي أصبحت منارًا لكل قاصدٍ، وازدهرت فيها آنذاك: الزراعة، والصناعة، والتجارة، فقوله -تعالى-: (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) (يوسف:49).

    روى ابن جريج عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "يعصرون العنب خمرًا، والسمسم دهنًا، والزيتون زيّتا" (ذكره الطبري والقرطبي في تفسيرهما).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,776

    افتراضي رد: كيف تُبنى الأمم؟


    كيف تُبنى الأمم؟ (4) أنموذج من حياة نبي الله يوسف -عليه السلام-



    كتبه/ وائل عبد القادر

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛



    فقد تكلمنا في المقال السابق عن أخلاق يوسف -عليه السلام- العظيمة التي تظهر لنا بجلاء أسباب النهضة والتنمية؛ تلك الأسباب التي نحن أحوج ما نكون إليه، وما أيسرها علينا، وقد ظهرت تلك الأخلاق العظيمة في أكثر من مشهد في قصة يوسف -عليه السلام-؛ تكلمنا عن أحدها في المقال السابق.


    المشهد الثاني: مشهد النسوة اللاتي راودنه عن نفسه (وعلى رأسهن: امرأة العزيز):

    كيف أراد -عليه السلام- أن يستخلص براءته أولًا حتى يخرج مِن السجن عزيز النفس كريم الجناب، فلا يقال خرج لأنه صاحب الفضل، فهو مَن عبّر الرؤيا، لا بل خرج؛ لأنه البريء المطهَّر مِن الفاحشة، ولكن كيف يثبت براءته وقد طلبه الملك؟

    إنها الأخلاق السامية التي ضرب بها أعظم القدوة في آداب الخصومة، وكيفية استخلاص الحق بلا أدنى تجريح أو تشهير أو طعن، (قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) (يوسف:50).

    إذًا فالأمر عند الملك، فليسأل هو عن النسوة، وليتحر ويحقق في الموضوع بنفسه، لتظهر له الحقيقة بلا تجريح لأحدٍ، ولا طعن، ولا تشويه!

    وتأمل كيف أنه لم يقل: اللائي راودن يوسف عن نفسه، بل قال: (قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)، وحسنًا فعل الملك فبدأ التحقيق بنفسه ليصل إلى حقيقة الأمر، وطرح السؤال: (مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِه) (يوسف:51)؟!

    وكانت الإجابة قاطعة -وكما يقولون: الإقرار سيد الأدلة-: (قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) (يوسف:51)، ولم تجد امرأة العزيز مِن بدٍّ؛ إلا أن تتنازل عن كبريائها القديم، وغطرستها المعهودة، فأفاقت من غفلتها ورجعت إلى ربها، وأقرت هي الأخرى بالحقيقة: (قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ . ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) (يوسف:51-52).

    استخلص يوسف -عليه السلام- براءته بأدب جم وبخلق عظيم، بعيدًا عن شهوة الانتصار المعهودة عند أغلب البشر، ولا استخدام للعنف والصدام الذي ينتهجه البعض الآخر في استخلاص الحقوق.

    المشهد الثالث: مشهد اجتماعه مع إخوته:

    وهو ما حكاه القرآن في نهاية القصة حين تحققت رؤيا يوسف -عليه السلام-، وجمعه الله -تعالى- بأبويه وإخوته، وكان الحوار الرقيق الشفيق الذى استنقى به ما في الصدور، وطهر ما في القلوب حين قال لهم حاكيًا ما لحق به في سني عمره حتى صار ملكًا على خزائن الأرض: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم) (يوسف:100)، فلم يجرح يوسف -كعادته الكريمة-، ولم يقل: "أخرجني من الجُب"، بل قال: (مِنَ السِّجْنِ) رغم أنه أُلقي أولًا في الجُب، وهو أول بليّته، ولولا لطف الله -تعالى- به لهلك بداخله؛ لذلك قال: (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ)، ومِن معاني اللطف أيضًا: ما أجراه الله -تعالى- عليه مِن تقدير الأمور، وتصريف الأحوال التي في ظاهرها شر أو سوء، وهي عين صلاحه، والسبيل إلى سعادته في الدنيا والآخرة، وإذا بها تحمل في طياتها الخير كل الخير له ولأهله "كما يمتحن أولياءَه بما يكرهونه لينيلهم ما يحبون".

    ثم هو يبرئ إخوته من الكيد أو المكر به، فإنما هو الشيطان الذي نزغ بيني وبين إخوتي؛ ليضع بذلك أهم ركائز (المصالحة) المنشودة، وهي التخلي عن الجفاء، وترك المعاتبة عند الصفاء، وقد بيّن أن المصالحة تبدأ من داخل الأسرة الواحدة، وخاصة مع اختلاف المشارب والتوجهات، فإصلاح ذات البين يبدأ من هاهنا؛ مِن الأسرة التي هي اللبنة الأولى في المجتمع، فحينما تنصلح الأُسر ينصلح بمجموعها المجتمع بأسره، فليتنازل كل منا عن بعض ما له مِن الحق حتى تصفو النفوس وتتوافق الأفئدة على القاسم المشترك بين الجميع، بشرط صدق النية، وسلامة الصدور، ونقاء النفوس، وعدم التنازل عن الثوابت.

    ثانيًا: رسالة خاصة لكل مَن ولي أمر الحكم والقضاء:

    ويظهر ذلك جليًّا في تحطيمه ما كانوا عليه مِن تساهل في الحكم والقضاء، حتى استساغوا أن تحمل نفس وزر نفس أخرى حين قالوا له: (يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف:78)، وبيّن لهم أن مِن أعظم أسباب الظلم: الانحراف في الحكم، فقال: (مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ) (يوسف:79).

    فأقر بذلك أهم مبادئ العدل والقسط، وهو مبدأ: (شخصية العقوبة)، وأنها لا تلحق إلا مرتكب الجريمة دون غيره، فهي لا تقبل الإنابة، ولا الصلح؛ ليرسل بذلك أوضح رسالة للقضاة والحكام: (ألا تأخذوا إلا مَن وجدتم متاعكم عنده)، ولكن بقيدٍ وشرطٍ، وهو: "ألا تضعوا بأيديكم متاعكم في رحالهم".



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,776

    افتراضي رد: كيف تُبنى الأمم؟


    كيف تُبنى الأمم؟ (5) أنموذج من حياة نبي الله يوسف -عليه السلام-



    كتبه/ وائل عبد القادر



    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    ثالثًا: مواجهة الفتنة بصدق التوجه إلى الله والاعتصام به، وهو ما يظهر في تعامله مع فتنة النساء حيث قال -عليه السلام-: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ) (يوسف:33)، فأغلق على نفسه أبواب الفتنة، بل أبواب أعظم فتنة وهو فتنة النساء التي تعصف بقلوب الرجال، وتنحرف بهم عن سواء الصراط، وقد أسكرت عقولهم وألهتهم عن وظيفتهم الدينية (العبودية) والدنيوية؛ ليضرب أروع الأمثلة في العفة والطهارة والنقاء الذي هو مِن أعظم مقومات البناء والتقدم؛ وإلا فكم مِن دولٍ تقدمت في مناحي الحياة، وهم يعيشون عيش الأنعام في اللهو والمتع المحرمة، فما سعدوا في حياتهم وما أشبعوا نهمهم في شهواتهم، فظهرت منهم الانحرافات الأخلاقية الفجة، وانتكست فطرهم على نحو صاروا معه أضل من الأنعام.

    ليرسل بذلك رسالة عظيمة إلى الشباب الذين هم عماد التنمية في المجتمع ، حتى لا ينجرفوا وراء النزوات الرخيصة والشهوات المحرمة مهما كانت الظروف أو الأسباب، فسريعًا ما تزول اللذة وتبقى آثارها السيئة على القلب والبدن، فكم مِن شهوة ذهبت لذاتها وبقيت تبعاتها.

    فعفّ عليه السلام رغم اجتماع أسباب وقوع الشر، ولكنه الاعتصام بالله -تعالى- وحده، قال ابن القيم -رحمه الله- في روضة المحبين: "وقد ذكر الله -سبحانه وتعالى- عن يوسف الصديق مِن العفاف أعظم ما يكون فإن الداعي الذي اجتمع في حقه لم يجتمع في حق غيره، فإنه كان شابًا والشباب مركب الشهوة، وكان عزبًا ليس عنده ما يعوضه، وكان غريبًا عن أهله ووطنه والمقيم بين أهله وأصحابه يستحيي منهم أن يعلموا به فيسقط من عيونهم، فإذا تغرب زال هذا المانع، وكان في صورة المملوك والعبد لا يأنف مما يأنف منه الحر، وكانت المرأة ذات منصب وجمال، والداعي مع ذلك أقوى من داعي من ليس كذلك، وكانت هي المطالبة فيزول بذلك كلفة تعرض الرجل وطلبه، وخوفه من عدم الإجابة، وزادت مع الطلب الرغبة التامة والمراودة التي يزول معها ظن الامتحان والاختبار لتعلم عفافه من فجوره، وكانت في محل سلطانها وبيتها بحيث تعرف وقت الإمكان ومكانه الذي لا تناله العيون، وزادت مع ذلك تغليق الأبواب لتأمن هجوم الداخل على بغتة، وأتته بالرغبة والرهبة، ومع هذا كله فعف لله ولم يطعها، وقدَّم حق الله وحق سيدها على ذلك كله، وهذا أمر لو ابتلي به سواه لم يعلم كيف كانت تكون حاله" (انتهى من روضة المحبين).

    والعفة تجلب لصاحبها ثمرات ومحاسن جليلة، منها:

    طهارة الفرد ونقاء المجتمع ، فالعفيف يحيا حياة إجتماعية مستقرة، يتمتع بالسمعة الطيبة، والذكر الحسن، والزواج السعيد، ويهنأ بنفسية مستقرة مطمئنة، يأنس بالطاعة وبهجة القرب من الله -تعالى-، ولذة العبادة، وحلاوة الإيمان، ويسعد مجتمعه بأخلاقه الفاضلة، بحيائه وعفافه وتقواه.

    فهكذا تعمل الأخلاق الحميدة بأهلها فهى أقصر الطرق للنهضة والتنمية وأنجعها في إدارة الحوار، ومعرفة أدب الخلاف، وأسس المصالحة بين الطوائف المختلفة، فيصل الجميع إلى الهدف المنشود طالما صلحت النوايا واعترف المخطئ بخطئه، فرجع إلى ربه وأناب إليه بلا استكبار أو معاندة، أو بطر للحق ودفعه بالباطل، فمن بقي على عناده فلا يلومن إلا نفسه، فسنن الله لا تتغير؛ فهو -سبحانه- متم نوره، ومظهر شرعه على الدين كله، ولو كره المجرمون.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •