شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد
عيد فطر مبارك
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 54
6اعجابات

الموضوع: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    قال ابن القيم رحمه الله ( (اللهُ... هوَ المَأْلُوهُ المَعْبُودُ - هذا الاسمُ هوَ الجامعُ؛ ولهذا تُضافُ الأسماءُ الحسنَى كلُّها إليهِ فَيُقَالُ: الرحمنُ الرحيمُ العزيزُ الغفَّارُ القَهَّارُ منْ أسماءِ اللهِ، ولا يُقَالُ: اللهُ مِنْ أسماءِ الرحمنِ. قالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}.
    (واسمُ "اللهِ" دَالٌّ على كونِهِ مَأْلُوهاً مَعْبُوداً، تَأْلَهُهُ الخلائقُ مَحَبَّةً وتعظيماً وخُضُوعاً، وَفَزَعاً إليهِ في الحوائجِ والنوائبِ، وذلكَ مُسْتَلْزِمٌ لكمالِ رُبُوبِيَّتِهِ ورحمتِهِ، المُتَضَمِّنَيْ نِ لكمالِ المُلْكِ والحمدِ، وَإِلَهِيَّتُهُ وربوبيَّتُهُ ورحمانيَّتُهُ ومُلْكُهُ مُسْتَلْزِمٌ لجميعِ صفاتِ كمالِهِ؛ إذْ يَسْتَحِيلُ ثُبُوتُ ذلكَ لمنْ لَيْسَ بِحَيٍّ، ولا سَمِيعٍ ولا بَصِيرٍ ولا قَادِرٍ ولا مُتَكَلِّمٍ ولا فَعَّالٍ لما يُرِيدُ ولا حَكِيمٍ في أفعالِهِ).
    [و] (زَعَمَ السُّهَيْلِيُّ وَشَيْخُهُ أبو بَكْرِ بنُ العَرَبِيِّ أنَّ اسْمَ اللهِ غيرُ مُشْتَقٍّ؛ لأنَّ الاشْتِقَاقَ يَسْتَلْزِمُ مَادَّةً يُشْتَقُّ منها، واسْمُهُ تَعَالَى قَدِيمٌ، والقديمُ لا مَادَّةَ لهُ، فَيَسْتَحِيلُ الاشتقاقُ.
    ولا رَيْبَ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بالاشتقاقِ هذا المعنَى، وأنَّهُ مُسْتَمَدٌّ منْ أصلٍ آخرَ فَهُوَ بَاطِلٌ، ولكنَّ الذينَ قَالُوا بالاشتقاقِ لم يُرِيدُوا هذا المعنَى، ولا أَلَمَّ بِقُلُوبِهِم، وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّهُ دَالٌّ على صِفَةٍ لهُ تَعَالَى، وهيَ الإِلهيَّةُ، كسائرِ أسمائِهِ الحُسْنَى، كالعَلِيمِ والقديرِ والغفورِ والرحيمِ والسميعِ والبصيرِ؛ فإنَّ هذه ِ الأسماءَ مُشْتَقَّةٌ منْ مصادرِهَا بِلا رَيْبٍ، وهي قديمةٌ، والقديمُ لا مادَّةَ لهُ، فما كانَ جَوَابَكُم عنْ هذهِ الأسماءِ فهوَ جوابُ القائِلِينَ باشْتِقَاقِ اسمِهِ "اللهِ".
    ثُمَّ الجوابُ عن الجميعِ أنَّنا لا نَعْنِي بالاشتقاقِ إِلاَّ أنَّها مُلاقِيَةٌ لمصادرِهَا في اللفظِ والمعنَى، لا أنَّها مُتَوَلِّدَةٌ منها تَوَلُّدَ الفرعِ منْ أصلِهِ، وَتَسْمِيَةُ النحاةِ للمصدرِ والمُشْتَقِّ منهُ أَصْلاً وَفَرْعاً، ليسَ معناهُ أنَّ أَحَدَهُمَا تَوَلَّدَ من الآخرِ، وإنَّمَا هُوَ باعتبارِ أنَّ أحدَهُما يَتَضَمَّنُ الآخَرَ وزيادةً.
    وقولُ سِيبَوَيْهِ: إنَّ الفعلَ أمثلةٌ أُخِذَتْ منْ لفظِ أحداثِ الأسماءِ هوَ بهذا الاعتبارِ, لا أَنَّ العربَ تَكَلَّمُوا بالأسماءِ أَوَّلاً ثُمَّ اشْتَقُّوا منها الأفعالَ؛ فإنَّ التخاطبَ بالأفعالِ ضَرُورِيٌّ كالتخاطبِ بالأسماءِ لا فَرْقَ بينَهُمَا، فالاشتقاقُ هنا ليسَ هوَ اشْتِقَاقَ ماديٍّ، وإنما هوَ اشتقاقُ تلازمٍ. سُمِّيَ المتَضَمِّنُ ( بالكَسْرِ ) مُشْتَقًّا والمُتَضَمَّنُ ( بالفتحِ ) مُشْتَقًّا منهُ، ولا مَحْذُورَ في اشتقاقِ أسماءِ اللهِ تَعَالَى بهذا المعنَى)
    (ولهذا كانَ القولُ الصحيحُ أنَّ (( اللهَ )) أَصْلُهُ (( الإِلَهُ )) كما هوَ قولُ سِيبَوَيْهِ وَجُمْهُورِ أصحابِهِ إلاَّ مَنْ شَذَّ منْهُم
    وأنَّ اسمَ اللهِ تَعَالَى هوَ الجامعُ لجميعِ معانِي الأسماءِ الحُسْنَى والصِّفَاتِ العُلَى).

    معنى اسم (الرب)
    قال ابن القيم :
    ( " الربُّ " هوَ السيِّدُ والمالِكُ والمُنْعِمُ والمُرَبِّي والمُصْلِحُ، واللهُ تَعَالَى هوَ الربُّ بهذهِ الاعتباراتِ كُلِّهَا).
    ( " [فـهوَ الذي يُرَبِّي عَبْدَهُ، فَيُعْطِيهِ خَلْقَهُ، ثُمَّ يَهْدِيهِ إلى مَصَالِحِهِ)، ([وَ] هُوَ القادرُ الخالقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ الحيُّ القيُّومُ العَلِيمُ السَّمِيعُ البصيرُ المُحْسِنُ المُنْعِمُ الجَوَادُ المُعْطِي المَانِعُ، الضَّارُّ النافِعُ، المُقَدِّمُ المُؤَخِّرُ، الذي يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُسْعِدُ مَنْ يشاءُ وَيُشْقِي مَنْ يشاءُ، ويُعِزُّ مَنْ يشاءُ ويُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ، إلى غيرِ ذلكَ منْ معانِي رُبُوبِيَّتِهِ التي لهُ منها ما يَسْتَحِقُّهُ من الأسماءِ الحُسْنَى).
    (فاسْمُ " الرَّبِّ " لَهُ الجَمْعُ الجامِعُ لجميعِ المخلوقاتِ. فهوَ ربُّ كلِّ شيءٍ وخالقُهُ، والقادرُ عليهِ، لا يَخْرُجُ شيءٌ عنْ رُبُوبِيَّتِهِ، وكلُّ مَنْ في السَّمَاواتِ والأرضِ عَبْدٌ لهُ في قَبْضَتِهِ، وَتَحْتَ قَهْرِهِ. فَاجْتَمَعُوا بِصِفَةِ الربوبيَّةِ، وَافْتَرَقُوا بِصِفَةِ الإِلهيَّةِ، فَأَلَّهَهُ وَحْدَهُ السعداءُ، وَأَقَرُّوا لهُ طَوْعاً
    بأنَّهُ اللهُ الذي لا إِلَهَ إلاَّ هوَ، الذي لا تَنْبَغِي العبادةُ والتَّوَكُّلُ، والرجاءُ والخوفُ، والحبُّ والإنابةُ والإخباتُ والخشيَةُ، والتَّذَلُّلُ والخضوعُ إلاَّ لَهُ).
    (لأنَّهُ إذا كانَ [هوَ] رَبَّنَا الذي يُربِّينَا بِنِعَمِهِ وَإِحْسَانِهِ، وهوَ مالِكُ ذَوَاتِنَا وَرِقَابِنَا وَأَنْفُسِنَا. وكلُّ ذرَّةٍ من العبدِ فَمَمْلُوكَةٌ لهُ مِلْكاً خَالِصاً حَقِيقِيًّا، وقدْ رَبَّاهُ بِإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِ، فَعِبَادَتُهُ لهُ وشكرُهُ إِيَّاهُ واجِبٌ عليهِ، ولهذا قالَ: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] ولم يَقُلْ: إِلَهَكُمْ...
    فَلا شَيْءَ أَوْجَبُ في العقولِ والفِطَرِ منْ عبادةِ مَنْ هذا شأنُهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ))، فلا إِلَهَ إِلاَّ هوَ، ولا رَبَّ إلاَّ هوَ، فَكَمَا أنَّ رُبُوبِيَّةَ ما سِوَاهُ أَبْطَلُ البَاطِلِ، فكذلكَ إِلَهِيَّةُ ما سِوَاهُ)
    ).
    المرتبع الأسنى في رياض الأسماء الحسنى



    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة رضا الحملاوي

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم

    معنى اسم (الإله) جل وعلا
    قال ابن القيّم رحمه الله:
    ( (( الإلَهُ )): المَعْبُودُ المَحْبُوبُ الذي لا تَصْلُحُ العبادةُ والذُّلُّ وَالخضوعُ والحبُّ إلاَّ لَهُ)([1]) (فإنَّ (( الإلهَ )) هوَ الذي يَأْلَهُهُ العبادُ ذُلاًّ، وَخَوْفاً وَرَجَاءً، وَتَعْظِيماً وطاعةً لهُ، بِمَعْنَى " مَأْلُوهٍ "، وهوَ الذي تَأْلَهُهُ القُلُوبُ؛ أيْ: تُحِبُّهُ وَتَذِلُّ لَهُ.
    وأصلُ التَّأَلُّهِ التَّعَبُّدُ. والتَّعَبُّدُ آخِرُ مَرَاتِبِ الحبِّ، يُقَالُ: عَبَّدَهُ الحُبُّ وَتَيَّمَهُ: إذا مَلَّكَهُ وَذلَّـلَهُ لِمَحْبُوبِهِ) ([2]) [فَـ](الإلهُ هوَ المُسْتَحِقُّ لكمالِ الحبِّ بكمالِ التعظيمِ والإجلالِ والذلِّ لهُ والخضوعِ لَهُ)([3])

    (وَهـْوَ الإلَهُ الحـَقُّ لا مَعْـُبودَ إلاَّ = وَجـْهــُهُ الأعْـلَى العظيمُ الشَّانِ
    بلْ كُلُّ مَـعْـبُـودٍ سـِوَاهُ فَباطِـلٌ = مِنْ عَرْشِهِ حتَّى الحَضِيضِ الدَّانِي
    وَعِبَادَةُ الرَّحْمنِ غَايَةُ حُبِّهِ = مَعْ ذُلِّ عَـابِـدِهِ هُـمَا قُطْـبـَانِ
    وعليهما فَلَكُ العبادةِ دَائِرٌ = مَـا دارَ حَـتَّـى قَـامَتِ القُطْـبَانِ
    ومَدَارُهُ بالأمْرِ أمْرِ رســُولِهِ = لا بِالهَوَى والنفـسِ والشـَّيْطَـانِ
    فَـقِيَامُ دِينِ اللهِ بِالإِخْلاصِ وَالـ = إحسَـــانِ إنَّهُـمَا لَهُ أصــلانِ
    لـمْ يـَنْجُ مِنْ غَضَبِ الإلَهِ وَنَارِهِ = إلاَّ الـذي قَــامـَتْ بِهِ الأَصْـلانِ
    وَالنَّاسُ بَعْدُ فمُشْرِكٌ بِإِلَهِهِ = أوْ ذُو ابْـتِدَاعٍ أَوْ لَــهُ الوَصْـفَانِ
    واللهُ لا يَـرْضَـى بِكــَثـْرَةِ فـِعْلِنَا = لَكِنْ بِأحْــسـَنِهِ مـَعَ الإِيـمـَانِ
    فالـعـَارِفــُو نَ مُـرادُهُمْ إحسَـانُهُ = والجَاهِلُونَ عَمُوا عَنِ الإِحْسَـانِ)

    (فهوَ إِلَهُهُم الحَقُّ وَمَعْبُودُهُم الذي لا إِلَهَ لَهُم سِوَاهُ، ولا مَعْبُودَ لهم غَيْرُهُ، فَكَمَا أَنَّهُ وَحْدَهُ هُوَ رَبُّهُم وَمَلِيكُهُم لم يَشْرَكْهُ في رُبُوبِيَّتِهِ وَلا في مُلْكِهِ أَحَدٌ فكذلكَ هوَ إِلَهُهُمْ وَمَعْبُودُهُم، فلا يَنْبَغِي أنْ يَجْعَلُوا معهُ شَرِيكاً في إِلَهِيَّتِهِ كَمَا لا شَرِيكَ معهُ في رُبُوبِيَّتِهِ وَمُلْكِهِ)، (بلْ هوَ الإلهُ الحقُّ، وكلُّ إلهٍ سِوَاهُ فَبَاطِلٌ، بلْ أَبْطَلُ الباطلِ و…حقيقةُ إِلَهِيَّتِهِ لا تَنْبَغِي إلاَّ لهُ، و…العبادةُ مُوجَبُ إِلَهِيَّتِهِ وَأَثَرُهَا وَمُقْتَضَاهَا، وَارْتِبَاطُهَا بِهَا كَارْتِبَاطِ مُتَعَلَّقِ الصِّفَاتِ بالصِّفَاتِ، وكارتباطِ المعلومِ بالعِلْمِ والمقدورِ بالقدرةِ، والأصواتِ بالسمعِ، والإحسانِ بالرحمةِ، والعطاءِ بالجُودِ)

    (فلا أَحَدَ سِوَاهُ يَسْتَحِقُّ أنْ يُؤَلَّهَ وَيُعْبَدَ، وَيُصَلَّى لهُ وَيُسْجَدَ، وَيَسْتَحِقُّ نهايَةَ الحبِّ معَ نهايَةِ الذلِّ، لكمالِ أسمائِهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ، فهوَ المُطَاعُ وحدَهُ على الحقيقةِ، والمَأْلُوهُ وَحْدَهُ، ولهُ الحُكْمُ وَحْدَهُ. فكلُّ عُبُودِيَّةٍ لِغَيْرِهِ باطلةٌ وَعَنَاءٌ وَضَلالٌ، وكلُّ مَحَبَّةٍ لِغَيْرِهِ عَذَابٌ لصاحبِهَا، وكلُّ غِنًى لِغَيْرِهِ فَقْرٌ وَفَاقَةٌ، وكلُّ عِزٍّ بِغَيْرِهِ ذُلٌّ وصَغَارٌ، وكلُّ تَكَثُّرٍ بِغَيْرِهِ قِلَّةٌ وذلَّةٌ، فَكَمَا اسْتَحَالَ أنْ يكونَ للخلقِ ربٌّ غَيْرُهُ، فَكَذَلِكَ استحالَ أنْ يَكُونَ لهم إلهٌ غيرُهُ، فهوَ الذي انْتَهَتْ إليهِ الرَّغَبَاتُ، وَتَوَجَّهَتْ نَحْوَهُ الطَّلَبَاتُ، وَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ معهُ إِلَهٌ آخرُ؛ فإنَّ الإلهَ على الحقيقةِ هوَ الغنيُّ الصمدُ الكاملُ في أسمائِهِ وصفاتِهِ، الذي حَاجَةُ كلِّ أحدٍ إليهِ ولا حاجةَ بهِ إلى أحدٍ. وقيامُ كلِّ شيءٍ بهِ وليسَ قِيَامُهُ بِغَيْرِهِ، ومِن المُحَالِ أنْ يَحْصُلَ في الوجودِ اثْنَانِ كذلكَ، وَلَو كَانَ في الوجودِ إِلَهَانِ لَفَسَدَ نِظَامُهُ أَعْظَمَ فَسَادٍ وَاخْتَلَّ أَعْظَمَ اخْتِلالٍ، كما أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لهُ فاعلانِ مُتَسَاوِيَانِ، كلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَقِلٌّ بالفعلِ؛ فإنَّ اسْتِقْلالَهُمَ ا يُنَافِي اسْتِقْلالَهُمَ ا، وَاسْتِقْلالَ أَحَدِهِمَا يَمْنَعُ رُبُوبِيَّةَ الآخَرِ.

    فتوحيدُ الربوبيَّةِ أَعْظَمُ دَلِيلٍ على توحيدِ الإِلهيَّةِ، ولذلكَ وَقَعَ الاحتجاجُ بهِ في القرآنِ أَكْثَرَ مِمَّا وَقَعَ بِغَيْرِهِ، لِصِحَّةِ دَلالَتِهِ وَظُهُورِهَا وَقَبُولِ العقولِ والفِطَرِ لَهَا، ولاعْتِرَافِ أهلِ الأرضِ بتوحيدِ الربوبيَّةِ)([7]).
    (وَمِمَّا يُقَرِّرُ هَذَا أنَّ اللهَ سبحانَهُ خَلَقَ الخلقَ لعبادتِهِ الجامعةِ لمعرفتِهِ والإنابةِ إليهِ وَمَحَبَّتِهِ وَالإخلاصِ لهُ، فَبِذِكْرِهِ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم وَبِرُؤْيَتِهِ في الآخرةِ تقَرُّ عُيُونُهُم، ولا شَيْءَ يُعْطِيهِم في الآخرةِ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ من النظرِ إليهِ، ولا شيءَ يُعْطِيهِم في الدنيا أَحَبُّ إِلَيْهِم من الإيمانِ بهِ وَمَحَبَّتِهِم لهُ وَمَعْرِفَتِهِم بهِ. وحَاجَتُهُم إليهِ في عبادتِهِم لهُ وَتَأَلُّهِهِم لهُ كَحَاجَتِهِم إليهِ، بلْ أعظمُ في خلقِهِ لهم وَرُبُوبِيَّتِه ِ لهم وَرِزْقِهِ لَهُم، فإنَّ ذلكَ هوَ الغايَةُ المقصودةُ التي بها سَعَادَتُهُم وَفَوْزُهُم، وبها وَلأَجْلِهَا يَصِيرُونَ عَامِلِينَ مُتَحَرِّكِينَ، ولا صَلاحَ لهم ولا فلاحَ ولا نعيمَ ولا لذَّةَ ولا سُرُورَ بدونِ ذلكَ بحالٍ؛ فمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ فَإِنَّ لهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً، وَيَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامةِ أَعْمَى، وَلِهَذَا لا يَغْفِرُ اللهُ لمَنْ يُشْرِكُ بهِ شَيْئاً، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلكَ لمَنْ يشاءُ، ولهذا كانَتْ (( لا إلهَ إلاَّ اللهُ )) أَفْضَلَ الحسناتِ. وَكَانَ توحيدُ الإِلهيَّةِ الذي كَلِمَتُهُ (( لا إلهَ إلاَّ اللهُ )) رَأْسَ الأمرِ.
    فَأَمَّا تَوْحِيدُ الربوبيَّةِ الذي أَقَرَّ بهِ كلُّ المخلوقاتِ فلا يَكْفِي وَحْدَهُ، وإنْ كانَ لا بُدَّ منهُ، وهوَ حُجَّةٌ على مَنْ أَنْكَرَ توحيدَ الألوهيَّةِ، فَحَقُّ اللهِ على العبادِ أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بهِ شَيْئاً، وَحَقُّهُم عليهِ إذا فَعَلُوا ذلكَ أنْ لا يُعَذِّبَهُم وأنْ يُكْرِمَهُم إذا قَدِمُوا عليهِ، وهذا كما أنَّهُ غَايَةُ مَحْبُوبِ العبدِ ومطلوبُهُ، وبهِ سُرُورُهُ ولَذَّتُهُ وَنَعِيمُهُ، فَهُوَ أَيْضاً مَحْبُوبُ الربِّ منْ عَبْدِهِ وَمَطْلُوبُهُ الذي يَرْضَى بهِ، وَيَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ إذا رَجَعَ إليهِ وإِلَى عُبُودِيَّتِهِ وَطَاعَتِهِ أَعْظَمَ مِنْ فَرَحِ مَنْ وَجَدَ رَاحِلَتَهُ التي عليها طَعَامُهُ وشَرَابُهُ في أرضٍ مَهْلَكةٍ بعدَ أنْ فَقَدَهَا وأَيِسَ منها.

    وهذا أعظمُ فَرَحٍ يكونُ، وكذلكَ العبدُ لا فَرَحَ لهُ أعظمُ مِنْ فَرَحِهِ بِوُجُودِ رَبِّهِ، وَأُنْسِهِ بهِ، وَطَاعَتِهِ لهُ، وإقبالِهِ عليهِ، وَطُمَأْنِينَتِ هِ بِذِكْرِهِ، وعمارةِ قلبِهِ بمعرفتِهِ، والشوقِ إلى لقائِهِ، فليسَ في الكائناتِ ما يَسْكُنُ العبدُ إليهِ وَيَطْمَئِنُّ بهِ وَيَتَنَعَّمُ بالتَّوَجُّهِ إليهِ إلاَّ اللهُ سُبْحَانَهُ، ومَنْ عَبَدَ غَيْرَهُ وَأَحَبَّهُ – وإنْ حَصَلَ لهُ نوعٌ من اللذَّةِ والموَدَّةِ والسكونِ إليهِ والفرحِ والسرورِ بوجودِهِ – ففسادُهُ بِهِ وَمَضَرَّتُهُ وَعَطَبُهُ أَعْظَمُ منْ فسادِ أكلِ الطعامِ المسمومِ اللذيذِ الشَّهِيِّ الَّذِي هُوَ عَذْبٌ في مَبْدَئِهِ، عَذَابٌ في نهايتِهِ كما قالَ القائلُ:

    مَآرِبُ كَانَتْ فِي الشَّبَابِ لأَهْلِهَا = عِذَاباً فَصَارَتْ فِي المَشِيبِ عَذَابَا

    {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22)} [الأنبياء:22]، فإنَّ قِوامَ السَّمَاواتِ والأرضِ والخليقةِ بأنْ تُؤَلِّهَ الإلَهَ الحَقَّ، فلوْ كانَ فِيهِمَا إِلَهٌ آخَرُ غَيْرُ اللهِ لَمْ يَكُنْ إِلَهاً حَقًّا؛ إذ الإلهُ الحقُّ لا شريكَ لهُ، ولا سَمِيَّ لهُ، ولا مِثْلَ لهُ، فلوْ تَأَلَّهَتْ غَيْرَهُ لَفَسَدَتْ كلَّ الفسادِ بِانْتِفَاءِ ما بِهِ صَلاحُهَا، إذْ صَلاحُهَا بِتَأَلُّهِ الإلهِ الحقِّ، كما أَنَّهَا لا تُوجَدُ إلاَّ باسْتِنَادِهَا إِلَى الرَّبِّ الوَاحِدِ القَهَّارِ، وَيَسْتَحِيلُ أنْ تَسْتَنِدَ في وجودِهَا إلى رَبَّيْنِ مُتَكَافِئَيْنِ ، فكذلكَ يَسْتَحِيلُ أنْ تَسْتَنِدَ في بَقَائِهَا وَصَلاحِهَا إِلَى إِلَهَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ .

    إذا عُرِفَ هذا، فَاعْلَمْ أنَّ حاجةَ العبدِ إلى أنْ يَعْبُدَ اللهَ وحدَهُ لا يُشْرِكُ بهِ شيئاً في مَحَبَّتِهِ، ولا في خوفِهِ، ولا في رجائِهِ، ولا في التَّوَكُّلِ عليهِ، ولا في العملِ لهُ، ولا في الحَلِفِ بهِ، ولا في النَّذْرِ لهُ، ولا في الخضوعِ لهُ، ولا في التَّذَلُّلِ والتعظيمِ والسجودِ والتَّقَرُّبِ؛ أَعْظَمُ منْ حاجةِ الجسدِ إلى رُوحِهِ، والعينِ إلى نورِهَا، بلْ ليسَ لهذهِ الحاجةِ نَظِيرٌ تُقَاسُ بهِ؛ فإنَّ حقيقةَ العبدِ قَلْبُهُ وَرُوحُهُ، ولا صلاحَ لها إِلاَّ بِإِلَهِهَا الذي لا إِلَهَ إلاَّ هوَ؛ فلا تَطْمَئِنُّ في الدنيا إلاَّ بِذِكْرِهِ، وهيَ كادحةٌ إليهِ كدحاً فَمُلاقِيَتُهُ، وَلا بُدَّ لها مِنْ لِقَائِهِ، ولا صَلاحَ لها إِلاَّ بِمَحَبَّتِهَا وَعُبُودِيَّتِه َا لهُ، وَرِضَاهُ وَإِكْرَامِهِ لها.

    ولوْ حَصَلَ للعبدِ من اللَّذَّاتِ والسرورِ بغيرِ اللهِ ما حَصَلَ لم يَدُمْ لهُ ذلكَ، بلْ يَنْتَقِلُ منْ نوعٍ إلى نوعٍ، ومنْ شخصٍ إلى شخصٍ، وَيَتَنَعَّمُ بهذا في وقتٍ ثُمَّ يَتَعَذَّبُ بهِ ولا بُدَّ في وقتٍ آخرَ، وَكَثِيراً ما يَكُونُ ذلكَ الذي يَتَنَعَّمُ بهِ وَيَلْتَذُّ بهِ غَيْرَ مُنَعِّمٍ لهُ ولا مُلِذٍّ، بلْ قَدْ يُؤْذِيهِ اتِّصَالُهُ بِهِ وَوُجُودُهُ عِنْدَهُ وَيَضُرُّهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لهُ بِمُلابَسَتِهِ مِنْ جنسِ ما يَحْصُلُ للجَرِبِ منْ لذَّةِ الأظفارِ التي تَحُكُّهُ، فَهِيَ تُدْمِي الجِلْدَ وَتَخْرِقُهُ وَتَزِيدُ فِي ضَرَرِهِ، وهوَ يُؤْثِرُ ذلكَ لِمَا لهُ في حَكِّهَا مِن اللذَّةِ، وهكذا ما يَتَعَذَّبُ بهِ القلبُ منْ مَحَبَّةِ غيرِ اللهِ هوَ عذابٌ عليهِ، وَمَضَرَّةٌ وأَلَمٌ في الحقيقةِ، لا تَزِيدُ لَذَّتُهُ على لَذَّةِ حَكِّ الجَرَبِ.

    والعاقلُ يُوَازِنُ بينَ الأمرَيْنِ وَيُؤْثِرُ أَرْجَحَهُمَا وَأَنْفَعَهُمَا ، واللهُ المُوَفِّقُ المُعِينُ، ولهُ الحجَّةُ البالغةُ كما لهُ النعمةُ السابغةُ.
    والمقصودُ أنَّ إِلَهَ العبدِ الذي لا بُدَّ لهُ منهُ في كلِّ حالةٍ وكلِّ دقيقةٍ وكلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ، فهوَ الإلهُ الحقُّ الذي كلُّ ما سِوَاهُ بَاطِلٌ، والذي أَيْنَمَا كَانَ فهوَ مَعَهُ، وَضَرُورَتُهُ إِلَيْهِ وَحَاجَتُهُ إِلَيْهِ لا تُشْبِهُهَا ضَرُورَةٌ ولا حاجةٌ، بلْ هيَ فوقَ كلِّ ضرورةٍ، وَأَعْظَمُ منْ كلِّ حاجةٍ، ولهذا قالَ إمامُ الحُنَفَاءِ: {لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76)} [الأنعام: 76] واللهُ أَعْلَمُ)

    ([إذا تَبَيَّنَ هَذَا فَاعْلَمْ أنَّ] (( الإلَهَ ))... هُوَ الجامعُ لجميعِ صفاتِ الكمالِ ونعوتِ الجلالِ، فَيَدْخُلُ في هذا الاسمِ جَمِيعُ الأسماءِ الحُسْنَى) [لـ](أنَّ الإلهَ هوَ الذي لهُ الأسماءُ الحُسْنَى، والصِّفَاتُ العُلَى، وَهُوَ الذي يَفْعَلُ بقدرتِهِ ومشيئتِهِ وحكمتِهِ، وهوَ الموصوفُ بالصِّفَاتِ والأفعالِ، المُسَمَّى بالأسماءِ التي قَامَتْ بها حَقَائِقُهَا ومَعَانِيهَا).
    ([فَـ]كَوْنُهُ تَعَالَى إِلَهَ الخَلْقِ يَقْتَضِي كمالَ ذاتِهِ وصفاتِهِ وأسمائِهِ وأفعالِهِ ووقوعَ أفعالِهِ على أكملِ الوجوهِ وَأَتَمِّهَا)(، (وَلِهَذَا كَانَتْ (( لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ )) أحسنَ الحسناتِ، وكانَ توحيدُ الإِلهيَّةِ رأسَ الأمْرِ)

    (فهوَ سُبْحَانَهُ الإلهُ الحقُّ المُبِينُ ((الكاملُ في أسمائِهِ وصفاتِهِ))... الذي يَسْتَحِقُّ أنْ يُؤَلَّهَ مَحَبَّةً، وَتَعْظِيماً، وخشيَةً، وخُضوعاً، وتذلُّلاً، وعبادَةً، فهوَ الإلَهُ الحقُّ، ولوْ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ، وهوَ الإلهُ الحقُّ، ولوْ لمْ يَعْبُدُوهُ،

    فهوَ المعبودُ حَقًّا، المحمودُ حَقًّا، ولوْ قُدِّرَ أنَّ خَلْقَهُ لَمْ يَعْبُدُوهُ، ولم يَحْمَدُوهُ، ولمْ يَأْلَهُوهُ، فهوَ اللهُ الذي لا إِلَهَ إلاَّ هوَ قبلَ أنْ يَخْلُقَهُم، وبعدَ أنْ خَلَقَهُم، وبعدَ أنْ يُفْنِيَهُم، لم يَسْتَحْدِثْ بِخَلْقِهِ لهم ولا بأمرِهِ إيَّاهُم اسْتِحْقَاقَ الإلهيَّةِ والحمدِ، بل الإلهيَّةُ وَحَمْدُهُ وَمَجْدُهُ وَغِنَاهُ أَوْصَافٌ ذاتيَّةٌ لهُ يَسْتَحِيلُ مُفَارَقَتُهَا لهُ كَحَيَاتِهِ ووجودِهِ وقدرتِهِ وَعِلْمِهِ وسائرِ صفاتِ كمالِهِ.

    فَأَوْلِيَاؤُهُ وَخَاصَّتُهُ وَحِزْبُهُ لَمَّا شَهِدَتْ عُقُولُهُم وَفِطَرُهُم أنَّهُ أهلٌ أنْ يُعبَدَ - وإنْ لمْ يُرْسِلْ إليهم رَسُولاً، ولم يُنَزِّلْ عليهم كِتَاباً، ولوْ لم يَخْلُقْ جَنَّةً ولا ناراً - عَلِمُوا أنَّهُ لا شَيْءَ في العُقولِ والفِطَرِ أَحْسَنُ مِنْ عبادتِهِ، ولا أَقْبَحُ من الإعْراضِ عنهُ، وجاءَت الرسلُ، وأُنْزِلَتِ الكُتُبُ لتَقريرِ ما اسْتَوْدَعَ سُبحانَهُ في الفِطَرِ والعُقولِ منْ ذلكَ، وتَكْمِيلِهِ، وتَفْضِيلِهِ، وزيادتِهِ حُسناً إلى حُسْنِهِ، فَاتَّفَقَتْ شَرِيعتُهُ وفِطْرَتُهُ، وَتَطَابَقَا، وَتَوَافَقَا، وَظَهَرَ أنَّهُمَا مِنْ مِشْكَاةٍ واحدَةٍ، فَعَبَدُوهُ وأَحَبُّوهُ وَمَجَّدُوهُ وَحَمِدُوهُ بِدَاعِي الفِطرَةِ، وداعِي الشَّرْعِ، وداعِي العَقلِ، فَاجْتَمَعَت لهم الدَّواعِي وَنَادَتْهُم مِنْ كُلِّ جهَةٍ، ودَعَتْهُم إلى وَلِيِّهم وَإِلَهِهِم وَفَاطِرِهم، فأَقْبَلُوا إليهِ بقلوبٍ سليمَةٍ، لم يُعَارِضْ خَبَرَهُ عندَهَا شُبْهَةٌ تُوجِبُ رِيبَةً وَشَكًّا، ولا أَمْرَهُ شهوَةٌ تُوجِبُ رَغْبَتَهَا عَنْهُ وَإِيثَارَهَا سِوَاهُ، فَأَجَابُوا دَوَاعِيَ المحبَّةِ والطاعَةِ إذْ نَادَتْ بهم: حيَّ على الفلاحِ، وَبَذَلُوا أَنْفُسَهم في مَرْضَاةِ مَوْلاهُم الحقِّ بَذْلَ أَخِي السَّماحِ، وَحَمِدُوا عندَ الوُصولِ إليهِ مَسْرَاهُم، وإنَّمَا يَحْمَدُ القومُ مَسراهُمْ عندَ الصباحِ)
    ). [المرتبع الأسنى]

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    قال ابن القيم رحمه الله
    و مِنْ أسمائِهِ: " المَلِكُ "، ومَعْنَى المُلْكِ الحَقِيقِيِّ ثَابِتٌ لهُ سبحانَهُ بكلِّ وَجْهٍ)؛ (فهوَ الآمِرُ الناهِي المُعِزُّ المُذِلُّ، الذي يُصَرِّفُ أُمُورَ عبادِهِ كما يُحِبُّ وَيُقَلِّبُهُم كما يَشَاءُ. ولَهُ مِنْ مَعْنَى المُلْكِ ما يَسْتَحِقُّهُ من الأسماءِ الحُسْنَى: كالعزيزِ الجَبَّارِ المُتَكَبِّرِ، الحَكَمِ العَدْلِ، الخافِضِ الرافعِ، المُعِزِّ المُذِلِّ، العظيمِ، الجليلِ، الكبيرِ، الحسيبِ، المَجِيدِ، الوَالِي، المُتَعَالِي، مَالِكِ المُلْكِ، المُقْسِطِ، الجامِعِ، إلى غيرِ ذلكَ من الأسماءِ العائدةِ إلى المُلْكِ).
    ([فـ]هذهِ الصفةُ تَسْتَلْزِمُ سائرَ صفاتِ الكمالِ؛ إذْ مِن المُحَالِ ثُبُوتُ المُلْكِ الحقيقيِّ التامِّ لِمَنْ ليسَ لهُ حياةٌ ولا قدرةٌ ولا إرادةٌ ولا سمعٌ ولا بصرٌ ولا كلامٌ ولا فعلٌ اختياريٌّ يَقُومُ بهِ.
    وكيفَ يُوصَفُ بالمُلْكِ مَنْ لا يَأْمُرُ ولا يَنْهَى، ولا يُثِيبُ ولا يُعَاقِبُ، ولا يُعْطِي ولا يَمْنَعُ، ولا يُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيُهِينُ وَيُكْرِمُ، وَيُنْعِمُ وَيَنْتَقِمُ، وَيَخْفِضُ وَيَرْفَعُ، وَيُرْسِلُ الرُّسُلَ إلى أقطارِ مَمْلَكَتِهِ، وَيَتَقَدَّمُ إلى عَبِيدِهِ بأوامرِهِ ونَوَاهِيهِ. فأيُّ مُلْكٍ في الحقيقةِ لِمَنْ عَدِمَ ذلكَ؟!!.
    وهذا يُبَيِّنُ أنَّ المُعَطِّلِينَ لأسمائِهِ وصفاتِهِ جَعَلُوا مَمَالِيكَهُ أَكْمَلَ منهُ، وَيَأْنَفُ أحدُهُم أنْ يُقَالَ في أميرِهِ ومَلِكِهِ مَا يَقُولُهُ هوَ في ربِّهِ، فَصِفَةُ مِلْكِيَّةِ الحقِّ مُسْتَلْزِمَةٌ لوجودِ ما لا يَتِمُّ التصرُّفُ إلاَّ بهِ، والكلُّ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، فَلَمْ يَتَوَقَّفْ كَمَالُ مُلْكِهِ عَلَى غَيْرِهِ، فإنَّ كلَّ ما سِوَاهُ مُسْنَدٌ إليهِ، وَمُتَوَقِّفٌ في وجودِهِ على مَشِيئَتِهِ وَخَلْقِهِ)
    (فـَ…حَقِيقَةُ المُلْكِ إنَّمَا تَتِمُّ بالعطاءِ والمَنْعِ والإكراهِ والإهانةِ والإثابةِ والعقوبةِ والغَضَبِ والرِّضَى وَالتَّوْلِيَةِ والعَزْلِ، وَإِعْزَازِ مَنْ يَلِيقُ بهِ العزُّ وإِذْلالِ مَنْ يَلِيقُ بهِ الذُّلُّ.
    قالَ تَعَالَى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)} [آل عمران: 26-27].
    وقال تَعَالَى: {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29)} [الرحمن: 29].
    يَغْفِرُ ذَنْباً وَيُفَرِّجُ كَرْباً وَيَكْشِفُ غَمًّا وَيَنْصُرُ مَظْلُوماً وَيَأْخُذُ ظَالِماً، وَيَفُكُّ عَانِياً، وَيُغْنِي فَقِيراً، ويَجْبُرُ كَسِيراً، وَيَشْفِي مَرِيضاً، وَيُقِيلُ عَثْرَةً، وَيَسْتُرُ عَوْرَةً، وَيُعِزُّ ذَلِيلاً، وَيُذِلُّ عَزِيزاً، وَيُعْطِي سَائِلاً، وَيَذْهَبُ بِدَوْلَةٍ وَيَأْتِي بِأُخْرَى، وَيُدَاوِلُ الأيامَ بينَ الناسِ، وَيَرْفَعُ أَقْوَاماً وَيَضَعُ آخَرِينَ، يَسُوقُ المقاديرَ التي قَدَّرَهَا قَبْلَ خلقِ السَّمَاواتِ والأرضِ بخمسينَ ألفَ عَامٍ إِلَى مَوَاقِيتِهَا، فلا يَتَقَدَّمُ شيءٌ منها عنْ وقتِهِ ولا يَتَأَخَّرُ، بلْ كلٌّ مِنْهَا قدْ أَحْصَاهُ كما أَحْصَاهُ كِتَابُهُ، وَجَرَى بهِ قَلَمُهُ، وَنَفَذَ فيهِ حكمُهُ، وَسَبَقَ بهِ عِلْمُهُ، فهوَ المُتَصَرِّفُ في المَمَالِكِ كُلِّهَا وَحْدَهُ تَصَرُّفَ مَلِكٍ قَادِرٍ قَاهِرٍ عَادِلٍ رَحِيمٍ، تَامِّ المُلْكِ، لا يُنَازِعُهُ في مُلْكِهِ مُنَازِعٌ، أوْ يُعَارِضُهُ فيهِ مُعَارِضٌ، فتَصَرُّفُهُ في المملكةِ دَائِرٌ بينَ العدلِ والإحسانِ والحكمةِ والمصلحةِ والرحمةِ، فلا يَخْرُجُ تَصَرُّفُهُ عنْ ذلكَ.
    وفي تَفْسِيرِ الحافظِ أبي بكرٍ أحمدَ بنِ مُوسَى بنِ مَرْدَوَيْهِ منْ حديثِ الحِمَّانِيِّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عنْ مُعَاوِيَةَ بنِ يَحْيَى، عنْ يُونُسَ بنِ مَيْسَرَةَ، عنْ أبي إِدْرِيسَ، عنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّهُ سُئِلَ عنْ قولِهِ تَعَالَى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29)} [الرحمن: 29] فقالَ: سُئِلَ عنها رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالَ: ((مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَغْـفِــرَ ذَنْباً وَيُفَــرِّجَ كَــرْباً، وَيَرْفَعَ قَوْمــاً، وَيَضَــعَ آخَرِينَ))
    (فَهُوَ مَلِكُهُم المُتَصَرِّفُ فِيهِم، وَهُمْ عَبِيدُهُ وَمَمَالِيكُهُ، وهوَ المُتَصَرِّفُ فِيهِم، المُدَبِّرُ لَهُم كما يشاءُ، النافذُ القدرةِ فِيهِم، الذي لهُ السلطانُ التامُّ عليهم، فهوَ مَلِكُهُم الحقُّ، الذي إِلَيْهِ مَفْزَعُهُم عندَ الشدائدِ والنوائبِ، وهوَ مُسْتَغَاثُهُم وَمَعَاذُهُم وَمَلْجَؤُهُم، فلا صَلاحَ لهم ولا قِيَامَ إلاَّ بهِ، وَبِتَدْبِيرِهِ ، فليسَ لهم مَلِكٌ غيرُهُ يَهْرُبُونَ إليهِ إذا دَهَمَهُم العدوُّ وَيَسْتَصْرِخُو نَ بهِ إذا نَزَلَ العدوُّ بِسَاحَتِهِمْ. )
    ([فإنَّ] المخلوقَ ليسَ عندَهُ للعبدِ نَفْعٌ ولا ضرٌّ، ولا عَطَاءٌ ولا منْعٌ، ولا هُدًى ولا ضَلالٌ، ولا نَصْرٌ ولا خِذْلانٌ، ولا خَفْضٌ ولا رَفْعٌ، ولا عِزٌّ ولا ذلٌّ، بل اللهُ وَحْدَهُ هوَ المَلِكُ، الذي لَهُ مُلْكُ ذَلِكَ كُلِّهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)} [فاطر: 2] وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)
    . [المرتبع الأسنى]

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم

    قال ابن القيم
    ( (( الصمدُ )): السيِّدُ الذي كَمُلَ في سُؤْدُدِهِ؛ ولهذا كانت العربُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا بِهَذَا الاسمِ، لكثرةِ الصِّفَاتِ المحمودةِ في المُسَمَّى بهِ، قالَ شَاعِرُهُم:

    أَلاَ بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أَسَدْ = بِعَمْرِو بنِ مَسْعُودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ

    فإنَّ الصمدَ مَنْ تَصْمُدُ نحوَهُ القلوبُ بالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، وذلكَ لكثرةِ خصالِ الخيرِ فيهِ، وكثرةِ الأوصافِ الحميدةِ لهُ، ولهذا قالَ جمهورُ السَّلَفِ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ: الصَّمَدُ السيِّدُ الذي كَمُلَ سُؤْدُدُهُ، فَهُوَ العالمُ الذي كَمُلَ عِلْمُهُ، القادرُ الذي كَمُلَتْ قُدْرَتُهُ، الحكيمُ الذي كَمُلَ حُكْمُهُ، الرحيمُ الذي كَمُلَتْ رَحْمَتُهُ، الجوَادُ الذي كَمُلَ جُودُهُ، ((وفي رِوَايَةٍ عَنْهُ: ((هوَ السيِّدُ الذي قَدْ كَمُلَ فِي جَمِيعِ أنواعِ السُّؤْدُدِ ))...
    وقالَ سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: (( هوَ الكامِلُ في جميعِ صفاتِهِ وأفعالِهِ وأقوالِهِ )) )
    ((وقالَ ابنُ وَائِلٍ: هوَ السيِّدُ الذي انْتَهَى سُؤْدُدُهُ.
    وقالَ عِكْرِمَةُ: الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ.
    وكذلكَ قالَ الزجَّاجُ: الذي يَنْتَهِي إليهِ السُّؤْدُدُ، فَقَدْ صَمَدَ لهُ كلُّ شيءٍ.
    وقالَ ابنُ الأَنْبَارِيِّ: لا خِلافَ بينَ أهلِ اللغةِ أنَّ الصمدَ السيِّدُ الذي لَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ، الذي يَصْمُدُ إليهِ الناسُ في حَوَائِجِهِم وَأُمُورِهِم، وَاشْتِقَاقُهُ يَدُلُّ على هذا، فإنَّهُ من الجَمْعِ والقَصْدِ الذي اجْتَمَعَ القصدُ نحوَهُ واجْتَمَعَتْ فيهِ صفاتُ السُّؤْدُدِ، وهذا أَصْلُهُ في اللغةِ كما قالَ:

    أَلاَ بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أَسَدْ = بِعَمْرِو بنِ يَرْبُوعٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ
    والعربُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا بالصمَدِ لاجْتِمَاعِ قَصْدِ القاصدِينَ إليهِ واجتماعِ صفاتِ السيادةِ فيهِ))
    ومَنْ قَالَ: (( إنَّهُ الذي لا جَوْفَ لَهُ ))، فقولـُهُ لا يُنَاقِضُ هذا التفسيرَ؛ فإنَّ اللفظَ من الاجتماعِ، فهوَ الذي اجْتَمَعَتْ فيهِ صفاتُ الكمالِ، ولا جَوْفَ لهُ)، [فإنَّهُ] (- تَعَالَى - صَمَدٌ بِجَمِيعِ معانِي الصَّمَدِيَّةِ، فَيَسْتَحِيلُ عليهِ ما يُنَاقِضُ صَمَدِيَّتَه) [وَ](إِنَّمَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ كُفُواً لَهُ لَمَّا كَانَ صَمَداً كَامِلاً في صَمَدِيَّتِهِ).

    (وهو الإلهُ السَّيِّدُ الصَّمَدُ الَّذِي = صَمَدَتْ إِلَيْهِ الخَلْقُ بالإِذْعَانِ
    الكَامِلُ الأَوْصَافِ مِنْ كُلِّ الوُجُوهِ = كَمَالُهُ ما فيهِ منْ نُقْصَانِ)
    (واللهُ أكبرُ وَاحِدٌ صَمَدٌ وَكُلُّ = الشأْنِ في صَمَدِيَّةِ الرَّحْمَنِ
    نَفَت الولادةُ والأبوةُ عنهُ والـ = كُفْءَ الذي هوَ لازِمُ الإنسانِ
    وَكَذَاكَ أُثْبِتَت الصِّفَاتُ جَمِيعُهَا = للهِ سَالِمَةٌ من النُّقْصَانِ
    وَإِلَيْهِ يَصْمُدُ كُلُّ مَخْلُوقٍ فَلا = صمدٌ سِوَاهُ عَزَّ ذُو السُّلْطَانِ)[المرتبع الأسنى]

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم

    قال ابن القيم رحمه الله
    ( العَلِيُّ ):

    (وَ[هُوَ سُبْحَانَهُ]... (( العليُّ )) ) (العَالِي على كلِّ شيءٍ))(الذي عَلا عنْ كلِّ عَيْبٍ وَسُوءٍ ونقْصٍ).
    (و... مِنْ لَوَازِمِ اسمِ (( العَلِيِّ )): العُلُوُّ المُطْلَقُ بِكُلِّ اعْتِبَارٍ،
    فَلَهُ العُلُوُّ المُطْلَقُ منْ جميعِ
    الوجوهِ:

    - عُلُوُّ القَدْرِ.
    - وعُلُوُّ القَهْرِ.
    - وعُلُوُّ الذَّاتِ).
    (ومِنْ كمالِ عُلُوِّهِ أَنْ لا يَكُونَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، بَلْ يَكُونُ فوقَ كلِّ شيءٍ)
    (فهوَ... عالٍ على كلِّ شيءٍ... في ذاتِهِ وَصِفَاتِهِ وأفعالِهِ)
    (و... أَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ للهِ - سُبْحَانَهُ - العُلُوَّ الذَّاتِيَّ والمَعْنَوِيَّ)

    (واللهُ أكبرُ ذُو العُلُوِّ المُطْلَقِ الـ = مَعْلومِ بفطرةِ الإنسانِ
    فعُلُوُّهُ مِنْ كلِّ وجهٍ ثابتٌ = فاللهُ أَكْبَرُ جَلَّ ذو السُّلْطَانِ)
    (لفظُ العليِّ وَلَفْظَةُ الأَعْلى مُعَرَّ = فَةً أَتَتْكَ هُنَا لِقَصْدِ بَيَانِ
    إنَّ العُلُوَّ لهُ بِمُطْلَقِهِ على التْـ = تَـعميمِ والإطلاقِ بالبرهانِ
    وَلَـهُ العُلُوُّ من الوجوهِ جَمِيعِهَا = ذاتاً وقَهْرَاً مَعْ عُلُوِّ الشَّانِ)
    (وَهُوَ العَلِيُّ يَرَى وَيَسْمَعُ خَلْقَهُ = من فوقِ عرشٍ فوقَ سِتِّ ثَمَانِ)
    (وَاللهُ أَكْبَرُ عَرْشُهُ وَسِعَ السَّمَا = والأرضَ والكرسيَّ ذا الأركانِ
    وَكَذَلِكَ الكُرْسِيُّ قدْ وَسِعَ الطِّبَا = قَ السَّبْعَ والأَرَضِينَ بالبُرْهَانِ
    و اللهُ فَوْقَ العَرْشِ والكُرْسِيِّ لا = يَخْفَى عليهِ خَوَاطِرُ الإنسانِ)[المرتبع الأسنى]

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم

    قال ابن القيم
    ( الأوَّلُ والآخرُ والظاهرُ والباطِنُ):
    (الأَوَّلُ الذي لَيْسَ قَبْلَهُ شيءٌ، الآخرُ الذي ليسَ بعدَهُ شيءٌ، الظاهرُ الذي ليسَ فوقَهُ شيءٌ، الباطنُ الذي ليسَ دونَهُ شيءٌ، سَبَقَ كلَّ شيءٍ بِأَوَّلِيَّتِه ِ. وَبَقِيَ بعدَ كلِّ شيءٍ بِآخِرِيَّتِهِ. وَعَلا فَوْقَ كلِّ شيءٍ بِظُهُورِهِ، وَأَحَاطَ بكلِّ شيءٍ بِبُطُونِهِ)
    (فأوَّلِيَّةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ سَابِقَةٌ على أَوَّلِيَّةِ كلِّ ما سِوَاهُ، وَآخِرِيَّتُهُ ثابتةٌ بعدَ آخِرِيَّةِ كلِّ ما سِوَاهُ، فَأَوَّلِيَّتُه ُ سَبْقُهُ لكلِّ شيءٍ، وآخِرِيَّتُهُ بَقَاؤُهُ بعدَ كلِّ شيءٍ، وَظَاهِرِيَّتُه ُ سُبْحَانَهُ فَوْقِيَّتُهُ وَعُلُوُّهُ على كلِّ شيءٍ، وَمَعْنَى الظهورِ يَقْتَضِي العُلُوَّ، وظاهِرُ الشيءِ هوَ ما عَلا مِنْهُ وَأَحَاطَ بِبَاطِنِهِ، وَبُطُونُهُ سُبْحَانَهُ إِحَاطَتُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بِحَيْثُ يَكُونُ أَقْرَبَ إليهِ منْ نفسِهِ، وهذا قُرْبٌ، غيرُ قُرْبِ المُحِبِّ مِنْ حَبِيبِهِ، هذا لونٌ وهذا لونٌ.
    ((فهذهِ الأسماءُ الأربعةُ مُتَقَابِلَةٌ: اسْمَانِ لأَزَلِ الربِّ تَعَالَى وَأَبَدِهِ، وَاسْمَانِ لِعُلُوِّهِ وَقُرْبِهِ))
    [وَمَدَارُهَا]... على الإحاطةِ، وهي إِحَاطَتَانِ: زَمَانِيَّةٌ ومكانيَّةٌ، فَأَحَاطَتْ أَوَّلِيَّتُهُ وَآخِرِيَّتُهُ بِالقَبْلِ والبَعْدِ، فكلُّ سَابِقٍ انْتَهَى إلى أَوَّلِيَّتِهِ، وكلُّ آخِرٍ انْتَهَى إِلَى آخِرِيَّتِهِ، فَأَحَاطَتْ أَوَّلِيَّتُهُ وَآخِرِيَّتُهُ بالأوائلِ والأواخرِ، وَأَحَاطَتْ ظَاهِرِيَّتُهُ وَبَاطِنِيَّتُه ُ بكلِّ ظاهرٍ وباطنٍ، فما مِنْ ظَاهِرٍ إِلاَّ وَاللهُ فوقَهُ، وما مِنْ بَاطِنٍ إلاَّ واللهُ دُونَهُ، وما مِنْ أَوَّلٍ إلاَّ واللهُ قَبْلَهُ، وما مِنْ آخِرٍ إلاَّ واللهُ بَعْدَهُ: فالأوَّلُ قِدَمُهُ، والآخِرُ دَوَامُهُ وَبَقَاؤُهُ، والظاهرُ عُلُوُّهُ وَعَظَمَتُهُ، والباطنُ قُرْبُهُ وَدُنُوُّهُ. فَسَبَقَ كلَّ شيءٍ بأَوَّلِيَّتِهِ ، وَبَقِيَ بعدَ كلِّ شيءٍ بآخريَّتِهِ، وَعَلا على كلِّ شيءٍ بِظُهُورِهِ، وَدَنَا مِنْ كلِّ شيءٍ ببطونِهِ، فلا تُوَارِي منهُ سَمَاءٌ سَمَاءً، ولا أَرْضٌ أَرْضاً، ولا يَحْجُبُ عنهُ ظاهرٌ بَاطِناً، بل الباطنُ لهُ ظاهرٌ، والغيبُ عندَهُ شهادةٌ، والبعيدُ منهُ قريبٌ، والسرُّ عندَهُ عَلانِيَةٌ.
    فهذهِ الأسماءُ الأربعةُ تَشْتَمِلُ على أركانِ التوحيدِ، فهوَ الأوَّلُ في آخِرِيَّتِهِ، والآخِرُ في أَوَّلِيَّتِهِ، والظاهرُ في بطُونِهِ، والباطنُ في ظهورِهِ، لم يَزَلْ أَوَّلاً وآخِراً وظاهِراً وباطِناً.
    والتَّعَبُّدُ بِهَذِهِ الأسماءِ رُتْبَتَانِ:
    - الرتبةُ الأولى: أنْ تَشْهَدَ الأَوَّلِيَّةَ مِنْهُ تَعَالَى في كلِّ شيءٍ، والآخِرِيَّةَ بعدَ كلِّ شيءٍ، والعُلُوَّ والفوقيَّةَ فوقَ كلِّ شيءٍ، والقُرْبَ والدُّنُوَّ دونَ كلِّ شيءٍ، فالمخلوقُ يَحْجُبُهُ مِثْلُهُ عمَّا هوَ دونَهُ، فَيَصِيرُ الحاجبُ بَيْنَهُ وبينَ المحجوبِ، والربُّ جلَّ جلالُهُ ليسَ دونَهُ شيءٌ أَقْرَبُ إلى الخلقِ منهُ.
    - والمَرْتَبَةُ الثانيَةُ من التَّعَبُّدِ: أنْ يُعَامِلَ كلَّ اسمٍ بِمُقْتَضَاهُ:
    فَيُعَامِلَ سَبْقَهُ تَعَالَى بأوَّليَّتِهِ لكلِّ شيءٍ، وَسَبْقَهُ بفضلِهِ وإحسانِهِ الأسبابَ كلَّها بما يَقْتَضِيهِ ذلكَ منْ إفرادِهِ، وعدمِ الالتفاتِ إلى غيرِهِ، والوثوقِ بسواهُ، والتَّوَكُّلِ على غيرِهِ، فمَنْ ذا الذي شَفَعَ لكَ في الأَزَلِ حيثُ لم تَكُنْ شَيْئاً مذكوراً، حَتَّى سَمَّاكَ باسمِ الإسلامِ، وَوَسَمَكَ بِسِمَةِ الإيمانِ، وَجَعَلَكَ منْ أهلِ قبضةِ اليمينِ، وَأَقْطَعَكَ في ذلكَ الغيبِ عَمَالاتِ المُؤْمِنِينَ، فَعَصَمَكَ عن العبادةِ للعبيدِ، وَأَعْتَقَكَ من الْتِزَامِ الرقِّ لِمَنْ لهُ شَكْلٌ ونَدِيدٌ. ثُمَّ وَجَّهَ وِجْهَةَ قَلْبِكَ إليهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى دونَ ما سواهُ، فَاضْرَعْ إلى الذي عَصَمَكَ من السجودِ للصَّنَمِ، وَقَضَى لكَ بِقَدَمِ الصدقِ في القِدَمِ أنْ يُتِمَّ عَلَيْكَ نعمةً هوَ ابْتَدَأَهَا وَكَانَتْ أَوَّلِيَّتُهَا منهُ بلا سَبَبٍ مِنْكَ.
    وَاسْمُ بِهِمَّتِكَ عنْ ملاحظةِ الاختيارِ، ولا تَرْكَنَنَّ إِلَى الرسومِ والآثارِ، ولا تَقْنَعْ بالخسيسِ الدونِ، وعليكَ بالمطالبِ العاليَةِ والمراتبِ الساميَةِ التي لا تُنَالُ إلاَّ بطاعةِ اللهِ؛ فإنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَضَى أنْ لا يُنَالَ ما عِنْدَهُ إلاَّ بِطَاعَتِهِ، ومَنْ كانَ للهِ كَمَا يُرِيدُ كانَ اللهُ لهُ فوقَ ما يُرِيدُ، فَمَنْ أَقْبَلَ تَلَقَّاهُ منْ بعيدٍ، ومَنْ تَصَرَّفَ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ أَلانَ لهُ الحديدَ، ومَنْ تَرَكَ لأَجْلِهِ أَعْطَاهُ فوقَ المزيدِ، وَمَنْ أَرَادَ مُرَادَهُ الدِّينِيَّ أَرَادَ ما يُرِيدُ. ثُمَّ اسْمُ بِسِرِّكَ إِلَى المَطْلَبِ الأَعْلَى، وَاقْصُرْ حُبَّكَ وَتَقَرُّبَكَ على مَنْ سَبَقَ فَضْلُهُ وَإِحْسَانُهُ إليكَ كلَّ سببٍ منكَ، بلْ هوَ الذي جَادَ عليكَ بالأسبابِ، وَهَيَّأَ لكَ وصَرَفَ عَنْكَ مَوَانِعَهَا، وَأَوْصَلَكَ بها إلى غَايَتِكَ المحمودةِ، فَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَعَامِلْهُ وَحْدَهُ، وَآثِرْ رِضَاهُ وَحْدَهُ، وَاجْعَلْ حُبَّهُ وَمَرْضَاتَهُ هوَ كَعْبَةَ قَلْبِكَ الَّتِي لا تَزَالُ طَائِفاً بِهَا، مُسْتَلِماً لأَرْكَانِهَا، وَاقِفاً بِمُلْتَزَمِهَا .
    فَيَا فَوْزَكَ وَيَا سَعَادَتَكَ إِن اطَّلَعَ سُبْحَانَهُ على ذلكَ منْ قَلْبِكَ!! مَاذا يُفِيضُ عليكَ منْ ملابسِ نِعَمِهِ وَخِلَعِ أَفْضَالِهِ!! (( اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجدِّ منكَ الجدُّ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ )).
    * * *
    ثُمَّ تَعَبَّدْ لَهُ بِاسْمِهِ (( الآخِرِ )) بِأَنْ تَجْعَلَهُ وَحْدَهُ غَايَتَكَ التي لا غايَةَ لكَ سواهُ. ولا مَطْلُوبَ لكَ وراءَهُ، فَكَمَا انْتَهَتْ إليهِ الأَوَاخِرُ، وكانَ بعدَ كلِّ آخرٍ فَكَذَلِكَ اجْعَلْ نِهَايَتَكَ إليهِ، فإنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهَى، إليهِ انْتَهَت الأسبابُ والغاياتُ، فَلَيْسَ وَرَاءَهُ مَرْمًى يُنْتَهَى إِلَيْهِ)
    (فتَأَمَّلْ عُبُودِيَّةَ هَذَيْنِ الاسْمَيْنِ [الأَوَّلِ والآخِرِ] وَمَا يُوجِبَانِهِ منْ صحَّةِ الاضطرارِ إلى اللهِ وحدَهُ، وَدَوَامِ الفقرِ إليهِ دونَ كلِّ شيءٍ سواهُ، وأنَّ الأمرَ ابْتَدَأَ منهُ وإليهِ يُرْفَعُ.
    فهوَ المبتَدِئُ بالفضلِ حيثُ لا سببَ ولا وسيلةَ، وإليهِ يَنْتَهِي الأمرُ حيثُ تَنْتَهِي الأسبابُ والوسائلُ.
    فهوَ أَوَّلُ كلِّ شيءٍ وآخرُهُ، وكما أنَّهُ ربُّ كلِّ شيءٍ وفاعلُهُ وخالقُهُ وَبَارِئُهُ، فهوَ إِلَهُهُ وَغَايَتُهُ التي لا صلاحَ لهُ ولا فلاحَ ولا كمالَ إلاَّ بأنْ يَكُونَ هوَ غايتَهُ وَحْدَهُ، كما أنَّهُ لا وجودَ لهُ إلاَّ بكونِهِ وحدَهُ هوَ ربَّهُ وَخَالِقَهُ، وكذلكَ لا كمالَ لهُ ولا صلاحَ إلاَّ بكونِهِ تَعَالَى وحدَهُ هوَ غايتَهُ ونهايتَهُ ومقصودَهُ، فهوَ الأوَّلُ الذي ابْتَدَأَتْ منهُ المخلوقاتُ، والآخرُ الذي انْتَهَتْ إليهِ عُبُودِيَّاتُهَ ا وَإِرَادَاتُهَا وَمَحَبَّتُهَا، فليسَ وراءَ اللهِ شيءٌ يُقْصَدُ وَيُعْبَدُ وَيُتَأَلَّهُ، كَمَا أَنَّهُ ليسَ قبلَهُ شيءٌ يَخْلُقُ وَيَبْرَأُ؛ فكما كانَ وَاحِداً في إيجادِكَ فَاجْعَلْهُ وَاحِداً في تَأَلُّهِكَ وَعُبُودِيَّتِك َ، وَكَما ابْتَدَأَ وُجُودَكَ وَخَلْقَكَ منهُ فَاجْعَلْهُ نِهَايَةَ حُبِّكَ وَإِرَادَتِكَ وَتَأَلُّهِكَ إِلَيْهِ لِتَصِحَّ لَكَ عُبُودِيَّتُهُ بِاسْمِهِ (( الأوَّلِ والآخرِ ))، وَأَكْثَرُ الخَلْقِ تَعَبَّدُوا لَهُ بِاسْمِهِ (( الأوَّلِ )). وَإِنَّمَا الشَّأْنُ في التَّعَبُّدِ لهُ باسمِهِ ((الآخرِ)) فَهَذِهِ عُبُودِيَّةُ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِم، فهوَ رَبُّ العالمِينَ وإِلَهُ المُرْسَلِينَ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ.
    * * *
    وَأَمَّا عُبُودِيَّتُهُ بِاسْمِهِ (( الظاهرِ )) فَكَمَا فَسَّرَهُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ((وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ)) ([5]).
    ((فَجَعَلَ كَمَالَ الظهورِ مُوجِباً لكمالِ الفوقيَّةِ، ولا ريبَ أنَّهُ ظاهرٌ بذاتِهِ فوقَ كلِّ شيءٍ، والظهورُ هنا العلوُّ، ومنْهُ قَوْلُهُ: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} [الكهف: 97]؛ أيْ: يَعْلُوهُ، وَقَرَّرَ هذا المَعْنَى بقولِهِ: " فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ ". أيْ: أنتَ فوقَ الأشياءِ كُلِّهَا لَيْسَ لهذا اللفظِ مَعْنًى غَيْرُ ذلكَ، ولا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ الظهورُ على الغَلَبَةِ؛ لأنَّهُ قَابَلَهُ بقولِهِ: ((وَأَنْتَ البَاطِنُ)) ))
    فإذا تَحَقَّقَ العَبْدُ عُلُوَّهُ المُطْلَقَ عَلَى كلِّ شيءٍ بذاتِهِ، وأنَّهُ ليسَ شيءٌ فوقَهُ أَلْبَتَّةَ، وأنَّهُ قاهرٌ فوقَ عبادِهِ، يُدَبِّرُ الأمرَ من السماءِ إلى الأرضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إليهِ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، صارَ لِقَلْبِهِ أَمَماً يَقْصِدُهُ، وَرَبًّا يَعْبُدُهُ، وَإِلَهاً يَتَوَجَّهُ إليهِ، بخلافِ مَنْ لا يَدْرِي أَيْنَ رَبُّهُ، فَإِنَّهُ ضَائِعٌ مُشَتَّتُ القلبِ، ليسَ لقلبِهِ قِبْلَةٌ يَتَوَجَّهُ نَحْوَهَا، ولا معبودَ يَتَوَجَّهُ إليهِ قَصْدُهُ.
    فَصَاحِبُ هذهِ الحالِ إذا سَلَكَ وَتَأَلَّهَ وَتَعَبَّدَ طَلَبَ قَلْبُهُ إِلَهاً يَسْكُنُ إليهِ وَيَتَوَجَّهُ إليهِ، وَقَد اعْتَقَدَ أنَّهُ ليسَ فوقَ العرشِ شيءٌ إلاَّ العدمُ، وأنَّهُ ليسَ فوقَ العالمِ إِلَهٌ يُعْبَدُ وَيُصَلَّى لهُ ويُسْجَدُ، وَأَنَّهُ ليسَ على العرشِ مَنْ يَصْعَدُ إليهِ الكَلِمُ الطَّيِّبُ، وَلا يُرْفَعُ إليهِ العملُ الصالحُ، جَالَ قَلْبُهُ في الوجودِ جميعِهِ فَوَقَعَ في الاتِّحَادِ ولا بُدَّ، فَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بالوجودِ المُطْلَقِ السَّارِي في المُعَيَّنَاتِ، فَاتَّخَذَهُ إِلَهَهُ منْ دونِ الإِلَهِ الحقِّ، وَظَنَّ أنَّهُ قدْ وَصَلَ إلى عَيْنِ الحقيقةِ!!
    وإنَّمَا تَأَلَّهَ وَتَعَبَّدَ لِمَخْلُوقٍ مِثْلِهِ أوْ لخيالٍ نَحَتَهُ بِفِكْرِهِ وَاتَّخَذَهُ إِلَهاً منْ دونِ اللهِ سبحانَهُ.
    وَإِلَهُ الرُّسُلِ وَرَاءَ ذلكَ كُلِّهِ: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4)}[يونس: 3-4]، وقالَ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9)} [السجدة: 4-9].
    فَقَدْ تَعَرَّفَ سُبْحَانَهُ إلى عبادِهِ بكلامِهِ معرفةً لا يَجْحَدُهَا إلاَّ مَنْ أَنْكَرَهُ سبحانَهُ وإنْ زَعَمَ أنَّهُ مُقِرٌّ بهِ.
    والمقصودُ أنَّ التَّعَبُّدَ باسمِهِ (( الظاهرِ )) يَجْمَعُ القلبَ على المعبودِ، وَيَجْعَلُ لَهُ رَبًّا يَقْصِدُهُ وَصَمَداً يَصْمُدُ إليهِ في حوائجِهِ وَمَلْجأً يَلْجَأُ إِلَيْهِ.
    فإذا اسْتَقَرَّ ذلكَ في قلبِهِ وَعَرَفَ رَبَّهُ باسْمِهِ (( الظاهرِ )) اسْتَقَامَتْ لهُ عُبُودِيَّتُهُ، وَصَارَ لهُ مَعْقِلٌ وَمَوْئِلٌ يَلْجَأُ إليهِ، وَيَهْرُبُ إليهِ، ويَفِرُّ كُلَّ وَقْتٍ إليهِ.
    * * *
    أمَّا تَعَبُّدُهُ باسمِهِ (( الباطنِ )) فَأَمْرٌ يَضِيقُ نِطَاقُ التعبيرِ عنْ حقيقتِهِ، وَيَكِلُّ اللسانُ عنْ وصفِهِ، وَتَصْطَلِمُ الإشارةُ إليهِ، وَتَجْفُو العبارةُ عنهُ؛ فإنَّهُ يَسْتَلْزِمُ مَعْرِفَةً بَرِيئَةً مِنْ شوائبِ التعطيلِ، مُخْلَصَةً منْ فَرْثِ التشبِيهِ، مُنَـزَّهَةً منْ رِجْسِ الحلولِ والاتِّحادِ، وعبارةً مُؤَدِّيَةً للمَعْنَى كاشفةً عنهُ، وذوقاً صَحِيحاً سَلِيماً منْ أذواقِ أهلِ الانحرافِ، فمَنْ رُزِقَ هذا فَهِمَ معنَى اسْمِهِ (( الباطنِ )) وَصَحَّ لهُ التَّعَبُّدُ بهِ.
    وَسُبْحَانَ اللهِ!! كَمْ زَلَّتْ في هذا المقامِ أَقْدَامٌ!! وَضَلَّتْ فيهِ أفهامٌ، وَنَظَمَ فيهِ الزِّنْدِيقُ بِلِسَانِ الصِّدِّيقِ، فَاشْتَبَهَ فيهِ إخوانُ النَّصَارَى بالحُنَفَاءِ المُخْلَصِينَ، لِنُبُوِّ الأفهامِ عنهُ، وَعِزَّةِ تَخَلُّصِ الحقِّ من الباطلِ فيهِ، والْتِبَاسِ ما في الذهنِ بما في الخارجِ، إلاَّ على مَنْ رَزَقَهُ اللهُ بصيرةً في الحقِّ، وَنُوراً يُمَيِّزُ بهِ بينَ الهُدَى والضلالِ، وَفُرْقَاناً يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الحقِّ والباطلِ، وَرُزِقَ معَ ذلكَ اطِّلاعاً على أسبابِ الخطأِ وَتَفَرُّقِ الطُّرُقِ ومَثَارِ الغَلَطِ. فكانَ لهُ بَصِيرَةٌ في الحقِّ والباطلِ، وذلكَ فضلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، واللهُ ذو الفضلِ العظيمِ.
    وَبَابُ هذهِ المعرفةِ والتَّعَبُّدِ هوَ مَعْرِفَةُ إحاطةِ الربِّ تَبَارَكَ وتَعَالَى بالعالَمِ وعظمتِهِ، وأنَّ العوالمَ كُلَّهَا في قَبْضَتِهِ، وأنَّ السَّمَاواتِ السَّبْعَ وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي يَدِهِ كـَخَـرْدَلَـةٍ فِي يَـدِ العَـبْـدِ، قَـالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ} [الإسراء: 60] وقالَ: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20)} [البروج: 20].
    ولهذا يَقْرِنُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ هذينِ الاسمَيْنِ الدالَّيْنِ على هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ: اسمِ العلوِّ الدالِّ على أنَّهُ الظاهرُ، وأنَّهُ لا شَيْءَ فوقَهُ، واسمِ العظمةِ الدَّالِّ على الإحاطةِ، وأنَّهُ لا شيءَ دونَهُ كما قالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)} [البقرة: 255] وقالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23)} [سبأ: 23] وقالَ: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)} [البقرة: 115].
    وهوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَمَا أَنَّهُ العَالِي على خَلْقِهِ بِذَاتِهِ فليسَ فَوْقَهُ شيءٌ، فهوَ الباطنُ بِذَاتِهِ فليسَ دونَهُ شيءٌ، بلْ ظَهَرَ على كلِّ شيءٍ، فكانَ فوقَهُ، وَبَطَنَ فكانَ أَقْرَبَ إلى كلِّ شيءٍ منْ نفسِهِ، وهوَ مُحِيطٌ بهِ حيثُ لا يُحِيطُ الشيءُ بِنَفْسِهِ، وكلُّ شيءٍ في قَبْضَتِهِ، وليسَ شيءٌ في قبضةِ نفسِهِ، فهذا قُرْبُ الإحاطةِ العامَّةِ.
    وأمَّا القُرْبُ المَذْكُورُ في القرآنِ والسُّنَّةِ فَقُرْبٌ خاصٌّ منْ عَابِدِيهِ وَسَائِلِيهِ وَدَاعِيهِ، وهوَ منْ ثمرةِ التَّعَبُّدِ باسمِهِ (( الباطنِ ))، قالَ تَعَالَى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]. فهذا قُرْبُهُ منْ دَاعِيهِ.
    وقالَ تَعَالَى: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)} [الأعراف: 56].
    فَذَكَّرَ الخبرَ، وهوَ " قريبٌ " عنْ لفظِ " الرحمةِ " وهيَ مُؤَنَّثَةٌ إِيذَاناً بِقُرْبِهِ تَعَالَى من المحسنِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللهَ بِرَحْمَتِهِ قَرِيبٌ من المُحْسِنِينَ.
    وفي الصحيـحِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ)) ([7]). وَ ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ))، فهذا قُرْبٌ خَاصٌّ غَيْرُ قُرْبِ الإِحَاطَةِ وَقُرْبِ البُطُونِ.
    وفي ( الصحيحِ ) منْ حديثِ أبي موسَى أَنَّهُم كَانُوا معَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُم بالتكبيرِ، فقالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِباً، إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ)) فهذا قُرْبُهُ منْ دَاعِيهِ وَذَاكِرِهِ، يَعْنِي: فَأَيُّ حَاجَةٍ بِكُمْ إِلَى رَفْعِ الأَصْوَاتِ، وهوَ لِقُرْبِهِ يَسْمَعُهَا وَإِنْ خَفَضْتَ، كَمَا يَسْمَعُهَا إِذَا رَفَعْتَ، فَإِنَّهُ سَمِيعٌ قريبٌ.
    وهذا القربُ هوَ منْ لَوَازِمِ المَحَبَّةِ، فَكُلَّمَا كَانَ الحبُّ أَعْظَمَ كَانَ القربُ أَكْثَرَ، وقد اسْتَوْلَتْ مَحَبَّةُ المحبوبِ على قلبِ مُحِبِّهِ بِحَيْثُ يَفْنَى بها عنْ غيرِهَا، وَيَغْلِبُ مَحْبُوبُهُ على قلبِهِ حتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ وَيُشَاهِدُهُ، فإنْ لم يَكُنْ عندَهُ مَعْرِفَةٌ صحيحةٌ باللهِ وما يَجِبُ لهُ وَيَسْتَحِيلُ عليهِ، وإلاَّ طَرَقَ بابَ الحلولِ إنْ لم يَلِجْهُ، وَسَبَبُهُ ضَعْفُ تَمْيِيزِهِ، وَقُوَّةُ سُلْطَانِ المَحَبَّةِ، وَاسْتِيلاءُ المَحْبُوبِ على قَلْبِهِ بحيثُ يَغِيبُ عنْ ملاحظةِ سواهُ، وفي مِـثْـلِ هـذهِ الحـالِ يَـقُـولُ: سُبـْحـَانِي، أَوْ: مَا فِي الـجُـبَّـةِ إلاَّ اللهُ، ونحوَ هذا من الشَّطَحَاتِ التي نِهَايَتُهَا أنْ يُغْفَرَ لهُ، وَيُعْذَرَ لِسُكْرِهِ، وَعَدَمِ تَمْيِيزِهِ في تلكَ الحالِ.
    فَالتعَبُّدُ بهذا الاسمِ هوَ التَّعَبُّدُ بِخَالِصِ المَحَبَّةِ وصفوِ الودادِ، وأنْ يَكُونَ الإِلَهُ أَقْرَبَ إليهِ منْ كلِّ شيءٍ، وأقربَ إليهِ منْ نفسِهِ، معَ كونِهِ ظَاهِراً ليسَ فوقَهُ شيءٌ، ومَنْ كَثَفَ * ذِهْنُهُ وَغَلُظَ طَبْعُهُ عنْ فهمِ هذا فَلْيَضْرِبْ عَنْهُ صَفْحاً إلى ما هوَ أَوْلَى بهِ، فقدْ قِيلَ:

    إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئاً فَدَعْهُ = وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ

    فمَنْ لمْ يكُنْ لهُ ذَوْقٌ منْ قُرْبِ المحبَّةِ، ومعرفةٌ بِقُرْبِ المحبوبِ منْ مُحِبِّهِ غايَةَ القُرْبِ وإنْ كانَ بَيْنَهُمَا غَايَةُ المسافةِ - ولا سِيَّمَا إذا كانت المَحَبَّةُ من الطَّرَفَيْنِ، وهيَ مَحَبَّةٌ بريئةٌ من العِلَلِ والشوائبِ والأعراضِ القادحةِ فيها - فإنَّ المُحِبَّ كَثِيراً ما يَسْتَوْلِي مَحْبُوبُهُ على قَلْبِهِ وَذِكْرِهِ وَيَفْنَى عنْ غَيْرِهِ وَيَرِقُّ قلبُهُ وَتَتَجَرَّدُ نَفْسُهُ، فَيُشَاهِدُ مَحْبُوبَهُ كالحاضرِ معهُ القريبِ إليهِ، وَبَيْنَهُمَا مِن البعدِ ما بَيْنَهُمَا، وفي هذهِ الحالِ يكونُ في قلبِهِ وُجُودُهُ العِلْمِيُّ، وفي لسانِهِ وجودُهُ اللَّفْظِيُّ، فَيَسْتَوْلِي هذا الشهودُ عليهِ، وَيَغِيبُ بهِ، فَيَظُنُّ أنَّ في عينِهِ وُجُودَهُ الخَارِجِيَّ لِغَلَبَةِ حُكْمِ القلبِ والروحِ كما قِيلَ:

    خَيَالُكَ فِي عَيْنِي وَذِكْرُكَ فِي فَمِي = وَمَثْوَاكَ في قَلْبِي فَأَيْنَ تَغِيبُ

    هذا، ويكونُ ذلكَ المحبوبُ بعينِهِ بينَهُ وبينَ عَدُوِّهِ من البُعْدِ ما بَيْنَهُمَا وَإِنْ قَرُبَت الأبدانُ وَتَلاصَقَتِ الدِّيَارُ.
    والمقصودُ أنَّ المِثَالَ العِلْمِيَّ غيرُ الحقيقةِ الخارجيَّةِ وإنْ كانَ مُطَابِقاً لها، لكنَّ المثالَ العِلْمِيَّ مَحَلُّهُ القَلْبُ، والحقيقةَ الخارجيَّةَ مَحَلُّهَا الخَارِجُ.
    ((فَإِذَا شَهِدْتَ إِحَاطَتَهُ بِالعَوَالِمِ وَقُرْبَ العَبِيدِ مِنْهُ وَظُهُورَ الْبَوَاطِنِ لَهُ وَبُدُوَّ السَّرَائِرِ لَهُ وَأَنَّهُ لا شَيْءَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَعَامِلْهُ بِمُقْتَضَى هَذَا الشُّهُودِ وَطَهِّرْ لَهُ سَرِيرَتَكَ فَإِنَّهَا عِنْدَهُ عَلانِيَةٌ، وَأَصْلِحْ لَهُ غَيْبَكَ؛ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ، وَزَكِّ لَهُ بَاطِنَكَ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ ظَاهِرٌ))([10]).
    فمعرفةُ هذهِ الأسماءِ الأربعةِ وهيَ: الأوَّلُ، والآخرُ، والظاهرُ، والباطنُ، هيَ أركانُ العلمِ والمعرفةِ، فَحَقِيقٌ بالعبدِ أنْ يَبْلُغَ في مَعْرِفَتِهَا إلى حيثُ يَنْتَهِي بهِ قُوَاهُ وَفَهْمُهُ)([11]).
    (فَانْظُرْ كَيْفَ كانتْ هذهِ الأسماءُ الأربعةُ جماعَ المعرفةِ باللهِ وجماعَ العبوديَّةِ لهُ، فَهُنَا وَقَفَتْ شهادةُ العبدِ معَ فضلِ خالقِهِ وَمِنَّتِهِ فلا يَرَى لِغَيْرِهِ شَيْئاً إلاَّ بهِ وبحولِهِ وقوَّتِهِ، وَغَابَ بِفَضْلِ مولاهُ الحقِّ عنْ جميعِ ما منهُ هوَ مِمَّا كانَ يَسْتَنِدُ إليهِ أوْ يَتَحَلَّى بهِ، أوْ يَتَّخِذُهُ عقدَةً، أوْ يَرَاهُ ليومِ فَاقَتِهِ، أوْ يَعْتَمِدُ عليهِ في مَهَمٍّ مِنْ مَهَمَّاتِهِ، فكلُّ ذلكَ منْ قصورِ نظرِهِ وانعكاسِهِ عن الحقائقِ والأصولِ إلى الأسبابِ والفروعِ، كما هوَ شأنُ الطبيعةِ والهَوَى وَمُوجَبُ الظلمِ والجهلِ، والإنسانُ ظَلُومٌ جَهُولٌ. فَمَنْ جَلَّى اللهُ سُبْحَانَهُ صَدَأَ بَصِيرَتِهِ، وَكَمَّلَ فِطْرَتَهُ، وَأَوْقَفَهُ على مَبَادِئِ الأمورِ، وَغَايَاتِهَا، وَمَنَاطِهَا، وَمَصَادِرِهَا، وَمَوَارِدِهَا أَصْبَحَ كالمُفْلِسِ حَقًّا منْ عُلُومِهِ، وَأَعْمَالِهِ، وَأَحْوَالِهِ، وَأَذْوَاقِهِ، يَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ عِلْمِي ومِنْ عَمَلِي، أَيْ: مِن انْتِسَابِي إِلَيْهِمَا وَغَيْبَتِي بهما عنْ فضلِ مَنْ ذَكَرَنِي بهما وَابْتَدَأَنِي بِإِعْطَائِهِمَ ا مِنْ غيرِ تَقَدُّمِ سَبَبٍ مِنِّي يُوجِبُ ذَلِكَ.
    فهوَ لا يَشْهَدُ غَيْرَ فضلِ مولاهُ وَسَبْقِ مِنَّتِهِ وَدَوَامِهَا، فَيُثِيبُهُ مَوْلاهُ على هذهِ الشهادةِ العاليَةِ بحقيقةِ الفقرِ الأوسطِ بينَ الفقرَيْنِ الأَدْنَى والأَعْلَى ثَوَابَيْنِ:
    - أحدُهُمَا: الخلاصُ منْ رؤيَةِ الأعمالِ، حيثُ كانَ يَرَاهَا وَيَتَمَدَّحُ بِهَا وَيَسْتَكْثِرُه َا، فَيَسْتَغْرِقُ بِمُطَالَعَةِ الفضلِ غَائِباً عنها ذَاهِباً عنها فَانِياً عنْ رُؤْيَتِهَا.
    - الثوابُ الثاني: أنْ يَقْطَعَهُ عنْ شهودِ الأحوالِ – أيْ: عنْ شهودِ نفسِهِ فيها مُتَكَثِّرَةً بِهَا – فإنَّ الحالَ مَحَلُّهُ الصدرُ، والصدرُ بيتُ القلبِ والنفسِ، فإذا نَزَلَ العطاءُ في الصدرِ للقلبِ وَثَبَتِ النفسُ لِتَأْخُذَ نَصِيبَهَا من العطاءِ فَتَتَمَدَّحُ بهِ وتُدِلُّ بهِ وَتَزْهُو وَتَسْتَطِيلُ وَتُقَرِّرُ إِنِّيَّتَهَا؛ لأَنَّهَا جاهلةٌ ظالمةٌ، وهذا مُقْتَضَى الجهلِ والظلمِ.
    فإذا وَصَلَ إلى القلبِ نُورُ صفةِ المِنَّةِ، وشَهِدَ مَعْنَى اسْمِهِ (( المَنَّانِ ))، وَتَجَلَّى سبحانَهُ على قلبِ عَبْدِهِ بهذا الاسمِ معَ اسمِهِ (( الأوَّلِ )) ذَهَلَ القلبُ والنفسُ بهِ، وصارَ العبدُ فقيراً إلى مولاهُ بمطالعةِ سَبْقِ فضلِهِ الأوَّلِ، فصارَ مَقْطُوعاً عنْ شهودِ أمرٍ أوْ حالٍ يَنْسُبُهُ إلى نفسِهِ بحيثُ يكونُ بشهادتِهِ لحالِهِ مَفْصُوماً مَقْطُوعاً عَنْ رُؤْيَةَ عِزَّةِ مولاهُ وَفَاطِرِهِ وملاحظةَ صفاتِهِ.
    فَصَاحِبُ شُهُودِ الأحوالِ مُنْقَطِعٌ عنْ رؤيَةِ مِنَّةِ خالقِهِ وفضلِهِ ومشاهدةِ سَبْقِ الأَوَّلِيَّةِ للأسبابِ كلِّهَا، وَغَائِبٌ بمشاهدةِ عِزَّةِ نَفْسِهِ عنْ عزَّةِ مولاهُ، فَيَنْعَكِسُ هذا الأمرُ في حقِّ هذا العبدِ الفقيرِ وَتَشْغَلُهُ رُؤْيَةُ عِزَّةِ مَوْلاهُ وَمِنَّتِهِ، ومشاهدةُ سَبْقِهِ بِالأَوَّلِيَّة ِ عنْ حالٍ يَعْتَزُّ بِهَا العبدُ أوْ يَشْرُفُ بها)([12]).


    (وَ[النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] أَرْشَدَ مَنْ بُلِيَ بشيءٍ منْ وسوسةِ التَّسَلْسُلِ في الفَاعِلِينَ، إذا قِيلَ لهُ: هذا اللهُ خَلَقَ الخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ أَنْ يَقْرَأَ: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)} [الحديد: 3].
    وكذلكَ قالَ ابنُ عَبَّاسٍ لأبي زُمَيْلٍ سِمَاكِ بنِ الوليدِ الحَنَفِيِّ وَقَدْ سَأَلَهُ: ما شَيْءٌ أَجِدُهُ في صَدْرِي؟ قال: ما هوَ؟ قالَ: قُلْتُ: واللهِ لا أَتَكَلَّمُ بهِ. قالَ: فقالَ لي: أَشَيْءٌ مِنْ شَكٍّ؟ قُلْتُ: بَلَى، فقالَ لي: مَا نَجَا منْ ذلكَ أَحَدٌ حتَّى أَنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} [يونس: 94]، قالَ: فقالَ لي: فإذا وَجَدْتَ في نَفْسِكَ شيئاً، فَقُلْ: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)} [الحديد: 3]
    فَأَرْشَدَهُم بهذهِ الآيَةِ إلى بُطْلانِ التسلسلِ الباطلِ بِبَدِيهَةِ العقلِ، وأنَّ سلسلةَ المخلوقاتِ في ابْتِدَائِهَا تَنْتَهِي إلى أَوَّلٍ ليسَ قبلَهُ شَيْءٌ، كما تَنْتَهِي في آخرِهَا إلى آخِرٍ ليسَ بَعْدَهُ شيءٌ، كما أنَّ ظُهُورَهُ هُوَ العُلُوُّ الذي ليسَ فوقَهُ شيءٌ، وبطونَهُ هوَ الإحاطةُ التي لا يكونُ دُونَهُ فيها شيءٌ، ولوْ كانَ قَبْلَهُ شيءٌ يكونُ مُؤَثِّراً فيهِ، لكانَ ذلكَ هوَ الربَّ الخلاَّقَ، ولا بُدَّ أنْ يَنْتَهِيَ الأمرُ إلى خالقٍ غيرِ مخلوقٍ، وغَنِيٍّ عنْ غَيْرِهِ، وكلُّ شَيْءٍ فقيرٌ إليهِ، قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وكلُّ شَيْءٍ قائمٌ بهِ، موجودٌ بِذَاتِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ موجودٌ بهِ، قديمٌ، لا أَوَّلَ لهُ، وكلُّ ما سِوَاهُ فَوُجُودُهُ بَعْدَ عَدَمِهِ، بَاقٍ بِـذَاتِهِ، وَبَقَـاءُ كلِّ شـيءٍ بهِ، فـهـوَ الأوَّلُ الذي لَيْـسَ قبلَهُ شيءٌ، والآخِرُ الذي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، الظاهرُ الذي ليسَ فوقَهُ شيءٌ، الباطنُ الذي ليسَ دونَهُ شيءٌ.
    وقالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولَ قَائِلُهُمْ: هَذَا اللهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ)). وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)} [الأعراف: 200])
    [المرتبع الأسنى]

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم

    قال ابن القيم
    ومن أسمائه (
    (العَـظِــيمُ):

    (وهوَ (( العظيمُ )) الذي لهُ العظمةُ، كما في الصحيحِ عنهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: العَظَمَةُ إِزَارِي وَالْكِبْرِيَاء ُ رِدَائِي)) .
    (والعظمةُ: عظمةُ قَدْرِهِ ذَاتاً وَوَصْفاً).
    (وكلُّ موصوفٍ فَصِفَتُهُ بِحَسَبِهِ؛ فَعِظَمُ الذاتِ شَيْءٌ، وعِظَمُ صِفَاتِهَا شَيْءٌ، وعِظَمُ القَوْلِ شيءٌ، وعِظَمُ الفعلِ شيءٌ، والربُّ تَعَالَى لَهُ العظمةُ بكلِّ اعتبارٍ وكلِّ وجهٍ بذاتِهِ) [و](أهلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ للهِ - سبحانَهُ - … العظمةَ الذاتيَّةَ والمعنويَّةَ).
    [فهوَ - تَعَالَى -](أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ... في ذاتِهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ)(

    (وَهُوَ العَظِيمُ بكلِّ مَعْنًى يُوجِبُ الْـ = ـتَعْظِيمَ لا يُحْصِيهِ مِنْ إِنْسَانِ)

    [و] (اسمُ (( العظيمِ )) لَهُ لوازمُ يُنْكِرُهَا مَنْ لم يَعْرِفْ عَظَمَةَ اللهِ ولوازمَهَا).
    . [المرتبع الأسنى]

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    250

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    جزاك الله خيرا
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف
    ( صل من قطعك

    وأحسن إلى من أساء إليك

    وقل الحقّ ولو على نفسك )

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة المجلسي الشنقيطي مشاهدة المشاركة
    جزاك الله خيرا
    بارك الله فيك وجزاك الله خيرا أخى الفاضل المجلسي الشنقيطي

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    قال ابن القيم رحمه الله
    ((الحَمِيدُ))... هوَ الذي لهُ الحمدُ كُلُّهُ) (فالحميدُ " فَعِيلٌ " من الحمدِ، وهوَ بِمَعْنَى " مَحْمُودٍ ". وأكثرُ ما يَأْتِي " فَعِيلٌ " في أسمائِهِ تَعَالَى بِمَعْنَى " فاعِلٍ " كَسَمِيعٍ، وبَصِيرٍ، وعَلِيمٍ، وقَدِيرٍ، وعَلِيٍّ، وحَكِيمٍ، وحَلِيمٍ، وهوَ كَثِيرٌ.
    وكذلكَ " فَعُولٌ " كَغَفُورٍ، وشكورٍ، وصبورٍ...
    وأمَّا (( الحَمِيدُ )) فلم يَأْتِ إلاَّ بِمَعْنَى المحمودِ، وهوَ أَبْلَغُ من المحمودِ؛ فإنَّ " فَعِيلاً " إِذَا عُدِلَ بهِ عنْ " مفعولٍ " دَلَّ على أنَّ تلكَ الصفةَ قدْ صَارَتْ مِثْلَ السَّجِيَّةِ الغَرِيزِيَّةِ والخُلُقِ اللازمِ، كما إذا قُلْتَ: فُلانٌ ظَرِيفٌ أوْ شَرِيفٌ أوْ كريمٌ.
    ولهذا يكونُ هذا البناءُ غَالِباً مِنْ " فَعُلَ " بوزنِ شَرُفَ، وهذا البناءُ منْ أَبْنِيَةِ الغرائزِ والسَّجَايَا اللازمةِ كَكَبُرَ وصَغُرَ وحَسُنَ ولَطُفَ ونحوِ ذلكَ. ولهذا كانَ حَبِيبٌ أَبْلَغَ منْ مَحْبُوبٍ؛ لأنَّ المحبوبَ هوَ الذي حَصَلَتْ فيهِ الصِّفَاتُ والأفعالُ التي يُحَبُّ لأَجْلِهَا. فهوَ حَبِيبٌ في نفسِهِ وإنْ قُدِّرَ أنَّ غيرَهُ لا يُحِبُّهُ لِعَدَمِ شُعُورِهِ بِهِ أوْ لِمَانِعٍ مَنَعَهُ منْ حُبِّهِ، وَأَمَّا المحبوبُ فهوَ الذي تَعَلَّقَ بهِ حُبُّ المُحِبِّ، فَصَارَ مَحْبُوباً بِحُبِّ الغَيْرِ لهُ، وأمَّا الحبيبُ فهوَ حَبِيبٌ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ تَعَلَّقَ بهِ حُبُّ الغيرِ أوْ لمْ يَتَعَلَّقْ. وهكذا الحميدُ والمحمودُ.
    فـالحميدُ: الذي لهُ من الصِّفَاتِ وأسبابِ الحمدِ ما يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ محموداً وإنْ لم يَحْمَدْهُ غَيْرُهُ، فهوَ حَمِيدٌ في نفسِهِ، والمحمودُ مَنْ تَعَلَّقَ بهِ حمدُ الحَامِدِينَ، وهكذا المَجِيدُ والمُمَجَّدُ، والكبيرُ والمُكَبَّرُ، والعظيمُ والمُعَظَّمُ.
    والحَمْدُ والمَجْدُ إليهما يَرْجِعُ الكمالُ كلُّهُ؛ فإنَّ الحمدَ يَسْتَلْزِمُ الثناءَ والمَحَبَّةَ للمحمودِ، فَمَنْ أَحْبَبْتَهُ ولم تُثْنِ عَلَيْهِ، لم تَكُنْ حَامِداً لهُ، وكذا مَنْ أَثْنَيْتَ عليهِ لِغَرَضٍ ما، ولم تُحِبَّهُ لمْ تَكُنْ حَامِداً لهُ، حتَّى تَكُونَ مُثْنِياً عليهِ مُحِبًّا.
    وهذا الثَّنَاءُ والحُبُّ تَبَعٌ للأسبابِ المُقْتَضِيَةِ لهُ، وهوَ ما عليهِ المحمودُ منْ صفاتِ الكمالِ ونعوتِ الجلالِ والإحسانِ إلى الغيرِ؛ فإنَّ هذهِ هيَ أسبابُ المَحَبَّةِ، وَكُلَّمَا كانتْ هذهِ الصِّفَاتُ أَجْمَعَ وأَكْمَلَ كانَ الحمدُ والحُبُّ أَتَمَّ وَأَعْظَمَ، واللهُ سُبْحَانَهُ لهُ الكمالُ المطلقُ الذي لا نَقْصَ فيهِ بوجهٍ ما، والإحسانُ كُلُّهُ لهُ وَمِنْهُ. فهوَ أحقُّ بكلِّ حمدٍ، وبكلِّ حُبٍّ منْ كلِّ جهةٍ؛ فهوَ أَهْلٌ أنْ يُحَبَّ لذاتِهِ ولصفاتِهِ ولأفعالِهِ ولأسمائِهِ ولإحسانِهِ ولكلِّ ما صَدَرَ منهُ سُبْحَانَهُ).
    (واللهُ سُبْحَانَهُ افْتَتَحَ الخَلْقَ بالحمدِ وخَتَمَ أمرَ هذا العالَمِ بالحَمْدِ فقالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأنعام: 1]، وقالَ: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)} [الزمر: 75].
    وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ بالحَمْدِ، وَشَرَعَ دِينَهُ بالحمدِ، وَأَوْجَبَ ثَوَابَهُ وَعِقَابَهُ بالحمدِ، فَحَمْدُهُ منْ لوازمِ ذاتِهِ؛ إذْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ إلاَّ مَحْمُوداً.
    فالحمدُ سَبَبُ الخلقِ وغايتُهُ، بالحمدِ أَوْجَدَهُ، وللحمدِ وُجِدَ، فَحَمْدُهُ وَاسِعٌ لِمَا وَسِعَ عِلْمُهُ وَرَحْمَتُهُ، وَقَدْ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً، فَلَمْ يُوجِدْ شَيْئاً ولم يُقَدِّرْهُ ولم يَشْرَعْهُ إلاَّ بحمدِهِ ولحمدِهِ، وكلُّ ما خَلَقَهُ وشَرَعَهُ فهوَ مُتَضَمِّنٌ للغاياتِ الحميدةِ... ولهذا مَلأَ حَمْدُهُ سَمَاواتِهِ وَأَرْضَهُ وَمَا بَيْنَهُمَا وما شاءَ منْ شيءٍ بَعْدُ مِمَّا خَلَقَهُ وَيَخْلُقُهُ بَعْدَ هذا الخلقِ، فَحَمْدُهُ مَلأَ ذلكَ كُلَّهُ.
    وَحَمْدُهُ تَعَالَى أَنْوَاعٌ:
    - حَمْدٌ على رُبُوبِيَّتِهِ.
    - وحَمْدٌ على تَفَرُّدِهِ بِهَا.
    - وَحَمْدٌ على أُلُوهِيَّتِهِ وَتَفَرُّدِهِ.
    - وحَمْدٌ على نِعْمَتِهِ.
    - وحَمْدٌ على مِنَّتِهِ.
    - وحَمْدٌ على حِكْمَتِهِ.
    - وحَمْدٌ على عَدْلِهِ في خَلْقِهِ.
    - وحَمْدٌ على غِنَاهُ عنْ إِيجَادِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ والولِيِّ من الذُّلِّ.
    - وحَمْدٌ على كَمَالِهِ الذي لا يَلِيقُ بغيرِهِ.
    فهوَ محمودٌ على كلِّ حالٍ، وفي كلِّ آنٍ ونَفَسٍ، وعلى كلِّ ما فَعَلَ، وكلِّ ما شَرَعَ، وعلى كلِّ ما هوَ مُتَّصِفٌ بهِ، وعلى كلِّ ما هوَ مُنَـزَّهٌ عنهُ، وعلى كلِّ ما في الوجودِ منْ خيرٍ وشرٍّ، وَلَذَّةٍ وَأَلَمٍ، وَعَافِيَةٍ وَبَلاءٍ.
    فَكَمَا أَنَّ المُلْكَ كُلَّهُ لَهُ، والقدرةَ كُلَّهَا لَهُ، والعِزَّةَ كُلَّهَا لَهُ، والعلمَ كلَّهُ لهُ، والجمالَ كلَّهُ لهُ، والحمدَ كلَّهُ لهُ كما في الدعاءِ المأثورِ: ((اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، وَلَكَ المُلْكُ، وَبِيَدِكَ الخَيْرُ كُلُّهُ، وَإِلَيْكَ يَرْجِعُ الأَمْرُ كُلُّهُ، وَأَنْتَ أَهْلٌ لأَنْ تُحْمَدَ)).
    وما عَمَرَت الدنيا إلاَّ بحمدِهِ، ولا الجنَّةُ إلاَّ بحمدِهِ، ولا النارُ إلاَّ بحمدِهِ، حتَّى إنَّ أَهْلَهَا لَيَحْمَدُونَهُ ، كما قالَ الحسنُ: ( لقدْ دَخَلَ أهلُ النارِ النارَ وإنَّ قُلُوبَهُم لَتَحْمَدُهُ مَا وَجَدُوا عليهِ منْ حُجَّةٍ ولا سَبِيلٍ)([4]).
    ([فـ]الحمدُ هوَ الأصلُ الجامعُ لذلكَ كُلِّهِ، فهوَ عقدُ نظامِ الخلقِ والأمرِ، والربُّ تَعَالَى لهُ الحمدُ كُلُّهُ بِجَمِيعِ وُجُوهِهِ وَاعْتِبَارَاتِ هِ وتَصَارِيفِهِ.
    فما خَلَقَ شيئاً ولا حَكَمَ بشيءٍ إلاَّ ولهُ فيهِ الحمدُ، فَوَصَلَ حمدُهُ إلى حيثُ وَصَلَ خلقُهُ وأمرُهُ, حمداً حقيقيًّا يَتَضَمَّنُ: مَحَبَّتَهُ، وَالرِّضَا بهِ، والثناءَ عليهِ، والإقرارَ بحكمتِهِ البالغةِ في كلِّ ما خَلَقَهُ وأَمَرَ بهِ)([5]).

    إثباتِ الحمدِ كُلِّهِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ.
    ( الحمدُ كلُّهُ للهِ رَبِّ العالمِينَ؛ فَإِنَّهُ المحمودُ على ما خَلَقَهُ وأَمَرَ بهِ وَنَهَى عنهُ …
    [و] كلُّ ذَرَّةٍ مِنْ ذَرَّاتِ الكونِ شاهدةٌ بحمدِهِ [سُبحانَهُ]، ولهذا سَبَّحَ بحمدِهِ السَّمَاواتُ السبعُ والأرضُ ومَنْ فِيهِنَّ {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44]، وكانَ في قولِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عندَ الاعتدالِ من الركوعِ: " رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ ".
    فَلَهُ سُبْحَانَهُ الحَمْدُ حَمْداً يَمْلأُ المَخْلُوقَاتِ والفضاءَ الذي بَيْنَ السماواتِ والأرضِ، وَيَمْلأُ ما يُقَدَّرُ بعدَ ذلكَ مِمَّا يَشَاءُ اللهُ أنْ يَمْلأَ بِحَمْدِهِ، وذاكَ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ:
    - أحدُهُمَا: أنْ يَمْلأَ ما يَخْلُقُهُ اللهُ بعدَ السَّمَاواتِ والأرضِ، والمَعْنَى أنَّ الحمدَ مِلْءُ ما خَلَقْتَهُ، وَمِلْءُ مَا تَخْلُقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
    - الثاني: أنْ يكونَ المَعْنَى: مِلْءَ ما شِئْتَ منْ شَيْءٍ [بَعْدُ] يَمْلأُهُ حَمْدُكَ، أَيْ: يُقَدَّرُ مَمْلُوءاً بِحَمْدِكَ وإنْ لمْ يكُنْ مَوْجُوداً.
    ولكنْ قدْ يُقَالُ: المَعْنَى الأوَّلُ أَقْوَى؛ لأنَّ قولَهُ: ((مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)) يَقْتَضِي أنَّهُ شَيْءٌ يَشَاؤُهُ، وما شاءَ كانَ، والمشيئةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِعَيْنِهِ لا بمُجَرَّدِ ملءِ الحمدِ لهُ. فَتَأَمَّلْهُ.
    لكنَّهُ إذا شاءَ كَوْنَهُ فَلَهُ الحمدُ مِلأَهُ، فالمشيئةُ راجعةٌ إلى المملوءِ بالحمدِ، فلا بُدَّ أنْ يَكُونَ شَيْئاً مَوْجُوداً يَمْلؤُهُ حَمْدُهُ.
    وأيضاً: فإنَّ قولَهُ: ((مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)) يَقْتَضِي أنَّهُ شيءٌ يَشَاؤُهُ سبحانَهُ بعدَ هذهِ المخلوقاتِ، كما يَخْلُقُهُ بعدَ ذلكَ منْ مخلوقاتِهِ من القيامةِ وما بعدَهَا. ولوْ أُرِيدَ تَقْدِيرُ خَلْقِهِ لَقِيلَ: وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ مَعَ ذلكَ؛ لأنَّ المُقَدَّرَ يكونُ معَ المُحَقَّقِ.
    وأيضاً: فإنَّهُ لمْ يَقُلْ: مِلْءَ ما شِئْتَ أَنْ يَمْلأَهُ الحمدُ، بلْ قالَ: ما شِئْتَ، والعبدُ قدْ حَمِدَ حَمْداً أَخْبَرَ بهِ، وإنَّ ثَنَاءَهُ وَوَصْفَهُ بِأَنَّهُ يَمْلأُ مَا خَلَقَهُ الربُّ سُبْحَانَهُ وَمَا يَشَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ.
    وأيضاً: فقولُهُ: ((وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)) يَقْتَضِي إِثْبَاتَ مَشِيئَةٍ تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ بَعْدَ ذلكَ.
    وعلى الوجهِ الثاني قدْ تَتَعَلَّقُ المشيئةُ بملءِ المُقَدَّرِ، وقدْ لا تَتَعَلَّقُ.
    وأيضاً: فإذا قِيلَ: " مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ ذلِكَ " كانَ الحمدُ مَالِئاً لِمَا هوَ موجودٌ يَشَاؤُهُ الربُّ دائماً، ولا رَيْبَ أنَّ لهُ الحمدَ دَائِماً في الأُولَى والآخرةِ، وأمَّا إذا قُدِّرَ ما يَمْلَؤُهُ الحمدُ وهوَ غيرُ موجودٍ، فَالمُقَدَّرَات ُ لا حَدَّ لها، وما مِنْ شيءٍ منها إلاَّ يُمْكِنُ تقديرُ شيءٍ بَعْدَهُ، وَتَقْدِيرُ ما لا نهايَةَ لهُ كَتَقْدِيرِ الأعدادِ.
    ولوْ أُرِيدَ هذا المَعْنَى لم يَحْتَجْ إلى تعليقِهِ بالمشيئةِ، بلْ قِيلَ: " مِلْءَ مَا لا يَتَنَاهَى "، فأَمَّا ما يَشَاؤُهُ الربُّ تَعَالَى فلا يكونُ إلاَّ مَوْجُوداً مُقَدَّراً، وإنْ كانَ لا آخرَ لنوعِ الحوادثِ وبقاءِ ما يَبْقَى منها، فهذا كلُّهُ مِمَّا يَشَاؤُهُ بَعْدُ.
    وأيضاً: فالحمدُ هوَ الإخبارُ بِمَحَاسِنِ المحمودِ على وَجْهِ الحُبِّ لهُ، ومحاسِنُ المحمودِ تَعَالَى إمَّا قَائِمَةٌ بذاتِهِ، وإمَّا ظاهرةٌ في مخلوقاتِهِ، فأمَّا المعدومُ المَحْضُ الذي لمْ يُخْلَقْ ولا خُلِقَ قطُّ فَذَاكَ لَيْسَ فيهِ مَحَاسِنُ ولا غيرُهَا، فلا مَحَامِدَ فيهِ الْبَتَّةَ.
    فـ (( الحمدُ للهِ )) الذي يَمْلأُ المخلوقاتِ ما وُجِدَ منها وما يُوجَدُ، هوَ حَمْدٌ يَتَضَمَّنُ الثناءَ عليهِ بكمالِهِ القائمِ بذاتِهِ والمحاسنِ الظاهرةِ في مخلوقاتِهِ، وأمَّا ما لا وُجُودَ لهُ فلا مَحَامِدَ منهُ ولا مَذَامَّ؛ فَجَعَلَ الحمدَ مَالِئاً لِمَا لا حقيقةَ لهُ.
    وقد اخْتَلَفَ الناسُ في معنَى كونِ حمدِهِ يَمْلأُ السَّمَاواتِ والأرضَ وما بينَهُمَا:
    فقالَ طائفةٌ: هذا على جهةِ التمثيلِ: أيْ: لوْ كانَ أَجْسَاماً لَمَلأَ السَّمَاواتِ والأرضَ وما بَيْنَهُمَا. قَالُوا: فإنَّ الحمدَ مِنْ قَبِيلِ المعاني والأعراضِ التي لا تُمْلأُ بها الأجسامُ، ولا تُمْلأُ الأجسامُ إلاَّ بالأجسامِ.
    والصوابُ أنَّهُ لا يُحْتَاجُ إلى هذا التَّكَلُّفِ الباردِ؛ فإنَّ مِلْءَ كلِّ شيءٍ يكونُ بِحَسَبِ المالِئِ وَالمَمْلُوءِ، فإذا قِيلَ: امْتَلأَ الإناءُ مَاءً، وَامْتَلأَت الجَفْنَةُ طَعَاماً؛ فهذا الامتلاءُ نوعٌ.
    - وإذا قِيلَ: امْتَلأَت الدارُ رِجَالاً، وَامْتَلأَت المدينةُ خَيْلاً وَرِجَالاً؛ فهذا نوعٌ آخَرُ.
    - وإذا قِيلَ: امْتَلأَ الكتابُ سُطُوراً؛ فهذا نوعٌ آخرُ.
    - وإذا قِيلَ: امْتَلأَتْ مَسَامِعُ الناسِ حَمْداً أوْ ذَمًّا لفُلانٍ؛ فهذا نوعٌ آخَرُ، كما في أَثَرٍ معروفٍ: " أَهْلُ الجنَّةِ مَن امْتَلأَتْ مَسَامِعُهُ مِنْ ثَنَاءِ الناسِ عليهِ، وأهلُ النارِ مَن امْتَلأَتْ مَسَامِعُهُ منْ ذَمِّ الناسِ لهُ " . وقالَ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ في عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: كُنَيَّفٌ مُلِئَ عِلْماً. وَيُقَالُ: فلانٌ عِلْمُهُ قدْ مَلأَ الدنيا. وكانَ يُقَالُ: مَلأَ ابنُ أبي الدُّنْيَا الدُّنْيَا عِلْماً. وَيُقَالُ: صِيتُ فلانٍ قدْ مَلأَ الدُّنْيَا وَضَيَّقَ الآفَاقَ، وَحُبُّهُ قَدْ مَلأَ القلوبَ، وَبُغْضُ فلانٍ قدْ مَلأَ القلوبَ، وَامْتَلأَ قلبُهُ رُعْباً، وهذا أكثرُ مِنْ أَنْ تُسْتَوْعَبَ شَوَاهِدُهُ، وهوَ حَقِيقَةٌ في بابِهِ.
    وجَعْلُ المِلْءِ والامتلاءِ حقيقةً للأجسامِ خاصَّةً تَحَكُّمٌ باطلٌ ودَعْوَى لا دليلَ عليها الْبتَّةَ، والأصلُ الحقيقةُ الواحدةُ، والاشتراكُ المَعْنَوِيُّ هوَ الغالِبُ على اللُّغَةِ والأفهامِ والاستعمالِ، فالمصيرُ إليهِ أَوْلَى من المَجَازِ والاشتراكِ اللَّفْظِيِّ، وليسَ هذا مَوْضِعَ تَقْرِيرِ هذهِ المسْأَلَةِ...
    فإذا قِيلَ: " الحَمْدُ كُلُّهُ للهِ "، فهذا لهُ مَعْنَيَانِ:
    - أحدُهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُودٌ على كلِّ شيءٍ، وبكلِّ ما يُحْمَدُ بهِ المحمودُ التامُّ؛ وإنْ كانَ بَعْضُ خَلْقِهِ يُحْمَدُ أَيْضاً – كَمَا يُحْمَدُ رُسُلُهُ وَأَنْبِيَاؤُهُ وَأَتْبَاعُهُم – فذلكَ مِنْ حَمْدِهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى، بلْ هوَ المحمودُ بالقصدِ الأوَّلِ وبالذَّاتِ، وما نَالُوهُ من الحمدِ فَإِنَّمَا نَالُوهُ بحمدِهِ، فهوَ المحمودُ أوَّلاً وَآخِراً وظاهِراً وباطِناً.
    وهذا كَمَا أنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عليمٌ، وقدْ عَلَّمَ غَيْرَهُ منْ عِلْمِهِ ما لمْ يكُنْ يَعْلَمُهُ بدونِ تعليمِهِ، وفي الدعاءِ المأثورِ: ((اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كُلُّهُ، وَلَكَ المُلْكُ كُلُّهُ، وَبِيَدِكَ الخَيْرُ كُلُّهُ، وَإِلَيْكَ يَرْجِعُ الأَمْرُ كُلُّهُ؛ أَسْأَلُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ)).
    وهوَ سبحانَهُ لهُ المُلْكُ، وقدْ آتَى مِنْ مُلْكِهِ بَعْضَ خَلْقِهِ، ولهُ الحمدُ، وقدْ آتَى غَيْرَهُ من الحمدِ ما شَاءَ، وكما أنَّ مُلْكَ المخلوقِ دَاخِلٌ في مُلكِهِ، فحمدُهُ أيضاً داخلٌ في حمدِهِ، فما مِنْ محمودٍ يُحْمَدُ على شيءٍ مِمَّا دَقَّ أوْ جَلَّ إلاَّ واللهُ المحمودُ عليهِ بالذَّاتِ والأَوَّلِيَّةِ والأَوْلَوِيَّة ِ أيضاً، وإذا قالَ الحامدُ: " اللهُمَّ لَكَ الحَمْدُ " فالمرادُ بهِ أَنْتَ المُسْتَحِقُّ لكلِّ حمدٍ، ليسَ المرادُ بهِ الحمدَ الخارجيَّ فَقَطْ.
    - المعنَى الثانِي: أنْ يُقالَ: " لكَ الحمدُ كلُّهُ "؛ أي: الحَمْدُ التامُّ الكاملُ، فهذا مُخْتَصٌّ باللهِ عزَّ وجلَّ لَيْسَ لِغَيْرِهِ فيهِ شَرِكةٌ.
    والتحقيقُ أنَّ لهُ الحمدَ بالمَعْنَيَيْنِ جَمِيعاً، فَلَهُ عُمُومُ الحمدِ وَكَمَالُهُ، وهذا مِنْ خَصَائِصِهِ سُبْحَانَهُ؛ فهوَ المحمودُ على كلِّ حالٍ وعلى كلِّ شيءٍ أَكْمَلَ حَمْدٍ وَأَعْظَمَهُ، كما أنَّ لهُ المُلْكَ التامَّ العامَّ، فَلا يَمْلُكُ كُلَّ شَيْءٍ إلاَّ هوَ، وليسَ الملكُ التامُّ الكاملُ إلاَّ لهُ.
    وَأَتْبَاعُ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللهِ وسلامُهُ عليهم يُثْبِتُونَ لهُ كمالَ المُلْكِ وكمالَ الحمدِ، فَإِنَّهُم يَقُولُونَ: إنَّهُ خَالِقُ كلِّ شيءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ، لا يَخْرُجُ عنْ خَلْقِهِ وقُدْرتِهِ ومشيئتِهِ شيءٌ الْبتَّةَ، فلهُ المُلْكُ كُلُّهُ)([9]).
    (وهوَ الحميدُ فكلُّ حَمْدٍ واقِعٌ = أوْ كانَ مَفْرُوضاً مَدَى الأزمانِ
    مَلأَ الوجودَ جميعَهُ ونظيرَهُ = من غيرِ ما عَدٍّ ولا حُسْبَانِ
    هوَ أَهْلُهُ سبحانَهُ وبحمدِهِ = كلُّ المحامدِ وَصْفُ ذي الإحسانِ)

    ومِنْ تمامِ حمدِهِ تَسْبِيحُهُ وَتَنْـزِيهُهُ عَمَّا وَصَفَهُ بهِ أَعْدَاؤُهُ والجاهلونَ بهِ مِمَّا لا يَلِيقُ بهِ، ((فَكَمَالُ حَمْدِهِ يُوجِبُ أَنْ لا يُنْسَبَ إِلَيْهِ شَرٌّ ولا سُوءٌ ولا نَقْصٌ لا في أسمائِهِ ولا في أفعالِهِ ولا في صفاتِهِ)).
    وكانَ في تَنَوُّعِ تَنْـزِيهِهِ عنْ ذلكَ من العلومِ والمعارفِ وتقريرِ صفاتِ الكمالِ وتكميلِ أنواعِ الحمدِ ما في بيانِ مَحَاسِنِ الشيءِ وكمالِهِ عندَ معرفةِ ما يُضَادُّهُ وَيُخَالِفُهُ، ولهذا كانَ تَسْبِيحُهُ تَعَالَى منْ تَمَامِ حَمْدِهِ، وَحَمْدُهُ منْ تمامِ تَسْبِيحِهِ، ولهذا كانَ التسبيحُ والتحميدُ قُرْبَتَيْنِ؛ فكانَ ما نَسَبَهُ إليهِ أعداؤُهُ والمُعَطِّلُونَ لصفاتِ كمالِهِ منْ عُلُوِّهِ على خلقِهِ وإنزالِهِ كلامَهُ الذي تَكَلَّمَ بهِ على رُسُلِهِ وغيرِ ذلكَ منْ صفاتِ كمالِهِ مُوجِباً لِتَنْـزِيهِ رُسُلِهِ لهُ وَتَسْبِيحِهِم عنْ ذلكَ مِمَّا نَزَّهَ عَنْهُ نَفْسَهُ وَسَبَّحَ بهِ نفسَهُ، فكانَ في ذلكَ ظهورُ حمدِهِ بِخَلْقِهِ، وَتَنَوُّعُ أَسْبَابِهِ، وَكَثْرَةُ شَوَاهِدِهِ، وَسَعَةُ طُرُقِ الثناءِ عليهِ بهِ، وتقريرُ عَظَمَتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ في قلوبِ عبادِهِ، فَلَوْلا مَعْرِفَةُ الأسبابِ التي يُسَبَّحُ وَيُنَـزَّهُ وَيُتَعَالَى عنها وخَلْقُ مَنْ يُضِيفُهَا إليهِ ويَصِفُهُ بها؛ لَمَا قَامَتْ حَقِيقَةُ التسبيحِ، ولا ظَهَرَ لقلوبِ أهلِ الإيمانِ عنْ أيِّ شيءٍ يُسَبِّحُونَهُ وَعَمَّاذا يُنَـزِّهُونَهُ .
    فَلَمَّا رَأَوْا في خَلْقِهِ مَنْ قدْ نَسَبَهُ إلى ما لا يَلِيقُ بهِ، وَجَحَدَ مِنْ كَمَالِهِ ما هوَ أَوْلَى بهِ سَبَّحُوهُ حينئذٍ تَسْبِيحَ مُجِلٍّ لهُ مُعَظِّمٍ لهُ مُنَزِّهٍ لهُ عنْ أمرٍ قدْ نَسَبَهُ إليهِ أعداؤُهُ والمُعَطِّلُونَ لصفاتِهِ.
    ونظيرُ هذا اشتمالُ كلمةِ الإسلامِ وهيَ شهادةُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ على النَّفْيِ والإثباتِ، فكانَ في الإتيانِ بالنَّفْيِ في صَدْرِ هذهِ الكلمةِ منْ تقريرِ الإثباتِ وتحقيقِ معنَى الإِلهيَّةِ وَتَجْرِيدِ التوحيدِ الذي يُقْصَدُ بِنَفْيِ الإِلهيَّةِ عنْ كلِّ ما ادُّعِيَتْ فيهِ سِوَى الإِلَهِ الحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَتَجْرِيدُ هذا التوحيدِ من العقدِ واللسانِ بتَصَوُّرِ إثباتِ الإِلهيَّةِ لغيرِ اللهِ - كما قَالَهُ أعداؤُهُ المشركونَ - وَنَفْيُهُ وإبطالُهُ من القلبِ واللسانِ منْ تمامِ التوحيدِ وكمالِهِ وتقريرِهِ وظهورِ أعلامِهِ ووضوحِ شواهدِهِ، وصِدْقِ براهينِهِ)
    . [المرتبع الأسنى]

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    قال ابن القيم رحمه الله

    (منْ أسمائِهِ الحُسْنَى:
    (( الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ )) ) (فـالرحمنُ الذي الرَّحْمَةُ وَصْفُهُ، والرحيمُ الراحمُ لِعِبَادِهِ، ولهذا يقولُ تَعَالَى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِين َ رَحِيمًا (43)} [الأحزاب: 43]، {بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117)} [التوبة: 117].
    ولمْ يَجِئْ رَحْمَانُ بِعِبَادِهِ، ولا رَحْمَانُ بالمؤمِنِينَ، معَ ما في اسمِ الرحمنِ الذي هوَ على وزنِ فَعْلان منْ سَعَةِ هذا الوصفِ، وثبوتِ جميعِ معناهُ الموصوفِ بهِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُم يقولونَ: غَضْبَانُ، للمُمْتَلِئِ غَضَباً، وَنَدْمَانُ وَحَيْرَانُ وَسَكْرَانُ وَلَهْفَانُ لِمَنْ مُلِئَ بِذَلِكَ، فبناءُ فَعْلان للسَّعَةِ والشمولِ، ولهذا يَقْرِنُ اسْتِوَاءَهُ على العرشِ بهذا الاسمِ كثيراً، كقولِهِ تَعَالَى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 59]، فَاسْتَوَى على عرشِهِ باسمِ الرحمنِ؛ لأنَّ العرشَ مُحِيطٌ بالمخلوقاتِ قدْ وَسِعَهَا، والرحمةَ مُحيطةٌ بالخَلْقِ واسعةٌ لهم، كما قالَ تَعَالَى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]، فاسْتَوَى على أوسعِ المخلوقاتِ بأوسعِ الصِّفَاتِ، فلذلكَ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كلَّ شيءٍ.
    وفي الصحيحِ منْ حديثِ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَمَّا قَضَى اللهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابٍ، فَهُوَ عِنْدَهُ مَوْضُوعٌ عَلَى الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي))، وفي لفظٍ: ((فَهُوَ عِنْدَهُ عَلَى الْعَرْشِ)).

    فَتَأَمَّل اخْتِصَاصَ هذا الكتابِ بِذِكْرِ الرحمةِ، وَوَضْعَهُ عِنْدَهُ على العرشِ، وَطَابِقْ بينَ ذلكَ وبينَ قولِهِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5] وقولِهِ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 59]، يَنْفَتِحْ لكَ بابٌ عظيمٌ منْ معرفةِ الربِّ تَبَارَكَ وتَعَالَى، إنْ لمْ يُغْلِقْهُ عنكَ التعطيلُ والتَّجَهُّمُ) (وَ... انْظُرْ إلى ما في الوجودِ منْ آثارِ رَحْمَتِهِ الخاصَّةِ والعامَّةِ، فَبِرَحْمَتِهِ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا كِتَابَهُ وَعَصَمَنَا مِن الجَهالةِ، وَهَدَانَا من الضلالةِ، وَبَصَّرَنَا من العَمَى، وَأَرْشَدَنَا مِن الغَيِّ، وبرحمتِهِ عَرَّفَنَا منْ أسمائِهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ ما عَرَّفَنَا بهِ أنَّهُ رَبُّنَا وَمَوْلانَا، وَبِرَحْمَتِهِ عَلَّمَنَا مَا لمْ نَكُنْ نَعْلَمُ، وَأَرْشَدَنَا لِمَصَالِحِ دِينِنَا وَدُنْيَانَا، وَبِرَحْمَتِهِ أَطْلَعَ الشمسَ والقمرَ، وجعلَ الليلَ والنهارَ، وبَسَطَ الأرضَ، وَجَعَلَهَا مِهَاداً وَفِرَاشاً، وَقَرَاراً، وَكِفَاتاً للأحياءِ والأمواتِ، وَبِرَحْمَتِهِ أَنْشَأَ السحابَ وأَمْطَرَ المَطَرَ، وأَطْلَعَ الفواكِهَ والأقواتَ والمَرْعَى، ومِنْ رَحْمَتِهِ سَخَّرَ لنا الخيلَ والإبلَ والأنعامَ وَذلَّلَهَا مُنْقَادَةً للركوبِ والحمْلِ والأكلِ والدَّرِّ، وَبِرَحْمَتِهِ وَضَعَ الرحمةَ بينَ عبادِهِ لِيَتَرَاحَمُوا بها، وكذلكَ بَيْنَ سَائِرِ أنواعِ الحيوانِ.

    فهذا التَّرَاحُمُ الذي بَيْنَهُم بعضُ آثارِ الرحمةِ التي هيَ صِفَتُهُ وَنِعْمَتُهُ، واشْتَقَّ لِنَفْسِهِ منها اسمَ الرحمنِ الرحيمِ، وَأَوْصَلَ إلى خلقِهِ مَعَانِيَ خِطَابِهِ بِرَحْمَتِهِ، وَبَصَّرَهُم وَمَكَّنَ لهم أسبابَ مَصَالِحِهِم بِرَحْمَتِهِ.

    وَأَوْسَعُ المخلوقاتِ عَرْشُهُ، وَأَوْسَعُ الصِّفَاتِ رَحْمَتُهُ، فَاسْتَوَى على عرشِهِ الذي وَسِعَ المخلوقاتِ بِصِفَةِ رحمتِهِ التي وَسِعَتْ كلَّ شيءٍ، وَلَمَّا اسْتَوَى على عرشِهِ بهذا الاسمِ الذي اشْتَقَّهُ منْ صِفَتِهِ وَتَسَمَّى بهِ دُونَ خَلْقِهِ، كَتَبَ بِمُقْتَضَاهُ على نفسِهِ يومَ استوائِهِ على عرشِهِ حينَ قَضَى الخلقَ كتاباً، فهوَ عندَهُ وَضَعَهُ على عرشِهِ: ((أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ))، وكانَ هذا الكتابُ العظيمُ الشَّأْنِ كالعهدِ منهُ سبحانَهُ للخليقةِ كُلِّهَا بالرحمةِ لهم والعفوِ عنهم، والمَغْفِرَةِ والتَّجَاوُزِ والسَّتْرِ والإِمهالِ والحِلمِ والأناةِ، فكانَ قِيَامُ العالمِ العُلْوِيِّ والسفليِّ بِمَضْمُونِ هذا الكتابِ الذي لَوْلاهُ لكانَ للخلقِ شَأْنٌ آخرُ، وكانَ عنْ صِفَةِ الرحمةِ الجنةُ وَسُكَّانُها وَأَعْمَالُهُم، فَبِرَحْمَتِهِ خُلِقَتْ، وَبِرَحْمَتِهِ عَمَرَتْ بِأَهْلِهَا، وَبِرَحْمَتِهِ وَصَلُوا إليهِ، وَبِرَحْمَتِهِ طَابَ عَيْشُهُم فيها، وَبِرَحْمَتِهِ احْتَجَبَ عنْ خلقِهِ بالنورِ، ولوْ كَشَفَ ذلكَ الحِجَابَ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ ما انْتَهَى إليهِ بصرُهُ منْ خلقِهِ، ومِنْ رحمتِهِ أنَّهُ يُعِيذُ مِنْ سَخَطِهِ بِرِضَاهُ، وَمِنْ عُقُوبَتِهِ بِعَفْوِهِ، وَمِنْ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ، ومِنْ رَحْمَتِهِ أنْ خَلَقَ للذَّكَرِ من الحيوانِ أُنْثَى مِنْ جِنْسِهِ، وأَلْقَى بينَهُمَا المَحَبَّةَ والرحمةَ لِيَقَعَ بينَهُمَا التواصلُ الذي بهِ دوامُ التناسلِ وانتفاعُ الزوجَيْنِ، ويُمَتِّعُ كلُّ واحدٍ منْهُمَا صَاحِبَهُ، ومِنْ رَحْمَتِهِ أَحْوَجَ الخلقَ بعضَهم إلى بعضٍ لِتَتِمَّ مَصَالِحُهُم، ولوْ أَغْنَى بَعْضَهم عنْ بعضٍ لَتَعَطَّلَتْ مَصَالِحُهُم وانْحَلَّ نِظَامُهُم. وكانَ منْ تَمَامِ رَحْمَتِهِ بهم أنْ جَعَلَ فيهم الغَنِيَّ والفَقِيرَ، والعزيزَ والذليلَ، والعاجزَ والقادرَ، والراعِيَ والمَرْعِيَّ، ثُمَّ أَفْقَرَ الجميعَ إليهِ، ثُمَّ عَمَّ الجميعَ برحمتِهِ.
    ومنْ رحمتِهِ أنَّهُ خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ منها طِباقُ ما بينَ السماءِ والأرضِ، فَأَنْزَلَ منها إلى الأرضِ رحمةً واحدةً نَشَرَهَا بينَ الخليقةِ لِيَتَرَاحَمُوا بها، فَبِهَا تَعْطِفُ الوالدةُ على وَلَدِهَا، والطيرُ والوَحْشُ والبهائمُ، وبهذهِ الرحمةِ قِوَامُ العالمِ ونظامُهُ.
    وتَأَمَّلْ قولَهُ تَعَالَى: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)} [الرحمن: 1-4]، كيفَ جَعَلَ الخلقَ والتعليمَ ناشِئاً عنْ صفةِ الرحمةِ مُتَعلِّقاً باسمِ الرحمنِ، وَجَعَلَ مَعَانِيَ السورةِ مُرْتَبِطَةً بهذا الاسمِ وَخَتَمَهَا بِقَوْلِهِ: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)} [الرحمن: 78]، فالاسمُ الذي تَبَارَكَ هوَ الاسمُ الذي افْتَتَحَ بهِ السورةَ؛ إذْ مَجِيءُ البركةِ كلِّهَا منهُ، وبهِ وُضِعَت البركةُ في كلِّ مُبَارَكٍ، فكلُّ ما ذُكِرَ عليهِ بُورِكَ فيهِ، وكلُّ ما أُخْلِيَ منهُ نُزِعَت منهُ البركةُ، فإنْ كانَ مُذَكًّى وَخَلِيَ منهُ اسمُهُ كانَ مَيْتَةً، وإنْ كانَ طَعَاماً شَارَكَ صاحبَهُ فيهِ الشيطانُ، وإنْ كانَ مَدْخَلاً دَخَلَ معهُ فيهِ، وإنْ كانَ حَدَثاً لم يُرْفَعْ عندَ كثيرٍ من العلماءِ، وإنْ كانَ صَلاةً لمْ تَصِحَّ عندَ كثيرٍ منهُم.

    وَلَمَّا خَلَقَ سبحانَهُ الرَّحْمَةَ وَاشْتَقَّ لها اسْماً من اسمِهِ، فَأَرَادَ إِنْزَالَهَا إلى الأرضِ تَعَلَّقَتْ بهِ سبحانَهُ، فقالَ: مَهْ. فَقَالَتْ: هذا مقامُ العائِذِ بكَ من القطيعةِ، فقالَ: أَلاَ تَرْضَيْنَ أنْ أَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، وَأَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ؟ وهيَ مُتَعَلِّقَةٌ بالعرشِ لها حُجْنَةٌ كَحُجْنَةِ المِغْزَلِ ، وكانَ تَعَلُّقُهَا بالعرشِ رحمةً منهُ بها، وَإِنْزَالُهَا إلى الأرضِ رحمةً منهُ بِخَلْقِهِ، وَلَمَّا عَلِمَ سبحانَهُ مَا تَلْقَاهُ منْ نُزُولِهَا إلى الأرضِ وَمُفَارَقَتِهَ ا لِمَا اشْتُقَّتْ مِنْهُ رَحِمَهَا بِتَعَلُّقِهَا بالعرشِ واتِّصَالِهَا بهِ، وقولُاهِ: ((أَلاَ تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟))

    ولذلكَ كانَ مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ لِقُرْبِهِ من الرَّحْمَنِ وَرِعَايَةِ حُرْمَةِ الرحمِ قدْ عَمَّرَ دُنْيَاهُ، وَاتَّسَعَتْ لهُ مَعِيشَتُهُ، وَبُورِكَ لهُ في عُمرِهِ، وَنُسِئَ لهُ في أثرِهِ، فإنْ وَصَلَ ما بَيْنَهُ وبينَ الرحمنِ جَلَّ جَلالُهُ معَ ذلكَ وما بَيْنَهُ وبينَ الخلقِ بالرحمةِ والإحسانِ تَمَّ لهُ أَمْرُ دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، وإنْ قَطَعَ ما بَيْنَهُ وبينَ الرحمِ وما بينَهُ وبينَ الرحمنِ أَفْسَدَ عليهِ أَمْرَ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، وَمَحَقَ بَرَكَةَ رَحْمَتِهِ ورزقِهِ وأَثَرِهِ، كَمَا قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يُدَّخَرُ لَهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ)).

    فالبَغْيُ مُعاملةُ الخلقِ بضدِّ الرحمةِ، وكذلكَ قطيعةُ الرحمِ، وإنَّ القومَ لَيَتَوَاصَلُون َ وَهُمْ فَجَرَةٌ، فَتَكْثُرُ أَمْوَالُهُم وَيَكْثُرُ عَدَدُهُم، وإنَّ القومَ لَيَتَقَاطَعُون َ، فَتَقِلُّ أَمْوَالُهُم، وَيَقِلُّ عَدَدُهُم، وذلكَ لكثرةِ نَصِيبِ هؤلاءِ من الرحمةِ وقِلَّةِ نصيبِ هؤلاءِ منها، وفي الحديثِ: ((إِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ))

    و إذا أَرَادَ اللهُ بأهلِ الأرضِ خيراً نَشَرَ عليهم أَثَراً منْ آثارِ اسمِهِ الرحمنِ فَعَمَّرَ بهِ البلادَ، وَأَحْيَا بهِ العِبَادَ، وإذا أَرَادَ بهم شَرًّا أَمْسَكَ عنهم ذلكَ الأثرَ، فَحَلَّ بهم من البلاءِ بِحَسَبِ ما أَمْسَكَ عنهم منْ آثارِ اسمِهِ الرحمنِ، ولهذا إذا أَرَادَ اللهُ سبحانَهُ أنْ يُخَرِّبَ هذهِ الدارَ وَيُقِيمَ القيامةَ أَمْسَكَ عنْ أهلِهَا أَثَرَ هذا الاسمِ وَقَبَضَهُ شَيْئاً فَشَيْئاً، حتَّى إذا جاءَ وَعْدُهُ قَبَضَ الرحمةَ التي أَنْزَلَهَا إلى الأرضِ، فَتَضَعُ لذلكَ الحواملُ ما في بُطُونِهَا، وَتَذْهَلُ المُرْضِعُ عنْ أَوْلادِهَا فَيُضِيفُ سبحانَهُ تلكَ الرحمةَ التي رَفَعَهَا وَقَبَضَهَا من الأرضِ إلى ما عِنْدَهُ من الرحمةِ، فَيُكَمِّلُ بها مِائَةَ رحمةٍ فَيَرْحَمُ بها أهلَ طاعتِهِ وتوحيدِهِ وتصديقِ رُسُلِهِ وَتَابِعِيهِم.

    وأنتَ لوْ تَأَمَّلْتَ العَالَمَ بِعَيْنِ البصيرةِ لَرَأَيْتَهُ مُمْتَلِئاً بهذهِ الرحمةِ الواحدةِ كامْتِلاءِ البحرِ بمائِهِ والجوِّ بهوائِهِ، وما في خلالِهِ منْ ضِدِّ ذلكَ فهوَ مُقْتَضَى قولِهِ: ((سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي)). فَالْمَسْبُوقُ لا بُدَّ لاحِقٌ وإنْ أَبْطَأَ، وفيهِ حِكْمَةٌ لا تُنَاقِضُهَا الرحمةُ، فهوَ أَحْكَمُ الحاكِمِينَ وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، (وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((للهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا)). وَأَيْنَ تَقَعُ رَحْمَةُ الوالدةِ منْ رحمةِ اللهِ التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ؟

    فإذا أَغْضَبَهُ العَبْدُ بِمَعْصِيَتِهِ فقد اسْتَدْعَى مِنْهُ صَرْفَ تلكَ الرحمةِ عنهُ. فإذا تَابَ إليهِ فَقَد اسْتَدْعَى منهُ ما هوَ أهلُهُ وَأَوْلَى بِهِ).

    [فَصْلٌ]:
    (اعْلَمْ أنَّ الرحمةَ... [المضافةَ] إلى اللهِ تَعَالَى نَوْعَانِ:
    - أحدُهُمَا: مُضَافٌ إليهِ إضافةَ مفعولٍ إلى فاعلِهِ.
    - والثاني: مُضَافٌ إليهِ إضافةَ صِفَةٍ إلى الموصوفِ بها.
    فمِن الأوَّلِ: قَوْلُهُ في الحديثِ الصحيحِ: ((احْتَجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ...)) فَذَكَرَ الحديثَ، وفيهِ: ((فَقَالَ لِلْجَنَّةِ: إنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ)) . فهذهِ رحمةٌ مخلوقةٌ مُضَافَةٌ إليهِ إضافةَ المخلوقِ بالرحمةِ إلى الخالقِ تَعَالَى، وَسَمَّاهَا رَحْمَةً؛ لأَنَّهَا خُلِقَتْ بالرحمةِ وللرحمةِ، وَخَصَّ بها أهلَ الرحمةِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُهَا الرُّحَمَاءُ.

    ومنهُ قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((خَلَقَ اللهُ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ مِنْهَا طِبَاقُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)) . وَمِنْهُ قولُهُ تَعَالَى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} [هود: 9]، ومنهُ تَسْمِيَتُهُ تَعَالَى للمطرِ رحمةً بقولِهِ: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الأعراف: 57].

    وعلى هذا فلا يَمْتَنِعُ الدعاءُ المشهورُ بينَ الناسِ قَدِيماً وَحَدِيثاً، وهوَ قولُ الداعِي: ((اللهُمَّ اجْمَعْنَا فِي مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِكَ)). وَذَكَرَهُ البخاريُّ في كتابِ " الأدبِ المُفْرَدِ " لهُ عنْ بعضِ السَّلَفِ، وَحَكَى فيهِ الكراهةَ، قالَ: إنَّ مُسْتَقَرَّ رَحْمَتِهِ ذَاتُهُ، وهذا بِنَاءً على أنَّ الرحمةَ صفةٌ.

    وليسَ مُرَادُ الداعِي ذلكَ، بلْ مُرَادُهُ الرحمةُ المخلوقةُ التي هيَ الجنَّةُ، ولكنَّ الذينَ كَرِهُوا ذلكَ لهم نَظَرٌ دَقِيقٌ جِدًّا، وهوَ أنَّهُ إذا كانَ المرادُ بالرحمةِ الجنَّةَ نَفْسَهَا لمْ يَحْسُنْ إضافةُ المُسْتَقَرِّ إليها، ولهذا لا يَحْسُنُ أنْ يُقَالَ: اجْمَعْنَا فِي مُسْتَقَرِّ جَنَّتِكَ، فإنَّ الجنَّةَ نَفْسَهَا هيَ دارُ القَرارِ، وهيَ المُسْتَقَرُّ نفسُهُ كَمَا قالَ: {حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76)} [الفرقان: 76]، فكيفَ يُضَافُ المُسْتَقَرُّ إِلَيْهَا، وَالمُسْتَقَرُّ هوَ المكانُ الذي يَسْتَقِرُّ فيهِ الشيءُ، ولا يَصِحُّ أنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي الجَمْعَ في المكانِ الذي تَسْتَقِرُّ فيهِ الجنَّةُ، فَتَأَمَّلْهُ؛ ولهذا قالَ: مُسْتَقَرُّ رَحْمَتِهِ ذَاتُهُ.

    والصوابُ أنَّ هذا لا يَمْتَنِعُ، وحتَّى لوْ قالَ صَرِيحاً: ( اجْمَعْنَا فِي مُسْتَقَرِّ جَنَّتِكَ )لم يَمْتَنِعْ، وذلكَ أنَّ المُسْتَقَرَّ أَعَمُّ مِنْ أنْ يكونَ رَحْمَةً أَوْ عَذَاباً، فإذا أُضِيفَ إلى أَحَدِ أنواعِهِ أُضِيفَ إلى ما يُبَيِّنُهُ ويُمَيِّزُهُ منْ غيرِهِ، كأنَّهُ قِيلَ: في المُسْتَقَرِّ الذي هوَ رَحْمَتُكَ لا في المُسْتَقَرِّ الآخرِ، وَنَظِيرُ هذا أنْ يقولَ: اجْلِسْ في مُسْتَقَرِّ المَسْجِدِ، أي: المُسْتَقَرِّ الذي هوَ المسجدُ، والإضافةُ في مثلِ ذلكَ غيرُ مُمْتَنِعَةٍ ولا مُسْتَكْرَهَةٍ، وأيضاً فإنَّ الجنَّةَ وإنْ سُمِّيَتْ رَحْمَةً لمْ يَمْتَنِعْ أنْ يُسَمَّى ما فيها منْ أنواعِ النعيمِ رَحْمَةً، ولا رَيْبَ أنَّ مُسْتَقَرَّ ذلكَ النعيمِ هوَ الجنَّةُ، فالدَّاعِي يَطْلُبُ أنْ يَجْمَعَهُ اللهُ ومَنْ يُحِبُّ في المكانِ الذي تَسْتَقِرُّ فيهِ تلكَ الرحمةُ المخلوقةُ في الجنَّةِ، وهذا ظَاهِرٌ جِدًّا، فلا يَمْتَنِعُ الدعاءُ بوجهٍ، واللهُ أَعْلَمُ.

    وهذا بِخِلافِ قَوْلِ الدَّاعِي: (( يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ ))؛ فَإِنَّ الرحمةَ هُنَا صِفَتُهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى، وَهِيَ مُتَعَلَّقُ الاستغاثةِ، فإنَّهُ لا يُسْتَغَاثُ بمخلوقٍ، ولهذا كانَ هذا الدعاءُ منْ أَدْعِيَةِ الكَرْبِ، لِمَا تَضَمَّنَهُ من التوحيدِ والاستغاثةِ برحمةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ، مُتَوَسِّلاً إليهِ بِاسْمَيْنِ عَلَيْهِمَا مَدَارُ الأسماءِ الحُسْنَى كُلِّهَا، وإليهما مَرْجِعُ مَعَانِيهَا جَمِيعِهَا، وهوَ اسمُ الحيِّ القيُّومِ؛ فإنَّ الحياةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لجميعِ صفاتِ الكمالِ، ولا يَتَخَلَّفُ عنها صِفَةٌ منها إلاَّ لِضَعْفِ الحياةِ، فإذا كانتْ حَيَاتُهُ تَعَالَى أَكْمَلَ حياةٍ وَأَتَمَّهَا اسْتَلْزَمَ إِثْبَاتُهَا إِثْبَاتَ كُلِّ كَمَالٍ يُضَادُّ نَفْيَ كمالِ الحياةِ.

    وبهذا الطريقِ العَقْلِيِّ أَثْبَتَ مُتَكَلِّمُو أَهْلِ الإثباتِ لهُ تَعَالَى صِفَةَ السمعِ والبصرِ والعِلْمِ والإرادةِ والقدرةِ والكلامِ وسائرِ صفاتِ الكمالِ.

    وأمَّا القيُّومُ فهوَ مُتَضَمِّنٌ كمالَ غِنَاهُ وكمالَ قُدْرَتِهِ، فإنَّهُ القَائِمُ بِنَفْسِهِ لا يَحْتَاجُ إلى مَنْ يُقِيمُهُ بِوَجْهٍ من الوجوهِ، وهذا مِنْ كمالِ غِنَاهُ بِنَفْسِهِ عَمَّا سِوَاهُ، وهوَ المُقِيمُ لغيرِهِ، فلا قِيَامَ لِغَيْرِهِ إلاَّ بإقامتِهِ، وهذا منْ كمالِ قُدْرَتِهِ وَعِزَّتِهِ.

    فَانْتَظَمَ هذانِ الاسمانِ صِفَاتِ الكمالِ وَالغِنَى التامَّ والقدرةَ التامَّةَ، فَكَأَنَّ المُسْتَغِيثَ بِهِمَا مُسْتَغِيثٌ بكلِّ اسمٍ منْ أسماءِ الربِّ تَعَالَى، وبكلِّ صفةٍ منْ صفاتِهِ، فَمَا أَوْلَى الاستغاثةَ بِهَذَيْنِ الاسْمَيْنِ أنْ يَكُونَا في مَظِنَّةِ تَفْرِيجِ الكُرُبَاتِ، وَإِغَاثَةِ اللَّهَفاتِ، وَإِنَالَةِ الطَّلَباتِ.

    والمقصودُ أنَّ الرحمةَ المُسْتَغَاثَ بها منْ صفةِ الربِّ تَعَالَى , لا شَيْءٌ منْ مخلوقاتِهِ، كما أنَّ المُسْتَعِيذَ بعِزَّتِهِ في قولِهِ: (( أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ )) مُسْتَعِيذٌ بعِزَّتِهِ التي هيَ صِفَتُهُ لا بِعِزَّتِهِ التي خَلَقَهَا يُعِزُّ بها عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ.

    وهذا كُلُّهُ يُقَرِّرُ قولَ أهلِ السُّنَّةِ أنَّ قولَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ)) يَدُلُّ على أنَّ كلماتِهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ؛ فَإِنَّهُ لا يُسْتَعَاذُ بِمَخْلُوقٍ.

    وأمَّا قولُهُ تَعَالَى حكايَةً عنْ ملائكتِهِ: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7]، فهذهِ رحمةُ الصِّفَةِ التي وَسِعَتْ كلَّ شَيْءٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]. وَسَعَتُهَا: عُمُومُ تَعَلُّقِهَا بِكُلِّ شيءٍ، كما أنَّ سَعَةَ عِلْمِهِ تَعَالى عُمُومُ تعَلُّقِهِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ).

    (وَمِمَّا يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ: أنَّ الرحمةَ صِفَةٌ تَقْتَضِي إِيصَالَ المنافعِ والمصالحِ إلى العبدِ، وإنْ كَرِهَتْهَا نَفْسُهُ، وَشَقَّتْ عليها، فهذهِ هيَ الرَّحمةُ الحقيقيَّةُ. فَأَرْحَمُ الناسِ بكَ مَنْ شَقَّ عليكَ في إيصالِ مَصَالِحِكَ، وَدَفْعِ المَضَارِّ عَنْكَ.

    فَمِنْ رَحْمَةِ الأَبِ بِوَلَدِهِ: أنْ يُكْرِهَهُ على التَّأَدُّبِ بالعلمِ والعملِ، وَيَشُقَّ عليهِ في ذلكَ بالضَّرْبِ وغيرِهِ، وَيَمْنَعَهُ شَهَوَاتِهِ التي تَعُودُ بِضَرَرِهِ، ومتَى أَهْمَلَ ذلكَ مِنْ وَلَدِهِ كَانَ لِقلَّةِ رَحْمَتِهِ بهِ، وإنْ ظَنَّ أنَّهُ يَرْحَمُهُ وَيُرَفِّهُهُ وَيُرِيحُهُ، فهذهِ رَحْمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِجَهْلٍ، كَرَحْمَةِ الأمِّ.

    ولهذا كانَ مِنْ تَمَامِ رحمةِ أرحمِ الراحمِينَ: تَسْلِيطُ أنواعِ البلاءِ على العبدِ، فإنَّهُ أَعْلَمُ بِمَصْلَحَتِهِ، فَابْتِلاؤُهُ لهُ وَامْتِحَانُهُ وَمَنْعُهُ مِنْ كثيرٍ منْ أغراضِهِ وشهواتِهِ مِنْ رَحْمَتِهِ بهِ، لكنَّ العبدَ لِجَهْلِهِ وَظُلْمِهِ يَتَّهِمُ رَبَّهُ بِابْتِلائِهِ، ولا يَعْلَمُ إحْسَانَهُ إليهِ بابْتِلائِهِ وَامْتِحَانِهِ.

    وقدْ جاءَ في الأثرِ: " إنَّ المُبْتَلَى إِذَا دُعِيَ لَهُ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: كَيْفَ أَرْحَمُهُ مِنْ شَيْءٍ بِهِ أَرْحَمُهُ؟ " . وَفِي أثرٍ آخرَ: " إنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدَهُ حَمَاهُ الدُّنْيَا وَطَيِّبَاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا، كَمَا يَحْمِي أَحَدُكُمْ مَرِيضَهُ " .
    فهذا منْ تمامِ رحمتِهِ بهِ، لا مِنْ بُخْلِهِ عليهِ. كيفَ وهوَ الجَوَادُ المَاجِدُ، الذي لهُ الجُودُ كُلُّهُ، وَجُودُ الخلائقِ في جَنْبِ جُودِهِ أَقلُّ مِنْ ذَرَّةٍ في جِبَالِ الدنيا ورِمَالِهَا؟!

    فمِنْ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ بِعِبَادِهِ: ابْتِلاؤُهُم بالأوامرِ والنَّواهِي رحمَةً وحِمْيَةً، لا حاجةً منهُ إليهم بما أَمَرَهُم بهِ، فهوَ الغنيُّ الحميدُ، ولا بُخْلاً منهُ عَلَيهم بما نَهَاهُم عنهُ، فهوَ الجَوَادُ الكَرِيمُ.
    ومِنْ رَحْمَتِهِ: أنْ نَغَّصَ عليهم الدُّنْيَا وَكَدَّرَهَا ؛ لِئَلاَّ يَسْكُنُوا إِلَيْهَا، ولا يَطْمَئِنُّوا إليها، وَيَرْغَبُوا في النَّعِيمِ المُقِيمِ في دَارِهِ وَجِوَارِهِ، فَسَاقَهُم إلى ذلكَ بِسياطِ الابتلاءِ والامتحانِ، فمَنَعَهُمْ لِيُعْطِيَهُم، وَابْتَلاهُم لِيُعَافِيَهُم، وَأَمَاتَهُم لِيُحْييَهُمْ.

    ومِنْ رَحْمَتِهِ بهمْ: أنْ حَذَّرَهُم نَفْسَهُ؛ لِئَلاَّ يَغْتَرُّوا بهِ، فَيُعَامِلُوهُ بِمَا لا تَحْسُنُ مُعَامَلَتُهُ بهِ كما قالَ تَعَالَى: {وَيُحَذِّرُكُم اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)} [آل عمرانَ:30].
    قالَ غيرُ واحدٍ من السلفِ: مِنْ رَأْفَتِهِ بالعِبَادِ: حَذَّرَهُم منْ نَفْسِهِ؛ لِئَلاَّ يَغْتَرُّوا بهِ.

    وَلَمَّا كَانَ تَمَامُ النِّعْمَةِ على العبدِ إِنَّمَا هوَ بالهُدَى والرَّحْمَةِ، كانَ لَهُمَا ضِدَّانِ: الضلالُ والغَضَبُ؛ فَأَمَرَنَا اللهُ أنْ نَسْأَلَهُ كلَّ يومٍ وليلةٍ مَرَّاتٍ عديدةً أَنْ يَهْدِيَنَا صِرَاطَ الذينَ أَنْعَمَ عليهم، وهمْ أُولُو الهُدَى والرحمةِ، ويُجَنِّبَنَا طَرِيقَ المغضوبِ عليهم، وهمْ ضِدُّ المَرْحُومِينَ، وطريقَ الضَّالِّينَ، وهمْ ضِدُّ المُهْتَدِينَ. ولهذا كانَ هذا الدعاءُ منْ أَجْمَعِ الدعاءِ وَأَفْضَلِهِ وَأَوْجَبِهِ، وَباللهِ التوفيقُ).

    فائدةٌ:
    استَبْعَدَ قومٌ أنْ يكونَ الرحمنُ نَعْتاً للهِ منْ قَوْلِنَا: (( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ))، وقالُوا: (( الرَّحْمَنُ )) عَلَمٌ، والأعلامُ لا يُنْعَتُ بها، ثُمَّ قالوا: هُوَ بَدَلٌ من اسمِ اللهِ.

    قالوا: وَيَدُلُّ على هذا أنَّ الرحمنَ عَلَمٌ مُخْتَصٌّ باللهِ لا يُشَارِكُهُ فيهِ غَيْرُهُ، فليسَ هوَ كالصِّفَاتِ التي هيَ كالعليمِ والقديرِ والسميعِ والبصيرِ، ولهذا تَجْرِي على غيرِهِ تَعَالَى.
    قالوا: وَيَدُلُّ عليهِ أيضاً وُرُودُهُ في القرآنِ غيرَ تابعٍ لِمَا قَبْلَهُ كَقَوْلِـهِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه: 5]، {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2)} [الرحمن: 1-2]، {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ} [الملك: 20]، وهذا شأنُ الأسماءِ المحضَةِ؛ لأنَّ الصِّفَاتِ لا يُقْتَصَرُ على ذِكْرِهَا دُونَ المَوْصُوفِ.

    قالَ السُّهَيْلِيُّ: والبَدَلُ عِنْدِي فيهِ مُمْتَنِعٌ، وكذلكَ عَطْفُ البيانِ؛ لأنَّ الأوَّلَ ([18]) لا يَفْتَقِرُ إلى تَبْيِينٍ، فَإِنَّهُ أَعْرَفُ المَعَارِفِ كُلِّهَا وَأَبْيَنُهَا، ولهذا قالُوا: {وَمَا الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 60]، ولمْ يَقُولُوا: " وَمَا اللهُ "، ولكنَّهُ وَإِنْ جَرَى مَجْرَى الأعلامِ فهوَ وَصْفٌ يُرَادُ بهِ الثناءُ، وكذلكَ الرحيمُ، إلاَّ أَنَّ الرحمنَ منْ أَبْنِيَةِ المبالغةِ كَغَضْبَانَ وَنَحْوِهِ، وإنَّمَا دَخَلَهُ مَعْنَى المبالغةِ مِنْ حيثُ كانَ في آخرِهِ ألفٌ ونونٌ كَالتَّثْنِيَةِ ؛ فإنَّ التثنيَةَ في الحقيقةِ تَضْعِيفٌ، وكذلكَ هذهِ الصفةُ فَكَأَنَّ غَضْبَانَ وَسَكْرَانَ حَامِلٌ لِضِعْفَيْنِ مِنَ الغَضَبِ والسُّكْرِ، فكانَ اللَّفظُ مُضَارِعَاً للفظِ التَّثْنِيَةِ؛ لأنَّ التثنيَةَ ضِعْفَانِ في الحقيقةِ، أَلاَ تَرَى أنَّهم أَيْضاً قدْ شَبَّهُوا التَّثْنِيَةَ بهذا البناءِ إذا كَانَتْ لِشَيْئَيْنِ مُتَلازِمَيْنِ، فقالوا: الحَكَمَانِ والعَلَمَانِ، وَأَعْرَبُوا النُّونَ كأنَّهُ اسمٌ لشيءٍ واحدٍ، فقالُوا: اشْتَرَكَ بَابُ فَعْلانَ وَبَابُ التَّثْنِيَةِ، ومنهُ قولُ فاطمةَ: يا حَسَنَانُ، يا حُسَيْنَانُ بِرَفْعِ النُّونِ لابْنَيْهَا. وَلِمُضَارَعَةِ التَّثْنِيَةِ امْتَنَعَ جَمْعُهُ فلا يُقَالُ: غَضَّابِينَ، وَامْتَنَعَ تَأْنِيثُهُ فَلا يُقَالُ: غَضْبَانَةٌ، وَامْتَنَعَ تَنْوِينُهُ كَمَا لا يُنَوَّنُ نُونَ المُثَنَّى؛ فَجَرَتْ عليهِ كثيرٌ منْ أحكامِ التثنيَةِ لمضارَعَتِهِ إِيَّاهَا لَفْظاً وَمَعْنًى.

    وفائدةُ الجمعِ بينَ الصِّفَتَيْنِ (( الرحمنِ والرحيمِ )) الإنْبَاءُ عنْ رحمةٍ عاجلةٍ وَآجِلَةٍ وَخَاصَّةٍ وَعَامَّةٍ. تَمَّ كَلامُهُ.

    قُلْتُ: أسماءُ الربِّ تَعَالَى هيَ أسماءٌ وَنُعُوتٌ، فإنَّها دالَّةٌ على صفاتِ كمالِهِ، فلا تَنَافِيَ فيها بينَ العَلَمِيَّةِ والوصفيَّةِ، فالرحمنُ اسمُهُ تَعَالَى وَوَصْفُهُ، لا تُنَافِي اسْمِيَّتُهُ وَصْفِيَّتَهُ، فمِنْ حَيْثُ هوَ صِفَةٌ جَرَى تَابِعاً على اسمِ اللهِ، ومِنْ حَيْثُ هوَ اسمٌ وَرَدَ في القرآنِ غيرَ تَابِعٍ، بلْ وُرُودَ الاسمِ العَلَمِ.

    وَلَمَّا كَانَ هذا الاسمُ مُخْتَصًّا بهِ تَعَالَى حَسُنَ مَجِيئُهُ مُنْفَرِداً غيرَ تابِعٍ كَمَجِيءِ اسمِ ((اللهِ)) كذلكَ، وهذا لا يُنَافِي دَلالَتَهُ على صفةِ الرحمنِ كاسمِ اللهِ، فإنَّهُ دالٌّ على صفةِ الأُلوهيَّةِ ولم يَجِئْ قَطُّ تَابِعاً لِغَيْرِهِ بَلْ مَتْبُوعاً، وهذا بخلافِ العليمِ والقديرِ والسميعِ والبصيرِ ونحوِهَا، ولهذا لا تَجِيءُ هذهِ مُفْرَدَةً بلْ تَابِعَةً.

    فتَأَمَّلْ هذهِ النُّكْتَةَ البديعةَ يَظْهَرْ لكَ بها أنَّ (( الرحمنَ )) اسمٌ وصِفَةٌ لا يُنَافِي أَحَدُهُمَا الآخرَ، وجاءَ اسْتِعْمَالُ القرآنِ بالأَمْرَيْنِ جَمِيعاً.
    * * *
    وأمَّا الجمعُ بَيْنَ (( الرحمنِ الرحيمِ )) ففيهِ مَعْنًى هوَ أحسنُ من المعنيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا، وهوَ أنَّ (( الرحمنَ )) دَالٌّ على الصفةِ القائمةِ بهِ سبحانَهُ، و (( الرحيمَ )) دَالٌّ على تَعَلُّقِهَا بالمرحومِ، فكانَ الأوَّلُ للوصفِ، والثاني للفعلِ.
    - فالأوَّلُ دالٌّ على أنَّ الرحمةَ صِفَتُهُ.
    - والثاني دَالٌّ على أنَّهُ يَرْحَمُ خَلْقَهُ بِرَحْمَتِهِ.
    وإذا أَرَدْتَ فَهْمَ هذا فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِين َ رَحِيمًا (43)} [الأحزاب: 43]، {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117)} [التوبة: 117]. ولمْ يَجِئْ قَطُّ رَحْمَنُ بِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّ " رَحْمَن " هوَ الموصوفُ بالرحمةِ و " رَحِيم " هوَ الراحمُ بِرَحْمَتِهِ.

    وهذهِ نُكْتَةٌ لا تَكَادُ تَجِدُهَا في كتابٍ وإنْ تَنَفَّسَتْ عِنْدَهَا مِرْآةُ قَلْبِكَ لمْ تَنْجَلِ لَكَ صُورَتُهَا)
    . [المرتبع الأسنى]

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    قال ابن القيم رحمه الله: ( (الحَيُّ ):
    ([اللهُ] سُبْحَانَهُ حَيٌّ حَقِيقَةً، وَحَيَاتُهُ أَكْمَلُ الحياةِ وَأَتَمُّهَا، وهيَ حَيَاةٌ تَسْتَلْزِمُ جَمِيعَ صفاتِ الكمالِ، وَنَفْيَ أَضْدَادِهَا مِنْ جميعِ الوجوهِ).

    (فإنَّ الحياةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِجَمِيعِ صفاتِ الكمالِ، ولا يَتَخَلَّفُ عنها صفةٌ منها إلاَّ لِضَعْفِ الحياةِ، فإذا كانتْ حَيَاتُهُ تَعَالَى أَكْمَلَ حَيَاةٍ وَأَتَمَّهَا اسْتَلْزَمَ إِثْبَاتُهَا إثباتَ كلِّ كمالٍ يُضَادُّ نَفْيَ كمالِ الحياةِ.

    وبهذا الطريقِ العَقْلِيِّ أَثْبَتَ مُتَكَلِّمُو أهلِ الإثباتِ لهُ تَعَالَى صِفَةَ السمعِ والبصرِ والعلمِ والإرادةِ والقدرةِ والكلامِ وسائرَ صفاتِ الكمالِ)

    (والحياةُ التامَّةُ تُضَادُّ جَمِيعَ الأسقامِ والآلامِ، ولهذا لَمَّا كَمُلَتْ حَيَاةُ أهلِ الجنَّةِ لمْ يَلْحَقْهُم هَمٌّ ولا غمٌّ ولا حُزْنٌ ولا شيءٌ من الآفاتِ، ونُقْصَانُ الحياةِ تَضُرُّ بالأفعالِ، وَتُنَافِي القَيُّومِيَّةَ ، فكمالُ القَيُّومِيَّةِ لِكَمَالِ الحياةِ، فالحَيُّ المُطْلَقُ التامُّ الحياةِ لا تَفُوتُهُ صِفَةُ الكمالِ الْبَتَّةَ)
    . [المرتبع الأسنى]

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    قال ابن القيم رحمه الله:
    (( القَيُّومُ )) هوَ القائِمُ بِنَفْسِهِ، الذي قِيَامُ كلِّ شيءٍ بهِ؛ أيْ: هوَ المُقِيمُ لِغَيْرِهِ، فَلا قِيَامَ لغيرِهِ بدونِ إقامتِهِ لهُ، وقيامُهُ هوَ بنفسِهِ لا بِغَيْرِهِ).

    ([فـ]هوَ الذي قَامَ بِنَفْسِهِ، فلمْ يَحْتَجْ إلى أحدٍ، وقامَ كلُّ شيءٍ بهِ، فكلُّ ما سِوَاهُ مُحْتَاجٌ إليهِ بالذَّاتِ)([2]).
    (و[هوَ] قَائِمٌ على كلِّ شيءٍ، وقائِمٌ على كلِّ نفسٍ بما كَسَبَتْ، [فهوَ] تَعَالَى القائِمُ بِنَفْسِهِ، المُقيمُ لغيرِهِ، القائمُ عليهِ بِتَدْبِيرِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ وَقَهْرِهِ، وإيصالِ جزاءِ المُحْسِنِ إليهِ وجزاءِ المُسِيءِ إليهِ، و[لـ]كمالِ قَيُّومِيَّتِهِ لا يَنَامُ ولا يَنْبَغِي لهُ أنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ القسطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إليهِ عَمَلُ الليلِ قبلَ النهارِ، وَعَمَلُ النهارِ قبلَ الليلِ، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نومٌ، ولا يَضِلُّ وَلا يَنْسَى)
    ([فهوَ] القيُّومُ القائِمُ بِتَدْبِيرِ عبادِهِ، فلا خَلْقَ ولا رِزْقَ، ولا عطاءَ ولا مَنْعَ، ولا قَبْضَ ولا بَسْطَ، ولا مَوْتَ ولا حياةَ، ولا إضلالَ ولا هُدَى، ولا سَعَادَةَ ولا شَقَاوَةَ إلاَّ بعدَ إِذْنِهِ، وكلُّ ذلكَ بِمَشِيئَتِهِ وَتَكْوِينِهِ؛ إذْ لا مَالِكَ غَيْرُهُ، ولا مُدَبِّرَ سِوَاهُ، ولا رَبَّ غَيْرُهُ).

    ([فـ]صفةُ القَيُّومِيَّةِ مُتَضَمِّنَةٌ لجميعِ صفاتِ الأفعالِ). ، ([وَ] (( القَيُّومُ )) … مُتَضَمِّنٌ [لـ]كمالِ غِنَاهُ وكمالِ قُدْرَتِهِ، فإنَّهُ القائمُ بِنَفْسِهِ، لا يَحْتَاجُ إلى مَنْ يُقِيمُهُ بِوَجْهٍ من الوجوهِ؛ وهذا منْ كمالِ غِنَاهُ بِنَفْسِهِ عمَّا سِوَاهُ، وهوَ المُقِيمُ لغيرِهِ، فلا قِيَامَ لغيرِهِ إلاَّ بإقامتِهِ، وهذا مِنْ كمالِ قُدْرَتِهِ وَعِزَّتِهِ)(، ([فـ] (( القيُّومُ )) … لا يَتَعَذَّرُ عليهِ فِعْلٌ مُمْكِنٌ الْبَتَّةَ).
    (هذا ومِنْ أوصافِهِ القيُّومُ والـْ = قَيُّومُ في أوصافِهِ أَمْرَانِ
    إِحْدَاهُمَا: القيُّومُ قَامَ بِنَفْسِهِ = والكونُ قامَ بهِ هُمَا الأَمْرَانِ
    فالأوَّلُ: اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ غَيْرِهِ = والفَقْرُ مِنْ كُلٍّ إليهِ الثانِي
    وَالوصفُ بالقيُّومِ ذُو شَأْنٍ عَظِيمٍ هَـ = كَذَا مَوْصُوفُهُ أَيْضاً عَظِيمُ الشَّانِ). [المرتبع الأسنى]

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    قال ابن القيم رحمه الله:
    (( السَّمِيعُ )) الذي لهُ السَّمْعُ)، (الذي قد اسْتَوَى في سَمْعِهِ سِرُّ القولِ وَجَهْرُهُ، وَسِعَ سَمْعُهُ الأصواتَ، فلا تَخْتَلِفُ عليهِ أصواتُ الخلقِ، ولا تَشْتَبِهُ عليهِ ولا يَشْغَلُهُ منها سَمْعٌ عنْ سَمْعٍ، ولا تُغْلِطُهُ المسائلُ، ولا يُبْرِمُهُ كثرةُ السائِلِينَ.
    قَالَتْ عَائِشَةُ: " الحمدُ للهِ الذي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصواتَ، لقدْ جَاءَت المُجَادِلَةُ تَشْكُو إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ((وأَنَا فِي جَانِبِ البيتِ)) ([2]) وإنَّهُ لَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُ كَلامِهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ عزَّ وَجَلَّ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }

    ([فَوَسِعَ] سَمْعُهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى لأصواتِ عبادِهِ على اختلافِهَا وجهرِهَا وخفائِهَا، وَسَوَاءٌ عِنْدَهُ مَنْ أَسَرَّ القَوْلَ ومَنْ جَهَرَ بهِ، لا يَشْغَلُهُ جَهْرُ مَنْ جَهَرَ عنْ سَمْعِهِ لصوتِ مَنْ أَسَرَّ، ولا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عنْ سَمْعٍ، ولا تُغْلِطُهُ الأصواتُ على كَثْرَتِهَا واختلافِهَا واجتماعِهَا، بلْ هيَ عندَهُ كُلُّهَا كَصَوْتٍ واحدٍ، كما أنَّ خَلْقَ الخلقِ جَمِيعِهِم وَبَعْثَهُم عندَهُ بمنـزلةِ نفسٍ واحدةٍ).

    ([فـَ]يَسْمَعُ ضَجِيجَ الأصواتِ، باختلافِ اللغاتِ، على تَفَنُّنِ الحاجاتِ، في أَقْطَارِ الأرضِ والسَّمَاواتِ، فلا يَشْتَبِهُ عليهِ، ولا يَخْتَلِطُ، ولا يَلْتَبِسُ، ولا يُغْلِطُهُ سَمْعٌ).
    (وأمَّا قولُ إبراهيمَ الخليلِ صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39)} [إبراهيم: 39]، فالمرادُ بالسمعِ هنا: السَّمْعُ الخاصُّ، وهوَ سَمْعُ الإجابةِ والقَبُولِ، لا السَّمْعُ العامُّ؛ لأنَّهُ سَمِيعٌ لكلِّ مسموعٍ.

    وإذا كانَ كذلكَ فالدعاءُ هنا يَتَنَاوَلُ دعاءَ الثناءِ ودعاءَ الطلبِ، وسمْعُ الربِّ تَبَارَكَ وتَعَالَى لهُ إِثَابَتُهُ على الثناءِ وإجابتُهُ للطلبِ، فهوَ سميعٌ لهذا وهذا).

    [و] السمعُ يُرَادُ بهِ أربعةُ مَعَانٍ:
    - أحدُهَا: سَمْعُ إِدْرَاكٍ؛ ومُتَعَلَّقُهُ الأصواتُ.
    - الثاني: سَمْعُ فَهْمٍ وعَقْلٍ؛ ومُتَعَلَّقُهُ المعاني.
    - الثالثُ: سَمْعُ إجابةٍ وإعطاءِ ما سُئِلَ.
    - الرابعُ: سَمْعُ قَبُولٍ وانْقِيَادٍ.

    فمِن الأَوَّلِ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة: 1]، و {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا} [آل عمرانَ: 181].
    ومِن الثاني: قولُهُ: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا} [البقرة: 104]. لَيْسَ المرادُ سَمْعَ مُجَرَّدِ الكلامِ، بلْ سَمْعَ الفَهْمِ والعَقْلِ، ومِنْهُ: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة: 285].
    ومن الثالثِ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))، وفي الدعاءِ المأثورِ: ((اللَّهُمَّ اسْمَعْ)) ([8])؛ أيْ: أَجِبْ وَأَعْطِ مَا سَأَلْتُكَ.
    ومن الرابعِ: قولُهُ تَعَالَى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} [المائدة: 42]؛ أيْ: قَابِلُونَ لهُ وَمُنْقَادُونَ غيرُ مُنْكِرِينَ لهُ. ومنهُ على أَصَحِّ القَوْلَيْنِ: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة:47]؛ أيْ: قَابِلُونَ وَمُنْقَادُونَ. وقيلَ: عُيُونٌ وجَوَاسِيسُ. وليسَ بِشَيْءٍ؛ فإنَّ العيونَ والجواسيسَ إِنَّما تكونُ بينَ الفِئَتَيْنِ غيرِ المُخْتَلِطَتَي ْنِ، فَيُحْتَاجُ إلى الجواسِيسِ والعيونِ.

    وهذهِ الآيَةُ إِنَّمَا هيَ في حقِّ المنافِقِينَ، وهمْ كانوا مُخْتَلِطِينَ بالصحابةِ بينَهُم، فلم يَكُونُوا مُحْتَاجِينَ إلى عيونٍ وجواسيسَ.

    وإذا عُرِفَ هذا فَسَمْعُ الإدْرَاكِ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ، وَسَمْعُ القَبُولِ يَتَعَدَّى باللامِ تَارَةً وَبِمِنْ أُخْرَى، وهذا بِحَسَبِ المَعْنَى؛ فإذا كانَ السياقُ يَقْتَضِي القَبُولَ عُدِّيَ بِمِنْ، وإذا كانَ يَقْتَضِي الانقيادَ عُدِّيَ باللامِ.

    وأمَّا سَمْعُ الإجابةِ فَيَتَعَدَّى باللامِ، نحوَ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))؛ لَتَضَمُّنِهِ مَعْنَى اسْتَجَابَ لهُ. ولا حَذْفَ هُنَاكَ، وإنَّمَا هُوَ مُضَمَّنٌ.

    وأمَّا سَمْعُ الفَهْمِ فَيَتَعَدَّى بنفسِهِ؛ لأنَّ مَضْمُونَهُ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ)
    .

    وهو السميع يرى ويسمع كل ما في الكون من سر ومن إعلان
    ولكل صوت منه سمع حاضر فالسر والإعلان مستويان
    والسمع منه واسع الأصوات لا يخفى عليه بعيدها والداني

    فسمعه تعالى نوعان: أحدهما سمعه لجميع الأصوات الظاهرة والباطنة الخفية والجلية، وإحاطته التامة بها.
    الثاني: سمع الإجابة منه للسائلين والداعين والعابدين فيجيبهم ويثيبهم، ومنه قوله تعالى: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء وقول المصلي (سمع الله لمن حمده) أي استجاب
    [المرتبع الأسنى]

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    قال ابن القيم رحمه الله :
    ( (( البَصِيرُ )) الذي لهُ البَصَرُ)، (الذي لكمالِ بَصَرِهِ يَرَى تَفَاصِيلَ خَلْقِ الذرَّةِ الصغيرةِ، وَأَعْضَاءَهَا وَلَحْمَهَا وَدَمَهَا وَمُخَّهَا وَعُرُوقَها، وَيَرَى دَبِيبَهَا على الصخرةِ الصَّمَّاءِ في اللَّيْلَةِ الظلماءِ، وَيَرى ما تَحْتَ الأَرَضِينَ السبعِ كما يَرَى ما فوقَ السَّمَاواتِ السبعِ).

    (قدْ أَحَاطَ سَمْعُهُ بجميعِ المسموعاتِ، وبَصَرُهُ بجميعِ المُبْصَرَاتِ، وَعِلْمُهُ بِجَمِيعِ المعلوماتِ، وقدرتُهُ بجميعِ المَقْدُورَاتِ، وَنَفَذَتْ مَشِيئَتُهُ في جميعِ البَرِيَّاتِ، وَعَمَّتْ رَحْمَتُهُ جَمِيعَ المخلوقاتِ، وَوَسِعَ كُرْسِيُّهُ الأرضَ والسَّمَاواتِ)
    .[المرتبع الأسنى: ؟؟]

    فالبصير): الذي أحاط بصره بجميع المبصرات في أقطار الأرض والسموات، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء. وجميع أعضائها الباطنة والظاهرة، وسريان القوت في أعضائها الدقيقة، ويرى سريان المياه في أغصان الأشجار وعروقها، وجميع النباتات على اختلاف أنواعها وصغرها ودقتها، ويرى نياط عروق النملة والنحلة والبعوضة وأصغر من ذلك .
    قال ابن القيم:
    وهو البصير يرى دبيب النملة السـ ـــــوداء تحت الصخر والصوان
    ويرى مجاري القوت في أعضائها ويرى نياط عروقها بعيان
    ويرى خيانات العيون بلحظها ويرى كذلك تقلب الأجفان

    فهو سبحانه وتعالى البصير الذي يشاهد الأشياء كلها، ظاهرها وخفيها، يبصر خائنة الأعين وما تخفي الصدور. يشاهد ويرى ولا يغيب عنه ما فوق السموات العلا أو ما تحت الثرى.

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    قال ابن القيم رحمه الله:
    (وهوَ (( القَدِيرُ )) وليسَ يُعْجِزُهُ إِذَا = ما رَامَ شَيْئاً قَطُّ ذُو سُلْطَانِ)
    ([فهوَ الـ]قَادِرُ على كلِّ شيءٍ، فلا يُعْجِزُهُ شيءٌ يُرِيدُهُ، بلْ هوَ الفعَّالُ لِمَا يُرِيدُ)، (و[هُوَ] على كلِّ شيءٍ قَدِيرٌ: فلا يَخْرُجُ عنْ مَقْدُورِهِ شيءٌ من الموجوداتِ؛ أَعْيَانُهَا وأفعالُهَا وَصِفَاتُهَا، كما لا يَخْرُجُ عنْ عِلْمِهِ، فكلُّ ما تَعَلَّقَ بهِ عِلْمُهُ من العالَمِ تَعَلَّقَتْ بهِ قُدْرَتُهُ ومَشِيئَتُهُ)

    (وَتَأَمَّلْ ما جَاءَتْ بهِ النصوصُ، أنَّهُ سبحانَهُ لمْ يَزَلْ مَلِكاً، رَبًّا غَفُوراً، رحيماً، مُحْسِناً، قادراً، لا يُعْجِزُهُ الفِعْلُ، ولا يَمْتَنِعُ عليهِ)

    (وهوَ القَدِيرُ فكلُّ شيءٍ فهوَ مقْـ = ـدورٌ لهُ طَوْعاً بلا عصيانِ
    وعمومُ قُدْرَتِهِ تَدُلُّ بِأَنَّهُ = هوَ خالِقُ الأفعالِ للحيوانِ
    هيَ خَلْقُهُ حَقًّا وأفعالٌ لهم = حَقًّا ولا يَتَنَاقَضُ الأمرانِ
    لكنَّ أهلَ الجبرِ والتكذيبِ بالـ = أقدارِ ما انْفَتَحَتْ لهم عَيْنَانِ
    نَظَرُوا بِعَيْنَيْ أَعْوَرٍ إذْ فَاتَهم = نَظَرُ البصيرِ وَغَارَتِ العَيْنَانِ
    فحقيقةُ القَدَرِ الذي حَارَ الوَرَى = في شأنِهِ هوَ قدرةُ الرَّحْمَنِ
    وَاسْتَحْسَنَ ابنُ عَقِيل ذا مِنْ أَحْمَدٍ = لَمَّا حَكَاهُ عن الرِّضَى الرَّبَّانِي
    قالَ الإمامُ شَفَا القُلُوبَ بِلَفْظَةٍ = ذاتِ اخْتِصَارٍ وهيَ ذاتُ بَيَانِ). [المرتبع الأسنى]

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    قال ابن القيم رحمه الله:
    ( (( القَوِيُّ )) منْ أسمائِهِ، وَمَعْنَاهُ الموصوفُ بالقُوَّةِ)

    (ولو اجْتَمَعَتْ قُوَى الخلائقِ على شخصٍ واحدٍ منهم، ثُمَّ أُعْطِيَ كلٌّ منهم مثلَ تلكَ القوَّةِ لكانتْ نِسْبَتُهَا إلى قُوَّتِهِ سبحانَهُ دونَ نسبةِ قوَّةِ البَعُوضَةِ إلى حَمَلَةِ العَرْشِ).

    (وهوَ القويُّ بِقُوَّةٍ هيَ وَصْفُهُ = وعليكَ يَقْدِرُ يا أَخَا السُّلْطَانِ)
    (وهوَ القويُّ لهُ القُوَى جَمْعاً تَعَا = لَى رَبُّ ذِي الأَكْوَانِ والأزمانِ). [المرتبع الأسنى]

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    قال ابن القيم :
    ( (( اللَّطِيفُ )) الذي لَطُفَ صُنْعُهُ وَحِكْمَتُهُ وَدَقَّ حَتَّى عَجَزَتْ عنهُ الأفهامُ)([1]).

    (وهوَ اللَّطِيفُ بِعَبْدِهِ وَلِعَبْدِهِ ... واللطفُ في أوصافِهِ نَوْعَانِ
    إدراكُ أسرارِ الأمورِ بِخِبْرَةٍ
    ... واللطفُ عندَ مَوَاقِعِ الإحسانِ
    فَيُرِيكَ عِزَّتَهُ وَيُبْدِي لُطْفَهُ
    ... والعبدُ في الغَفَلاتِ عنْ ذا الشَّانِ)([2])

    ([فتَأَمَّلْ] قولَ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ: {يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)} [يوسف: 100].

    فَأَخْبَرَ أنَّهُ يَلْطُفُ لِمَا يُرِيدُ؛ فَيَأْتِي بهِ بِطُرُقٍ خَفِيَّةٍ لا يَعْلَمُهَا الناسُ. واسمُهُ ((اللطيفُ)) يَتَضَمَّنُ عِلْمَهُ بالأشياءِ الدقيقةِ وإيصالَهُ الرحمةَ بالطُّرُقِ الخفيَّةِ، ومنهُ: التَّلَطُّفُ كما قالَ أهلُ الكَهْفِ: {وَلْيَتَلَطَّف وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)} [الكهف: 19]، فكانَ ظَاهِرُ ما امْتُحِنَ بهِ يُوسُفُ منْ مُفَارَقَةِ أَبِيهِ، وإِلْقَائِهِ في السجنِ، وَبَيْعِهِ رَقِيقاً، ثُمَّ مُرَاوَدَةِ الَّتِي هوَ في بَيْتِهَا عنْ نفسِهِ، وَكَذِبِهَا عليهِ، وَسَجْنِهِ مِحَناً وَمَصَائِبَ، وَبَاطِنُهَا نِعَمَاً وَفَتْحاً جَعَلَهَا اللهُ سَبَباً لسعادتِهِ في الدنيا والآخرةِ.

    ومِنْ هذا البابِ ما يَبْتَلِي بهِ عبادَهُ من المصائبِ، وَيَأْمُرُهُم بهِ من المكارهِ، وَيَنْهَاهُم عنهُ من الشَّهَوَاتِ، هيَ طُرُقٌ يُوصِلُهُم بها إلى سعادتِهِم في العاجلِ والآجلِ، وقدْ حُفَّت الجنَّةُ بالمكارهِ، وَحُفَّت النارُ بالشهواتِ.

    وقدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا يَقْضِي اللهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إِلاَّ خَيْراً لَهُ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ))

    القضاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ لِمَنْ أُعْطِيَ الشكرَ والصبرَ جَالِباً ما جَلَبَ، وكذلكَ ما فَعَلَهُ بآدَمَ وإبراهيمَ وموسَى وعيسَى ومحمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأمورِ التي هيَ في الظاهرِ مِحَنٌ وابتلاءٌ، وهيَ في الباطنِ طُرُقٌ خَفِيَّةٌ أَدْخَلَهُم بها إلى غايَةِ كَمَالِهِم وَسَعَادَتِهِم.

    فتَأَمَّلْ قِصَّةَ موسَى وما لَطُفَ لهُ منْ إخراجِهِ في وقتِ ذَبْحِ فرعونَ للأطفالِ، وَوَحْيِهِ إلى أُمِّهِ أنْ تُلْقِيَهُ في الْيَمِّ، وَسَوْقِهِ بلُطْفِهِ إلى دارِ عَدُوِّهِ الذي قَدَّرَ هلاكَهُ على يَدَيْهِ، وهوَ يَذْبَحُ الأطفالَ في طَلَبِهِ، فَرَمَاهُ في بَيْتِهِ وحِجْرِهِ على فراشِهِ، ثُمَّ قدَّرَ لهُ سَبَباً أَخْرَجَهُ منْ مِصْرَ وأَوْصَلَهُ بهِ إلى موضعٍ لا حُكْمَ لفرعونَ عليهِ، ثُمَّ قدَّرَ لهُ سَبَباً أَوْصَلَهُ بهِ إلى النِّكَاحِ والغِنَى بعدَ العزوبةِ والعَيْلَةِ، ثُمَّ سَاقَهُ إلى بلدِ عَدُوِّهِ فَأَقَامَ عليهِ بهِ حُجَّتَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ وَقَوْمَهُ في صُورةِ الفَارِّينَ منهُ، وكانَ ذلكَ عَيْنَ نُصْرَتِهِم على أعدائِهِم وإهلاكِهم وهمْ يَنْظُرُونَ.

    وهذا كلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أنَّهُ سُبْحَانَهُ يَفْعَلُ ما يَفْعَلُهُ لِمَا يُرِيدُهُ من العواقبِ الحميدةِ والـحـِكَمِ العظيمةِ التي لا تُدْرِكُهَا عقولُ الخلقِ معَ ما في ضِمْنِهَا من الرحمةِ التامَّةِ والنعمةِ السابغةِ والتَّعَرُّفِ إلى عبادِهِ بأسمائِهِ وصفاتِهِ.

    فَكَمْ في أَكْلِ آدَمَ من الشجرةِ التي نُهِيَ عنها وإخراجِهِ بسببِهَا من الجنَّةِ منْ حكمةٍ بالغةٍ لا تَهْتَدِي العقولُ إلى تَفَاصِيلِهَا!!

    وكذلكَ ما قَدَّرَهُ لسيِّدِ وَلَدِهِ مِن الأمورِ التي أَوْصَلَهُ بها إلى أشرفِ غاياتِهِ، وَأَوْصَلَهُ بالطُّرُقِ الخفيَّةِ فيها إلى أَحْمَدِ العواقِبِ!!

    وكذلكَ فِعْلُهُ بعبادِهِ وأَوْلِيَائِهِ يُوصِلُ إليهم نِعَمَهُ وَيَسُوقُهُم إلى كمالِهِم وسعادَتِهِم في الطُّرُقِ الخفيَّةِ التي لا يَهْتَدُونَ إلى مَعْرِفَتِهَا إلاَّ إذا لاحَتْ لهم عَوَاقِبُهَا.

    وهذا أَمْرٌ يَضِيقُ الجَنَانُ عنْ معرفةِ تفاصيلِهِ، وَيُحْصَرُ اللسانُ عن التعبيرِ عنهُ، وَأَعْرَفُ خَلْقِ اللهِ بهِ أَنْبِيَاؤُهُ وَرُسُلُهُ، وَأَعْرَفُهُم بهِ خَاتَمُهُم وَأَفْضَلُهُم. وأُمَّتُهُ في العلمِ بهِ على مَرَاتِبِهم وَدَرَجَاتِهِم وَمَنَازِلِهم من العلمِ باللهِ وبأسمائِهِ وصفاتِهِ)
    .
    [المرتبع الأسنى]



    قال السعدي رحمه الله: "اللطيف": الذي لطف علمه حتى أدرك الخفايا، والخبايا، وما احتوت عليه الصدور، وما في الأراضي من خفايا البذور. ولطف بأوليائه، وأصفيائه، فيسرهم لليسرى وجنبهم العسرى، وسهل لهم كل طريق يوصل إلى مرضاته وكرامته وحفظهم من كل سبب ووسيلة توصل إلى سخطه، من طرق يشعرون بها، ومن طرق لا يشعرون بها، وقدر عليهم أمورا يكرهونها لينيلهم ما يحبون، فلطف بهم في أنفسهم فأجراهم على عوائده الجميلة، وصنائعه الكريمة، ولطف لهم في أمور خارجة عنهم لهم فيها كل خير وصلاح ونجاح، فاللطيف متقارب لمعاني الخبير، الرؤوف، الكريم (2)
    وقال في موضع آخر: وهذا من آثار علمه وكرمه ورحمته، فلهذا كان معنى اللطيف أنه الخبير الذي أحاط علمه بالأسرار والبواطن والخبايا والخفايا ومكنونات الصدور ومغيبات الأمور، وما لطف ودقَّ من كل شيء. النوع الثاني: لطفه بعبده ووليه الذي يريد أن يتم عليه إحسانه، ويشمله بكرمه ويرقيه إلى المنازل العالية فييسره لليسرى، ويجنبه العسرى، ويجري عليه من أصناف المحن التي يكرهها وتشق عليه وهي عين صلاحه، والطريق إلى سعادته، كما امتحن الأنبياء بأذى قومهم وبالجهاد في سبيله وكما ذكر الله عن يوسف عليه السلام وكيف ترقت به الأحوال ولطف الله به وله بما قدره عليه من تلك الأحوال التي حصلت له في عاقبتها حسن العقبى في الدنيا والآخرة. وكما يمتحن أولياءه بما يكرهونه لينيلهم ما يحبون، وكم لله من لطف، وكرم لا تدركه الأفهام ولا تتصوره الأوهام، وكم استشرف العبد على مطلوب من مطالب الدنيا من ولاية ورياسة أو سبب من الأسباب المحبوبة فيصرفه الله عنها ويصرفها عنه رحمة به لئلا تضره في دينه، فيظل العبد حزينا من جهله وعدم معرفته بربه، ولو علم ما ادخر له في الغيب وأريد إصلاحه لحمد الله وشكره على ذلك، فإن الله بعباده رؤوف رحيم، لطيف بأوليائه. وفي الدعاء المأثور: ((اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما تحب))

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    قال ابن القيم رحمه الله :
    [اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ] (الإلَهُ
    الحقُّ المُبِينُ الذي أَقَرَّت الفِطَرُ بِرُبُوبِيَّتِه ِ وَإِلَهِيَّتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ).
    (فإنَّهُ سُبْحَانَهُ هوَ الحقُّ، وقولُهُ الحَقُّ، ودينُهُ الحقُّ، وَوَعْدُهُ حَقٌّ، ولقاؤُهُ حَقٌّ، وفِعْلُهُ كُلُّهُ حَقٌّ، لَيْسَ في أفعالِهِ شَيْءٌ باطلٌ، بلْ أَفْعَالُهُ سُبْحَانَهُ بَرِيئَةٌ من الباطِلِ)
    (وَجَزَاؤُهُ المُسْتَلْزِمُ لِشَرْعِهِ وَدِينِهِ ولليومِ الآخرِ حَقٌّ.

    فَمَنْ أَنْكَرَ شَيْئاً منْ ذلكَ فما وَصَفَ اللهَ بأنَّهُ الحقُّ المُطْلَقُ منْ كلِّ وَجْهٍ وَبِكُلِّ اعْتِبَارٍ.

    فكونُهُ حَقًّا يَسْتَلْزِمُ شَرْعَهُ وَدِينَهُ وَثَوَابَهُ وَعِقَابَهُ، فكيفَ يُظَنُّ بالملكِ الحقِّ أنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ عَبَثاً؟! وأنْ يَتْرُكَهُم سُدًى، لا يَأْمُرُهُم ولا يَنْهَاهُم، ولا يُثِيبُهُم ولا يُعَاقِبُهُم، كما قالَ تَعَالَى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)} [القيامة: 36])
    . [المرتبع الأسنى]

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,492

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    قال ابن القيم
    (و... مِنْ أَسْمَائِهِ (( الحَكِيمُ )) ) (الذي لا يَضَعُ الشيءَ إلاَّ في مَوْضِعِهِ). (والحكمةُ مِنْ صفاتِهِ سبحانَهُ، وحكمتُهُ تَسْتَلْزِمُ وَضْعَ كلِّ شيءٍ مَوْضِعَهُ الذي لا يَلِيقُ بهِ سِوَاهُ)

    (و... اسمُ (( الحكيمِ )) منْ لوازمِهِ ثبوتُ الغاياتِ المحمودةِ المقصودةِ لهُ بأفعالِهِ، ووضعُهُ الأشياءَ في موضعِهَا، وإيقاعُهَا على أحسنِ الوجوهِ) [فهوَ سبحانَهُ] ( ((الحكيمُ)) الذي بَهَرَتْ حِكْمَتُهُ الألبابَ)، [وهوَ] (سبحانَهُ (( الحكيمُ الخبيرُ )) الذي يَضَعُ الأشياءَ مواضعَهَا وَيُنَـزِّلُهَا مَنَازِلَهَا اللائقةَ بها، فلا يَضَعُ الشيءَ في غيرِ موضعِهِ، ولا يُنْـزِلُهُ غيرَ منـزلتِهِ التي يَقْتَضِيهَا كمالُ عِلْمِهِ وحكمتِهِ وخبرتِهِ، فلا يَضَعُ الحرمانَ والمَنْعَ موضعَ العطاءِ والفضلِ، ولا الفضلَ والعطاءَ موضعَ الحرمانِ والمنعِ، ولا الثوابَ موضعَ العقابِ، ولا العقابَ موضعَ الثوابِ، ولا الخفضَ موضعَ الرفعِ، ولا الرفعَ موضعَ الخفضِ، ولا العزَّ مكانَ الذلِّ، ولا الذلَّ مكانَ العزِّ، ولا يَأْمُرُ بما يَنْبَغِي النَّهْيُ عنهُ، ولا يَنْهَى عَمَّا يَنْبَغِي الأمرُ بهِ)

    [فـ]( " الحكمةُ " تَتَضَمَّنُ كمالَ علمِهِ وخبرتِهِ، وأنَّهُ أَمَرَ وَنَهَى، وَخَلَقَ وَقَدَّرَ، لِمَا لهُ في ذلكَ من الحِكَمِ والغاياتِ الحميدةِ التي يَسْتَحِقُّ عليها كمالَ الحمدِ) [فإ]نَّهُ سبحانَهُ حكيمٌ، لا يَفْعَلُ شيئاً عَبَثاً ولا لِغَيْرِ مَعْنًى ومصلحةٍ وحكمةٍ هيَ الغايَةُ المقصودةُ بالفعلِ، بلْ أَفْعَالُهُ سبحانَهُ صادرةٌ عنْ حكمةٍ بالغةٍ لأجلِهَا فَعَلَ)

    ([فهوَ سبحانَهُ] (( الحكيمُ )) الذي إذا أَمَرَ بأمرٍ كانَ حسناً في نفسِهِ، وإذا نَهَى عنْ شيءٍ كانَ قَبِيحاً في نَفْسِهِ، وإذا أَخْبَرَ بِخَبَرٍ كانَ صَادِقاً، وإذا فَعَلَ فِعْلاً كانَ صَوَاباً، وإذا أَرَادَ شَيْئاً كانَ أَوْلَى بالإرادةِ منْ غيرِهِ، وهذا الوصفُ على الكمالِ لا يكونُ إلاَّ للهِ وحدَهُ)

    (وقدْ تَقَرَّرَ أنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ كامِلُ الصِّفَاتِ، لهُ الأسماءُ الحسنَى، ولا يكونُ عن الكاملِ في ذاتِهِ وصفاتِهِ إلاَّ الفعلُ المُحْكَمُ)

    (ولهذا كانَ (( الحكيمُ )) منْ أسمائِهِ الحُسْنَى، و (( الحكمةُ )) منْ صفاتِهِ العُلَى، والشريعةُ الصادرةُ عنْ أمرِهِ مَبْنَاهَا على الحكمةِ، والرسولُ المبعوثُ بها مبعوثاً بالكتابِ والحكمةِ... فَكَمَا لا يَخْرُجُ مَقْدُورٌ عنْ علمِهِ وقُدْرتِهِ ومشيئتِهِ، فهكذا لا يَخْرُجُ عنْ حكمتِهِ وحمدِهِ).

    ([فـ]اسمُهُ سبحانَهُ (( الحكيمُ )) يَتَضَمَّنُ حِكْمَتَهُ في خلقِهِ وأمرِهِ، في إرادتِهِ الدِّينِيَّةِ والكَوْنِيَّةِ، وهوَ حكيمٌ في كلِّ ما خَلَقَ، حَكِيمٌ في كلِّ ما أَمَرَ بهِ)
    (وهوَ الحكيمُ الذي لَهُ الحُكْمُ، قالَ تَعَالَى: {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ } [غافر: 12])

    (وهوَ الحكيمُ وذاكَ مِنْ أوصافِهِ = نوعانِ أيضاً ما هُمَا عَدَمَانِ
    حُكْمٌ وإحكامٌ فكلٌّ منهما = نوعانِ أيضاً ثابِتَا البُرْهَانِ
    والحُكْمُ شَرْعِيٌّ وَكَوْنِيٌّ وَلا = يَتَلازَمَانِ وما هُمَا سِيَّانِ
    بلْ ذاكَ يُوجَدُ دونَ هذا مُفْرَداً = والعكسُ أيضاً ثُمَّ يَجْتَمِعَانِ
    لنْ يَخْلُوَ المَرْبُوبُ مِنْ إِحْدَاهُمَا = أو مِنْهُمَا بلْ ليسَ يَنْتَفِيَانِ
    لَكِنَّمَا الشَّرْعِيُّ مَحْبُوبٌ لَهُ = أَبَداً ولنْ يَخْلُو من الأكوانِ
    هوَ أَمْرُهُ الدِّينِيُّ جَاءَتْ رُسْلُهُ = بِقِيَامِهِ في سائِرِ الأزمانِ
    لَكِنَّمَا الكَوْنِيُّ فَهْوَ قَضَاؤُهُ = في خلقِهِ بالعَدْلِ والإحسانِ
    هُوَ كُلُّهُ حَقٌّ وَعَدْلٌ ذُو رِضاً = والشأنُ في المَقْضِيِّ كلُّ الشَّانِ
    فَلِذَاكَ نَرْضَى بالقضاءِ وَنَسْخَطُ الْـ = مَقْضِيَّ حينَ يكونُ بالعصيانِ
    فاللهُ يَرْضَى بالقضاءِ وَيَسْخَطُ الـ = مَقْضِيَّ ما الأمرانِ مُتَّحِدَانِ
    فَقَضَاؤُهُ صفةٌ بهِ قامَتْ وَمَا الـ = مَقْضِيُّ إلاَّ صنعةُ الإنسانِ
    والكونُ مَحْبُوبٌ ومبغوضٌ لَهُ = وكلاهُمَا بِمَشِيئَةِ الرحمنِ
    هذا البيانُ يُزِيلُ لَبْساً طَالَمَا = هَلَكَتْ عليهِ الناسُ كلَّ زَمَانِ
    وَيَحُلُّ مَا قَدْ عَقَّدُوا بأُصُولِهِم = وَبُحُوثِهِم فَافْهَمْهُ فَهْمَ بَيَانِ
    مَنْ وَافَقَ الكَوْنِيَّ وَافَقَ سُخْطَهُ = [إِنْ] لَمْ يُوَافِقْ طَاعَةَ الدَّيَّانِ
    فلذاكَ لا يَعْدُوهُ ذَمٌّ أوْ فَوَا = تُ الحمدِ معْ أَجْرٍ وَمَعْ رِضْوَانِ
    وَمُوَافِقُ الدِّينِيِّ لا يَعْدُوهُ أَجْـ = ـرٌ بلْ لهُ عندَ الصوابِ اثْنَانِ


    والحكمةُ العُلْيَا على نَوْعَيْنِ أَيْــ = ـضاً حُصِّلاَ بقواطِعِ البرهانِ
    إِحْدَاهُمَا فِي خَلْقِهِ سُبْحَانَهُ = نَوْعَانِ أَيْضاً ليسَ يَفْتَرِقَانِ
    إِحْكَامُ هذا الخَلْقِ إذْ إِيجَادُهُ = في غايَةِ الإحكامِ والإتْقَانِ
    وَصُدُورُهُ مِنْ أَجْلِ غَايَاتٍ لَهُ = وَلَهُ عليها حَمْدُ كلِّ لِسَانِ
    وَالحكمةُ الأُخْرَى فَحِكْمَةُ شَرْعِهِ = أيضاً وفيها ذَانِكَ الوَصْفَانِ
    غَايَاتُهَا اللاَّتِي حُمِدْنَ وَكَوْنُهَا = فِي غايَةِ الإتقانِ والإحسانِ)
    . [المرتبع الأسنى]

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •