شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد - الصفحة 3
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123
النتائج 41 إلى 54 من 54
6اعجابات

الموضوع: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,879

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    قال ابن القيم
    (وكذلكَ التوَّابُ منْ أوصافِهِ = والـتَّوْبُ في أوصافِهِ نَوْعَانِ
    إِذْنٌ بتوبةِ عبدِهِ وَقَبُـولُهَـا = بعدَ المَتَابِ بِمِنَّـةِ المنـَّـانِ

    ([فـ]توبةُ العبدِ إلى اللهِ محفوفةٌ بتوبةٍ من اللهِ عليهِ قَبْلَهَا، وتوبةٍ منهُ بعدَهَا، فتوبتُهُ بينَ تَوْبَتَيْنِ منْ ربِّهِ: سابقةٍ ولاحقةٍ؛ فإنَّهُ تَابَ عليهِ أَوَّلاً إِذْناً وَتَوْفِيقاً وَإِلْهَاماً فتابَ العبدُ؛ فَتَابَ اللهُ عليهِ ثانياً قَبُولاً وإثابةً.
    قالَ اللهُ سبحانَهُ وتَعَالَى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِي نَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)} [التوبة: 117-118]. فَأَخْبَرَ سبحانَهُ أنَّ تَوْبَتَهُ عليهم سَبَقَتْ تَوْبَتَهُم، وأنَّهَا هيَ التي جَعَلَتْهُم تَائِبِينَ. فكانتْ سَبَباً مُقْتَضِياً لِتَوْبَتِهِم، فَدَلَّ على أنَّهُم ما تَابُوا حتَّى تَابَ اللهُ تَعَالَى عليهم، والحكمُ يَنْتَفِي لانتفاءِ عِلَّتِهِ.

    وَنَظِيرُ هذا: هِدَايَتُهُ لِعَبْدِهِ قبلَ الاهتداءِ، فَيَهْتَدِي بهدايتِهِ، فَتُوجِبُ لهُ تلكَ الهدايَةُ هدايَةً أُخْرَى يُثِيبُهُ اللهُ بها هدايَةً على هدايتِهِ، فإنَّ مِنْ ثوابِ الهُدَى: الهُدَى بعدَهُ، كما أنَّ منْ عُقُوبةِ الضلالةِ: الضلالةَ بَعْدَهَا. قالَ اللهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمَّد: 17]. فَهَدَاهُم أَوَّلاً فَاهْتَدَوْا، فَزَادَهُم هُدًى ثانياً. وَعَكْسُهُ في أهلِ الزَّيْغِ، كقولِهِ تَعَالَى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}[الصف: 5]. فهذهِ الإزاغةُ الثانيَةُ عُقُوبَةٌ لهم على زَيْغِهِم.

    وهذا القدرُ منْ سرِّ اسْمَيْهِ (( الأوَّلِ والآخرِ )) فهوَ المُعِدُّ وهوَ المُمِدُّ، ومنهُ السَّبَبُ والمُسَبَّبُ، وهوَ الذي يُعِيذُ منْ نفسِهِ بنفسِهِ، كما قالَ أَعْرَفُ الخلقِ بهِ: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ)).

    والعبدُ تَوَّابٌ، واللهُ تَوَّابٌ، فتوبةُ العبدِ: رُجُوعُهُ إلى سَيِّدِهِ بعدَ الإِبَاقِ، وتوبةُ اللهِ نَوْعَانِ: إِذْنٌ وَتَوْفِيقٌ، وَقَبُولٌ وإمدادٌ)
    . [المرتبع الأسنى]
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة رضا الحملاوي

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,879

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    قال ابن القيم
    ( (( الوَاجِدُ )) في أسمائِهِ سبحانَهُ... بمعنَى: ذُو الوُجدِ والغِنَى، وهوَ ضِدُّ الفاقِدِ، وهوَ كالمُوسِعِ ذِي السَّعَةِ، قالَ تَعَالَى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47)} [الذاريات: 47]؛ أيْ: ذَوُو سَعَةٍ وقدرةٍ وملكٍ، كما قالَ تَعَالَى: {ومتعوهنَّ على الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236].

    وَدَخَلَ في أسمائِهِ سبحانَهُ (( الواجِدُ )) دونَ " المُوجِدِ "؛ فإنَّ (( المُوجِدَ )) صفةُ فِعْلٍ، وهوَ مُعْطِي الوجودِ؛ كالمْحُيْيِ مُعْطِي الحياةِ، وهذا الفعلُ لمْ يَجِئْ إطلاقُهُ في أفعالِ اللهِ في الكتابِ ولا في السُّنَّةِ، فلا يُعْرَفُ إطلاقُ: أَوْجَدَ اللهُ كذا وكذا. وَإِنَّمَا الذي جَاءَ: خَلَقَهُ وَبَرَأَهُ وَصَوَّرَهُ وَأَعْطَاهُ خَلْقَهُ، ونحوُ ذلكَ.

    فَلَمَّا لمْ يَكُنْ يُسْتَعْمَلُ فِعْلُهُ لمْ يَجِئ اسمُ الفاعلِ منهُ في أسمائِهِ الحُسْنَى؛ فإنَّ الفعلَ أَوْسَعُ من الاسمِ، ولهذا أَطْلَقَ اللهُ على نفسِهِ أَفْعَالاً لمْ يَتَسَمَّ منها بأسماءِ الفاعلِ، كَأَرَادَ، وَشَاءَ، وَأَحْدَثَ. ولمْ يُسَمَّ " بالمُرِيدِ " و " الشَّائِي " و " المُحْدِثِ "، كَمَا لمْ يُسَمِّ نَفْسَهُ " بالصَّانِعِ " و " الفاعِلِ " و " المُتْقِنِ " وغيرِ ذلكَ من الأسماءِ التي أَطْلَقَ على نفسِهِ [أَفْعَالَهَا]، فبابُ الأفعالِ أَوْسَعُ منْ بابِ الأسماءِ.

    وقدْ أَخْطَأَ أَقْبَحَ خَطَإٍ مَن اشْتَقَّ لهُ منْ كلِّ فِعْلٍ اسْماً، وبَلَغَ بأسمائِهِ زيادةً على الأَلْفِ، فَسَمَّاهُ " المَاكِرَ، والمُخَادِعَ، والفَاتِنَ، والكَائِدَ "، ونحوَ ذلكَ.

    وكذلكَ بابُ الإخبارِ عنهُ بالاسمِ أَوْسَعُ منْ تَسْمِيَتِهِ بهِ، فإنَّهُ يُخْبَرُ عنهُ بأنَّهُ " شَيْءٌ وَمَوْجُودٌ، وَمَذْكُورٌ، وَمَعْلُومٌ، وَمُرَادٌ "، لا يُسَمَّى بذلكَ.

    فأمَّا (( الواجِدُ )) فلمْ تَجِئْ تَسْمِيَتُهُ بهِ إلاَّ في حديثِ تَعْدَادِ الأسماءِ الحُسْنَى ([1]). والصحيحُ: أنَّهُ ليسَ منْ كلامِ النبيِّ، ومعناهُ صحيحٌ؛ فإنَّهُ ذو الوُجْدِ والغِنَى، فهوَ أَوْلَى بأنْ يُسَمَّى بهِ من (( الموجودِ )) ومن (( المُوجِدِ ))، أمَّا (( المَوْجُودُ )) فَإِنَّهُ مُنْقَسِمٌ إلى كاملٍ وناقصٍ، وخيرٍ وشرٍّ، وما كانَ مُسَمَّاهُ مُنْقَسِماً لمْ يَدْخُل اسْمُهُ في الأسماءِ الحُسْنَى، كالشيءِ والمعلومِ، ولذلكَ لمْ يُسَمَّ بالمُرِيدِ، ولا بالمُتَكَلِّمِ وإنْ كانَ لهُ الإرادةُ والكلامُ، لانْقِسَامِ مُسَمَّى (( المُرِيدِ )) و (( المُتَكَلِّمِ )). وأمَّا (( المُوجِدُ )) فقدْ سَمَّى نَفْسَهُ بأكملِ أنواعِهِ، وهوَ (الخالِقُ، البارِئُ، المُصَوِّرُ)، فالمُوجِدُ كالمُحْدِثِ والفاعلِ والصانعِ، وهذا مِنْ دقيقِ فِقْهِ الأسماءِ الحُسْنَى، فتَأَمَّلْهُ. وباللهِ التوفيقُ)
    [المرتبع الأسنى]
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة رضا الحملاوي

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,879

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    قال ابن القيم ...
    (أمَّا تَسْمِيَتُهُ سبحانَهُ بـ (( الشكورِ )) فهوَ في حديثِ أبي هُرَيْرَةَ ([1])، وفي القرآنِ تَسْمِيَتُهُ ((شَاكِراً))، قالَ اللهُ تَعَالَى: {وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)} [النساء: 147]. وَتَسْمِيَتُهُ أيضاً (( شكورٌ )) قالَ اللهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17)} [التغَابُن: 17]. ((وقالَ أهلُ الجنَّةِ: {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34)} [فاطر: 34]، فهذا الشُّكْرُ … هوَ وَصْفُهُ سُبْحَانَهُ))

    وقالَ تَعَالَى: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22)} [الإنسان: 22]. فَجَمَعَ لهم سُبْحَانَهُ بينَ الأمرَيْنِ: أنْ شَكَرَ سَعْيَهُم، وَأَثَابَهُم عليهِ، واللهُ تَعَالَى يَشْكُرُ عبدَهُ إذا أَحْسَنَ طاعَتَهُ، وَيَغْفِرُ لهُ إذا تَابَ عليهِ، فَيَجْمَعُ للعبدِ بينَ شُكْرِهِ لإحسانِهِ ومغفرتِهِ لإساءتِهِ، إنَّهُ غفورٌ شكورٌ)

    (وهوَ الشَّكورُ فَلَنْ يُضَيِّعَ سَعْيَهُم = لكنْ يُضَـاعِفُهُ بلا حُسْبَانِ
    مَا للعبادِ عليهِ حقٌّ وَاجِبٌ = هوَ أَوْجَبَ الأجْرَ العظيمَ الشانِ
    كَلاَّ ولا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائـِـعٌ = إنْ كانَ بالإخلاصِ والإحسانِ
    إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أوْ نُعِّمُوا = فبِفَضْلِهِ " والحمدُ للمنَّانِ([4]))

    (فـ]اللهُ تَعَالَى شكورٌ إذا رَضِيَ من العبدِ عملاً منْ أعمالِهِ نَجَّاهُ، وأَسْعَدَهُ بهِ وَثَمَّرَهُ لهُ وَبَارَكَ لهُ فيهِ، وَأَوْصَلَهُ بهِ إليهِ، وَأَدْخَلَهُ بهِ عليهِ، ولمْ يَقْطَعْهُ بهِ عنهُ)([5]).

    (فهوَ أَوْلَى بصفةِ الشكرِ منْ كلِّ شكورٍ، بلْ هوَ الشكورُ على الحقيقةِ، فإنَّهُ يُعْطِي العبدَ وَيُوَفِّقُهُ لِمَا يَشْكُرُهُ عَلَيْهِ، ويَشْكُرُ القليلَ من العملِ والعطاءِ، فلا يَسْتَقِلُّهُ أنْ يَشْكُرَهُ، وَيَشكُرُ الحسنةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلى أضعافٍ مُضَاعَفَةٍ، وَيَشْكُرُ عَبْدَهُ:
    بقولِهِ: بأنْ يُثْنِيَ عليهِ بينَ ملائكتِهِ وفي مَلأِهِ الأَعْلَى، وَيُلْقِيَ لهُ الشُّكْرَ بينَ عبادِهِ.
    وَيَشْكُرُهُ بفعلِهِ: فإذا تَرَكَ لهُ شيئاً أَعْطَاهُ أَفْضَلَ منهُ، وإذا بَذَلَ لهُ شَيْئاً رَدَّهُ عليهِ أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً، وهوَ الذي وَفَّقَهُ للتَّرْكِ والبَذْلِ, وشُكْرُهُ على هذا وذاكَ.

    وَلَمَّا عَقَرَ نَبِيُّهُ سُلَيْمَانُ الخيلَ غضباً لهُ؛ إذْ شَغَلَتْهُ عنْ ذِكْرِهِ، فَأَرَادَ ألاَّ تَشْغَلَهُ مَرَّةً أُخْرَى أَعَاضَهُ عنها متنَ الريحِ، ولَمَّا تَرَكَ الصحابةُ ديارَهُم وَخَرَجُوا منها في مَرْضَاتِهِ، أَعَاضَهُم عنها أنْ مَلَّكَهُم الدُّنْيا وَفَتَحَهَا عليهم.

    ولَمَّا احْتَمَلَ يُوسُفُ الصدِّيقُ ضِيقَ السجنِ شَكَرَ لهُ ذلكَ بأنْ مَكَّنَ لهُ في الأرضِ يَتَبَوَّأُ منها حيثُ يَشَاءُ، ولَمَّا بَذَلَ الشهداءُ أَبْدَانَهُم لهُ حَتَّى مَزَّقَهَا أعداؤُهُ شَكَرَ لهم بأنْ أَعَاضَهُم منها طَيْراً خُضْراً أَقَرَّ أَرْوَاحَهُم فيها تَرِدُ أنهارَ الجنَّةِ وتأكلُ منْ ثمارِهَا إلى يومِ البعثِ، فَيَرُدُّهَا عليهم أَكْمَلَ ما تكونُ وأجملَهُ وأَبْهَاهُ، ولَمَّا بَذَلَ رُسُلُهُ أَعْرَاضَهُم فيهِ لأَعْدَائِهِم فَنَالُوا منهم وَسَبُّوهُم، أَعَاضَهُم منْ ذلكَ بأنْ صَلَّى عليهم هوَ وملائكتُهُ، وَجَعَلَ لهم أَطْيَبَ الثناءِ في سماواتِهِ وبينَ خلقِهِ، فَأَخْلَصَهُم بخالصةٍ ذِكْرَى الدارِ.

    ومِنْ شُكْرِهِ سبحانَهُ: أنَّهُ يُجَازِي عَدُوَّهُ بما يَفْعَلُهُ من الخيرِ والمعروفِ في الدنيا، وَيُخَفِّفُ بهِ عنهُ يومَ القيامةِ، فلا يُضَيِّعُ عليهِ ما يَعْمَلُهُ من الإحسانِ وهوَ منْ أَبْغَضِ خَلْقِهِ إليهِ.

    ومِنْ شُكْرِهِ أنَّهُ غَفَرَ للمرأةِ البَغِيِّ بِسَقْيِهَا كَلْباً كانَ قدْ جَهَدَهُ العطشُ حتَّى أَكَلَ الثَّرَى، وَغَفَرَ لآخرَ بِتَنْحِيَتِهِ غُصْنَ شوكٍ عنْ طريقِ المسلمينَ.

    فهوَ سبحانَهُ يَشْكُرُ العبدَ على إحسانِهِ لنفسِهِ، والمخلوقُ إنَّمَا يَشْكُرُ مَنْ أَحْسَنَ إليهِ. وَأَبْلَغُ منْ ذلكَ أنَّهُ سبحانَهُ هوَ الذي أَعْطَى العبدَ ما يُحْسِنُ بهِ إلى نفسِهِ، وَشَكَرَهُ على قليلِهِ بالأضعافِ المضاعفةِ التي لا نِسْبَةَ لإحسانِ العبدِ إليها، فهوَ المُحْسِنُ بإعطاءِ الإحسانِ وإعطاءِ الشكرِ، فَمَنْ أَحَقُّ باسمِ (( الشكورِ )) منهُ سُبْحَانَهُ؟!!
    وتَأَمَّلْ قولَهُ سبحانَهُ: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)} [النساء: 147]، كيفَ تَجِدُ في ضِمْنِ هذا الخطابِ أنَّ شُكْرَهُ تَعَالَى يَأْبَى تَعْذِيبَ عبادِهِ بغيرِ جُرْمٍ كما يَأْبَى إضاعةَ سَعْيِهِم باطلاً، فالشكورُ لا يُضِيعُ أَجْرَ مُحْسِنٍ، ولا يُعَذِّبُ غيرَ مُسِيءٍ.

    وفي هذا رَدٌّ لقولِ مَنْ زَعَمَ أنَّهُ سبحانَهُ يُكَلِّفُهُ ما لا يُطِيقُهُ، ثُمَّ يُعَذِّبُهُ على ما لا يَدْخُلُ تحتَ قُدْرَتِهِ، تَعَالَى اللهُ عنْ هذا الظنِّ الكاذبِ والحِسبانِ الباطلِ عُلُوًّا كبيراً، فَشُكْرُهُ سبحانَهُ اقْتَضَى أنْ لا يُعَذِّبَ المؤمنَ الشكورَ، ولا يُضَيِّعَ عَمَلَهُ، وذلكَ منْ لوازمِ هذهِ الصفةِ، فهوَ مُنَـزَّهٌ عنْ خلافِ ذلكَ كما يُنَـزَّهُ عنْ سائرِ العيوبِ والنقائصِ التي تُنَافِي كمالَهُ وغِنَاهُ وحمدَهُ.

    ومِنْ شُكْرِهِ سبحانَهُ أَنَّهُ يُخْرِجُ العبدَ من النارِ بِأَدْنَى مثقالِ ذرَّةٍ منْ خيرٍ، ولا يُضِيعُ عليهِ هذا القدرَ. ومِنْ شُكْرِهِ سبحانَهُ أنَّ العبدَ منْ عبادِهِ يَقُومُ لهُ مَقَاماً يُرْضِيهِ بينَ الناسِ، فَيَشْكُرُهُ لهُ، وَيُنَوِّهُ بذكرِهِ، وَيُخْبِرُ بهِ ملائكتَهُ وعبادَهُ المؤمنينَ، كما شَكَرَ لمُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ ذلكَ المقامَ، وَأَثْنَى بهِ عليهِ، وَنَوَّهَ بذكرِهِ بينَ عبادِهِ، وكذلكَ شَكَرَ لصاحبِ يس مَقَامَهُ وَدَعْوَتَهُ إليهِ، فلا يَهْلِكُ عليهِ بينَ شُكْرِهِ ومغفرتِهِ إلاَّ هَالِكٌ، فإنَّهُ سبحانَهُ غفورٌ شكورٌ، يَغْفِرُ الكثيرَ من الزَّلَلِ، ويَشْكُرُ القليلَ من العملِ.

    وَلَمَّا كانَ سُبْحَانَهُ هوَ الشكورَ على الحقيقةِ كانَ أحبُّ خَلْقِهِ إليهِ مَن اتَّصَفَ بصفةِ الشكرِ، كما أنَّ أبغضَ خلقِهِ إليهِ مَنْ عَطَّلَهَا وَاتَّصَفَ بِضِدِّهَا. وهذا شَأْنُ أَسْمَائِهِ الحُسْنَى أَحَبُّ خَلْقِهِ إليهِ مَن اتَّصَفَ بِمُوجَبِهَا، وَأَبْغَضُهُم إليهِ مَن اتَّصَفَ بِأَضْدَادِهَا، ولهذا يُبْغِضُ الكفورَ والظالمَ والجاهلَ والقاسِيَ القلبِ والبخيلَ والجبانَ والمهينَ واللئيمَ، وهوَ سبحانَهُ جميلٌ يُحِبُّ الجمالَ، عليمٌ يُحِبُّ العلماءَ، رَحِيمٌ يُحِبُّ الراحمِينَ، مُحْسِنٌ يُحِبُّ المحسنِينَ، شَكُورٌ يُحِبُّ الشاكِرِينَ، صَبُورٌ يُحِبُّ الصابِرِينَ، جَوَادٌ يُحِبُّ أَهْلَ الجودِ، سَتَّارٌ يُحِبُّ أَهْلَ السترِ، قادِرٌ يَلُومُ على العجزِ، والمؤمنُ القَوِيُّ أَحَبُّ إليهِ من المؤمنِ الضعيفِ، عَفُوٌّ يُحِبُّ العفوَ، وِتْرٌ يـُحِبُّ الـوِتْرَ، وَكُـلُّ ما يُحِبُّهُ فهوَ منْ آثارِ أسمائِهِ وصفاتِهِ وموجَبِهَا، وكلُّ ما يُبْغِضُهُ فهوَ ممَّا يُضَادُّهَا وَيُنَافِيهَا)
    [المرتبع الأسنى]

    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة رضا الحملاوي

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,879

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    قال ابن القيم ...... ( (الصَّبُورُ):
    (أمَّا الصبرُ فقدْ أَطْلَقَهُ عليهِ أَعْرَفُ الخلقِ بهِ وأعظمُهُم تَنْـزِيهاً لهُ بصيغةِ المبالغةِ، ففي الصحيحَيْنِ منْ حديثِ الأعمشِ: عنْ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عنْ أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيِّ، عنْ أبي مُوسَى، عن النبيِّ قالَ: ((مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَه مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَدَّعُونَ لَهُ وَلَداً وَهُوَ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ))

    وفي أسمائِهِ الحُسْنَى: (( الصَّبُورُ ))، وهوَ منْ أمثلةِ المبالغةِ، أَبْلَغُ من الصابرِ والصبَّارِ، وَصَبْرُهُ تَعَالَى يُفَارِقُ صبرَ المخلوقِ ولا يُمَاثِلُهُ منْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ:
    منها: أنَّهُ على قدرةٍ تَامَّةٍ.
    ومنها: أنَّهُ لا يَخَافُ الغَوْثَ، والعبدُ إِنَّمَا يَسْتَعْجِلُ لِخَوْفِ الغوثِ.
    ومنها: أنَّهُ لا يَلْحَقُهُ بِصَبْرِهِ أَلَمٌ ولا حزنٌ ولا نقصٌ بوجهٍ ما.
    وظهورُ أثرِ هذا الاسمِ في العالمِ مشهودٌ بالعِيانِ كظهورِ اسمِهِ الحليمِ. والفرقُ بينَ الصبرِ والحِلمِ أنَّ الصبرَ ثمرةُ الحلمِ ومُوجَبُهُ، فعلى قدرِ حِلْمِ العبدِ يكونُ صَبْرُهُ.

    فالحِلْمُ في صفاتِ الربِّ تَعَالَى أَوْسَعُ من الصبرِ، ولهذا جاءَ اسمُهُ الحليمُ في القرآنِ في غيرِ موضعٍ، وَلِسَعَتِهِ يَقْرِنُهُ سبحانَهُ باسمِ العليمِ كقولِهِ: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (51)} [الأحزاب: 51]، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)} [النساء: 12].

    وفي أثرٍ: إِنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةٌ: اثْنَانِ يَقُولانِ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَكَ الْحَمْدُ عَلَى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ)). وَاثْنَانِ يَقُولانِ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَكَ الحَمْدُ عَلَى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ)).

    فإنَّ المخلوقَ يَحْلُمُ عنْ جهلٍ، وَيَعْفُو عنْ عَجْزٍ، والربُّ تَعَالَى يَحْلُمُ معَ كمالِ علمِهِ، وَيَعْفُو معَ تمامِ قُدرتِهِ، وما أُضِيفَ شيءٌ إلى شيءٍ أَزْيَنَ منْ حلمٍ إلى علمٍ، ومنْ عفوٍ إلى اقْتِدَارٍ، ولهذا كانَ في دُعَاءِ الكربِ وصفُهُ سبحانَهُ بالحلمِ معَ العظمةِ، وكونُهُ حَلِيماً منْ لَوَازِمِ ذاتِهِ سبحانَهُ.

    وأمَّا صَبْرُهُ سبحانَهُ فَمُتَعَلِّقٌ بكُفْرِ العبادِ وشركِهِم، وَمَسَبَّتِهِم لهُ سبحانَهُ، وأنواعِ معاصِيهِم وَفُجُورِهِم، فلا يُزْعِجُهُ ذلكَ كلُّهُ إلى تعجيلِ العقوبةِ، بلْ يَصْبِرُ على عبدِهِ وَيُمْهِلُهُ وَيَسْتَصْلِحُه ُ وَيَرْفُقُ بهِ وَيَحْلُمُ عليهِ، حتَّى إذا لمْ يَبْقَ فيهِ موضعٌ للصنيعةِ، ولا يَصْلُحُ على الإمهالِ والرفقِ والحِلْمِ ولا يُنِيبُ إلى رَبِّهِ وَيَدْخُلُ عليهِ، لا مِنْ بابِ الإحسانِ والنِّعَمِ، ولا منْ بابِ البلاءِ والنِّقَمِ، أَخَذَهُ أَخْذَ عزيزٍ مُقْتَدِرٍ بعدَ غايَةِ الإعذارِ إليهِ وَبَذْلِ النصيحةِ لهُ ودُعَائِهِ إليهِ منْ كلِّ بابٍ، وهذا كُلُّهُ منْ مُوجباتِ صفةِ حِلْمِهِ، وهيَ صفةٌ ذاتيَّهٌ لهُ لا تَزُولُ.

    وأمَّا الصبرُ فإذا زَالَ مُتَعَلَّقُهُ كَانَ كسائرِ الأفعالِ التي تُوجَدُ بوجودِ الحكمةِ وتَزُولُ بزوالِهَا، فتَأَمَّلْهُ؛ فَإِنَّهُ فَرْقٌ لطيفٌ ما عَثَرَت الحُذَّاقُ بعُشْرِهِ، وَقَلَّ مَنْ تَنَبَّهَ لهُ وَنَبَّهَ عليهِ.

    وَأُشْكِلَ على كثيرٍ منهم هذا الاسمُ، وقالُوا: لمْ يَأْتِ في القرآنِ، فَأَعْرَضُوا عن الاشتغالِ بهِ صَفْحاً، ثُمَّ اشْتَغَلُوا بالكلامِ في صبرِ العبدِ وأقسامِهِ.

    ولوْ أنَّهُم أَعْطَوْا هذا الاسمَ حَقَّهُ لَعَلِمُوا أنَّ الربَّ تَعَالَى أَحَقُّ بهِ منْ جميعِ الخلقِ، كما هوَ أحقُّ باسمِ العليمِ والرحيمِ والقديرِ والسميعِ والبصيرِ والحيِّ وسائرِ أسمائِهِ الحُسْنَى من المخلوقِينَ، وأنَّ التَّفَاوُتَ الذي بينَ صبرِهِ سبحانَهُ وصبرِهِم كالتفاوتِ الذي بينَ حياتِهِ وحياتِهِم، وعلمِهِ وعلمِهِم، وسمعِهِ وأسماعِهِم، وكذا سائرُ صفاتِهِ.

    ولَمَّا عَلِمَ ذلكَ أَعْرَفُ خَلْقِهِ بهِ قالَ: ((لا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ)). فَعِلْمُ أربابِ البصائرِ بصبرِهِ سبحانَهُ كَعِلْمِهِم برحمتِهِ وعفوِهِ وسَترِهِ، معَ أنَّهُ صَبْرٌ مَعَ كمالِ علمٍ وقدرةٍ وعظمةٍ وعِزَّةٍ، وهوَ صَبْرٌ منْ أعظمِ مَصْبُورٍ عليهِ؛ فإنَّ مُقَابَلَةَ أعظمِ العظماءِ ومَلِكِ المُلُوكِ وأكرمِ الأكرمِينَ ومَنْ إحسانُهُ فوقَ كلِّ إحسانٍ بغايَةِ القبحِ وأعظمِ الفجورِ وأفحشِ الفواحشِ، ونسبتِهِ إلى كلِّ ما لا يَلِيقُ بهِ، والقدحِ في كمالِهِ وأسمائِهِ وصفاتِهِ، والإلحادِ في آياتِهِ وتكذيبِ رُسُلِهِ عليهم السلامُ، وَمُقَابَلَتِهِ م بالسبِّ والشتمِ والأَذَى، وَتَحْرِيقِ أَوْلِيَائِهِ وَقَتْلِهِم وَإِهَانَتِهِم: أمرٌ لا يَصْبِرُ عليهِ إلاَّ (( الصبورُ )) الذي لا أَحَدَ أَصْبَرُ منهُ، ولا نِسْبَةَ لصبرِ جميعِ الخلقِ منْ أَوَّلِهِم إلى آخرِهِم إلى صبرِهِ سبحانَهُ.

    وإذا أَرَدْتَ معرفةَ صَبْرِ الربِّ تَعَالَى وَحِلْمِهِ والفرقِ بَيْنَهُمَا فتَأَمَّلْ قولَهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41)} [فاطر: 41]. وقولَهُ: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)} [مريم: 88 –91].
    وقولَهُ: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)} [إبراهيم: 46]، على قراءةِ مَنْ فَتَحَ اللامَ.

    فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أنَّ حِلْمَهُ وَمَغْفِرَتَهُ يَمْنَعَانِ زوالَ السَّمَاواتِ والأرضِ، فالحِلمُ وَإِمْسَاكُهُمَ ا أنْ تَزُولا هوَ الصبرُ، فَبِحِلْمِهِ صَبَرَ عنْ مُعاجلةِ أعدائِهِ.

    وفي الآيَةِ إشعارٌ بأنَّ السَّمَاواتِ والأرضَ تَهِمُّ وَتَسْتَأْذِنُ بالزوالِ لِعِظَمِ ما يَأْتِي بهِ العِبَادُ، فَيُمْسِكُهَا بِحِلْمِهِ ومغفرتِهِ، وذلكَ حبسُ عُقُوبَتِهِ عنهم، وهوَ حقيقةُ صبرِهِ تَعَالَى.
    فالذي عنهُ الإمساكُ هوَ صفةُ الحلمِ، والإمساكُ هوَ الصبرُ، وهوَ حبسُ العقوبةِ، ففَرْقٌ بينَ حَبْسِ العقوبةِ وبينَ ما صَدَرَ عنهُ حَبْسُهَا. فتَأَمَّلْهُ.
    وفي مُسندِ الإمامِ أحمدَ مرفوعاً: ((مَا مِنْ يَوْمٍ إِلاَّ وَالبَحْرُ يَسْتَأْذِنُ رَبَّهُ أَنْ يُغْرِقَ بَنِي آدَمَ)). وهذا مُقْتَضَى الطبيعةِ؛ لأنَّ كَرَّةَ الماءِ تَعْلُو كرَّةَ الترابِ بالطبعِ، ولكنَّ اللهَ يُمْسِكُهُ بقُدْرَتِهِ وحلمِهِ وصبرِهِ.

    وكذلكَ خُرُورُ الجبالِ وَتَفْطِيرُ السَّمَاواتِ، الربُّ تَعَالَى يَحْبِسُهَا عنْ ذلكَ بصبرِهِ وحلمِهِ، فإنَّ ما يَأْتِي بهِ الكفَّارُ والمشركونَ والفجَّارُ في مقابلةِ العظمةِ والجلالِ والإكرامِ يَقْتَضِي ذلكَ.
    فَجَعَلَ سبحانَهُ في مقابلةِ هذهِ الأسبابِ أَسْبَاباً يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا وَيَفْرَحُ بها أكملَ فَرَحٍ وَأَتَمَّهُ، تُقَابِلُ تلكَ الأسبابَ التي هيَ سَبَبُ زَوَالِ العالمِ وخرابِهِ، فَدَفَعَتْ تلكَ الأسبابَ وَقَاوَمَتْهَا.
    وكانَ هذا منْ آثارِ مُدافعةِ رحمتِهِ لغضبِهِ وغَلَبَتِهَا لهُ وَسَبْقِهَا إيَّاهُ، فَغَلَبَ أثرُ الرحمةِ أثرَ الغضبِ كما غَلَبَت الرحمةُ الغضبَ، ولهذا اسْتَعَاذَ النبيُّ بصفةِ الرِّضَا منْ صفةِ السَّخَطِ، وبفعلِ المعافاةِ منْ فعلِ العقوبةِ، ثُمَّ جَمَعَ الأمرَيْنِ في الذاتِ إِذْ هُمَا قَائِمَانِ بها، فقالَ: ((أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ))

    فإنَّ ما يُسْتَعَاذُ بهِ هوَ صَادِرٌ عنْ مَشِيئَتِهِ وَخَلْقِهِ بإذنِهِ وقضائِهِ، فهوَ الذي أَذِنَ في وقوعِ الأسبابِ التي يُسْتَعَاذُ منها خَلْقاً وَكَوْناً، فمنهُ السَّبَبُ والمُسَبَّبُ، وهوَ الذي حَرَّكَ الأنفسَ والأبدانَ وَأَعْطَاهَا قُوَى التأثيرِ، وهوَ الذي أَوْجَدَهَا وَأَعَدَّهَا وَأَمَدَّهَا وَسَلَّطَهَا على ما شاءَ، وهوَ الذي يُمْسِكُهَا إذا شاءَ وَيَحُولُ بينَهَا وبينَ قُوَاهَا وَتَأْثِيرِهَا.

    فتَأَمَّلْ ما تحتَ قولِهِ: ((أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ)) مِنْ مَحْضِ التوحيدِ وقَطْعِ الالتفاتِ إلى غيرِهِ، وَتَكْمِيلِ التَّوَكُّلِ عليهِ تَعَالَى والاستعانةِ بهِ وحدَهُ، وَإِفْرَادِهِ بالخوفِ والرجاءِ ودَفْعِ الضرِّ وجلبِ الخيرِ، وهوَ الذي يَمَسُّ بالضرِّ بمشيئتِهِ، وهوَ الذي يَدْفَعُهُ بِمَشِيئَتِهِ، وهوَ المستعاذُ بمشيئتِهِ منْ مشيئتِهِ، وهوَ المُعِيذُ منْ فعلِهِ بفعلِهِ، وهوَ الذي سُبْحَانَهُ خَلَقَ ما يَصْبِرُ عليهِ وما يَرْضَى بهِ، فإذا أَغْضَبَهُ مَعَاصِي الخلقِ بِكُفْرِهِم وَشِرْكِهِم وَظُلْمِهِم أَرْضَاهُ تَسْبِيحُ ملائكتِهِ وعبادِهِ المؤمنينَ لهُ وَحَمْدُهُم إيَّاهُ، وَطَاعَتُهُم لهُ، فَيُعِيذُ رِضَاهُ منْ غضبِهِ.

    قالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ليسَ عندَ رَبِّكُم ليلٌ ولا نهارٌ، نورُ السَّمَاواتِ والأرضِ منْ نُورِ وجهِهِ، وإنَّ مِقْدَارَ يَوْمٍ منْ أيَّامِكُم عندَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، فَتُعْرَضُ عليهِ أعمالُكُم بالأمسِ أوَّلَ النهارِ الْيَوْمَ، فَيَنْظُرُ فيها ثلاثَ ساعاتٍ فَيَطَّلِعُ منها على ما يَكْرَهُ فَيُغْضِبُهُ ذلكَ، فَأَوَّلُ ما يَعْلَمُ بِغَضَبِهِ حَمَلَةُ العرشِ يَجِدُونَهُ يَثْقُلُ عليهم، تُسَبِّحُهُ حملةُ العرشِ وَسُرَادقَاتُ العرشِ والملائكةُ المُقَرَّبُونَ وسائرُ الملائكةِ، حتَّى يَنْفُخَ جبريلُ في القَرْنِ فلا يَبْقَى شيءٌ إلاَّ يَسْمَعُ، فَيُسَبِّحُونَ الرحمنَ ثلاثَ ساعاتٍ حتَّى يَمْتَلِئَ الرحمنُ رحمةً، فتلكَ سِتُّ سَاعَاتٍ، قالَ: ثُمَّ يُؤْتَى بالأرحامِ فَيَنْظُرُ فيها ثلاثَ ساعاتٍ، فذلكَ قولُهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عمرانَ: 6]، و {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا} [الشورى: 49 – 50]. فتلكَ تِسْعُ ساعاتٍ، ثُمَّ يُؤْتَى بالأرزاقِ، فَيَنْظُرُ فيها ثلاثَ ساعاتٍ، فذلكَ قولـُهُ: {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الرعد: 26]، وقولُهُ: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29)} [الرحمن: 29]. قالَ: هذا شَأْنُكُمْ وَشَأْنُ رَبِّكُمْ ".
    رَوَاهُ أبو القاسمِ الطَّبَرَانِيُّ في السُّنَّةِ، وعثمانُ بنُ سعيدٍ الدَّارِمِيُّ، وشيخُ الإسلامِ الأنصاريُّ، وابنُ مَنْدَهْ، وابنُ خُزَيْمَةَ وغيرُهُم.

    وَلَمَّا ذَكَرَ سبحانَهُ في سورةِ الأنعامِ أعداءَهُ وكُفْرَهُم وشِرْكَهُم وَتَكْذِيبَ رُسُلِهِ ذَكَرَ في أثرِ ذلكَ شأنَ خليلِهِ إبراهيمَ، وما أَرَاهُ منْ مَلَكُوتِ السَّمَاواتِ والأرضِ، وما حَاجَّ بهِ قومَهُ في إظهارِ دينِ اللهِ وتوحيدِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الأنبياءَ منْ ذُرِّيَّتِهِ، وأنَّهُ هَدَاهُم وآتَاهُم الكتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ، ثُمَّ قالَ: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89)} [الأنعام: 89]. فَأَخْبَرَ أنَّهُ سبحانَهُ كما جَعَلَ في الأرضِ مَنْ يَكْفُرُ بهِ وَيَجْحَدُ تَوْحِيدَهُ وَيُكَذِّبُ رُسُلَهُ كذلكَ جَعَلَ فيها منْ عبادِهِ مَنْ يُؤْمِنُ بما كَفَرَ بهِ أولئكَ وَيُصَدِّقُ بما كَذَّبُوا بهِ، وَيَحْفَظُ منْ حُرُماتِهِ ما أَضَاعُوهُ.

    وبهذا تَمَاسَكَ العالَمُ العلويُّ والسفليُّ، وإلاَّ فَلَو اتَّبَعَ الحقُّ أهواءَ أعدائِهِ لَفَسَدَت السَّمَاواتُ والأرضُ ومَنْ فيهِنَّ وَلَخَرِبَ العالمُ، ولهذا جَعَلَ سبحانَهُ منْ أسبابِ خرابِ العالمِ رَفْعَ الأسبابِ المُمْسِكَةِ لهُ من الأرضِ، وهِيَ كلامُهُ وَبَيْتُهُ ودِينُهُ والقائمونَ بهِ، فلا يَبْقَى لتلكَ الأسبابِ المقتضيَةِ لخرابِ العالمِ أسبابٌ تُقَاوِمُهَا وَتُمَانِعُهَا.

    وَلَمَّا كانَ اسمُ الحليمِ أَدْخَلَ في الأوصافِ، واسمُ الصبورِ في الأفعالِ، كانَ الحِلْمُ أَصْلَ الصبرِ؛ فَوَقَعَ الاستغناءُ بِذِكْرِهِ في القرآنِ عن اسمِ " الصبورِ "
    .[المرتبع الأسنى]
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة رضا الحملاوي

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,879

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    - الخالق، الخلاق، البارئ، المصوِّر

    قال تعالى: هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الحشر: 24].
    قال الخطابي: (-الخالق- هو المبدع للخلق المخترع له على غير مثال سابق، قال سبحانه: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر: 3]. فأما في نعوت الآدميين فمعنى الخلق: التقدير كقوله عز وجل: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [آل عمران: 49] (1) اهـ.
    والخلاق: من أفعال المبالغة من الخالق تدل على كثرة خلق الله تعالى وإيجاده، فكم يحصل في اللحظة الواحدة من بلايين المخلوقات التي هي أثر من آثار اسمه سبحانه الخلاق: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ [الحجر: 86].
    واسمه سبحانه (الخالق والخلاق) مما أقرت به جميع الأمم مؤمنهم وكافرهم، وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في معرض رده على من قال: أن اسم (الخالق) يثبت له سبحانه مجازاً.
    (إنه ليس في المعلومات أظهر من كون الله: (خالقاً)، ولهذا أقرت به جميع الأمم – مؤمنهم وكافرهم – ولظهور ذلك؛ وكون العلم به بديهياً فطرياً؛ احتج الله به على من أشرك به في عبادته فقال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزمر: 38]، في غير موضع من كتابه.
    فعلم أن كونه سبحانه (خالقاً): من أظهر شيء عند العقول، فكيف يكون الخبر عنه بذلك مجازاً؛ وهو أصل كل حقيقة، فجميع الحقائق تنتهي إلى خلقه وإيجاده، فهو الذي خلق وهو الذي علم، كما قال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 1-5].
    فجميع الموجودات انتهت إلى خلقه وتعليمه، فكيف يكون كونه خالقاً عالماً مجازاً؟ وإذا كان كونه خالقاً عالماً مجازاً: لم يبق له فعل حقيقة ولا اسم حقيقة، فصارت أفعاله كلها مجازات، وأسماؤه الحسنى كلها مجازات... إلى قوله: فإن جميع أهل الإسلام متفقون على أن الله خالق حقيقة لا مجازاً، بل وعباد الأصنام وجميع الملل) (2) .
    وقد ذكر رحمه الله تعالى اسمه سبحانه (الخلاق) في نونيته حيث قال:
    (وكذاك يشهد أنه سبحانه الخلاق باعث هذه الأبدان) (3)

    (4)
    (الباري) أي المنشئ للأعيان من العدم إلى الوجود والبرء هو الفري وهو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود, وليس كل من قدر شيئا ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله عز وجل كما قيل: ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري أي أنت تنفذ ما خلقت أي قدرت بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع كل ما يريد فالخلق التقدير, والفري التنفيذ.
    (المصور) الممثل للمخلوقات بالعلامات التي يتميز بعضها عن بعض, أي الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها, يقال هذه صورة الأمر أو مثاله فأولا يكون خلقا ثم برءا ثم تصويرا, وهذه الثلاثة الأسماء التي في سورة الحشر في خاتمتها هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى [الحشر:24] قال ابن كثير رحمه الله تعالى: أي الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون على الصفة التي يريد والصورة التي يختار كقوله تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ [الانفطار:8] (5


    https://www.dorar.net/aqadia/556/-%D8%A7%D9%84%D8%AE

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,879

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    السبوح

    قال تعالى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الجمعة: 1]
    وكان صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: ((سبوح قدوس، رب الملائكة والروح)) (1) .
    قال في اللسان: (قال أبو إسحاق الزجاج: (السبوح): الذي ينزه عن كل سوء) (2) (وقال ابن فارس والزبيدي وغيرهما: (سبوح) هو الله - عز وجل – فالمراد بالسبوح القدوس: المسبح المقدس، فكأنه قال: مسبح مقدس رب الملائكة والروح، ومعنى سبوح: المبرأ من النقائص والشريك، وكل ما لا يليق بالإلهية) (3) .
    والسبوح: هو الذي يسبحه، ويقدسه، وينزهه كل من في السماوات والأرض، كما قال تبارك وتعالى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الجمعة: 1]، ويقول سبحانه: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء: 44] (4) .
    قال في تهذيب اللغة: (-سبحان- في اللغة تنزيه الله عز وجل عن السوء.
    قلت: وهذا قول سيبويه فقال: سبحت الله تسبيحاً وسبحاناً بمعنى واحد فالمصدر تسبيح، والاسم سبحانه يقوم مقام المصدر. قال سيبويه: وقال أبو الخطاب الكبير: سبحان الله كقولك: براءة الله من السوء، كأنه قال: أبرئ الله من السوء، قلت: ومعنى تنزيه الله من السوء: تبعيده منه وكذلك تسبيحه: تبعيده من قولك: سبحت في الأرض. إذا أبعدت فيها... وجماع معناه بعده – تبارك وتعالى – عن أن يكون له مثل أو شريك أو ضد أو ند)https://www.dorar.net/aqadia/572/-%D...A8%D9%88%D8%AD

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,879

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    الرزاق، الرازق

    قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ الذاريات: 58.
    والرزاق والرازق اسمان من أسماء الله الحسنى، وهما مشتقان من مادة الرزق، والرزق هو كل ما ينتفع به.
    والرزق رزقان: رزق الأجسام بالأطعمة ونحوها، ورزق الأرواح بالعلوم والمعارف وهو أشرف الرزقين لأن ثمرته باقية وبه حياة الأبد، ورزق الأبدان إلى مدة قريبة الأمد.

    وكذلك الرزاق من أسمائه والرزق من أفعاله نوعان
    رزق على يد عبده ورسوله نوعان أيضاً ذان معروفان
    رزق القلوب العلم والإيمان والـ رزق المعد لهذه الأبدان
    هذا هو الرزق الحلال وربنا رزاقه والفضل للمنان
    والثاني سوق القوت للأعضاء في تلك المجاري سوقه بوزان
    هذا يكون من الحلال كما يكون من الحرام كلاهما رزقان
    والرب رزاقه بهذا الاعتبـ ـار وليس بالإطلاق دون بيان
    (2)
    فرزق الله لعباده نوعان: عام وخاص:
    [فالعام إيصاله لجميع الخليقة جميع ما تحتاجه في معاشها وقيامها، فسهل لها الأرزاق، ودبرها في أجسامها، وساق إلى كل عضو صغير وكبير ما يحتاجه من القوت، وهذا عام للبر والفاجر والمسلم والكافر، بل للآدميين والجن والملائكة والحيوانات كلها. وعام أيضًا من وجه آخر في حق المكلفين، فإنه قد يكون من الحلال الذي لا تبعة على العبد فيه، وقد يكون من الحرام ويسمى رزقًا ونعمة بهذا الاعتبار، ويقال (رزقه الله) سواء ارتزق من حلال أو حرام وهو مطلق الرزق.
    وأما الرزق المطلق فهو النوع الثاني، وهو الرزق الخاص، وهو الرزق النافع المستمر نفعه في الدنيا والآخرة، وهو الذي على يد الرسول صلى الله عليه وسلم: رزق القلوب بالعلم والإيمان وحقائق ذلك، فإن القلوب مفتقرة غاية الافتقار إلى أن تكون عالمة بالحق مريدة له متألهة لله متعبدة، وبذلك يحصل غناها ويزول فقرها. ورزق البدن بالرزق الحلال الذي لا تبعة فيه، فإن الرزق الذي خص به المؤمنين والذي يسألونه منه شامل للأمرين] (3)

    قال الشاعر:
    يا خالق الرزق للعباد وللو حش وللطير أنت رزاق
    فكل شيء إليك متجه وكل قلب إليك مشتاق
    وأعظم الرزق نور معرفة له وراء الضلوع إشراق

    وقد ورد اسم (الرزاق) مرة واحدة في القرآن الكريم في سورة الذاريات. في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ الذاريات: 58.
    أما (الرازق) فقد ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله هو المسعِّر، القابض، الباسط، الرازق...))https://www.dorar.net/aqadia/566/-:

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,879

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    الحيي، الستير

    قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل حليم، حيي ستير يحب الحياء والستر فإذا اغتسل أحدكم فليستتر)) (1) وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله حيي يستحي من عبده إذا مدَّ يديه إليه أن يردهما صفراً)) (2)
    قال السعدي رحمه الله: وهذا من رحمته، وكرمه، وكماله، وحلمه أن العبد يجاهره بالمعاصي مع فقره الشديد إليه، حتى أنه لا يمكنه أن يعصي إلا أن يتقوى عليها بنعم ربه، والرب مع كمال غناه عن الخلق كلهم من كرمه يستحيي من هتكه وفضيحته وإحلال العقوبة به، فيستره بما يقيِّض له من أسباب الستر، ويعفو عنه ويغفر له، فهو يتحبب إلى عباده بالنعم وهم يتبغّضون إليه بالمعاصي، خيره إليهم بعدد اللحظات وشرهم إليه صاعد، ولا يزال الملك الكريم يصعد إليه منهم بالمعاصي وكل قبيح ويستحيي تعالى ممن شاب في الإسلام أن يعذبه وممن يمد يديه إليه أن يردهما صفراً، ويدعو عباده إلى دعائه ويعدهم بالإجابة وهو الحيي الستِّير يحب أهل الحياء والستر، ومن ستر مسلماً ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، ولهذا يكره من عبده إذا فعل معصية أن يذيعها، بل يتوب إليه فيما بينه وبينه ولا يظهرها للناس، وإن من أمقت الناس إليه من بات عاصياً والله يستره، فيصبح يكشف ستر الله عليه، وقال تعالى:إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النور:19] وهذا كله من معنى اسمه (الحليم) الذي وسع حلمه أهل الكفر والفسوق والعصيان، ومنع عقوبته أن تحل بأهل الظلم عاجلاً، فهو يمهلهم ليتوبوا، ولا يهملهم إذا أصروا واستمروا في طغيانهم ولم ينيبواhttps://www.dorar.net/aqadia/554/-%D8%A7%D9%84

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,879

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    البر

    قال تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور: 25-28]
    اسم الله البر، فهو فاعل البرِّ (بالكسر)، والبر: هو الإحسان والاتساع والصلة والخير، وقيل: البر هو خير الدنيا والآخرة.
    فهو سبحانه بر بعباده أي يحسن إليهم، ويوسع عليهم بالخير، ويعطف عليهم، ولا يقطع الإحسان بسبب العصيان.
    قال الراغب الأصفهاني: (البر التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك إلى الله تارة نحو، إنه هو البر الرحيم: وإلى العبد تارة فيقال: بر العبد به أي توسع في طاعته فمن الله تعالى الثواب ومن العبد الطاعة...) (1) .
    فالله عز وجل هو البر بعباده أي العطوف عليهم، المحسن إليهم، عم بره جميع خلقه، فلم يبخل عليهم برزقه – وهو البر بالمحسن في مضاعفة الثواب له، والبر بالمسيء في الصفح والتجاوز عنه.
    وقد ورد هذا الاسم مرة واحدة في القرآن الكريم في سورة الطور.https://www.dorar.net

  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,879

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    الوهاب

    قال تعالى: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: 8].
    قال ابن جرير في تفسير قوله إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [ص: 35] يعني إنك أنت المعطي عبادك التوفيق والسداد للثبات على دينك وتصديق كتابك ورسلك.
    وقال: الوهاب لمن يشاء من خلقه، ما يشاء من ملك وسلطان ونبوة.
    وقال: إنك وهاب ما تشاء لمن تشاء، بيدك خزائن كل شيء تفتح من ذلك ما أردت لمن أردت (1) .
    وقال الخطابي: الوهاب هو الذي يجود بالعطاء عن ظهر يد من غير استثابة (2) أي من غير طلب للثواب من أحد.
    وقال الحليمي: (الوهاب) وهو: المتفضل بالعطايا المنعم بها لا عن استحقاق عليه (3) .
    وقال النسفي: الوهاب الكثير المواهب المصيب بها مواقعها الذي يقسمها على ما تقتضيه حكمته (4) :
    وقال ابن القيم في (النونية):
    وكذلك الوهاب من أسمائه فانظر مواهبه مدى الأزمان
    أهل السموات العلى والأرض عن تلك المواهب ليس ينفكان
    https://www.dorar.net/aqadia/530/

  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,879

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    الشافي

    عن عائشة رضي الله عنها قالت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى مريضاً أو أتي به إليه، قال: ((أذهب الباس رب الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً)) (1) .
    والشافي سبحانه هو الذي يرفع البأس والعلل، ويشفي العليل بالأسباب والأمل، فقد يبرأ الداء مع انعدام الدواء، وقد يشفي الداء بلزوم الدواء، ويرتب عليه أسباب الشفاء، وكلاهما باعتبار قدرة الله سواء، فهو الشافي الذي خلق أسباب الشفاء ورتب النتائج على أسبابها والمعلولات على عللها فيشفي بها وبغيرها، لأن حصول الشفاء عنده يحكمه قضاؤه وقدره، فالأسباب سواء ترابط فيها المعلول بعلته أو انفصل عنها هي من خلق الله وتقديره ومشيئته وتدبيره، والأخذ بها لازم علينا من قبل الحكيم سبحانه لإظهار الحكمة في الشرائع والأحكام وتمييز الحلال والحرام وظهور التوحيد والإسلام.
    فالله عز وجل متصف بالقدرة والحكمة، ومن أسمائه القدير الحكيم، فبالقدرة خلق الأشياء وأوجدها وهداها وسيرها وانفرد بذلك دون شريك وهذا توحيد الربوبية، وبالحكمة رتب الأسباب ونتائجها وابتلانا بها وعلق عليها الشرائع والأحكام تحقيقاً لتوحيد العبودية.
    وإنما مثل الأسباب كمثل الآلة بيد الصانع فكما لا يقال: السيف ضرب العنق، ولا السوط ضرب العبد، وإنما يقال: السياف ضرب العنق، وفلان ضرب فلاناً بالسوط، فكذلك لا يقال شفاني الدواء أو الطبيب لأنها أسباب وعلل، والعلل والأسقام كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: ((طبيبها الذي خلقها)) (2) .
    فهو سبحانه القادر على الفاعل بلطائف القدرة وخفايا المشيئة، ولذلك قال إبراهيم عليه السلام: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: 80].
    وقد وحد الغلام ربه في اسمه الشافي لما قال له الوزير في قصة أصحاب الأخدود: ((ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن بالله فشفاه الله)) (3) (4) .
    والله عز وجل هو الشافي الذي يشفي النفوس من أسقامها كما يشفي الأبدان من أمراضها، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين َ [يونس: 57].
    وقد ذكر ابن القيم أن القلب متى اتصل برب العالمين خالق الداء والدواء ومدبر الطب ومصرفه على ما يشاء كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد منه المعرض عنه، فإذا قويت النفس بإيمانها وفرحت بقربها من بارئها وأنسها به وحبها له وتنعمها بذكره وانصراف قواها كلها إليه وجمع أمورها عليه واستعانتها به وتوكلها عليه فإن ذلك يكون لها من أكبر الأدوية في دفع الألم بالكلية https://www.dorar.net

  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,879

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    الهادي

    قال تعالى: وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الحج: 54].
    وقوله تعالى: وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا [الفرقان: 31].
    قال ابن جرير: وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الحج: 54] وإن الله لمرشد الذين آمنوا بالله ورسوله على الحق القاصد، والحق الواضح (1) .
    وقال في قوله تعالى: وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا [الفرقان: 31]: يقول تعالى ذكره لنبيه: وكفاك يا محمد بربك هادياً يهديك إلى الحق، ويبصرك الرشد (2) .
    وقال الزجاج: (الهادي) هو الذي هدى خلقه إلى معرفته وربوبيته، وهو الذي هدى عباده إلى صراطه المستقيم، كما قال تعالى: وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [يونس: 25] (3) .
    وقال الزجاجي تلميذه: الله عز وجل (الهادي) يهدي عباده إليه، ويدلهم عليه، وعلى سبيل الخير والأعمال المقربة منه عز وجل (4) .
    وقال الخطابي: (الهادي) هو الذي مَنَّ بهداه على من أراد من عباده فخصه بهدايته، وأكرمه بنور بتوحيده كقوله تعالى: وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [يونس: 25].
    وهو الذي هدى سائر الخلق من الحيوان إلى مصالحها، وألهمها كيف تطلب الرزق، وكيف تتقي المضار والمهالك كقوله تعالى: الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه: 50] (5) .
    وقال الحليمي: (الهادي) وهو الدال على سبيل النجاة والمبين لها لئلا يزيغ العبد ويضل فيقع فيما يرديه ويهلكه (6) .
    وقال البيهقي: هو الذي بهدايته اهتدى أهل ولايته، وبهدايته اهتدى الحيوان لما يصلحه، واتقى ما يضره (7) .
    وقال السعدي: (الهادي) أي الذي يهدي ويرشد عباده إلى جميع المنافع وإلى دفع المضار، ويعلمهم مالا يعلمون، ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد، ويلهمهم التقوى، ويجعل قلوبهم منيبة، إليه منقادة لأمره
    https://www.dorar.net

  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,879

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد


  14. #54
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,879

    افتراضي رد: شرح بعض أسماء الله الحسنى - ابن القيم -متجدد

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة




    وقال السعدي: (الهادي) أي الذي يهدي ويرشد عباده إلى جميع المنافع وإلى دفع المضار، ويعلمهم مالا يعلمون، ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد، ويلهمهم التقوى، ويجعل قلوبهم منيبة، إليه منقادة لأمره

    نعم

    قال ابن القيم
    "اعلم أن أنواعَ الهداية أربعة:
    الهداية العامة المشتركة بين الخلق
    في قوله تعالى: { الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } [طه: 50]
    أي: أعطى كل شيء صورتهُ التي لا يشتبه فيه بغيره، وأعطى كل عضو شكلهُ وهيئته، وأعطى كل شيء موجودٍ خلْقهُ المختصَّ به،
    ثم هداه إلى ما خلَقهُ له من الأعمال.
    وهذه هدايةُ الحيوان المتحرِّك بإرادته إلى جلب ما ينفعُه ودفع ما يضرُّه، وهداية الجَمَادِ المسخر لما خُلِق له، فله هدايةٌ تليقُ به.
    وكذلك كلٌ عضو له هداية تليقُ به فهدى الرّجلين للمشي، واليدين للبطش والعمل، واللسان للكلام، والأذن للاستماع، والعين لكشف المرئيات،
    وكل عضو لما خُلق له،
    وهدى الزّوجين من كل حيوان إلى الأزدواج والتناسل وتربية الولد، وهدى الولد إلى التقام الثدْي عند وضعه وطلبه.
    ومراتب ُ هدايته سبحانه لا يُحصيها إلا هو، فتبارك الله ربُّ العالمين.
    من تأمَّل بعض هدايته المبثوثة في العالم شهد له بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم.
    فهذا أحد أنواع الهداية وأعمُّها.

    النوع الثاني:
    هداية البيان والدَّلالة لِنجْدي الخير والشّر وطريقي النّجاة والهلاك،
    وهذه الهداية لا تستلزمُ الهدى التامَّ، فإنها سببٌ وشرط لا موجب، ولهذا لا ينبغي الهدى معها.
    ومنها قوله: { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) } [الشورى: 52].

    النوع الثالث:
    هداية التوفيق والإلهام
    وهي الهداية المستلزمة للاهتداء، فلا يتخلُّفُ عنها،
    في قوله تعالى: { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ } [القصص: 56]،
    فنفى عنه هذه الهداية ،
    وأثبت له هداية الدعوة والبيان
    في قوله: { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [الشورى: 52].

    النّوع الرابع: غاية هذه الهداية وهي الهداية إلى الجنة والنّار إذا سيق أهلُها إليهما
    قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [يونس: 9]،...
    وقال تعالى عن أهل النار:
    { احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ *مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ } [الصافات: 22 - 23]

    من آثار الإيمان باسمه سبحانه
    (الهادي) على العبد
    أولاً: محبة الله - عز وجل - وتعظيمه والثناء عليه.
    حيث أعطى كل شيء خلقه وهداه إلى ما لا بد منه في قضاء حاجاته،
    وأعظم من ذلك هدايته سبحانه لعباده حيث أنزل الكتب وأرسل الرسل لبيان سبل الهدى والحق والتحذير من طريق الغواية والضلال،
    ومنح لعباده العقول التي تدلهم على الله - عز وجل - وتهديهم إليه بما أودع في هذا الكون من الآيات الباهرات التي تدل على وحدانيته سبحانه.
    ثانيًا: لما كانت هداية التوفيق والإلهام لا يملكها إلا الله - عز وجل - فإن هذا يشعر العبد بافتقاره التام إلى ربه سبحانه في طلب هذه الهداية والإعانة عليها،...
    ولذا كان على العبد أن يسأل ربه سبحانه ويتضرع إليه بأن يهديه ويثبته ويوفقه.
    وحتى هداية الدلالة والإرشاد هي الأخرى لا يملكها على الحقيقة إلا الله تعالى وإنما يختار سبحانه من يشاء من عباده من الرسل والمصلحين في هداية الناس إلى الحق وبيانه لهم،
    ولولاه سبحانه لما اهتدى أحد سواء كانت هذه الهداية هداية الإرشاد أو هداية التوفيق.
    والهداية أكبر نعمة يُنْعِم بها (الهادي) سبحانه على عبده، إذْ كل نعمة دونها زائلة ومضمحِلَّة،
    وبقدر هدايته تكون سعادته في الدنيا، وطيب عيشه وراحة باله، وكذا فوزه ودرجته في الآخرة...

    وأمرت هذه الأمة بأن تسأل الله تعالى الهداية في كلِّ ركعة من صلاتها
    في قوله سبحانه: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ }
    [الفاتحة: 6، 7].

    إن حاجتنا لطلب الهداية من مالكها سبحانه أشد من حاجتنا إلى الطعام والشراب.
    ثالثًا: سعي المؤمن إلى أن يكون هاديًا إلى الله - عز وجل - وإلى صراطه المستقيم وذلك بنشر العلم والدعوة إلى الله سبحانه، وإرشاد الناس إلى الحق، وتحذيرهم من الباطل الذي يؤول بهم إلى سخط الله وعذابه.

صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •