حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,788

    افتراضي حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد

    حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد
    اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء


    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وبعد:
    فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء مسألة " حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد " وبناء عليه أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، بحثا في الموضوع ونصه:
    الحمد لله وحده، وبعد: فبناء على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء، في دورته الثالثة المنعقدة في شهر ربيع الثاني، عام 1393هـ من البحث في الدورة الرابعة عن حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد، وبناء على ما تقتضيه لائحة عمل الهيئة من قيام اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء بإعداد بحث علمي عن المسألة التي تقرر عرضها على الهيئة، قامت اللجنة الدائمة بإعداد بحث في مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، اشتمل على ما يلي:
    1 - حكم الإقدام على جمع الطلاق الثلاث بلفظ واحد، مع الأدلة ومناقشتها.
    2 - ما يترتب على إيقاع الطلاق ثلاثا بلفظ واحد، مع الأدلة ومناقشتها.
    وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
    حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد:
    المسألة الأولى حكم الإقدام على جمع الثلاث بكلمة واحدة وفيه قولان:
    القول الأول: إنه محرم، وهو مذهب الحنفية والمالكية، وإحدى الروايتين عن أحمد، وقول شيخ الإسلام وابن القيم..
    أما المذهب الحنفي: فقال الكاساني في الكلام على طلاق البدعة[1]: وأما الذي يرجع إلى العدد فهو إيقاع الثلاث أو الثنتين في طهر واحد لا جماع فيه، سواء كان على الجمع، بأن أوقع الثلاث جملة واحدة، أو على التفاريق واحدا بعد واحد بعد أن كان الكل في طهر واحد، وهذا قول أصحابنا... ولنا الكتاب والسنة والمعقول:
    أما الكتاب: فقوله - عز وجل – (فَطَلِّقُوهُنّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية: 1] أي في أطهار عدتهن، وهو الثلاث في ثلاثة أطهار، كذا فسره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما ذكرنا فيما تقدم، أمَر بالتفريق، والأمر بالتفريق يكون نهيا عن الجمع، ثم إن كان الأمر أمر إيجاب كان نهياً عن ضده -وهو الجمع- نهيَ تحريم، وإن كان أمر ندب كان نهيا عن ضده -وهو الجمع- نهيَ ندب، وكل ذلك حجة على المخالف؛ لأن الأول يدل على التحريم، والآخر يدل على الكراهة، وهو لا يقول بشيء من ذلك.
    وقوله -تعالى-: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] أي دفعتان، ألا ترى أن من أعطى آخر درهمين، لم يجز أن يقول أعطاه مرتين حتى يعطيه دفعتين.
    وجه الاستدلال: أن هذا وإن كان ظاهره الخبر فإن معناه الأمر؛ لأن الحمل على ظاهره يؤدي إلى الخلف في خبر من لا يحتمل خبره الخلف؛ لأن الطلاق على سبيل الجمع قد يوجد، وقد يخرج اللفظ مخرج الخبر على إرادة الأمر، قال الله -تعالى-: (وَالْوَالِدَات يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ) [سورة البقرة الآية: 233] أي ليرضعن ونحو ذلك، كذا هذا، فصار كأنه - سبحانه وتعالى - قال: طلقوهن مرتين إذا أردتم الطلاق، والأمر بالتفريق نهي عن الجمع؛ لأنه ضده، فيدل على كون الجمع حراماً أو مكروها على ما بينا.
    فإن قيل: هذه الآية حجة عليكم، لأنه ذكر جنس الطلاق، وجنس الطلاق ثلاث، والثلاث إذا وقع دفعتين، كان الواقع في دفعة طلقتين، فيدل على كون الطلقتين في دفعة مسنونتين.
    فالجواب: أن هذا أمر بتفريق الطلاقين من الثلاث لا بتفريق الثلاث؛ لأنه أمر بالرجعة عقب الطلاق مرتين أي دفعتين بقوله - تعالى -: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ) [سورة البقرة الآية: 229] أي وهو الرجعة، وتفريق الطلاق -وهو إيقاعه دفعتين- لا يتعقب الرجعة، فكان هذا أمرا بتفريق الطلاقين من الثلاث، لا بتفريق كل جنس الطلاق -وهو الثلاث-، والأمر بتفريق طلاقين من الثالث يكون نهيا عن الجمع بينهما.
    وأما السنة: فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((تزوجوا، ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن))[2] نهى - صلى الله عليه وسلم - عن الطلاق، ولا يجوز أن يكون النهي عن الطلاق لعينه؛ لأنه قد بقي معتبرا شرعاً في حق الحكم بعد النهي، فعلم أن ههنا غيرًا حقيقيًا ملازما للطلاق يصلح أن يكون منهيا عنه، فكان النهي عنه لا عن الطلاق، ولا يجوز أن يمنع من المشرع لمكان الحرام الملازم له، كما في الطلاق في حالة الحيض، والبيع وقت النداء، والصلاة في الأرض المغصوبة، وغير ذلك.
    وقد ذكر عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثاً إلا أوجعه ضربا، وأجاز ذلك عليه، وذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - فيكون إجماعاً.
    وأما المعقول: فمن وجوه:
    أحدها: أن النكاح عقد مصلحة؛ لكونه وسيلة إلى مصالح الدين والدنيا، والطلاق إبطال له، وإبطال المصلحة مفسدة، وقد قال الله - عز وجل -: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) [سورة البقرة الآية: 205] وهذا معنى الكراهة الشرعية عندنا، وأن الله - تعالى- لا يحبه ولا يرضى به، إلا أنه قد يخرج من أن يكون مصلحة لعدم توافق الأخلاق وتباين الطبائع، أو لفساد يرجع إلى نكاحها، بأن علم الزوج أن المصالح تفوته بنكاح هذه المرأة، أو أن المقام معها يسبب فساد دينه ودنياه، فتنقلب المصلحة في الطلاق، ليستوفي مقاصد النكاح من امرأة أخرى، إلا أن احتمال أنه لم يتأمل حق التأمل، ولا ينظر حق النظر في العاقبة قائم، فالشرع والعقل يدعوانه إلى النظر، وذلك في أن يطلقها طلقة واحدة رجعية، حتى إن التباين والفساد إذا كان من جهة المرأة تتوب وتعود إلى الصلاح إذا ذاقت مرارة الفراق، وإن كانت لا تتوب نظر في حال نفسه، أنه هل يمكنه الصبر عنها؟ فإن علم أنه لا يمكنه الصبر عنها يراجعها، وإن علم أنه يمكنه الصبر عنها يطلقها في الطهر الثاني.
    ثانيا: ويجرب نفسه، ثم يطلقها فيخرج نكاحها من أن يكون مصلحة ظاهراً وغالبًا؛ لأنه لا يلحقه الندم غالبا، فأبيحت الطلقة الواحدة، أو الثلاث في ثلاثة أطهار على تقدير خروج نكاحها من أن يكون مصلحة، وصيرورة المصلحة في الطلاق، فإذا طلقها ثلاثاً جملة واحدة في حالة الغضب، وليست حالة الغضب حالة التأمل، لم يعرف خروج النكاح من أن يكون مصلحة فكان الطلاق إبطال للمصلحة من حيث الظاهر، فكان مفسدة.
    والثاني: أن النكاح عقد مسنون، بل هو واجب لما ذكرنا في كتاب النكاح، فكان الطلاق قطعا للسنة وتفويتا للواجب، فكان الأصل هو الحظر أو الكراهة، إلا أنه رخص للتأديب أو للتخليص، والتأديب يحصل بالطلقة الواحدة الرجعية؛ لأن التباين أو الفساد إذا كان من قِبَلها فإذا ذاقت مرارة الفراق فالظاهر أنها تتأدب وتتوب وتعود إلى الموافقة والصلاح، والتخليص يحصل بالثلاث في ثلاثة أطهار، والثابت بالرخصة يكون ثابتاً بطريق الضرورة، وحق الضرورة صار مقضيا بما ذكرنا فلا ضرورة إلى الجمع بين الثلاث في طهر واحد، فبقي ذلك على أصل الحظر.
    والثالث: أنه إذا طلقها ثلاثًا في طهر واحد فربما يلحقه الندم، وقال - تعالى-: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) [سورة الطلاق الآية: 1] قيل في التفسير: أي ندامة على ما سبق من فعله أو رغبة فيها، ولا يمكنه التدارك بالنكاح فيقع في السفاح، فكان في الجمع احتمال الوقوع في الحرام، وليس في الامتناع ذلك، والتحرز عن مثله واجب شرعاً وعقلاً، بخلاف الطلقة الواحدة؛ لأنها لا تمنع التدارك بالرجعة، وبخلاف الثلاث في ثلاثة أطهار؛ لأن ذلك لا يعقب الندم ظاهرا؛ لأنه يجرب نفسه في الأطهار الثلاثة فلا يلحقه الندم.. انتهى المقصود.
    وقال السرخسي[3]: وعلى هذا الأصل -أي توجيه إيقاع الثلاث في ثلاثة أطهار- قال علماؤنا -رحمهم الله-: إيقاع الثلاث جملة بدعة... -وبعد أن ساق مذهب الشافعي في إباحته وأدلته، ساق الدليل على تحريمه، وهو قوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229]- قال: معناه: دفعتان، كقوله: أعطيته مرتين وضربته مرتين، والألف واللام للجنس، فيقتضي أن يكون كل الطلاق المباح في دفعتين، ودفعة ثالثة في قوله - تعالى -: (فَإِن طَلَّقَهَا) [سورة البقرة الآية:230] أو في قوله - عز وجل -: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229] على حسب ما اختلف فيه أهل التفسير، وفي حديث محمود بن لبيد -رحمه الله تعالى-: أن رجلا طلق امرأته ثلاثا بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- مغضباً، فقال: ((أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم))[4].
    واللعب بكتاب الله ترك العمل به، فدل أن موقع الثلاث جملة مخالف للعمل بما في الكتاب، وأن المراد من قوله: (فَطَلِّقُوهُنّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية: 1] تفريق الطلقات على عدد أفراد العدة، ألا ترى أنه خاطب الزوج بالأمر بإحصاء العدة؟ وفائدته التفريق، فإنه قال: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) [سورة الطلاق الآية: 1] أي يبدو له فيراجعها، وذلك عند التفريق لا عند الجمع.
    وفي حديث عبادة بن الصامت -رضي الله تعالى عنه- أن قوما جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: إن أبانا طلق امرأته ألفًا، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((بانت امرأته بثلاث في معصية الله - تعالى -، وبقي تسعمائة وسبعة وتسعون وزرا في عنقه إلى يوم القيامة)).
    وإن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما- لما طلق امرأته في حالة الحيض أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يراجعها، فقال: ((أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكانت تحل لي؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: لا، بانت منك وهي معصية))[5]. وبعد أن بيَّن وجه الرد على استدلال الشافعي - رحمه الله - بقصة لعان عويمر العجلاني، وأنه طلق ثلاثا ولم ينكر عليه - صلى الله عليه وسلم -، قال: ولنا إجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم- فقد روي عن علي وعمر وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة، وعمران بن حصين -رضي الله تعالى عنهم- كراهة إيقاع الطلاق الثلاث بألفاظ مختلفة.
    وعن أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه - قال: لو أن الناس طلقوا نساءهم كما أمروا لما فارق الرجل امرأته وله إليها حاجة، إن أحدكم يذهب فيطلق امرأته ثلاثا ثم يقعد فيعصر عينيه، مهلاً مهلا، بارك الله عليكم، فيكم كتاب الله وسنة رسوله، فماذا بعد كتاب الله وسنة رسوله إلا الضلال، ورب الكعبة.
    وقال الكرخي[6]: لا أعرف بين أهل العلم خلافا: أن إيقاع الثلاث جملة مكروه، إلا قول ابن سيرين، وإن قوله ليس بحجة، -ثم ساق الرد على ما استدل به الشافعي من الآثار، ثم ذكر بعد ذلك دليلا من جهة المعنى، وقد سبق ما يوافقه عن الكاساني-.
    وقال الطحاوي: حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة عن ابن أبي نجيح، وحميد الأعرج، عن مجاهد، أن رجلا قال لابن عباس: رجل طلق امرأته مائة فقال: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجا، من يتق الله يجعل له مخرجا، قال الله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية: 1].
    المذهب المالكي:
    وأما المذهب المالكي فهذه بعض نقول عنه:
    قال سحنون: وقال محمد بن أحمد بن رشد: قلت لعبد الرحمن بن القاسم: هل كان مالك يكره أن يطلق الرجل امرأته ثلاث تطليقات في مجلس واحد؟ قال: نعم، كان يكرهه أشد الكراهية، وكذلك لا يجوز عند مالك أن يطلقها ثلاثا في كلمة واحدة، فإن فعل لزمه ذلك بدليل قوله - تعالى -: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا) [سورة البقرة الآية: 229] وقوله - تعالى -: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) [سورة الطلاق الآية: 1] وهي الرجعة، فجعلها فائتة بإيقاع الثلاث في كلمة واحدة، إذ لو لم يقع ولم يلزمه لم تفته الزوجة ولا كان ظالما لنفسه. انتهى المقصود.
    وقال الباجي: فأما العدد فإنه لا يحل أن يوقع أكثر من طلقة واحدة، فمن أوقع طلقتين أو ثلاثا فقد طلق بغير سنة، والدليل على ما نقوله قوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229] ولا يخلو أن يكون أمرا بصفة الطلاق، والأمر يقتضي الوجوب، أو يكون إخبارا عن صفة الطلاق الشرعي، ومن أصحابنا من قال: إن الألف واللام تكون للحصر، وهذا يقتضي أن لا يكون الطلاق الشرعي على غير هذا الوجه.
    فإن قيل: المراد بذلك الإخبار عن أن الطلاق الرجعي طلقتان، وأن ما زاد عليه ليس برجعي، قالوا: يدل على ذلك، أنه قال بعد ذلك: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229] ثم أفرد الطلقة الثالثة لما لم تكن رجعية وفارق حكم الطلقتين فقال: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [سورة البقرة الآية: 230]
    وإذا كان المراد ما ذكرناه من الإخبار عن الطلاق الرجعي، لم يدل ذلك على أن هذا هو الطلاق الرجعي دون غيره.
    فالجواب: أن هذا أمر أضمر في الكلام مع استقلاله دونه بغير دليل؛ لأنكم تضمرون الرجعي وتقولون: معناه الطلاق الرجعي مرتان، وإذا استقل الكلام دون ضمير لم يجز تعديه إلا بدليل.
    وجواب ثان: وهو أنه لو أراد الإخبار عما ذكرتم لقال: الطلاق طلقتان؛ لأن ذلك يقتضي أنه الطلاق الرجعي أوقعهن مجتمعتين أو مفترقتين، فلما قال مرتان، ولا يكون ذلك إلا لإيقاع الطلاق مفترقا، ثبت أنه قصد الإخبار عن صفة إيقاعه، لا الإخبار عن عدد الرجعي منه.
    فإن قالوا: إن لفظ التكرار إذا علق باسم أريد به العدد دون تكرار الفعل، يدل على ذلك قوله - تعالى -: (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) [سورة الأحزاب الآية: 31] ولم يرد تفريق الأجر وإنما أراد تضعيف العدد.
    فالجواب: أن قوله: (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) [سورة الأحزاب الآية: 31] حقيقة فيما ذكرناه من تكرار الفعل دون العدد، ولا فرق في ذلك بين أن يعلق على فعل أو اسم، يدل على ذلك أنك تقول: لقيت فلانا مرتين فيقتضي تكرار الفعل، وكذلك قوله: دخلت مصر مرتين، فإذا كان ذلك أصله وحقيقته، ودل الدليل في بعض المواضع على العدول به عن حقيقته واستعماله في غير ما وضع له، لم يجز حمله على ذلك في موضع آخر إلا بدليل.
    وجواب آخر: وهو أن الفضل قال: معنى (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) [سورة الأحزاب الآية: 31] مرة بعد مرة في الجنة، فعلى هذا لم يخرج اللفظ عن بابه، ولا عدل به عن حقيقته، وإن قلنا: إن معناه التضعيف في ماله وأجره، فالفرق بينهما أن قوله - تعالى -: (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) [سورة الأحزاب الآية: 31] يفيد التضعيف ويمنع الاقتصار على ضعف واحد، ولو كان معنى قوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] يريد به التضعيف، لمنع من إيقاع طلقة واحدة، وإلا بطل معنى التضعيف، وهذا باطل باتفاقنا.
    ودليلنا من جهة السنة ما روى مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا فقال: ((فعلته لاعباً))، ثم قال: ((تلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم)) حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟[7].
    ودليلنا من جهة القياس أن هذا معنى ذو عدد يقتضي البينونة فوجب تحريمه كاللعان.
    أما مذهب الحنابلة فقد قال ابن قدامة[8]: والرواية الثانية أن جمع الثلاث طلاق بدعة محرم، اختارها أبو بكر وأبو حفص، روي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وهو قول مالك وأبي حنيفة.
    قال علي - رضي الله عنه -: لا يطلق أحد للسنة فيندم، وفي رواية قال: يطلقها واحدة ثم يدعها ما بينها وبين أن تحيض ثلاث حيض فمن شاء راجعها، وعن عمر - رضي الله عنه -: أنه كان إذا أتي برجل طلق ثلاثا أوجعه ضربا.
    وعن مالك بن الحارث قال: جاء رجل إلى ابن عباس، قال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا، فقال: إن عمك عصى الله، وأطاع الشيطان فلم يجعل الله له مخرجا.
    ووجه ذلك قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) [سورة الطلاق الآية:1] إلى قوله: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) [سورة الطلاق الآية: 1] ثم قال بعد ذلك: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) [سورة الطلاق الآية: 2] (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) [سورة الطلاق الآية: 4] ومن جمع الثلاث لم يبق له أمر يحدث، ولا يجعل الله له مخرجا، ولا من أمره يسرا، وروى النسائي بإسناده عن محمود بن لبيد -وقد سبق في استدلال المالكية - وفي حديث ابن عمر قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثا؟ قال: ((إذًا عصيت ربك وبانت منك امرأتك))[9].
    وروى الدارقطني بإسناده عن علي قال: سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا طلق البتة فغضب وقال: ((تتخذون آيات الله هزوا، أو دين الله هزوا ولعبا، من طلق البتة ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره)).
    ولأنه تحريم للبضع بقول الزوج من غير حاجة، فحرم كالظهار، بل هذا أولى؛ لأن الظهار يرتفع تحريمه بالتكفير، وهذا لا سبيل للزوج إلى رفعه بحال، ولأنه ضرر وإضرار بنفسه وبامرأته من غير حاجة، فيدخل في عموم النهي، وربما كان وسيلة إلى عوده إليها حراما أو بحيلة لا تزيل التحريم، ووقوع الندم، وخسارة الدنيا والآخرة، فكان أولى بالتحريم من الطلاق في الحيض الذي ضرره بقاؤها في العدة أياما يسيرة، أو الطلاق في طهر مسها فيه، الذي ضرره احتمال الندم بظهور الحمل، فإن ضرر جمع الثلاث يتضاعف على ذلك أضعافا كثيرة، فالتحريم ثم تنبيه على التحريم.
    ولأنه قول من سمينا من الصحابة رواه الأثرم وغيره، ولم يصح عندنا في عصرهم خلاف قولهم، فيكون ذلك إجماعا.
    وقال شيخ الإسلام: وأما جمع " الطلقات الثلاث " ففيه قولان:
    أحدهما: محرم أيضا عند أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه، واختاره أكثر أصحابه، وقال أحمد: تدبرت القرآن فإذا كل طلاق فيه فهو الطلاق الرجعي - يعني طلاق المدخول بها - غير قوله: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [سورة البقرة الآية: 230].
    وعلى هذا القول: فهل له أن يطلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بأن يفرق الطلاق على ثلاثة أطهار، فيطلقها في كل طهر طلقة؟ فيه قولان، هما روايتان عن أحمد، إحداهما: له ذلك، وهو قول طائفة من السلف ومذهب أبي حنيفة، والثانية: ليس له ذلك وهو قول أكثر السلف، وهو مذهب مالك وأصح الروايتين عن أحمد التي اختارها أكثر أصحابه كأبي بكر عبد العزيز والقاضي أبي يعلى وأصحابه.
    القول الثاني: أن جمع الثلاث ليس بمحرم، بل هو ترك الأفضل وهو مذهب الشافعي، والرواية الأخرى عن أحمد: اختارها الخرقي.
    واحتجوا بأن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها أبو حفص بن المغيرة ثلاثا، وبأن امرأة رفاعة طلقها زوجها ثلاثا، وبأن الملاعن طلق امرأته ثلاثا، ولم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك.
    وأجاب الأكثرون: بأن حديث فاطمة، وامرأة رفاعة، إنما طلقها ثلاثا متفرقات، هكذا ثبت في الصحيح أن الثالثة آخر ثلاث تطليقات، لم يطلق ثلاثا لا هذا ولا هذا مجتمعات، وقول الصحابي: "طلق ثلاثا" يتناول ما إذا طلقها ثلاثا متفرقات بأن يطلقها ثم يراجعها، ثم يطلقها ثم يراجعها، ثم يطلقها، وهذا طلاق سني واقع باتفاق الأئمة، وهو المشهور على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في معنى الطلاق ثلاثا، وأما جمع الثلاث بكلمة فهذا إنما كان منكرا عندهم، إنما يقع قليلا، فلا يجوز حمل اللفظ المطلق على القليل المنكر دون الكثير الحق، ولا يجوز أن يقال: يطلق مجتمعات لا هذا ولا هذا، بل هذا قول بلا دليل، بل هو بخلاف الدليل.
    وأما الملاعن فإن طلاقه وقع بعد البينونة، أو بعد وجوب الإبانة التي تحرم بها المرأة أعظم مما يحرم بالطلقة الثالثة، فكان مؤكدا لموجب اللعان، والنزاع إنما هو في طلاق من يمكنه إمساكها، لا سيما والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد فرق بينهما، فإن كان ذلك قبل الثلاث لم يقع بها ثلاث ولا غيرها، وإن كان بعدها دل على بقاء النكاح، والمعروف أنه فرق بينهما بعد أن طلقها ثلاثا، فدل ذلك على أن الثلاث لم يقع بها، إذ لو وقعت لكانت قد حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره.
    وامتنع حينئذ أن يفرق النبي - صلى الله عليه وسلم – بينهما؛ لأنهما صارا أجنبيين، ولكن غاية ما يمكن أن يقال: حرمها عليه تحريما مؤبداً، فيقال: فكان ينبغي أن يحرمها عليه لا يفرق بينهما، فلما فرق بينهما دل على بقاء النكاح وأن الثلاث لم تقع جميعا بخلاف ما إذا قيل: إنه يقع بها واحدة رجعية، فإنه يمكن فيه حينئذ أن يفرق بينهما.
    وقول سهل بن سعد: طلقها ثلاثا فأنفذه عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دليل على أنه احتاج إلى
    إنفاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - واختصاص الملاعن بذلك، ولو كان من شرعه أنها تحرم بالثلاث، لم يكن للملاعن اختصاص ولا يحتاج إلى إنفاذ، فدل على أنه لما قصد الملاعن بالطلاق الثلاث أن تحرم عليه أنفذ النبي - صلى الله عليه وسلم - مقصوده، بل زاده، فإن تحريم اللعان أبلغ من تحريم الطلاق، إذ تحريم اللعان لا يزول وإن نكحت زوجا غيره، وهو مؤبد في أحد قولي العلماء لا يزول بالتوبة.
    واستدل الأكثرون: بأن القرآن العظيم يدل على أن الله لم يبح إلا الطلاق الرجعي، وإلا الطلاق للعدة، كما في قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) [سورة الطلاق الآية: 1] إلى قوله: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا * فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنّ َ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) [سورة الطلاق الآية:1-2] وهذا إنما يكون في الرجعي، وقوله: (فَطَلِّقُوهُنّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية:1] يدل على أنه لا يجوز إرداف الطلاق للطلاق حتى تنقضي العدة أو يراجعها؛ لأنه إنما أباح الطلاق للعدة: أي لاستقبال العدة، فمتى طلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بنَت على العدة، ولم تستأنفها باتفاق جماهير المسلمين، فإن كان فيه خلاف شاذ عن خلاس وابن حزم فقد بينا فساده في موضع آخر، فإن هذا قول ضعيف؛ لأنهم كانوا في أول الإسلام إذا أراد الرجل إضرار امرأته طلقها حتى إذا شارفت انقضاء العدة راجعها ثم طلقها ليطيل حبسها، فلو كان إذا لم يراجعها تستأنف العدة لم يكن بحاجة إلى أن يراجعها، والله - تعالى- قصرهم على الطلاق الثلاث دفعا لهذا الضرر، كما جاءت بذلك الآثار، ودل على أنه كان مستقرا عند الله أن العدة لا تستأنف بدون رجعة سواء كان ذلك لأن الطلاق لا يقع قبل الرجعة، أو يقع ولا يستأنف له العدة، وابن حزم إنما أوجب استئناف العدة بأن يكون الطلاق لاستقبال العدة، فلا يكون طلاق إلا يتعقبه عدة، إذا كان بعد الدخول، كما دل عليه القرآن، فلزمه على ذلك هذا القول الفاسد، وأما من أخذ بمقتضى القرآن وما دلت عليه الآثار فإنه يقول: إن الطلاق الذي شرعه الله هو ما يتعقبه العدة، وما كان صاحبه مخيرا فيها بين الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان، وهذا منتف في إيقاع الثلاث في العدة قبل الرجعة فلا يكون جائزا، فلم يكن ذلك طلاقا للعدة.
    ولأنه - تعالى -قال: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنّ َ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) [سورة الطلاق الآية: 2] فخيره بين الرجعة وبين أن يدعها تقضي العدة فيسرحها بإحسان، فإذا طلقها ثانية قبل انقضاء العدة لم يمسك بمعروف ولم يسرح بإحسان.
    وقد قال - تعالى -: (وَالْمُطَلَّقَ تُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنّ َ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) [سورة البقرة الآية: 228] فهذا يقتضي أن هذا حال كل مطلقة، فلم يشرع إلا هذا الطلاق ثم قال: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] أي هذا الطلاق المذكور (مرتان) وإذا قيل: سبح مرتين أو ثلاث مرات: لم يجزه أن يقول: سبحان الله مرتين، بل لا بد أن ينطق بالتسبيح مرة بعد مرة، فكذلك لا يقال: طلق مرتين إلا إذا طلق مرة بعد مرة، فإذا قال: أنت طالق ثلاثًا، أو مرتين لم يجز أن يقال: طلق ثلاث مرات ولا مرتين، وإن جاز أن يقال: طلق ثلاث تطليقات أو طلقتين، ثم قال - سبحانه - بعد ذلك: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [سورة البقرة الآية:230] فهذه الطلقة الثالثة لم يشرعها الله إلا بعد الطلاق الرجعي مرتين.
    وقد قال الله - تعالى -: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ... الآية) [سورة البقرة الآية: 232] وهذا إنما يكون فيما دون الثلاث، وهو يعم كل طلاق، فعلم أن جمع الثلاث ليس بمشروع، ودلائل تحريم الثلاث كثيرة قوية من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار، كما هو مبسوط في موضعه، وسبب ذلك أن الأصل في الطلاق الحظر، وإنما أبيح منه قدر الحاجة، كما ثبت في الصحيح عن جابر عن - النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن إبليس ينصب عرشه على البحر، ويبعث سراياه فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة، فيأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فعل كذا، حتى يأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه، ويقول: أنت أنت، ويلتزمه))[10] وقد قال - تعالى- في ذم السحر: (فَيَتَعَلَّمُو َ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) [سورة البقرة الآية: 102] وفي السنن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن المختلعات والمنتزعات هن المنافقات)[11] وفي السنن أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة))[12].
    ولهذا لم يبح إلا ثلاث مرات، وحرمت عليه المرأة بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره، وإذا كان إنما أبيح للحاجة، فالحاجة تندفع بواحدة، فما زاد فهو باقٍ على الحظر. اهـ.
    وقال ابن القيم[13]: فصل في حكمه - صلى الله عليه وسلم - فيمن طلق ثلاثا بكلمة واحدة، قد تقدم حديث محمود بن لبيد، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام مغضبا ثم قال: ((أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟))[14] وإسناده على شرط مسلم، قال ابن وهب: قد رواه مخرمة بن بكير بن الأشج عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد، فذكره، ومخرمة ثقة بلا شك، وقد احتج مسلم في صحيحه بحديثه عن أبيه.
    والذين أعلُّوه، قالوا: لم يسمع منه، وإنما هو كتاب. قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن مخرمة بن بكير فقال: هو ثقة، ولم يسمع من أبيه، إنما هو كتاب مخرمة فنظر فيه كل شيء، يقول: "بلغني عن سليمان بن يسار" فهو من كتاب مخرمة، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين يقول: مخرمة بن بكير وقع إليه كتاب أبيه ولم يسمعه، وقال في رواية عباس الدوري: هو ضعيف، وحديثه عن أبيه كتاب ولم يسمعه منه، وقال أبو داود لم يسمع من أبيه إلا حديثا واحدا حديث الوتر، وقال سعيد بن أبي مريم، عن خاله موسى بن سلمة، أتيت مخرمة فقلت: حدثك أبوك فقال: لم أدرك أبي ولكن هذه كتبه.

    وللموضوع تتمة


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,788

    افتراضي رد: حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد

    حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد
    اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

    والجواب عن هذا من وجهين:
    أحدهما: أن كتاب أبيه كان عنده محفوظ مضبوط، فلا فرق في قيام الحجة بالحديث بين ما حدثه به، أو رآه في كتابه، بل الأخذ عن النسخة أحوط، إذا تيقن الراوي أنها نسخة الشيخ بعينها، وهذه طريقة الصحابة والسلف، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث كتبه إلى الملوك، وتقوم عليهم بها الحجة، وكتب كتبه إلى عماله في بلاد الإسلام فعملوا بها، واحتجوا بها، ودفع الصديق كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الزكاة إلى أنس بن مالك فحمله وعملت به الأمة، وكذلك كتابه إلى عمرو بن حزم في الصدقات الذي كان عند آل عمرو، ولم يزل السلف والخلف يحتجون بكتاب بعضهم إلى بعض، ويقول المكتوب إليه: كتب إلى فلان أن فلانا أخبره.
    ولو بطل الاحتجاج بالكتب لم يبق بأيدي الأمة إلا أيسر اليسير، فإن الاعتماد إنما هو على النسخ لا على الحفظ، والحفظ خوان، والنسخة لا تخون، ولا يحفظ في زمن من الأزمان المتقدمة أن أحدا من أهل العلم رد الاحتجاج بالكتاب، وقال: لم يشافهني به الكاتب فلا أقبله، بل كلهم مجمعون على قبول الكتاب والعمل به إذا صح عنده أنه كاتبه.
    الجواب الثاني: أن قول من قال: لم يسمع من أبيه معارض بقول من قال: سمع منه، ومعه زيادة علم وإثبات، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم، سئل أبي عن مخرمة بن بكير؟ فقال صالح الحديث، قال: وقال ابن أبي أويس: وحدث في ظهر كتاب مالك: سألت مخرمة عما يحدث به عن أبيه سمعها من أبيه؟، فحلف لي ورب هذه البنية - يعني المسجد - سمعت من أبي.
    وقال علي بن المديني: سمعت معن بن عيسى يقول: مخرمة سمع من أبيه، وعرض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار، وقال علي: ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان، لعله سمع منه الشيء اليسير، ولم أجد أحدا في المدينة يخبرني عن مخرمة بن بكير أنه كان يقول في شيء من حديثه: "سمعت أبي" ومخرمة ثقة.. انتهى، ويكفي أن مالكا أخذ كتابه فنظر فيه، واحتج به في موطئه، وكان يقول: حدثني مخرمة، وكان رجلا صالحا.
    وقال أبو حاتم: سألت إسماعيل بن أبي أويس، قلت هذا الذي يقول مالك بن أنس: حدثني الثقة من هو؟ قال مخرمة بن بكير، وقيل لأحمد بن صالح المصري: كان مخرمة من ثقات الرجال؟ قال: نعم، وقال ابن عدي عن ابن وهب ومعن بن عيسى عن مخرمة: أحاديث حسان مستقيمة وأرجو أنه لا بأس به.
    وفي صحيح مسلم قول ابن عمر للمطلق ثلاثًا: حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك، وهذا تفسير منه للطلاق المأمور به، وتفسير الصحابي حجة، وقال الحاكم هو عندنا مرفوع.
    ومن تأمل القرآن حق التأمل تبين له ذلك وعرف أن الطلاق المشروع بعد الدخول هو الطلاق الذي تملك به الرجعة، ولم يشرع الله - سبحانه - إيقاع الثلاث جملة واحدة البتة، قال - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] ولا تعقل العرب في لغتها وقوع المرتين إلا متعاقبتين، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمده ثلاثا وثلاثين، وكبره ثلاثا وثلاثين...))[15] ونظائره، فإنه لا يعقل من ذلك إلا تسبيح وتكبير وتحميد متوالٍ، يتلو بعضه بعضا، فلو قال سبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد لله ثلاثا وثلاثين، والله أكبر ثلاث وثلاثين بهذا اللفظ، لكان ثلاثا مرات فقط، وأصرح من هذا قوله - سبحانه -: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ) [سورة النور الآية: 6] فلو قال: أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين، كانت مرة، وكذلك قوله: (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ) [سورة النور الآية: 8] فلو قالت: أشهد بالله أربع شهادات إنه لمن الكاذبين كانت واحدة.
    وأصرح من ذلك قوله - تعالى -: (سَنُعَذِّبُهُم مَرَّتَيْنِ) [سورة التوبة الآية: 101] فهذا مرة بعد مرة، ولا ينقض هذا بقوله - تعالى -: (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) [سورة الأحزاب الآية: 31] وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين))[16].
    فإن المرتين هنا، هما الضعفان، وهما المثلان، وهما مثلان في القدر، كقوله - تعالى -: (يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) [سورة الأحزاب الآية: 30] وقوله -تعالى-: (فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ) [سورة البقرة الآية: 265] أي ضعفي ما يعذب به غيرها، وضعفي ما كانت تؤتي، ومن هذا قول أنس: انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين[17]، أي شقتين وفرقتين، كما قال في اللفظ الآخر: انشق القمر فلقتين[18]، وهذا أمر معلوم قطعا: أنه إنما انشق القمر مرة واحدة، والفرق معلوم بين ما يكون مرتين في الزمان وبين ما يكون مثلين وجزأين ومرتين في المضاعفة، فالثاني يتصور فيه اجتماع المرتين في آن واحد، والأول لا يتصور فيه ذلك.
    ومما يدل على أن الله لم يشرع الثلاث جملة أنه قال: (وَالْمُطَلَّقَ تُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [سورة البقرة الآية: 228] إلى أن قال: (وَبُعُولَتُهُن َ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا) [سورة البقرة الآية 228] فهذا يدل على أن كل طلاق بعد الدخول، فالمطلق أحق فيه بالرجعة، سوى الثالثة المذكورة بعد هذا.
    وكذلك قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية: 1] إلى قوله - تعالى -: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنّ َ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) [سورة الطلاق الآية: 2] فهذا هو الطلاق المشروع، وقد ذكر الله - سبحانه - أقسام الطلاق كلها في القرآن، وذكر أحكامها فذكر الطلاق قبل الدخول، وأنه لا عدة فيه، وذكر الطلقة الثالثة وأنها تحرم الزوجة على المطلق حتى تنكح زوجا غيره، وذكر طلاق الفداء الذي هو الخلع وسماه فدية، ولم يحسبه من الثلاث كما تقدم، وذكر الطلاق الرجعي الذي يحق للمطلق فيه الرجعة وهو ما عدا هذه الأقسام الثلاثة.
    وبهذا احتج أحمد والشافعي وغيرهما على أنه ليس في الشرع طلقة واحدة بعد الدخول بغير عوض بائنة وأنه إذا قال لها: أنت طالق طلقة بائنة كانت رجعية ويلغو وصفها بالبينونة، وأنه لا يملك إبانتها إلا بعوض، وأما أبو حنيفة، فقال: تبين بذلك؛ لأن الرجعة حق له وقد أسقطها، والجمهور يقولون: وإن كانت الرجعة حقا له لكن نفقة الرجعية وكسوتها حق عليه، فلا يملك إسقاطه إلا باختيارها، وبذلها العوض، وسؤالها أن تفتدي نفسها بغير عوض في أحد القولين، وهو جواز الخلع بغير عوض، وأما إسقاط حقها من الكسوة والنفقة بغير سؤالها ولا بذلها العوض فخلاف النص والقياس.
    قالوا: وأيضا فالله - سبحانه - شرع الطلاق على أكمل الوجوه وأنفعها للرجل والمرأة، فإنهم كانوا يطلقون في الجاهلية بغير عدد، فيطلق أحدهم المرأة كلما شاء ويرجعها، وهذا -وإن كان فيه رفق بالرجل- ففيه إضرار بالمرأة فنسخ -سبحانه- ذلك بثلاث، وقصر الزوج عليها وجعله أحق بالرجعة ما لم تنقضِ عدتها، فإذا استوفى العدد الذي ملكه حرمت عليه، فكان في هذا رفق بالرجل إذ لم تحرم عليه بأول طلقة، وبالمرأة حيث لم يجعل إليه أكثر من ثلاث، فهذا شرعه وحكمته وحدوده التي حدها لعباده، فلو حرمت عليه بأول طلقة يطلقها، كان خلاف شرعه وحكمته، وهو لم يملك إيقاع الثلاث جملة، بل إنما ملك واحدة، فالزائدة عليها غير مأذون له فيه.
    قالوا: وهذا كما أنه لم يملك إبانتها بطلقة واحدة إذ هو خلاف ما شرعه، لم يملك إبانتها بثلاث مجموعة؛ إذ هو خلاف ما شرعه.
    ونكتة المسألة: أن الله لم يجعل للأمة طلاقا بائنا قط إلا في موضعين: أحدهما طلاق غير المدخول بها، والثاني الطلقة الثالثة، وما عداه من الطلاق فقد جعل للزوج فيه الرجعة، هذا مقتضى الكتاب كما تقدم تقريره، وهذا قول الجمهور منهم الإمام أحمد والشافعي وأهل الظاهر، قالوا: لا يملك إبانتها بدون الثلاث إلا في الخلع.
    ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال فيما إذا قال: أنت طالق طلقة لا رجعة فيها - وساقها - رحمه الله - هل هي ثلاث، أو خلع بدون عرض، أو واحدة بائنة.
    وقد أجاب ابن حزم -رحمه الله- في كتابه المحلى[19] عن ذلك بقوله: أما الآيات فإنما نزلت فيمن طلق واحدة أو اثنتين فقط، ثم نسألهم عمن طلق مرة ثم راجع، ثم مرة ثم راجع ثانية ثم ثالثة، أبدعة أتى؟ فمن قولهم: لا بل سنة، فنسألهم أتحكمون له بما في الآيات المذكورات؟ فمن قولهم: لا، بل خلاف، فصح أن المقصود في الآيات المذكورات، من أراد أن يطلق طلاقا رجعيا، فبطل احتجاجهم بها في حكم من طلق ثلاثا، وأما قولهم: معنى قوله: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] أن معناه مرة بعد مرة، فخطأ، بل هذه الآية كقوله - تعالى -: (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) [سورة الأحزاب الآية: 31] أي مضاعفا معا، وهذه الآية أيضًا تعليم لما دون الثلاث من الطلاق وهو حجة لنا عليهم، لأنهم لا يختلفون - يعني المخالفين لنا - في أن طلاق السنة هو أن يطلقها واحدة ثم يتركها حتى تنقضي عدتها في قول طائفة منهم، وفي قول آخرين منهم: أن يطلقها في كل طهر طلقة وليس شيء من هذا في هذه الآية، وهم لا يرون من طلق طلقتين متتابعتين في كلام متصل طلاق سنة فبطل تعلقهم بقوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] وأما خبر محمود بن لبيد فمرسل ولا حجة في مرسل، ومخرمة لم يسمع من أبيه شيئا -ويعني ابن حزم بالإرسال ما قرره الحافظ ابن حجر[20]- وهو أن محمود بن لبيد، ولد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يثبت له منه سماع وإن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية.. وقد ترجم له أحمد في مسنده وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع.
    وقال الحافظ[21]: ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين فيمن ولد على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: سمع من عمر، وتوفي بالمدينة سنة ست وتسعين، وكان ثقة قليل الحديث، كما ذكر الحافظ أن الترمذي قال فيه: " رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو غلام صغير ".
    وقال ابن أبي حاتم: قال البخاري: له صحبة، فسخط أبي عليه، وقال: لا يعرف له صحبة، روى عن ابن عباس، وروى عنه عاصم بن عمر بن قتادة، سمعت أبي يقول ذلك. وسئل أبو زرعة عن محمود بن لبيد؟ فقال: روى عن ابن عباس، وعنه الحارث بن فضيل، مديني أنصاري ثقة، وفي رواية مخرمة عن أبيه كلام كثير. اهـ.
    الثاني: من قولي العلماء في الإقدام على جمع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، أنه ليس بمحرم ولا بدعة، بل سنة، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه، وجماعة من أهل الظاهر، كما في زاد المعاد، ونكتفي بإيراد كلام الشافعي في الأم، وابن حزم في المحلى، قال الإمام الشافعي: (الخلاف في الطلاق الثلاث):
    عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب بالشام فبعث إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فقال: ((ليس لك عليه نفقة))[22].
    قال الشافعي -رحمه الله-: وابن عمر - رضي الله عنهما - طلق امرأته البتة وعلم ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسقط نفقتها؛ لأنه لا رجعة له عليها، والبتة التي لا رجعة له عليها ثلاث، ولم يُعِبِ النبي - صلى الله عليه وسلم - طلاقَ الثلاث، وحكم فيما سواها من الطلاق بالنفقة والسكنى، فإن قال قائل: ما دل على أن البتة ثلاث فهي لو لم يكن سمى ابن عمر - رضي الله عنهما - ثلاثا البتة، أو نوى بالبتة ثلاثا، كانت واحدة يملك الرجعة وعليه نفقتها.
    ومن زعم أن البتة ثلاث بلا نية المطلق، ولا تسمية ثلاث، قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ لم يعب الطلاق الذي هو ثلاث، دل على أن الطلاق بيد الزوج، ما أبقى منه أبقى لنفسه، وما أخرج منه من يده لزمه غير محرم عليه، كما لا يحرم عليه أن يعتق رقبة، وألا يخرج من ماله صدقة، وقد يقال له: لو أبقيت ما تستغني به عن الناس كان خيرا لك.
    فإن قال قائل: ما دل على أن أبا عمرو لا يعود أن يكون سمى ثلاثا أو نوى بالبتة ثلاثا؟ قلنا: الدليل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
    قال الشافعي - رحمه الله -: أخبرنا عمي محمد بن علي بن شافع، عن عبد الله بن علي بن السائب، عن نافع ابن عجير بن عبد يزيد، أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة المزنية البتة، ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني طلقت امرأتي سهيمة البتة، والله ما أردت إلا واحدة. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لركانة: ((والله ما أردت إلا واحدة؟)) فردها إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان، - رضي الله عنهما -[23].
    قال الشافعي - رحمه الله -: أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد، أنه أخبره أنه تلاعن عويمر وامرأته بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مع الناس فلما فرغا من ملاعنتهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال مالك: قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعبين[24].
    قال الشافعي - رحمه الله -: فقد طلق عويمر ثلاثا بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو كان ذلك محرما لنهاه عنه، وقال: إن الطلاق وإن لزمك فأنت عاص بأن تجمع ثلاثا، فافعل كذا، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر أن يأمر عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، حين طلق امرأته حائضا أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، فلا يقر النبي - صلى الله عليه وسلم - بطلاق لا يفعله أحد بين يديه، إلا نهاه عنه؛ لأنه العَلَم بين الحق والباطل، لا باطل بين يديه إلا يغيره.
    قال الشافعي: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار، قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول: أخبرني المطلب ابن حنطب، أنه طلق امرأته البتة ثم أتى عمر فذكر ذلك له.
    فقال: ما حملك على ذلك؟
    قال: قد فعلته، فتلا: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) [سورة النساء الآية: 66] ما حملك على ذلك؟
    قال: قد فعلته، قال: أمسك عليك امرأتك فإن الواحدة تبِتُّ.
    أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله ابن أبي سلمة، عن سليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: للتومة مثل ما قال للمطلب.
    قال الشافعي: أخبرنا الثقة، عن الليث بن سعد، عن بكير عن سليمان، أن رجلا من بني رزيق طلق امرأته البتة، قال عمر - رضي الله عه -: ما أردت بذلك؟ قال: أتراني أقيم على حرام والنساء كثير؟ فأحلفه فحلف، قال الشافعي - رحمه الله -: أراه قال: فردها عليه.
    قال: وهذا الخبر في الحديث في الزرقي، يدل على أن قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للمطلب ما أردت بذلك؟ يريد أواحدة أو ثلاثا؟ فلما أخبره أنه لم يرد به زيادة في عدد الطلاق، وأنه قال: بلا نية زيادة، ألزمه واحدة وهي أقل الطلاق، وقوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ) [سورة النساء الآية: 66] لو طلق فلم يذكر البتة؛ إذ كانت كلمة محدثة ليست في أصل الطلاق تحتمل صفة الطلاق وزيادة في عدده، ومعنى غير ذلك، فنهاه عن المشكل من القول، ولم ينهه عن الطلاق، ولم يعبه ولم يقل له: لو أردت ثلاثا كان مكروها عليك، وهو لا يحلفه على ما أراد إلا ولو أراد أكثر من واحدة ألزمه ذلك.
    أخبرنا الربيع: قال أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، وكان أعلمهم بذلك، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عبد الرحمن طلق امرأته البتة وهو مريض فورثها عثمان منه بعد انقضاء عدتها.
    قال الشافعي - رحمه الله - أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن ابن سيرين أن امرأة عبد الرحمن نشدته الطلاق فقال: إذا حضت ثم طهرت فآذنيني، فطهرت وهو مريض، فآذنته، فطلقها ثلاثا، قال الشافعي - رحمه الله -: والبتة في حديث مالك بيان هذا الحديث ثلاثا، لما وصفنا من أن يقول: طالق البتة، ينوي ثلاثًا، وقد بينه ابن سيرين فقطع موضع الشك فيه.
    أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن إياس بن بكير، قال: طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها، فجاء يستفتي فذهبت معه أسأل له، فسأل أبا هريرة، وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم - عن ذلك فقالا: لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجا غيرك، قال: إنما كان طلاقي إياها واحدة، فقال ابن عباس: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل.
    قال الشافعي - رحمه الله -: وما عاب ابن عباس ولا أبو هريرة –رضي الله عنهم- عليه أن يطلق ثلاثا، ولو كان ذلك معيبا، لقالا له: لزمك الطلاق، وبئسما صنعت، ثم سمى حين راجعه فما زاده ابن عباس على الذي هو عليه أن قال له: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل، ولم يقل بئسما صنعت، ولا حرجت في إرساله.
    أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن بكير، عن النعمان ابن أبي عياش الأنصاري عن عطاء بن يسار، قال: جاء رجل يستفتي عبد الله بن عمرو –رضي الله عنهما- عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يمسها، قال عطاء فقلت: إنما طلاق البكر واحدة، فقال عبد الله بن عمرو –رضي الله عنهما-: إنما أنت قاض الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره.
    ولم يقل له عبد الله: بئسما صنعت حين طلقت ثلاثا، أخبرنا الربيع: قال أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد، أن بكيرا أخبره عن النعمان ابن أبي عياش أنه كان جالسا عند عبد الله بن الزبير، وعاصم بن عمر فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها فماذا تريان؟ فقال ابن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، اذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة، فإني تركتهما عند عائشة فسلهما؟ ثم ائتنا فأخبرنا، فذهب فسألهما؟ فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة؛ فقد جاءتك معضلة، فقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره.
    وقال ابن عباس مثل ذلك ولم يعيبا عليه الثلاث، ولا عائشة، أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرني مالك عن ابن شهاب عن عروة أن مولاة لبني عدي يقال لها: زبراء أخبرته أنها كانت تحت عبد وهي يومئذ أمة، فعتقت فقالت: فأرسلت إلى حفصة فدعتني يومئذ، فقالت: إني مخبرتك خبراً، ولا أحب أن تصنعي شيئا، إن أمرك بيدك ما لم يمسك زوجك، فقالت: ففارقته ثلاثا، فلم تقل لها حفصة: لا يجوز لك أن تطلقي ثلاثا.
    ولو كان ذلك معيبا على الرجل، إذا لكان ذلك معيبا عليها إذا كان بيدها فيه ما بيده.
    أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن هشام، عن أبيه، عن جهمان، عن أم بكرة الأسلمية أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن أسيد، ثم أتيا عثمان - رضي الله عنه - في ذلك فقال: هي تطليقة، إلا أن تكون سميت شيئا فهو ما سميت.
    فعثمان - رضي الله عنه - يخبره أنه إن سمى أكثر من واحدة كان ما سمى، ولا يقول له: لا ينبغي لك أن تسمي أكثر من واحدة، بل في هذا القول دلالة على أنه جائز له أن يسمي أكثر من واحدة.
    أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - قال: البتة ما يقول الناس فيها؟ فقال أبو بكر، فقلت له: كان أبان بن عثمان يجعلها واحدة، فقال عمر: لو كان الطلاق ألفا ما أبقت البتة منه شيئا، من قال البتة فقد رمى الغاية القصوى.
    قال الشافعي: ولم يحك عن واحد منهم على اختلافهم في البتة أنه عاب البتة ولا عاب ثلاثا، قال الشافعي قال مالك في المخيرة: إن خيرها زوجها فاختارت نفسها فقد طلقت ثلاثا: وإن قال زوجها: لم أخيرك إلا في واحدة فليس له في ذلك قول، وهذا أحسن ما سمعت.
    قال الشافعي: فإذا كان مالك يزعم أن من مضى من سلف هذه الأمة قد خيروا وخير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخيار إذا اختارت المرأة نفسها يكون ثلاثا، كان ينبغي بزعمهم أن الخيار لا يحل؛ لأنها إذا اختارت كان ثلاثا، وإذا زعم أن الخيار يحل، وهي إذا اختارت نفسها طلقت ثلاثا فقد زعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أجاز طلاق ثلاث، وأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
    قال الشافعي - رحمه الله -: أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن عكرمة بن خالد، أن سعيد بن جبير أخبره أن رجلا أتى ابن عباس –رضي الله عنهما- فقال: طلقت امرأتي مائة، فقال ابن عباس - رضي الله عنهما- تأخذ ثلاثا وتدع سبعا وتسعين.
    قال الشافعي: أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، أن عطاء ومجاهدا قالا: إن رجلا أتى ابن عباس –رضي الله عنهما-، فقال: طلقت امرأتي مائة، فقال ابن عباس: تأخذ ثلاثا وتدع سبعا وتسعين.
    أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء وحده، عن ابن عباس –رضي الله عنهما- أنه قال: وسبعا وتسعين عدوانا، اتخذت بها آيات الله هزوا، فعاب عليه ابن عباس كل ما زاد عن عدد الطلاق الذي لم يجعله الله إليه، ولم يعب عليه ما جعل الله إليه من الثلاث، وفي هذا دلالة على أنه يجوز له عنده أن يطلق ثلاثا ولا يجوز له ما لم يكن إليه. اهـ.
    المذهب الحنبلي:
    وأما المذهب الحنبلي فقد قال ابن قدامة: اختلفت الرواية عن أحمد في جمع الثلاث، فروي عنه أنه غير محرم اختاره الخرقي، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور وداود، وروي ذلك عن الحسن بن علي وعبد الرحمن بن عوف، والشعبي، لأن عويمرا العجلاني لما لاعن امرأته قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم [25]- متفق عليه ولم ينقل إنكار النبي - صلى الله عليه وسلم -.
    وعن عائشة: أن امرأة رفاعة جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي[26]. متفق عليه، وفي حديث فاطمة بنت قيس، أن زوجها أرسل إليها بثلاث تطليقات. ولأنه طلاق جاز تفريقه فجاز جمعه كطلاق النساء.
    وقد أجاب ابن قدامة عن أدلة القائلين بالإباحة جوابا إجماليا.
    فقال[27]: وأما حديث المتلاعنين فغير لازم؛ لأن الفرقة لم تقع بالطلاق، فإنها وقعت بمجرد لعان الزوج فلا حجة فيه.
    ثم إن اللعان يوجب تحريما مؤبدا، فالطلاق بعده كالطلاق بعد انفساخ النكاح بالرضاعة أو غيره.
    ولأن جمع الثالث إنما حرم لما يعقبه من الندم، ويحصل به من الضرر ويفوت عليه من حل نكاحها، ولا يحصل ذلك بالطلاق بعد اللعان لحصوله باللعان.
    وسائر الأحاديث لم يقع فيها جمع الثلاث بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون مقرا عليه، ولا حضر المطلق عند النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أخبر بذلك لينكر عليه.
    على أن حديث فاطمة قد جاء فيه: أنه أرسل إليه بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها، وحديث امرأة رفاعة جاء فيه: أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات، متفق عليه، فلم يكن في شيء من ذلك جمع الثلاث.
    ولا خلاف بين الجميع في أن الاختيار والأولى أن يطلق واحدة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها إلا ما حكينا من قول من قال: إنه يطلقها في كل قرء طلقة، والأولى أولى، فإن في ذلك امتثالا لأمر الله - سبحانه - وموافقة لقول السلف، وأمناً من الندم، فإنه متى ندم راجعها فإن فاته ذلك بانقضاء عدتها فله نكاحها.
    وقال ابن حزم: وجدنا من حجة من قال: إن الطلاق الثلاث مجموعة سنة لا بدعة، قول الله - تعالى -: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [سورة البقرة الآية: 230].
    فهذا يقع على الثلاث مجموعة ومفرقة، ولا يجوز أن يخص بهذه الآية بعض ذلك دون بعض بغير نص.
    وكذلك قوله - تعالى -: (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُن َّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ) [سورة الأحزاب الآية: 49] عموم لإباحة الثلاث والاثنتين والواحدة.
    وقوله - تعالى -: (وَلِلْمُطَلَّق اتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) [سورة البقرة الآية:241] فلم يخص -تعالى- مطلقة واحدة من مطلقة اثنتين ومن مطلقة ثلاثا.
    ووجدنا ما رويناه من طريق مالك، عن ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي أخبره عن حديث لعان عويمر العجلاني مع امرأته، وفي آخره أنه قال: "كذبت عليها يا رسول الله، إن أمسكتها" فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: وأنا مع الناس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
    قال أبو محمد - ابن حزم -: لو كانت طلاق الثلاث مجموعة معصية لله - تعالى -، لما سكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيان ذلك فصح يقينا أنها سنة مباحة.
    وقال بعض أصحابنا: لا يخلو من أن يكون طلقها وهي امرأته، أو طلقها وقد حرمت عليه، ووجب التفريق بينهما، فإن كان طلقها وهي امرأته، فليس هذا قولكم؛ لأن قولكم إنها بتمام اللعان تبين عنه إلى الأبد، وإن كان طلقها أجنبية فإنما نحن فيمن طلق امرأته لا فيمن طلق أجنبية.
    فقلنا: إنما طلقها وهو يقدر أنها امرأته، هذا ما لا يشك فيه أحد، فلو كان ذلك معصية لسبقكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا الاعتراض، فإنما حجتنا كلها في ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإنكار على من طلق ثلاثا مجموعة امرأة يظنها امرأته، ولا يشك أنها في عصمته فقط.
    فإن قالوا: ليس كل مسكوت عن ذكره في الأخبار يكون ترك ذكره حجة، فقلنا: نعم هو حجة لازمة إلا أن يوجد بيان في خبر آخر لم يذكر في هذا الخبر، فحينئذ لا يكون السكوت عنه في خبر آخر حجة.
    ومن طريق البخاري: نا محمد بن بشار، نا يحيى هو ابن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر، نا القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - قالت: إن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت فطلق، فسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتحل للأول؟ قال: ((لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول))[28] فلم ينكر - عليه الصلاة والسلام - هذا السؤال، ولو كان لا يجوز لأخبر بذلك، وخبر فاطمة بنت قيس المشهور رويناه من طريق يحيى بن أبي كثير، أخبرني أبو سلمة ابن عبد الرحمن، أن فاطمة بنت قيس أخبرته أن زوجها أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا، ثم انطلق إلى اليمن، فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت ميمونة أم المؤمنين، فقالوا: إن أبا حفص طلق امرأته ثلاثا فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس لها نفقة، وعليها العدة...))[29] وذكر باقي الخبر.
    ومن طريق مسلم، نا محمد بن المثنى، نا حفص بن غياث، نا هشام بن عروة، عن أبيه عن فاطمة بنت قيس قالت: قلت: يا رسول الله إن زوجي طلقني ثلاثًا، وأنا أخاف أن يقتحم علي، قال: فأمرها فتحولت[30]. ومن طريق مسلم، نا محمد بن المثنى، عبد الرحمن بن مهدي، نا سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطلقة ثلاثة قال: ((ليس لها سكنى ولا نفقة))[31].
    فهذا نقل تواتر عن فاطمة بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبرنا هي ونفر سواها[32] بأن زوجها طلقها ثلاثاً، وبأنه - عليه الصلاة والسلام - حكم في المطلقة ثلاثا ولم ينكر - عليه الصلاة والسلام – ذلك، ولا أخبر بأنه ليس بسنة، وفي هذا كفاية لمن نصح نفسه.
    فإن قيل: إن الزهري روى عن أبي سلمة هذا الخبر فقال فيه: أنها ذكرت أنه طلقها آخر ثلاث طلقات، وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها، فذكر الخبر وفيه: فأرسل مروان إليها قبيصة بن ذؤيب فحدثته، وذكر باقي الخبر.
    قلنا: نعم، هكذا رواه الزهري، فأما روايته من طريق عبيد الله بن عبد الله فمنقطعة، لم يذكر عبيد الله ذلك عنها، ولا عن قبيصة عنها، إنما قال: إن فاطمة طلقها زوجها، وإن مروان بعث إليها قبيصة فحدثته، وأما خبره عن أبي سلمة فمتصل، إلا أن كلا الخبرين ليس فيهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبرته هي ولا غيرها بذلك، إنما السند الصحيح الذي فيه أنه - عليه الصلاة والسلام - سأل عن كمية طلاقها؟ وأنها أخبرته فهي التي قدمنا أولا، وعلى ذلك الإجمال جاء حكمه - عليه الصلاة والسلام - وكذلك كل لفظ روي به خبر فاطمة من (أبت طلاقها) و (طلقها البتة) و(طلقها طلاقا باتا) و(طلاقا بائنا) فليس في شيء منه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف عليه أصلا فسقط كل ذلك وثبت حكمه - عليه الصلاة والسلام - على ما صح أنه، أخبر به من أنه طلقها ثلاثا فقط.
    وأما الصحابة - رضي الله عنهم - فإن الثابت عن عمر - رضي الله عنه - الذي لا يثبت عنه غيره، ما رويناه من طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، نا زيد بن وهب: أنه رفع إلى عمر بن الخطاب برجل طلق امرأته ألفا فقال له عمر: أطلقت امرأتك؟ فقال: إنما كنت ألعب، فعلاه عمر بالدرة، وقال: إنما يكفيك من ذلك ثلاث، فإنما ضربه عمر على الزيادة على الثلاث، وأحسن عمر في ذلك، وأعلمه أن الثلاث تكفي ولم ينكرها.
    ومن طريق وكيع، عن الأعمش، عن حبيب ابن أبي ثابت، جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: إني طلقت امرأتي ألفا، فقال له علي: بانت منك بثلاث، واقسم سائرهن بين نسائك، فلم ينكر جمع الثلاث.
    ومن طريق وكيع، عن جعفر بن برقان، عن معاوية ابن أبي يحيى قال: جاء رجل إلى عثمان بن عفان فقال: طلقت امرأتي ألفا، فقال: بانت منك بثلاث... فلم ينكر الثلاث.
    ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: طلقت امرأتي ألفاً، فقال له ابن عباس: ثلاث تحرمها عليك، وبقيتها عليك وزرا، اتخذت آيات الله هزوا، فلم ينكر الثلاث، وأنكر ما زاد.
    والذي جاء عنه من قوله لمن طلق ثلاثا ثم ندم: لو اتقيت الله لجعل لك مخرجا، وهو على ظاهره، نعم، إن اتقى الله جعل له مخرجا، وليس فيه أن طلاقه الثلاث معصية.
    ومن طريق عبد الرزاق عن معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إني طلقت امرأتي تسعة وتسعين، فقال له ابن مسعود: ثلاث تبينها، وسائرها عدوان.
    وهذان خبران في غاية الصحة، لم ينكر ابن مسعود وابن عباس الثلاث مجموعة أصلا، وإنما أنكرا الزيادة على الثلاث.
    ومن طريق أحمد بن شعيب، أنا عمرو بن علي، نا يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: طلاق السنة أن يطلقها طاهرا من غير جماع، وهذا في غاية الصحة عن ابن مسعود فلم يخص طلقة من طلقتين من ثلاث.
    فإن قيل: قد روى الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود وفيه: فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى.
    قلنا نعم، هذا أيضا سنة، وليس فيه أن ما عدا ذلك حرام وبدعة، فإن قيل: قد رويتم من طريق حماد بن زيد، نا يحيى بن عتيق، عن محمد بن سيرين، قال: قال علي بن أبي طالب: لو أن الناس أخذوا بأمر الله - تعالى- في الطلاق ما يبيح رجل نفسه في امرأة أبدا، يبدأ فيطلقها تطليقة ثم يتربص ما بينها وبين أن تنقضي عدتها، فمتى شاء راجعها.
    قلنا: هذا منقطع عنه؛ لأن ابن سيرين لم يسمع من علي كلمة، ثم ليس فيه أيضا أن ما عدا ذلك معصية، ولا بدعة، لا يعلم عن الصحابة - رضي الله عنهم - غير ما ذكرنا، وأما التابعون فروينا من طريق وكيع عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن الشعبي قال: قال رجل لشريح القاضي: طلقت امرأتي مائة، فقال: بانت منك بثلاث، وسبع وتسعون إسراف ومعصية.
    فلم ينكر شريح الثلاث، وإنما جعل الإسراف والمعصية ما زاد على الثلاث، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: طلاق العدة أن يطلقها إذا طهرت من الحيضة بغير جماع.
    قال أبو محمد: فلم يخص واحدة من ثلاث من اثنتين، لا يعلم عن أحد من التابعين أن الثلاث معصية صرح بذلك، إلا الحسن، والقول بأن الثلاث سنة هو قول للشافعي وأبي ذر وأصحابهما.
    وقال ابن أبي شيبة[33]: " ومن رخص الرجل أن يطلق ثلاثا في مجلس " حدثنا أبو أسامة، عن هشام قال: سئل محمد عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا في مقعد واحد، قال: لا أعلم بذلك بأسا، قد طلق عبد الرحمن بن عوف امرأته ثلاثا فلم يعب عليه ذلك.
    حدثنا أبو أسامة، عن ابن عون عن محمد قال: كان لا يرى بذلك بأسا، حدثنا غندر عن شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، في رجل أراد أن تبين منه امرأته، قال: يطلقها ثلاثا.
    وللموضوع تتمة
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •