أبي لا تضربني الله يخليك
سليمان خالد الرومي


بعض الآباء للأسف لا يفقه من تربية الأبناء إلا اسم كلمة تربية، بل إن بعضهم قد لايدري أن هناك شيئاً يُقال له تربية على الإطلاق والتربية لها أصولها ولها غاياتها وأهدافها ولها فوائدها متى وفق الأب والأم في تقديم تربية أنموذجية لأبنائهما·
دعوني أنقل لكم طرق معاملة الطفل المخطئ:

ـ معاملة الوالد باللين والرحمة:
روى البخاري في الأدب المفرد <عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش>، وروى الآجري <عرِّفوا ولا تعنِّفوا>· وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا موسى الأشعري ومعاذاً إلى اليمن وقال لهما: <يسِّرا ولا تعسِّرا وبشِّرا ولا تنفِّرا>، وروى الحارث والطيالسي والبيهقي <علِّموا ولا تعنّفوا فإن المعلِّم خيرٌ من المعنف>· تؤكد الأحاديث أن المعاملة بالرفق واللين هي الأصل·
ـ مراعاة طبيعة الطفل المخطئ في استعمال العقوبة:
هناك فوارق فردية بين الأبناء لأن أمزجتهم مختلفة، ففيهم صاحب المزاج الهادئ المسالم، وفيهم صاحب المزاج المعتدل، وفيهم من هو مزاجه عصبي، وكل ذلك عائد إلى الوراثة ومؤثرات البيئة والتربية، فمنهم تنفع معه النظرة العابسة، وآخر لا بد من استعمال التوبيخ في عقوبته وكثير من علماء التربية الإسلاميين ومنهم ابن سينا والعبدري، ابن خلدون يقولون إنه لا يجوز للمربي أن يلجأ إلى العقوبة إلا عند الضرورة القصوى وأن لا يلجأ إلى الضرب إلا بعد التهديد والوعيد وتوسط الشفعاء لإحداث الأثر المطلوب في إصلاح الطفل وتكوينه خلقياً ونفسياً·
ـ التدرج في المعالجة من الأخف إلى الأشد:
إن المربي كالطبيب كما يقول الإمام الغزالي إن الطبيب لايجوز أن يعالج جميع المرضى بعلاج واحد مخافة الضرر، كذلك المربي لا يجوز أن يعالج مشكلات الأولاد ويقوِّم إعوجاجهم بعلاج التوبيخ وحده مثلاً مخافة ازدياد الانحراف عند بعضهم أو الشذوذ عند الآخرين نلاحظ هنا أنه ينبغي أن يعامل كل طفل المعاملة التي تلائمه·

وهناك طرق فتحها المعلم الأول عليه الصلاة والسلام للعلاج وهي:
ـ التنبيه إلى الخطأ بالتوجيه:
عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: كنت غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم <أي تحت رعايته> وكانت يدي تطيش في الصحفة <أي تتحرك هنا وهناك في القصعة>، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: <يا غلام سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك>· فلقد رأيت أنه صلى الله عليه وسلم أرشد عمر بن أبي سلمة إلى الخطأ بالموعظة الحسنة والتوجيه المؤثر المختصر البليغ··· رواه البخاري ومسلم·
ـ التنبيه إلى الأخطاء بالملاطفة:
عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم للغلام: أتأذن أن أعطي هؤلاء، وهذه الملاطفة وهذا هو الأسلوب الصحيح في التوجيه يغرس في نفس الطفل الحب والتقدير، فقال الغلام: لا والله لا أوثر بنصيبي منك أحداً، فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده أي وضع الشراب في يديه، أتدرون من كان الغلام، هو <عبدالله بن عباس>، فلقد رأيت أنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يعلِّم الغلام التأدب مع الكبار وأن له الحق في الشراب قبل غيره·
ـ الإرشاد إلى الأخطاء في استعمال التوبيخ:
عن أبي ذر رضي الله عنه قال: ساببت رجلاً فعيرته بأمه <قال له يا بن السوداء> فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر: أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية·

ـ الإرشاد إلى الخطأ بالهجر:
وروى البخاري أن كعب بن مالك حين تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامنا خمسين ليلة···> حتى أنزل الله توبتهم في القرآن الكريم· والرعيل الأول من أصحابه كانوا يعاقبون بالهجر في إصلاح الخطأ عوضاً عن الضرب: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: <مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع>، وفي سورة النساء: الآية 43: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً) نلاحظ أن الإسلام أقر الضرب، ولكن في المرحلة الأخيرة بعد الوعظ والهجر، وضمن حدود وشروط معينة
فرسول الله صلى الله عليه وسلم وضع لنا هذه الطرق لكل الحالات حتى نختار منها الطريقة المناسبة الملائمة لتأديب الولد وما يعالج انحرافه·

وهناك شروط في عقوبة الضرب ومنها:
ـ ألا يقدم الوالدان على ضرب الأبناء إلا بعد استنفاد جميع الوسائل التأديبية·
ـ ألا يلجأ إلى الضرب في الأماكن المؤذية كالرأس والوجه والصدر والبطن كما روى أبو داود <··· ولا تضرب الوجه>·
ـ أن يكون الضرب في المرات الأولى عقوبة غير شديدة وضرب غير مؤلم وإن كان على اليدين بعصا غير غليظة·
ـ إذا كانت الهفوة من الولد للمرة الأولى فتعطى له الفرصة على أن يتوب عما اقترفه ويعتذر عن ما فعله·
ـ يجب على الوالدين أن يتوليا تأديب أبنائهما لا غيرهما، حتى لا تقع العداوة والحقد والبغضاء·
ويوصي الأستاذ العالم الشيخ كامل بدر المربين:
إن المربي في شرع الهدى رحم
بر بمرعية لا عاتي الخلق
يدمي بسوط الأذى القطعان وهو يرى
في نفسه ضيغماً قد صال في غسق
أطفالنا يا رعاة الجيل عندكم
وديعة لا دمى حطم لدى النزق
والولد إذا وجه توجيهاً إيمانياً من قبل الوالدين وعرف مراقبة الله في السر والعلانية والتزام الخشية منه وخاف تهديدات القرآن الكريم، وتحذيرات السنة المطهرة، فللقرآن والسنة أكبر الأثر في إصلاح الأولاد وكفهم عن الكثير من المحرمات، لأن رقابة الضمير الإيماني خير رقيب وحسيب·


قصص من الواقع:
ـ روي لي أن أحد الأبناء أخطأ خطأ بسيطاً ولكن الأب رأى أن الخطأ الذي أخطأه ابنه ما هو ببسيط، فما كان من الأب إلا أن ضرب ابنه في الحذاء حتى تطايرت أسنانه، أهذه تعتبر تربية أم إيذاء·
ـ ورويت لي قصة عن أبٍ همَّ بضرب ابنه فما كان من الولد إلا أن هرب لأنه يعلم أن والده سيضربه في أي شيء يجده أمامه، وكانت توقعات الولد صحيحة، فقد ضربه والده بالمفاتيح التي أمامه، فأصيب في ظهره، وأحدث الضرب شرخاً عنيفاً في العمود الفقري، وأدخل الولد إلى المستشفى، وهناك مع الأسف كانت الكارثة الجسدية أكبر من التربية الأخلاقية، وكأن الأب قد نسي قول الشاعر: فقوِّم النفس بالأخلاق تستقم>، وهناك بعض الآباء ممن يستخدم التعذيب ويتفنن به، وأسأل الله أن يتقي هؤلاء الآباء الله في أبنائهم·