التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,897

    افتراضي التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة

    التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة (1)

    عصام حسانين


    إن من أخطر جوانب التربية الملقاة على عاتق الوالدين التربية الاجتماعية، تلكم التربية التي تنقل الطفل انتقالاً سلسلاً من مجتمع الأسرة الخاص إلى المجتمع العام الذي هو جزءٌ منه، ولا بد له منه؛ لأنه مخلوق اجتماعى يجتمع بغيره متأثراً ومؤثراً، ومَثَلُ الأسرة في ذلك مثل الجسر الذي يعبر عليه إلى مجتمعه، فهي تلقنه منذ نعومة أظفاره دينه ولغته، وعادات مجتمعه، وسلوكه، وحب الانتماء إليه، وحقوق أفراده.

    وموطن الخطورة في هذا المنحى التربوي ما يترتب عليه من آثار، فإما أن يتم هذا العبور بسلام، وإما أن يتعثر، وقد يصل إلى صدمة اجتماعية فصدمة نفسية بآثارها السيئة من فوبيا المجتمع من مدرسة وأصدقاء؛ ومن ثمّ الانطواء والعزلة هروباً وخوفًا، لذلك لابد من حرص الأبوين على عبور الطفل من مجتمعهما الخاص إلى المجتمع العام بسلامة وأمان، ومن هنا كان تناول هذا الجانب التربوي بشيء من التفصيل.

    المقصود بالتربية الاجتماعية

    تكاد تجتمع عبارات الباحثين على أن المقصود بالتربية الاجتماعية: السبل والوسائل التي تؤدي إلى تقوية روابط التعاون بين أفراد المجتمع بما يحقق الحب والتراحم والتعاطف؛ ليعيش المجتمع حياة كريمة، آمنة مطمئنة، وهذا يتطلب في التربية منذ النشأة الأولى توجيه الطفل بأنه عضو في مجتمع، وأنه جزء منه.

    الوعي بالذات

    وتستهدف كذلك تنمية وعي الفرد بذاته، وتنمية مهاراته في العلاقات الاجتماعية، وقدرته على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار، وتنمية وعيه بمجتمعه، والتغيرات التي تطرأ عليه، وتحديد إمكاناته وأدوارها الاجتماعية، والمسؤوليات المناطة بهذه الإمكانات والأدوار، ولكي يحصل ذلك فلابد من مباشرة المهارات الاجتماعية واستمرارها وتنميتها من حسن التواصل، والاندماج؛ بحيث يكون عضوًا عاملاً نافعًا في مجتمعه، محبًا له، حريصًا عليه وعلى نفعه.

    وسائل التربية الاجتماعية

    الوسيلة هي التي يتوصل بها إلى الهدف، والوسائل التي توصلنا إلى التربية الاجتماعية الرشيدة هي: (القرآن الكريم - السنة النبوية) وكلاهما وحي - ما جاء عن الصحابة -رضي الله عنهم- ومن تبعهم بإحسان - والتجارب وهي خير مُعلّم، ويقصد بها: البحوث والدراسات التي يقوم بها علماء الاجتماع، وتجارب المربين العقلاء العلماء.

    القرآن الكريم

    القرآن الكريم هو كلام الله -تعالى- تكلم به على الحقيقة على ما يليق بكماله وجلاله عزوجل، أوحى الله -تعالى- به إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - تبيانًا لكل شيء مما يحتاجه الناس من حلال وحرام وغيره، وفيه الهدى والسداد، والنور، والرحمة، والشفاء، والبشرى للمؤمنين؛ فهو بذلك منهاج حياة، ومن جعله أمامه وإمامه قاده إلى حياة السعادة في الدنيا، والفوز والفلاح في الآخرة؛ لأنه من لدن حكيم خبير، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}(المل ك:14)، وفي القرآن أمرٌ للوالدين بإحسان تربية أولادهم، وإنجائهم من النار بالتأديب والتهذيب، وأمرٌ للأولاد بالإحسان إلى الأبوين، وبصلة الأرحام، {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} الآية: الإسراء :26، والأقارب هم الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات ثم أدناك أدناك.

    الفقراء والمساكين

    وأمر القرآن بصلة المسلمين المعوزين من الفقراء والمساكين؛ بل وجعل حقاً مالياً على الأغنياء وهو الزكاة يُعطونه للفقراء وبقية الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله -تعالى- في آية سورة التوبة، وجعل مجتمع المسلمين مجتمعاً واحداً كالنفس الواحدة فقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} الحجرات:10، وقال -تعالى- : {ولا تقتلوا أنفسكم...} النساء: 29، {ولا تلمزوا أنفسكم..} الحجرات : 11.

    موالاة إيمانية

    وجعل موالاة إيمانية للمؤمنين في أيَّ مكان: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} المائدة :55-56.

    التعارف والاجتماع

    وأمر بالتعارف والاجتماع؛ فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} الحجرات:13، قال العلامة السعدي -رحمه الله -: «يخبر -تعالى- أنه خلق بني آدم، من أصل واحد، وجنس واحد، وكلهم من ذكر وأنثى، ويرجعون جميعهم إلى آدم وحواء، ولكن الله -تعالى- بث منهما رجالاً كثيرًا ونساء، وفرّقهم، وجعلهم شعوبًا وقبائل أي: قبائل صغارًا وكبارًا، وذلك لأجل أن يتعارفوا، فإنهم لو استقل كل واحد منهم بنفسه، لم يحصل بذلك، التعارف الذي يترتب عليه التناصر والتعاون، والتوارث، والقيام بحقوق الأقارب، ولكن الله جعلهم شعوبًا وقبائل، لأجل أن تحصل هذه الأمور وغيرها، مما يتوقف على التعارف، ولحوق الأنساب، ولكن الكرم بالتقوى، فأكرمهم عند الله أتقاهم، وهو أكثرهم طاعة وانكفافًا عن المعاصي، لا أكثرهم قرابة وقومًا، ولا أشرفهم نسبًا، ولكن الله -تعالى- عليم خبير، يعلم من يقوم منهم بتقوى الله ظاهرًا وباطنًا، ممن يقوم بذلك، ظاهرًا لا باطنًا، فيجازي كلاً، بما يستحق، وفي هذه الآية دليل على أن معرفة الأنساب، مطلوبة مشروعة؛ لأن الله جعلهم شعوبًا وقبائل لأجل ذلك.اهـ

    محاسن الأخلاق

    وأمر القرآن بجميل الشمائل ومحاسن الأخلاق، من ذلك: القول الحسن للناس، قال -تعالى-: {وقولوا للناس حسنًا}، قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله -: «أي : كلموهم طيبا، ولينوا لهم جانبا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف، كما قال الحسن البصري في قوله: (وقولوا للناس حسنا) فالحسن من القول : يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم، ويعفو، ويصفح، ويقول للناس حسنا كما قال الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله». اهـ، وقال القرطبي - رحمه الله -: «وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينا، ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر، والسني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه; لأن الله -تعالى- قال لموسى وهارون: فقولا له قولا لينا، فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله -تعالى- باللين معه» اهـ.

    عبادات جماعية

    وأمر القرآن بعبادات تؤدى مع الجماعة، يجتمع فيها المسلم بإخوانه المسلمين على طاعة الله، ويتعاون معهم على البر والتقوى من صلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد وأمر بمعروف ونهى عن منكر وغير ذلك مما يؤصل للعلاقات الاجتماعية السليمة، ويكون المسلم عضواً نافعًا، صالحًا مصلحًا في مجتمعه.

    التشريعات في المعاملات

    وكذا التشريعات في المعاملات التي تقوم على القِسط الذي شرعه الله -تعالى- من بيع وشراء وقرض حسن، ووكالة وكفالة، وقبول الأمانات، والوفاء بالعهود والعقود وإيفاء الكيل والميزان وغير ذلك، تشريعات كلُّها عدل ورحمة، ومحبة وتراحم، وشفقة وإحسان، تجعل المجتمع المسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم .
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,897

    افتراضي رد: التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة

    التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة (2)


    عصام حسانين



    تكلمنا في المقال الأول عن أهمية التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة وتعريفها، ووسائلها، وتكلمنا عن الوسيلة الأولى وهي: القرآن الكريم ، وفي هذا المقال نتكلم – إن شاء الله - عن الوسيلة الثانية، وهي السنة النبوية.

    وما جاء به القرآن في البناء الاجتماعي جاءت به السنة النبوية الشريفة؛ لأنها وحي، ومبينة للقرآن العظيم كما قال –عزوجل-: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى} (النجم: 3)، وقال –عزوجل-: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}(النحل: 44)، وعن العرباض بنِ ساريةَ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «أَيَحْسَبُ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، قَدْ يَظُنُّ أَنَّ اللهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلَّا مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ، أَلَا وَإِنِّي وَاللهِ قَدْ وَعَظْتُ وَأَمَرْتُ وَنَهَيْتُ عَنْ أَشْيَاءَ، إِنَّهَا لَمِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ» أخرجه أبو داود وحسَّنه الألبانيُّ في (السلسلة الصحيحة) (٢/ ٥٧٠).

    تطبيق عملي

    والسنة النبوية الشريفة تطبيق عملي للقرآن الكريم، كما قالت عائشة -رضى الله عنها- عندما سُئلت عن خُلق النبى صلى الله عليه وسلم : «كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن»، وقد جاءت عنه صلى الله عليه وسلم أحاديث، هي أسس وقواعد في التربية الاجتماعية، من ذلك :

    اصطحاب الطفل إلى المسجد

    فالمسجدُ بيت الله في الأرض وأحبُّ البقاع إليه وخيرُها، وهو مكانُ العبادةِ، مشتقٌ من السجود، الذي فيه غايةُ الخضوع لله -عزَّ وجلِّ-، عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَحَبُّ البلاد إلى الله مساجدُها، وأبغضُ البلاد إلى الله أسواقها». رواه مسلم.

    زائرُ الله -تعالى

    ومن خرج لأداءِ الصلاةِ في المسجد؛ِ فهو زائرُ الله -تعالى-: قال صلى الله عليه وسلم : «مَنْ تَوَضَّأَ في بَيْتهِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أتى الْمَسْجدَ فَهُوَ زَائرُ اللهِ، وَحَقٌّ على الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ الزَّائرَ». رواه الطبراني وحسنه الألباني، وقد أمر الله -تعالي- ببنائها وعمارتها؛ فقال: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَار}(ا لنور: 36-37 ).

    قال العلامة السعدي – رحمه الله-: «أي: يتعبد لله فِي بُيُوتٍ عظيمة فاضلة، هي أحب البقاع إليه، وهي المساجد. (أَذِنَ اللَّهُ) أي: أمر ووصى أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُه، هذان مجموع أحكام المساجد؛ فيدخل في رفعها، بناؤها، وكنسها، وتنظيفها من النجاسة والأذى، وصونها من المجانين والصبيان الذين لا يتحرزون عن النجاسة، وعن الكافر، وأن تصان عن اللغو فيها، ورفع الأصوات بغير ذكر الله». وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، يدخل في ذلك الصلاة كلها، فرضها، ونفلها، وقراءة القرآن، والتسبيح، والتهليل، وغيره من أنواع الذكر، وتعلم العلم وتعليمه، والمذاكرة فيها، والاعتكاف، وغير ذلك من العبادات التي تفعل في المساجد اهـ من التفسير.

    لزوم المساجد

    وقد حثَّنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم على لزوم المساجد، وحضور مجالس العلم فيها؛ فقال: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُون َهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» رواه مسلم، ولأهميةِ المسجد في الإسلام بدأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ببنائه في أول مقدمه المدينة، وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- يصطحبون أولادهم معهم إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها؛ فأسمع بكاء الصبي؛ فأتجوّز في صلاتي مما أعلم من شدة وجْد أمه من بكائه» رواه البخاري ومسلم.

    الحسن و الحسين

    وربما جاء الحسن و الحسين -رضي الله عنهما- إلى المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب؛ فينزل إليهما، ويحملهما؛ فعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فأقبل الحسن والحسين -رضي الله عنهما- عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان؛ فنزل فأخذهما فصعد بهما المنبر، ثم قال: «صدق الله، إنما أموالكم وأولادكم فتنة، رأيت هذين فلم أصبر»، ثم أخذ في الخطبة (رواه أبو داود، وصححه الألباني في صحيح أبي داود 1109 )، وربما وثبا علي ظهره وهو ساجد صلى الله عليه وسلم؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي؛ فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره؛ فإذا منعوهما أشار إليهم أن دعوهما؛ فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره».رواه ابن خزيمة في صحيحه، وحسنه الألباني.

    حمله صلى الله عليه وسلم لأمامة

    وصلّي صلى الله عليه وسلم حاملاً أمامة بنت ابنته زينب -رضي الله عنها-؛ فعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمامة بنت العاص -ابنة زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم على عاتقه؛ فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها». رواه البخاري ومسلم.

    إدخال الصبيان المساجد

    من هذه الأحاديث أخذ العلماء جواز إدخال الصبيان المساجد، ولو كانوا صغاراً يتعثرون في سيرهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّ ذلك ولم ينكره، بل شرع للأئمة تخفيف القراءة لصياح صبي، خشية أن يشق على أهله، ومن الحكمة في ذلك تعويدهم على الطاعة ، وحضور الصلاة منذ نعومة أظفارهم؛ فإن لتلك المشاهد التي يرونها في المساجد وما يسمعونه من قراءة القرآن، والتكبير، والتحميد، والتسبيح، ورؤية المصلين، أثراً قوياً في نفوسهم لا يزول حين كبرهم ، ودخولهم في أعباء الحياة.

    فتوى الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -

    - سئل الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - : هل يجوز للرجل أن يذهب إلى المسجد ومعه أطفاله الصغار دون الرابعة؟

    - فأجاب: «الأطفال الذين دون الرابعة في الغالب لا يحسنون الصلاة؛ لأنه لا تمييز لهم، والسن الغالب للتمييز هو سبع سنين، وهو السن الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نأمر أولادنا بالصلاة إذا بلغوه؛ فقال -عليه الصلاة والسلام-: «مروا أولادكم أو أبناءكم بالصلاة لسبع»، وإذا كان هؤلاء الأطفال الذين في الرابعة لا يحسنون الصلاة؛ فلا ينبغي له أن يأتي بهم في المسجد، اللهم إلا عند الضرورة، كما لو لم يكن في البيت أحد يحمي هذا الصبي؛ فأتى به معه بشرط ألا يؤذي المصلين؛ فإن آذى المصلين؛ فإنه لا يأتي به، وإذا احتاج الطفل أن يبقى معه في البيت فليبق معه، وفي هذه الحال يكون معذوراً بترك الجماعة؛ لأنه تخلف عن الجماعة لعذر، وهو حفظ ابنه وحمايته» انتهى من «فتاوى نور على الدرب».

    العناية بالمساجد

    ولصيانة المسجد من هذا التخوف؛ فعلى الآباء إذا جاؤوا بأولادهم إلى المسجد أن يحثوهم على العناية به، والحفاظ على نظافته واحترامه، ومراعاة الهدوء فيه ، ويحذروهم من اللعب والعبث بأثاثه وما فيه؛ لأنه بيت الله -تعالي- ومن جاءه فهو زائر الله، وحق على المزور أن يكرم الزائر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا كنا نعتني بنظافة بيوتنا؛ فبيوت الله أحق أن يُعتنى بها، ولا يجوز رفع الصوت فيها، ولا التشويش، حتى لا يذهب الخشوع والطمأنينة من قلوب المصلين.


    التعرف على المجتمع

    ولأنه في المسجد يتعرف تدريجيًا على المجتمع من ناحية قيمه وعاداته، وأنماط سلوكه وأخلاقياته، وطريقة تعامله، ومستوياته المختلفة، كما يحدث التفاعل والتعاون بين عموم المسلمين في المسجد بعد صلاتهم؛ ففيه يلتقي المسلمون كلَّ يومٍ خمس مرَّاتِ؛ فتتوثقُ بينهم الصلةُ، ويتعاونون فيما بينهم على البر والتقوى.

    تنظيف المسجد

    وحبذا ثم حبذا مشاركته معنا في تنظيف المسجد، وهذا فيه ما فيه من تعظيم بيت الله، وتعويده على العمل والبذل لدين الله، والمشاركة المجتمعية مع غيره، وبغير المسجد لا يمكن أن يتربي الطفل إيمانياً، وأن يتكّون خلقيًا واجتماعيًا، ويتعلم أحكام دينه؛ فعلى الوالد أن يحرص على اصطحاب ولده معه إلى المسجد – بشرطه - حرصاً شديداً، والله المستعان.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,897

    افتراضي رد: التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة

    التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة (3)


    عصام حسانين




    تكلمنا في المقال السابق عن السنة بوصفها وسيلة ثانية يستقي منها المربون -ولاسيما الأبوين - التربية الاجتماعية لأطفالهم، وتكلمنا عن أسس اجتماعية جاءت بها السنة، منها: اصطحاب الطفل إلى المسجد، وفي هذا المقال نتكلم علي أساس مهم في التربية الاجتماعية، وهو اصطحاب الطفل لمجالس الكبار الفضلاء من أهل العلم والفضل، وهو ما يعرف حديثاً بالتربية عن طريق المخالطة بأصحاب الخبرة.

    جاءت أحاديث عنه صلى الله عليه وسلم تبين أن الصغار كانوا يحضرون مجالسه صلى الله عليه وسلم بصحبة آبائهم، وكانت مجالسه صلى الله عليه وسلم مجالس علم وحلم، وأدب، ووقار، يجلسون حوله كأن على رؤوسهم الطير، حريصين على العلم والاهتداء، وكان صلى الله عليه وسلم يعلمهم مما علمه الله بوسائل التعليم كلها؛ فعنْ مُجَاهِد، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ: «أَخْبِرُونِي عَنْ شَجَرَةٍ، مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ»؛ فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَذْكُرُونَ شَجَرًا مِنْ شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَأُلْقِيَ فِي نَفْسِي أَوْ رُوعِيَ، أَنَّهَا النَّخْلَةُ؛ فَجَعَلْتُ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهَا؛ فَإِذَا أَسْنَانُ الْقَوْمِ؛ فَأَهَابُ أَنْ أَتَكَلَّمَ؛ فَلَمَّا سَكَتُوا، قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «هِيَ النَّخْلَةُ». رواه مسلم.
    فوائد من الحديث
    قال النووي -رحمه الله-: في هذا الحديث فوائد: منها استحباب إلقاء العالم المسألة على أصحابه؛ ليختبر أفهامهم، ويرغبهم في الفكر والاعتناء، وفيه: ضرب الأمثال والأشباه، وفيه: توقير الكبار، كما فعل ابن عمر، لكن إذا لم يعرف الكبار المسألة؛ فينبغي للصغير الذي يعرفها أن يقولها .
    سرور الإنسان بنجابة ولده
    وفيه: سرور الإنسان بنجابة ولده، وحسن فهمه، وقول عمر رضي الله عنه : «لأن تكون قلت هي النخلة أحب إلي، أراد بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو لابنه، ويعلم حسن فهمه ونجابته». اهـ. من شرح مسلم، و«استحباب الحياء ما لم يؤد إلى تفويت مصلحة؛ ولهذا تمنى عمر أن يكون ابنه لم يسكت، وفيه توقير الكبير وتقديم الصغير أباه في القول وأنه لا يبادره بما فهمه، وفيه أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه من هو دونه؛ لأن العلم مواهب والله يؤتي فضله من يشاء» اهـ من (فتح المنعم).
    مخالطة الصغار وملاعبتهم
    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخالط الصغار ويُلاعبهم؛ فعن أنس رضي الله عنه ، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالطنا، حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟». رواه أحمد، وكان من عادة العرب أن يُحضروا أبناءهم مجالس الكبار، ولاسيما مجالس العز والشرف، ليمهدوا لهم طريق السيادة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شهدتُ حلفَ المُطَيَّبين وأنا غلامٌ معَ عمومتي؛ فما أحبُّ أنَّ لي حُمْرَ النَّعَمِ وأني أَنكُثُه». رواه أبو يعلى، وابن جرير بسند صحيح ، «وحِلْفُ المُطيِّبِين كان قبلَ الإسلامِ، وقد حضرَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو صغيرٌ مع أعمامِهِ؛ حيثُ تحالفَتْ قريشٌ -ومنهم بَنو هَاشمٍ، وبنو زُهرةَ، وَبنو تَمِيمٍ، ورؤساءُ الناسِ- على نُصرةِ المظلومِ، وكفِّ الظالمِ، ووَضَعوا أيديَهُم في قَصْعَةٍ ممْلوءةٍ بالطِّيبِ والعِطْرِ؛ ولذلك سُمِّيَ حِلْفَ المطيِّبينَ؛ فهذا إذا وقَعَ في الإسلامِ كان تأْكيدًا لموجِبِ الإسلامِ، وتقْويةً له».
    حضور المسجد
    وكان الأطفال يحضرون إلى المسجد بصحبة آبائهم، حريصين على مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتعلموا منه؛ فعن محمود بن الربيع رضي الله عنه : قال: «عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم مجّة مجّها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو». رواه البخاري، وجاءت أحاديث كثيرة رواها صغار الصحابة عنه صلى الله عليه وسلم ، كأحاديث ابن عباس، والحسن، والحسين، وعبد الله بن الزبير -رضي الله عنهم-، وتنظر أحاديثهم في مسند الإمام أحمد -رحمه الله.
    مجلس شورى عمر رضي الله عنه
    وكان عمر- رضى الله عنه – يُحضر ابن عباس مجلس شورته، ولما قال له شيوخ المهاجرين في ذلك قال: «ذاكم فتى الكهول، إن له لساناً سؤولاً ، وقلباً عقولاً». رواه الحاكم في المستدرك، ومرّ عمرو بن العاص رضي الله عنه على حلقة من قريش؛ فقال: «ما لكم قد طرحتم هذه الأُغَيْلِمَة؟ لا تفعلوا، أوسعوا لهم في المجلس، وأسمعوهم الحديث، وأفهموهم إياه؛ فإنهم صغار قوم أوشك أن يكونوا كبار قوم، وقد كنتم صغار قوم؛ فأنتم اليوم كبار قوم». شرف أصحاب الحديث. وقال يوسف بن الماجشون: قال لي ابن شهاب الزهري ولابن عمٍّ لي ولآخر معنا: «لا تستحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم؛ فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا أعياه الأمر المُعْضل دعا الأحداث؛ فاستشارهم لحِدَّة عقولهم». جامع بيان العلم وفضله.
    تعليم الأطفال
    وكذلك كانوا يجالسون أطفال التابعين يعلمونهم؛ فعن ابن سيرين قال: جلس إلينا رجل، ونحن غلمان؛ فقال: «كتب إلينا عمر بن الخطاب زمن كذا وكذا، أن اتزروا، وارتدوا، وانتعلوا، وقابلوا النعال، وعليكم بعيش معدّ، وذروا التنعم، وزىّ الأعاجم». أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، ومعنى «قابلوا النعال»: اجعلوا لها قبالاً أي سيراً بين الإصبعين، وكان السلف يُحضرون أولادهم مجالس إقراء القرآن والحديث.
    الإمام البخاري
    قال الإمام البخاري: «ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكُتّاب، قيل له: كم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكتاب؛ فجعلت أختلف إلى الدِّاخلي وغيره، فقال يوماً: فيما كان يقرأ الناس سفيان عن أبي الزبير، عن إبراهيم؛ فقلت: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم؛ فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك؛ فدخل فنظر فيه ثم رجع، فقال: كيف هو يا غلام؟ فقلت: هو الزبير وهو ابن عدي عن إبراهيم؛ فأخذ القلم وأصلح كتابه».
    وقال الحسن البصري: «قدّموا إلينا أحداثكم؛ فإنهم أفرغ قلوبًا، وأحفظ لما سمعوا؛ فمن أراد الله أن يُتِمّه له أتمّه». (الجامع لأخلاق الراوي). وقال أبو بكر بن عياش: «كنا عند الأعمش ونحن حوله نكتب الحديث؛ فمرّ به رجلٌ فقال: يا أبا محمد، ما هؤلاء الصبيان حولك؟ فقال: «هؤلاء الذين يحفظون عليك دينك».
    وقال هشام بن عروة: كان أبي يقول: «أي بني، كنا صغار قومٍ فأصبحنا كبارهم، وإنكم اليوم صغار قوم ويوشك أن تكونوا كبارهم؛ فما خير في كبيرٍ ولا علم له؛ فعليكم بالسنة». قال الحافظ السيوطي :« تعليم الصبيان القرآن أصل من أصول الإسلام؛ فينشؤون على الفطرة، ويسبق إلى قلوبهم أنوار الحكمة، قبل تمكن الأهواء منها، وسوادها بأكدار المعصية والضلال».
    أخلاق الكبار
    من هدي هذه الأحاديث والآثار، يصطحب الأب ابنه إلى مجالس الكبار التي يختارها بدقة وعناية، تلكم المجالس التي يُنتقى فيه أطايب الكلام، كما يُنتقى أطايب الثمر؛ فيتعلم الطفل من أخلاق الكبار : أدب حوارهم، واحترام بعضهم بعضاً، ومن تجاربهم وخبراتهم في الحياة؛ فيزداد تهذيباً لنفسه، وتنبهاً لنواقصه، وتوجهاً نحو الكمال.
    أدب المجلس

    وينبغى قبل اصطحابه إليها أن يعلمه أدب المجلس، وأدب احترام الكبير مخاطبةً ولقاءً ومجالسة، من إلقاء السلام، ومصافحة باليد، وتوقير للكبير بمخاطبته بلقبه، وجلوسٍ حيث ينتهى به المجلس، وأن يكون جلوسه للاستفادة لا للجدال والمغالبة، وألا يتدخل في الكلام، ولا يسارع في الجواب إلا إذا استأذن أو طُلب منه ذلك، وألا يحتقر نفسه؛ فإذا رأى فائدة أو جواباً عن سؤال، سكت عنه القوم؛ فليتكلم بأدب وحجة دون إشارة لأحد أو تجريح .
    وعلى الأب - أيضاً - أن يُحضره مجالس العلم المناسبة له، وأن يؤدبه بأدب هذه المجالس الطيبة.
    فلا يتكلم مع أحد أثناء الدرس، أو يعبث بحاجياته، بل ينتبه ويُنصت مستفيداً، ويكون معه الكتاب والكراس يكتب فيه الفوائد.
    وبعد الدرس يذاكره ما حضره وكتبه، مع الاهتمام والمراجعة؛ فإن أحسن كافأه، وإن قصّر حثّه على الانتباه في الدرس القادم ، ولا يهمل ، ولا يلجأ إلى العقاب إلا بعد استنفاد الوسائل الممكنة.ِ


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,897

    افتراضي رد: التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة

    التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة (4)
    تعويد الطفل سنة السلام




    عصام حسانين



    تكلمنا في مقالين سابقين عن أمرين من أسس التربية الاجتماعية التي جاءت عنه صلى الله عليه وسلم وهما اصطحاب الطفل إلى المسجد، واصطحاب الطفل إلى مجلس الكبار، ونستكمل بقية هذه الأسس بالحديث عن تعويد الطفل سُنَّة السلام، وعيادة الطفل إذا مرض، واختيار الطفل أصدقاءً له.

    السلام هو تحية الإسلام، وهو خير التحية، وهو تحية الله لأهل الجنة، وتحية الملائكة لهم، وتحيتهم فيما بينهم، وهو دعاء ومعناه: الأمان من الله لكم ورحمته عليكم وبركاته، وفيه ثواب عظيم؛ فعن عمران بن الحصين -رضي الله عنهما- قال‏:‏ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقال‏:‏ السلام عليكم، فرد عليه ثم جلس؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «عشر»، ثم جاء آخر؛ فقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه فجلس؛ فقال‏:‏ ‏«عشرون‏»‏، ثم جاء آخر؛ فقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه فجلس، فقال‏:‏ “ثلاثون” ‏‏‏(‏رواه أبو داود والترمذي وقال‏:‏ حديث حسن‏‏‏)‏‏.، وهو مفتاح الكلام مع الناس، وفيه إشاعة للمودة والرحمة بين أفراد المجتمع.

    تعليم الطفل

    فيُعلّم الطفل أنه إذا مرّ على مجلس قوم ألقى عليهم السلام، وإذا حيّاه أحد بتحية ردّ بأحسن منها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير».رواه البخاري ومسلم، وفى رواية للبخاري: «والصغير على الكبير»، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم :‏ أي الإسلام خير‏؟‏ قال‏:‏ ‏«‏تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف‏»‏‏.‏ ‏‏متفق عليه‏، ويكون هذا بالتطبيق العملي من الأب؛ فإذا مرّ على أحد ألقى عليه السلام؛ وبذلك يتعلم الطفل من أبيه سنة السلام.

    سنة غائبة

    ومن السنة الغائبة: السلام على الأطفال الصغار؛ فعن أنس رضي الله عنه «أنه مرّ على صبيان فسلّم عليهم، ثم قال: إن النبى صلى الله عليه وسلم مرّ على صبيان؛ فسلم عليهم». رواه البخاري ومسلم، وعن ثابت قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار؛ فيُسلِّم على صبيانهم ، ويمسح رؤوسهم ، ويدعو لهم»، صحيح. رواه ابن حبان، وصححه الألباني في صحيح الجامع، قال ابن بطال – رحمه الله –: في السلام على الصبيان تدريبهم على آداب الشريعة.... أ.هـ


    التسليم على الوالدين

    ويُعلّم إذا دخل على والديه أن يُسلِّم؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يابُني إذا دخلت على أهلك فسلم، يكن بركة عليك، وعلى أهل بيتك». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وإذا كان السلام يجعل الألفة بين أفراد المجتمع؛ فأولى وأجدر أن يجعلها في البيت الذي يشيع فيه السلام، وأنعم بها وسيلة تُدرّب الطفل على الاندماج في المجتمع بسهولة ويسر.

    الأساس الرابع: عيادة

    الطفل إذا مرض

    عن أنس رضي الله عنه : «أَنَّ غُلَامًا مِنَ اليَهُودِ كَانَ يَخدُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ؛ فَمَرِضَ؛ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ؛ فَقَعَدَ عِندَ رَأسِهِ؛ فَقَالَ: أَسلِم؛ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِندَ رَأسِهِ؛ فَقَالَ لَه: أَطِع أَبَا القَاسِمِ رضي الله عنه ؛ فَأَسلَمَ؛ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ: الحَمدُ لِلَّهِ الذِي أَنقَذَهُ مِنَ النَّارِ». رواه البخاري؛ فيا له من إحسان عظيم منه صلى الله عليه وسلم ، ولين جانب، وحرص علي هداية الناس! كانت نتيجته أن أنقذ الله هذا الغلام اليهودي من النار برسول الله صلى الله عليه وسلم و الحمد لله.

    زيارة الكبير للصغير

    ونتعلم منه زيارة الكبير للصغير، ولاسيما وأن في هذه الزيارة تخفيفاً من آلامه، وتقوية لهذا الحقّ الأخوي، الذي عظّمه الإسلام عند الطفل، قال صلى الله عليه وسلم : «وإذا مرض فُعده». الحديث. رواه مسلم، ومن العمل الحسن: اتفاق الوالد مع بعض أصدقائه الفضلاء لزيارة طفله إذا مرض، واصطحاب طفله معه عند زيارة مريض؛ فيتعلم هذا الحق الاجتماعي بالقدوة.

    الأساس الخامس: اختيار الطفل أصدقاءً له من الأطفال

    كان صلى الله عليه وسلم في صباه يلعب مع الصبيان؛ فقد جاء في خبر شق صدره صلى الله عليه وسلم أن أخاه من الرضاعة - وهو مسترضع في بني سعد- جاء يجري إلى أبويه يقول: «ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض؛ فأضجعاه فشقا بطنه؛ فهما يسوطانه (أي يضربان بعضه ببعض ويحركانه). تهذيب سيرة ابن هشام ص 44 ، وكان صلى الله عليه وسلم يمرّ على الصبيان وهم يلعبون؛ فعن يعلى العامري رضي الله عنه أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام دُعوا إليه؛ فإذا حسين مع غلمان يلعب في السِّكَّة (الطريق)، قال: «فتقدَّم النبي صلى الله عليه وسلم أمام القوم، وبسط يديه؛ فجعل الغلامُ يفِرُّ هاهُنا وَهاهُنا، ويضاحِكُه النبي صلى الله عليه وسلم حتَّى أخذه (أمسكه)؛ فجعل إحدى يديه تحت ذقنِه، والأخرى في فأس (وسط) رأسه؛ فقبَّلَه وقال: حُسَيْن منِّي، وأَنا من حُسَيْن، أحبّ اللَّه من أحبَّ حُسَيْناً». رواه ابن ماجه وحسنه الألباني.

    سنة اجتماعية ثابتة

    وهذه سنة اجتماعية ثابتة؛ لأن الإنسان كائن اجتماعي، لابد له من اجتماعه بغيره، لذلك فعلى الوالدين أن يُحسنا اختيار صحبة ولدهما، وإن وُفقا في ذلك؛ فقد وُفقا للخير؛ لأن المرء على دين خليله، أي: على عادته وطريقته، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل». أخرجه أبو داود وحسنه الألباني في صحيح أبي داود.

    صفة الصديق الصالح

    ومن هذا الحديث الشريف نأخذ – أيضاً - صفة الصديق الصالح المناسب لأطفالنا؛ فلابد أن يكون على عادته وطريقته، فكل إلف يميل إلى إلفه، والطيور في جو السماء على أشكالها تقع، وهذا سيكون من خلال المسجد ومكتب تحفيظ القرآن؛ فيتخذ صاحباً له في حفظ القرآن وطلب العلم، ويتعاون معه على ذلك، وأن يكون من أسرة محافظة مشابهة في التربية والاهتمام؛ فالولد ينشأ على ما عوّده أبواه. وكذلك الأم تفعل مع ابنتها.


    وسائل اللهو المباح

    ومن الأهمية بمكان أن يهيئ لهم وسائل اللعب واللهو المباح؛ فاللعب ربيع الطفولة، وفيه تدريب عملي على الروابط الاجتماعية، وننبه هنا على أمر مهم وهو أنه قبل أن يبحث الأب عن الصديق لطفله، لابد وأن يكون صديقاً وفياً له، يقوم تجاهه بواجبين: واجب الأبوة، وواجب الصداقة ؛ فيتصابى له، ويلعب معه ، وهذا مع الأيام سيسهل من مهمة التربية والتوجيه في كل مرحلة عمرية يمر بها الطفل، وكذلك الأم تفعل مع ابنتها، مع الدعاء بالصلاح؛ فإنه من الله -تعالى-.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,897

    افتراضي رد: التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة

    التربية الاجتماعية للأطفال في ضوء الكتاب والسنة (4)
    تعامل الطفل مع النقود




    عصام حسانين

    في هذا المقال نتناول أساساً مهماً يربط الطفل بالمجتمع الذي حوله، ألا وهو: تعامله مع النقود، فلا يخفى على كل إنسان أن النقود قوام الحياة؛ فبها يتحصل الإنسان علي حاجاته، ولابد أن يكون اكتسابها من حلال، وإنفاقها باعتدال في حلال؛ ولهذه الأهمية لابد أن يتربى الطفل التربية الصحيحة للتعامل المعتدل مع النقود اكتساباً وإنفاقاً، وهذا يحتاج إلى جهد من الوالدين عظيم، ولا يُستكثر ذلك في الطريق إلى الولد الصالح؛ لأن من عرف شرف ما يطلب؛ هان عليه ما يبذل.

    يتعرف الطفل على النقود في سن مبكرة - الرابعةِ مثلاً -، عندما يرى أمه تشتري السلع والحاجيات من السوق بالنقود، وأبوه يتحدث مع أمه عن النقود التي تخصص لميزانية البيت، وأخوه الأكبر - مثلاً - يُوَجَّه في شراء حاجياتٍ للبيت بالنقود ونحو ذلك؛ فالنقود مقابل عمل، والنقود لقضاء أغراض خاصة، لذلك ينبغي أن يعطى من المال - بقدر محدد -ما يُشترى له ما يحبه، وأن يعوّد أن يطلب المال بإذن، وأن يكون في حدود المتاح.

    ألا يأخذ نقودًا من أحد

    كما يعوّد ألا يأخذ نقودًا من أحد إلا بموافقة أبيه أو أمه، وما يعطاه من جَد، أوعمّ، أو قريب، ينبغي أن ينفق عليه، والأنسب في ذلك أن يُعلّم الادخار لشراء شيء محبب له بتخصيص (حصَّالة) يُودِع فيها ما يُعْطاه من النقود التي تزيد على حاجته.

    استثمار المدَّخرات

    كما ينبغي للطفل أن يعوَّد على استثمار المدَّخرات بالطرائق السليمة، كنفقة على حاجاته، وصدقة على الفقراء والمساكين، ويقوم بإعطائها لهم بنفسه، وهذا يجعل في قلبه الرحمة والشفقة على ضعفاء المسلمين.

    الاستخدام الصحيح للنقود

    وينبغي له أن يُعوّد الاستخدام الصحيح للنقود في حدود إمكانات الأسرة، وأن يحمد الله دائماً على نعمه، وأن ينظر في أمور الدنيا إلى الأقل منه، وأن يرى بعينيه مَن لا مأوى له، ومن يسكن الأكواخ، ونحو ذلك، ويجعله يتصدق عليهم، بذلك يقوى عنده خلق القناعة بما آتاهم الله من فضله، وينمو عنده خلق الرحمة والشفقة على ضعفاء المسلمين.

    ألا يأخذ نقوداً يجدها في المنزل

    وأن يُعلّم - بالممارسة - ألا يأخذ نقوداً يجدها في المنزل؛ لأنها ليست من حقِّه، ولأنها مخصصة لأغراض أخرى، وأن يقول: وجدت هذا، ويكافأ على ذلك ويُشجع، مع الإشباع في حدود المستطاع، وأن تكون النقود في متناول اليد، ويقال له: إن احتجت شيئاً؛ فقل: إنى أريد كذا، وقد يُختبر بإلقاء نقود في طريقه؛ ليُنظر ماذا يفعل ؟ ولو أتى بها كوفئ على ذلك مكافأة عظيمة، ويقال له: لأنك أمين !، خذها لك، وإن لم يأتِ بها نُبّه، وعُلّم أنه إذا وجد نقوداً في البيت أتى بها لأبيه أو أمه، وهو بذلك يكون أمينا يحبه الله -تعالى-، وسيُكافأ على ذلك مكافأة كبيرة ( شيء يحبه).

    تعويده الشراء

    ويُعوّد إذا بلغ سناً يعي فيه معنى الشراء أن يشتري ما يريده لنفسه من حلواء ونحوه، وما يريده البيت أيضاً، ويُستحب أن يكون هذا بالمران والتدريب من أبيه أو أخيه الكبير يُريه كيف يشتري ما ينفعه، وكيف لا يُغبن في شرائه، وحتى يكتسب الثقة والجرأة في التعامل الاجتماعي بعيداً عن الانطوائية، ويتعلم تحمُّل مسؤولية السعي على رزقه فيما بعد.

    التعامل مع المجتمع

    وليعلم الأبوان أن ابنهما هذا سيتعامل مع المجتمع شاءا أم أبيا؛ فلا داعي للخوف الزائد، وهذا نأخذه من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم-؛ فعَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ، وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: «يَا أُنَيْسُ -وَالتَّصْغِيرُ لِلتَّدْلِيلِ- أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟!». قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ، مَا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ أَوْ لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: هَلَّا فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟! رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

    تعويد الطفل خدمة نفسه

    وينبغي للوالدين تعويد الطفل خدمة نفسه وخدمة والديه؛ بأن يعوّد تنظيم غرفته وفراشه، وإتيانه بكوب الماء لنفسه مثلاً إن احتاج، ونحو ذلك مما يُكسبه النشاط والبذل، وخدمة نفسه، وألا يكون عالة على غيره، وإن نجح الوالدان في تعويد ولدهما على ذلك؛ فقد أسسا فيه أسساً اجتماعية مهمة تنفعه فيما بعد، ولا يخفى ما في إهمال ذلك بالتدليل الزائد من مفاسد هي ضد منافع اعتماده على نفسه، وينبغي أن يكون أسلوب هذا التعويد هو بالحزم والرفق مع المتابعة، وهذا أيضاً نأخذه من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم-؛ فعندما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم- إلي المدينة جاءت أم سليم - رضي الله عنها- بابنها أنس - وهو ابن عشر سنين- قالت: يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له فقال: «اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته». رواه مسلم، وقال أنس - رضي الله عنه -: خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين «والله ما قال لي: أفّا قط، ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا؟» زاد أبو الربيع: «ليس مما يصنعه الخادم». رواه مسلم.

    مرحلة الروضة

    فإن ذهب الطفل إلى الروضة، ووجد أطفالاً ينفقون أموالاً على حاجاتهم أكثر منه، فلا يجد غضاضة في نفسه من ذلك، ولابد وأن يكون معه نقود - بقدر محدد - ينفق منها باعتدال على حاجته، وبذلك نَقيه من الانحراف المالي والنفسي؛ ومن الأهمية التربوية بمكان: المتابعة لما يأتي به من الروضة أو المدرسة بالنظر في حقيبته، وإذا وُجد شيء ليس من حاجياته سُئل: من أين؟ إن قال: وجدته في الفصل.

    قيل له: أعطه لمدرس الفصل لينظر مالكه.

    وإن قال: وجدتها في فناء المدرسة، يؤمر بإعطائه لمدير المدرسة أو الأخصائى الاجتماعي.

    وإن قال: أعطانيه زميل لي.

    يقال له: لا تقبل من أحد شيئاً إلا إذا كنت في حاجة له؛ فتستعمله ثم ترده، وكذلك إذا طلب زميلك إليك شيئاً ليس معه فأعطه، حتى يتعلم أن يُعطي كما يحتاج أن يأخذ، وهذا كله صيانة للطفل من الانحراف المالي.

    و أذكر حديثاً دار بين مجموعة من المثقفين حول الفرْق بين التربية قديماً وحديثاً؛ فقال أحدهم - رحمه الله -: كانت أمهاتنا لا يعرفن القراءة والكتابة، وخرّجن مدرسين وأطباء ومهندسين، والآن الأمهات خريجات الجامعات، لكن فشلت منهن الكثيرات فيما نجحت فيه الأُوليات.

    كانت أمي إذا رجعتُ من المدرسة تُمسك بالحقيبة وتُخرج ما فيها جميعا؛ فإن وجدت شيئاً ليس لي، قالت: من أين ؟.

    وتنظر في الكراسات: فإن وجدت علامة (x) تقول: لماذا هذا خطأ ؟، نعم، إنها المتابعة الدقيقة التي تؤصل عند الطفل قواعد الأمانة، والقناعة، وعدم التعرض لممتلكات الآخرين، والأخذ بأسباب التفوق الدراسي، والحرص على ما ينفعه.

    علمي طفلك أساسيات التعامل بالنقود بأساليب مفيدة

    يشكو الكثير من الآباء والأمهات من عدم إدراك أبنائهم لقيمة النقود، ولا يدركون أن الوعي المالي من الأمور التي تنمو مع الإنسان منذ الصغر.

    علّميه التفرقة بين ما يحتاجه وما يريده

    يعاني الكبار أحيانًا من الارتباك في اتخاذ القرارات المادية لعدم قدرتهم على التفرقة بين الضرورات أو ما يحتاجونه والرفاهيات أو ما يريدونه، فما بالنا بالأطفال الصغار؟ وهنا تأتي ضرورة تعليمه الفرق بين ما يحتاجه وما يريده لينجح في السيطرة على ميزانيته ويتعوّد على الادّخار.

    كوني قدوة حسنة له

    شاركي طفلك دائمًا أسباب اتخاذ قرارات مادية بعينها دون غيرها، وأسباب شرائك لبعض الحاجات وتأجيلك لبعضها الآخر، وتصرفي بحكمة دائمًا؛ فالأطفال أذكياء، ويتعلمون بالمراقبة أكثر من الكلام المباشر.

    امنحيه الفرصة لكسب بعض النقود

    يحتاج الطفل لتعلم ربط اكتساب النقود ببذل الوقت والجهد بوصفه تمهيدا لفكرة العمل؛ فامنحيه بعض المهام البسيطة بمقابل مادي بسيط بعيدًا عن المهام اليومية المخصصة له من أعمال المنزل، ويختلف الأمر بالطبع بحسب المراحل العمرية المختلفة للطفل؛ حيث يختلف إدراكه بحسب طبيعة سنة.

    التعذر بالقيم بدل الكذب

    عندما يطلب الطفل الحصول على شيء لا ترغب بشرائه له؛ اربط السبب بالقيم بدلاً من استخدام الكذبة التقليدية المعهودة «لا نملك المال الكافي الآن«، أو: «لا أستطيع شراءها لك»؛ لأنه عندما يراك تشتري أي شيء بعد هذا الموقف، سيفقد الثقة بك، ولن يصدق هذا المسوّغ مرة أخرى!، بدلاً من ذلك، اربط قرارات الصرف بقيمك وأولوياتك، فمثلاً، قل لطفلك: «لا أعتقد أن هذه الحلوى المليئة بالسكر تستحق أن ندفع عليها هذا المبلغ من المال، كما أن طبيب الأسنان نصحنا بتجنب هذا النوع من الحلويات السكرية؛ لأنه يؤذي أسناننا».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,897

    افتراضي رد: التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة

    التربية الاجتماعية للأطفال في ضوء الكتاب والسنة (4)
    مراعاة الحقوق الاجتماعية




    عصام حسانين



    من أهم الأسس الاجتماعية التي ينبغي أن يهتم بها الأبوان في تربية أطفالهما: التزام الحقوق الاجتماعية من حق الوالدين، والإخوة والأخوات، والأجداد والجدات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وسائر الأقارب والأرحام، والجيران، والأصدقاء، والمعلم، والضعفاء من الفقراء والمساكين وغيرهم، والمظلومين، والطريق، والوطن، ونركز في هذا المقال على الوسائل العملية المعينة لأداء هذه الحقوق.


    أولاً: حق الوالدين

    - أهم وسيلة تربوية في ذلك هو القدوة؛ فمن المهم جداً أن يرى الطفل الاحترام المتبادل بين أبيه وأمه، وألا يرى خلافاً؛ فإن كان من خلاف أو نقاش؛ ففي حجرة بعيدة عن الأطفال.

    التوافق في التربية

    - وأن يتوافقا في طريقة التربية، وأن يكون ثمة تبادل أدوار بينهما؛ فإن كان خطأ من ولد، ويتطلب أخذ موقف؛ فلابد أن يكونا جميعاً، حتى يشعر الولد بخطئه؛ فيبادر بالاعتذار وعدم العود إلى الخطأ، وإن كان في حق أحدهما، يؤنب الطرف الآخر الولد، ويدعوه إلى الاعتذار له؛ فإن اعتذر قبل عذره بشرط عدم العود.

    الإحسان إلى الوالدين

    - وأن يعلمه أن الله – عز وجل – قد أمر ببر الوالدين، والإحسان إليهما بالقول والفعل، قال القاسمي – رحمه الله -: الأدب مع الوالدين: هو أن يسمع كلامهما، ويقوم لقيامهما، ويمتثل أمرهما، ولا يمشِ أمامهما، ولا يرفع صوته فوق أصواتهما، ويلبي دعوتهما، ويحرص على مرضاتهما، ويخفض لهما الجناح (أي يتواضع)، ويحسن إليهما جهده، ويبرهما، ويكرمهما في حالي عسره ويسره، ويتوخّى مسرتهما، وترويح قلوبهما، ولا يمُنَّ عليهما بالبر بهما، ولا بالقيام بأمرهما، ولا ينظر إليهما شزرا (نظرة غضب)، ولا يقطّب وجهه في وجوههما (لا يعبس)، ولا يسافر إلا بإذنهما.اهـ. (جوامع الآداب: 30).

    قصص البر

    - حكاية قصص البر، والأفضل في ذلك أن تحث الأم أولادها على بر أبيهم، وتحكي لهم قصص الصالحين في ذلك، والأب يحث أولاده على بر أمهم، ويحكي لهم قصص الصالحين في برهم لأمهاتهم.

    حكايات الأب

    - فيحكي الأب لأولاده: قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، وقصة ابن مسعود مع أمه، عن أنس بن النضر الأشجعي قال: استقت أم ابن مسعود ماء في بعض الليالي؛ فذهب فجاءها بالماء؛ فوجدها قد ذهب بها النوم؛ فثبت بالماء عند رأسها حتى أصبح»، وقصة أبي هريرة رضي الله عنه مع أمه، كان إذا دخل البيت قال لها: رحمك الله كما ربيتني صغيرا؛ فتقول أمه: وأنت رحمك الله كما بررتني كبيرا، وقصة حيوة بن شريح مع أمه؛ فقد كان – رحمه الله - يقعد في حلقته يُعلم الناس؛ فتقول له أمه: قم يا حيوة فألق الشعير للدجاج؛ فيقوم ويترك التعليم، وقصة محمد بن سيرين مع أمه؛ فعن حفصة بنت سيرين قالت: كانت والدة محمد بن سيرين يعجبها الصبغ، وكان محمد إذا اشترى لها ثوبًا اشترى ألين ما يجد؛ فإذا كان عيدٌ صبغ لها ثيابًا، وما رأيته رافعًا صوته عليها، كان إذا كلمها كالمصغي إليها، وقصة إياس بن معاوية لما ماتت أمه؛ فعن حميد قال: لما ماتت أم إياس بن معاوية بكى؛ فقيل له: ما يبكيك؟ قال: كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة، وغُلق أحدهما.

    حكايات الأم

    - وتحكي الأم لأولادها: قصة ابن عمر- رضي الله عنهما - وقد رأى رجلاً يطوف بالكعبة حاملاً أمه على رقبته؛ فقال: يا ابن عمر أترى أني جزيتها؟ قال: لا, ولا بطلقة واحدة, ولكنك أحسنت، والله يثيبك على القليل الكثير، وقول ابن عباس –-رضي الله عنهما -: من نظر إلى أباه شزراً فقد عقّه، وقول عامر بن عبد الله بن الزبير- رحمه الله -: مات أبي، فما سألت الله - حولاً - إلا العفو عنه، وقول عطاء: لا يؤم الرجل أباه وإن كان أفقه منه، وقول عمر بن ذر لما مات ابنه، - وقد قيل له: كيف بره بك؟- قال: ما ماشيته قط بالنهار إلا مشى خلفي, ولا بالليل إلا مشى أمامي, ولا رقى سطحاً أنا تحته.

    ثانياً: حق الإخوة والأخوات

    خير ما يؤسس للعلاقة الطيبة بين الإخوة والأخوات هو، العدل بينهم حتي في القُبل؛ وبذلك جاءت الأدلة، قال العلامة السعدي –رحمه الله-: يتعيَّن على الإنسان أن يَعدل بين أولاده، وينبغي له إذا كان يحبُّ أحدهم أكثر من غيره، أن يخفي ذلك ما أمكنه، وأن لا يفضِّله بما يقتضيه الحب من إيثار بشيء من الأشياء؛ فإنه أقرب إلى صلاح الأولاد، وبرِّهم به، واتفاقهم فيما بينهم؛ ولهذا لما ظهر لإخوة يوسف من محبَّة يعقوب الشديدة ليوسف وعدَم صبره عنه وانشغاله به عنهم، سعَوا في أمرٍ وَخيم، وهو التفريق بينه وبين أبيه؛ فقالوا: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}(يوسف : 8، 9)، وهذا صريحٌ جدًّا أن السبب الذي حملهم على ما فعلوا من التفريق بينه وبين أبيه، هو تميزه بالمحبَّة.اهـ

    وعن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- أن أباه أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما (أي وهبته عبدا كان عندي)؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أكلَّ ولدك نحلته مثله؟»؛ فقال:لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرجعه (رواه البخاري)، وفي رواية له؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، قال فرجع فرد عطيته، وفي رواية لمسلم: «فلا تشهدني إذاً فإني لا أشهد على جور».

    قال الكاساني –رحمه الله-: وَفي حديث النعمان رضي الله عنه إشَارَةٌ إلَى الْعَدْلِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ فِي النِّحْلَةِ وَهُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ فِي التَّسْوِيَةِ تَأْلِيفَ الْقُلُوبِ، وَالتَّفْضِيلُ يُورِثُ الْوَحْشَةِ بَيْنَهُمْ. اهـ، وقَالَ الدَّمِيرِيُّ -رحمه الله-: لَا خِلَافَ أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ أَيْ الْأَوْلَادِ مَطْلُوبَةٌ حَتَّى فِي التَّقْبِيلِ. اهـ، عن إبراهيم النخعي، قال: «كانوا يستحبُّون أن يعدل الرجل بين ولده حتى في القبل».

    التسوية في البر

    والتسوية في البر يشمل الذكور والإناث؛ فعن الحسن قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدِّث أصحابه؛ إذ جاء صبيٌّ حتى انتهى إلى أبيه، في ناحية القوم، فمسح رأسه وأقعده على فخذه اليمنى، قال: فلبث قليلًا؛ فجاءت ابنة له حتى انتهَت إليه، فمسح رأسها وأقعدها في الأرض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «فهلَّا على فخذك الأخرى»؛ فحملها على فخذه الأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم : «الآن عَدلتَ» (مرسل، رواه ابن أبي الدنيا).

    حق الأخ

    ثم يُعلم الطفل أن لأخيه حق البر عليه، وهو محبته، ومعاملته باللطف واللين والرعاية إن كان صغيراً، وباللطف والتوقير والإكرام إن كان كبيراً؛ فعن كليب بن منفعة عن جده، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: يا رسول الله، من أبر؟ قال: «أمك، وأباك، وأختك، وأخاك» (رواه أبو داود)، وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا» (صححه الألباني في صحيح الترمذي).

    الأدب مع الإخوة

    قال القاسمي – رحمه الله -: الأدب مع الإخوة من النسب: يلزم الفتى أن يتأدب معهم ويحترمهم، ويعرف أنهم أقرب الناس إليه بعد الأبوين، ويحب لهم النفع والشرف أكثر من جميع الناس؛ فأما أخوه الأكبر؛ فإنه يجعله في منزلة أبيه؛ فلا يرفع صوته عليه، ولا ينازعه، ولا يخالفه في وصاياه الجميلة، ليكسب حبه، ويسعى في منافعه، وأما الذين هم أصغر منه؛ فيواسيهم ويشفق عليهم، ولا يضربهم، ولا يشتمهم، ويلاطفهم، ويستجلب محبتهم بحسن الأخلاق، ولطف المعاملة.

    النهي باللطف والمعروف

    وإذا رأى منهم ما لا يليق؛ فعليه أن ينهاهم باللطف والمعروف، ويعرفهم ضرره، ولا يسعى بهم عند أبيه بالفتنة؛ فتكثر الكراهة بينهم، ويألفون الشر، ويعتادونه بسببه؛ فيعود الوبال عليهم، وجلِيٌّ أن إخوة المرء هم أعوانه على سعادته وحسن حاله. اهـ. (جوامع الآداب:31).

    حق الأخت

    ويعلّم ابنه أن لأخته عليه حقاً عظيماً من الرحمة والمحبة والشفقة، وحسن الرعاية والصحبة؛ فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من كان له ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو ابنتان، أو أختان؛ فأحسن صحبتهن، واتقى الله فيهن فله الجنة» (رواه الترمذي).


    وسائل عملية

    ومن الوسائل العملية في تعميق هذا الحق، أن يلعبوا جميعاً، وأن يتهادوا فيما بينهم، وأن يتعاونوا فيما بينهم علي أمرٍ ما، نحو توزيع صدقة، أو حفظ قرآن ونحو ذلك، والتأكيد دوماً علي معني الاحترام للكبير؛ فيقال للصغير: احترم أخاك الكبير، ويقال للكبير: ارحم أخاك الصغير.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •