الفوائد المنتقاة من كتاب "منهاج التأسيس" للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 10 من 10
11اعجابات
  • 3 Post By أبو حفص محب أهل الأثر
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By محمدعبداللطيف

الموضوع: الفوائد المنتقاة من كتاب "منهاج التأسيس" للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    15

    افتراضي الفوائد المنتقاة من كتاب "منهاج التأسيس" للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي النبي الأمين ، وعلي آله وصحبه أجمعين ،
    فهذه بعض الفوائد المنتقاة من كتاب " منهاج التأسيس في كشف شبهات داود بن جرجيس " للشيخ الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ –رحمه الله –
    و قد اعتمدت في العزو علي طبعة مكتبة الرشد ، والله الموفــق .
    ( أولًا : العذر بالتأويل )
    ١- " والمسائل التي يسقط الذم عن المخطئ فيها إذا اجتهد واتقى الله ما استطاع هي المسائل الاجتهادية، أي التي يسوغ الاجتهاد فيها أو ما يخفى دليله في نفسهن, ولا يعرفه إلاّ الآحاد؛ بخلاف ما علم بالضرورة من دين الإسلام، كمعرفة الله بصفاته وأسمائه وأفعاله وربوبيته ومعرفة ألوهيته وكتوحيده بأفعال العبد وعباداته؛ فأي اجتهاد يسوغ هنا وأي خفاء ولبس فيه؟
    وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل " [ منهاج التأسيس صـــ ٩٧ ]
    ٢- " فإنه - أي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -قد صرّح في غير موضع أن الخطأ قد يغفر لمن لم يبلغه الشرع، ولم تقم عليه الحجة في مسائل مخصوصة، إذا اتقى الله ما استطاع، واجتهد بحسب طاقته، وأين التقوى والاجتهاد الذي يدعيه عباد القبور والداعون للموتى وللغائبين " [ منهاج التأسيس صـــ ٤٢٠ ]
    ٣- " الجاهل والمتأول لا يعذر إلا مع العجز، ولذلك قيده الشيخ ابن القيم بقوله: تأويلاً يعذر صاحبه، فليس كل تأويل وكل جهل يعذر صاحبه. وليس كل ذنب يجري التأويل فيه ويعذر الجاهل به، وقد تقدم أن عامّة الكفار والمشركين من عهد نوح إلى وقتنا هذا جهلوا وتأولوا، وأهل الحلول والاتحاد كابن عربي وابن الفارض والتلمساني وغيرهم من الصوفية تأولوا، وعبّاد القبور والمشركون الذين هم محل النزاع تأولوا، وقالوا: لا يدخل على الملك العظيم إلا بواسطة، وقالوا إذا تعلقت روح الزائر بروح المزور فاض عليها مما ينزل على روح المزور، كما ينعكس شعاع الشمس على المرايا والصور.
    والنصارى تأولت فيما أتته من الإفك العظيم والشرك الوخيم " [ منهاج التأسيس صـــ ٥٠٣]
    ٤- حال أئمة الكفر المنتسبين إلى العلم
    " وصناعة العلم محظورة ممنوعة على من لم يعرف توحيد الإلهية، وفاته النصيب والحظ من الأنوار الرسالية، فإن العلم نور يقدفه الله في القلب، يبصر به صاحبه الحقائق على ما هي عليه. " [ منهاج التأسيس صـــ ٢٣٩]
    إلزام لا محيد عنه لمن يعذر عباد القبور بالاجتهاد
    ٥-
    " وقد قدمنا أن طرد قول العراقي واستدلاله يفيد عدم التأثيم والتكفير في الخطأ في جميع أصول الدين، كالإيمان بوجود الله وربوبيته وإلهيته وقدره وقضائه، والإيمان بصفات كماله الذاتية والفعلية، ومسألة علمه بالحوادث والكائنات قبل كونها، والمنع من التكفير والتأثيم بالخطأ في هذا كله رد على من كفر معطلة الذات، ومعطلة الربوبية، ومعطلة الأسماء والصفات، ومعطلة إفراده تعالى بالإلهية والقائلين بأنه لا يعلم الكائنات قبل كونها كغلاة القدرية، ومن قال بإسناد الحوادث إلى الكواكب العلوية، ومن قال بالأصلين النور والظلمة؛ فإن التزم العراقي هذا كله فهو أكفر وأضل من اليهود والنصارى، وإن زعم أن ثمَّ فرقاً بين هذا وبين مسألة النزاع التي هي دعاء الأمواب الغائبين فيما لا يقدر عليه إلا ربّ العالمين فيوجدنا هذا الفرق، وليوجدنا دليلاً على صحته، فإن لم يفعل ـ ولن يفعل ـ بطل تقريره وتأصيله، وعلم أهل العلم والإيمان أنه دلس مشبه، ليس من أهل الفقه والدين " [ منهاج التأسيس صـــ ٥٠٣ – ٤٢٠]
    6-
    " وهل أوقع الاتحادية والحلولية فيما هم عليه من الكفر البواح والشرك العظيم والتعطيل لحقيقة وجود رب العالمين إلا خطؤهم في هذا الباب الذي اجتهدوا فيه، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل؟ ، وهل قُتل الحلاّج باتفاق أهل الفتوى على قتله إلا ضلال اجتهاده؟ وهل كفر القرامطة وانتحلوا ما انتحلوه من الفضائح الشنيعة، وخلعوا ربقة الشريعة إلا باجتهادهم فيما زعموا؟ وهل قالت الرافضة ما قالت، واستباحت ما استباحت من الكفر والشرك وعبادة الأئمة الإثني عشر وغيرهم، ومسبة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلّم وأم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما، إلا باجتهادهم فيما زعموا؟ وهؤلاء سلف العراقي في قوله: " إن كل خطأ مغفور"، وهذا لازم له لا محيص عنه ."
    [ منهاج التأسيس صـــ٤٢٥ - ٤٢٦ ].
    ( ثانيًا : العذر بالجهل )
    ١- نقل عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -
    يبين قوله في جهال المشركين ، ومعنى الحكم بالكفر عنده :
    "قال رحمه الله: فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم ممن يعبد الأولياء والصالحين نحكم بأنهم مشركون، ونرى كفرهم إذا قامت عليهم الحجة الرسالية. أما ما عدا هذا من الذنوب التي دونه في الرتبة والمفسدة فإنا لا نكفر بها ولا نحكم على أحد من أهل القبلة الذين باينوا عباد الأوثان والأصنام والقبور بكفر بمجرد ذنب ارتكبوه وعظيم جرم اجترحوه. وغلاة الجهمية والقدرية والرافضة ونحوهم ممن كفرهم السلف لا نخرج فيهم عن أقوال أئمة الهدى والفتوى من سلف هذه الأمة. ونبرأ إلى الله مما أتت به الخوارج، وقالته في أهل الذنوب من المسلمين. " [ منهاج التأسيس صـــ١٦٦].
    ٢- تابع ..
    " وقد سئل - أي الإمام المجدد - عن مثل هؤلاء الجهال. فقرر أن من قامت عليه الحجة وتأهل لمعرفتها يكفر بعبادة القبور. وقد سبق من كلامه ما فيه الكفاية، مع أن العلامة ابن القيم رحمه الله جزم بكفر المقلدين لشيوخهم في المسائل المكفرة إذا تمكنوا من طلب الحق ومعرفته، وتأهلوا لذلك. فأعرضوا ولم يلتفتوا. ومن لم يتمكن ولم يتأهل لمعرفة ما جاءت به الرسل فهو عنده من جنس أهل الفترة ممن لم تبلغه دعوة رسول من الرسل. وكلا النوعين لا يحكم بإسلامهم ولا يدخلون في مسمى المسلمين، حتى عند من لم يكفر بعضهم وسيأتيك كلامه. وأما الشرك فهو يصدق عليهم، واسمه يتناولهم وأي إسلام يبقى مع مناقضة أصله؟ وقاعدته الكبرى: شهادة أن لا إله إلا الله .. "[ منهاج التأسيس صـــ٢٢٩ - ٢٣٠].
    التعليق :
    [ مذهب أهل السنة فيمن وقع في الشرك الأكبر أنه مشرك كافر ، فإن كانت الحجة قد بلغته فهو كافرٌ في الظاهر والباطن ، أما إن كانت الحجة لم تبلغه فيُحكم عليه بالكفر الظاهر ، ولا تلحقه العقوبة في الدنيا والآخرة إلا بعد قيام الحجة .
    والكفر الظاهر : هو الكفر غير المُعذَّب عليه ، وهو كفر من لم تبلغه الحجة الرسالية .
    أما كفر الظاهر والباطن : فهو الكفر المُعذَّب عليه ، وهو كفر من بلغته الحجة الرسالية .
    وقد جاء في كلام بعض أهل العلم أنّ من تلبس بالشرك الأكبر ولم تبلغه الحجة ، فإنه يُحكم عليه بالشرك ولا يسمي مسلمًا ، ولكنه لا يُكفّر إلا بعد قيام الحجة ، فهم يجعلون اصطلاح الكفر خاصًا بالمعني الثاني ، أما من وقع في الكفر الظاهر دون الكفر الباطن فيقولون : هو مشركٌ ولا نكفره إلا بعد قيام الحجة ، والمعني في ذلك واحد .
    فيكون المقصود بنفي التكفير هنا ، أي : الحكم بالكفر المُعذّب عليه. ]
    ٣- التفريق بين قيام الحجة وفهم الحجة
    " وينبغي أن يعلم الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن من بلغته دعوة الرسل فقد قامت عليه الحجة؛ إذا كان على وجه يمكن معه العلم، ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله ورسوله ما يفهمه أهل الإيمان والقبول والانقياد لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فافهم هذا يكشف عنك شبهات كثيرة في مسألة قيام الحجة . " [ منهاج التأسيس صـــ٤٨٥].
    ( ثالثًا : تحكيم القوانين )
    قال الشيخ :
    " وإنما يحرم التحكيم إذا كان المستند إلى شريعة باطلة تخالف الكتاب والسنة، كأحكام اليونان والإفرنج والتتر وقوانينهم التي مصدرها آراؤهم وأهواؤهم، وكذلك سوالف البادية وعاداتهم الجارية. فمن استحل الحكم بهذا في الدماء أو غيرها فهو كافر. قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: من الآية٤٤] ، وهذه الآية ذكر فيها بعض المفسرين: أن الكفر المراد هنا كفر دون الكفر الأكبر، لأنهم فهموا أنها تتناول من حكم بغير ما أنزل الله، وهو غير مستحل لذلك، لكنهم يتنازعون في عمومها للمستحل، وأن كفره مخرج عن الملة. "
    [ منهاج التأسيس صـــ- 184-185].
    فبيــن رحمه الله أن كلام السلف في تفسير آية المائدة أنها محمولة علي الكفر الأصغر ، أونها علي ظاهرها في حق المستحل .
    وقول الشيخ فيمن حكّم قوانين التتر ، أنه يكــفر إذا استحل ذلك ، يُفهم منه أنه إن لم يستحل لم يكفر ، فليس مجرد تقنين الحكم كفرًا ، لكن إذا كان القانون متصمنًا لأمر كفري كاستحلال المحرمات ، وجحود الشرائع ، والدعوة إلي وحدة الأديان ، وإلي مظاهرة الكفار ، ونحو ذلك من الأمور الكفرية
    فهذا كفر بواح .
    ( رابعًا : كشف شبهة استدل بها الملحد العراقي علي أن شيخ الإسلام يعذر عباد القبور ويحكم لهم بالإسلام )
    تكلّم شيخ الإسلام –رحمه الله – في كتابه "اقتضاء الصراط المستـقـيـم " علي أن بعض من يدعو الانبياء والصالحين ، قد تُقضي حاجاتهم ، وهذا قدرٌ قضاه ربنا لحكمةٍ يعلمها ، ولا يدل ذلك علي صحة فعلهم، بل هذه فتنة لهؤلاء المستغيثين بغير الله ، قال شيخ الإسلام –رحمه الله-
    "وقد يحكي من الحكايات التي فيها تأثير، مثل أن رجلا دعا عندها فاستجيب له، أو نذر لها إن قضى الله حاجته فقضيت حاجته، ونحو ذلك. وبمثل هذه الأمور كانت تعبد الأصنام فإن القوم كانوا أحيانا يخاطبون من الأوثان، وربما تقضي حوائجهم إذا قصدوها " [ اقتضاء الصراط المستقيم صـــ٢ / ١٦٦].
    وقال : " وبعض الناس يقصد الدعاء عند الأوثان والكنائس وغير ذلك، ويدعو التماثيل التي في الكنائس، ويحصل ما يحصل من غرضه. وبعض الناس يدعو بأدعية محرمة باتفاق المسلمين، ويحصل ما يحصل من غرضه. فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته " [ قاعدة جليــلة صـــ 1 / ٢٠٠ ].
    وقال –رحمه الله- في الرد علي من استدل بشيء من هذه الوقائع علي عدم بطلان دعاء الأنبياء والأولياء :
    "فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات من هذا النمط كثير، بل المشركون الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانا، كما قد يستجاب لهؤلاء أحيانا، وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة، فإن كان هذا وحده دليلا على أن الله يرضى ذلك ويحبه، فليطرد الدليل ، وذلك كفر متناقض. " [ الاقتضاء صـــ٢ / 208].
    وتكلم عن أسباب إجابة الله لبعض الأدعية المتضمن للشرك :
    "وأما إجابة الدعاء، فقد يكون سببه اضطرار الداعي وصدقه وقد يكون سببه مجرد رحمة الله له، وقد يكون أمرا قضاه الله لا لأجل دعائه، وقد يكون له أسباب أخرى، وإن كانت فتنة في حق الداعي، فإنا نعلم أن الكفار قد يستجاب لهم فيسقون، وينصرون ويعانون، ويرزقون مع دعائهم عند أوثانهم وتوسلهم بها. وقد قال الله تعالى: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: ٢٠] وقال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: ٦] وأسباب المقدورات فيها أمور يطول تعدادها، ليس هذا موضع تفصيلها، وإنما على الخلق اتباع ما بعث الله به المرسلين، والعلم بأن فيه خير الدنيا والآخرة. "
    [الاقتضاء صـــ٢ /167-168].
    وقال في تقرير هذا المعني " وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم فيه من الحال، لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أن السائلين به في الحياة كانوا كذلك... فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر، أما أن يدل على حسن حال السائل، فلا . " [الاقتضاء ٢صـ2/ ٢٥٥].
    -وقد جاء الملبّس العراقي واستدل بهذا النقل الأخير علي أن شيخ الإسلام يعذر عباد الأوثان ، وذلك أن الشيخ قال " لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم "، فقال المُشبّه : " فأثبــت لهم الإيمان ولم يخرجهم من الإسلام .."
    قلتُ : وهذا الفهم ليس بغريبٍ علي هذا الحمار الغارق في ظلمات الجهل والشرك –ملأ الله قبره نارًا - ، أما من وفقه الله ، وأنار قلبه ، ورزقه حسن الفهم عنه وعن رسوله وعن أهل العلم ، فإنه يفهم كلام العلماء وفق مرادهم ، لا وفق ما أراده هو ، وذلك برد كلامهم إلي اصولهم وقواعدهم ، و بإرجاع متشابه كلامهم إلي محكمه ومجمله إلي مفصله ، ومن يعرف كلام شيخ الإسلام فإنه يفهم مراده بهذه العبارة ونحوها ،
    قال الشيخُ عبد اللطيف -رحمه الله- : "وكلام شيخ الإسلام إنما يعرفه ويدريه من مارس كلامه وعرف أصوله " [المنهاج /ـ٤٢٠].
    ومن يتأمل كلام شيخ الإسلام ، وكلام ابن القيم –رحمهما الله- يجد أنهما يطلقان الإيمان في بعض المواضع ولا يريدان به الإيمان المُوجب لدخول الجنة ، وعدم الخلود في النار ، لذا قال الشيخُ عبد اللطيف -رحمه الله-(المنهاج / ٣٤٣) "وقول العراقي: إن الشيخ أثبت لهم الإيمان، ولم بخرجهم بذلك عن الإسلام ولم يؤثمهم، فهذا جهل منه بمسمى الإيمان، فإن المراد ما معهم من الإيمان بالرسالة ونحوها. "
    وقال –رحمه الله –(مصباح الظلام / ٥٠٨) " قول الشيخ: (لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم) ، ليس فيه أنهم مؤمنون إيمانا يمنع من الشرك، غايته أن يكونوا مؤمنين برسالته ونبوته الإيمان بالرسالة والنبوة لا يكفي مع عدم الانقياد لما جاء به من التوحيد، والبراءة من الشرك، أو يراد به الإيمان بتوحيد الربوبية.
    قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: ١٠٦] . أثبت لهم إيمانا مع شركهم ."
    ويبين هذا من كلام الشيخين –عليهما رحمة الله-
    قول ابن القيم : " فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ يَكُونُ فِيهِ وَلَايَةٌ لِلَّهِ وَعَدَاوَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَيَكُونُ مَحْبُوبًا لِلَّهِ مَبْغُوضًا لَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَيْضًا، بَلْ يَكُونُ فِيهِ إِيمَانٌ وَنِفَاقٌ، وَإِيمَانٌ وَكُفْرٌ، وَيَكُونُ إِلَى أَحَدِهِمَا أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَى الْآخَرِ، فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: ١٦٧] وَقَالَ {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: ١٠٦] أَثْبَتَ لَهُمُ الْإِيمَانَ بِهِ مَعَ مُقَارَنَةِ الشِّرْكِ، فَإِنْ كَانَ مَعَ هَذَا الشِّرْكِ تَكْذِيبٌ لِرُسُلِهِ لَمْ يَنْفَعْهُمْ مَا مَعَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ تَصْدِيقٌ لِرُسُلِهِ، وَهُمْ مُرْتَكِبُونَ لِأَنْوَاعٍ مِنَ الشِّرْكِ لَا تُخْرِجُهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ...
    وَشِرْكُهُمْ قِسْمَانِ: شِرْكٌ خَفِيٌّ، وَشِرْكٌ جَلِيٌّ، فَالْخَفِيُّ قَدْ يُغْفَرُ، وَأَمَّا الْجَلِيُّ فَلَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ مِنْهُ، فَإِنَّ اللَّهَ
    لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ. " [ مدارج السالكين 1/281].
    فبيّن أن الإيمان قد يحصل مع مقارنة الشرك ، ولكن لا يسمي مؤمنا ، بل هو مشرك كافر ، وإن قام به شيء من الإيمان .
    وقال –رحمه الله- :
    " وها هنا أصل آخر وهو أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمنا وإن كان ما قام به إيمانا ، ولا من قيام شعبة من شعب الكفر به أن يسمى كافرا وإن كان ما قام به كفرا, كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم به أن يسمى عالما ولا من معرفة بعض مسائل الفقه والطب أن يسمى فقهيا ولا طبيبا, ولا يمنع ذلك أن تسمى شعبة الايمان إيمانا وشعبة النفاق نفاقا وشعبة الكفر كفرا."
    [الصلاة وحكم تاركها 1/62].
    فالمشرك الذي يعبد غير الله وإن كان عنده شيء من الإيمان ، كإيمانه برسالة النبي صلي الله عليه وسلم ،وإيمانه باليوم الآخر ، فهذا لا يعني أن يُقال عنه أنه مسلم أو موحد .
    والكافر أو المرتد قد تقوم فيه بعض شعب الإيمان ويُسمي مع ذلك كافرًا ، وقد يقوم بالشخص إيمان ببعض الرسالة دون بعض ، وهذا لا يجعله مؤمنا ، قال شيخ الإسلام –رحمه الله – "والمؤمن ببعض الرسالة دون بعض كافر أيضاً، كما قال تعالي : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ، وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ) " [مجموع الفتاوي 12/338]
    بل نقول : أن اليهود والنصاري عندهم من الإيمان ما ليس ما ليس عندي عباد الأوثان ، وعند عباد الأوثان من الإيمان ما ليس عند الملاحدة معطلة الصانع ، وهم جميعًا كفار مُخلّدون في نار جهنم .
    قال شيخ ا الإسلام رحمه الله " وأما من وافقهم على أقوالهم المخالفة لما جاءت به الرسل مع تعظيمه للرسل ولنواميسهم وإيجابه لأتباعهم كالفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام فهؤلاء آمنوا ببعض ما جاء به الرسل وكفروا ببعض وهم يشبهون اليهود والنصارى من هذا الوجه لكن هؤلاء بإيمانهم بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خير من اليهود والنصارى واليهود والنصارى بإيمانهم بجنس ما اتفقت عليه الرسل من عبادة الله وحده والإيمان باليوم الآخر والقيامة الكبرى ومعاد الأبدان وإيجاب العبادات الشرعية وتحريم المحرمات الشرعية والتصديق بحقيقة الملائكة وكلام الله هم خير منهم إلا من كان من اليهود والنصارى على مذهب الفلاسفة وهذا اجتمع فيه نقص الكفر من وجهين وهو أسوأ حالا من هؤلاء وهؤلاء. " [الصفــديـة 2/247-248]
    -هذا ومما يــأتي في كلام شيخ الإسلام أنه عند ذكره لبعض من عُرف بالشرك يصفه بأنه كان صاحب عبادة وزهد ، فيستدل بهذا بعض الملبسين علي أن الشيخ يعذر المشركين بالجــهل ، والاجتهاد وحسن القصد !
    قلتُ : ولا يلزم من وصف الشخص بالزهد والعبادة أن لا يوصف بالشرك والكفر والبدعة ، ودونك الخوارج ، فهم من أعظم الناس عبادة ، وأحسنهم قصدًا ، ومع ذلك فقد اختلف السلف في تكفيرهم ، وقد بيًن هذا شيخ الإسلام -رحمه الله- فقال :
    " فَمَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ وُجُوبَهَا عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ بَالِغٍ إلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا عَمَلٌ صَالِحٌ، وَأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهَا وَيُثِيبُ عَلَيْهَا، وَصَلَّى مَعَ ذَلِكَ وَقَامَ اللَّيْلَ وَصَامَ النَّهَارَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا عَلَى كُلِّ بَالِغٍ، فَهُوَ أَيْضًا كَافِرٌ مُرْتَدٌّ، حَتَّى يَعْتَقِدَ أَنَّهَا فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ بَالِغٍ عَاقِلٍ. وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا تَسْقُطُ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ الْعَارِفِينَ وَالْمُكَاشِفِي نَ وَالْوَاصِلِينَ ، أَوْ أَنَّ لِلَّهِ خَوَّاصًا لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ، .... أَوْ أَنَّ لِلَّهِ رِجَالًا خَوَّاصًا لَا يَحْتَاجُونَ إلَى مُتَابَعَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ كَمَا اسْتَغْنَى الْخَضِرُ عَنْ مُوسَى، أَوْ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَاشَفَ وَطَارَ فِي الْهَوَاءِ، أَوْ مَشَى عَلَى الْمَاءِ فَهُوَ وَلِيٌّ سَوَاءٌ صَلَّى، أَوْ لَمْ يُصَلِّ، أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ، أَوْ أَنَّ الْمُوَلِّهِينَ وَالْمُتَوَلَّه ِينَ وَالْمَجَانِينَ الَّذِينَ يَكُونُونَ فِي الْمَقَابِرِ وَالْمَزَابِلِ وَالطِّهَارَاتِ وَالْخَانَاتِ وَالْقَمَّامِين َ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبِقَاعِ، وَهُمْ لَا يَتَوَضَّئُونَ وَلَا يُصَلُّونَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ .
    فَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ هَؤُلَاءِ أَوْلِيَاءُ، فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ عَنْ الْإِسْلَامِ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ كَانَ فِي نَفْسِهِ زَاهِدًا عَابِدًا، فَالرُّهْبَانُ أَزْهَدُ وَأَعْبَدُ، وَقَدْ آمَنُوا بِكَثِيرٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ" [الفتاوي الكبرى 1/181]
    (سادسًا : كشف شبهة المــجاز العقــلي التي يستدل بها المشركون والمــجادلون عنــهم )
    * وهي قولهم إن عباد القبور في دعائهم غير الله إنما يريدون دعاء الله في الحقيقة ومن كانت هذه حاله فليس بمشرك .
    - قال المُلبّس : فإذا طلبوا من أحد غير الله من أنبيائه وأوليائه فمرادهم أنهم يتسببون لهم، والله هو الفاعل الحقيقي، بل عوام الناس يعرفون ذلك
    جواب الشيخ :
    " فجواب هذا أن يقال: ليس هذا هو الرّاسخ في قلوب عباد القبور، فإن أقوالهم وأدعيتهم وتوجهاتهم صريحة في أن مدعوهم ومستغاثهم مع الله يعطي ويمنع ويخفض ويرفع، ويقضي حاجة من دعاه، ويجبر من لاذ بحماه، ولا تستبين العقائد وما في القلوب إلا بترجمة المترجم وعنوان المعبر وهواللسان... وقد قرّر الفقهاء، وأهل العلم في باب الرّدة وغيرها أن الألفاظ الصريحة يجري حكمها وما تقتضيه وإن زعم المتكلم بها أنه قصد ما يخالف ظاهرها.
    وهذا صريح في كلامهم يعرفه كل ممارس، ولكن الهوى أحال عقول عبّاد القبور وفهومهم عن مستقرها.
    وأيضاً فإطلاق السبب ليس عذراً مبيحاً لدعاء غير الله والاستغاثة به فإن المشركين قصدوا السبب ليس إلا، كما حكى الله عنهم ذلك في مواضع من كتابه، ولم يريدوا أنها فاعلة مستقلة، بل اعترفوا بالفعل والاستقلال لله تعالى، وقد مرّت أدلة ذلك، وتأتيك في مواضعها إن شاء الله تعالى فبطل كلامه.
    وإن سلمنا الدعوى وأنه إنما أراد السبب، فهذا الموضع هو منشأ الغلط، فإن القوم لم يفرقوا بين توحيد الإلهية الذي هو إفراد الله سبحانه بالدعاء والاستعانة والخوف والرجاء والحب والإنابة والذل والخضوع، وظنوا أن هذا لا يكون شركاً إلا إذا اعتقد فاعله أن غير الله مستقل مدبر مؤثر، وإلا فلا شرك على زعم هؤلاء الضلال، وقد تقدم أنّ عبّاد القبور أو جمهورهم صرّحوا بأن المشايخ والأولياء يتصرفون، فراجع ما مرّ من حكاية معتقدهم، فالعراقي كاذب، وعلى تسليم صدقه فهو قول المشركين من جاهلية العرب سواء بسواء. "[المنهاج/ ٢٨٥ - ٢٨٧]
    قال شيخ الإسلام رحمه الله :
    " وجماع الأمر أن الشرك نوعان: شرك في ربوبيته بأن يجعل لغيره معه تدبير إما كما قال سبحانه وتعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} (سبأ:٢٢) ، فبين سبحانه أنهم لا يملكون ذرة استقلالاً ولا يشركونه في شيء من ذلك، ولا يعينونه على ملكه. ومن لم يكن مالكاً ولا شريكاً ولا عوناً فقد انقطعت علاقته.
    وشرك الألوهية بأن يدعى غيره دعاء عبادة أو دعاء مسألة، كما قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} "
    اقتضاء الصراط المستقيم ٢ / ٢٢٦
    وقال :
    " والقرآن من أوله إلى آخره، بل وجميع الكتب والرسل إنما بعثوا بأن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن لا يجعل مع الله إله آخر، والإله من يأله القلب عبادة واستعانة، وإجلالاً وإكراماً وخوفاً ورجاءً، كما هو حال المشركين في آلهتهم، وإن اعتقد المشرك منهم أن ما يألهه مخلوق ومصنوع، كما كان المشركون يقولون في تلبيتهم "لبيك لا شريك لك، إلاّ شريكاً هو لك تملكه وما مالك"، وقال النبي صلى الله عليه وسلّم لحصين الخزاعيّ: "يا حصين كم تعبد؟ قال: أعبد سبعة آلهة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء. قال: يا حصين، فأسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، فلما أسلم قال قل: اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي"، والله أعلم"
    مجموعة الرسائل والمسائل ( ١ / ٥٦)
    ( ثــامنًــا : كلام الشيخ عن فضل أهل نجد ، والرد علي انتقاص المبطل لهمـ )
    قال الشيخ –رحمه الله-:
    " وجمهور أهل نجد كتميم وأسد وطيئ وهوازن وغطفان وبني ذهل بن شيبان صار لهم من الجهاد في سبيل الله، والمقام بالثغور، والمناقب والمآثر لاسيما في جهاد الفرس والرّوم ما لا يخفى على من له أدنى إلمام بشيء من العلوم. ولا ينكر فضائلهم إلاّ من لم يعرف جهادهم وبلاءهم من في المواطن.
    ولا يشك عاقل أنهم أفضل من أهل الأمصار قبل استيطان الصحابة. وأهل العلم والإيمان، وأما بعد ذلك فالفضل والتفضيل باعتبار الساكن يختلف وينتقل مع العلم والدين. فأفضل البلاد والقرى في كل وقت وزمان أكثرها علماً وأعرفها بالسنن والآثار النبوية. وشر البلاد أقلها علماً وأكثرها جهلاً وبدعة وشركاً. وأقلها تمسكاً بآثار النبوة، وما كان عليه السلف الصالح، فالفضل والتفضيل يعتبر بهذا في الأشخاص والسكان. فالفضل والتفضيل يعتبر بهذا في الأشخاص والسكان. وقد قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (البقرة:١٢٦) ، وكما أن الحسنات تضاعف في البلد الحرام فكذلك السيئات تضاعف، لعظيم حرمته وفضيلته.
    وقد جاء في فضل بعض أهل نجد، كتميم، ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: "أحب تميماً لثلاث سمعتهن من النّبي صلى الله عليه وسلّم، قوله لما جاءت صدقاتهم: هذه صدقات قومي، وقوله في الجارية التميمية: اعتقها فإنّها من ولد إسماعيل، وقوله: هم أشدّ أمتي على الدّجال" هذا في المناقب الخاصة.
    وأمّا العامة للعرب فلا شكّ في عمومها لأهل نجد؛ لأنهم من صميم العرب، وما ورد في تفضيل القبائل والشعوب أدلّ وأصرح في الفضيلة مما ورد في البقاع والأماكن في الدلالة على فضل الساكن والقاطن.
    ومعلوم أن رؤساء عباد القبور الداعين إلى دعائها وعبادتها لهم حظ وافر مما يأتي به الدّجال، وقد تصدى رجال من تميم وأهل نجد للرّد على دجاجلة عبّاد القبور والدّعاة إلى تعظيمها مع الله، وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلّم إن قلنا إنّ "أل" في الدّجّال للجنس لا للعهد. وإن قلنا إنها للعهد ـ كما هو الظاهر ـ فالرّد على جنس الدّجّال توطئة وتمهيد لجهاده ورد باطله. فتأمّله فإنّه نفيس جدّاً.
    ثم لو تكلّم غير العراقي بمثل هذا لكان أسهل، وأما هو فبلاده معدن كل محنة وبلية، ولم يزل أهل الإسلام منها في رزية بعد رزية، فأهل حروراء ما جرى منهم على أهل الإسلام لا يخفى، وفتنة الجهمية الذين أخرجهم كثير من السلف من الإسلام إنما خرجت ونبغت بالعراق، والمعتزلة وما قالوه للحسن البصري وتواتر النقل به واشتهر من أصولهم الخمسة التي خالفوا بها أهل السنة من العراق، والمبتدعة الصوفية الذين يرون الفناء في توحيد الربوبية غاية يسقط بها الأمر والنهي إنّما نبغوا وظهروا بالبصرة. ثم الرّافضة والشيعة وما حصل منهم من الغلو في أهل البيت والقول الشنيع في علي والأئمة ومسبة أكابر أصحاب النّبي صلى الله عليه وسلّم كل هذا معروف مستفيض عن أهل العراق، أفلا يستحي أهل هذه العظائم من عيب أهل الإسلام ولمزهم بوجود مسيلمة في بلادهم؟ وقد روى الطبراني من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "دخل إبليس العراق فقضى فيها حاجته، ثم دخل الشام فطردوه، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ وبسط عبقرية" والعراق قبل الإسلام هي محل المجوس عباد النيران والبقر.
    فإن قيل: طهرت بالفتح والإسلام، فما بال اليمامة لا تطهر بما أظهر الله فيها من الإسلام وشعائره العظام، وجهاد أعداء الله ورسوله؟.
    وأما حديث: "اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا" الخ".
    فجوابه: إن المراد بالشرق ونجد في هذا الحديث وأمثاله: هو العراق الذي يحاذي المدينة من جهة المشرق. يوضحه: أن في بعض طرق هذا الحديث: "وأشار إلى العراق". قال الخطابي: نجد من جهة المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها فهي مشرق أهل المدينة. وأصل النجد: ما ارتفع من الأرض, وهو خلاف الغور فإنه ما انخفض منها. وقال الداودي: إن نجداً من ناحية العراق: ذكر هذا الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
    ويشهد له ما في مسلم عن ابن غزوان: سمعت سالم بن عبد الله يقول: سمعت ابن عمر يقول: "يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة، سمعت النّبي صلى الله عليه وسلّم يقول: "إنّ الفتنة تجئ من هاهنا، وأومأ بيده إلى المشرق".
    فظهر أنّ هذا الحديث خاص بأهل العراق؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلّم فسّر المراد بالإشارة الحسية. وقد جاء صريحاً في الكبير للطبراني النص على أنها العراق. وقول ابن عمر وأهل اللغة وشهادة الحال كلّ هذا يعين المراد. " .
    [المنهاج/ ٢١٨ - ٢٢٣].
    (تاسعًا : ذكر فوائدٍ متـفرقة)
    1- الجهاد من أعظم أسباب هداية الخلق .
    " وكم هلك بسبب قصور العلم وعدم معرفة الحدود والحقائق من أمة، وكم وقع بذلك من غلط وريب وغمة. مثال ذلك: أن الإسلام والشرك نقيضانلا يجتمعان ولا يرتفعان. والجهل بالحقيقتين أو إحداهما أوقع كثيراً من الناس في الشرك وعبادة الصالحين، لعدم معرفة الحقائق وتصورها، فإن ساعد الجهل وقصور العلم عوائد مألوفة استحكمت بها البلية وتمكنت الرزية. وصار الانتقال عن العوائد والمشتهيات أعز شيء في الوجود وأصعب شيء على النفوس، مالم يعارض ذلك معارض قوي في نفسه، عظيم الصولة والقوة، سواء كان أمراً خارجياً كالقهر والغلبة والقتال والأسر "عجبت لقوم يدخلون الجنة بالسلاسل" أو أمراً باطنياً أو وازعاً إلهياً كالتوفيق وقذف النور في القلب، وتصريف كصرف القلوب. " [المنهاج /٨٦ - ٨٧].
    2- ذكر خبر بعض من طبع الله على قلوبهم ، وأعمي بصائرهم لاتباعهم للهوى.
    قال الشيخُ :
    " وبلغنا عن بعض الثقات أن جماعة من المدعين للعلم بزبيد كانوا يقرؤون صحيح البخاري، فإذا فرغوا منه ـ إما أحياناً أو مطلقاً ـ ذهبوا إلى قبر البحيرة أو غيره، فوقفوا عاكفين ما شاء الله، وعليهم من السكينة والوقار وضروب الخضوع لنازل الحفرة. قال من نقله: فالله أعلم، أهو شيء وجدوه في صحيح البخاري أو غيره، أو ما هو؟. " [المنهاج /ـ١٥٠].
    3- ملحظ جليل من الشيخ ،
    يقول في معرض بيان لشدة جهل العراقي ..
    " ومن وصل به الجهل إلى هذه الغاية والحد فقد استحكم عليه الضلال، وفقد إدراكه وإحساسه، ولا علاج له غير الاطراح والتضرع بين يدي الله في أوقاتالإجابة وتحري الأدعية الواردة النبوية أن يرده الله إلى الرشد. ولا سبيل إلى ذلك مع اعتقاد أنه من أهل العلم والفضل والدين، وأنه يصلح معلما ومربيا وداعياً. " [المنهاج /١٩٧].
    نسأل الله أن يجعل قلوبنا عامرةً بمعــرفته وتوحيده ، وصلي اللهم علي النبي محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,649

    افتراضي رد: الفوائد المنتقاة من كتاب "منهاج التأسيس" للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله

    بارك الله فيك اخى - ابو المنذر
    فائدة من المنهاج
    قال الشيخ الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن فى رده على داوود بن جرجيس العراقى
    قال العراقي:
    قد اشتهر أن الشيخ ابن تيمية وابن القيم يحكمان على أهل السنة والجماعة ممن يتوسل بالأنبياء والصالحين من أهل القبور، ويناديهم ويستغيث بهم إلى الله، ويحلف بغير الله أو ينذر لأنبياء الله وأوليائه وما أشبه ذلك بالكفر والشرك المخرجين من الملة، وأنهما يحكمان بالتأثيم لفاعل ذلك، أخذًا من ظاهر كلامهما، حتى حصل بذلك فتن وتفريق بين المسلمين. ثم إني أمعنت النظر فوجدتهما قد تبرآ من ذلك، بل رأيتهما عذرا فاعل ذلك، إذا كان مجتهدًا أو مقلدًا وله حسن قصد. وربما قالا: مأجور في فعله. قال: وهما وإن أطلقا في كتبهما وشددا لكنهما خصصا في بعضها وقيدا. فالذي لا يمعن النظر في كلامهما يحكم بأنهما قائلان بالتكفير.. وأطال الهذيان.

    والجواب أن يقال:
    (أولا) تسمية عباد القبور أهل سنة وجماعة جهل عظيم بحدود ما أنزل الله على رسوله وقلب للمسميات الشرعية، وما يراد من الإسلام والإيمان. والشرك والكفر. قال تعالى: { الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ } وهذا وأمثاله أجدر من أولئك بالجهل وعدم العلم بالحدود، لغربة الإسلام وبعد العهد بآثار النبوة. وأهل السنة والجماعة هم أهل الإسلام والتوحيد، المتمسكون بالسنن الثابتة عن رسول الله ﷺ في العقائد والنحل، والعبادات الباطنة والظاهرة الذين لم يشوبوها ببدع أهل الأهواء ولا بزيغ أهل الكلام: في أبواب العلم والاعتقادات. ولم يخرجوا عنها في باب العمل والإرادات، كما عليه جهال أهل الطرق في مبتدع العبادات فإن السنة في الأصل تقع على ما كان عليه رسول الله ﷺ وما سنه أو أمر به من أصول الدين وفروعه. حتى الهدي والسمت، ثم خصّت في بعض الإطلاقات بما كان عليه أهل السنة من إثبات الأسماء والصفات خلافًا للجهمية المعطلة النفاة. وخصت بإثبات القدر ونفي الجبر خلافًا للقدرية النفاة وللقدرية الجبرية العصاة. وتطلق أيضًا على ما كان عليه السلف الصالح في مسائل الإمامة والتفضيل، والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ وهذا من إطلاق الاسم على بعض مسمياته، لأنهم يريدون بمثل هذا الإطلاق التنبيه على أن المسمى ركن أعظم، وشرط أكبر كقوله ﷺ: "الحج عرفة" أو لأنه الوصف الفارق بينهم وبين غيرهم. لذلك سمى العلماء كتبهم في هذه الأصول: كتب السنة، ككتاب السنة للالكائي، والسنة لأبي بكر الأثرم، والسنة للخلال، والسنة لابن خزيمة، والسنة لعبد الله بن أحمد، ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم.
    وإذا كان الحال كما ذكرنا فقوله اشتهر أن الشيخ ابن تيمية وابن القيم يحكمان على أهل السنة والجماعة بالتكفير والإشراك: كذب ظاهر وبهت جلي، ما قيل ولا صدر، فضلا عن كونه عرف واشتهر. وآحاد العامة - فضلا عن الخاصة - لا يخفى عليهم أن هذين الشيخين من أكابر أهل السنة والجماعة، لا ممن يكفر أهل السنة والجماعة، وأنهما تصديا للرد على المبطلين والمشركين من اليهود والنصارى والصابئة والفلاسفة؛ وعباد القبور والمشايخ، ولم يكفرا غير هذه الطوائف ومن ضاهاهم، كغلاة الجهمية والقدرية والرافضة، هذا يعرفه كثير من العوان. وهذا العراقي بلغه ذلك، ولكن ظن أن عباد القبور أهل سنة وجماعة، فأخذ في تحريف كلام الشيخين. والإلحاد في ذلك، بل وألحد في نصوص الكتاب والسنة، كما سيأتيك عنه مفصلا إن شاء الله. قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }.
    وقوله: ممن يتوسل بالأنبياء والصالحين من أهل القبور ويناديهم ويستغيث بهم، إلى آخره؛ يريد به ما سيأتي في كلامه من أن دعاء الصالحين والاستغاثة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله يسمى توسلًا عنده وتشفعًا. وهذا فرار منه أن يسميه شركًا وكفرًا وهذا من جنس جهله بالأسماء والمسميات. وسيأتيك رد كلامه هناك، وأن التوسل صار مشتركا في عرف كثيرين، وأن العبرة بالحقائق لا بالأسماء، وأن الله سمى هذا شركًا وعبادة لغيره في مواضع من كتابه. كل هذا يأتيك مفصلا، فإياك أن تغتر بالإلحاد وتغيير الأسماء؛ فقف مع الحدود الشرعية، واعتبر بالحقائق تعرف أن هؤلاء مشركون وثنيون، عباد قبور. لا يستريب في ذلك إلّا جاهل بأصل الإسلام لم يدر ما جاءت به الرسل الكرام.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابوسفيان

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,649

    افتراضي رد: الفوائد المنتقاة من كتاب "منهاج التأسيس" للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله

    وقال رحمه الله
    فاعلم أن مستند المسلمين في العقائد ومرجعهم في أصول الدين وفروعه إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وإجماع من سلف من علماء الأمة. وأن التقليد في باب أصول الدين، ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا رسول الله لا يفيد ولا يجدي عندهم، وإن كان المقلَّد - بفتح اللام - فاضلًا عالمًا في نفسه. وهذا العراقي يظن أن المسلمين يكفرون أهل الشرك وعباد الصالحين ويقاتلونهم على التوحيد، تقليدًا للشيخ وغيره. وهذا لأنه لا يحسن سوى حرفة التقليد والكتاب والسنة عنده عن الاستدلال والاحتجاج بمكان بعيد، والمسائل التي يسقط الذم عن المخطئ فيها إذا اجتهد واتقى الله ما استطاع هي المسائل الاجتهادية، أي التي يسوغ الاجتهاد فيها أو ما يخفى دليله في نفسهن، ولا يعرفه إلّا الآحاد؛ بخلاف ما علم بالضرورة من دين الإسلام، كمعرفة الله بصفاته وأسمائه وأفعاله وربوبيته ومعرفة ألوهيته وكتوحيده بأفعال العبد وعباداته؛ فأي اجتهاد يسوغ هنا وأي خفاء ولبس فيه؟ وليس يصح في الأذهان شيء ** إذا احتاج النهار إلى دليل
    وجميع الكفار، إلا من عاند منهم، قد أخطأوا في هذا الباب واشتبه عليهم، أفيقال بعذرهم وعدم تأثيمهم أو أجرهم؟ سبحان الله! ما أقبح الجهل وما أبشعه.
    هذه أربعة مواضع ضلّ فيها العراقي في أول بحثه في قدر ثلاثة أسطر من كلامه فسبحان مصرف القلوب.
    قال ابن القيم رحمه الله في الكلام على أهل الفترة عند حديث المنتفق، وقوله ﷺ: "إنّ أباك المنتفق في النار"؛ ولو لم يكن من الأدلة على توحيد الله ومعرفته إلا ما اعترفوا به من ربوبية الله واختصاصه بالخلق والإيجاد والإبداع لكفى بذلك دليلًا، أو نحو هذا الكلام.
    وغلاة عباد القبور قد أثبتوا لآلهتهم وأوليائهم شركة مع الله في التدبير والتأثير كما قالته غلاة الرافضة. وعلى كلام هذا الضال هم معذرون مأجورون لأنهم اجتهدوا، فسبحان من طبع على قلبه، وحال بينه وبين رشده. وما أحسن قوله تعالى: { أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ } بل إطلاق هذا يدخل فيه اجتهاد النصارى فيما أتوا به من القول الشنيع والكفر الفظيع ويدخل في عمومه قول أهل الحلول والاتحاد، كابن عربي وابن سبعين والعفيف والتلمساني وابن الفارض وأمثالهم، ويلزم من هذا العراقي تضليل من كفّر المشركين وعبّاد القبور من علماء الأمة. وتضليل الفقهاء فيما ذكروه في باب حكم المرتد، وأن يخص كلامهم بغير المجتهد والمقلد؛ ومن له حسن قصد. فيجب على هذا تقييد ما أطلقوه وتحرير ما ضيعوه، ولم يضبطوه. وأن يكتب هذا القيد على ذكره الحنفيون والمالكيون والشافعيون والحنبليون في باب حكم المرتد وما يكفر به المسلم؛ ليظهر الحق إن كان ما زعمه العراقي حقًا، أو يشهد كافة أولي الألباب من العلماء والخلق أن هؤلاء قوم لا يعقلون؛ وأنهم في ضلالة عمياء؛ وجهالة صمّاء؛ وأن لهم نصيبًا وافرًا من قوله تعالى: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا }.
    وأما دعواه أنه أمعن النظر في كلام الشيخين فقد يكون ذلك، لكن إنما ينتفع بالبحث والنظر أهل البصائر والأثر، وهل ضل من ضل قديمًا وحديثًا إلّا من جهة فساد نظره، وضلال فكره، وغشاوة بصره، وطبع الله على قلبه؟ وعلى الشيخ وأمثاله بيان الحق؛ وكشفه وتقريره؛ وليس عليهم أن يفهم كلامهم كل ناظر فيه مطلع عليه.
    عليك في البحث أن تبدي غوامضه ** وما عليك إذا لم تفهم البقر
    قال ابن القيم رحمه الله تعالى - بعد أن ذكر كلام الزنادقة المكذبين للنصوص الواردة في عذاب القبر - قال: الأمر الثاني أن يفهم عن الرسول ﷺ مراده من غير غلو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه إلا على ما يحتمله، ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدى والتبيان.
    قال رحمه الله: فقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب وما لا يعلمه إلا الله، بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد، فيتفق سوء الفهم في بعض الأشياء من المتبوع مع حسن قصده وسوء القصد من التابع، فيا محنة الدين وأهله. والله المستعان. وهل أوقع القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية والرافضة وسائر طوائف أهل البدع إلّا سوء الفهم عن الله ورسوله حتى صار الدين بأيدي أكثر الناس هو موجب هذه الأفهام، والذي فهمه الصحابة ومن تبعهم عن الله ورسوله فمهجور ولا يلتفت إليه، ولا يرفع به هؤلاء رأسًا، ولكثرة هذه القاعدة تركناها، فإنا لو ذكرناها لزدات على عشرات ألوف؛ حتى إنك لتمر على الكتاب من أوله إلى آخره فلا تجد صاحبه فهم عن الله ورسوله مرادًا كما ينبغي في موضع واحد، وهذا إنما يعرفه من عرف ما عند الناس، وعرضه على ما جاء به الرسول. وأما من عكس الأمر فيعرض ما جاء به الرسول على ما اعتقده وانتحله وقلّد فيه من أحسن الظن به؛ فليس يجدي الكلام معه شيئًا، فدعه وما اختار لنفسه وولّه ما تولى؛ واحمد إلهك الذي عافاك مما ابتلاه به. انتهى.
    وما أحسن ما قال في الكافية:
    فلقد نجا أهل الحديث المحـ ** ض أتباع الرسول وتابعو القرآن
    عرفوا الذي قد قال مع علم بما ** قال الرسول فهم أولو العرفان
    مدوا يدًا نحو العلى بتكلف ** وتخلف وتكبر وتوان
    أترى ينالوها؛ وهذا شأنهم؟ ** حاشا العلاء من الزبون الفاني
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابوسفيان

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,649

    افتراضي رد: الفوائد المنتقاة من كتاب "منهاج التأسيس" للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله

    وقال رحمه الله
    قال العراقي:

    وهذه المسائل المطلقة كم استحلت بسببها دماء وأموال، وكم زلت فيها علماء وهلكت رجال، وكم انتهكت فيها حرمة الإسلام وأعراض، وكم استخف فيها بأنبياء الله وأوليائه؟ فهي في القلوب أمراض. الجواب أن يقال:

    قد صدق العراقي في جملة واحدة من هذه الجمل، وهي قوله: فهي في القلوب أمراض، ومراده قلوب أمثاله وشيعته من عباد الأولياء والصالحين، فنعم { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ }.

    وأما مسائل العلم والعبادة وإفراد الله بالطلب والإرادة وأحكام الشرك به ودعاء الصالحين والاستغاثة بهم ومحبتهم مع الله، واتخاذهم أولياء من دونه. فهذه ليست من المسائل الفرعية الاجتهادية التي قد يخفى دليلها، فيحتاج المسلم فيها إلى التقليد، كما زعم العراقي: أن الدماء والأموال استحلت بسبب كلام الشبخ ابن تيمية وتلميذه ابن القيم،
    بل المعول في هذا على نصوص الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة، لا على كلام عالم أو فقيه غير رسول الله ﷺ.

    فقول هذا العراقي جهل بأصل هذه الدعوى النجدية؛ وبحال شيخهم رحمه الله.

    والله تعالى قد حكم في دماء المشركين وأموالهم، وبين ذلك ووضحه في كتابه أتم بيان وأحسن توضيح. قال تعالى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ }، والفتنة الشرك. وقال تعالى: { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُم ْ كَافَّةً }، وقال: { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ }.

    ومن نازع في أن دعاء الصالحين وعبادتهم واتخاذهم أندادًا لله رب العالمين ليس من الشرك، واعتقد ونازع في عدم دخولهم في مثل هذه الآيات، ورأى أنهم من المسلمين: فهذا رجوع منه إلى أصل المسألة.
    والنزاع في مسمى الإسلام والشرك، والكلام معه في كشف شبهته وتقرير الدليل على أن هذا هو الشرك المبيح للدم والمال.

    وقد عرفت أن هذا هو أصل الإشكال عندهم، وسببه ما عرض لهم من الشبهات المانعة من إدخال الواقع في مسمى الشرك والكفر، كقولهم: نحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ونصوم ونصلي، ونؤمن بالبعث، وقولهم: هذا توسل ليس بدعاء، وقولهم: دعاء الصالحين والأولياء ليس كدعاء الأوثان والأصنام. وقولهم في بعض الأدلة والآيات: هذه في الأصنام. وقول بعضهم: المشركون يعتقدون لها التأثير والتدبير، ونحن نجعلها وسائل وشفعاء ونحو ذلك، وقول بعضهم: إن الله أعطاهم الشفاعة، ونريد منهم مجرد الجاه والشفاعة، وقولهم: إن الله أكرمهم بالكرامات، ولهم ما يشاءون عند ربهم.
    وهذه الشبهة كشفها القرآن وبينها، وسجل على جهالة أهلها، وكلها أوردها العراقي هنا مفرقة في كلامه، وسيأتيك ردها وكشفها مفصلا بحول الله ومنته.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابوسفيان

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,649

    افتراضي رد: الفوائد المنتقاة من كتاب "منهاج التأسيس" للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله

    وقال رحمه الله
    وبالجملة فمن عرف ما جاءت به الرسل من وجوب توحيد الله وإفراده بالعبادة، عرف وتبين له أن المنع من دعائهم وقصدهم من دون الله في الحاجات والملمات، هو عين تعظيمهم وتوقيرهم وتعزيرهم والإيمان بهم وتصديقهم، وقبول ما جاءوا به، ومنابذة أعدائهم وأضدادهم من المشركين على اختلاف أجناسهم وتباين مللهم. فإن أصل النزاع بينهم وبين أعدائهم في إخلاص عبادة الله وحده، والبراءة من عبادة ما سواه. ولا يحصل ولا يتصور الإيمان بهم إلا باعتقاد هذا وموافقتهم عليه. وأما مخالفتهم فيه ومعصيتهم فهي عين التنقيص لهم والاستخفاف بهم ومت عرف هذا عرف أن الشيخ وإخوانه المؤمنين من عهد رسول الله ﷺ إلى قيام الساعة هم المعظّمون للرسل الموقرون لهم العارفون بحقوقهم، القائمون بما يجب لله ورسوله وما يجب لعباده الله من الحقوق لا أهل الشرك بهم والمعصية لهم، ونبذ أوامرهم، وترك ما جاءوا به وهجره وعزله عن الحكم به، وتقديم منطق اليونان في باب معرفة الله وصفاته، وتقديم آراء الرجال وحدسهم على النصوص والأحاديث الصريحة، وتقديم غلو النصارى ورأيهم في عبادة الأحبار والرهبان على ما جاءوا به من تجريد التوحيدن وإخلاص الدين لله.
    هذا هو حقيقة الاستخفاف عند كافة العقلاء، وأما طاعة الرسول في إخلاص الدين لله، وترك دعاء الأنبياء والصالحين، فهو عين التعظيم والتوقير، فظهر أن هؤلاء قوم لا يعقلون.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابوسفيان

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,649

    افتراضي رد: الفوائد المنتقاة من كتاب "منهاج التأسيس" للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله

    وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن فى رده على داوود العراقى
    قال العراقي:

    وإنما قصدت بهذا الإصلاح بين المسلمين واتفاق الفريقين لقول الله تعالى { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } وقول رسول الله ﷺ: "لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا".

    والجواب أن يقال:
    إذا اتحد الدين وحصل الإيمان بالله ورسوله، وعبادة الله وحده لا شريك وخلع ما سواه من الأنداد والآلهة، حصلت الإخوة في الدين، ووجب من حقوق الإسلام والمسلمين بعضهم على بعض ما أوجبه الله ورسوله. وقصد الإصلاح بينهم واجب. لقوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } لكن مفهوم هذا أن الأخوة تنتفي بانتفاء الإيمان. وقد صرّح الله بهذا المفهوم في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: { لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } الآية، وقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ }، وقوله: { لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } الآية، وقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ } الآية، وقال تعالى: { بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } إلى قوله: { وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ }، وهذا في القرآن كثير، ولكن خفي على العراقي أن دعاء الأنبياء والصالحين والاستعانة بهم، وصرف حقوق الله إليهم من الشرك الذي ينتفي معه أصل الإيمان ومسماه، بل ويخفى على هذا العراقي أن الإيمان هو التوحيد كما فسّره بذلك رسول الله ﷺ في حديث وفد عبد القيس، وفي حديث معاذ، لما أرسله إلى اليمن. فلذلك قصد بجهله الإصلاح بين الطائفتين واتفاق الكلمتين، ولم يدر شرع الله وحكمه في هذه المباحث، ومثله لا يعذر بالجهل في هذه المباحث والأصول، بل عليه وزره ووزر من اتبعه. من غير أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا، وفي الحديث: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا".
    لا أصلح الله منا من يصالحكم ** حتى يصالح ذئب المعز راعيها
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابوسفيان

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,649

    افتراضي رد: الفوائد المنتقاة من كتاب "منهاج التأسيس" للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله

    وقال رحمه الله
    فصل

    قال العراقي في الباب الأول في نقل عبارات ابن تيمية وابن القيم في تبرئتهما من تكفير المسلمين، وتشريكهم وتأثيمهم، ونقل بعض عبارات ابن عبد الوهاب في بعض الأشياء التي حكم على الناس فيها بالتكفير والشرك. ثم ذكر في هذا الباب خمسين موضعًا، يزعم أنّها تشهد له وتؤيد كلامه ودعواه على استحباب دعاء الصالحين وجوازه. وغالبها قد حرّفه، وألحد فيه، وتصرّف في نقله بزيادة ونقصان، وتقطيع للعبارات، وتعسف في حمله على دعواه. وبعضها لم يفهم مراد الشيخ منه ولم يدر المقصود.

    فحمل الكلام على المسائل الاجتهادية النظرية على مسائل أصول الدين الضرورية الاجتماعية.
    فتركب من هواه وإلحاده وجهله فساد عظيم وتحريف للكلم عن مواضعه.
    وقد وصف الله اليهود بتحريف الكلم عن مواضعه: بتحريف ألفاظه ومعانية، وذكر تعالى أنه جعل قلوب اليهود قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه، ولعنهم بسبب ذنوبهم، ونقض الميثاق الذي أخذ عليهم من الإيمان بالله ورسوله، والوقوف مع أمره وما أوجبه عليهم في التوراة. وعبّاد القبور والدعاة إليها نقضوا الميثاق المأخوذ على هذه الأمة على لسان نبينا محمد ﷺ في مثل قوله تعالى: { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ }، وقوله تعالى: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ }، وقوله تعالى: { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } الآيات.

    فما صدر عنه مما ستقف عليه من الإلحاد والتحريف نشأ عن مخالفة الرسول ﷺ، ونبذ ما جاء به وراء الظهر. ومن له خبرة بتحريف اليهود لنصوص التوراة يعرف قوة المشابهة والمماثلة بينهم وبين هذا المحرف.
    واعتبر بما يأتيك تجد ما قلنا صريحًا.
    قال في نقله الأول:
    قال تقي الدين ابن تيمية في الفتاوى - بعد أن سئل عن رجل تكلم في مسألة التكفير - فأجاب الشيخ بقوله: أصل التكفير للمسلمين من الخوارج والروافض الذين يكفرون أئمّة المسلمين بما يعتقدون أنهم أخطأوا فيه من الدين. وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أنّ علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض، بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ. وليس كلّ من يترك قوله لخطأ أخطأه يكفر ولا يفسق، ولا يؤثم. فإن الله قال في دعاء المسلمين: { رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }، وفي ال
    حيح عن النبي ﷺ أن الله قال: "قد فعلت" - إلى أن قال -: ومن المعلوم أن المنع من تكفير علماء المسلمين الذين تكلموا في هذا الباب وإن أخطأوا - من أحق الأغراض الشرعية، وهو إذا اجتهد في ذلك وأصاب فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد.
    والجواب أن يقال:

    هذا الكلام من جنس تحريفه الذي قررناه، فإن في هذا تحريفين:

    أحدهما: أنه أسقط السؤال، وفرضه في التكفير بالمسائل التي وقع فيها خلاف ونزاع بين أهل السنة والجماعة. والخوارج والروافض فإنهم كفروا المسلمين وأهل السنة بمخالفتهم فيما ابتدعوه، وما أصلوه ووضعوه، وذهبوا إليه وانتحلوه، فأسقط هذا خوفًا من أن يقال دعاء أهل القبور وسؤالهم والاستغاثة بهم ليست من هذا الباب، ولم يتنازع في هذه المسألة المسلمون، بل هي مجمع على أنها من الشرك المكفر، كما حكاه الشيخ ابن تيمية نفسه، وجعلها مما لا خلاف في التكفير به، فلا يصح حمل كلامه هنا على ما جزم هو بأنه كفر مجمع عليه، ولو صح حمل هذا العراقي لكان قوله قولًا مختلفًا، وقد نزهه الله وصانه عن هذا، فكلامه متفق يشهد بعضه لبعض. إذا عرفت هذا عرفت تحريف العراقي في إسقاط بعض الكلام وحذفه، وأيضًَا فالحذف لأصل الكلام يخرجه عن وجهه، وإرادة المقصود
    التحريف الثانى .

    أن الشيخ رحمه الله، قال: أصل التكفير للمسلمين، وعبارات الشيخ أخرجت عبّاد القبور من مسمى المسلمين، كما سننقل لك جملة من عباراته في الحكم عليهم بأنهم لا يدخلون في المسلمين في مثل هذا الكلام.

    قال رحمه الله - في أثناء كلام له في النهي عن التفرق، والاختلاف وترك التعصب لمذهب أو قبيلة أو طريقة - قال: "فليس كل من أخطأ يكون كافرًا ولا فاسقًا ولا عاصيًا، بل قد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد قال تعالى في كتابه في دعاء المؤمنين: { رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }، وثبت في الصحيح: "أن الله قال: قد فعلت" لا سيما وقد يكون يوافقكم في أخص من الإسلام مثل أن يكون مثلكم على مذهب الشافعي أو منتسبًا إلى الشيخ عدي. ثم بعد هذا قد يخالف في شيء، ربما كان الصواب معه. فكيف يستحل عرضه أو دمه أو ماله، مع ما ذكر الله من حقوق المسلم والمؤمن؟ وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة لا أصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله؟ وهذا التفريق الذي حصل بين الأمة علمائها ومشايخها وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليهم وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: { وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ }، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإن الجماعة رحمة، وإن الفرقة عذاب، وجماع ذلك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } - إلى قوله - { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } الآية، فمن الأمر بالمعروف: الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن الاختلاف والفرقة. ومن النهي عن المنكر: إقامة الحدود على من خرج عن شريعة الله تعالى.

    فمن اعتقد في بشر أنه إله أو دعا ميتًا أو طلب منه الرزق أو النصر أو الهداية، أو توكل عليه أو سجد له، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه". انتهى.
    فبطل استدلال العراقي، وانهدم من أصله، كيف يجعل النهي عن تكفير المسلمين متناولًا لمن يدعو الصالحين ويستغيث بهم مع الله، ويصرف لهم من العبادات ما يستحقه إلا الله؟ وهذا باطل بنصوص الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة.

    ومن عجيب جهل العراقي أنه يحتج على خصمه بنفس الدعوى، والدعوى لا تصلح دليلًا،

    فإن دعوى العراقي لإسلام عباد القبور تحتاج دليلًا قاطعًا على إسلامهم فإذا ثبت إسلامهم منع من تكفيرهم، والتفريع ليس مشكلًا.
    ومعلوم أن من كفر المسلمين لمخالفة رأيه وهواه كالخوارج والرافضة أو كفر من أخطأ في المسائل الاجتهادية أصولًا أو فروعًا، فهذا ونحوه مبتدع ضال، مخالف لما عليه أئمة الهدى ومشايخ الدين. ومثل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لا يكفر أحدًا بهذا الجنس ولا من هذا النوع. وإنما يكفر من نطق بتكفيره الكتاب العزيز، وجاءت به السنة الصحيحة وأجمعت على تكفيره الأمة، كمن بدل دينه، وفعل فعل الجاهلية الذين يعبدون الملائكة والأنبياء والصالحين، ويدعونهم مع الله، فإن الله كفرهم وأباح دماءهم وأموالهم وذراريهم بعبادة غيره، نبيًا أو وليًا أو صنمًا لا فرق في الكفر بينهم، كما دل عليه الكتاب العزيز والسنة المستفيضة، وبسط هذا يأتيك مفصلًا، وقد مر بعضه.

    والشيخ محمد رحمه الله من أعظم الناس توقفًا وإحجامًا عن إطلاق الكفر، حتى أنه لم يجزم بتكفيره الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها.
    قال في بعض رسائله: وإذا كنا لا نقاتل من يعبد قبة الكواز حتى نتقدم بدعوته إلى إخلاص الدين لله، فكيف نكفر من لم يهاجر إلينا وإن كان مؤمنًا موحدًا؟ وقال: وقد سئل عن مثل هؤلاء الجهال. فقرر أن من قامت عليه الحجة وتأهل لمعرفتها يكفر بعبادة القبور. وقد سبق من كلامه ما فيه الكفاية، مع أن العلامة ابن القيم رحمه الله جزم بكفر المقلدين لشيوخهم في المسائل المكفرة إذا تمكنوا من طلب الحق ومعرفته وتأهلوا لذلك. فأعرضوا ولم يلتفتوا. ومن لم يتمكن ولم يتأهل لمعرفة ما جاءت به الرسل فهو عنده من جنس أهل الفترة ممن لم تبلغه دعوة رسول من الرسل. وكلا النوعين لا يحكم بإسلامهم ولا يدخلون في مسمى المسلمين، حتى عند من لم يكفر بعضهم وسيأتيك كلامه. وأما الشرك فهو يصدق عليهم، واسمه يتناولهم وأي إسلام يبقى مع مناقضة أصله؟ وقاعدته الكبرى: شهادة أن لا إله إلا الله، وبقاء الإسلام ومسماه، مع بعض ما ذكر الفقهاء في باب حكم المرتد أظهر من بقائه مع عباده الصالحين ودعائهم. ولكن العراقي يفر من أن يسمى ذلك عبادة ودعاء، ويزعم أنه توسل ونداء ويراه مستحبًا، وهيهات هيهات.

    أين المفر والإله الطالب ** قد حيل بين العير والنزوان
    بما من الله به من كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وبما جاء به محمد عبد الله ورسوله من الحكمة والهدى والبيان لحدود ما أنزل الله عليه، ولا يزال سبحانه وتعالى يغرس لهذا الدين غرسًا تقوم بهم حججه على عباده يجاهدون في بيان دينه وشرعه ومن ألحد في كتابه ودينه وصرفه عن موضوعه.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابوسفيان

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,649

    افتراضي رد: الفوائد المنتقاة من كتاب "منهاج التأسيس" للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو المنذر محب أهل الأثر مشاهدة المشاركة
    الجاهل والمتأول لا يعذر إلا مع العجز، ولذلك قيده الشيخ ابن القيم بقوله: تأويلاً يعذر صاحبه، فليس كل تأويل وكل جهل يعذر صاحبه. وليس كل ذنب يجري التأويل فيه ويعذر الجاهل به، وقد تقدم أن عامّة الكفار والمشركين من عهد نوح إلى وقتنا هذا جهلوا وتأولوا، وأهل الحلول والاتحاد كابن عربي وابن الفارض والتلمساني وغيرهم من الصوفية تأولوا، وعبّاد القبور والمشركون الذين هم محل النزاع تأولوا، وقالوا: لا يدخل على الملك العظيم إلا بواسطة، وقالوا إذا تعلقت روح الزائر بروح المزور فاض عليها مما ينزل على روح المزور، كما ينعكس شعاع الشمس على المرايا والصور.
    والنصارى تأولت فيما أتته من الإفك العظيم والشرك الوخيم " [ منهاج التأسيس صـــ ٥٠٣]
    ٤
    " وقد قدمنا أن طرد قول العراقي واستدلاله يفيد عدم التأثيم والتكفير في الخطأ في جميع أصول الدين، كالإيمان بوجود الله وربوبيته وإلهيته وقدره وقضائه، والإيمان بصفات كماله الذاتية والفعلية، ومسألة علمه بالحوادث والكائنات قبل كونها، والمنع من التكفير والتأثيم بالخطأ في هذا كله رد على من كفر معطلة الذات، ومعطلة الربوبية، ومعطلة الأسماء والصفات، ومعطلة إفراده تعالى بالإلهية والقائلين بأنه لا يعلم الكائنات قبل كونها كغلاة القدرية، ومن قال بإسناد الحوادث إلى الكواكب العلوية، ومن قال بالأصلين النور والظلمة؛ فإن التزم العراقي هذا كله فهو أكفر وأضل من اليهود والنصارى، وإن زعم أن ثمَّ فرقاً بين هذا وبين مسألة النزاع التي هي دعاء الأمواب الغائبين فيما لا يقدر عليه إلا ربّ العالمين فيوجدنا هذا الفرق، وليوجدنا دليلاً على صحته، فإن لم يفعل ـ ولن يفعل ـ بطل تقريره وتأصيله، وعلم أهل العلم والإيمان أنه دلس مشبه، ليس من أهل الفقه والدين " [ منهاج التأسيس صـــ ٥٠٣ – ٤٢٠]
    6-
    " وهل أوقع الاتحادية والحلولية فيما هم عليه من الكفر البواح والشرك العظيم والتعطيل لحقيقة وجود رب العالمين إلا خطؤهم في هذا الباب الذي اجتهدوا فيه، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل؟ ، وهل قُتل الحلاّج باتفاق أهل الفتوى على قتله إلا ضلال اجتهاده؟ وهل كفر القرامطة وانتحلوا ما انتحلوه من الفضائح الشنيعة، وخلعوا ربقة الشريعة إلا باجتهادهم فيما زعموا؟ وهل قالت الرافضة ما قالت، واستباحت ما استباحت من الكفر والشرك وعبادة الأئمة الإثني عشر وغيرهم، ومسبة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلّم وأم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما، إلا باجتهادهم فيما زعموا؟ وهؤلاء سلف العراقي في قوله: " إن كل خطأ مغفور"، وهذا لازم له لا محيص عنه ."
    [ منهاج التأسيس صـــ٤٢٥ - ٤٢٦ ].
    ( ثانيًا : العذر بالجهل )
    ١- نقل عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -
    يبين قوله في جهال المشركين ، ومعنى الحكم بالكفر عنده :
    "قال رحمه الله: فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم ممن يعبد الأولياء والصالحين نحكم بأنهم مشركون، ونرى كفرهم إذا قامت عليهم الحجة الرسالية. أما ما عدا هذا من الذنوب التي دونه في الرتبة والمفسدة فإنا لا نكفر بها
    ولا نحكم على أحد من أهل القبلة الذي ن باينو ا عباد الأوثان والأصنام والقبور بكفر بمجرد ذنب ارتكبوه وعظيم جرم اجترحوه. وغلاة الجهمية والقدرية والرافضة ونحوهم ممن كفرهم السلف لا نخرج فيهم عن أقوال أئمة الهدى والفتوى من سلف هذه الأمة. ونبرأ إلى الله مما أتت به الخوارج، وقالته في أهل الذنوب من المسلمين. " [ منهاج التأسيس صـــ١٦٦].
    ٢- تابع ..
    " وقد سئل - أي الإمام المجدد - عن مثل هؤلاء الجهال. فقرر أن من قامت عليه الحجة وتأهل لمعرفتها يكفر بعبادة القبور. وقد سبق من كلامه ما فيه الكفاية، مع أن العلامة ابن القيم رحمه الله جزم بكفر المقلدين لشيوخهم في المسائل المكفرة إذا تمكنوا من طلب الحق ومعرفته، وتأهلوا لذلك. فأعرضوا ولم يلتفتوا. ومن لم يتمكن ولم يتأهل لمعرفة ما جاءت به الرسل فهو عنده من جنس أهل الفترة ممن لم تبلغه دعوة رسول من الرسل. وكلا النوعين لا يحكم بإسلامهم ولا يدخلون في مسمى المسلمين، حتى عند من لم يكفر بعضهم وسيأتيك كلامه. وأما الشرك فهو يصدق عليهم، واسمه يتناولهم وأي إسلام يبقى مع مناقضة أصله؟ وقاعدته الكبرى: شهادة أن لا إله إلا الله .. "[ منهاج التأسيس صـــ٢٢٩ - ٢٣٠].
    التعليق :
    [ مذهب أهل السنة فيمن وقع في الشرك الأكبر أنه مشرك كافر ، فإن كانت الحجة قد بلغته فهو كافرٌ في الظاهر والباطن ، أما إن كانت الحجة لم تبلغه فيُحكم عليه بالكفر الظاهر ، ولا تلحقه العقوبة في الدنيا والآخرة إلا بعد قيام الحجة .
    والكفر الظاهر : هو الكفر غير المُعذَّب عليه ، وهو كفر من لم تبلغه الحجة الرسالية .
    أما كفر الظاهر والباطن : فهو الكفر المُعذَّب عليه ، وهو كفر من بلغته الحجة الرسالية .
    وقد جاء في كلام بعض أهل العلم أنّ من تلبس بالشرك الأكبر ولم تبلغه الحجة ، فإنه يُحكم عليه بالشرك ولا يسمي مسلمًا ، ولكنه لا يُكفّر إلا بعد قيام الحجة ، فهم يجعلون اصطلاح الكفر خاصًا بالمعني الثاني ، أما من وقع في الكفر الظاهر دون الكفر الباطن فيقولون : هو مشركٌ ولا نكفره إلا بعد قيام الحجة ، والمعني في ذلك واحد .
    فيكون المقصود بنفي التكفير هنا ، أي : الحكم بالكفر المُعذّب عليه. ]
    ٣- التفريق بين قيام الحجة وفهم الحجة
    " وينبغي أن يعلم الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن من بلغته دعوة الرسل فقد قامت عليه الحجة؛ إذا كان على وجه يمكن معه العلم، ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله ورسوله ما يفهمه أهل الإيمان والقبول والانقياد لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فافهم هذا
    يكشف عنك شبهات كثيرة في مسألة قيام الحجة . " [ منهاج التأسيس صـــ٤٨٥].
    ..........
    -وقد جاء الملبّس العراقي واستدل بهذا النقل الأخير علي أن شيخ الإسلام يعذر عباد الأوثان ، وذلك أن الشيخ قال " لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم "، فقال المُشبّه : " فأثبــت لهم الإيمان ولم يخرجهم من الإسلام .."
    قلتُ : وهذا الفهم ليس بغريبٍ علي هذا الحمار الغارق في ظلمات الجهل والشرك ملأ الله قبره نارًا - ، أما من وفقه الله ، وأنار قلبه ، ورزقه حسن الفهم عنه وعن رسوله وعن أهل العلم ، فإنه يفهم كلام العلماء وفق مرادهم ، لا وفق ما أراده هو ، وذلك برد كلامهم إلي اصولهم وقواعدهم ، و بإرجاع متشابه كلامهم إلي محكمه ومجمله إلي مفصله ، ومن يعرف كلام شيخ الإسلام فإنه يفهم مراده بهذه العبارة ونحوها ،
    قال الشيخُ عبد اللطيف -رحمه الله- : "وكلام شيخ الإسلام إنما يعرفه ويدريه من مارس كلامه وعرف أصوله " [المنهاج /ـ٤٢٠].
    ومن يتأمل كلام شيخ الإسلام ، وكلام ابن القيم –رحمهما الله- يجد أنهما يطلقان الإيمان في بعض المواضع ولا يريدان به الإيمان المُوجب لدخول الجنة ، وعدم الخلود في النار ، لذا قال الشيخُ عبد اللطيف -رحمه الله-(المنهاج / ٣٤٣) "وقول العراقي: إن الشيخ أثبت لهم الإيمان، ولم بخرجهم بذلك عن الإسلام ولم يؤثمهم، فهذا جهل منه بمسمى الإيمان، فإن المراد ما معهم من الإيمان بالرسالة ونحوها. "
    وقال –رحمه الله –(مصباح الظلام / ٥٠٨) " قول الشيخ: (لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم) ، ليس فيه أنهم مؤمنون إيمانا يمنع من الشرك، غايته أن يكونوا مؤمنين برسالته ونبوته الإيمان بالرسالة والنبوة لا يكفي مع عدم الانقياد لما جاء به من التوحيد، والبراءة من الشرك، أو يراد به الإيمان بتوحيد الربوبية.
    قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: ١٠٦] . أثبت لهم إيمانا مع شركهم ."
    ويبين هذا من كلام الشيخين –عليهما رحمة الله-
    قول ابن القيم : " فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ يَكُونُ فِيهِ وَلَايَةٌ لِلَّهِ وَعَدَاوَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَيَكُونُ مَحْبُوبًا لِلَّهِ مَبْغُوضًا لَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَيْضًا، بَلْ يَكُونُ فِيهِ إِيمَانٌ وَنِفَاقٌ، وَإِيمَانٌ وَكُفْرٌ، وَيَكُونُ إِلَى أَحَدِهِمَا أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَى الْآخَرِ، فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: ١٦٧] وَقَالَ {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: ١٠٦] أَثْبَتَ لَهُمُ الْإِيمَانَ بِهِ مَعَ مُقَارَنَةِ الشِّرْكِ، فَإِنْ كَانَ مَعَ هَذَا الشِّرْكِ تَكْذِيبٌ لِرُسُلِهِ لَمْ يَنْفَعْهُمْ مَا مَعَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ تَصْدِيقٌ لِرُسُلِهِ، وَهُمْ مُرْتَكِبُونَ لِأَنْوَاعٍ مِنَ الشِّرْكِ لَا تُخْرِجُهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ...
    وَشِرْكُهُمْ قِسْمَانِ: شِرْكٌ خَفِيٌّ، وَشِرْكٌ جَلِيٌّ، فَالْخَفِيُّ قَدْ يُغْفَرُ، وَأَمَّا الْجَلِيُّ فَلَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ مِنْهُ، فَإِنَّ اللَّهَ
    لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ.
    " [ مدارج السالكين 1/281].
    فبيّن أن الإيمان قد يحصل مع مقارنة الشرك ، ولكن لا يسمي مؤمنا ، بل هو مشرك كافر ، وإن قام به شيء من الإيمان .
    وقال –رحمه الله- :
    " وها هنا أصل آخر وهو أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمنا وإن كان ما قام به إيمانا ، ولا من قيام شعبة من شعب الكفر به أن يسمى كافرا وإن كان ما قام به كفرا, كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم به أن يسمى عالما ولا من معرفة بعض مسائل الفقه والطب أن يسمى فقهيا ولا طبيبا, ولا يمنع ذلك أن تسمى شعبة الايمان إيمانا وشعبة النفاق نفاقا وشعبة الكفر كفرا."
    [الصلاة وحكم تاركها 1/62].
    فالمشرك الذي يعبد غير الله وإن كان عنده شيء من الإيمان ، كإيمانه برسالة النبي صلي الله عليه وسلم ،وإيمانه باليوم الآخر ، فهذا لا يعني أن يُقال عنه أنه مسلم أو موحد .
    والكافر أو المرتد قد تقوم فيه بعض شعب الإيمان ويُسمي مع ذلك كافرًا ، وقد يقوم بالشخص إيمان ببعض الرسالة دون بعض ، وهذا لا يجعله مؤمنا ، قال شيخ الإسلام –رحمه الله – "والمؤمن ببعض الرسالة دون بعض كافر أيضاً، كما قال تعالي : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ، وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ) " [مجموع الفتاوي 12/338]
    بل نقول : أن اليهود والنصاري عندهم من الإيمان ما ليس ما ليس عندي عباد الأوثان ، وعند عباد الأوثان من الإيمان ما ليس عند الملاحدة معطلة الصانع ، وهم جميعًا كفار مُخلّدون في نار جهنم .
    قال شيخ ا الإسلام رحمه الله " وأما من وافقهم على أقوالهم المخالفة لما جاءت به الرسل مع تعظيمه للرسل ولنواميسهم وإيجابه لأتباعهم كالفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام فهؤلاء آمنوا ببعض ما جاء به الرسل وكفروا ببعض وهم يشبهون اليهود والنصارى من هذا الوجه لكن هؤلاء بإيمانهم بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خير من اليهود والنصارى واليهود والنصارى بإيمانهم بجنس ما اتفقت عليه الرسل من عبادة الله وحده والإيمان باليوم الآخر والقيامة الكبرى ومعاد الأبدان وإيجاب العبادات الشرعية وتحريم المحرمات الشرعية والتصديق بحقيقة الملائكة وكلام الله هم خير منهم إلا من كان من اليهود والنصارى على مذهب الفلاسفة وهذا اجتمع فيه نقص الكفر من وجهين وهو أسوأ حالا من هؤلاء وهؤلاء. " [الصفــديـة 2/247-248]
    ........ولا يلزم من وصف الشخص بالزهد والعبادة أن لا يوصف بالشرك والكفر والبدعة ، ودونك الخوارج ، فهم من أعظم الناس عبادة ، وأحسنهم قصدًا ، ومع ذلك فقد اختلف السلف في تكفيرهم ،
    * وهي قولهم إن عباد القبور في دعائهم غير الله إنما يريدون دعاء الله في الحقيقة ومن كانت هذه حاله فليس بمشرك .
    - قال المُلبّس : فإذا طلبوا من أحد غير الله من أنبيائه وأوليائه فمرادهم أنهم يتسببون لهم، والله هو الفاعل الحقيقي، بل عوام الناس يعرفون ذلك
    جواب الشيخ :
    " فجواب هذا أن يقال: ليس هذا هو الرّاسخ في قلوب عباد القبور، فإن أقوالهم وأدعيتهم وتوجهاتهم صريحة في أن مدعوهم ومستغاثهم مع الله يعطي ويمنع ويخفض ويرفع، ويقضي حاجة من دعاه، ويجبر من لاذ بحماه، ولا تستبين العقائد وما في القلوب إلا بترجمة المترجم وعنوان المعبر وهواللسان................
    وهذا صريح في كلامهم يعرفه كل ممارس، ولكن الهوى أحال عقول عبّاد القبور وفهومهم عن مستقرها.
    وأيضاً فإطلاق السبب ليس عذراً مبيحاً لدعاء غير الله والاستغاثة به فإن المشركين قصدوا السبب ليس إلا، كما حكى الله عنهم ذلك في مواضع من كتابه، ولم يريدوا أنها فاعلة مستقلة، بل اعترفوا بالفعل والاستقلال لله تعالى، وقد مرّت أدلة ذلك، وتأتيك في مواضعها إن شاء الله تعالى فبطل كلامه.
    وإن سلمنا الدعوى وأنه إنما أراد السبب، فهذا الموضع هو منشأ الغلط، فإن القوم لم يفرقوا بين توحيد الإلهية الذي هو إفراد الله سبحانه بالدعاء والاستعانة والخوف والرجاء والحب والإنابة والذل والخضوع، وظنوا أن هذا لا يكون شركاً إلا إذا اعتقد فاعله أن غير الله مستقل مدبر مؤثر، وإلا فلا شرك على زعم هؤلاء الضلال، وقد تقدم أنّ عبّاد القبور أو جمهورهم صرّحوا بأن المشايخ والأولياء يتصرفون، فراجع ما مرّ من حكاية معتقدهم، فالعراقي كاذب، وعلى تسليم صدقه فهو قول المشركين من جاهلية العرب سواء بسواء. "[المنهاج/ ٢٨٥ - ٢٨٧]
    ...........
    ومعلوم أن رؤساء عباد القبور الداعين إلى دعائها وعبادتها لهم حظ وافر مما يأتي به الدّجال، وقد تصدى رجال من تميم وأهل نجد للرّد على دجاجلة عبّاد القبور والدّعاة إلى تعظيمها مع الله، وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلّم إن قلنا إنّ "أل" في الدّجّال للجنس لا للعهد.
    وإن قلنا إنها للعهد ـ كما هو الظاهر ـ فالرّد على جنس الدّجّال توطئة وتمهيد لجهاده ورد باطله. فتأمّله فإنّه نفيس جدّاً.

    ..............: أن الإسلام والشرك نقيضانلا يجتمعان ولا يرتفعان.
    والجهل بالحقيقتين أو إحداهما أوقع كثيراً من الناس في الشرك وعبادة الصالحين
    ،
    لعدم معرفة الحقائق وتصورها،
    فإن ساعد الجهل وقصور العلم عوائد مألوفة استحكمت بها البلية وتمكنت الرزية.
    وصار الانتقال عن العوائد والمشتهيات أعز شيء في الوجود وأصعب شيء على النفوس، مالم يعارض ذلك معارض قوي في نفسه، عظيم الصولة والقوة،
    سواء كان أمراً خارجياً كالقهر والغلبة والقتال والأسر "عجبت لقوم يدخلون الجنة بالسلاسل" أو أمراً باطنياً أو وازعاً إلهياً كالتوفيق وقذف النور في القلب، وتصريف كصرف القلوب. " [المنهاج /٨٦ - ٨٧].

    نسأل الله أن يجعل قلوبنا عامرةً بمعــرفته وتوحيده
    بارك الله فيك وجزاك الله خيرا - ما أعظم هذه الفوائد المنتقاة وأهميتها جزاك الله خيرا
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابوسفيان

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,649

    افتراضي رد: الفوائد المنتقاة من كتاب "منهاج التأسيس" للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو المنذر محب أهل الأثر مشاهدة المشاركة
    نسأل الله أن يجعل قلوبنا عامرةً بمعــرفته وتوحيده
    آمين
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابوسفيان

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    162

    افتراضي رد: الفوائد المنتقاة من كتاب "منهاج التأسيس" للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة


    قال في بعض رسائله: وإذا كنا لا نقاتل من يعبد قبة الكواز حتى نتقدم بدعوته إلى إخلاص الدين لله، فكيف نكفر من لم يهاجر إلينا وإن كان مؤمنًا موحدًا؟
    نعم بارك الله فيك - هذه الجملة من كلام الشيخ الامام عبد اللطيف بن عبد الرحمن مهمة جدا فانه نفىكفر العقاب لذلك قال لا نقاتل ليبين ان المنفى من الكفر هو كفر التعذيب وهذه الجملة مرتبطة بالجملة الاخيرة وهى فكيف نكفر - لذلك استخدم الشيخ احد الكلمتين مكان الاخرى فى النفى- وهذا اصل كلام الامام محمد بن عبد الوهاب الذى نقله الحفيد من رسالة الامام محمد بن عبد الوهاب -اصل الكلام -وإذا كنا لا نكفِّر مَن عبدَ الصنمَ الذي على قبر عبد القادر، ، فكيف نكفِّر مَن لم يُشْرك بالله إذا لم يُهاجر إلينا، ولم يُكفَّر

    قال الشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ عبد الله، والشيخ إبراهيم، أبناء الشيخ عبد اللطيف مِن علماء الدعوة، بعد تقرير منهج الشيخ محمد في مسألة تكفير المُعَيَّن: أما قوله عن الشيخ محمد: إنه لم يكفِّر مَن كان على قبَّة الكواز، وإنه لا يكفِّر الوثنيَّ حتى يدعوه، وتبلغه الحجة، فيقال: نعم، فإن الشيخ لم يكفِّر الناس ابتداءً إلا بعد قيام الحجة والدعوة؛ لأنهم إذ ذاك في زمن مِن الفترة، وعدم علمهم بآثار الرسالة، ولذا قال: لجهلِهم وعدم مَن ينبِّهُّهم، فأمَّا إذا قامت الحجة، فلا مانع مِن تكفيرهم، وإنْ لَم يفهموها وكما تقدم فى كلام الاخ الفاضل - ابو المنذر
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو المنذر محب أهل الأثر مشاهدة المشاركة
    من وقع في الشرك الأكبر أنه مشرك كافر ، فإن كانت الحجة قد بلغته فهو كافرٌ في الظاهر والباطن ، أما إن كانت الحجة لم تبلغه فيُحكم عليه بالكفر الظاهر ، ولا تلحقه العقوبة في الدنيا والآخرة إلا بعد قيام الحجة .
    والكفر الظاهر : هو الكفر غير المُعذَّب عليه ، وهو كفر من لم تبلغه الحجة الرسالية .
    أما كفر الظاهر والباطن : فهو الكفر المُعذَّب عليه ، وهو كفر من بلغته الحجة الرسالية .
    وقد جاء في كلام بعض أهل العلم أنّ من تلبس بالشرك الأكبر ولم تبلغه الحجة ، فإنه يُحكم عليه بالشرك ولا يسمي مسلمًا ، ولكنه لا يُكفّر إلا بعد قيام الحجة ، فهم يجعلون اصطلاح الكفر خاصًا بالمعني الثاني ، أما من وقع في الكفر الظاهر دون الكفر الباطن فيقولون : هو مشركٌ ولا نكفره إلا بعد قيام الحجة ، والمعني في ذلك واحد .
    فيكون المقصود بنفي التكفير هنا ، أي : الحكم بالكفر المُعذّب عليه. ]
    نعم


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •