افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 17 من 17
4اعجابات
  • 1 Post By ابوسفيان
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By محمدعبداللطيف

الموضوع: افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    162

    افتراضي افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت

    قال شيخ الاسلام محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
    [وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بِاللهِ،]
    فكل العباد مكلفون بذلك وكل العباد مفروض عليهم الكفر بالطاغوت لا كما يقول بعض الجهال اليوم:(ما علي منهم، أو ما كلفني الله بهم ، فقد كذب هذا على الله، وافترى؛ بل كلفه الله بهم، وفرض عليه الكفر بهم، والبراءة منهم)أهـ


    وقوله رحمه الله:[وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله] قوله: [افترض]أي: أوجب سبحانه وتعالى،[على جميع العباد] العباد هنا يندرج تحتها كل عباد الله عز وجل ممن وجه إليه الخطاب وكلف من الجن والإنس، افترض الله عز وجل على جميع عباده الكفر بالطاغوت والإيمان بالله.

    وبدأ المؤلف رحمه الله بالكفر بالطاغوت قبل الإيمان بالله؛ لأن الله سبحانه وتعالى بدأ بهما في قوله جل وعلا: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ [البقرة:256]،
    فابتدأ بالكفر بالطاغوت قبل الإيمان بالله؛ لأن الكفر بالطاغوت هو تخلية القلب وتصفيته من عبادة غير الله، ثم التحلية بالإيمان بالله بعبادة الله وحده لا شريك له

    فيجب على المؤمن أن يحرص على هذين المعنيين:الكفر بالطاغوت، وهو تخلية القلب من كل شائبة شرك دقيق أو جليل، ثم الإيمان بالله، وهو أن يعمر قلبه بكل ما يزينه ويجمله ويحقق عبوديته لله عز وجل، ويحقق فيه وصفي السلامة والإنابة، فالسلامة والإنابة عليهما علق الله عز وجل النجاة يوم القيامة، فمن جاء بقلب سليم ومن جاء بقلب منيب فقد حصل له فوز الدنيا والآخرة. [ شرح الاصول الثلاثة -بتصرف - المصلح]


    قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :(بدأ الله عز وجل بالكفر بالطاغوت قبل الإيمان بالله ؛ لأن من كمال الشيءإزالة الموانع قبل وجود الثوابت ولهذا يقال التخلية قبل التحلية.) شرح الأصول الثلاثة

    شهادة لا اله الا الله تساوى مطابقة -[فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ]- والعروة الوثقى هى شهادة لا اله الا الله-
    إذا
    قوله تعالى (اُعْبُدُوا اللَّهَ) إثبات،
    وفي قوله (وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) نفي،
    وهذا معنى التوحيد، وهو أنه مشتمل على إثبات ونفي، لا إلـه إلا الله؛ أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت
    ؛ لأن النفي فيه اجتناب الطاغوت، وهو كل إلـه عُبد بالبَغي والظلم والعدوان،
    والإثبات؛ إثبات العبادة لله وحده دون ما سواه، ففي قوله (اُعْبُدُوا اللَّهَ) التوحيد المثبت، وفي قوله (اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) نفي الإشراك. فالنفى والاثبات الذى اشتملت عليه الاية مساوي تماما لكلمة التوحيد؛
    بل هو دِلالة كلمة التوحيد
    فشهادة لا اله الا الله دلت بدلالة المطابقة والتضمن على الكفر بالطاغوت والايمان بالله
    فلا اله تساوى (اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) والا الله تساوى اعبدوا الله-
    فهذه هى حقيقة دعوة الرسل وذبدة الرسالة المحمدية-
    ، فهذه الشهادة أعظم كلمة قالها مكلَّف ولا شيء أعظم منها؛ وذلك لأن معناها هو الذي قامت عليه الأرض والسماوات، وما تعبَّد المتعبدون إلا لتحقيقها ولامتثالها.

    قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله: (الطاغوت ثلاثة أنواع: طاغوت حكم وطاغوت عبادة وطاغوت طاعة ومتابعة)

    يقول الشيخ محمد حامد الفقي في تعليقه على كتاب التوحيد :
    ( والذي يستخلص من كلام السلف رضي الله عنهم : أن الطاغوت كل ماصرف العبد وصده عن عبادة الله وإخلاص الدين والطاعة لله ولرسوله. سواء في ذلك الشيطان من الجن والشيطان من الإنس، والأشجار والأحجار وغيرها. ويدخل في ذلك بلا شك
    الحكم بالقوانين الأجنبية عن الإسلام وشرائعه وغيرها من كل ما وضعه الإنسان ليحكم به في الدماء والفروج والأموال، وليبطل بها شرائع الله من إقامة الحدود وتحريم الربا والزنا والخمر ونحو ذلك، مما أخذت هذه القوانين تحللها وتحميها بنفوذها ومنفذيها.
    والقوانين نفسها طواغيت،
    وواضعوها ومروجوها طواغيت،
    وأمثالها من كل كتاب
    إما قصدا أو عن غير قصد وضعه العقل البشري ليصرف عن الحق الذي جاء به رسول الله من واضعه، فهو طاغوت

    وجاء في فتوى رقم (8008) من فتاوى "اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء": ردا على سؤال عن معنى الطاغوت في قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ}، الجواب: (والمراد بالطاغوت في الآية؛ كل ما عدل عن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم إلى التحاكم إليه من قوانين وضعية أو تقاليد وعادات متوارثة أو رؤساء قبائل ليفصل بينهم بذلك أو بما يراه زعيم الجماعة أو الكاهن، ومن ذلك يتبين أن النظم التي وضعت ليتحاكم إليها، مضاهاة لتشريع الله؛ داخلة في معنى الطاغوت)

    قال سيد قطب رحمه الله : (والطاغوت صيغة من الطغيان، تفيد كل ما يطغى على الوعي ويجور على الحق، ويتجاوز الحدود التي رسمها الله للعباد، ولا يكون له ضابط من العقيدة في الله، ومن الشريعة التي يسنها الله، ومنه كل منهج غير مستمد من الله، وكل تصور أو وضع أو أدب أو تقليد لا يستمد من الله، إن الطاغوت هو كل سلطان لا يستمد من سلطان الله، وكل حكم لا يقوم على شريعة الله، وكل عدوان يتجاوز الحق، والعدوان على سلطان الله وألوهيته، وحاكميته هو أشنع العدوان، وأشده طغيانا، وأدخله في معنى الطاغوت لفظا ومعنى... وأهل الكتاب لم يعبدوا الأحبار والرهبان، ولكن اتبعوا شرعهم فسماهم الله عبادا لهم، وسماهم مشركين؛ {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}، فهم عبدوا الطاغوت، أي السلطات الطاغية المتجاوزة لحقها، وهم لم يعبدوها بمعنى السجود والركوع، ولكنهم عبدوها بمعنى الاتباع والطاعة، وهي عبادة تخرج صاحبها من عبادة الله ومن دين الله)

    قال شيخ الاسلام محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله: (وأنت يا من منَّ الله عليه بالإسلام، وعرف أن ما من إله إلا الله؛ لا تظن أنك إذا قلت: هذا هو الحق، وأنا تارك ما سواه، لكن لا أتعرض للمشركين، ولا أقول فيهم شيئاً، لا تظن: أن ذلك يحصل لك به الدخول في الإسلام، بل: لا بدَّ من بغضهم، وبغض من يحبهم، ومسبتهم، ومعاداتهم؛ كما قال أبوك إبراهيم، والذين معه: (إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)(1)، وقال تعالى: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى)، وقال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت). ولو يقول رجل: أنا اتبع النبي صلى الله عليه وسلم وهو على الحق، لكن:لا أتعرض اللات، والعزى، ولا أتعرض أبا جهل، وأمثاله، ما علي منهم؛ لم يصح إسلامه)

    يقول شيخ الاسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فالنهي عن الشرك يستلزم الكفر بالطاغوت، ولا إله إلا الله الإيمان بالله،وهذا وإن كان متلازما، فنوضح لكم الواقع، وهو: أن كثيرا من الناس يقول: لا أعبد إلا الله، وأنا أشهد بكذا، وأقر بكذا، ويكثر الكلام، فإذا قيل له: ما تقول في فلان وفلان، إذا عبدا أو عبدا من دون الله؟ قال: ما علي من الناس، الله أعلم بحالهم، ويظن بباطنه أن ذلك لا يجب عليه.
    فمن أحسن الاقتران: أن الله قرن بين الإيمان به والكفر بالطاغوت، فبدأ بالكفر به على الإيمان بالله، وقرن الأنبياء بين الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، [الدرر السنية-الجزء العاشر]

    وقال الشيخ سليمان بن سحمان: (والمراد من اجتنابه أي الطاغوت هو بغضه وعداوته بالقلب وسبه وتقبيحه باللسان وإزالته باليد عند القدرة ومُفارقته، فمن ادعى اجتناب الطاغوت ولم يفعل ذلك فما صدق) الدرر السنية 10 /
    502


    وقال رحمه الله: (واعلم: أن الإنسان ما يصير مؤمناً بالله، إلاّ بالكفر بالطاغوت، والدليل قوله تعالى: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم)

    وقال:(اعلم رحمك الله: أن فرض معرفة شهادة أن لا إله إلا الله قبل فرض الصلاة، والصوم؛ فيجب على العبد أن يبحث عن معنى ذلك أعظم من وجوب بحثه عن الصلاة، والصوم، وتحريم الشرك. والإيمان بالطاغوت: أعظم من تحريم نكاح الأمهات، والعمات؛ فأعظم مراتب الإيمان بالله: شهادة أن لا إله إلا الله)

    وقال:(ومعنى الكفر بالطاغوت: أن تبرأ من كل ما يعتقد فيه غير الله، من جني، أو أنسي، أو شجر، أو حجر، أو غير ذلك؛ وتشهد عليه بالكفر، والضلال، وتبغضه، ولو كان أنه أبوك أو أخوك؛ فأما من قال أنا لا أعبد إلا الله، وأنا لا أتعرض السادة، والقباب على القبور، وأمثال ذلك، فهذا كاذب في قول لا إله إلا الله، ولم يؤمن بالله، ولم يكفر بالطاغوت)

    قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: (بل لا يصح دين الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء أي الطواغيت المعبودون من دون الله وتكفيرهم، كما قال تعالى: {فمن يكفُر بالطاغُوت ويُؤمِن بالله فقَد استمسك بالعُروة الوثقى} (البقرة: 256) الدرر السنية 10/53
    وقال رحمه الله : (وأين الظلم الذي إذا تكلم الإنسان بكلمة منه، أو مدح الطواغيت، أو جادل عنهم خرج من الإسلام، ولو كان صائماً قائماً؟ من الظلم الذي لا يخرج من الإسلام؟...)

    قال الشيخ سليمان ابن سحمان
    وَالْكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ فَرْضٌ لَازِمُ ... فِي الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى فَأَيْنَ الْعَالِمُ
    فِي آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَالنَّحْلِ الَّذِي ... يَكْفِي وَيَشْفِي فَاشْرَبِ الصَّافِي الْعَذِي
    فَكُلُّ مَا جَاوَزَ الْمَشْرُوعَا ... فَإِنَّهُ الطَّاغُوتُ قُلْ مَمْنُوعَا
    عِبَادَةٌ أَوْ طَاعَةٌ أَوْ حَبَا ... سَمَّى الْمُطَاعَ فِي الضَّلَالِ رِبًا
    هَذَا عَدِيٌّ قَالَ لَسْنَا نَعْبُدُ ... قَالَ النَّبِيُّ لَيْسَ هَذَا الْمَقْصِدُ
    يَتْلُو عَلَيْهِ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ... أَرْبَابُهُمْ مُبْينًا أَخْبَارُهُمْ
    هِيَ طَاعَةُ الْأَحْبَارِ فِي التَّحْلِيلِ ... كَذَلِكَ فِي التَّجْرِيمِ بِالتَّظْلِيلِ
    وَالْحُكْمُ بِالْقَانُونِ أَمْرٌ مُنْكَرٌ ... لَا حَبَّذَا مَأْمًُورهُمْ وَالْآمِرُ
    مَا عَلِمَ الْمِسْكِينُ حِينَ يَدَّهِنْ ... لَا تَجِدُ لَا تَقْعُدْ وَلَا تَرْكَنُوا
    يَقُولُ دِينِي لِي وَقُلْ يَأَيُّهَا ... تَكْفِي وَلَكِنْ قَدْ دَهَاهُهُمْ جَهْلُهَا
    قَدْ أُنْزِلَتْ لِلْفِرَقِ وَالْمُصَادَمَة ِ ... فَاتَّخَذَتْ لِلْجَمْعِ وَالْمُسَالَمَة ِ
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابوظافر حسين

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    162

    افتراضي رد: افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت

    قال الشيخ صالح الفوزان
    الطاغوت في اللغة مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد
    ومجاوزة الحق إلى الباطل
    ومجاوزة الإيمان إلى الكفر وما أشبه ذلك
    والطواغيت كثيرون وكل طاغوت فهو كافر بلا شك
    والطواغيت كثيرون ولكن رءوسهم خمسة كما ذكر ذلك العلامة ابن القيم وغيره
    الأول إبليس - لعنة الله - فإنه رأس الطواغيت وهو الذي يدعو إلى الضلال والكفر والإلحاد ويدعو إلى النار فهو رأس الطواغيت

    والثاني من عبد من دون الله وهو راضٍ بذلك فإن من رضي أن يعبده الناس من دون الله فإنه يكون طاغوتًا كما قال تعالى ( وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) [المائدة : 60] فالذي يعبد من دون الله وهو راضٍ بذلك طاغوت أما إذا لم يرض بذلك فليس كذلك

    والثالث من ادعى شيئًا من علم الغيب فمن ادعى أنه يعلم الغيب فهو طاغوت؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى ( قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ) [النمل : 65] والذي يدعي أنه يعلم الغيب يجعل نفسه شريكًا لله عز وجل في علم الغيب فهو طاغوت

    والرابع من دعا الناس إلى عبادة نفسه وهذا كما يفعل بعض أصحاب الطرق الصوفية والمخرفين الذين يسيطرون على عباد الله ويجعلون لأنفسهم مقام الألوهية في أنهم ينفعون ويضرون وأنهم إلى آخره ويستغل العباد ويترأس عليهم بالباطل

    والخامس من حكم بغير ما أنزل الله عز وجل؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ) [النساء : 60] فالذي يحكم بغير ما أنزل الله فهو يرى أن حكمه بغير ما أنزل الله أصلح للناس وأنفع للناس أو أنه مساوٍ لما أنزل الله وأنه مخير بين أن يحكم بما أنزل الله أو يحكم بغيره أو أن الحكم بغير ما أنزل الله جائز فهذا يعتبر طاغوتًا وهو كافر بالله عز وجل هذه رءوس الطواغيت)
    المنتقى من فتاوى الفوزان

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    162

    افتراضي رد: افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت

    قال ابن القيم في تعريفه ( الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده : من معبود أو متبوع أو مطاع فطاغوت كل قوم : من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله . فهذه طواغيت العالم . إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها . رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة الله تعالى إلى عبادة الطاغوت وعن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طاعة الطاغوت ومتابعته) إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/50).
    -فالمتبوع مثل: الكھان والسحرة وعلماء السوء.-والمعبود مثل:الأصنام. والاوثان- والمُطاع مثل: الأمراء الخارجین عن طاعة الله بتحليل الحرام وتحريم الحلال.المبدلين لشرعه؛ فهؤلاء طواغيت، فإذا اتخذھم الإنسان أربابًا؛ یُحِلُ ما حرم الله، من أجل تحلیلھم له، ویُحَرِّمُ ما أحل الله من أجل تحریمھم له، فھؤلاء عبدة الطاغوت

    قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى
    (والطاغوت عام ، فكل ما عبد من دون الله ورضي بالعبادة من معبود أو متبوع أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله فهو طاغوت .)
    قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله في رسالته ( كلمات في بيان الطاغوت ) : (وحاصله: أن الطاغوت ثلاثة أنواع: طاغوت حكم، وطاغوت عبادة، وطاغوت طاعة ومتابعة ) الدرر 10\503
    طاغوت العبادة هو كل ما عبد من دون الله و هو راضي بالعبادة قال تعالى (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ) الزمر:17
    الإيمان بطاغوت العبادة يكون باعتقاد صحتها أو محبتها أو بصرف أي نوع من أنواع العبادة إليه كمن يسجد لغير الله أو يذبح لغير الله أو يدعو غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله عز و جل
    قال الشيخ عبدالله بن جبرين
    من عُبد وهو راض، أقر الناس على عبادته -يعني- على تعظيمه بشيء لا يستحقه إلا الله.
    فإذا كانوا يتمسحون به، ويتبركون بتربته، أو يتمسحون بثيابه، أو يشربون غسالة يديه، أو غسالة ثوبه تبركا واستشفاء؛ فإنه يكون بذلك قد عُبد من دون الله. وكذلك إذا كانوا يقدمون قوله على غيره، يقدمون كلامه وقوله على حكم الله وعلى شرع الله؛ فإنهم بذلك قد عبدوه، الواجب أن يقدم الحق، وأن يقدم الدليل، الواجب أن يكون الدليل مع الناس مع من يدعو إليه، فإذا كان الإنسان يأتيه الدليل، وتأتيه الآيات البينات؛ وهو مع ذلك لا يعمل بها؛ بل يعمل برأيه ويخالفها فهو بذلك يدعو إلى بدعته، يدعو إلى الضلالة، يدعو إلى الكفر، وإذا ضل الناس الذين يضلهم؛ فإنه يعتبر بذلك قد كفر، ويعتبر الذين يعظمونه قد أقروه على كفره، وقد أصبح طاغوتا.
    ليس من شرط ذلك أن يقول: اسجدوا لي واركعوا لي وادعوني من دون الله؛ لكن إذا كان يقرهم على أنهم يقدمون قوله على كلام الله فقد جعل طاغوتا، إذا كان يقرهم على أنهم يتبركون بمائه، أو يتبركون بغسالة يديه، أو يتمسحون به، ويمسحون وجوههم ببلل يديه؛ فذلك عبادة له؛ وإن لم تسم عبادة، فقد وصل إلى حكم، أو وصف الطاغوت.
    وكذلك من الطواغيت: من دعا الناس إلى عبادة نفسه، يعني: كثيرا من غلاة المتصوفة إذا وصل إلى حالة خاصة، يدعي أنه قد تجاوز حد العبودية، وقد دخل في طور الربوبية، وقد وصل إلى حالة يكون فيها ممن يعلم الغيب، ويستحق أن يعظم، ويقدس، فكأنه يقول: أيها الناس.. هلموا إلي؛ فإني أتصرف فيما يتصرف فيه ربكم؛ فبذلك يكون قد دعا الناس إلى عبادة نفسه. انتهى
    و اجتناب طاغوت العبادة يكون باعتقاد بطلان عبادته و تركها و بغضها و تكفير أهلها و معاداتهم

    قال ابن القيم في تعريفه للطاغوت (فطاغوت كل قوم : من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله) إعلام الموقعين (1/50)
    قال الشيخ عبدالله بن جبرين
    كذلك أيضا الذين يغيرون شرع الله، ويقدمون نحاتة الأفكار وزبالة الأذهان على شرع الله وعلى حكم الله وحكم ورسوله، وهم الذين يحكمون القوانين الوضعية، ويبطلون شرع الله -تعالى- لا شك -أيضا- أنهم في حكم الطواغيت؛ لأنهم طعنوا في حكم ربهم، وانتقدوا الشرع، واعترضوا على الأدلة، وادعوا أنها لا تناسب الحال، وادعوا أن ما يختارونه من الاختيارات التي ترتسم في أذهانهم؛ أنها أفضل من الحكم الشرعي؛ فيكونون بذلك قد غيروا شرع الله، وقد حكموا بغير ما أنزل الله. لا شك أن هذا يعتبر تدخلا في الشرع؛ فيكون الذين يختارون ذلك من جملة الطواغيت.
    ويدخل -أيضا- في الطواغيت: سادة الصوفية: الذين يرتفعون في نظرهم عن حد التكليف، ويدعون أنهم: سقطت عنهم الشرائع، وأبيح لهم فعل ما يريدون، أو يدعون أنهم يطلعون على الأمور الغيبية، وأن نفوسهم أو قلوبهم تصعد وتتصل بالملأ الأعلى، وتأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك، يأخذ الملك الوحي من اللوح المحفوظ، فيدعون أنهم يعلمون ما في اللوح المحفوظ.
    هؤلاء -بلا شك- طواغيت؛ وذلك لأنهم رفعوا أنفسهم عن طورهم وعن حدهم الذي هو حدهم؛ وهو كونهم مخلوقين من بني آدم فلا جرم مَنْ وَصَلَ إلى هذه الرتبة دخل في اسم الطاغوت. وقد يكون ذلك بفعل غيرهم.. باعتقاد العامة فيهم، فإن الذين يعتقدون في الجيلاني يقولون فيه شيئا ينكره، كما حكي أن أحدهم جاء إلى عبد القادر الجيلاني فقال: إني دعوتك وأنا في البرية، دعوتك لتنقذني وتنجيني وأنا في مهلكة، وإنك أتيتني وأنا في تلك البرية، وأنك حملتني؛ حتى أوصلتني إلى البلد. فقال عبد القادر كذبت.. ما أتيتك؛ وإنما الذي أتاك شيطان تمثل بي، أو جني من مردة الجن تمثل بي، فضل بي، لما أنك أشركت، ودعوت من دون الله من لا ينفعك، ولا يضرك.. أوهمك بأنك على صواب؛ فجاء، وأنقذك، وقال: أنا عبد القادر . لا شك أن هؤلاء رفعوه، وهو ما رفع نفسه، المعروف عن عبد القادر أنه عالم من علماء الأمة؛ ولكن كان من المتصوفة -يعني- غلب عليه وصف التصوف والسلوك، فلما غلب عليه -عند ذلك- لا بد أنه يقع فيه شيء من علم السلوك الذي يتعبد به أهل التصوف؛ فعند ذلك.. غلا فيه العامة في زمانه، وبعد زمانه، وغيره كثير. فكل هؤلاء داخلون في اسم الطاغوت.
    فنقول: اكفروا بالطواغيت، وعادوهم -يعني- ابتعدوا عنهم؛
    سواء كانوا أحياء أو أمواتا.
    فالأموات: هم المقبورون، الذين يعبدهم جهلة الناس؛ فإنهم في الحقيقة.. طواغيت؛ ولو كانوا أمواتا.
    والأحياء: دعاتهم، الدعاة إلى كل كفر،، وإلى الخروج من الإسلام، هؤلاء الدعاة لا شك -أيضا- أنهم طواغيت؛ لأنهم يدعون إلى ما دعت إليه الشياطين، وإلى ما دعا إليه رؤساء المشركين، يخالفون دعوة الرسل والأنبياء، ودعوة أتباعهم. فعلينا أن نعاديهم، نتخذهم أعداء، وعلينا أن نبغضهم بغضا دينيا.[موقع الشيخ بن جبرين]

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    162

    افتراضي رد: افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة
    بيان طاغوت الحكم ووجوب اجتنابه للشيخ سليمان بن سحمان

    هذه كلمات في بيان الطاغوت، ووجوب اجتنابه، قال الله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} ، فبين تعالى أن المستمسك بالعروة الوثقى، هو الذي يكفر بالطاغوت؛ وقدم الكفر به على الإيمان بالله، لأنه قد يدعي المدعي أنه يؤمن بالله، وهو لا يجتنب الطاغوت، وتكون دعواه كاذبة.
    وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}فأخبر أن جميع المرسلين قد بعثوا باجتناب الطاغوت، فمن لم يجتنبه فهو مخالف لجميع المرسلين، قال تعالى{--- وَالَّذِين اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى} . ففي هذه الآيات من الحجج على وجوب اجتنابه وجوه كثيرة؛ والمراد من اجتنابه هو بغضه، وعداوته بالقلب، وسبه وتقبيحه باللسان، وإزالته باليد عند القدرة،

    ومفارقته، فمن ادعى اجتناب الطاغوت ولم يفعل ذلك فما صدق.
    وأما حقيقته والمراد به، فقد تعددت عبارات السلف عنه، وأحسن ما قيل فيه، كلام ابن القيم رحمه الله تعالى، حيث قال: الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع؛ فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه، غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه في غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله؛ فهذه طواغيت العالم، إذا تأملتها، وتأملت أحوال الناس معها، رأيت أكثرهم ممن أعرض عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله، إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، انتهى.
    وحاصله: أن الطاغوت ثلاثة أنواع: طاغوت حكم، وطاغوت عبادة، وطاغوت طاعة ومتابعة؛ والمقصود في هذه الورقة هو طاغوت الحكم، فإن كثيرا من الطوائف المنتسبين إلى الإسلام، قد صاروا يتحاكمون إلى عادات آبائهم، ويسمون ذلك الحق بشرع الرفاقة، كقولهم شرع عجمان، وشرع قحطان، وغير ذلك، وهذا هو الطاغوت بعينه، الذي أمر الله باجتنابه.
    وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاجه، وابن كثير
    في تفسيره: أن من فعل ذلك فهو كافر بالله، زاد ابن كثير: يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله.
    قال شيخ الإسلام: ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر; ومن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر؛ فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل؛
    وقد يكون العدل في دينها، ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام،
    يحكمون بعاداتهم التي لم ينْزلها الله، كسوالف البوادي، وكأوامر المطاعين في عشائرهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به، دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر.
    فإن كثيرا من الناس
    أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية، التي يأمر بها المطاعون في عشائرهم؛ فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله، فهم كفار، انتهى.
    وفيه بيان كفر الحاكم نفسه، والمتحاكمين على الوجه الذي ذكره،[مهم جدا ] وكذا من لم يعتقد وجوب ما أنزل الله، وإن لم يكن حاكما ولا متحاكما، فتأمله; ذكره عند قوله تعالى:
    {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} .
    وقال ابن كثير، رحمه الله، في قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} 2؛ ينكر تعالى على من
    خرج عن حكم الله تعالى، المشتمل على كل خير وعدل، الناهي عن كل شر، إلى ما سواه من الآراء والأهواء، والاصطلاحات التي وضعها الرجال، بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات،
    و
    كما يحكم به التتار من السياسات، المأخوذة من جنكسخان الذي وضع لهم كتابا مجموعا من أحكام، اقتبسها من شرائع شتى، من الملة الإسلامية، وفيه كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره، فصار في بنيه يقدمونه على الحكم بالكتاب والسنة؛ ومن فعل ذلك فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في كثير ولا قليل، انتهى.
    وما ذكرناه من عادات البوادي، التي تسمى"شرع الرفاقة" هو من هذا الجنس، من فعله فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير.
    وقد قال الله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} 1 الآيات إلى قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً} .
    قال الشعبي: "كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، عرف أنه لا يأخذ الرشوة، ولا يميل في الحكم. وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود، لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، ويميلون في الحكم. ثم اتفقا على أنهما يأتيان كاهنا في جهينة، فيتحاكمان إليه، فنَزلت {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ} الآية"؛
    وقيل نزلت في "رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف; ثم بعد ذلك ترافعا إلى عمر بن الخطاب، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله صلى الله عليه وسلم: أكذلك؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله، فنزلت الآية".
    وهكذا ينبغي أن يفعل بالمتحاكمين إلى الطواغيت؛ فإذا كان هذا الخليفة الراشد، قد قتل هذا الرجل، بمجرد طلبه التحاكم إلى الطاغوت، فمن هذا عادته التي هو
    عليها، ولا يرضى لنفسه وأمثاله سواها، أحق وأولى أن يقتل، لردته عن الإسلام، وعموم فساده في الأرض.
    فإنه لا صلاح للخليقة، إلا بأن يكون الله معبودها، والإسلام دينها، ومحمد نبيها الذي تتبعه،
    وتتحاكم إلى شريعته، ومتى عدم ذلك عظم فسادها، وظهر خرابها.
    فقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} 1 الآية، بيان بأن من زعم الإيمان بالله وبرسوله،
    وهو يحكم غير شريعة الإسلام، فهو كاذب منافق، ضال عن الصراط المستقيم، كما قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} 2، فأقسم بنفسه: أن الخلق لا يؤمنون، حتى يحكموا الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع موارد النِّزاع؛فإذا حكم انتفى الحرج باطنا، وحصل التسليم الكامل ظاهرا؛ فمن لم يحصل منه ذلك فالإيمان منتف عنه.
    وقد تظاهرت الأدلة الشرعية، بالدلالة على ذلك، فذم الله في كتابه من أعرض عن حكم رسوله، قال الله تعالى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
    وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
    واعلم: أنه ما دعا داع إلى حق، إلا كان للشيطان شبهة عنده، يصد بها الناس عنه، ومن ذلك أنه إذا قيل لأهل الطاغوت: ارجعوا إلى حكم الله ورسوله، واتركوا أحكام الطواغيت،قالوا:إنا لا نفعل ذلك إلا خوفا من أن يقتل بعضنا بعضا، فإني إذا لم أوافق صاحبي، على التحاكم إلى "شرع الرفاقة" قتلني أو قتلته.
    فالجواب أن نقول: يظهر فساد هذه الشبهة الشيطانية، بتقرير ثلاثة مقامات:
    المقام الأول: أن الفساد الواقع في الأرض، من قتل النفوس، ونهب الأموال، إنما هو بسبب إضاعة أوامر الله، وارتكاب نواهيه، كما قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} ، المفسرون من السلف (البر) أهل العمود من البوادي، (والبحر) أهل القرى.
    أخبر تعالى: أن ظهور الفساد في البادية والحاضرة،سببه أعمالهم؛فلو أنهم عبدوا ربهم، وحكموا نبيهم، لصلحت أحوالهم، ونمت أموالهم وأنفسهم، كما
    قال تعالى: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} 1.
    قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} 2.
    فأخبر: أن الرحمة في هذا القرآن، فمن اكتفى به عن أحكام الباطل، فهو المرحوم، ومن أعرض عنه إلى غيره، فهو الخاسر؛ فإذا أعرض الناس عن كتاب ربهم، وحكموا غير نبيهم، عاقبهم الله بأن يعادي بعضهم بعضا، ويقتل بعضهم بعضا، كما قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} 3.
    ولكن لما عاد الإسلام غريبا كما بدأ، صار الجاهلون به، يعتقدون ما هو سبب الرحمة، سبب العذاب، وما هو سبب الألفة والجماعة، سبب الفرقة والاختلاف، وما يحقن الدماء سببا لسفكها، كالذين قال الله فيهم: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ
    أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} .
    وكذلك الذين قالوا لأتباع الرسل: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُ مْ وَلَيَمَسَّنَّك ُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} 2؛
    فمن اعتقد أن تحكيم شريعة الإسلام، يفضي إلى القتال والمخالفة، وأنه لا يحصل الاجتماع والألفة، إلا على حكم الطاغوت، فهو كافر عدو لله ولجميع الرسل؛ فإن هذا حقيقة ما عليه كفار قريش، الذين يعتقدون أن الصواب ما عليه آباؤهم، دون ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم.
    المقام الثاني: أن يقال: إذا عرفت أن التحاكم إلى الطاغوت كفر[على الوجه الذى ذكره فى المقام الاول الذى يخفيه جميع من يتكلم فى هذه المسألةبغير مراد الشيخ وقد وضحنا مراد الشيخ سليمان بن سحمان والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن والامام بن القيم بما لا يدع مجال للشك بمراد هؤلاء الائمة فى هذه المسألة وبينا ان هذه المسألة مزلة أقدام ، ومضلة أفهام -وهذا رابط الموضوع فقد ذكر الله في كتابه أن الكفر أكبر من القتل، قال: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} 3، وقال: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} 4، والفتنة: هي الكفر; فلو اقتتلت البادية والحاضرة، حتى يذهبوا، لكان أهون من أن ينصبوا في الأرض طاغوتا، يحكم بخلاف شريعة الإسلام، التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم.
    المقام الثالث: أن نقول: إذا كان هذا[يشير الى ما قرره فى المقام الاول وما قبله] التحاكم كفرا، والنّزاع إنما يكون لأجل الدنيا، فكيف يجوز لك أن تكفر لأجل ذلك؟ فإنه لا يؤمن الإنسان، حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وحتى يكون الرسول أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.

    فلو ذهبت دنياك كلها، لما جاز لك
    المحاكمة إلى الطاغوت لأجلها، ولو اضطرك مضطر وخيرك، بين أن تحاكم إلى الطاغوت، أو تبذل دنياك، لوجب عليك البذل، ولم يجز لك المحاكمة إلى الطاغوت; والله أعلم، وصلى الله على محمد، وآله وسلم تسليما كثيرا. [من كتاب حكم المرتد -الدرر السنية]
    نعم جزاك الله خيرا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    162

    افتراضي رد: افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت

    ملة ابراهيم عليه السلام هى الكفر بالطاغوت والايمان بالله
    قال الامام محمد ابن عبد الوهاب
    أمّا صفة الكفر بالطاغوت ؛ أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها وتبغضها ، وتكفِّر أهلها وتعاديهم . وأمّا معنى الإيمان بالله ؛ أن تعتقد أنّ الله هو الإله المعبود وحده دون سواه ، وتخلص جميع أنواع العبادة كلها لله ، وتنفيها عن كل معبود سواه ، وتحب أهل الإخلاص وتواليهم ، وتبغض أهل الشرك وتعاديهم.

    وهذه ملّة إبراهيم التي سفه نفسه مَن رغب عنها ،
    وهذه هي الأسوة التي أخبر الله بها في قوله تعالى : { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا بُرآءُ منكم وممّا تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العدواة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده }.


    اذا أصل البراءة التي لا يصح الإسلام إلا بها هي البراءة من عبادة غير الله تعالى فهذا هو أصل الكفر بالطاغوت كما قال تعالى{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ}[الزخرف:26] فهذه براءة من عبادة غير الله تعالى وهي الطاغوت هنا
    وهذا هو أصل الكفر بالطاغوت فإنه لا يتم إسلام أحد حتى يتبرأ من عبادة غير الله تعالى وقال تعالى{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَن َّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}[الممتحنة:4].
    ومن البراءة من الطاغوت اعتزال عبادته{وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوه ُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً}[الكهف :16]{وأعتزلكم ومَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً}[مريم:48]{فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً}[مريم:49]
    ويلزم من اعتزال عبادة الطاغوت اعتزال عابديه فإنه لا يتحقق الإيمان إلا باعتزال العابد والمعبود
    قال الشيخ حمد بن عتيق : (وها هنا نكتة بديعة في قوله تعالى : (إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله) الممتحنة 4.
    وهي أن الله تعالى قدم البراءة من المشركين العابدين غير الله على البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله لأن الأول أهم من الثاني ، فإنه يتبرأ من الأوثان ولا يتبرأ ممن عبدها ، فلا يكون آتياً بالواجب عليه وأما إذا تبرأ من المشركين فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم . وهذا كقوله تعالى :
    (واعتزلكم وما تعبدون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا) مريم 48.
    فقدم اعتزالهم على اعتزال معبوداتهم .
    وكذا قوله : (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله) مريم 49 .
    وقوله : ( وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله) الكهف :16 .
    فعليك بهذه النكت ، فإنها تفتح باباً إلى عداوة أعداء الله فكم من إنسان لا يقع منه الشرك، ولكنه لا يعادي أهله ، فلا يكون مسلماً بذلك إذ ترك دين جميع المرسلين .)
    هنا اشكال وجوابه
    قال الشيخ صالح آل الشيخ في درس: (باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله):
    البراءة: هي أن يكون مبغضاً لعبادة غير الله، كافراً بعبادة غير الله، معادياً لعبادة غير الله؛كما قال هنا:{إنني براء مما تعبدون}. أما البراءة من العابدين: فإنها من اللوازم، وليست من أصل كلمة التوحيد، البراءة من العابدين، فقد يعادي وقد لا يعادي، وهذه لها مقامات: منها ما هو مُكَفر، ومنها ما هو نوع مولاة ولا يصل بصاحبه إلى الكفر.
    الجواب
    لا بد من فهم أنّ اللوازم الصحيحة واجبة، وانتفاؤها دليل على خلل وخطأ؛ وليس معنى كونها من اللوازم أنها خارجة عن معنى التوحيد لا يقدح في توحيد المرء عدم الإتيان بها. وهذه اللوازم منها ما ينتفى اصل الايمان بانتفائها ومنها ما ينتفى كمال الايمان الواجب وهذا الباب مبنى على معرفة احكام الموالاة والمعاداة
    فالبراءة من المشركين لها علّة تتعلق بها وتنتفي بانتفائها، ليست مقصودة لذاتها، وعلتها إشراكهم بالله تعالى، وقد جاء النص بالبراءة من المشركين وشركهم؛ كما في قول الله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}
    فالكافر يُتبرَّا منه؛ هذا هو الواجب، لكن مما يقع فيه الإشكال واللبس تفسير معنى البراءة ولوازمها، وتسمية بعض التعاملات مع بعض الكفار موالاة أو نوع موالاة وهي ليست كذلك؛ فيقع في هذا الباب غلو وتفريط؛ فأما الغلو فهو أن يغلظ المرء مع من أمر بالإحسان إليه من الكفار غير المحاربين ولا سيما الوالدين والأرحام؛ وإساءة معاملتهم بما ينفرهم من الإسلام وأخلاف أهله.
    وأما التفريط: فهو مداهنة الكفار المحاربين والتودد إليهم من غير أن يفضي ذلك إلى مظاهرتهم على المسلمين فتلك ردّة عن دين الإسلام.
    {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}
    قال الإمام محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله : (وقد بين تعالى هذا التأسي المطلوب وذلك بقوله {إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} الآية
    فالتأسي هنا في ثلاثة أمور:
    أولا: التبرؤ منهم ومما يعبدون من دون الله.
    ثانيا: الكفر بهم.
    ثالثا: إبداء العداوة والبغضاء وإعلانها وإظهارها أبدا إلى الغاية المذكورة حتى يؤمنوا بالله وحده. وهذا غاية في القطيعة بينهم وبين قومهم وزيادة عليها إبداء العداوة والبغضاء أبدا والسبب في ذلك هو الكفر؛ فإذا آمنوا بالله وحده انتفى كل ذلك بينهم).
    البراءة من الشرك وأهله لها أسباب ومقاصد وغاية تنتهي بانتهائها وأحكام تحكمها:
    وهذه الأسباب على قسمين:
    أسباب متعلقة بالمتبرئين وهم المؤمنون.
    وأسباب متعلقة بالمتبرأ منهم وهم المشركون والكفار.

    فأما أسبابها المتعلقة بالمتبرِّئين وهم المؤمنون فهي:
    1: موافقة الله تعالى فيما يحب ويبغض، وذلك أن هؤلاء الذين أمرنا بالبراءة منهم قد أبغضهم الله عز وجل ، وكلما كان المؤمن أشد حباً لله كان أكثر بغضاً لمن يبغضه الله مهما تزين ذلك المغضوبُ عليه، ومهما قال الناس فيه من مدح وثناء، إذا تحقق المؤمن أن الله تعالى يبغضه فإن مقته يحل في قلبه ، بل من شدة محبة المؤمن لربه يجد هذا الأمر ضرورياً في نفسه وشعوراً تلقائيا تجاه كل من يبغضه الله، ولذلك قال الله تعالى: {لاَ تَجدُ قَوماً يُؤْمِنُونَ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ..}
    فأتى بها بصيغة الخبر، كأن الأمر مفروغ منه، وأنه من مقتضيات الإيمان الضرورية.
    كما قال الله تعالى لما ذكر استئذان المنافقين عن الغزو : {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)} [التوبة: 44-45]

    فالله تعالى يعلم حال عباده المؤمنين المتقين ويعلم ما في قلوبهم من محبته واليقين بفضله وثوابه، وعظيم خشيتهم منه جل وعلا، وخوفهم من عقابه إن هم عصوه ، ويعلم اشتياقهم لرؤيته وكرامته وأنهم يتمنون أن يموتوا في سبيله فكيف يستأذنونه عن الجهاد في سبيله؟!!.
    بل من لم يجد منهم وسيلة للجهاد تجده يتحسر ويتألم، بل ربما فاضت عيناه وحزن قلبه مما يجد في نفسه من الاشتياق للجهاد في سبيل الله وعدم قدرته على ذلك، كما ذكر الله عن البكائين في سورة التوبة في قوله: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ}
    فالمؤمن بالله يجد من ضرورات الإيمان أن يحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه الله، ويتبرؤ مما تبرأ الله منه.
    وقد نبه الله على هذا السبب بقوله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ}[الممتحنة: 13]


    السبب الثاني: طاعة الله تعالى في أمره فإن الله تعالى أمر بالبراءة من الشرك وأهله ونهى عن توليهم ، ومدح إبراهيم ومن معه على براءتهم من المشركين، وأمرنا أن نأتسي بهم في هذه البراءة التي مدحها الله عز وجل في القرآن في أكثر من موضع.
    كما قال الله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}

    وقال الله تعالى على لسان الخليل {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} وقال {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} وقال {فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}

    السبب الثالث: الغضب لله جل وعلا والحميَّة له، فإن من صدق في محبة محبوب ووجد من يغضبه أحس في قلبه بغضاً له، ولو أنك وجدت من يجتهد في أذية من تحبه ويحبك فلم تبغضه فإنك لم تقم بواجب المحبة.
    فكيف بمن امتلأ قلبه من محبة الله تعالى وشهود مننه العظيمة وآلائه الكثيرة، وعرف حقه العظيم، وثوابه الكريم، وثناءه على من يحبهم في الملأ الأعلى ، وما أعد لهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم وجد من يشرك بالله ويجتهد في إيذائه جل وعلا بالشرك وكفر النعم وفعل ما يبغضه ويمقته جل وعلا من الأفعال المشينة وإيذاء أولياء الله، لا شك أن من شهد هذا وجد في قلبه ضرورة ببغض من يفعل هذه الأفعال غضباً لله جل وعلا، في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله عز وجل، إنه يشرك به ويجعل له الولد وهو يعافيهم ويرزقهم)).
    فبين أن الشرك وادعاء الولد لله تعالى إيذاء لله يبغضه الله ، والمؤمن لا أحدَ أحب إليه من الله تعالى كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} فمدحهم على ذلك، فإذا رأى من يؤذي من يحبه أعظم محبة لا شك أنه سيبغضه ويمقته ويجد هذا ضرورياً في قلبه لأنه من لوازم الإيمان المتحتمة.

    وفي سنن أبي داوود وغيره من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من أحب لله و أبغض لله و أعطى لله و منع لله فقد استكمل الإيمان )) .
    قال ابن القيم رحمه في إغاثة اللهفان شارحاً هذا الحديث: (فإن الإيمان علم وعمل والعمل ثمرة العلم وهو نوعان : عمل القلب حبا وبغضا ويترتب عليهما عمل الجوارح فعلا وتركا وهما العطاء والمنع؛ فإذا كانت هذه الأربعة لله تعالى كان صاحبُها مستكملَ الإيمان وما نقص منها فكان لغير الله نقص من إيمانه بحسبه).
    السبب الرابع: إثبات أن محبة الله تعالى مقدمة على محبة غيره، وأن الله أحب إلى العبد مما سواه ، وأن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بين لنا هذا الدين أحب إليه مما سواه من الخلق ، ومن كان هذا حاله وجد حلاوة الإيمان كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: (( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار))
    وهذه الأمور الثلاثة يترتب بعضها على بعض.
    فتلخص أن أسباب البراءة المتعلقة بالمتبرئين هي:
    1: موافقة الله تعالى فيما يحب ويبغض.
    2: امتثال أمر الله تعالى بالبراءة من الشرك وأهله.
    3: الغضب لله جل وعلا.
    4: إثبات تقديم محبة الله تعالى على محبة غيره.

    وأما أسبابها المتعلقة بالمتبرأ منهم وهم المشركون والكفار فمنها:
    1: عداوتهم لله تعالى ، وبغضهم لما يحبه الله ، ومحبتهم لما يبغضه الله، ومحادتهم لله ورسوله ، ومن كان هذا حاله فهو مستحق لأن يعادى ويتبرأ منه مهما كانت قرابته، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ}
    2: أنهم أعداء للمؤمنين يجتهدون في إعناتهم والمشقة عليهم وإفساد أمورهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ، وإذا تمكنوا من المؤمنين ساموهم سوء العذاب من العذاب النفسي والحسي، وما تخفي صدورهم من البغضاء أكبر مما أبدوه قال الله تعالى: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم ْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ}
    وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}.
    3: سعيهم للصد عن سبيل الله عز وجل بأقوالهم وأعمالهم، وقولهم على الله بلا علم وافترائهم الكذب على الله ليضلوا الناس بغير علم، وتمنيهم كفر المؤمنين كما قال الله تعالى عنهم: {وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُون} وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19) }
    فكان من أول الصفات التي وصف الله بها الظالمين أهل النار صدهم عن سبيل الله وذلك كما قال الله تعالى : {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ}

    والصد عن سبيل الله شأنه عظيم وهو ظلم مبين لأن فيه إغواء للناس عن سلوك الصراط المستقيم المفضي إلى رضوان الله وجنات النعيم ، فمن صد الناس عن سبيل الله فلا شك أنه ظالم معتدٍ مستحق للعذاب والبراءة منه ومن فعله.
    4: حسدهم للمؤمنين وتمنيهم زوال الخير عنهم كما قال الله تعالى عنهم: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}
    5: كفرهم بنعم الله جل وعلا ومقابلتها بالشرك والفسوق والعصيان {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ * وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ}

    فالبراءة من الشرك وأهله أصل عظيم من أصول الدين، وحد من حدود الله، وله أسبابه المبينة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
    مقاصد البراءة من الشرك وأهله

    وأما مقاصد البراءة من الشرك وأهله فهي:
    1: رعاية حدود الله عز وجل ، وأعظم الحدود ما جعله الله من الحد الفاصل بين الكفر والإيمان، وسمى الله المشركين محادين له ولرسوله، فهم في حد ، والمؤمنون في حد. فالبراءة من الشرك وأهله هي من إقامة حدود الله ، وهي واجب من واجبات الإيمان ، وقد قال الله تعالى للمؤمنين : {كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ}.
    2: إنكار المنكر العظيم الذي لا أعظم منه وهو الشرك بالله جل وعلا فهو أنكر المنكرات وأكبر الكبائر وإنكاره من أوجب الواجبات وأعظم الحقوق.
    3: التنصل من موافقة المشركين على دينهم أو محبتهم لما يفعلونه من الشرك أو إقرارهم عليه ، وقد علمنا ما توعد الله به أهل الشرك من العذاب المهين والغضب الشديد والمقت الكبير والخلود في النار
    {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ}
    فإذا علم المؤمن بعظيم مقت الله للكفار حرص على التنصل من موافقتهم على ما مقتهم الله عليه أو إقرارِهم عليه.
    4: رجاء أن يقلع المشرك عن شركه إذا وجد من المؤمنين بغضاً لما يفعله من الشرك ومجانبة والامتناع عن بعض التعاملات معه فلا تؤكل ذبيحته ولا يشرب في آنيته ولا يرث ولا يورث ولا يناكح ولا يوالى ولا يتشبه به في شيء مما يختص به إلى غير ذلك من الأحكام فإن ذلك قد يحمله على الإسلام ، وقد أسلم لهذا السبب عدد من المشركين.
    5: الاعتزاز بدين الله تعالى والاستغناء به جل وعلا، فإن الله لما أمرنا بالبراءة من الشرك وأهله علمنا أن الله تعالى قد أغنانا عنهم بفضله وأعزنا بدينه، فإن الله أكمل لنا الدين، ومن إكماله أنه واف بما نحتاجه في جميع شؤننا.
    وما يقع فيه بعض المسلمين من موالاة الكفار هو من مظاهر ضعف اعتزازهم بدين الله عز وجل.
    6: النصيحة للمسلمين وبيان الحق لهم فإن موالاة الكفار قد تغر بعض المسلمين فتفتنَهم عن دينهم.
    غاية البراءة من المشركين

    وأما الغاية التي تنتهي عندها هذه البراءة فهي إيمان من أمرنا بالبراءة منه فإذا آمن فهو من إخواننا نحبه ونواليه كما قال الله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} فإذا آمنوا بالله وحده لا شريك له وكفروا بما يعبد من دونه فهم من المؤمنين نحبهم ونواليهم
    وقد قال الله تعالى عن المشركين: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}

    وهذا يعرفك بسمو مقاصد هذه البراءة الإيمانية وعظيم حلم الله تعالى وسعة مغفرته وأنه هو التواب الرحيم والعفو الحليم وأنه يقبل التوبة ممن تاب ولو كان مشركاً.



  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    162

    افتراضي رد: افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت

    اهمية البراءة من الشرك في الإسلام :
    1: أنها متصلة بالله جل وعلا ، فمدار الحب والبغض فيها على ما يحبه الله ويبغضه الله، ومن كان هذا حاله فقد أسلم قلبه لله.
    2: أنها عبادة ملازمة للمؤمن لا تخلو منها لحظة من لحظات حياته فهو وإن لم يستشعرها فهو مستصحب لحكمها ، وهذا البغض عبادة قلبية عظيمة.
    3: أن هذه البراءة مبنية على الفقه والهدى وعلى تحقيق المصالح الشرعية ودرء المفاسد فهي ليست بغضاً أهوج ، ولا عاطفة عمياء. بل لها أحكام سنوضحها إن شاء الله.
    فهذه البراءة تخلو من آثار البراءة الجاهلية العمياء فإنه ما من شخص إلا وهو يوالي ويعادي ، فمن جعل موالاته ومعاداته لله فقد استكمل الإيمان، ومن جعل موالاته ومعاداته على أمر جاهلي فهو امرؤ فيه جاهلية.
    فالولاء والبراء أمر فطري وما من شخص إلا وهو يوالي ويعادي، وقد جاء الإسلام بتهذيب الولاء والبراء وتصحيح مساره، وتقويم منهجه، وبيان أحكامه، فصحح ما يعقد عليه الولاء والبراء، وصحح معنى الولاء والبراء ، وبين منهجه الذي ينتهجه المؤمن بلا غلو ولا تفريط، وبين أحكامه وما يجوز فيه وما لا يجوز، وبين الحقوق التي يجب حفظها ولا يجوز الاعتداء عليها حتى مع المخالفين، وأن هذا الولاء والبراء محكوم بأحكام الشريعة، ومن سار على ما بينه الله من الهدى في هذا الباب العظيم لم يحصل منه ما يحصل من آثار الولاء والبراء الجاهلي الذي يُعقد على عرق أو بلد أو حزب أو جماعة أو غيرها من الأسباب الجاهلية التي يعقد عليها الولاء والبراء.

    فالبراء في الإسلام لا يخرج عن مقتضى العدل والإحسان، بل كل أحكام الشريعة لا تخرج عن مقتضى العدل والإحسان كما قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ، وقال: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًاً} ،ونهى عن الاعتداء حتى على المشركين كما قال تعالى : {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم ْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} فقرَنَ النهي عن العدوان بالقتال في سبيل الله ، وهذا يدلك على الرسالة السَّامية للإسلام حتى في القتال، ينهى فيه عن العدوان والخيانة ؛ حتى لو كان بيننا وبين الكفار عهد وخفنا منهم الخيانة ونقض العهد وقامت قرائن وأمارات على ذلك لم يجز أن نبدأهم بالقتال حتى نعلمهم بذلك وننبذ إليهم عهدهم كما قال الله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}
    فلم يرض الله لأوليائه أن يكونوا خائنين، ولم يرض لأوليائه أن يكونوا معتدين، ولم يرض لأوليائه أن يكونوا ظالمين.
    فالمؤمنون وإن كانوا يبغضون الكفار بغضاً شديداً ويعادونهم في الله إلا أنهم لا يحملهم ذلك على ظلمهم والاعتداء عليهم كما أرشدنا الله تعالى بقوله: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا}.
    وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}
    بل إن الله يحب لأوليائه أن يكونوا محسنين مقسطين ، وأن تكون معاملتهم للناس حسنة يزينها الصدق والوفاء بالعهد وحسن القول والخلق كما قال الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}
    فالمنهي عنه أن نتولاهم فنناصرهم على المسلمين بأن ندلهم على عورة من عورات المسملين ، وأن نعينهم على المسلمين بأي نوع من أنواع الإعانة.
    أما الإحسان إلى من ليس من أهل الحرب والقتال بما لا يعين على المسلمين فليس بمنهي عنه بل هو من القسط الذي يحبه الله.
    فينبغي أن نفرق بين حسن المعاملة والمحبة القلبية؛ فمودة الكفار ومحبتهم محرمة في دين الإسلام ، بل إن بغضهم من لوازم الإيمان، فلأنهم أسخطوا الله تعالى وهو أعظم محبوب لنا استحقوا أن نبغضهم، فبغض أعداء الله من لوازم الإيمان بالله ولوازم محبته كما قال تعالى: {لاَ تَجدُ قَوماً يُؤْمِنُونَ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ..} فالإيمان بالله ينفي وجود محبة الكفار، لأن محبة المؤمن لله تعالى تقتضي منه أن يبغض أعداء الله ، وأن يبغض من يبغضه الله.
    ونحن إنما نبغضهم لكفرهم وفسوقهم وعصيانهم لا نبغضهم لذواتهم وهيئاتهم وأنسابهم وأعراقهم وبلدانهم إنما نبغضهم لما أبغضهم الله عليه، ولذلك فإنهم إن تابوا وأسلموا أحببناهم لزوال مقتضى البغض والكراهية.
    أما التعامل معهم فيكون وفق أحكام الشريعة وقد أمرنا الله تعالى بأن نقول للناس حسناً، وأن نعاملهم بالحسنى، وألا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، ويجب علينا أن نفي بالعهد بيننا وبينهم، وإذا ائتمننا أحد منهم أدينا له الأمانة، وندعوهم إلى الإسلام بالتي هي أحسن، ونبين لهم أخلاق أهل الإسلام ، ودعوةَ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إلى مكارم الأخلاق.
    كل ذلك مطلوب، ولا يقتضي محبتهم القلبية وهم مقيمون على الكفر والفسوق والعصيان.
    لأن تعامل المؤمن نابع من إيمانه وامتثاله لأحكام الشريعة السمحة وأخلاق القرآن العظيم.
    أما الكفار المحاربون والمعتدون الظالمون من الكفار والمنافقين فقد أُمرنا بالغلظة عليهم، كما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِي نَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} فالذين يستحقون أن نجاهدهم أمرنا بالغلظة عليهم، وهذه الغلظة كما تقدم في الدرس السابق لها حدودها الشرعية فلا يجوز أن تفضي بالمسلم إلى قول ما لا يجوز قوله ولا على العدوان والبغي.
    فتبين بذلك أن البراءة في الإسلام لها مقاصد سامية، وآداب عالية، وأنها ليست كالبراءة الجاهلية المبنية على الظلم والعدوان وقول الإثم والبهتان ، وغصب الحقوق والدعاوى الباطلة .
    وأن البغض الإيماني ليس حقداً عنصرياً ولا كرهاً أعمى، بل هو بغض إيماني له أسباب ومقاصد وغاية كما تقدم.
    ونحن مع بغضنا لهم بسبب أعمالهم وكرهنا ومقتنا لكفرهم وفسوقهم وعصيانهم نود لهم الهداية ونسأل الله أن يخرجهم من الظلمات إلى النور وندعوهم إلى الإسلام بالتي هي أحسن، رجاء أن يمن الله عليهم بالهداية فنواليهم بعد المعاداة ونحبهم بعد البغض كما قال الله تعالى: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    162

    افتراضي رد: افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت

    الموالاة تطلق على معنيين بينهما تناسب وتلازم وهما التحاب والتناصر ، فالولاية تطلق على المحبة والنصرة في اللغة وعلى ما ينشأ منهما؛ فالحليف ولي، والكفيل ولي، والقيم على من تحته ولي كولي اليتيم وولي المرأة ، فالولي هو الذي يقوم بما تقتضيه الولاية في كل موضع بحسبه من المحبة والموافقة والتأييد والسعي في تحقيق مصالح المولى وحمايته مما يخافه عليه، ونحو ذلك من الأعمال، وهذه الأعمال كلها يجمعها معنى النصرة في اللغة؛ فالنصرة معنى جامع ينتظم ما يحصل به تحقيق ما يحبه المولى وينفعه ودفع ما يضره ويكرهه، ولذلك يكثر الاقتران بين الولاية والنصرة في القرآن الكريم قال الله تعالى عن نفسه المقدسة: {نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير}، وقال: {بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُم وهُوَ خَيْر النَّاصِرِينَ} وقال: {وَمَا لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} وقال: {وَمَالَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} وقال : {وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً} إلى غير ذلك من الآيات تدل على أن النصرة من مقتضيات الوَلاية وأنها هي مقصودها، وبدونها لا تصح الولاية، فالولاية أصلها المحبة والموافقة، ومقتضاها النصرة والتأييد.
    فمن شأن الولي أنه ينصر مولاه، ولذلك فإن أولياء الله هم الذين ينصرون الله عز وجل فيقومون بما تقتضيه محبته جل وعلا من تحقيق ما يحبه الله ويرضاه واجتناب ودفع ما يكرهه ويبغضه فمن فعل ذلك فهو من أولياء الله .
    ومن قام بضد ذلك بأن والى أعداء الله فنصرهم وأيدهم على محاربة دين الله فليس من أولياء الله، بل هو من أعداء الله ، لأن هذه الأعمال تنافي محبة الله ، ولا تحصل هذه الخصلة من المؤمنين وإنما تحصل من المنافقين النفاق الأكبر والعياذ بالله؛ فهم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين.
    معنى اتخاذ الكفار أولياء

    ومعنى اتخاذ الكفار أولياء يشمل معنيين:
    المعنى الأول: أن ينصر المنافقُ الكافر على المؤمنين وعلى محاربة دين الله عز وجل ومحادة الله ورسوله.
    والمعنى الثاني: أن يستنصر به على ذلك.
    فإذا حصل هذا أو هذا فقد اتخذه ولياً، وكلاهما ولي للآخر، بينهما رابط الولاية، فهذا التعبير من روائع التعبير القرآني ففيه اختصار بديع مع الدلالة على المعنى، والتنبيه على العلة، وإلغاء الفارق في الوصف بين الحالتين، والإبقاء على رونق اللفظ وحسن السبك.
    فإذا نصره أو استنصر به فقد اتخذه ولياً ، وهذا الأمر هو من صفات المنافقين اللازمة لهم وهي من علاماتهم الظاهرة وأعمالهم المتواترة التي يدأبون عليها ، ولذلك جعل الله هذا الأمر من أول ما يصف به المنافقين ، وأعظم ما يمقتهم عليه، وتوعدهم الوعيد الشديد بسببه فقال الله تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) }
    إلى أن قال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)}
    وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)
    وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57)}


    ولما ذكر الله الذين كفروا من بني إسرائيل بين لنا أن من أعظم ما مقتهم عليه أنهم اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين فقال تعالى: { تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) }

    واتخاذ المنافقين للكفار أولياء قد بين الله تعالى تفاصيله في كتابه الكريم إذ قال الله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُ مْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (12) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (13) }
    فهذه الآيات تبين لك بياناً جلياً معنى اتخاذ الكفار أولياء، وأنت إذا تأملت هذه الآيات تبين لك أن هذا الأمر حد عظيم من حدود الله جل علا ، وأنه فارق بين الكفر والإيمان ، وأن الله قد توعد من فعله وعيداً شديداً، وعدَّ من فعله عدواً له، وسماه مرتداً عن دين الإسلام وأوجب له الدرك الأسفل من النار، لما تضمنه هذا العمل من الخيانة العظمى ، والخديعة الكبرى، ومحاربة الله ورسوله وأوليائه.
    ولذلك لا يفعله من في قلبه إيمان، وإنما هو من خصال المنافقين النفاق الأكبر والعياذ بالله، وقد نزه الله تعالى عباده المؤمنين وبرأهم من هذه الخصلة الذميمة اللئيمة المبنية على الخداع والمكر والكيد للمؤمنين ومؤازرة الكافرين؛ فقال الله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}
    تأملوا هذا الوعيد والتحذير.
    {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} هذا استثناء منقطع.
    فبين الله أن للمسلم حالان حال اختيار وحال اضطرار
    ففي حال الاختيار لا يتخذ المؤمن الكفار أولياء، قال الله : {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ} ولم يقل : (ومن يفعل ذلك منهم) وهذا دليل على أن من صدر منه هذا الاتخاذ فليس بمؤمن، وليس من الله في شيء.
    وقد تبرأ الله منه ، ومن تبرأ الله منه فهو من الخاسرين ، والعياذ بالله.
    {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} أي فقد برئت منه ذمة الله، ليس له من ولاية الله نصيب، والعياذ بالله.
    وأما في حال الاضطرار بأن يخشى من الكفار ضرراً فلا بأس أن يداريهم مداراة يدفع بها شرهم مع انطواء القلب على بغضهم وبغض ما يفعلون من الكفر والفسوق والعصيان.
    قال ابن جرير: (ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفارَ ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلُّونهم على عوراتهم، فإنه مَنْ يفعل ذلك {فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر).



    درجات الكفار في أحكام المعاملة

    فقد بين الله تعالى في كتابه أن الكفار على ثلاث درجات:
    الدرجة الأولى: الأبوين الكافرين.
    الدرجة الثانية: الذين لم يقاتلوا المؤمنين ولم يعينوا عليهم .
    الدرجة الثالثة: المقاتلون والمعينون على قتال المؤمنين والعدوان عليهم.
    وجعل لكل درجة حكماً
    فأما الأبوان الكافران فقال الله تعالى فيهما: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)}
    فأمر الله بإحسان صحبتهما، وكذلك الأرحام الذين ليسوا من أصحاب الدرجة الثالثة.
    وأما أصحاب الدرجة الثانية فقال الله تعالى فيهم: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرَّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)}
    وأما أصحاب الدرجة الثالثة فقال الله تعالى فيهم: { إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)}
    {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ} أي يتخذهم أولياء كما يفعل المنافقون.
    قال ابن جرير رحمه الله: (يقول تعالى ذكره: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ} أيها المؤمنون {عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ} من كفار أهل مكة {أخرجوكم من دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ} يقول: وعاونوا من أخرجكم من دياركم على إخراجكم أن تولوهم، فتكونوا لهم أولياء ونصراء: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ} يقول: ومن يجعلهم منكم أو من غيركم أولياء {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} يقول: فأولئك هم الذين تولوا غير الذي يجوز لهم أن يتولوهم، ووضعوا ولايتهم في غير موضعها، وخالفوا أمر الله في ذلك).

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    162

    افتراضي رد: افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت

    حكم موالاة الكفار

    إذا نعود لبيان جواب السؤال : ما حكم موالاة الكفار؟
    الجواب: أن موالاة الكفار هي بمعنى اتخاذهم أولياء من دون المؤمنين على ما وصف الله في الآيات التي سبق ذكرها وهي ناقض من نواقض الإسلام والعياذ بالله.
    وهذا يشمل محبتهم لدينهم والرضى به ومناصرتهم على المسلمين وعلى محادة الله ومحاربة دينه فهذا ناقض من نواقض الإسلام.
    بعض علماء الدعوة يفرقون بين الموالاة والتولي في الحكم، وهذا التفريق لا أعرفه عمن سبق من العلماء ولا تقتضيه اللغة فالموالاة والتولي في اللغة وفي استعمال السلف واحد وكلاهما يدل على اتخاذ الكفار أولياء.
    وأما ما يذكرونه من محبة بعض أهل الكفر على أمر دنيوي من غير اتخاذهم أولياء فهذه ليست موالاة وسيأتي بيان أحكامها إن شاء الله.
    الموالاة هي التوافق والتناصر على الإسلام والمسلمين، ولا تكون موالاة إلا إذا اتخذه ولياً .

    - أما محبة بعض الكفار على أمر دنيوي ، ومصاحبتهم ومعاشرتهم والتعامل معهم فهذا له أحكام أخرى منها ما هو مشروع مأمور به بضوابطه الشرعية، ومنها ما هو محرم لا يجوز ، وهي ليست من موالاة الكفار.
    فيجب التفريق بين هذين القسمين من المسائل ، ولا تخلط مسائل هذا القسم بمسائل هذا.
    فالله تعالى قد جعل موالاة الكفار وتوليهم حداً من الحدود الفارقة بين الإسلام والكفر ، ولا يجوز لمسلم أن يتولى الكفار ولو كان من تولاه أحد أبويه أو من عشيرته فاتخاذهم أولياء وإعانتهم على دعوة الإسلام وعلى المسملين كفر وردة عن دين الله عز وجل.
    وأما مصاحبتهم ومعاشرتهم والإحسان إليهم من غير موالاة فليست من هذا الباب.

    وهي على درجات ولها أحكام:
    وقد قال الله تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} فهذه المصاحبة بالمعروف واجبة على المسلم الذي له والدان كافران ، وليست هذه المصاحبة بالمعروف من الموالاة في شيء.
    وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.
    فأمر الله تعالى بمصاحبتهم بالمعروف ونهى عن اتخاذهم أولياء وحذر من اتخاذهم أولياء ، ووصف من فعل ذلك بأنه من الظالمين المتوعدين بالعذاب الشديد؛ فعلم أن مصاحبتهم بالمعروف ليست من الموالاة في شيء.
    قال ابن جرير رحمه الله في تفسير آية التوبة: (يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم بطانة وأصدقاء تفشون إليهم أسرارَكم، وتطلعونهم على عورة الإسلام وأهله، وتؤثرون المُكْثَ بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام {إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ}، يقول: إن اختاروا الكفر بالله، على التصديق به والإقرار).
    وهذا التفسير من ابن جرير هو الحق وهو الذي تقتضيه دلالة النصوص؛ فمناصرة الكفار على المسلمين وموالاتهم كفر وردة عن دين الله عز وجل ، ولو كان الذين والوهم آباءهم أو أبناءهم أو عشيرتهم.
    - فموالاة الكفار حد فارق بين الإسلام والكفر ، بينه الله تعالى بياناً لا لبس فيه.
    وأما مصاحبتهم بالمعروف فمأمور بها ، وما أمر الله به فليس من الشرك في شيء، وأوامر الشريعة تتفق ولا تختلف، ومن فقه مقاصد الشريعة فقها صحيحاً اتضحت له حدود الله عز وجل التي بينها في كتابه الكريم.
    - إذا تبين هذا فكل ما أذن الله به في معاملة الكفار من مصاحبة بالمعروف ومعاشرة الرجل لزوجته الكتابية، والإحسان إلى من أذن الله بالإحسان إليهم من الكفار كل ذلك ليس من موالاتهم في شيء.
    - وكذلك الثناء على بعض الخصال الحسنة لدى بعض الكفار ليس من موالاتهم بل هو جائز لا بأس به ، وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم بعض الخصال الحسنة لدى بعض الكفار، وقال لأشج عبد القيس: ((إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة)).
    لكن ينبغي ألا يتخذ ذلك ذريعة لمحبة باطلهم أو الاغترار بما لدى بعضهم من خصال حسنة فيعتقد أنهم على الحق في دينهم.
    فهذه أمور مشروعة وليست من اتخاذ الكفار أولياء من دون المؤمنين.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    162

    افتراضي رد: افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت

    سد الذرائع المفضية إلى موالاة الكفار

    - وقد جاءت الشريعة بسد الذرائع المفضية إلى موالاة الكفار ، فنهى الله تعالى عن اتخاذهم بطانة؛ فقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}.
    قال ابن جرير رحمه الله: ( {لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ}، يقول: لا تتخذوا أولياء وأصدقاء لأنفسكم {مِنْ دُونِكُمْ} يقول: من دون أهل دينكم وملَّتكم، يعني من غير المؤمنين.
    وإنما جعل"البطانة" مثلاً لخليل الرجل، فشبهه بما ولي بطنه من ثيابه، لحلوله منه - في اطِّلاعه على أسراره وما يطويه عن أباعده وكثير من أقاربه- محلَّ ما وَلِيَ جَسده من ثيابه.
    فنهى الله المؤمنين به أن يتخذوا من الكفار به أخلاء وأصفياء، ثم عرّفهم ما هم عليه لهم منطوون من الغش والخيانة، وبغيهم إياهم الغوائل، فحذرهم بذلك منهم)
    إلى أن قال: (هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين كانوا يخالطون حلفاءهم من اليهود وأهل النفاق منهم، ويصافونهم المودَّة بالأسباب التي كانت بينهم في جاهليتهم قبل الإسلام، فنهاهم الله عن ذلك وأن يستنصحوهم في شيء من أمورهم).
    فاتخاذهم بطانة ومصادقتهم محرم في دين الإسلام ، لكنها ليست من الموالاة ، وفرق بين الأمرين.
    - وكذلك الثناء على بعض الخصال المحرمة لدى بعض الكفار ومحبتها أمر محرم لا يجوز، كالثناء على غناء المغنين منهم ، وكذلك التعاون معهم على بعض المعاصي كالغناء وغيره من الأعمال المحرمة هو حرام لقول الله تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
    لكن إذا أفضى هذا التعاون إلى اتخاذهم أولياء ومناصرتهم على المسلمين فهي ردة عن دين الإسلام.
    ولذلك تجد بعض الأعمال الظاهرة يفعلها بعض الناس وتكون محرمة وكبيرة من الكبائر، ويفعلها بعضهم وتكون ردة عن دين الإسلام، والفارق في هذا هو النية والقصد ، فإذا كان قصده من التعاون مع هؤلاء الكفار اتخاذهم أولياء ومحاربة دين الإسلام والمناصرة على المسلمين وإفساد أخلاقهم لأجل أن ينتصر عليهم الكفار فهذه ردة عن دين الإسلام.
    وإن كان لم يقصد ذلك وإنما قصد أمراً من الأمور المحرمة كالاستمتاع المحرم ببعض المعاصي والكسب الحرام من غير أن يقصد مناوءة دين الله فهذا قد أتى كبيرة من الكبائر ومنكراً عظيماً وهو على خطر عظيم يخشى عليه منه، وتجب مناصحته وتحذيره من مغبة فعله.


  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    162

    افتراضي رد: افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت

    أقسام المسلمين في البراءة من الكافرين


    إذا تبين هذا تبين أن المسلمين في البراءة من الكفار على ثلاثة أقسام:
    قسم: غلوا في البراءة وتعدوا حدود الله في ذلك فارتكبوا من الظلم والعدوان والتنفير عن دين الله عز وجل ما لا يحل لهم ، وهم مخطؤون في ذلك خطأ شنيعاً.
    وقسم فرطوا وتساهلوا في ذلك حتى حصلت منهم مودة ومحبة للكفار في بعض شؤون دنياهم من غير أن يتخذوهم أولياء ، وإنما خالفوا هدى الله ففعلوا ما لم يأذن الله به.
    فأصحاب هذين القسمين مخالفون لهدى الله خاطؤون مذنبون.
    وقسم وسط اتبعوا هدى الله وامتثلوا أحكامه فتبرؤوا من الكفر وأهله وعاملوهم بمقتضى شرع الله فأحلوا ما أحله الله وحرموا ما حرمه الله ورعوا فيهم حدود الله .
    فهؤلاء هم الموفقون الناجون .
    وقد بين الله تعالى في كتابه الكريم أحكام معاملة الكفار وبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن أراد تفاصيل ذلك فليطلبه بتعلم هذه المسائل في كتب الفقه.
    فقد حرم الله مناكحة المشركين الوثنيين وحرم ذبائحهم ، وأباح نكاح الكتابيات وأباح طعام أهل الكتاب، وحرم استعمال آنية الكفار ، وحرم التشبه بهم ، وبين أحكام التهادي بين المؤمنين والكافرين وما يجوز منه وما لا يجوز، إلى غير ذلك من الأحكام التي يحتاج طالب العلم إلى تعلمها، ولا سيما من يبتلى بمعاملة الكفار كثيراً.
    فيعرف ما يحل له وما لا يحل له.
    مع انطواء قلبه على محبة الله ورسوله وبغض الشرك وأهله.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    162

    افتراضي رد: افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت

    أحكام معاملة الكفار


    بيّن الله تعالى في كتابه الكريم أحكام معاملة الكفار وبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أراد تفاصيل ذلك فليطلبه بتعلم هذه المسائل في كتب الفقه.
    ومن ذلك أن الله تعالى حرّم مناكحة المشركين الوثنيين وحرم ذبائحهم، وأباح نكاح الكتابيات وأباح طعام أهل الكتاب.
    - وحرم استعمال آنية الكفار.
    - وحرم التشبه بهم.
    - وبيَّن أحكام التهادي بين المؤمنين والكافرين، وما يجوز منه وما لا يجوز.
    إلى غير ذلك من الأحكام التي يحتاج طالب العلم إلى تعلمها، ولا سيما من يبتلى بمعاملة الكفار كثيراً؛ فيعرف ما يحل له وما لا يحل له، مع انطواء قلبه على محبة الله ورسوله وبغض الشرك وأهله.

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    162

    افتراضي رد: افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت

    (ملخص)
    (من أطاع الرسول) هذا هو مقتضى المسألة الأولى من المسائل الثلاث التي ذكرها المؤلف رحمه الله.
    - وقوله: (ووحد الله) هذا هو مقتضى المسألة الثانية.
    · أي إذا أتيت بما وجب عليك في المسألة الأولى التي سبق بيانها، وأتيت بما وجب عليك في المسألة الثانية فاعلم أنه لا يجوز لك أن توالي من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب.
    · هذه المسألة يخاطب بها من أقرّ بالشهادتين، أما من لم يقر بهما فيبين له وجوبهما، وأن الإنسان لا يدخل في الإسلام حتى يشهد الشهادتين، فإذا شهد الشهادتين عُرَِف بما يجب عليه.
    · من لوازم تحقيق الشهادتين البراءة من الشرك وأهله.
    · قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾[الممتحنة: 4].
    - التأسي بهم هنا يشمل: التبرؤ منهم ومما يعبدون من دون الله، والكفر بهما، وإبداء العداوة والبغضاء لهم حتى يؤمنوا بالله وحده.
    · البراءة من الشرك وأهله لها أسباب ومقاصد وغاية تنتهي بانتهائها وأحكام تحكمها.

    أسباب البراءة من المشركين
    · أسباب البراءة من المشركين على قسمين: أسباب متعلقة بالمتبرِّئين وهم المؤمنون، وأسباب متعلقة بالمتبرأ منهم وهم المشركون والكفار.

    أما أسبابها المتعلقة بالمتبرِّئين وهم المؤمنون فهي:
    · السبب الأول: موافقة الله تعالى فيما يحب ويبغض.
    - كلما كان المؤمن أشد حباً لله كان أكثر بغضاً لمن يبغضه الله، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لاَ تَجدُ قَوماً يُؤْمِنُونَ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ..﴾ [المجادلة: 22]؛ فأتى بها بصيغة الخبر، كأن الأمر مفروغ منه، وأنه من مقتضيات الإيمان الضرورية.
    - نبّه الله تعالى على هذا السبب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾[الممتحنة: 13].
    · السبب الثاني: طاعة الله تعالى في أمره؛ فإن الله تعالى أمر بالبراءة من الشرك وأهله ونهى عن توليهم.
    - مدح إبراهيم ومن معه على براءتهم من المشركين، وأمرنا أن نأتسي بهم في هذه البراءة التي مدحها الله عز وجل في القرآن في أكثر من موضع.
    · السبب الثالث: الغضب لله جل وعلا والحميَّة له، فإنَّ مَن صدق في محبة محبوب ووجد من يغضبه أحسَّ في قلبه بغضاً له.
    - لا أحد أحبَّ إلى المؤمن من الله تعالى كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165] فمدحهم على ذلك.
    - إذا رأى المؤمن من يُغضب إلهه الذي هو أحبّ شيء إليه وجد في قلبه بغضاً ومقتاً له.

    - قال ابن القيم رحمه في إغاثة اللهفان (فإن الإيمان علم وعمل والعمل ثمرة العلم وهو نوعان: عمل القلب حبا وبغضا ويترتب عليهما عمل الجوارح فعلا وتركا وهما العطاء والمنع؛ فإذا كانت هذه الأربعة لله تعالى كان صاحبُها مستكملَ الإيمان وما نقص منها فكان لغير الله نقص من إيمانه بحسبه)ا.هـ.
    · السبب الرابع: إثبات أن محبة الله تعالى مقدمة على محبة غيره، وأن الله أحب إلى العبد مما سواه، وأن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بين لنا هذا الدين أحب إليه مما سواه من الخلق.
    - من كان هذا حاله وجد حلاوة الإيمان كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار))
    - هذه الأمور الثلاثة يترتب بعضها على بعض.

    وأما أسباب البراءة المتعلقة بالمتبرأ منهم وهم المشركون والكفار فمنها:
    · 1: محادّتهم لله ورسوله، وبغضهم لما يحبه الله، ومحبتهم لما يبغضه الله، وسعيهم في محاربة دينه، ومن كان هذا حاله فهو مستحق لأن يعادَى ويتبرأ منه مهما كانت قرابته، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: 1].
    · 2: أنهم أعداء للمؤمنين يجتهدون في إعناتهم والمشقة عليهم وإفساد أمورهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وإذا تمكنوا من المؤمنين ساموهم سوء العذاب.
    - قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم ْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: 2]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118].
    · 3: سعيهم للصدّ عن سبيل الله عز وجل بأقوالهم وأعمالهم، وقولهم على الله بلا علم وافترائهم الكذب على الله ليضلوا الناس بغير علم، وتمنيهم كفر المؤمنين كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُون﴾ [الممتحنة: 2]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19)﴾ [هود: 18، 19]؛ فكان من أول الصفات التي وصف الله بها الظالمين أهل النار صدهم عن سبيل الله.
    - وذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: 44، 45].
    - الصد عن سبيل الله شأنه عظيم وهو ظلم مبين لأن فيه إغواء للناس عن سلوك الصراط المستقيم المفضي إلى رضوان الله وجنات النعيم، فمن صد الناس عن سبيل الله فلا شك أنه ظالم معتدٍ مستحق للعذاب والبراءة منه ومن فعله.
    · 4: حسدهم للمؤمنين وتمنيهم زوال الخير عنهم كما قال الله تعالى عنهم: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: 15].
    · 5: كفرهم بنعم الله جل وعلا ومقابلتها بالشرك والفسوق والعصيان ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: 28-30].
    · البراءة من الشرك وأهله أصل عظيم من أصول الدين، وحدّ من حدود الله، وله أسبابه المبيّنة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
    مقاصد البراءة من الشرك وأهله
    · 1: رعاية حدود الله عز وجل، وأعظم الحدود ما جعله الله من الحد الفاصل بين الكفر والإيمان، وسمى الله المشركين محادين له ولرسوله، فهم في حد، والمؤمنون في حد.
    - البراءة من الشرك وأهله هي من القيام لله بما يحبّ، وهي واجب من واجبات الإيمان، وقد قال الله تعالى للمؤمنين: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ [المائدة: 8].
    · 2: إنكار المنكر العظيم الذي لا أعظم منه وهو الشرك بالله جل وعلا فهو أنكر المنكرات وأكبر الكبائر وإنكاره من أوجب الواجبات وأعظم الحقوق.
    · 3: التنصّل من موافقة المشركين على دينهم وإقرارهم لما هم عليه من الشرك، وقد علمنا ما توعد الله به أهل الشرك من العذاب المهين والغضب الشديد والخلود في النار.
    - إذا علم المؤمن بعظيم مقت الله للكفار حرص على التنصل من موافقتهم على ما مقتهم الله عليه أو إقرارِهم عليه؛ وقد قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: 10].
    · 4: رجاء أن يقلع المشرك عن شركه إذا وجد من المؤمنين بغضاً لما يفعله من الشرك ومجانبة والامتناع عن بعض التعاملات معه فلا تؤكل ذبيحته ولا يشرب في آنيته ولا يرث ولا يورث ولا يناكح ولا يوالى ولا يتشبه به في شيء مما يختص به إلى غير ذلك من الأحكام.
    - هذه المجانبة قد تحمل بعض الكفار على الإسلام، وقد أسلم لهذا السبب عدد منهم.
    · 5: الاعتزاز بدين الله تعالى والاستغناء به جل وعلا، فإن الله لما أمرنا بالبراءة من الشرك وأهله علمنا أن الله تعالى قد أغنانا عنهم بفضله وأعزنا بدينه، فإن الله أكمل لنا الدين، ومن إكماله أنه واف بما نحتاجه في جميع شؤننا، وما يقع فيه بعض المسلمين من موالاة الكفار هو من مظاهر ضعف اعتزازهم بدين الله عز وجل.
    · 6: النصيحة للمسلمين وبيان الحق لهم فإن موالاة الكفار قد تغرّ بعض المسلمين فتفتنَهم عن دينهم.

    غاية البراءة من المشركين
    · الغاية التي تنتهي عندها هذه البراءة فهي إيمان من أمرنا بالبراءة منه فإذا آمن فهو من إخواننا نحبه ونواليه كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: 4].
    - إذا آمنوا بالله وحده لا شريك له وكفروا بما يعبد من دونه فهم من المؤمنين نحبهم ونواليهم، وقد قال الله تعالى عن المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 11].
    · من تأمّل مقاصد البراءة الإيمانية عرف سموّها وجلالة قدرها، وعظيم حِلْمِ الله تعالى وسعة مغفرته وأنه هو التواب الرحيم والعفو الحليم وأنه يقبل التوبة ممن تاب ولو كان مشركاً.

    ميزات البراءة من الشرك في الإسلام:
    · 1: أنها متصلة بالله جل وعلا، فمدار الحب والبغض فيها على ما يحبه الله ويبغضه الله، ومن كان هذا حاله فقد أسلم قلبه لله.
    · 2: أنها عبادة ملازمة للمؤمنلا تخلو منها لحظة من لحظات حياته فهو وإن لم يستشعرها فهو مستصحب لحكمها، وهذا البغض عبادة قلبية عظيمة.
    · 3: أن هذه البراءة مبنية على الفقه والهدى وعلى تحقيق المصالح الشرعية ودرء المفاسد فهي ليست بغضاً أهوج، ولا عاطفة عمياء. بل لها أحكام سنوضحها إن شاء الله.
    - فهذه البراءة تخلو من آثار البراءة الجاهلية العمياء.
    · الولاء والبراء أمر فطري وما من شخص إلا وهو يوالي ويعادي.
    · مَن جعل موالاته ومعاداته لله فقد استكمل الإيمان، ومن جعل موالاته ومعاداته على أمر جاهلي فهو امرؤ فيه جاهلية.
    · جاء الإسلام بتهذيب الولاء والبراء وتصحيح مساره، وتقويم منهجه، وبيان أحكامه، فصحح ما يعقد عليه الولاء والبراء، وصحح معنى الولاء والبراء، وبين منهجه الذي ينتهجه المؤمن بلا غلو ولا تفريط، وبين أحكامه وما يجوز فيه وما لا يجوز، وبين الحقوق التي يجب حفظها ولا يجوز الاعتداء عليها حتى مع المخالفين.
    · مما يجب أن يُعلم أن هذا الولاء والبراء محكوم بأحكام الشريعة، ومن سار على ما بينه الله من الهدى في هذا الباب العظيم لم يحصل منه ما يحصل من آثار الولاء والبراء الجاهلي الذي يُعقد على عرق أو بلد أو حزب أو جماعة أو غيرها من الأسباب الجاهلية التي يعقد عليها الولاء والبراء.
    · البراء في الإسلام لا يخرج عن مقتضى العدل والإحسان، بل كل أحكام الشريعة لا تخرج عن مقتضى العدل والإحسان كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]، وقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًاً﴾ [البقرة: 83].
    · نهى الله عن الاعتداء على الكفّار كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم ْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: 190].
    · اقتران النهي عن العدوان بالقتال في سبيل الله يدلك على الرسالة السَّامية للإسلام.
    · إذا كان بيننا وبين الكفار عهد وخفنا منهم الخيانة ونقض العهد وقامت قرائن وأمارات على ذلك لم يجز أن نبدأهم بالقتال حتى نعلمهم بنبذ عهدهم إليهم كما قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: 58].
    · لم يرض الله لأوليائه أن يكونوا خائنين، ولم يرض لأوليائه أن يكونوا معتدين، ولم يرض لأوليائه أن يكونوا ظالمين.
    · المؤمنون وإن كانوا يبغضون الكفار بغضاً شديداً ويعادونهم في الله إلا أنهم لا يحملهم ذلك على ظلمهم والاعتداء عليهم كما أرشدنا الله تعالى بقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 2]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].
    · بل إن الله يحب لأوليائه أن يكونوا محسنين مقسطين، وأن تكون معاملتهم للناس حسنة يزينها الصدق والوفاء بالعهد وحسن القول والخلق كما قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: 8، 9].
    · المنهي عنه أن نتولاهم فنناصرهم على المسلمين بأن ندلهم على عورة من عورات المسلمين، وأن نعينهم على المسلمين بأي نوع من أنواع الإعانة.
    · الإحسان إلى من ليس من أهل الحرب والقتال بما لا يعين على المسلمين ليس بمنهي عنه، بل هو من القسط الذي يحبه الله.
    · ينبغي أن نفرق بين حسن المعاملة والمحبة القلبية؛ فمودة الكفار ومحبتهم محرمة في دين الإسلام، بل إن بغضهم من لوازم الإيمان، ونحن إنما نبغضهم لما أبغضهم الله عليه من الكفر والفسوق والعصيان، لا نبغضهم لذواتهم وهيئاتهم وأنسابهم وأعراقهم وبلدانهم، ولذلك فإنهم إن تابوا وأسلموا أحببناهم لزوال مقتضى البغض والكراهية.
    · أما معاملتهم فتكون وفق أحكام الشريعة، وقد أمرنا الله تعالى بأن نقول للناس حسناً، وأن نعاملهم بالحسنى، وألا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، ويجب علينا أن نفي بالعهد بيننا وبينهم، وإذا ائتمننا أحد منهم أدينا له الأمانة، وندعوهم إلى الإسلام بالتي هي أحسن، ونبين لهم أخلاق أهل الإسلام، ودعوةَ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إلى مكارم الأخلاق.
    · كل ما سبق مطلوب، ولا يقتضي محبتهم القلبية وهم مقيمون على الكفر والفسوق والعصيان، لأن تعامل المؤمن نابع من إيمانه وامتثاله لأحكام الشريعة السمحة وأخلاق القرآن العظيم.
    · أما الكفار المحاربون والمعتدون الظالمون من الكفار والمنافقين فقد أُمرنا بالغلظة عليهم، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِي نَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73] فالذين يستحقون أن نجاهدهم أمرنا بالغلظة عليهم.
    · هذه الغِلْظة لها حدودها الشرعية فلا يجوز أن تفضي بالمسلم إلى قول ما لا يجوز قوله ولا على العدوان والبغي.
    · تبين مما سبق أن البراءة في الإسلام لها مقاصد سامية، وآداب عالية، وأنها ليست كالبراءة الجاهلية المبنية على الظلم والعدوان وقول الإثم والبهتان، وغصب الحقوق والدعاوى الباطلة.
    · وأن البغض الإيماني ليس حقداً عنصرياً ولا كرهاً أعمى، بل هو بغض إيماني له أسباب ومقاصد وغاية كما تقدم.
    · ونحن مع بغضنا لهم بسبب أعمالهم وكرهنا ومقتنا لكفرهم وفسوقهم وعصيانهم نود لهم الهداية ونسأل الله أن يخرجهم من الظلمات إلى النور وندعوهم إلى الإسلام بالتي هي أحسن، رجاء أن يمن الله عليهم بالهداية فنواليهم بعد المعاداة ونحبهم بعد البغض كما قال الله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: 7].

    معنى الموالاة
    · الموالاة تطلق على معنيين بينهما تناسب وتلازم وهما التحاب والتناصر.
    · تطلق الولاية في اللغة على المحبة والنصرة وعلى ما ينشأ منهما؛ فالحليف ولي، والكفيل ولي، والقيم على من تحته ولي كولي اليتيم وولي المرأة.
    · لفظ"المولى" يُطلق في اللغة على معانٍ متعددة، ويجمعها أن لكل موالاة سبباً تنعقد عليه ومقتضى تقتضيه بحسب نوع تلك الولاية.
    - الأسباب التي تنعقد بها الولاية تختلف باختلاف نوع تلك الولاية؛ فالقريب وليّ لقريبه بسبب القرابة، والقيّم على المرأة واليتيم وليّ لهما بسبب القوامة والرعاية، والكفيل وليٌّ لمكفوله بسبب عقد الكفالة والضمان، والحليف وليٌّ لحليفه بسبب الحِلْف، وولي الدم هو المطالب به من عصبة القتيل.
    · السيّد وليٌّ لمملوكه بسبب استرقاقه له، ويبقى الولاء له بعد عتقه - إن أعتقه -ويرث بسببه، وكلاهما مولى للآخر.
    · تطلق الولاية في اللغة على هذه المعاني وغيرها، ولها في كل مقام من هذه المقامات ما يناسبه، وما تقتضيه من الحقوق والواجبات.
    · المعنى الجامع لما تقتضيه الولاية من المولى هو النُّصْرَة، فالوليُّ نصير لمولاه، والنصرة معنى جامع ينتظم جميع ما تقتضيه الولاية في كل مقام بحسبها؛ فتكون النصرة بالمال والجاه والرعاية والمؤازرة وغيرها من المعاني اللائقة بكلّ نوع من أنواع الموالاة، وكل هذه المعاني يصدق عليها في اللغة اسم النصرة.
    · الولي هو الذي يقوم بما تقتضيه الولاية في كل موضع بحسبه من المحبة والموافقة والتأييد والسعي فيما يحبّه المولى.
    · يكثر الاقتران بين الولاية والنصرة في القرآن الكريم قال الله تعالى عن نفسه المقدسة: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير﴾[الأنفال: 40]، وقال: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُم وهُوَ خَيْر النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 150]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾[الشورى: 46] وقال: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾[الشورى: 8] وقال: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾[النساء: 89] إلى غير ذلك من الآيات تدل على أن النصرة من مقتضيات الوَلاية وأنها هي مقصودها، وبدونها لا تصح الولاية.
    - الولاية أصلها المحبة والموافقة، ومقتضاها النصرة والتأييد؛ فمن شأن الولي أنه ينصر مولاه.
    · النصرة علامة على صدق الولاية، فمن قام بواجب النصرة فقد أدى حق الولاية، ومن خذل مولاه ولم ينصره فإنه لم يقم بواجب الولاية، وأما من سعى في مشاقته ومحاربته فهو عدو له وليس بمولى، وإن تظاهر بالولاية.
    · يستفاد من هذا أن أولياء الله هم الذين ينصرون الله عز وجل فيقومون بما تقتضيه محبته جل وعلا من تحقيق ما يحبه الله ويرضاه واجتناب ودفع ما يكرهه ويبغضه فيجاهدون في سبيله لإعلاء كلمته بما أمكنهم من الوسائل المشروعة؛ فمن فعل ذلك فهو من أولياء الله.
    · ومن قام بضد ذلك بأن والى أعداء الله فنصرهم وأيدهم على محاربة دين الله فليس من أولياء الله، بل هو من أعداء الله، لأن هذه الأعمال تنافي محبة الله.
    - لا تحصل هذه الخصلة من المؤمنين وإنما تحصل من المنافقين النفاق الأكبر والعياذ بالله؛ فهم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين.

    معنى اتخاذ الكفار أولياء
    · اتخاذ الكفار أولياء يطلق على معنيين:
    - أحدهما: أن ينصر المنافقُ الكافر على المؤمنين وعلى محاربة دين الله عز وجل ومحادة الله ورسوله.
    - والآخر: أن يستنصر به على ذلك.
    · إذا حصل هذا أو هذا فقد اتخذه ولياً، وكلاهما ولي للآخر، بينهما رابط الولاية.
    · هذا التعبير من روائع التعبير القرآني لأن فيه اختصاراً بديعاً مع الدلالة على المعنى، والتنبيه على العلة، وإلغاء الفارق في الوصف بين الحالتين، والإبقاء على رونق اللفظ وحسن السبك.
    · من صفات المنافقين الملازمة لهم وعلاماتهم الظاهرة وأعمالهم المتواترة أنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين.
    · جعل الله هذا الأمر من أول ما وصف به المنافقين، وأعظم ما مقتهم عليه، وتوعدهم بسببه العذاب الشديد.
    · قال الله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) ﴾ [النساء: 138، 139]
    · إلى أن قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) ﴾ [النساء: 144-147].
    · وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) [المائدة: 51] إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57)﴾ [المائدة: 57].
    · لما ذكر الله الذين كفروا من بني إسرائيل بين لنا أن من أعظم ما مقتهم عليه أنهم اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين فقال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) ﴾ [المائدة: 80، 81].
    · اتخاذ المنافقين للكفار أولياء قد بين الله تعالى تفاصيله في كتابه الكريم إذ قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُ مْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (12) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (13)﴾[الحشر: 11-13].
    - هذه الآيات تبين لك بياناً جلياً معنى اتخاذ الكفار أولياء.
    · إذا تأملت ما ذكره الله من التحذير من اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين تبيّن لك أن هذا الأمر حدّ عظيم من حدود الله جل علا، وأنه فارق بين الكفر والإيمان، وأن الله قد توعد من فعله وعيداً شديداً، وعدَّ من فعله عدواً له، ونفى عنه الإيمان، وأوجب له الدرك الأسفل من النار، لما تضمنه هذا العمل من الخيانة العظمى، والخديعة الكبرى، ومحاربة الله ورسوله وأوليائه.
    · لذلك لا يفعله من في قلبه إيمان، وإنما هو من خصال المنافقين النفاق الأكبر والعياذ بالله.
    · نزّه الله تعالى عباده المؤمنين وبرأهم من هذه الخصلة الذميمة اللئيمة المبنية على الخداع والمكر والكيد للمؤمنين ومؤازرة الكافرين؛ فقال الله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 28].
    · قال ابن جرير: (ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفارَ ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلُّونهم على عوراتهم، فإنه مَنْ يفعل ذلك ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: 28] يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر).
    · ﴿إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: 28] هذا استثناء منقطع، وفي معناه قولان للسلف:
    · القول الأول: إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم؛ فتظهروا لهم الولاية وتضمروا لهم العداوة ولا تشايعوهم على دينهم ولا تعينوهم على مسلم بشيء.
    - هذا القول مروي عن جماعة من المفسرين منهم ابن عباس وأبو العالية الرياحي وجابر بن زيد، وقال به ابن جرير الطبري.
    - دلّ هذا القول على أنّ المؤمن إذا خشي من الكفار ضرراً لا يحتمله؛ فلا بأس أن يداريهم مداراة يدفع بها شرهم مع انطواء القلب على بغضهم وبغض ما يفعلون من الكفر والفسوق والعصيان.
    - معنى كون الاستثناء منقطعاً يفيد أن هذه المداراة ليست موالاة للكفّار.
    · القول الثاني: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: 28] أي إلا أن يكون بينكم وبين بعض الكفار رحم فتتقون قطيعتها فتصلونها من غير أن تتولوهم في دينهم. وهذا قول قتادة والحسن البصري.
    - صحَّحَ ابن جرير هذا القول من جهة المعنى في نفسهن لكنه بين أن لفظ الآية لا يدل عليه.
    · المعنى الذي ذكره قتادة والحسن يدل عليه نصّ قول الله تعالى في الأبوين الكافرين: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: 15]. وقوله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: 8] وسبب نزولها في قصة أم أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما.

    درجات الكفار في أحكام المعاملة
    · بيّن الله تعالى في كتابه أن الكفار على ثلاث درجات: الأبوين الكافرين، والذين لم يقاتلوا المؤمنين ولم يعينوا عليهم، والمحاربون والمعينون على قتال المؤمنين والعدوان عليهم، وجعل لكل درجة حكماً.
    · أما الأبوان الكافران فأمر الله بإحسان صحبتهما، وكذلك الأرحام الذين ليسوا من أصحاب الدرجة الثالثة، قال الله تعالى فيهما: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)﴾[لقمان: 14، 15].
    · وأما أصحاب الدرجة الثانية فقال الله تعالى فيهم: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرَّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) ﴾[الممتحنة: 8].
    · وأما أصحاب الدرجة الثالثة فقال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) ﴾[الممتحنة: 9].
    - ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ﴾ أي يتخذهم أولياء كما يفعل المنافقون.
    - قال ابن جرير رحمه الله: (يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾[الممتحنة: 9] أيها المؤمنون ﴿عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: 9] من كفار أهل مكة ﴿وَأَخْرَجُوكُ ْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾[الممتحنة: 9] يقول: وعاونوا من أخرجكم من دياركم على إخراجكم أن تولوهم، فتكونوا لهم أولياء ونصراء: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ﴾[الممتحنة: 9] يقول: ومن يجعلهم منكم أو من غيركم أولياء ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[الممتحنة: 9] يقول: فأولئك هم الذين تولوا غير الذي يجوز لهم أن يتولوهم، ووضعوا ولايتهم في غير موضعها، وخالفوا أمر الله في ذلك).

    حكم موالاة الكفار
    · موالاة الكفار ردّة عن دين الله تعالى، وهي ناقض من نواقض الإسلام والعياذ بالله.
    · الموالاة تشمل محبتهم لدينهم والرضى به ومناصرتهم على المسلمين وعلى محادة الله ومحاربة دينه فهذا ناقض من نواقض الإسلام.
    · بعض علماء الدعوة يفرقون بين الموالاة والتولي في الحكم، وهذا التفريق لا أعرفه عن السلف ولا تقتضيه اللغة فالموالاة والتولي في اللغة وفي استعمال السلف واحد وكلاهما يدل على اتخاذ الكفار أولياء.
    · ما يذكره بعضهم في تفسير الموالاة بمحبة بعض أهل الكفر على أمر دنيوي من غير اتخاذهم أولياء فهذه ليست موالاة على الحقيقة، ولها أحكامها.
    · يجب التفريق بين هذين القسمين من المسائل؛فالله تعالى قد جعل موالاة الكفار وتوليهم حداً من الحدود الفارقة بين الإسلام والكفر.
    · الموالاة هي: التوافق والتناصر على محاربة الإسلام والمسلمين، فمن حالف الكفار لمحاربة المسلمين فقد اتخذهم أولياء وارتدّ بذلك عن دين الإسلام.
    · وأما محبة بعض الكفار على أمر دنيوي لا حرب فيه على المسلمين ومصاحبتهم ومعاشرتهم ومعاملتهم فلها له أحكام أخرى؛ منها ما هو مشروع مأمور به بضوابطه الشرعية، ومنها ما هو محرم لا يجوز، وهي ليست من موالاة الكفار.
    · ما ذكره المفرّقون بين الموالاة والتولّي من أمثلة الموالاة التي ليست بتولٍّ هي في حقيقتها من مظاهر التساهل في التعامل مع الكفار أو من ذرائع الموالاة؛ فالخلاف هو في تسمية تلك المظاهر موالاة.
    · تولّي الكفار هو اتخاذهم أولياء، وكذلك هي موالاتهم، والعبرة بالمعنى الشرعي الذي علّق به الحكم.
    · قال الله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) [المائدة: 80، 81]؛ فاتخاذهم أولياء هو بمعنى توليهم.
    · لا يجوز لمسلم أن يتولى الكفار ولو كان من تولاه أحد أبويه أو من عشيرته فاتخاذهم أولياء وإعانتهم على دعوة الإسلام وعلى المسلمين كفر وردة عن دين الله عز وجل.
    · وأما مصاحبتهم ومعاشرتهم والإحسان إليهم من غير موالاة فليست من هذا الباب، وهي على درجات ولها أحكام.
    - قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾[لقمان: 15] فهذه المصاحبة بالمعروف واجبة على المسلم الذي له والدان كافران، وليست هذه المصاحبة بالمعروف من الموالاة في شيء.
    - وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: 23].
    - أمر الله تعالى بمصاحبتهم بالمعروف ونهى عن اتخاذهم أولياء وحذر من ذلك، ووصف من فعل ذلك بأنه من الظالمين المتوعدين بالعذاب الشديد؛ فعلِمَ أن مصاحبتهم بالمعروف ليست من الموالاة في شيء.
    · قال ابن جرير رحمه الله في تفسير آية التوبة: (يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم بطانة وأصدقاء تفشون إليهم أسرارَكم، وتطلعونهم على عورة الإسلام وأهله، وتؤثرون المُكْثَ بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ [التوبة: 23]، يقول: إن اختاروا الكفر بالله، على التصديق به والإقرار).
    · هذا التفسير من ابن جرير هو الحق وهو الذي تقتضيه دلالة النصوص؛ فمناصرة الكفار على المسلمين وموالاتهم كفر وردة عن دين الله عز وجل، ولو كان الذين والوهم آباءهم أو أبناءهم أو عشيرتهم.
    · من فقه مقاصد الشريعة فقها صحيحاً اتضحت له حدود الله عز وجل التي بينها في كتابه الكريم.
    · إذا تبين هذا فكل ما أذن الله به في معاملة الكفار من مصاحبة بالمعروف ومعاشرة الرجل لزوجته الكتابية، والإحسان إلى من أذن الله بالإحسان إليهم من الكفار كل ذلك ليس من موالاتهم في شيء.
    · وكذلك الثناء على بعض الخصال الحسنة لدى بعض الكفار ليس من موالاتهم بل هو جائز لا بأس به، وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم بعض الخصال الحسنة لدى بعض الكفار، وقال لأشج عبد القيس:(( إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة)).
    - لكن ينبغي ألا يتخذ ذلك ذريعة لمحبة باطلهم أو الاغترار بما لدى بعضهم من خصال حسنة فيعتقد أنهم على الحق في دينهم.
    سد الذرائع المفضية إلى موالاة الكفار
    · جاءت الشريعة بسد الذرائع المفضية إلى موالاة الكفار، فنهى الله تعالى عن اتخاذهم بطانة؛ فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118].
    · اتخاذهم بطانة يؤنس بهم ويستشارون أو يُطلعون محرم في دين الإسلام، لكنها ليست موالاة، وإنما هي ذريعة إلى الموالاة، وفرق بين الأمرين، وقد خاطب الله المؤمنين الذين نزلت فيهم هذه الآية باسم الإيمان.
    · روى ابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من اليهود، لما كان بينهم من الجوار والحِلْف في الجاهلية، فأنزل الله فيهم، ينهاهم عن مباطنتهم تخوُّف الفتنة عليهم منهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم [آل عمران: 118] إلى قوله: ﴿وتؤمنون بالكتاب كله [آل عمران: 119]).
    · هؤلاء الذين نزلت فيهم الآية ليسوا متولين للكفار ولا محبين لدينهم ولا مناصرين لهم على المسلمين، وإنما كان ما فعلوه محرماً لأنهم قد يفضي بهم إلى موالاة الكفار، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
    · من أفضت به هذه الخصلة إلى موالاة الكفار ومناصرتهم ارتدّ بسبب ذلك، ومن لم تُفْضِ به إلى الموالاة فهو آثمٌ فاسقٌ بمعصيته ولا يحكم بكفره.
    · من تودد إلى الكفار المحاربين بغية تحقيق مصلحة دنيوية من غير أن ينطوي قلبه على محبة الكفار ومحبة دينهم ولا أن يكون في ذلك مناصرة للكفار على المسلمين فهو فاسق مخالف لهدى الله تعالى لكنه لا يكفر بمجرد ذلك.
    · لا يسمى فعله موالاة وإنما هو ذريعة للموالاة جاءت الشريعة بسدها كما في قوله تعالى: ﴿تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل [الممتحنة: 1].
    · وكذلك الثناء على بعض الخصال المحرمة لدى بعض الكفار ومحبتها أمر محرم لا يجوز، كالثناء على غناء المغنين منهم، وكذلك التعاون معهم على بعض المعاصي كالغناء وغيره من الأعمال المحرمة هو حرام لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
    · أمّا إذا أفضى هذا التعاون إلى اتخاذهم أولياء ومناصرتهم على المسلمين فهي ردة عن دين الإسلام.
    · بعض الأعمال تكون صورتها الظاهرة واحدة، ويختلف حكمها باختلاف الباعث عليها؛ فقد يفعلها بعضهم ويكون آثماً فاسقاً ولا يحكم بكفره، ويفعلها بعضهم ويكون مرتداً عن دين الإسلام.
    · من كان قصده من التعاون مع هؤلاء الكفار اتخاذهم أولياء ومحاربة دين الإسلام والمناصرة على المسلمين وإفساد أخلاقهم لأجل أن ينتصر عليهم الكفار فهذه ردة عن دين الإسلام.
    · ومن لم يقصد ذلك وإنما أراد ما دونه من اللهو المحرّم ونحوه من غير قصد مناوأة دين الله فقد أتى منكراً عظيماً يُخشى عليه من مغبّته.
    · استفصل النبي صلى الله عليه وسلم من حاطب بن أبي بلتعة لما كان معروفاً بالإيمان والخير ونصرة الله ورسوله، ولم يستفصل من المنافقين الذين والوا اليهود لعلمه بحالهم.
    · حاطب رضي الله عنه أخبرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بقصده، وصدَقه فيما ذكر أنه لم يفعل ذلك رضى بالكفر بعد الإسلام؛ فصدّقه النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر بصدقه.
    · في رواية أن حاطباً رضي الله عنه قال: (يا رسول الله! أما والله إني ناصحٌ لله ولرسوله، ولكني كنت غريباً في أهل مكة، وكان أهلي بين ظهرانيهم، وخشيت عليهم؛ فكتبت كتاباً لا يضرّ الله ورسولَه شيئاً، وعسى أن يكون منفعةً لأهلي).
    · دلّ سؤال النبي صلى الله عليه وسلم حاطباً عما حمله على ما صنع على اعتبار القصد.
    · ودلّ إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بصدق حاطب فيما قال؛ على أن الحكم على من فعل مثل فعله بما يظهر من صدقه.
    · بعض العلماء يُطلق على بعض الأعمال بأن فيها نوع موالاة أي أنها ليست صريحة في الموالاة، وهذا في حال الحكم على بعض الأعمال الظاهرة التي لا يتبيّن قصدُ فاعلها أو أن فاعليها على مراتب فيها.
    · التشبه بالكفار الأصل فيه التحريم، ومنه ما يصل بصاحبه إلى الكفر ومنه ما هو دون ذلك، وليس كل تشبه موالاة.

    أقسام المسلمين في البراءة من الكافرين
    · إذا تبين ما سبق عرفت أن المسلمين في البراءة من الكفار على ثلاثة أقسام:
    - قسم غلوا في البراءة وتعدوا حدود الله في ذلك فارتكبوا من الظلم والعدوان والتنفير عن دين الله عز وجل ما لا يحل لهم، وهم مخطؤون في ذلك خطأ شنيعاً.
    - وقسم فرطوا وتساهلوا في ذلك حتى حصلت منهم مودة ومحبة للكفار في بعض شؤون دنياهم من غير أن يتخذوهم أولياء، وإنما خالفوا هدى الله ففعلوا ما لم يأذن الله به.
    - فأصحاب هذين القسمين مخالفون لهدى الله خاطؤون مذنبون.
    - وقسم وسط اتبعوا هدى الله وامتثلوا أحكامه فتبرؤوا من الكفر وأهله وعاملوهم بمقتضى شرع الله فأحلوا ما أحله الله وحرموا ما حرمه الله ورعوا فيهم حدود الله.
    فهؤلاء هم الموفقون الناجون.

    أحكام معاملة الكفار
    · بيّن الله تعالى في كتابه الكريم أحكام معاملة الكفار وبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أراد تفاصيل ذلك فليطلبه بتعلم هذه المسائل في كتب الفقه.
    · حرّم الله مناكحة المشركين الوثنيين وحرم ذبائحهم، وأباح نكاح الكتابيات وأباح طعام أهل الكتاب، وحرم استعمال آنية الكفار، وحرم التشبه بهم، وبين أحكام التهادي بين المؤمنين والكافرين وما يجوز منه وما لا يجوز، إلى غير ذلك من الأحكام التي يحتاج طالب العلم إلى تعلمها، ولا سيما من يبتلى بمعاملة الكفار كثيراً؛ فيعرف ما يحل له وما لا يحل له، مع انطواء قلبه على محبة الله ورسوله وبغض الشرك وأهله.

    حكم تهنئة الكفار بأعيادهم
    · لا تجوز تهنئة الكفار بأعيادهم، ويختلف حكم المهنّئ باختلاف قصده.
    - من هنّأ الكفار بأعيادهم الكفرية رضا بما يصنعون فهو كافر مرتدّ عن دين الإسلام والعياذ بالله.
    - ومن هنّأهم بعبارات فيها مجاملة لا يريد بها التعبير عن الرضا بعقيدتهم فهو قد ارتكب حراماً لكن لا يُحكم بكفره ما دام قلبه منكراً كفرهم.
    - قال ابن القيم رحمه الله: (وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يُهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه؛ فهذا إن سلِمَ قائله من الكفر فهو من المحرّمات، وهو بمنزلة أن تُهنئة بسجوده للصليب بل ذلك أعظم إثماً عند الله وأشدّ مَـقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه.
    وكثير ممن لا قدر للدِّين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قُبْحَ ما فعل، فمن هنّـأ عبد بمعصية أو بدعة أو كـُـفْرٍ فقد تعرّض لِمقت الله وسخطه)ا.هـ.

    - وقال ابن عثيمين رحمه الله: (يَحرم على المسلمين التّشبّه بالكفار بإقامة الحفلات بهذه المناسبة، أو تبادل الهدايا، أو توزيع الحلوى، أو أطباق الطعام، أو تعطيل الأعمال ونحو ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ تشبّه بقوم فهو منهم)) )ا.هـ.
    وأمّا من شاركهم ليطعَم معهم أو ليستمتع بفسقهم وغنائهم فقد أتى محرّماً عظيماً، ولا يحكم بكفره ما دام قلبه منكراً لكفرهم وشركهم. [عبد العزيز الداخل]

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    162

    افتراضي رد: افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت

    جاء في شرح الشيخ صالح آل الشيخ:
    اقتباس:
    باب تفسير التوحيد: أما البراءة من العابدين: فإنها من اللوازم، وليست من أصل كلمة التوحيد، البراءة من العابدين، فقد يعادي وقد لا يعادي، وهذه لها مقامات: منها ما هو مُكَفر، ومنها ما هو نوع مولاة ولا يصل بصاحبه إلى الكفر.

    والسؤال: كيف لا تكون البراءة من العابدين من أصل كلمة التوحيد؟ أليس الكافر هو من فعل الكفر؟ وهل الشرك إلا صناعة المشرك وهل يتصور وجوده إلا بفاعليه؟ وقد قدم الله ذكر البراءة من المشركين على البراءة من الشرك في عدة آيات، وذكر الشيخ محمد عبد الوهاب في شرحه لأصل دين الإسلام " وتكفير من فعله "، فجعله من أصل الدين لا من اللوازم.
    قول الشيخ: ليست من أصل كلمة التوحيد، لا يعارض قولك: أنها من أصل الدين.
    فالولاء والبراء من أصول الدين، ولا شك في ذلك، لكن مراد الشيخ أن كلمة التوحيد فيها البراءة من الشرك ومن عبادة غير الله عز وجل، فهذا مدلول كلمة التوحيد صراحة، وأما البراءة من المشركين فهذا من اللوازم، وليس كونها من اللوازم أي أن فقدها غير مؤثر، بل إن من والى أعداء الله ووادَّهم فهو غير مؤمن بنص القرآن ، وهذا دليل على عدم تحقيقه لكلمة التوحيد، فإن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم.
    وقول الشيخ: (فقد يعادى وقد لا يعادى) إن كان يقصد به أن من الكفار من يجوز الإحسان إليهم مع بغض ما هم عليه من الشرك والكفر فهذا حق دلت عليه النصوص.
    ومن أهل العلم من يفرّق بين الموالاة والتولي ، ويجعلون بعض مظاهر التساهل في التعامل مع الكفار من قسم الموالاة ومنهم من يعبر عنه بأنه نوع موالاة وهذا أدق وأجود أي أنه ليس صريحاً في الموالاة. [عبد العزيز الداخل]

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,649

    افتراضي رد: افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابوسفيان مشاهدة المشاركة
    كلمة التوحيد فيها البراءة من الشرك ومن عبادة غير الله عز وجل، فهذا مدلول كلمة التوحيد صراحة، وأما البراءة من المشركين فهذا من اللوازم، وليس كونها من اللوازم أي أن فقدها غير مؤثر، بل إن من والى أعداء الله ووادَّهم فهو غير مؤمن بنص القرآن ، وهذا دليل على عدم تحقيقه لكلمة التوحيد، فإن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم.
    نعم جزاك الله خيرا على هذا البيان الذى ضلت فى فهمه كثير من العقول والافهام

    ذكر جوابات عن إيرادات أوردها بعض المسلمين على أولاد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى وعفا عنهم

    فمن ذلك: ما قولكم في رجل دخل هذا الدين وأحبه، ولكن لا يعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال: أنا مسلم ولكن ما اقدر أكفر أهل لا إله إلا الله، ولو لم يعرفوا معناها؟! ورجل دخل هذا الدين وأحبه، ولكن يقول: لا أتعرض القباب وأعلم أنها لا تضر ولا تنفع ولكن لا أتعرضها.

    الجواب:

    أن الرجل لا يكون مسلما إلا إذا عرف التوحيد، ودان به، وعمل بموجبه، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به، وأطاعه فيما نهى عنه وأمر به، وآمن به وبما جاء به.

    فمن قال لا أعادي المشركين أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال: لا أتعرض أهل لا إله إلا الله، ولو فعلوا الكفر والشرك، وعادوا دين الله، أو قال: لا أتعرض القباب، فهذا لا يكون مسلما، بل هو ممن قال الله فيهم: {ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا. أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا}.

    والله سبحانه وتعالى: أوجب معاداة المشركين ومنابذتهم، وتكفيرهم، فقال: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم}، وقال تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول} الآيات والله أعلم. نقل من: جواب الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأخيه عبد الله.

    وفي أجوبة أخرى: ما قولكم في الموالاة والمعاداة، هل هي من معنى لا إله إلا الله، أو من لوازمها؟

    الجواب:

    أن يقال: الله أعلم، حسب المسلم أن يعلم أن الله افترض عليه عداوة المشركين، وعدم موالاتهم، وأوجب عليه محبة المؤمنين وموالاتهم، وأخبر أن ذلك من شروط الإيمان. ونفى الإيمان عمن يواد من حآد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، وأما كون ذلك من معنى لا إله إلا الله، أو من لوازمها: فلم يكلفنا الله بالبحث عن ذلك، وإنما كلفنا بمعرفة أن الله فرض ذلك وأوجبه، وأوجب العمل به. فهذا الفرض والحتم الذي لا شك فيه.

    ومن عرف أن ذلك من معناها أو من لازمها، فهو حسن وزيادة خير، ومن لم يعرف: فلم يكلف بمعرفته، لاسيما إذا كان الجدال في ذلك والمنازعة فيه مما يفضي إلى شر واختلاف، ووقوع فرقة بين المؤمنين الذين قاموا بواجبات الإيمان، وجاهدوا في الله، وعادوا المشركين، ووالوا المسلمين، فالسكون عن ذلك متعين، وهذا ما ظهر لي على أن الاختلاف قريب من جهة المعنى. والله اعلم.
    قال الشيخ سليمان بن عبدالله - حفيد الشيخ المجدد محمد بن عبدالوهَّاب - رحمهما الله -: "فهل يتم الدين ويقام علم الجهاد وعلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا بالحب في الله والبغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة في الله؟ ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء، لم يكن فرق بين الحق والباطل ولا بين المؤمنين والكفار ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان

    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابوسفيان

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    162

    افتراضي رد: افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة
    حسب المسلم أن يعلم أن الله افترض عليه عداوة المشركين، وعدم موالاتهم، وأوجب عليه محبة المؤمنين وموالاتهم، وأخبر أن ذلك من شروط الإيمان. ونفى الإيمان عمن يواد من حآد الله ورسوله،

    نعم
    مَن كان مؤمنًا بلا إله إلا الله عالِمًا بمعناها، معتقدًا لما دلت عليه من التوحيد والإيمان كان محبًّا لها ولأهلها من المؤمنين الموحدين، مبغضًا لأعدائها من الكفار والمشركين، ولا يستقيم الإيمان إلا بذلك.
    ومِن أعظم مقتضيات الكفر بالطاغوت: البراءة منه ومن أوليائه، فلا يمكن أن يكون الإنسان مؤمنًا موحدًا، وفي نفس الوقت يكون محبًّا للكافرين والمشركين مواليًا لهم، معتقدًا صحة ما هم عليه من الباطل أو مسوغًا له، هذا لا يوجد أصلًا؛ قال الله تعالى: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ [المجادلة: 22]. والمحادَّة هي المخالفة والمعاندة، والكافر قد حادَّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فكأنه في حد، والله ورسوله في حد آخر؛ لأنه في مخالفة ومعاندة ومجانبة لِما أمره الله به من التوحيد له عز وجل والاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولأنه قد خلقه الله ورزقه وأنعم عليه ليعبده وحده، لكنه عبد غير الله واتبع هواه، فهو من أشد الناس ظلمًا؛ قال تعالى: ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 254]، ولأنه قد هضم حق الله على عباده وما خلقهم لأجله وأوجدهم لتحقيقه؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا معاذ بن جبل، هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟ فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب مَن لا يشرك به شيئًا))
    فالمؤمن في حد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أما الكافر فهو في حد الشيطان وجنوده؛ ولذلك فلا تجوز موالاة الكافر، ولو كان أقرب قريب، وقد جاءت في القرآن آيات عديدة تبين هذا الأمر وتقرره (وجوب بُغْض الكفار والبراءة منهم وتحريم موالاتهم)؛ منها: آيات جاءت عامة في عموم الكفار: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ﴾ [الممتحنة: 1]. آيات خصت اليهود والنصارى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ [المائدة: 51]. آيات خصت القرابة إذا كانوا على الكفر: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وإخوانكم أولياء إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
    ومن أوضح الأدلة على وجوب البراءة من الكافرين وتحريم مولاتهم - وقد ذكره الله تعالى من باب الأسوة والقدوة لنا - قوله تعالى: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَن َّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [الممتحنة: 4]. وقد قال تعالى في آية أخرى - مبينًا وجوب الاقتداء بنبيه إبراهيم عليه السلام -: ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [البقرة: 130]. منزلة الولاء والبراء في الشرع: الولاء والبراء أصل من أصول العقيدة وجزء من معنى الشهادة:
    قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 256]. 2) الولاء والبراء شرط من شروط الإيمان: قال تعالى: ﴿ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [المائدة: 80، 81]. الولاء والبراء أوثق عرى الإيمان:
    قال صلى الله عليه وسلم: ((أوثق عُرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله))[4]. الولاء والبراء سبب في ذوق حلاوة الإيمان:
    عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدًا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار))[6]. "إنما عبر بالحلاوة؛ لأن الله شبه الإيمان بالشجرة في قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾ [إبراهيم: 24]، والشجرة لها ثمرة، ولا بد لتلك الثمرة من حلاوة"
    والمقصود بالحلاوة هنا هي اللذَّة التي تكون في القلب ونعيمه وسروره، وكلما سعى العبد في تكميل إيمانه اشتدَّ وجده لهذه الحلاوة واللذة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ لأن وجود الحلاوة للشيء يتبع المحبة له؛ فحلاوة الإيمان المتضمنة للذة والفرح تتبع كمال محبة العبد لله، وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة، وتفريعها، ودفع ضدها؛ فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما وتفريعها أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، ودفع ضدها أن يكره ضد الإيمان كما يكره أن يقذف في النار"؛ انتهى كلامه
    بتحقيق الولاء والبراء تنال ولاية الله:
    عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "مَن أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت جميع مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا"
    فلا يكون العبد من أولياء الله ولا تحصل له ولاية الله إلا بأن يحب في الله المسلمين والمؤمنين، وأن يبغض في الله الكفار والمشركين، وأنه لا يكفي مجرد الحب أو البغض القلبي، بل لا بد أن يأتي بلازم ذلك؛ فيوالي أولياء الله ويعادي أعداءه.

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,649

    افتراضي رد: افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابوسفيان مشاهدة المشاركة
    وقد جاءت في القرآن آيات عديدة تبين هذا الأمر وتقرره (وجوب بُغْض الكفار والبراءة منهم وتحريم موالاتهم)
    اولا -كيف تحقق البراءة من أعداء الله‏؟‏‏!‏**
    إن دين الكفار باطل سواء كان في الأصول والعقائد والفروع من التحليل والتحريم والصبغة والهدي والأخلاق إلا ما وافق الفطرة الصحيحة والشرع الذي شرعه الله لنا ولذلك أمرنا الله أن نقول للكفار إذا دعونا إلى دينهم‏: {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون} [سورة الكافرون‏]‏‏.‏
    وحذر الله رسوله في آيات كثيرة أن يطيع الكفار ولو في شيء يسير مما يدعونه إليه مخالفًا بذلك أمر الله كما قال تعالى‏: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلًا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا} [الإسراء‏: 73- 75‏]‏‏.‏ وهذا تهديد عظيم للرسول لو ركن إلى الكفار ولو في شيء قليل‏.‏ وفي هذا المعنى أيضا يقول تعالى‏: {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} [هود‏: 112- 113‏]‏ وقال أيضًا‏: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} [المائدة‏: 49‏]‏ وهذه كلها آيات ناهية للرسول أن يطيع المشركين والكفار ولو في شيء قليل مخالفا بذلك ما أنزله الله إليه وقد هدد الله رسوله هنا بكل أنواع التهديد إن هو فعل ذلك ومعلوم أن الرسول لا يفعل ذلك وإنما هذا تهديد لنا بطريق الأحرى والأولى‏.‏
    ولا شك أن طاعة الكفار في شيء من تشريعهم هو من أكبر أنواع التولي لهم، وبالتالي هو أعظم أسباب الكفر والخروج من الدين والتعرض لسخط رب العالمين‏.‏
    ثانيًا‏: وجوب إعلان البراءة من الكافرين‏:

    يجب على المسلم البراءة من الباطل كله والكفر بالطواغيت جميعا كما قال تعالى‏: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} [البقرة‏: 256‏]‏ والطاغوت هو كل من جاوز حده ودعا إلى عبادة نفسه وتهجم على حق الله في العبادة والطاعة وقال تعالى أيضًا‏: {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون‏}‏‏.‏‏. فأمرنا أن نعلن البراءة من الكافرين وآلهتهم‏.‏ وقال إبراهيم لقومه‏: {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} [الشعراء‏: 75- 77‏]‏، وقال لهم أيضا‏: {كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة‏: 4‏]‏ وقد جعل الله إبراهيم لنا أسوة في هذا القول‏.‏
    ولذلك فإعلان البراءة من الكافرين وكفرهم هو الأمر الثاني واللازم للالتزام بدين الله وحده واتباع صراطه المستقيم، فمن اتبع صراط الله واهتدى بهدي رسوله وجب عليه أن يعلن مفارقه كفر الكافرين ومخالفة هديهم ودينهم كله‏.‏
    وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل العظيم، فكان يقول لبعضهم: ( أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين ) رواه النسائي وأحمد .
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابوسفيان

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,649

    افتراضي رد: افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت

    ثمرات إحياء عقيدة الولاء والبراء
    تحقيق المفاصلة بين أهل الكفر وأهل الإسلام، قال تعالى: { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده }(الممتحنة:4).

    البراء يمنع من الانجرار وراء الأعداء، وما تسلط الكفار على المسلمين وتدخلوا في شؤونهم إلا نتيجة إخلالهم بهذا الأصل العظيم .

    الولاء والبراء فى العقيدة الإسلامية فريضة ربانية،فهو سياج الحماية لهوية الأمة الاسلامية،

    ولا أدلَّ على أهمية هذه العقيدة من اعتناء القرآن بتقريرها، فمرة يذكرها على اعتبار أنها الرابطة الإيمانية التي تجمع المؤمنين ، قال تعالى:} والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم { (التوبة:71 )،
    ومرة يذكرها محذرا من الانسياق وراء تحالفات تضع المسلم جنبا لجنب مع الكافر في معاداة إخوانه المسلمين، قال تعالى:} لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير { (آل عمران:28)،
    ومرة يذكر عقيدة الولاء والبراء على أنها الصبغة التي تصبغ المؤمنين ولا يمكن أن يتصفوا بما يناقضها، قال تعالى:} لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون{ (المجادلة:22).

    وفي بيان أهمية الولاء والبراء يقول العلامة أبو الوفاء بن عقيل :" إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة،

    ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:" فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد، أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله.. ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء، لم يكن فرقاناً بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان".

    وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل العظيم، فكان يقول لبعضهم: ( أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين ) رواه النسائي وأحمد .



    إن عقيدة الولاء والبراء هي عقيدة صيانة الأمة وحمايتها من أعدائها، كما أنها سبب للألفة والإخاء بين أفرادها، وهي ليست عقيدة نظرية تدرس وتحفظ في الذهن مجردة عن العمل؛ بل هي عقيدة عمل ومفاصلة، ودعوة ومحبة في الله، وكره من أجله وجهاد في سبيله؛ فهي تقتضي كل هذه الأعمال، وبدونها تصبح عقيدةً نظرية سرعان ما تزول، وتضمحل عند أدنى موقف أو محك .



    أهمية الولاء والبراء فى حفظ الدين وكونه السياج لحماية هوية المسلم

    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابوسفيان

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •