ما هو العمل في المسائل قد يَرد قولُ النبي صلى الله عليه وسلم مخالفا لفعله ؟
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: ما هو العمل في المسائل قد يَرد قولُ النبي صلى الله عليه وسلم مخالفا لفعله ؟

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,844

    افتراضي ما هو العمل في المسائل قد يَرد قولُ النبي صلى الله عليه وسلم مخالفا لفعله ؟

    السؤال

    إذا تعارض حديثان أحدهما فيه نهي بقول النبي صلى وفي الآخر ورد أنه عليه الصلاة والسلام فعل هذا الأمر ، فأيّ الحديثين نتّبع عند تعارض قوله عليه الصلاة والسلام مع فعله ؟

    نص الجواب


    الحمد لله
    من المستقر المعلوم: أنه لا يمكن معرفة حكم مسألة ما في الشريعة إلا بعد جمع الأدلة، والنصوص الواردة في المسألة، وهنا قد تتوافق الأدلة على حكم واحد ، وقد تتعارض ظاهريا بحيث يفيد أحدها الوجوب مثلا، والآخر الاستحباب ، أو يفيد أحدهما التحريم والآخر الكراهة . وهنا يسلك أهل العلم ثلاثة طرق ، إما الجمع ، وإما الترجيح ، وإما النسخ إن علم التاريخ .
    وقال الإمام الشاطبي في "الاعتصام" (ص186) :" التعارض إذا ظهر لبادي الرأي في المقولات الشرعية، فإما أن لا يمكن الجمع بينهما أصلا ، وإما أن يمكن .
    فإن لم يمكن فهذا الفرض: بين قطعي وظني ، أو بين ظنين .
    فأما بين قطعيين : فلا يقع في الشريعة ولا يمكن وقوعه ، لأن تعارض القطعيين محال .
    فإن وقع بين قطعي وظني بطل الظني .
    وإن وقع بين ظنيين : فههنا للعلماء فيه الترجيح ؛ والعمل بالأرجح متعين .
    وإن أمكن الجمع : فقد اتفق النظار على إعمال وجه الجمع ، وإن كان وجه الجمع ضعيفا ، فإن الجمع أولى عندهم ، وإعمال الأدلة أولى من إهمال بعضها ". انتهى.

    قال ابن جزي في "تقريب الوصول إلى علم الأصول" (ص199) :
    " إذا تعارض دليلان، فأكثر؛ ففي ذلك ثلاثة طرق:
    - الأول: العمل بهما ، وذلك بالجمع بينهما على قدر الإمكان، ولو من وجه واحد ، وهذا أولى الطرق، لأنه ليس فيه اطراح لأحدهما.
    - الثاني: ترجيح أحدهما على الآخر، بوجه من وجوه الترجيح المذكورة بعد.
    - الثالث: نسخ أحدهما بالآخر، وشرطه معرفة المتقدم والمتأخر منهما ". انتهى
    وهذه الطريقة عامة عند تعارض الأدلة ، ومنها أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، ولا شك أنها من أعظم الحجج على دين الله ، والبينات على ما شرعه الله لعباده . قال الله تعالى : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا الأحزاب/21.
    إلا أنه في بعض المسائل قد يَرد قولُ النبي صلى الله عليه وسلم مخالفا لفعله ، وهنا تتبع بعض الخطوات :
    الخطوة الأولى : التأكد من ثبوت دليل القول ودليل الفعل ، فإن كان دليل أحدهما ضعيفا، فالمقدم منهما : ما ثبت به الدليل، وصح به الإسناد.
    الخطوة الثانية : هناك بعض الأفعال النبوية، دل الدليل على أنها من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن كان هذا الفعل من هذا القسم فلا تعارض إذا .
    الخطوة الثالثة : إذا ثبت أن القول عام للأمة ، وكذلك الفعل ليس خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وتعارضا، في ظاهرهما، وبادي الرأي؛ فهنا نجمع بين القول والفعل بوجه من وجوه الجمع المذكورة في كتب أصول الفقه ، أي أن يعمل بالدليلين معا ، إذا أن إعمال الدليلين: أولى من إهمال أحدهما ، وذلك إن كان الجمع بينهما ممكنا ، ومثال ذلك :
    - أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أمر بشيء، ما ثم دل فعله على ترك هذا الأمر ، فيحمل الأمر على الاستحباب، ورجحان جانب الفعل لا على الوجوب ، ويكون الترك النبوي مبينا لجواز الفعل والترك.
    - وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن فعل شيء ما، ثم جاء عنه أنه فعله ، فيحمل النهي على الكراهة، وترجح جانب الترك ، ويكون الفعل مبينا للجواز، على نحو ما مضى في المستحب .
    - أن يكون قول النبي صلى الله عليه وسلم عاما ، ثم يأتي الفعل ليخصص القول ، فيبقى العام على عمومه، إلا في هذه الصورة التي جاء الفعل النبوي بإخراجها عن حكم العام .
    وهذا على سبيل المثال لا الحصر .
    الخطوة الرابعة: إن لم يمكن الجمع بين القول والفعل ، فحينئذ نلجأ للترجيح ، أي ترجيح جانب القول، أو الفعل، بوجه من وجوه الترجيح ، مثل أن تحتف القرائن بأحدهما ، كعمل الصحابة على سبيل المثال .
    الخطوة الخامسة: إن لم نجد مرجحا خارجيا، وعلمنا التاريخ ، فحينئذ ينسخ المتأخرُ المتقدم .
    الخطوة السادسة: إن جهلنا التاريخ ، ولم يمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع: فهنا من أهل العلم يقدم القول على الفعل، باعتباره أقوى في الدلالة والبيان ، ومنهم من يقدم الفعل، ويراه أقوى من مجرد القول ، ومنهم من يتوقف .
    قال العلائي في "تفصيل الإجمال" (ص108) :" الجمع بين القول والفعل: على بعض الوجوه الممكنة ، وهي التي يسلكها المحققون في أفراد الأمثلة عن الكلام على بعض منها .
    ولا شك في أن هذا أولى من تقديم أحدهما على الآخر، وإبطال مقتضى الآخر، ومن الوقف أيضا ؛ لأنا متعبدون بمضمون القول ، وباتباعه صلى الله عليه وسلم فيما فعله ؛ فما يجمع بين الدليلين: أولى من إلغاء أحدهما ، ولا وجه للوقف مع التعبد ". انتهى
    وقال ابن عقيل في "الواضح في أصول الفقه" (4/166) :" إذا ثبتَ أنَّ الفعلَ يحصلُ به البيانُ، فإذا تعارض القولُ والفعلُ في البيان ، فالقولُ أَوْلى من الفعل .
    ولأصحاب الشافعي وجهان: أحدهما: مثل قولنا، والثاني: الفعل أَوْلى من القول .
    وقال بعض الأصوليين: هما سواءٌ في البيان ؛ القولُ والفعل ". انتهى.
    وينظر للفائدة : جواب السؤال رقم (147416) ورقم (296702).
    والله أعلم


    https://islamqa.info/ar/answers/2733...B9%D9%84%D9%87
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,844

    افتراضي رد: ما هو العمل في المسائل قد يَرد قولُ النبي صلى الله عليه وسلم مخالفا لفعله ؟

    عند تعارض النصوص الشرعية ، ما العمل؟

    السؤال

    حجة مازال الشرع يتتابع كيف تضبط ؟ فمثلا إذا وجد حديث فيه أمر بالإلزام ، ثم وجدنا حديثا آخر في نفس المسألة لم يحتم علينا الأمر ، فيجنح بعض أهل العلم في هذا إلى : 1- الحكم بالوجوب حسب الأصل في الأوامر ، ولا يأخذ بمقتضى الحديث الثاني بحجة أن الشرع مازال يتتابع والوحي ينزل . 2- والبعض يجمع بينهما فيحمل الأمر على الندب . فما ضابط حجة مازال الشرع يتتابع ، ولماذا لا يقال بالندب في المثال السابق بنفس الحجة فيصير الأمر إلى الندب ؟
    نص الجواب




    الحمد لله :
    من المعلوم أن كثيراً من الأحكام الشرعية جاء التشريع بها على مراحل ، مراعاة لأحوال الناس زمن نزول الوحي ، فقد يكون الشيء في أول الأمر مستحباً ، ثم يصير واجباً ، أو يكون مباحاً ثم محرماً ، أو العكس .
    والعبرة بما استقر عليه الأمر في آخر الأمر .
    ففي صحيح البخاري (989) عن ابن شهاب الزهري قال : ( وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ).
    ورواه مسلم (1113) عنه بلفظ : ( وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ ) .
    وفي لفظ: ( فَكَانُوا يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَرَوْنَهُ النَّاسِخَ الْمُحْكَمَ ).
    وهذا الذي قاله الزهري هو الذي جرى عليه عمل عامة العلماء : فيؤخذ بآخر الأمرين من النصوص الشرعية ؛ نظراً لتتابع الوحي وتجدد كثير من الواجبات والأحكام .
    إلا أن شرط ذلك وضابطه : أن يتعذر الجمع بين النصوص الشرعية بوجه من وجوه الجمع المعتبرة ، وأما إذا أمكن الجمع بينها ، فهو مقدم على الأخذ بأحدهما وترك الآخر .
    ومن القواعد المقرَّرة عند العلماء : " الجمع مقدَّم على الترجيح" ، أو " الإعمال أولى من الإهمال".
    فإعمال جميع النصوص مقدم على الأخذ ببعضها وترك البعض الآخر .
    قال ابن حزم في "الإحكام" (2/151) : " إذا تعارض الحديثان ، أو الآيتان ، أو الآية والحديث ، فيما يَظنُّ من لا يَعْلَم ، ففرضٌ على كلِّ مسلمٍ استعمالُ كلِّ ذلك ، لأنه ليس بعض ذلك أولى بالاستعمال من بعض ، ولا حديث بأوجب من حديث آخر مثله ، ولا آية أولى بالطاعة لها من آية أخرى مثلها ، وكلٌّ من عند الله عز وجل ، وكلٌّ سواء في باب وجوب الطاعة والاستعمال ولا فرق ". انتهى.
    وقال الحافظ ابن رجب : "وإذا أمكن الجمع بينها والعمل بها كلها وجب ذلك ، ولم يجز دعوى النسخ معهُ ، وهذه قاعدة مطردة ". انتهى من " فتح الباري" لابن رجب (5/84) .
    وقال الحافظ ابن حجر : " الجمع أولى من الترجيح ، باتفاق أهل الأصول ". انتهى من " فتح الباري" لابن حجر (9/474) .
    " ومما ينبغي التنبيه له : أنه لا يوجد تعارض حقيقي بين آيتين أو بين حديثين صحيحين أو بين آية وحديث صحيح ، وإذا بدا تعارض بين نصين من هذه النصوص ، فإنما هو تعارض ظاهري فقط بحسب ما يبدو لعقولنا ، وليس بتعارض حقيقي ، لأن الشارع الواحد الحكيم لا يمكن أن يصدر عنه دليلٌ آخر يقتضي في الواقعة نفسها حكماً خلافه ، في الوقت الواحد .
    فإن وجد نصان ظاهرهما التعارض وجب الاجتهاد في صرفهما عن هذا الظاهر ، والوقوف على حقيقة المراد منهما ، تنزيهاً للشارع العليم الحكيم عن التناقض في تشريعه ، فإن أمكن إزالة التعارض الظاهري بين النصين بالجمع والتوفيق بينهما ، جُمع بينهما وعُمل بهما ، وكان هذا بياناً ، لأنه لا تعارض في الحقيقة بينهما ". انتهى ، "علم أصول الفقه" لخلاف صـ230.
    وإن تعذر الجمع بين النصين الشرعيين بوجه من وجه الجمع المقبولة ، فيؤخذ بالمتأخر منهما عندئذ ، ويكون ناسخاً للأول .
    وإن لم يعلم المتقدم منهما والمتأخر ، فيرجَّح بينهما بوجوه الترجيح الكثيرة ، والتي أفاض العلماء في تفصيلها في كتب الأصول ، وللوقوف عليها يرجع إلى "البحر المحيط" (4 / 442) للزركشي ، و"إرشاد الفحول" (2 / 264) للشوكاني.
    قال النووي : " وأما إذا تعارض حديثان في الظاهر ، فلا بد من الجمع بينهما أو ترجيح أحدهما ، وإنما يقوم بذلك غالبا الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه ، والأصوليون المتمكنون في ذلك ، الغائصون على المعاني الدقيقة ، الرائضون أنفسهم في ذلك ، فمن كان بهذه الصفة لم يُشكل عليه شيء من ذلك إلا النادر في بعض الأحيان .
    ثم المختلف قسمان :
    أحدهما : يمكن الجمع بينهما ، فيتعين ، ويجب العمل بالحديثين جميعاً ، ومهما أمكن حمل كلام الشارع على وجه يكون أعم للفائدة ، تعين المصير إليه ، ولا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع ؛ لأن في النسخ إخراج أحد الحديثين عن كونه مما يعمل به ...
    القسم الثاني : أن يتضادا بحيث لا يمكن الجمع بوجه ، فإن علمنا أحدهما ناسخاً قدمناه ، وإلا عملنا بالراجح منهما ، كالترجيح بكثرة الرواة ، وصفاتهم ، وسائر وجوه الترجيح ، وهى نحو خمسين وجهاً جمعها الحافظ أبو بكر الحازمي في أول كتابه الناسخ والمنسوخ ". انتهى "شرح النووي على مسلم" (1/35) .
    والخلاصة :
    إذا تعارض نصان شرعيان ، فأول واجب هو الجمع بينهما بأحد وجوه الجمع المقبولة ، فإن تعذر ذلك فيعمل بالمتأخر منهما ، فإن لم يعلم المتأخر فيرجح بينهما ويؤخذ بالأرجح .
    ولا بد من ملاحظة أن مناهج الفقهاء في دفع التعارض بين الأدلة الشرعية قد تختلف في الناحية التطبيقية ، فمنهم من يتبين له وجه الجمع بينها ، ومنهم من قد يرى في الجمع تكلفاً فيلجأ إِلى القول بالنسخ أو الترجيح ، وهكذا .
    والله أعلم .


    https://islamqa.info/ar/answers/1474...B9%D9%85%D9%84
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,844

    افتراضي رد: ما هو العمل في المسائل قد يَرد قولُ النبي صلى الله عليه وسلم مخالفا لفعله ؟

    استفسار متعلق بالجمع والترجيح بين الأدلة
    السؤال

    أود الاستفسار حول الأحاديث التي تحدث فيها النبي صلى الله عليه وسلم عن الذين تكلموا في المهد ، حيث استعمت لمحاضرة للشيخ الحويني حولها، وذكر أن هناك حديث حدد فيه النبي عليه الصلاة والسلام الذين تكلموا في المهد في ثلاثة ، وآخر فيه أكثر من ذلك ، مع أنه صلى الله عليه وسلم استعمل أداة الحصر (إلا)، وشرح الشيخ الأحاديث إلى أن خلص أنه ولو أن النبي عليه الصلاة والسلام استعمل أداة الحصر (إلا) فإنه لو صح عنه عليه الصلاة والسلام حديث فيه أنه تكلم في المهد رضيع آخر غير المذكورين في الحديث الأول لسلمنا أنه تكلم ، سؤالي : كيف يكون ذلك وقد حصر النبي عليه الصلاة والسلام الأمر بأداة الحصر إلا ؟ ومما اطلعت عليه أنه إذا لم نوفق في درء التعارض عن نصين متعارضين ظاهريا إما بالجمع ، أو النسخ ، أو الترجيح فإننا نتوقف ، سؤالي : في هذا الأمر الذي نتوقف فيه ، من الممكن أن يكون مدخلا للشيطان على ضعاف الإيمان فيوسوس لهم ، ويشككهم في الدين، وأيضا في هذا الأمر الذي نتوقف فيه يمكن أن يستغله من يريد الطعن في دين الله ، ويقول : كيف يكون حقا ، وهناك تعارض فيه لا وجه لدرئه ؟ أرجو توضيح هذه النقطة. وذكر الشيخ أن أوجه الترجيح مائة ، وبالتالي لا يوجد نصان لا يمكن الترجيح بينهما بوجه من تلك الأوجه ، فكأنه وضعت أوجه الترجيح لدرء التعارض كيفما كان ، لكن هناك حلقة مفقودة بالنسبة لي، هل هي أننا نؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يمكن أن يوجد تناقض في الدين الذي جاء به لأنه الدين الحق، ومن ثم نبني أوجه الترجيح ؟

    نص الجواب


    موضوعات ذات صلة



    الاجابة
    الحمد لله
    أولا:عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:
    لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي المَهْدِ إِلَّا ثَلاَثَةٌ:
    عِيسَى.
    وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ، كَانَ يُصَلِّي، جَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِسَاتِ، وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلاَمًا، فَقَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الغُلاَمَ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلاَمُ؟ قَالَ: الرَّاعِي، قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: لاَ، إِلَّا مِنْ طِينٍ.
    وَكَانَتِ امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنًا لَهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ رَاكِبٌ ذُو شَارَةٍ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَتَرَكَ ثَدْيَهَا وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّاكِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهَا يَمَصُّهُ، - قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمَصُّ إِصْبَعَهُ - ثُمَّ مُرَّ بِأَمَةٍ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ، فَتَرَكَ ثَدْيَهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، فَقَالَتْ: لِمَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: الرَّاكِبُ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ، وَهَذِهِ الأَمَةُ يَقُولُونَ: سَرَقْتِ، زَنَيْتِ، وَلَمْ تَفْعَلْ
    رواه البخاري (3436) ، ومسلم (2550).
    وما روي من أن هناك من تكلم في المهد غير هؤلاء الثلاثة، فهي روايات لا تقوى على معارضة هذا الحديث الصحيح.
    وقد سبق بسط ذلك في الجواب رقم (202339).
    ثانيا:
    سبيل المؤمنين أمام النصوص الصحيحة التي ظاهرها التعارض هو محاولة الجمع بينها.
    قال الشيخ المفسر محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:
    " والمقرر في علم الأصول وعلم الحديث: أنه إذا أمكن الجمع بين الحديثين، وجب الجمع بينهما إجماعا، ولا يرد غير الأقوى منهما بالأقوى؛ لأنهما صادقان، وليسا بمتعارضين.
    وإنما أجمع أهل العلم على وجوب الجمع بين الدليلين إن أمكن؛ لأن إعمال الدليلين معا أولى من إلغاء أحدهما كما لا يخفى " انتهى، من "أضواء البيان" (5 / 161).
    فإذا تعذّر الجمع: وجب الترجيح ، كما هو مقرر في علم أصول الفقه.
    والجمع بين النصوص والتوفيق بين معانيها، أو الترجيح بينها، ليس هو من باب التكلّف ، ونصرة الشرع بالافتراء والتخرص؛ فهذا ليس من نهج الشرع، فالله سبحانه وتعالى نهى عن هذا.
    قال الله تعالى: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِي نَ سورة ص/86.
    قال الطبري رحمه الله تعالى:
    " (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِي نَ) يقول: وما أنا ممن يتكلف تخرصه وافتراءه، فتقولون: ( إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ ) و ( إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ ).. " انتهى، من "تفسير الطبري" (20 / 150).
    ولهذا تجد أئمة أهل العلم ينكرون التكلف في طريقة الجمع والتوفيق بين النصوص التي ظاهرها التعارض، ولا يقبلون إلا الجمع المبني على أصل علمي.
    فالجمع أو الترجيح بين النصوص هو نتيجة يتوصل إليها العالم، والفقيه، بعد بحث علمي مبني على قواعد وأصول ، وليس نتيجة عاطفة نصرة الإسلام.
    وتنصيص أهل العلم على أن هناك مائة مرجح أو أكثر؛ فهذه المرجحات ليست أمورا اقترحوها، وإنما هي أمور وصلوا إليها بالاستقراء والبحث العلمي ، وليس بمجرد الهوى فالقول بغير علم معلوم حرمته.
    قال الله تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا الإسراء/36.
    ثالثا:
    تعذر الجمع أو الترجيح في بعض الحالات : ليس سببه أن التعارض حقيقي بين نصوص الوحي، فمازال الوحي يتحدى الكفرة من يوم نزوله إلى قيام الساعة؛ حيث قال الله تعالى:
    أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا النساء /82.
    وليس هو موقفا عاما ، أيضا ، يقف فيه جميع المجتهدين إزاء نص محدد ، بل هو موقف يعرض للفقيه أو للمجتهد أحيانا ، في بعض النصوص ، التي يكون عند غيره من العلم والبيان ما يسمح له بتخطي حالة "الوقف" ؛ فالوقف ، إذا ، حالة نسبية ، تنتج عن قصور في علم الباحث أو فهمه، في النازلة المعينة ، وهذا لا يخلو منه بشر ؛ لكن الأمة لا تجمع على ذلك الوقف والتعارض، بل ما غاب عن عالم ، أدركه غيره ، وهكذا .
    قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
    " لا تعارض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة ...
    وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه، ليس أحدهما ناسخا للآخر، فهذا لا يوجد أصلا، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق، والآفة من التقصير في معرفة المنقول، والتمييز بين صحيحه ومعلوله، أو من القصور في فهم مراده صلى الله عليه وسلم وحمل كلامه على غير ما عناه به، أو منهما معا، ومن هاهنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع، وبالله التوفيق " انتهى. "زاد المعاد" (4 / 137 – 138).
    ومن المعلوم أن العلوم والفهوم بين الناس تتفاوت؛ فلذا مسألة التوقف بين نصين متعارضين هي مسألة نسبية ، فقد يتوقف بعض أهل العلم دون بعض، وقد يتوقف العالم فترة حتى يزداد علما بهذه النصوص وفهما لها فيظهر له وجه الجمع أو الترجيح.
    أما افتراض أن الأمة كلها تتوقف عن الجمع أو الترجيح بين نصين ظاهرهما التعارض، فهذه مسألة نظرية لا وجود لها في الواقع.
    قال الشاطبي رحمه الله تعالى:
    " كل من تحقق بأصول الشريعة؛ فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أن كل من حقق مناط المسائل؛ فلا يكاد يقف في متشابه؛ لأن الشريعة لا تعارض فيها ألبتة، فالمتحقق بها متحقق بما في نفس الأمر؛ فيلزم أن لا يكون عنده تعارض.
    ولذلك لا تجد ألبتة: دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما ، بحيث وجب عليهم الوقوف؛ لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ؛ أمكن التعارض بين الأدلة عندهم " انتهى، من "الموافقات" (5 / 341).
    والله أعلم.





    https://islamqa.info/ar/answers/2967...AF%D9%84%D8%A9
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •