اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    159

    افتراضي اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة

    شروط صحة العبادة
    قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب:«فاعلم أن العبادة لا تسمَّى عبادة إلاَّ مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمَّى صلاة إلاَّ مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة، كما قال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} [التوبة: 17].فإذا عرفت: أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها، وأحبط العمل، وصار صاحبه من الخالدين في النار، عرفت أن أهم ما عليك معرفة ذلك لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة وهي الشرك بالله» «الدرر السنية»: (2/ 23).

    .وقال أيضًا رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد:«المسألة السابعة: المسألة الكبيرة: أن عبادة الله لا تحصل إلاَّ بالكفر بالطاغوت، ففيه معنى قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} [البقرة: 256].وقال عبد الرحمن بن حسن:«وفي الباب - أي الباب الأول من كتاب التوحيد -: الحث على إخلاص العبادة لله، وأنها لا تنفع مع الشرك، بل لا تسمَّى عبادة»«فتح المجيد»: (ص 33).

    وقال الشيخ سلمان بن عبد الله:
    «إن التجرد من الشرك لا بدَّ منه في العبادة، وإلاَّ فلا يكون العبد آتيًا بعبادة الله بل مشرك» «تيسير العزيز الحميد»: (ص 34).

    .وقال الشيخ أبو بطين:
    أما تعريف العبادة، فقد عرَّفها شيخنا محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في فوائده على كتابه، كتاب التوحيد، بأن العبادة هي التوحيد، لأن الخصومة فيه، وأن من لم يأت به لم يعبد الله؛ فدلَّ على أنَّ التجرد من الشرك لا بدَّ منه في العبادة، وإلاَّ فلا يسمَّى عبادة»«الدرر السنية»: (2/ 303).

    .وقال الشسخ عبد الرحمن بن حسن:
    وقول الله تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] الآية.وهذه الآية تبين العبادة التي خُلقوا لها أيضًا، فإنه تعالى قرن الأمر بالعبادة التي فرضها بالنهي عن الشرك الذي حرمه وهو الشرك في العبادة، فدلَّت هذه الآية على: أن اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة، فلا تصح بدونه أصلاً، كما قال تعالى: {ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88]» «قرة عيون الموحِّدين»: (ص 6).

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    159

    افتراضي رد: اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة

    قال شيخ الاسلام ابن تيمية- الغاية المحمودة التي بها كمال بني آدم وسعادتهم ونجاتهم : عبادة الله وحده وهي حقيقة لا إله إلا الله وكل من لم يحصل له هذا الإخلاص لم يكن من أهل النجاة والسعادة . فكل من سوى بين الله وبين بعض المخلوقات في الحب بحيث يحبه كما يحب الله ويخشاه كما يخشى الله ويرجوه كما يرجو الله ويدعوه كما يدعو الله فهو مشرك الشرك الذي لا يغفره الله
    ولو كان مع ذلك عفيفاً في طعامه ونكاحه وكان حليماً شجاعاً

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    159

    افتراضي رد: اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة

    قال الإمام عبد الرحمن بن حسن
    - اجمع علماء أهل السنة سلفاً وخلفاً من الصحابة والتابعين والأئمة وجميع أهل السنة أن المرء لا يكون مسلما إلا بالتجرد من الشرك الأكبر والبراءة منه وممن فعله وبغضهم ومعاداتهم بحسب الطاقة والقدرة وإخلاص الأعمال كلها لله

    قال الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب
    -مجرد الإتيان بلفظ الشهادة مع مخالفة ما دلت عليه من الأصول المقررة ومع الشرك الأكبر في العبادة لا يدخل المرء في الإسلام

    قال الإمام بن القيم رحمه الله
    -الإسلام هو : توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان برسوله واتباعه فيما جاء به .
    فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وأن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل


    قال الشيخ سليمان بن عبد الله
    -مجرد التلفظ بالشهادتين لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناها واعتقاده إجماعاً

    قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب
    -الإسلام هو : الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله

    قال الشيخ سليمان بن عبد الله-
    وسمى دين الإسلام توحيداً لأن مبناء على أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له وواحد في إلهيته وعبادته لا ندَ له

    قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن
    التوحيد هو : الكفر بكل طاغوت عبده العابدون من دون الله . فالتوحيد الذي بعث الله به رسله , غريب في الناس جداً , وأكثرهم لا يعرف حقيقته ولا يعرف الشرك الأكبر المنافي له

    قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن
    -إن الكفر بالطاغوت : ركن التوحيد فإذا لم يحصل هذا الركن لم يكن العبد موحداً والتوحيد هو أساس الإيمان الذي يصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية-
    وأكثر من يقول : لا إله إلا الله لا يعرف الإخلاص وأكثرمن يقولها تقليداً وعادة ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه وغالب من يفتتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء كما في الحديث : (( سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته )) وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد واقتداء بأمثالهم وهم من أقرب الناس من قوله تعالى : (( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقتَدُونَ)) ومن قالها : على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر فهذا غير مصر على ذنب أصلاً فيغفر له ويحرم على النار ....وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئة راجحة فيضعف إيمانه فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات ويخشى عليه بذلك من الشرك الأكبر والأصغر ...والذي يدخل النار ممن يقولها إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التام المنافيين للسيئات أو لرجحانها أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم ثم ضعف لذلك صدقهم ويقينهم ثم لم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين تام لأن الذنوب قد أضعفت ذلك الصدق واليقين من قلوبهم

    قال الشيخ سليمان بن عبدالله
    ولا ريب أنه لو قال أحد من المشركين : لا إله إلا الله ونطق أيضاً بشهادة : أن محمداً رسول الله ولم يعرف معنى الإله ولا معنى الرسول وصلى وصام وحج ولا يدري ما ذاك إلا أنه رأى الناس يفعلونه فتابعهم ولم يفعل شيئاً من الشرك فإنه لا يشك أحد في عدم إسلامه .
    وقد أفتى بذلك فقهاء المغرب كلهم في أول القرن الحادي عشر أو قبله في شخص كان كذلك كما ذكره صاحب (( الدر الثمين في شرح المرشد المعين )) من المالكية ثم قال شارحة : وهذا الذي أفتوا به جلي في غاية الجلاء لايمكن ان يختلف فيه أثنان


    قال الشيخ سليمان بن عبد الله

    من صرف شيئاً مما لا يصلح إلأ لله من العبادات لغير الله فهو مشرك ولو نطق بـ : لا إله إلأ الله إذ لم يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص

    قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن
    والمشرك قد عكس مدلول لا إله إلأ الله فأثبت ما نفته ونفى ما أثبتته من الإخلاص

    قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن
    -لقد تبين أن مشركي هذه الأزمان أجهل بالله وبتوحيده من مشركي العرب ومن قبلهم

    قال الشيخ سليمان بن عبد الله
    ولقد بالغ صلى الله عليه وسلم وحذر وأنذر وأبدأ وأعاد وخص وعم في حماية الحنفية السمحة فهي حنفية في التوحيد سمحة في العمل

    قال الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن
    -لقد عادت عبادة الأولياء والصالحين ودعاء الأوثان والشياطين كما كانت قبل النبوة وفي زمن الفترة حذو النعل بالنعل وحذو القذة بالقذة وهذا من أعلام النبوة ... ولقد أطبق على ترك الإسلام جمهور أهل البسيطة

    قال الامام بن القيم-
    قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية . وهذا لأنه إذا لم يعرف الشرك وما عابه القران وذمه وقع فيه واقره وهو لا يعرف انه الذي كان عليه أهل الجاهلية فتنتقض بذلك عرى الإسلام

    قال الامام بن القيم-
    وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلأ من جرد توحيده لله وتقرب بمقت المشركين إلى الله

    قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب
    مجرد الإتيان بلفظ الشهادة من غيرعلم بمعناها ولا عمل بمقتضاها لا يكون به المكلف مسلماً بل هو حجة على ابن آدم خلافاً لمن زعم أن الإيمان مجرد الإقرار كالكرامية ومجرد التصديق كالجهمية . إن مسمى الإيمان لابد فيه من التصديق والعمل ومن شهد أن لا إله إلأالله وعبد غيره فلا شهادة له وإن صلى وزكى وصام وأتى بشيء من أعمال الإسلام

    قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب-
    إن أصل الإسلام وقاعدته : شهادة أن لا إله إلا الله وهي أصل الإيمان بالله وحده وهي أفضل شعب الإيمان .وهذا الأصل لا بد فيه من : العلم والعمل والإقرار بإجماع المسلمين ومدلوله : وجوب عبادة الله وحده لا شريك له والبراءة من عبادة ما سواه

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى
    جعل النبي صلى الله عليه وسلم الدين ثلاث درجات: أعلاها الإحسان، وأوسطها الإيمان، ويليه الإسلام، فكل محسن مؤمن، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مؤمن محسنًا، ولا كل مسلم مؤمنًا، كما دلت عليه الأحاديث. انتهى

    الإيمان والكفر، ضدان لا يجتمعان ولا يرتفعان، ولكل منهما أصل وشُعب. فأصل الإيمان: التوحيد، وشُعبه: الطاعات، وأصل الكفر: الشرك، وشُعبه: المعاصي.
    فالضد من أصل الإيمان وشُعبه، يستحيل أن يجتمع مع ضده من أصل الكفر وشُعبه.
    فالعبد إذا قامت به شُعبة من شُعب الكفر دون أصله، لا يكون كافرًا، وكذلك إذا قامت به شُعبة من شُعب الإيمان دون أصله، لا يصير مؤمنًا.
    فحكم الكفر لا ينحل عن صاحبه، حتى يحقق أصل الإيمان لا شُعبه، وكذلك حكم الإيمان لا يفارق صاحبه، حتى يقوم به أصل الكفر لا شُعبه، وبعبارة أخرى: إن الإيمان لا يثبت لكافر، حتى ينخلع من أصل الكفر، لا شُعبه، كما أن الكفر لا يثبت على مؤمن، حتى يذهب عنه أصل الإيمان لا شُعبه.
    والحاصل: أن للإيمان أصل، لا يتم ولا يصح الإسلام والإيمان إلاَّ به إجماعًا.
    فأصل الإسلام والإيمان: القيام بمعنى (لا إله إلاَّ الله) إقرارًا وعلمًا وعملاً، ومدلول ذلك يتمثل في: عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بكل ما يُعبد من دونه، مع الإقرار والقبول لكافة أحكام الله تعالى من»[المختصر المفيد فى عقائد أئمة التوحيد]


    قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن
    -فمن سوى بين أصل الإيمان وشعبه، أو أصل الكفر وشعبه، في الأسماء والأحكام، فهو مخالف للكتاب والسنة، وخارج عن سبيل سلف الأمة، وداخل في عموم أهل البدع والأهواء.

    وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن
    «لا يصح لأحد إسلام إلاَّ بمعرفة ما دلَّت عليه هذه الكلمة - أي كلمة التوحيد - من نفي الشرك في العبادة، والبراءة منه وممن فعله ومعاداته، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، والموالاة في ذلك».

    وقال عبد الله وإبراهيم ابنا عبد اللطيف، وسليمان بن سمحان - رحم الله الجميع-:
    حقيقة الإسلام التي بعث الله بها رسله الكرام، ودعوا إليها تتمثل في: وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، وإخلاص العمل له، وأن لا يشرك في
    واجب حقه أحد من خلقه، وأن يوصف بما وصف به نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال. فمن خالف ما جاءوا به، ونفاه وأبطله، فهو كافر ضال، وإن قال: لا إله إلاَّ الله، وزعم أنه مسلم، لأن ما قام به من الشرك يناقض ما تكلَّم به من كلمة التوحيد، فلا ينفعه التلفظ بقول: لا إله إلاَّ الله، لأنه تكلَّم بما لم يعمل به، ولم يعتقد ما دلّ عليه». اهـ.

    وقال إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن - رحمهم الله تعالى-:
    «قال محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: ومجرَّد الإتيان بلفظ الشهادة، من غير علم بمعناها، ولا عمل بمقتضاها، لا يكون به المكلَّف مسلمًا؛ بل هو حجة على ابن آدم، خلافًا لمن زعم أن الإيمان مجرَّد: الإقرار»

    وقال الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، مفتي الديار النجدية في وقته - رحمه الله تعالى-:
    «فإن كثيرًا من الناس ينتسبون إلي الإسلام، وينطقون بالشهادتين، ويؤدُّون أركان الإسلام الظاهرة، ولا يُكتفى بذلك في الحكم بإسلامهم، ولا تحل ذكاتهم لشركهم بالله في العبادة بدعاء الأنبياء والصالحين، والاستغاثة بهم وغير ذلك من أسباب الردة عن الإسلام. وهذا التفريق بين المنتسبين إلى الإسلام، أمر معلوم بالأدلة من الكتاب والسنَّة، وإجماع سلف الأمة وأئمتها

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,638

    افتراضي رد: اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة

    جزاك الله خيرا اخى ابوسفيان
    قال الامام بن باز رحمه الله
    إن الله عز وجل خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له، وأرسل الرسل لبيان هذه الحكمة والدعوة إليها، وبيان تفصيلها، وبيان ما يضادها، هكذا جاءت الكتب السماوية، وأرسلت الرسل البشرية من عند الله عز وجل للجن والإنس، وجعل الله سبحانه هذه الدار طريقا للآخرة، ومعبرا لها، فمن عمرها بطاعة الله وتوحيده وإتباع رسله عليهم الصلاة والسلام، انتقل من دار العمل وهي الدنيا، إلى دار الجزاء وهي الآخرة، وصار إلى دار النعيم والحبرة والسرور، دار الكرامة والسعادة، دار لا يفنى نعيمها، ولا يموت أهلها، ولا تبلى ثيابهم، ولا يخلق شبابهم، بل في نعيم دائم، وصحة دائمة، وشباب مستمر، وحياة طيبة سعيدة، ونعيم لا ينفد، ينادي فيهم من عند الله عز وجل: يا أهل الجنة إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبدا هذه حالهم ولهم فيها ما يشتهون، ولهم فيها ما يدعون. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:32] ولهم فيها لقاء مع الله عز وجل كما يشاء، ورؤية وجهه الكريم جل وعلا.
    أما من خالف الرسل في هذه الدار، وتابع الهوى والشيطان، فإنه ينتقل من هذه الدار إلى دار الجزاء، دار الهوان والخسران، والعذاب والآلام والجحيم، التي أهلها في عذاب وشقاء دائم، لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا [فاطر:36] كما قال عز وجل: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا [طه:74] وقال فيها أيضا: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:29] وقال فيها جل وعلا: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد:15] والمقصود أن هذه الدار هي دار العمل، وهي دار التقرب إلى الله عز وجل بما يرضيه، وهي دار الجهاد للنفوس، وهي دار المحاسبة، ودار التفقه والتبصر في الدين، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، والعلم والعمل، والعبادة والمجاهدة، قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۝ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ۝ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58] فخلق الله الجن والإنس وهما الثقلان :لعبادته عز وجل، لم يخلقهم سبحانه لحاجة به إليهم، فإنه سبحانه هو الغني بذاته عن كل ما سواه، كما قال سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ۝ إِنْ يَشَأْْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ۝ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر:15-17] ولم يخلقهم ليتكثر بهم من قلة، أو يعتز بهم من ذلة، ولكنه خلقهم سبحانه لحكمة عظيمة، وهي أن يعبدوه ويعظموه، ويخشوه ويثنوا عليه سبحانه بما هو أهله، ويعلموا أسماءه وصفاته، ويثنوا عليه بذلك، وليتوجهوا إليه بما يحب من الأعمال والأقوال، ويشكروه على إنعامه، ويصبروا على ما ابتلاهم به، وليجاهدوا في سبيله، وليتفكروا في عظمته، وما يستحق عليهم من العمل، كما قال عز وجل: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:12] وقال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180] وقال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۝۝ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُون َ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابََ النَّارِ [آل عمران:190-191] فأنت يا عبد الله مخلوق في هذه الدار، لا لتبقى فيها، ولا لتخلد فيها، ولكنك خلقت فيها لتنقل منها بعد العمل، وقد تنقل منها قبل العمل، وأنت صغير لم تبلغ، ولم يجب عليك العمل لحكمة بالغة.
    فالمقصود أنها دار ممزوجة بالشر والخير، ممزوجة بالأخلاط من الصلحاء وغيرهم، ممزوجة بالأكدار والأفراح والنافع والضار، وفيها الطيب والخبيث، والمرض والصحة، والغنى والفقر، والكافر والمؤمن، والعاصي والمستقيم، وفيها أنواع من المخلوقات خلقت لمصلحة الثقلين كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]
    والمقصود من هذه الخليقة كما تقدم: أن يعظم الله، وأن يطاع في هذه الدار، وأن يعظم أمره ونهيه، وأن يعبد وحده سبحانه وتعالى بطاعة أوامره، وترك نواهيه، وقصده سبحانه في طلب الحاجات، وعند الملمات، ورفع الشكاوى إليه، وطلب الغوث منه، والاستعانة به في كل شيء، وفي كل أمر من أمور الدنيا، والآخرة.
    فالمقصود من خلقك وإيجادك يا عبد الله، هو توحيده سبحانه، وتعظيم أمره ونهيه، وأن تقصده وحده في حاجاتك، وتستعين به على أمر دينك ودنياك وتتبع ما جاء به رسله، وتنقاد لذلك طائعا مختارا، محبا لما أمر به، كارها لما نهى عنه، ترجو رحمة ربك، وتخشى عقابه سبحانه وتعالى.
    والرسل أرسلوا إلى العباد ليعرفوهم هذا الحق، ويعلموهم ما يجب عليهم، وما يحرم عليهم، حتى لا يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، بل قد جاءتهم الرسل مبشرين ومنذرين، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] وقال تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165] وقال تعالى: وَمَاا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] فهم قد أرسلوا ليوجهوا الثقلين لما قد أرسلوا به، ويرشدوهم إلى أسباب النجاة ولينذروهم أسباب الهلاك، وليقيموا عليهم الحجة، ويقطعوا المعذرة، والله سبحانه يحب أن يمدح، ولهذا أثنى على نفسه بما هو أهله، وهو غيور على محارمه، ولهذا حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
    فعليك أن تحمده سبحانه، وتثني عليه بما هو أهله، فله الحمد في الأولى والآخرة. وعليك أن تثني عليه بأسمائه وصفاته، وأن تشكره على إنعامه، وأن تصبر على ما أصابك، مع أخذك بالأسباب التي شرعها الله وأباحها لك وعليك أن تحترم محارمه، وأن تبتعد عنها، وأن تقف عند حدوده طاعة له سبحانه ولما جاءت به الرسل.
    وعليك أن تتفقه في دينك، وأن تتعلم ما خلقت له وأن تصبر على ذلك حتى تؤدي الواجب على علم وعلى بصيرة، قال ﷺ: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين؛ وقال ﷺ: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة خرجهما مسلم في صحيحه.
    وأعظم الأوامر وأهمها توحيده سبحانه، وترك الإشراك به عز وجل، وهذا هو أهم الأمور، وهو أصل دين الإسلام، وهو دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، وهو توحيد الله وإفراده بالعبادة، دون كل من سواه.
    هذا هو أصل الدين، وهو دين الرسل جميعا من أولهم نوح، إلى خاتمهم محمد عليهم الصلاة والسلام، لا يقبل الله من أحد دينا سواه، وهو الإسلام.
    وسمي إسلاما لما فيه من الاستسلام لله، والذل له، والعبودية له، والانقياد لطاعته، وهو توحيده والإخلاص له مستسلما له جل وعلا، وقد أسلمت وجهك لله، وأخلصت عملك لله، ووجهت قلبك إلى الله في سرك وعلانيتك، وفي خوفك وفي رجائك، وفي قولك وفي عملك، وفي كل شأنك.
    تعلم أنه سبحانه هو الإله الحق، والمستحق لأن يعبد ويطاع ويعظم لا إله غيره ولا رب سواه. وإنما تختلف الشرائع كما قال سبحانه: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48] أما دين الله فهو واحد، وهو دين الإسلام، وهو إخلاص العبادة لله وحده، وإفراده بالعبادة: من دعاء وخوف ورجاء وتوكل، ورغبة ورهبة، وصلاة وصوم وغير ذلك، كما قال سبحانه وبحمده: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] أي أمر ألا تعبدوا إلا إياه، وقال سبحانه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] أخبر عباده بهذا ليقولوه وليعترفوا به.
    فعلمهم كيف يثنون عليه، فقال عز من قائل: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ۝ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:2-4] علمهم هذا الثناء العظيم، ثم قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5] وجههم إلى هذا سبحانه وتعالى، فيثنوا عليه بما هو أهله من الحمد والاعتراف بأنه رب العالمين، والمحسن إليهم، ومربيهم بالنعم، وأنه الرحمن وأنه الرحيم، وأنه مالك يوم الدين، وهذا كله حق لربنا عز وجل.
    ثم قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] إياك نعبد وحدك، وإياك نستعين وحدك، لا رب ولا معين سواك، فجميع ما يقع من العباد هو من الله، وهو الذي سخرهم وهو الذي هيأهم لذلك، وأعانهم على ذلك، وأعطاهم القوة على ذلك، ولهذا يقول جل وعلا: وَمَاا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل:53] فهو سبحانه المنعم، وهو المستعان والمعبود بالحق جل وعلا.
    فأنت يا عبد الله إذا جاءتك نعمة على يد صغير أو كبير أو مملوك أو ملك، أو غيره، فكله من نعم الله جل وعلا، وهو الذي ساق ذلك ويسره سبحانه، خلق من جاء بها وساقها على يديه، وحرك قلبه ليأتيك بها، وأعطاه القوة والقلب والعقل، وجعل في قلبه ما جعل حتى أوصلها إليك.
    فكل النعم من الله جل وعلا مهما كانت الوسائل، وهو المعبود بالحق، وهو الخالق للعباد، وهو مربيهم بالنعم، وهو الحاكم بينهم في الدنيا والآخرة، وهو الموصوف بصفات الكمال المنزه عن صفات النقص والعيب، واحد في ربوبيته، واحد في ألوهيته، واحد في أسمائه وصفاته، جل وعلا، وهو سبحانه له التوحيد من جميع الوجوه، له الوحدانية في خلقه العباد، وتدبيره لهم، ورزقه لهم، وتصريفه لشئونهم، لا يشاركه في ذلك أحد سبحانه وتعالى، يدبر الأمر جل وعلا، كما قال جل وعلا: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر:62] وقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:58] وقال سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِيي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَاا تَذَكَّرُونَ۝ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا [يونس:3-4] الآية، فهو المستحق للعبادة لكمال إنعامه، وكمال إحسانه، ولكونه الخلاق والرزاق ولكونه مصرف الأمور ومدبرها، ولكونه الكامل في ذاته وصفاته وأسمائه. فلهذا استحق العبادة على جميع العباد واستحق الخضوع عليهم.
    والعبادة هي الخضوع والذل، وسمي الدين عبادة لأن العبد يؤديه بخضوع لله، وذل بين يديه، ولهذا قيل للإسلام عبادة.
    تقول العرب: طريق معبد، يعني مذلل، قد وطأته الأقدام، حتى صار لها أثر بيّن يعرف، ويقال: بعير معبد أي قد شد ورحل عليه، حتى صار له أثر فصار معبدًا.
    والعبد هو: الذليل المنقاد لله المعظم لحرماته، وكلما كان العبد أكمل معرفة بالله وأكمل إيمانا به، صار أكمل عبادة.
    ولهذا كان الرسل أكمل الناس عبادة، لأنهم أكملهم معرفة وعلما بالله، وتعظيما له من غيرهم، صلوات الله وسلامه عليهم.
    ولهذا وصف الله نبيه محمدا ﷺ بالعبودية في أشرف مقاماته، فقال سبحانه: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:1] وقال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ [الكهف:1] وقال تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجن:19] إلى غير ذلك.
    فالعبودية مقام عظيم وشريف، ثم زادهم الله فضلا من عنده سبحانه بالرسالة التي أرسلهم بها، فاجتمع لهم فضلان: فضل الرسالة، وفضل العبودية الخاصة فأكمل الناس في عبادتهم لله، وتقواهم له، هم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم يليهم الصديقون الذين كمل تصديقهم لله ولرسله، واستقاموا على أمره، وصاروا خير الناس بعد الأنبياء، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فهو رأس الصديقين، وأكملهم صديقية، بفضله وتقواه، وسبقه إلى الخيرات وقيامه بأمر الله خير قيام، وكونه قرين رسول الله ﷺ وصاحبه في الغار، ومساعده بكل ما استطاع من قوة رضي الله عنه وأرضاه.
    فالمقصود أن مقام العبودية، ومقام الرسالة هما أشرف المقامات، فإذا ذهبت الرسالة بفضلها، بقي مقام الصديقية بالعبادة.
    فأكمل الناس إيماناً وصلاحاً وتقوى وهدى، هم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لكمال علمهم بالله، وعبادتهم له، وذلهم لعظمته جل وعلا، ثم يليهم الصديقون ثم الشهداء، ثم الصالحون كما قال جل وعلا: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِين َ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] ولا بد مع توحيد الله من تصديق رسله، ولهذا لما بعث الله نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام، صار يدعو الناس أولا إلى توحيد الله وإلى الإيمان بأنه رسوله عليه الصلاة والسلام.
    فلا بد من أمرين: توحيد الله والإخلاص، ولا بد مع ذلك من تصديق الرسل عليهم الصلاة والسلام فمن وحد الله، ولم يصدق الرسل فهو كافر، ومن صدقهم ولم يوحد الله فهو كافر، فلا بد من الأمرين: توحيد الله وتصديق رسله عليهم الصلاة والسلام.
    والاختلاف في هذا المقام هو في الشرائع، وأما توحيد الله والإخلاص له، وترك الإشراك به، وتصديق رسله، فهو أمر لا اختلاف فيه بين الأنبياء، بل لا إسلام ولا دين ولا هدى ولا نجاة إلا بتوحيد الله عز وجل، وإفراده بالعبادة، والإيمان بما جاء به رسله عليهم الصلاة والسلام، جملة وتفصيلا.
    فمن وحد الله جل وعلا، ولم يصدق نوحا في زمانه، أو إبراهيم في زمانه، أو هودا أو صالحا أو إسماعيل أو إسحاق أو يعقوب أو من بعدهم إلى نبينا محمد ﷺ فهو كافر بالله عز وجل، حتى يصدق جميع الرسل، مع توحيده لله عز وجل.
    فالإسلام في زمن آدم هو توحيد الله مع إتباع شريعة آدم عليه الصلاة والسلام، والإسلام في زمن نوح هو توحيد الله مع إتباع شريعة نوح عليه الصلاة والسلام، والإسلام في زمن هود هو توحيد الله مع إتباع شريعة هود عليه الصلاة والسلام، والإسلام في زمن صالح هو توحيد الله مع إتباع شريعة صالح عليه الصلاة والسلام، حتى جاء نبينا محمد ﷺ، فكان الإسلام في زمانه هو توحيد الله مع الإيمان بما جاء به محمد ﷺ، وإتباع شريعته.
    فاليهود والنصارى لما لم يصدقوا محمدا عليه الصلاة والسلام، صاروا بذلك كفارا ضلالا، وإن فرضنا أن بعضهم وحد الله، فإنهم ضالون كفار بإجماع المسلمين، لعدم إيمانهم بمحمد ﷺ، فلو قال شخص إني أعبد الله وحده، وأصدق محمدا في كل شيء إلا في تحريم الزنا، بأن جعله مباحا، فإنه يكون بهذا كافرا حلال الدم والمال بإجماع المسلمين، وهكذا لو قال: إنه يوحد الله ويعبده وحده دون كل من سواه، ويصدق الرسل جميعا، وعلى رأسهم محمد ﷺ إلا في تحريم اللواط، وهو إتيان الذكور، صار كافرا حلال الدم والمال بإجماع المسلمين، بعد إقامة الحجة عليه إذا كان مثله يجهل ذلك، ولم ينفعه توحيده ولا إيمانه، لأنه كذب الرسول، وكذب الله في بعض الشيء.
    وهكذا لو وحد الله، وصدق الرسل، ولكن استهزأ بالرسول في شيء، أو استنقصه في شيء أو بعض الرسل، صار كافرا بذلك، كما قال جل وعلا: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ۝ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65، 66] ثم إن ضد هذا التوحيد هو الشرك بالله عز وجل، فإن كل شيء له ضد، والضد يبين بالضد قال بعض الشعراء:
    والضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتميز الأشياء
    فالشرك بالله عز وجل، هو ضد التوحيد الذي بعث الله به الرسل عليهم الصلاة والسلام، فالمشرك مشرك لأنه أشرك مع الله غيره، فيما يتعلق بالعبادة لله وحده، أو فيما يتعلق بملكه وتدبيره العباد، أو بعدم تصديقه فيما أخبر أو فيما شرع، فصار بذلك مشركا بالله، وفيما وقع منه من الشرك.
    وتوحيد الله عز وجل الذي هو معنى لا إله إلا الله، يعني أنه لا معبود بحق إلا الله، فهي تنفي العبادة عن غير الله بالحق، وتثبتها لله وحده، كما قال سبحانه: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ [لقمان:30] وقال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] وقال سبحانه: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة ُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18] وقال سبحانه: وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ [النحل:51] فتوحيد الله هو إفراده بالعبادة عن إيمان، وعن صدق، وعن عمل، لا مجرد كلام. ومع اعتقاده بأن عبادة غيره باطلة، وأن عباد غيره مشركون، ومع البراءة منهم، كما قال عز وجل: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4] وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّاا تَعْبُدُونَ ۝ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف:26-27] فتبرأ من عبّاد غير الله، ومما يعبدون.
    فالمقصود أنه لا بد من توحيد الله، بإفراده بالعبادة والبراءة من عبادة غيره، وعابدي غيره، ولا بد من اعتقاد وبطلان الشرك، وأن الواجب على جميع العباد من جن وإنس، أن يخصوا الله بالعبادة، ويؤدوا حق هذا التوحيد بتحكيم شريعة الله، فإن الله سبحانه وتعالى هو الحاكم، ومن توحيده الإيمان والتصديق بذلك، فهو الحاكم في الدنيا بشريعته، وفي الآخرة بنفسه سبحانه وتعالى كما قال جل وعلا: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام:57] وقال تعالى: فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:12] وقال سبحانه: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10] وصرف بعض العبادة للأولياء أو الأنبياء أو الشمس والقمر، أو الجن أو الملائكة، أو الأصنام أو الأشجار أو غير ذلك، كل هذا ناقض لتوحيد الله، ومبطل له.
    وإذا علم أن الله سبحانه بعث نبيه محمدا ﷺ، والأنبياء قبله إلى أمم يعبدون غير الله، منهم من يعبد الأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الأصنام المنحوتة، ومنهم من يعبد الكواكب إلى غير ذلك، فقد دعوهم كلهم إلى توحيد الله، والإيمان به سبحانه، وأن يقولوا: لا إله إلا الله، وأن يبرءوا مما يخالفها، وأن يبرءوا من عابدي غير الله، ومن معبوداتهم، وأن من صرف بعض العبادة لغيره فما وحده كما قال الله سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]
    وبهذا تعلم أن ما يصنع حول القبور المعبودة من دون الله. مثل قبر البدوي، والحسين بمصر وأشباه ذلك، وما يقع من بعض الجهال من الحجاج وغيرهم عند قبر النبي ﷺ من طلب المدد والنصر على الأعداء، والاستغاثة به والشكوى إليه ونحو ذلك، أن هذه عبادة لغير الله عز وجل، وأن هذا شرك الجاهلية الأولى، وهكذا ما قد يقع من بعض الصوفية من اعتقادهم أن بعض الأولياء يتصرف في الكون ويدبر هذا العالم والعياذ بالله شرك أكبر في الربوبية.
    وهكذا ما يقع من اعتقاد بعض الناس، أن بعض المخلوقات له صلة بالرب عز وجل، وأنه يستغني بذلك عن متابعة الرسول محمد ﷺ، أو أنه يعلم الغيب، أو أنه يتصرف في الكائنات، وما أشبه ذلك، فإنه كفر بالله أكبر، وشرك ظاهر، يخرج صاحبه من الملة الإسلامية إن كان ينتسب إليها.
    فلا توحيد ولا إسلام ولا إيمان ولا نجاة إلا بإفراد الله بالعبادة، والإيمان بأنه مالك الملك، ومدبر الأمور، وأنه كامل في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، لا شريك له، ولا شبيه له، ولا يقاس بخلقه عز وجل، فله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، وهو مدبر الملك جل وعلا، لا شريك له، ولا معقب لحكمه.
    هذا هو توحيد الله، وهذا هو إفراده بالعبادة، وهذا هو دين الرسل كلهم، وهذا معنى قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] يعني: إياك نوحد ونطيع ونرجو ونخاف، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: نعبدك وحدك، ونرجوك ونخافك.
    وإياك نستعين على طاعتك، وفي جميع أمورنا. فالعبادة هي توحيد الله عز وجل والإخلاص له في طاعة أوامره، وترك نواهيه سبحانه وتعالى، مع الإيمان الكامل بأنه مستحق للعبادة وأنه رب العالمين المدبر لعباده، والمالك لكل شيء، والخالق لكل شيء، وأنه الكامل في ذاته، وأسمائه وصفاته وأفعاله، ولا نقص فيه، ولا عيب فيه، ولا مشارك له في شيء من ذلك، سبحانه وتعالى، بل له الكمال المطلق في كل شيء جل وعلا.
    ومن هذا نعلم أنه لا بد من تصديق الرسل جميعا فيما جاءوا به، وعلى رأسهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وأنه متى أخلص العبد العبادة لله وحده، وصدق رسله عليهم الصلاة والسلام، ولاسيما محمد ﷺ، وانقاد لشرعه واستقام عليه، إلا في واحد أو أكثر من نواقض الإسلام فإنه تبطل عبادته، ولا ينفعه ما معه من أعمال الإسلام.
    فلو أنه صدق محمدا في كل شيء، وانقاد لشريعته في كل شيء لكن قال مع ذلك: مسيلمة رسول مع محمد - أعني مسيلمة الكذاب الذي خرج في اليمامة وقاتله الصحابة في عهد الصديق رضي الله عنه - بطلت هذه العقيدة، وبطلت أعماله ولم ينفعه صيام النهار، ولا قيام الليل، ولا غير ذلك من عمله. لأنه أتى بناقض من نواقض الإسلام، وهو تصديقه لمسيلمة الكذاب، لأن ذلك يتضمن تكذيب الله سبحانه في قوله عز وجل: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40] كما تضمن تكذيب الرسول ﷺ في قوله ﷺ في الأحاديث المتواترة عنه عليه الصلاة والسلام، بأنه خاتم الأنبياء ولا نبي بعده.
    وهكذا من صام النهار، وقام الليل، وتعبد وأفرد الله بالعبادة، واتبع الرسول ﷺ، ثم بعد ذلك في أي وقت من الأوقات صرف بعض العبادة لغير الله، كأن يجعل بعض العبادة للنبي، أو للولي الفلاني، أو للصنم الفلاني، أو للشمس أو للقمر أو للكوكب الفلاني أو نحو ذلك، يدعوه ويطلب منه النصر، ويستمد العون منه، بطلت أعماله التي سبقت كلها، حتى يعود إلى التوبة إلى الله عز وجل كما قال تعالى: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88] وقال سبحانه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتََ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65] وهكذا لو آمن بالله في كل شيء، وصدق الله في كل شيء، إلا في الزنا، فقال: الزنا مباح أو اللواط مباح، أو الخمر مباحة، صار بهذا كافرا، ولو فعل كل شيء آخر من دين الله، فاستحلاله لما حرم الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة، صار باستحلاله هذا كافرا بالله، مرتدا عن الإسلام، ولم تنفعه أعماله ولا توحيده لله عند جميع المسلمين.
    وهكذا لو قال: إن نوحا أو هودا، أو صالحا، أو إبراهيم أو إسماعيل أو غيرهم ليس بنبي، صار كافرا بالله، وأعماله كلها باطلة، لكونه بذلك قد كذب الله سبحانه فيما أخبر به عنهم.
    وهكذا لو حرم ما أحله الله، مع التوحيد والإخلاص والإيمان بالرسل، فقال مثلا: أنا ما أحل الإبل أو البقر أو الغنم أو غيرها مما أحله الله حلا مجمعا عليه، وقال إنها حرام يكون بهذا كافرا مرتدا عن الإسلام بعد إقامة الحجة عليه، إذا كان مثله قد يجهل ذلك. وصادف جنس من أحل ما حرم الله.
    أو قال: ما أحل الحنطة أو الشعير بل هما حرام، وما أشبه ذلك، صار كافرا، أو قال: إنه يستبيح البنت أو الأخت، صار بهذا كافرا بالله، مرتدا عن الإسلام، ولو صلى وصام وفعل باقي الطاعات، لأن واحدة من هذه الخصال تبطل دينه، كما قال تعالى: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88] ونحن في زمان غلب فيه الجهل، وقل فيه العلم، وأقبل الناس إلا من شاء الله، على علوم أخرى وعلى مسائل أخرى، تتعلق بالدنيا، فقل علمهم بالله، وبدينه لأنهم شغلوا بما يصدهم عن ذلك، وصارت أغلب الدروس في أشياء تتعلق بالدنيا، أما التفقه في دين الله، والتدبر لشريعته سبحانه، وتوحيده، فقد أعرض عنه الأكثرون، وأصبح من يشتغل به اليوم هو أقل القليل.
    فينبغي لك يا عبد الله الانتباه لهذا الأمر، والإقبال على كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، دراسة وتدبرا وتعقلا، حتى تعرف توحيد الله والإيمان به، وحتى تعرف ما هو الشرك بالله عز وجل، وحتى تكون بصيرا بدينك، وحتى تعرف ما هو سبب دخول الجنة والنجاة من النار، مع العناية بحضور حلقات العلم والمذاكرة مع أهل العلم والدين، حتى تستفيد وتفيد، وحتى تكون على بينة وعلى بصيرة في أمرك.
    والشرك شركان: أكبر وأصغر
    فالشرك الأكبر ينافي توحيد الله، وينافي الإسلام، ويحبط الأعمال، والمشركون في النار، وكل عمل أو قول دلت الأدلة على أنه كفر بالله: كالاستغاثة بالأموات أو الأصنام، أو اعتقاد حل ما حرم الله، أو تحريم ما أحله الله، أو تكذيب بعض رسله، فهذه الأشياء تحبط الأعمال، وتوجب الردة عن الإسلام، كما سبق بيان ذلك.
    قال تعالى في أول سورة النساء: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48] فهنا قد بين الله أن الشرك لا يغفر، ثم علق ما دونه على المشيئة فأمره إلى الله سبحانه وتعالى، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، على قدر المعاصي التي مات عليها، غير تائب، ثم بعد أن يطهر بالنار يخرجه الله منها إلى الجنة، بإجماع أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة، ومن سار على نهجهم.
    أما في آية الزمر، فعمم وأطلق فقال سبحانه: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] قال العلماء: هذه الآية في التائبين، أما آية النساء فهي في غير التائبين، ممن مات على الشرك مصرا على بعض المعاصي، وهي قوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] أما من مات على ما دون الشرك كالزنا والمعاصي الأخرى، وهو يؤمن أنها محرمة، ولم يستحلها ولكنه انتقل إلى الآخرة ولم يتب منها، فهذا تحت مشيئة الله عند أهل السنة والجماعة إن شاء الله غفر له، وأدخله الجنة لتوحيده وإسلامه، وإن شاء سبحانه عذبه على قدر المعاصي التي مات عليها بالنار من الزنا وشرب الخمر، أو عقوقه لوالديه، أو قطيعة أرحامه، أو غير ذلك من الكبائر كما سبق إيضاح ذلك.
    وذهب الخوارج إلى أن صاحب المعصية مخلد في النار وهو بالمعاصي كافر أيضا، ووافقهم المعتزلة بتخليده في النار، ولكن أهل السنة والجماعة خالفوهم في ذلك ورأوا أن الزاني والسارق والعاق لوالديه وغيرهم من أهل الكبائر لا يكفرون بذلك، ولا يخلدون في النار، إذا لم يستحلوا هذه المعاصي، بل هم تحت مشيئة الله كما تقدم، فهذه أمور عظيمة ينبغي أن نعرفها جيدا، وأن نفهمها كثيرا، لأنها من أصول العقيدة.
    وأن يعرف المسلم حقيقة دينه، وضده من الشرك بالله تعالى، ويعلم أن باب التوبة من الشرك والمعاصي مفتوح إلى أن تطلع الشمس من مغربها.
    ولكن المصيبة العظيمة، هي الغفلة عن دين الله، وعدم التفقه فيه، فربما وقع العبد في الشرك والكفر بالله وهو لا يبالي، لغلبة الجهل، وقلة العلم بما جاء به الرسول ﷺ من الهدى ودين الحق. فانتبه لنفسك أيها العاقل، وعظم حرمات ربك، وأخلص لله العمل، وسارع إلى الخيرات، واعرف دينك بأدلته، وتفقه في القرآن والسنة بالإقبال على كتاب الله، وبحضور حلقات العلم وصحبة الأخيار، حتى تعرف دينك على بصيرة.
    وأكثر من سؤال ربك الثبات على الهدى والحق، ثم إذا وقعت في معصية فبادر بالتوبة فكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، كما جاء في الحديث الصحيح، لأن المعصية نقص في الدين، وضعف في الإيمان.
    فالبدار البدار إلى التوبة، والإقلاع والندم، والله يتوب على من تاب، وهو القائل سبحانه: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8] فالتوبة لا بد منها، وهي لازمة للعبد دائما، والرسول ﷺ يقول: التوبة تهدم ما كان قبلها، فاستقم عليها، فكلما وقعت منك زلة فبادر بالتوبة والإصلاح، وكن متفقها في دينك، لا تشغل بحظك في الدنيا عن حظك من الآخرة، بل اجعل للدنيا وقتا، وللتعلم وللتفقه في الدين، والتبصر والمطالعة والمذاكرة والعناية بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وحضور حلقات العلم ومصاحبة الأخيار غالب وقتك، فهذه الأمور هي أهم شأنك، وسبب سعادتك.
    وهناك نوع آخر وهو الشرك الأصغر مثل الرياء، والسمعة في بعض العمل أو القول، ومثل أن يقول الإنسان ما شاء الله وشاء فلان، والحلف بغير الله، كالحلف بالأمانة والكعبة والنبي وأشباه ذلك، فهذه وأشباهها من الشرك الأصغر، فلا بد من الحذر من ذلك، قال النبي ﷺ لما قال له رجل: ما شاء الله وشئت: أجعلتني لله ندا؟ ما شاء الله وحده.
    وقال النبي ﷺ: لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان.
    وقال ﷺ: من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت وقال: لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا بالله إلا وأنتمم صادقون وقال ﷺ: من حلف بغير الله فقد أشرك إلى غير هذا من الأحاديث الصحيحة الواردة في هذا المعنى، ومن ذلك قوله ﷺ: أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال الرياء.
    وقد يكون الرياء كفرا أكبر إذا دخل صاحبه في الدين رياء ونفاقا، وأظهر الإسلام لا عن إيمان ولا عن محبة، فإنه يصير بهذا منافقا كافرا كفرا أكبر.
    وكذلك إذا حلف بغير الله، وعظم المحلوف به مثل تعظيم الله، أو اعتقد أنه يعلم الغيب، أو يصلح أن يعبد مع الله سبحانه، صار بذلك مشركا شركا أكبر.
    أما إذا جرى على اللسان، الحلف بغير الله كالكعبة، والنبي وغيرهما، بدون هذا الاعتقاد، فإنه يكون مشركا شركا أصغر فقط.
    وأسأل الله عز وجل أن يمنحنا وإياكم الفقه في دينه، والثبات عليه، وأن يرزقنا وإياكم الاستقامة عليه، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، ومن مضلات الفتن إنه تعالى جواد كريم.
    وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين. (مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 2/ 8).

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •