الإمام البخاري وصحيحه الجامع متجدد
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 15 من 15

الموضوع: الإمام البخاري وصحيحه الجامع متجدد

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,878

    افتراضي الإمام البخاري وصحيحه الجامع متجدد

    الإمام البخاري وصحيحه الجامع -1





    كتبه/ شحات رجب بقوش




    الحمد لله،
    والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    تمهيد:
    لقد كرَّم
    الله أمة الإسلام بحفظ مصادر استدلالها، قال الله -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)
    (الحجر:9)، وقد فُسِر الذكر بأنه: قرآن وسنة، فقد قدَّر
    الله أن تُصان السُّنة، وتُحفظ كما حفظ القرآن؛ لأنها هي المفسِّرة له، والمفصلة
    لمجملة.

    لذلك فقد سعى
    المغرضون للإسلام في كل حين إلى التقليل مِن شأن السنة والتشكيك في ثبوتها
    ودلالاتها، وأثاروا ضدها الشبهات التي دُحرت ورُد عليها منذ ظهورها، ولكن بين
    الحين والآخر يأتي مَن يثير الشبهات للحط مِن السنة، أو للحصول على الشهرة
    الزائفة!

    فالناظر في الطعون المعاصرة في السُّنة النبوية يجد أنَّ أكثرها مُوَجَّه نحو
    صحيح البخاري، والسبب في ذلك:
    أنَّ
    الطاعنين عَرَفوا مكانة الجامع الصحيح في نفوس المسلمين؛ فأرادوا إسقاط هيبته؛ لأن
    في ذلك إسقاطًا لهيبة الكتب الأخرى دون عناء، والنتيجة هدم السُّنة كلها.

    وإذا كانت هذه
    سلسلة تتناول الحديث عن الإمام البخاري وصحيحه الجامع، فيناسِب المقام أن تُقَدَّم
    بمقدمة عن فضل طلب الحديث وعلومه.

    إن دراسة
    الحديث لها شرف؛ لأن مادته كلام سيد الخلق محمد -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله
    وأحواله، وهو أمر شريف عظيم؛ ولذا كان هذا العلم شريفًا عظيمًا.

    - أهل الحديث هم أولى الناس بوصف النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: (لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ
    مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ
    وَهُمْ ظَاهِرُونَ
    )
    (متفق عليه).

    وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله-: "إن لم يكونوا أهل الحديث؛ فلا أدري مَن
    هم؟!".

    - حاجة كل فنون العلم لعلم الحديث: قال ابن الصلاح كما في خطبة كتابه "علوم
    الحديث": "هذا وإن علم الحديث مِن أفضل العلوم الفاضلة، وأنفع الفنون
    النافعة، يحبه ذكور الرجال وفحولتُهُم، ويُعْنى به محقِّقُو العلماء وكَمَلتُهم،
    ولا يكرهه من الناس إلا رُذالتهم وسَفِلتهم، وهو مِن أكثر العلوم تولجًا في
    فنونها، لا سيما الفقه الذي هو إنسان عيونها، ولذلك كثر غلط العاطلين منه مِن
    مصنفي الفقهاء، وظهر الخلل في كلام المخلين به من العلماء"
    (انتهى).

    - أهل الحديث هم العقبة الكؤود أمام كل بدعة؛ فلولاهم لعمت البدع، وشاعت
    الشبهات؛ ولذلك قال الحاكم النيسابوري -رحمه الله- في مقدمة كتابه: "معرفة
    علوم الحديث":
    "أما
    بعد: فإني لما رأيت البدع في زماننا كثرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قلَّتْ، مع
    إمعانهم في كتابة الأخبار، وكثرة طلبها على الإهمال والإغفال؛ دعاني ذلك إلى تصنيف
    كتابٍ خفيفٍ يشتمل على ذكر أنواع علوم الحديث، إلخ".

    فتبيَّن مِن ذلك: أن علم
    الحديث خير رادع لكل مبتدع في الدين.

    وقال ابن المبارك -رحمه الله-: "الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، لَوْلا
    الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ"، وقال أيضًا: "بيننا وبين
    القوم القوائم" -يعني الإسناد-.

    وقال الثوري -رحمه الله-: "الإِسْنَادُ
    سِلاحُ الْمُؤْمِنِ".

    وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: "ما أعلمُ الناسَ اليوم في زمان أحوج منهم
    إلى طلب الحديث مِن هذا الزمان. قيل له: ولِمَ؟ قال: ظهرت بدع؛ فمَن لم يكن عنده
    حديث وقع فيها".

    - أهل الحديث
    هم أصحاب الوجوه النضرة لدعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم بذلك، فعن أنس بن
    مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (نَضَّرَ
    اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا وَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ
    حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ
    )
    (رواه أبو
    داود والترمذي، وصححه الألباني)
    .

    ومِن أهل الحديث الكبار، بل مِن الأئمة الحفاظ: محمد بن إسماعيل البخاري صاحب
    "الصحيح"، وقد اتفق علماء الأمة أن "صحيحه"، هو أصحُّ كتاب
    بعد كتاب الله، وإذا كانت السنة هي المصدر الثاني للتشريع، فإن عمدة السنة النبوية
    الصحيحان: "البخاري ومسلم"؛ لذا تجد كثيرًا ما إذا أراد مبتدع أن ينالَ
    مِن السنة؛ وجَّه سهامه إلى "صحيح البخاري"؛ يشكك في صحة أحاديثه، أو
    يطعن في عدالة رجاله، ويدعي معارضة نصوصه لصريح القرآن؛ وذلك لسوء فهمه للحديث أو
    القرآن أو كليهما.

    وفيما يأتي
    مِن مقالاتٍ -إن شاء الله- نبيِّن مَن هو البخاري؟ وما صحيحه؟ وما أشهر الشبهات
    التي تثار حوله، والرد عليها؟

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,878

    افتراضي رد: الإمام البخاري وصحيحه الجامع

    البخاري وصحيحه الجامع (2) المولد والنشأة





    كتبه/ شحات رجب بقوش




    الحمد لله،
    والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فقد أمر
    الرسول -صلى الله عليه وسلم- باتباع سنته بعد ما بيَّن فيها الدين خير بيان، فاهتم
    الصحابة -رضي الله عنهم- بنقل سنته -صلى الله عليه وسلم- وحمْلِها أينما رحلوا،
    وبلَّغوها لفظًا وسمتًا، وتلقاها التابعون، واعتنوا بحفظها ونقلها، ثم زاد
    الاهتمام بتدوينها.

    وفي تلك المدينة البعيدة "نيسابور" وفي مجلس مبارك من مجالس رواية
    السُّنة، يقول إسحاق بن راهوية (228هـ) لتلاميذه:
    "لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول
    الله -صلى الله عليه وسلم-"؛ فقيض الله لهذه المَهَمة شابًّا عالي الهِمة،
    محبًّا للسنة، وهو: أبا عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مغيرة بن بردزبه
    الجعفي مولاهم البخاري -رحمه الله-، فشمَّر عن ساعد الجِد، ورحل من بلاده في أقصى
    الشرق، فأتي العراق والحجاز والشام ومصر، ثماني عشرة سنة، سمع مِن القرين ثم رحل
    إلى شيخه ليعلو سندًا وشأنًا، يجمع ويفتش ثم ينتقي ويدوِّن، ليخرج أصح كتابٍ بعد
    كتاب الله -تعالى-.

    وسمَّى البخاري كتابه: "الجامع
    الصحيح المسند من أمور رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسننه وأيامه"، ومِن
    يوم أن أبرز البخاري كتابه، تلقته الأمة بالقبول؛ فكم مِن شارح لأحاديثه، أو مترجم
    لرجاله، أو مستنبط لفقهه، أو دارس للغته، أو مستدرك عليه، أو متعقب له، أو مستخرج
    عليه، أو مختصرٍ له! وما زال إلى يوم الناس هذا مادة ثرية للدراسة.

    فمَن هو البخاري؟
    هو: أبو عبد
    الله (كنيته)، محمد بن إسماعيل (وأبوه لم يُعرف بالعلم؛ إلا أنه كان محبًّا لأهل
    العلم، كتب عنه البخاري في تاريخه أنه رأى حماد بن سلمة، وصافح عبد الله بن
    المبارك، وقال عنه: إنه لمَّا حضرته الوفاة قال لمَن حوله: لا أعلم في مالي
    دينارًا فيه شبهة حرام)، بن إبراهيم جد البخاري المغيرة (جد أبيه، وهو أول مَن
    أسلم مِن أجداد البخاري) بردزبه (جد جده وكان مجوسيًّا ولم يسلم، وكلمة بردزبه
    كلمة تعني المزارع بلغة هذه البلاد)، الجعفي مولاهم (نسبة إلى أبو اليمان الجعفي
    والي بخارى الذي أسلم على يديه المغيرة فنسب إليه ولاءً)، البخاري (نسبة إلى مدينة
    بخارى بدولة أوزبكستان، تجاور نهر زرافشان).

    ولد البخاري -رحمه الله- يتيمًا عام (194هـ)، قال محمد بن أحمد بن الفضل
    البلخي:
    "سمعت أبي يقول: ذهبت عينا محمد بن إسماعيل
    في صغره، فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل -عليه السلام-، فقال لها: يا هذه،
    قد ردَّ الله على ابنك بصره لكثرة بكائك، أو كثرة دعائك -شك البلخي- فأصبحنا وقد
    ردَّ الله عليه بصره!".

    وطلب البخاري
    العلم مبكرًا، وأظهر فيه نبوغًا كبيرًا.

    وهذا ما
    نستعرضه في مقالٍ آخر -إن شاء الله تعالى-.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,878

    افتراضي رد: الإمام البخاري وصحيحه الجامع متجدد



    البخاري وصحيحه الجامع -3

    الطلب المبكر وعلو الهمة

    كتبه/ شحات رجب بقوش



    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    فقد بدأ البخاري طلبه للعلم مبكرًا وأظهر فيه نبوغًا كبيرًا، قال الفربري (رَاوِيَة البخاري): "سمعت البخاريَّ يقول: أُلهِمتُ حفظ الحديث وأنا في الكُتَّاب. قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ قال: عشر سنين أو أقل، ثمَّ خرجت من الكُتَّاب فجعلت أختلف إلى الدَّاخلي وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأ للنَّاس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيم، فقلت: إنَّ أبا الزُّبير لم يروِ عن إبراهيم. فانتهرني، فقلت له: اّْرجع إلى الأصل إن كان عندك. فدخل فنظر فيه، ثمَّ رجع فقال: كيف هو يا غلام؟ فقلت: هو الزبير -وهو ابن عدي- عن إبراهيم، فأخذ القلم وأصلح كتابه، وقال لي: صدقت. فقال له إنسان: ابن كم كنت حين رددتَ عليه؟ فقال: ابن إحدى عشرة سنة".
    ثم حُبب إليه الرحلة في طلب الحديث، فقام البخاري بأداء فريضة الحج وعمره ثماني عشرة سنة، فأقام بمكة يطلب بها الحديث، ثم رحل بعد ذلك إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرُحلة إليها، وكتب عن أكثر من ألف شيخ.
    فالأمصار الإسلاميَّة التي شدَّ رِحاله إليها ليَسمع مِن شيوخها كثيرة: حيث زار مكة، وبغداد، والبصرة، والكوفة، والشام، وعسقلان، وحمص، ودمشق، وغيرها، فسَمِع من عفان، وبمكة من المقرئ، وبالبصرة من أبي عاصم، والأنصاري وبالكوفة من عبيد الله بن موسى، وبالشام من أبي المغيرة والفريابي، وبعسقلان من آدمَ، وبحمص من أبي اليمان، وبدمشق من أبي مُسهر - شيئًا.
    وقد لاقى شدة في طلبه للعلم مِن: سفر، وجوع، وغير ذلك؛ قال محمد بن أبي حاتم الوراق: "كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر يجمعنا بيت واحد، إلا في القيظ أحيانًا، فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كل ذلك يأخذ القدَّاحة، فيُوري نارًا، ويُسرج، ثم يُخرج أحاديثَ، فيُعلِّم عليها".
    وكان وهو في سن الشباب مع أقرانه مهتمًا بغير ما يهتمون به من مرحٍ ولعبٍ، يصف لنا هانئ بن النضر ذلك، فيقول: "كنا عند محمد بن يوسف -يعني الفريابي- بالشام، وكنا نتنزَّه فِعْل الشباب في أكْل الفِرصاد -التوت- ونحوه، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يزاحمنا في شيء مما نحن فيه، ويكب على العلم".
    وكان من بركات الطلب المبكر للحديث، والهمة العالية: أن أدرك عددًا ممن يروي عن التابعين أمثال: المكي بن إبراهيم وطبقته؛ مما جعل إسناده عالٍ عن أقرانه، ووجد في صحيحه أحاديث ثلاثية الأسانيد، وكان هذا مما أهَّل البخاري فيما بعد أن يكون قبلة طالبي الحديث بأسانيد عالية.
    قال محمد بن أبي حاتم الوراق تلميذ البخاري وكاتبه: "وأملى يومًا عليَّ حديثًا كثيرًا -يعني البخاري-، فخاف مِلالي، فقال: طب نفسًا، فإن أهل الملاهي في ملاهيهم، وأهل الصناعات في صناعاتهم، والتجار في تجاراتهم، وأنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه" (سير أعلام النبلاء 12 / 445).
    كما كانت مِن بركات الطلب المبكر والهمة العالية: كثرة ما أنتجه من تصانيف، حيث كان أوَّل مُصنَّف يُصنِّفه هو عندما بلَغ الثامنة عشرة عامًا، ومن أشهر الكتب التي صنَّفها: "قضايا الصحابة والتابعين"، و"التاريخ الكبير"، و"التاريخ الأوسط"، و"التاريخ الصغير"، و"الأدب المفرد"، و"القراءة خلف الإمام"، و"بر الوالدين"، و"خلق أفعال العباد"، وكتاب "الضعفاء"، و"الجامع الكبير"، و"المسند الكبير"، و"التفسير الكبير"، وكتاب "الأشربة"، وكتاب "الهِبة"، و"أسامي الصحابة"، وكتاب "الوحدان"، وكتاب "المبسوط"، وكتاب "العلل"، وكتاب "الكُنى"، وكتاب "الجامع الصحيح"، وهو أجَلُّ كُتبه نفعًا وأعلاها قدرًا.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,878

    افتراضي رد: الإمام البخاري وصحيحه الجامع متجدد

    البخاري وصحيحه الجامع -4


    عدالة البخاري


    شحات رجب بقوش




    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فقد عاش البخاري في عصر الرواية الذهبي، وعاصر النقاد الجهابذة، فكان يتقي الشبهات حتى لا يطعن في عدالته فيضيع ما جمعه من حديث، ومِن أجل تحقيق ذلك كان يترك بعص المباحات اتقاءً للشبهات، قال وراقه (محمد بن أبي حاتم): "سمعته يقول: ما توليت شراء شيء قط، ولا بيعه، كنت آمر إنسانًا فيشتري لي! قيل له: ولمَ؟ قال: لما فيه من الزيادة والنقصان".

    فصان نفسه عن المباح؛ خوفًا مِن أن ينتقص فتسقط مروياته -رحمه الله-.

    وقد يخسر مالًا من أجل الحفاظ على عدالته: يحكي الشيخ عبد السلام المباركفوري: أن الإمام البخاري ركب البحر مرة في أيام طلبه، وكان معه ألف دينار، فجاءه رجل من أصحاب السفينة، وأظهر له حبه ومودته، وأصبح يقاربه ويجالسه، فلما رأى الامام حبه وولاءه، مال إليه، وبلغ الأمر أنه بعد المجالسات أخبره عن الدنانير الموجودة عنده.

    وذات يوم قام صاحبه من النوم؛ فأصبح يبكي ويُعْوِل، ويمزق ثيابه، ويلطم وجهه ورأسه، فلما رأى الناس حالته تلك أخذتهم الدهشة والحيرة، وأخذوا يسألونه عن السبب، وألحوا عليه في السؤال، فقال لهم: كانت عندي صرة فيها ألف دينار وقد ضاعت!

    فأصبح الناس يفتشون ركاب السفينة واحدًا واحدًا، وحينئذٍ أخرج البخاري صرة دنانيره خِفْية وألقاها في البحر، ووصل المفتشون إليه وفتشوه أيضًا فلم يظفروا بشيء، كما لم يجدوا شيئًا عند باقي ركاب السفينة، فرجعوا إلى الرجل المدعي، ولاموه، ووبخوه توبيخًا شديدًا.

    ولما نزل الناس من السفينة جاء الرجل الى الإمام البخاري وسأله عما فعل بصرة الدنانير؟

    فقال: ألقيتها في البحر! قال: كيف صبرت على ضياع هذا المال العظيم؟

    فقال له الامام: أتدري أنني أفنيت حياتي كلها في جمع حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعرف العالم ثقتي، فكيف كان ينبغي لي أن أجعل نفسي عرضة لتهمة السرقة؟ وهل الدرة الثمينة (الثقة والعدالة) التي حصلت عليها في حياتي أضيعها من أجل دراهم معدودة؟! (سيرة الإمام البخاري، 1/122-123).

    لقد اشترى سمعته بمال عظيم من أجل ما يحمله من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

    وكان يخشى مِن مظالم الناس حتى لو كانت صغيرة: قال وكان يركب إلى الرمي كثيرًا، فما أعلم أني رأيته في طول ما صحبته أخطأ سهمه الهدف إلا مرتين، بل كان يصيب في كل ذلك ولا يسبق. قال: وركبنا يومًا إلى الرمي ونحن بفربر، فخرجنا إلى الدرب الذي يؤدي إلى الفرضة فجعلنا نرمي فأصاب سهم أبي عبد الله وتد القنطرة التي على النهر فانشق الوتد، فلما رأى ذلك نزل عن دابته فأخرج السهم من الوتد وترك الرمي، وقال لنا: ارجعوا فرجعنا، فقال لي: يا أبا جعفر، لي إليك حاجة -وهو يتنفس الصعداء-. فقلت: نعم. قال: تذهب إلى صاحب القنطرة فتقول: إنا أخللنا بالوتد فنحب أن تأذن لنا في إقامة بدله أو تأخذ ثمنه وتجعلنا في حلٍّ مما كان منا، وكان صاحب القنطرة حميد بن الأخضر فقال لي: أبلِغ أبا عبد الله السلام، وقل له: أنت في حلٍّ مما كان منك، فإن جميع ملكي لك الفداء، فأبلغته الرسالة فتهلل وجهه، وأظهر سرورًا كثيرًا، وقرأ ذلك اليوم للغرباء خمسمائة حديث، وتصدق بثلاثمائة درهم (فتح الباري 1/480).
    وكان البخاري -رحمه الله- لا يفعل شيئًا إلا بنية، وهذا يجعله ورعًا: قال وراق البخاري: "رأيته استلقى ونحن بفربر في تصنيف كتاب التفسير، وكان أتعب نفسه في ذلك اليوم في التخريج، فقلت له: إني سمعتك تقول ما أتيت شيئًا بغير علم، فما الفائدة في الاستلقاء. قال: أتعبت نفسي اليوم، وهذا ثغر خشيت أن يحدث حدث من أمر العدو، فأحببت أن أستريح وآخذ أهبة، فإن غافصنا العدو كان بنا حراك" (المرجع السابق).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,878

    افتراضي رد: الإمام البخاري وصحيحه الجامع متجدد

    البخاري وصحيحه الجامع (5) إتقانه وحفظه للحديث


    شحات رجب بقوش




    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


    فقد عاش البخاري -رحمه الله- عصر الرواية التي كان عمادها على الحفظ ثم الكتابة، وقد ضرب المثل في الحفظ والاتقان لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-.

    وهذا جاء من سببين:

    الأول: توفيق الله -تعالى- لعبده.

    والثاني: الدأب في الطلب واستفراغ الوسع.

    قال الحسين بن حريث: "لا أعلم أني رأيت مثل محمد بن إسماعيل، كأنه لم يخلق إلا للحديث. وقال أبو حاتم الرازي: لم تخرج خراسان قط أحفظ من محمد بن إسماعيل، ولا قدم منها إلى العراق أعلم منه" (الفتح: 1/ 484).

    وقد ظهرت علامات النبوغ في الحفظ عليه منذ صغره: قال حاشد بن إسماعيل: "كان البخاري يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام، فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام فلمناه بعد ستة عشر يومًا، فقال: قد أكثرتم عليَّ فاعرضوا عليَّ ما كتبتم. فأخرجناه، فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه!".

    وقال محمد بن الأزهر السجستاني: "كنت في مجلس سليمان بن حرب، والبخاري معنا يسمع ولا يكتب. فقيل لبعضهم: ما له لا يكتب؟ فقال: يرجع إلى بخارى ويكتب مِن حفظه".

    وكان حافظًا لأسماء الرجال وكناهم، وألقابهم وأنسابهم، لا يختلط عليه منها شيئًا؛ ظهر ذلك في مجلس شيخه محمد بن يوسف الفريابي عندما قال: "حدثنا سفيان عن أبي عروة عن أبي الخطاب عن أبي حمزة، فلم يعرف أحد في المجلس مَن فوق سفيان. فقال البخاري لهم: أبو عروة هو معمر بن راشد، وأبو الخطاب هو قتادة بن دعامة، وأبو حمزة هو أنس بن مالك".

    ولمَّا ذاع صيته في الحفظ والضبط، كان اقرانه بين الحين والآخر يعقدون له امتحانًا؛ حرصًا منهم على حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ قال أبو الأزهر: "كان بسمرقند أربعمائة محدث، فتجمعوا وأحبوا أن يغالطوا محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد العراق في إسناد الشام، وإسناد الحرم في إسناد اليمن، فما استطاعوا مع ذلك أن يتعلقوا عليه بسقطة.

    وكذا قصته حين قدم بغداد وعقدت له المجالس فأراد محدثوها اختباره فجعلوا أسانيد مائة حديث على غير متونها، وعرضت عليه حديثًا حديثًا يقول لكل منها: "لا أعرفه"، فعلم المحدثون أنه فطِن للأمر، والعوام استهجنوا قوله، وظنوه جاهلًا، فإذا به قبل انتهاء المجلس يصحح ما سمعه، فيرد كل متن إلى إسناده!

    قال ابن عدي: "هنا يخضع للبخاري، فما العجب مِن رده الخطأ إلى الصواب فإنه كان حافظا، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة!".

    فالبخاري آية في الحفظ والاتقان، استعمله الله -تعالى- لخدمة سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فلا يقدح فيه ويتعقب عليه؛ إلا مَن كان مثله، حفظ الألوف من حديث النبي سندًا ومتنًا، واختلطت بشحمه ولحمه، وجرت في عروقه كالدم، وشُغِل بها ذهنه.
    أمَّا أن يأتي منتقد، ما حفظ، بل ولا قرأ، فضلًا من أن يكون فهم واستوعب؛ فهذا لا يسمع له، إنما هو مشكك جاهل!



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,878

    افتراضي رد: الإمام البخاري وصحيحه الجامع متجدد

    البخاري وصحيحه الجامع (6) تأليف البخاري لصحيحه


    كتبه/ شحات رجب بقوش




    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فإن مِن نعم الله على الإمام البخاري أن وفَّقه لحسن التتلمذ على شيوخه، يعي كلامهم، ويفهم مرادهم، ويلبي رغباتهم، قال البخاري -رحمه الله-: "كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله"، قال: "فوقع في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح".

    ثم لمَّا ظهر صدقه في سعيه لخدمة السنة جاءه ما يثبته ويدفعه لتحقيق مراده.

    قال البخاري -رحمه الله-: "رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وكأنني واقف بين يديه وبيدي مروحه أذبُّ عنه، فسألت بعض المعبرين، فقال لي: أنت تذب عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح".

    فطاف البخاري البلدان من بخارى شرقًا إلى مصر غربًا، ودخل بغداد حاضرة الخلافة مرارًا، وقصد مكة ليحج، ويرحل بعدها إلى صنعاء باليمن ليسمع مِن محدثها عبد الرزاق، فقيل له: قد مات، فرجع عن رحلته إليها، وكان عبد الرزاق ما زال حيًا، لكنها كانت حيلة من بعض أقرانه لصرفه عن الرحلة إليه حسدًا منهم للبخاري، ستة عشر عامًا يجمع ما وقف عليه من حديث، حتى بلغ ستمائة حديث، ثم عمد إلى أصحها ينتقيه انتقاءً ليضعه في الصحيح.

    وكان بداية التصنيف في الحرم المبارك الذي من عنده كان بداية الوحي، وكان البخاري أثناء تصنيفه للصحيح بعد ما يأخذ بالأسباب، يتجرد من حوله وقوته، ويلجأ إلى ربه عند كل حديث ينتقيه بالاستخارة فيه، قال البخاري: "صنفت كتابي هذا في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثًا حتى استخرت الله -تعالى-، وصليت ركعتين وتيقنت صحته".

    وكان البخاري يعيش في عصر الرواية، ويعلم أن هناك جهابذة يحفظون السنة كما يحفظون القرآن، وإنهم إذا انتقدوا سيقع نقدهم موقعًا يصرف الناس عن الكتاب؛ فأتقن كتابه وضبطه في بخارى بحضور كتبه وأصوله.

    وقد حَرِص البخاري على الدقّة والتثبّت في إخراج الكتاب، فأعاد النظر فيه عدّة مرات وتعاهده بالتهذيب والتنقيح، ولم يكد يتم تصنيفه حتى عرضه على شيوخه وأساتذته ليعرف رأيهم فيه، ومنهم علي بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة.

    قال العقيلي: "لما ألّف البخاري كتابه الصحيح عرضه على ابن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهم، فامتحنوه، وكلهم قال: "كتابك صحيح إلا أربعة أحاديث" قال العقيلي: "والقول فيها قول البخاري وهي صحيحة".

    فصحيح البخاري -كما ظهر- ليس جهدًا فرديًّا -كما يدعي البعض- ويوجهون سهامهم نحو هذا الفرد، إنما هو جهد جماعي منظم، نظر فيه جهابذة العلم وناقشوه فيه، قبل أن يخرج للناس، فانتقاده الآن ليس انتقادًا لكتاب أو لمصنفه، إنما هو انتقاد لأعلام الأمة، وأعمدة السنة من زمانهم إلى يوم الناس هذا، فعلي ابن المديني لن يجامل البخاري وقد سئل ابن المديني لما قدم بغداد عن حال أبيه في الرواية، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وعيناه تدمعان، وقال: "إنه دين؛ أبي ضعيف الحديث!"، ويحيى بن معين الذي عرف بتشدده في الرجال فمن زكاه يحيى فلا تنظر لكلام غيره، وابن حنبل الذي تعرض للفتنة وثبت ناصرًا للسنة؛ هل يجامل هؤلاء البخاري، ويخونون أنفسهم والأمة من بعدهم؟!

    ولم يصرِّح البخاري بشرط قبول الحديث في صحيحه، ولكن استنبط المحدثون شرطه من كتابه، فقال أبو بكر الحازمي: "إن شرط البخاري أن يخرج ما اتصل إسناده بالثقات المتقنين الملازمين لمَن أخذوا عنه ملازمة طويلة سفرًا وحضرًا، وإنه قد يخرج أحيانًا ما يعتمده عن أعيان الطبقة التي تلي هذه في الإتقان والملازمة لمن رووا عنه، فلم يلزموه إلا ملازمة يسيرة".

    وقال ابن الجوزي -رحمه الله-: "اشترط البخاري ومسلم الثقة والاشتهار. قال: وقد تركا أشياء تركها قريب، وأشياء لا وجه لتركها، فمما تركه البخاري الرواية عن حماد بن سلمة مع علمه بثقته؛ لأنه قيل: إنه كان له ربيب يدخل في حديثه ما ليس منه، وترك الرواية عن سهيل بن أبي صالح؛ لأنه قد تكلم في سماعه من أبيه، وقيل: صحيفة".

    فخرج الصحيح كتابًا يقصده مَن يريد الحديث والرواية، ومَن يريد الفقه ايضًا، لأن البخاري قصد في صحيحه إلى إبراز فقه الحديث الصحيح، واستنباط الفوائد منه، وجعل الفوائد المستنبطة تراجم للكتاب -أي عناوين له-، فيذكر متن الحديث بغير سند، وقد يحذف من أول الإسناد واحدًا فأكثر، وهذان النوعان يعرفان بالتعليق، وقد يكرر الحديث في مواضع كثيرة من كتابه يشير في كل منها إلى فائدة تستنبط من الحديث، وذكر في تراجم الأبواب الكثير من الآيات والأحاديث وفتاوى الصحابة والتابعين؛ ليبيِّن بها فقه الباب والاستدلال له، حتى اشتهر أن "فقه البخاري في تراجمه".
    وللحديث بقية -إن شاء الله-.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,878

    افتراضي رد: الإمام البخاري وصحيحه الجامع متجدد

    البخاري وصحيحه الجامع (7) اسم الصحيح وموضوعه ومنهجه


    كتبه/ شحات رجب بقوش




    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فقد اشتهِر ما صنفه البخاري باسم: "صحيح البخاري"، هكذا مختصرًا ومنسوبًا لمؤلفه؛ تمييزًا له عن كتب الصحاح الأخرى التي صُنفت مِن بعده، كصحيح كل مِن: مسلم، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن السكن، والحاكم، لكن للكتاب اسم آخر سمَّاه به البخاري، ووُجد على القطعة الموجودة مِن نسخة أبي زيد المروزي المحفوظة في جامعة كمبردج، وذكر القاضي عياض وابن خير الاشبيلي في "فهرسته" وغيرهم، كلهم نقلوا تسمية البخاري لصحيحه باسم: "الجامع المسند الصحيح المختصر من أُمور رسول الله -صلى الله عليه وسلّم-، وسننه وأيامه".

    وفهم مفردات هذا الاسم يعطي تصورًا صحيحًا لمنهج البخاري في صحيحه، ويرد على كثيرٍ مِن الشبهات المثارة حول الصحيح:

    "الجامع": يعني الكتاب المقسَّم لعدة أقسام تجمع أبوابَ الفقه؛ مِن الفقه، والعقيدة، والسيرة، والآداب والأخلاق والفضائل، والجنة والنار، وغيرها.

    "المسند": أي: المتصل بالأسانيد من المؤلف إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلا يُعترض على البخاري بالمعلقات والبلاغات، فهي خارجه عن شرط الكتاب، إنما جاء بها البخاري في صياغة تراجم الأبواب.

    "الصحيح": أي: الذي صحَّت نسبته إلى قائله بتوفر شروط صحة الحديث من عدالة الرواة، وضبطهم، واتصال الإسناد، وعدم الشذوذ والعلة.

    "المختصر": أي لم يستوعب كل الصحيح، كما صرَّح بذلك البخاري نفسه، فقد يصحُّ أحاديث لم يخرجها البخاري في صحيحه، وإنما اقتصر البخاري على أصحِّ ما عنده في الباب.

    "من أُمور رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسننه وأيامه": أي ما نقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- سواء من السنن التي يستفاد منها فقه أو اعتقاد، أو شمائله وسيرته -صلى الله عليه وسلم- وفضائل أصحابه.

    أمَّا عن محتوى الكتاب، فإن عدد أحاديث صحيح البخاري حسب قول ابن حجر: إنه بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات (7397) حديثًا، والخالص من ذلك بلا تكرار (2602) حديثًا، وإذا أضيف إلى ذلك المتون المعلقة المرفوعة وهي (159) حديثًا، فمجموع ذلك: (2761)، وعدد أحاديثه بالمكرر والتعليقات والمتابعات واختلاف الروايات (9082) حديثًا، وهذا غير ما فيه مِن الموقوف على الصحابة والتابعين.

    وعدد الأحاديث المعلقة: (1341)، وأكثرها مكرر مخرج في الكتاب أصول متونه، وليس فيه من المتون التي لم تخرج في الكتاب ولو من طريق أخرى إلا (159) حديثًا معلقًا.

    أمَّا عن تنوع تراجم البخاري فيقول صديق حسن خان: "وجملة تراجم أبوابه تنقسم أقسامًا؛ منها: أنه يترجم بحديث مرفوع ليس على شرطه، ويَذكر في الباب حديثًا شاهدًا على شرطه.

    ومنها: أنه يترجم بحديث مرفوع ليس على شرطه لمسألة استنبطها من الحديث بنحو من الاستنباط من نصه أو إشارته أو عمومه أو إيمائه أو فحواه، ومنها أنه يترجم بمذهب ذهب إليه ذاهبٌ قبله، ويذكر في الباب ما يدل عليه بنحو من الدلالة لو يكون له شاهدًا في الجملة من غير قطعٍ بترجيح ذلك المذهب فيقول: باب مَن قال كذا ...

    ومنها: أنه يترجم بمسألة اختلفت فيها الأحاديث، فيأتي بتلك الأحاديث على اختلافها، ليقرب إلى الفقيه من بعده أمرها، مثاله: "باب خروج النساء إلى البراز"، جمع فيه حديثين مختلفين.

    ومنها: أنه قد تتعارض الأدلة، ويكون عند البخاري وجه تطبيق بينها، يحمل كل واحد على محمل فيترجم بذلك المحمل، إشارة إلى التطبيق، مثاله: باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وما يحذر مِن الإصرار على النفاق والعصيان. ذكر فيه حديث: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر".

    ومنها: أنه قد يجع في الباب أحاديث كثيرة كل واحد منها يدل على الترجمة، ثم يظهر له في حديث واحد فائدة أخرى سوى الفائدة المترجم عليها، فيعلم ذلك الحديث بعلامة الباب، وليس غرضه أن الباب الأول قد انقضى بما فيه، وجاء الباب الآخر برأسه، ولكن قوله: "باب" هنالك بمنزلة ما يكتب أهل العلم على الفائدة المهمة لفظ: تنبيه أو لفظ فائدة أو لفظ قف.
    ومنها: أنه قد يكتب لفظ: "باب" مكان قول المحدثين: "وبهذا الإسناد"، وذلك حيث جاء حديثان بإسنادٍ واحدٍ، كما يكتب حيث جاء حديث واحد بإسنادين، مثاله: "باب ذكر الملائكة"؛ أطال فيها الكلام حتى أخرج حديث: "الملائكة يتعاقبون، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" برواية شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ثم كتب: "باب إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء آمين" ثم أخرج حديث: "إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة"، ومنه: أنه يذهب في كثيرٍ مِن التراجم إلى طريقة أهل السِّير في استنباطهم خصوصيات الوقائع والأحوال من إشارات طرق الحديث، وربما يتعجب الفقيه لعدم ممارسة هذا الفن، لكن أهل السير لهم اعتناء شديد بمعرفة تلك الخصوصيات".



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,878

    افتراضي رد: الإمام البخاري وصحيحه الجامع متجدد

    البخاري وصحيحه الجامع (8) روايات صحيح البخاري

    كتبه/ شحات رجب بقوش



    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فمن الأمور المهمة التي يجب أن يكون لدى المهتم تصور لها: أمر روايات الصحيح، فكما أسلفنا أن كتاب صحيح البخاري هو في الأصل كتاب رواية، وليس كتابًا يكتب وينقل منه، فتداعى الناس عليه يطلبون سماعه على مصنفه ليتصل إسنادهم بهذه المرويات التي شرط مصنفها الصحة فيها.
    فلما أن انتهى البخاري -رحمه الله- من كتابة صحيحه عرضه على كبار شيوخه، ثم أمضى 24 سنة من حياته يرحل في بلاد المسلمين ويُحدّث بصحيحه، وفي كل مدينة يزورها يجتمع عليه آلاف من الناس يستمعون لصحيحه، وبهذا تعلم أن تشكيكات المستشرقين في احتمال تَغيّر أحاديث البخاري بعد وفاته، هي محض أوهام؛ لأن صحيحه قد تواتر عنه في حياته، فلو غلط عنه واحد من الرواة فسينكشف ذلك لكل الناس، خلال تلك الفترة الطويلة (24 سنة)، ولكن قد قام البخاري بعدة تعديلات طفيفة في صحيحه، خاصة في أسماء الأبواب، فكل رواية سُمّيت باسم راويها.
    وذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه: "النكت على ابن الصلاح" أن عدد الأحاديث في كل الروايات هو نفسه لم يختلف، وقد سمع منه الصحيح قرابة تسعين ألفًا، ورواه عنه عدد مِن الرواة الثقات، أشهرهم: المُحَدِّثُ الثِّقَةُ، أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر، الفَرَبْرِيُّ (ت:320هـ)، وقد سمع الصحيح مرتين: سنة 248 هـ وسنة 252 هـ.
    وتعد رواية الفربري من أشهر روايات الصحيح، والفروع عنها هي الموجودة بين أيدينا الآن، وسبب إقبال الناس عليها: ضبطه وامتلاكه لنسخة البخاري لصحيحه، وتأخر وفاته بالنسبة لمعظم مَن روى الصحيح عن البخاري.
    وقد رواة عن الفَرَبْرِيِّ جماعة، منهم: أبو إسحاق المستمليّ (ت376هـ)، وأبو محمد ابن حمُّويه السرخسي (ت381هـ)، وأبو الهيثم الكشميهني (ت389هـ)، أبو علي المروزيُّ، وأبو علي ابن السِّكن المصري البزِّاز (ت353هـ)، وعلى يديه دخل الصحيح الديار المصرية، ومنها: لبلاد المغرب، وأبو زيد المروزي (ت371هـ)، ويوجد قطعة من نسخته التي بخطه إلى اليوم في إحدى جامعات أوروبا سيأتي ذكرها -إن شاء الله-، وأبو أحمد الجرجاني (ت373 أو 374هـ) هؤلاء جمعًا رووا الصحيح عن الفربري عن البخاري سماعًا، وعن هؤلاء روى جمع عن جمع صحيح البخاري إلى يوم الناس هذا.

    ومن رواة الصحيح عن البخاري الإمام: إبراهيم بن معقل النسفي (295هـ)، وحمّاد بن شاكر النسوي (290 أو 311هـ)، وقد كان البيهقي يروي البخاري من طريقه كما يظهر من سننه، ومنصور بن محمد البزدوي (329هـ)، وآخرهم حسين المَحامِلي (330هـ).


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,878

    افتراضي رد: الإمام البخاري وصحيحه الجامع متجدد

    البخاري وصحيحه الجامع (9) عناية الأمة بالصحيح


    كتبه/ شحات رجب بقوش




    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فمنذ أن نشر البخاري كتابه بين الناس، فإنهم تلقوه بالقبول، واعتنت به الأمة اهتمامًا كبيرًا، فبعد ما سمعه من البخاري أو عليه، الألوف من الرواة وتنتشر روايته بين الأمصار حتى أثَّر ذلك في التصنيفات الحديثية المتأخرة، فأصبح المصنفون في الحديث كالبيهقي وغيره يعتنون بالتعليق على الأحاديث التي يسوقونها بأسانيدهم بقوله: "أخرجه البخاري"، ويعني آخرون ببيان الموافقة والبدل والمساواة لأسانيد وطرق البخاري.

    وفي دائرة أوسع: ظهر اهتمام كبير بعملية شروح الصحيح، ولقد أوصل بعض العلماء عدد شروح البخاري إلى نيف وثلاثين ومائة، ومن أشهرها: "أعلام السنن" للخطابي (ت: 388 هـ)، و"الكوكب الدراري في شرح صحيح البخاري" للكرماني (ت: 786هـ)، وشرح ابن بطال، وشرح الزركشي، وفتح الباري لابن رجب الحنبلي وهو غير مكتمل، وفتح الباري في شرح صحيح البخاري للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني توفي 852 هـ، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري لمحمد بن محمود العيني توفي 855 هـ، وإرشاد الساري للقسطلاني توفي 923 هـ، وكوثر الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري لمحمد الخضر الشنقيطي، وغيرها.

    وقبل ذلك ظهرت صورة أخرى من صور الاهتمام وهي: "المستخرجات"، وهي: عبارة عن إخراج محدث أحاديث كتاب معين بأسانيد غير أسانيد المصنف يلتقي معه في شيخه أو مِن علاه، ومِن هذه المستخرجات: مستخرج أبي بكر الإسماعيلي (371هـ)، ومستخرج أبي احمد الغطريفي (377هـ)، ومستخرج أبي بكر بن مردويه الأصبهاني (410هـ)، وغيرهم من أصحاب المستخرجات.

    ومِن العلماء مَن صنَّف المستدركات على الصحيحين: كالحاكم (405هـ) صاحب "المستدرك"، وقد لخصه الذهبي، والدارقطني (385هـ) في كتابه: "الإلزامات".

    ومِن صور الاهتمام أيضًا التي انتشرت مؤلفاتها: كتب تراجم رجال البخاري منفردة أو مع رجال مسلم، ومن أهمها: الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد الذين أخرج لهم البخاري في جامعه، لأبي نصر الكلاباذي (ت398هـ)، وغاية المرام في رجال البخاري إلى سيد الأنام، لمحمد بن داود البازلي (ت 925هـ)، وأسامي مَن روى عنهم محمد بن إسماعيل البخاري من مشايخه الذين ذكرهم في جامعه، للحافظ أبي أحمد بن عدي (ت 365هـ)، وأسامي مشايخ البخاري لأبي عبد الله محمد بن إسحاق ابن منده (ت395)،و التعريف بشيوخ حدَّث عنهم محمد بن إسماعيل البخاري في كتابه، وأهمل أنسابهم، وذكر ما يعرفونه به من قبائلهم وبلدانهم، لأبي علي الحسن بن محمد الجياني الغساني (ت 498هـ)، وأسامي شيوخ أبي عبد الله البخاري، وكناهم وأنسابهم وتواريخ وفياتهم، وأسامي من رووا عنهم وكناهم وأنسابهم للإمام رضي الدين الحسن الصَّغّاني (ت650هـ)، وغيرها من المصنفات.

    ولتقريب مادة الصحيح لمن لا يرغب في مطالعة الأسانيد تصدى عددٌ من العلماء لاختصار الصحيح، ومِن أهم الاختصارات: المختصر النصيح للمهاب بن أبي صفرة الأندلسي (ت: 435هـ)، والتجريد الصريح للزبيدي (ت: 893هـ).
    وهناك مِن صور العناية بالصحيح مَن صنف في الجمع بين أحاديث البخاري ومسلم، ومنهم مَن صنف في تراجم أبواب البخاري، ومنهم مَن اهتم بوصل معلقاته، وآخرون اهتموا ببيان غريب ألفاظه، وإلى يوم الناس هذا ما زال الصحيح بحرًا لا ينضب ماؤه، نهل منه الباحثون في رسائل الماجستير والدكتوراة والأبحاث الأكاديمية؛ مما يعطي صورة واضحة لمكانة الصحيح، وأنه لم تطوَ دفتاه يومًا عن العلماء، فلا يُسمع لمشككٍ يشكك في صحته وثبوته! ويترك هذا الجمع الغفير من علماء الأمة المجمعين على علو مكانته.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,878

    افتراضي رد: الإمام البخاري وصحيحه الجامع متجدد

    البخاري وصحيحه الجامع (10) مَن المنتقِدون للبخاري وصحيحه؟

    كتبه/ شحات رجب بقوش



    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    فلا يخفى على الكثيرين أن البخاري وصحيحه توجه إليهما الكثير من الاتهامات، وبلا شك أنها مجرد تشكيكات لا أساس لها من الصحة، ولكن قبل معرفة هذه الشبهات والرد عليها؛ يجب معرفة مَن المنتقِدون؟ والإجابة على هذا السؤال ستأخذ منهجًا زمنيًّا، فالطاعنون قدامى، ومعاصرون.
    فالطاعنون القدامى هم:
    - الخوارج: وهم مِن الفِرَق المنتسبة للإسلام، ولهم اعتقادات كثيرة باطلة، ويعدُّون من أوائل الطاعنين في السُّنةَّ النبوية، يوم أن اعترض إمامهم قائلًا: (والله إنِّ هَذِهِ القِسْمَة مَا عُدِلَ فيِهَا، وَمَا أرُيدَ بهِا وَجْهُ الله) (متفق عليه)، وقد أسقطوا عدالة كثير من الصحابة، وأولهم علي بن أبي طالب -رضي الله عنه.
    - المعتزلة: الفرقة ذات الآراء الشاذة المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، وقد طعن أصحاب هذه الفرقة في جملة من الصحابة، وردوا عددًا كبيرًا من الأحاديث بحجة مخالفتها للعقل، ومن ذلك: أحاديث الشفاعة، وأحاديث الصفات، وأحاديث رؤية الله في الآخرة، وأحاديث عذاب القبر، وغيرها.
    - الرافضة: وهم الذين يسبون أصحاب وينتقصونهم، بل ويكفرونهم، وينكرون عدالتهم، ويرفضون جميع الأحاديث التي يروونها، وهم ما زالوا حتى الآن على عدائهم القديم للسنة والصحيحين.
    - الزنادقة: وهم الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، وقد أنكروا السُّنَّة آحادَها ومتواترَها، ووضعوا عددًا من الأحاديث لتشويه صورة الإسلام والمسلمين.
    أما المنتقدون المعاصرون:
    - القرآنيون (وهم الزنادقة الجدد): قد دعوا إلى الاكتفاء بالقرآن فقط، وظنُّوا أن ذلك أحوَطُ لدينهم، ثم طعنوا في السُّنَّة النبوية، فزعموا أنَّ السُّنة لا يُحتجُّ بها مطلقًا، بحجة أنها كتبت بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- بمدة طويلة، وإن رواة هذه الأحاديث يطرأ عليهم الخطأ والنسيان.
    - العقلانيون (وهم معتزلة العصر): يلتقون مع المعتزلة في الأصول والأفكار، ومن ذلك: تقديسهم للعقل، وتقديمهم له على كتاب الله وسنة رسوله، وقد طعن العقلانيون المعاصرون في أحاديثَ كثيرةٍ في صحيح الإمام البخاري؛ بحجة أنها تخالف العقل.
    - الحداثيون: وهم منتسبون للإسلام، لكنهم معجبون بالحضارة الغربية، ويرون أن الغربيين ما تقدموا إلا بعد نقدهم الحاد لموروثهم، وخاصة الموروث الديني، فأرادوا أن يطبقوا ذلك على نصوص الشريعة الإسلامية؛ لينهضوا بالأمة الإسلامية نحو التقدم في زعمهم؛ ولذلك تعاملوا مع الأحاديث النبوية عامة، وأحاديثِ الصحيحين خاصة، وَفقًا للمعايير الغربية، وعدُّوها موروثًا تاريخيًّا انتهى وقته؛ ولهذا كانوا يستهزئون بالأحاديث، خصوصًا أحاديثَ الصحيحين، وصحيح البخاري على وجه أخص.
    - المستشرقون: وهم المرجعية الأساسية لكل الطاعنين المعاصرين الذين سبق ذكرهم، ويأتي على رأسهم المستشرق الطاعن في السُّنة: (جولدتسيهر) فقد ألَّف عددًا من الكتب المشتمِلة على الطعن في السنة عمومًا، والصحيحين على وجه الخصوص؛ ولهذا صارت هذه الكتبُ مصدرًا لكل الطاعنين في السُّنة من المعاصرين.
    أمَّا عن أهداف الطاعنين:
    تختلف أهداف الطاعنين في الصحيحين حسب نوع الطاعن، ويمكن إجمالُ أبرز دوافع الطعن في الجامع الصحيح في النقاط التالية:
    الهدف الأول: (إسقاط الدين الإسلامي): وهذا هدف المستشرقين بشكل عام، ومَن سار في دربهم من الحداثيين والعقلانيين.
    الهدف الثاني: (نُصرة المذهب العقدي): فبعض الطوائف الضالة المنحرفة، طعنت في بعض أحاديث الجامع الصحيح، لمخالفتها لأصولها العقدية؛ كالمعتزلة، والخوارج.
    الهدف الثالث: (الكيد لأهل السُّنة): وهذا هدف الرافضة وتبعهم الإباضية.
    الهدف الرابع: (دفع وساوس مزعومة ): وهذا الهدف تبناه القرآنيون، فادعوا الاكتفاء بالقرآن دون السنة؛ لعدم الجزم بصحتها، وكل بصير يعلم كذب هذا الادعاء، وخطره على الإسلام والمسلمين.
    الهدف الخامس: (المواءمة مع الغرب): يدعي بعض مَن طعنوا في أحاديث الجامع الصحيح، أنها غير مواكبة للعصر والواقع الذي نعيشه، متأثرين في ذلك بالغرب، وهذا هدف العقلانيين والحداثيين.

    الهدف السادس: (حب الظهور والشهرة): ويتحقق هذا الهدف بصورة أوسع بعد انتشار وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وهو هدف جماعة من العلمانيين والليبراليين (أبرز الطعون - عبد العزيز العقل).

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,878

    افتراضي رد: الإمام البخاري وصحيحه الجامع متجدد

    البخاري وصحيحه الجامع (11) هل الحداثيون أهل لنقد المتن؟

    كتبه/ شحات رجب بقوش



    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فلما عزَّ على الحداثيين التشكيك في ثبوت نسبة الصحيح للبخاري، لتوافر نسخه الخطية وانتشارها في جميع دول العالم تقريبًا، وكلها منسوبة بأسانيد راوي النسخة إلى البخاري، وما عليها من سماعات ومقابلات وبلاغات وتملكات لمن تناول النسخة من أهل العلم، فقطع هذا كله الشك بصحة نسبة الكتاب للبخاري.
    ولمَّا عزَّ عليهم أيضًا نقد أسانيد أحاديث الصحيحين؛ لوعورة مسلكها، وعدم تمكنهم من أدوات نقد الإسناد، وعدم استحضارهم للمصطلحات مما يجعلهم في حيص بيص أمام المتخصص في علوم السنة.
    فقد عمدوا إلى نظرية "نقد المتن"، وقد قامت عندهم هذه النظرية على تصور خاطئ وهو: أن المحدثين اهتموا بالإسناد دون المتن، ولم يكن لديهم قدرة على النظر في المتن وفهمه.

    والواقع يثبت أن المحدثين كان لهم نظر دقيق في المتون الحديثية، وكانوا لسلامة فطرتهم وفهمهم يتشككون في بعض المتون التي ظاهر إسنادها الصحة، ثم تظهر لهم علة الإسناد بعد سنين ويترجح فهمهم (ينظر مثاله: العلل لابن أبي حاتم 5/ 155).
    وقول الربيع بن خُثَيْم: "إنَّ مِنَ الحديثِ حديثًا له ضَوْءٌ كضوء النهار تعرفُهُ، وإنَّ مِنَ الحديثِ حديثًا له ظُلمةٌ كظُلْمة الليلِ تُنْكِرُهُ" (طبقات ابن سعد 6/186).
    وباب نقد المتن كان موجودًا عند المحدثين ونتج عنه مباحث اصطلاحية كثيرة مبسوطة في مواضعها من مصنفاتهم منها: مبحث الموضوع، والشاذ، والمقلوب، والمضطرب، والمدرج، ومختلف الحديث، وزيادة الثقة، وغيرها، مما يرد الادعاء بإهمال المحدثين باب نقد المتن، وقلة فهمهم له.
    لكن مع دندنة المستشرقين الكثيرة حول هذا الباب وتبعهم على ذلك الحداثيون؛ إلا أن هذه الدندنة أظهرت عوارهم أيضًا في هذا الجانب، حيث إن أحد كبار المتكلمين في هذه القضية وله بضعة مؤلفات فيها وأشهرها كتابه الذي صدر في عدة مجلدات "من النقل إلى العقل".
    يتبين من دراسة نقدة كنموذج لنقد المتن عند الحداثيين أنه ادعاء مجرد من أدواته؛ فكيف لرجل لا يعرف مفردات الحديث أن يرده بحجة انتقاد متنه؟! فهو يريد أن ينتقد المتن لقصور في معجمه اللغوي.
    وإليك الأمثلة على ذلك:
    - حديث البخاري (3245) "أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، لاَ يَبْصُقُونَ فِيهَا، وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ، آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ، أَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ".
    رد حفني الحديث منتقدًا لمتنه قائلًا: "رشحهم المسك، مع أن الرشح عيب وعلامة على البرد... !"، فظن المنتقد أن المقصود بالرشح هنا أحد أعراض مرض الإنفلوانزا، فوصفه بأنه عيب لا يليق بأهل الجنة، بينما المقصود به العرق وبعد أن قيده النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمسك، أصبح ميزة لأهل الجنة.
    - وحديث البخاري (376) عن أَبِي جُحَيْفَةَ قال: "ثُمَّ رَأَيْتُ بِلاَلًا أَخَذَ عَنَزَةً، فَرَكَزَهَا وَخَرَجَ النَّبِيُّ -صلى اللهع عليه وسلم- فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، مُشَمِّرًا صَلَّى إِلَى العَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ العَنَزَةِ".
    فرد المنتقدُ الحديثَ قائلًا: "هو إخراج مسرحي جميل. فبلال يرى أن مرور العنزة بين يدي الرسول أثناء الصلاة لا يجوز مستعملًا بعض العنف بركزها، وصلى الرسول والحيوانات تسير أمامه بقيادة العنزة ففي تاريخ الأديان تألف الحيوانات الرسول قبل أن يألفه الإنسان (2/ 449).
    قَصُر فهم المنتقد عن إدراك أن العنزة هنا المقصود بها الرمح ركزه بلال في الأرض سترة للإمام وهو النبي، فظنه المنتقد حيوانًا وهو أنثى الماعز.
    رد أحاديث الطب النبوي التي في البخاري لقصر فهمه ومن ذلك حديث (4478) "الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ" فقال: المنتقد (2/454): وكيف يكون ماء الأكمه شفاء للعين؟! كيف يكون ماء مريض دواءً للمريض إلا بدافع العجب وشد الانتباه والخروج عن المألوف؟!".
    فانظر كيف تحرفت الكلمة على المنتقد من "الكمأة" وهي ثمرة تنبت في الأرض، إلا "الأكمه" وهو المبتلى بالمرض المعروف.
    هذه أمثلة من عدم تمكن المنتقد من فهم ألفاظ المتن؛ فكيف يتسنى له نقده قبل فهمه؟!
    أضف إلى ذلك عشرات الأخطاء التاريخية، والعلمية، والفقهية المضحكة التي تدل على ضعف عقل المنتقد عن فهم المتن فضلًا عن انتقاده.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,878

    افتراضي رد: الإمام البخاري وصحيحه الجامع متجدد

    الإمام البخاري وصحيحه الجامع (12) شبهات حول شخص البخاري


    كتبه/ شحات رجب بقوش




    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فبعد ما عرضنا في المقالات السابقة الملامح العامة لحياة الإمام البخاري، ونُبذًا عن صحيحه، نتعرض فيما بقي من المقالات لبعض الشبهات المثارة بشيء من الرد، ونبدأها بمجموعة شبهات تثار حول الإمام البخاري نفسه، ومنها:

    - البخاري أعجمي ليس عربيًّا:

    فالبخاري ولد في "بخارى" في أواسط آسيا، بعيدًا عن جزيرة العرب؛ فكيف يجمع كتابًا يسبق به العرب؟!

    والجواب:


    أن البخاري وُلد من أب مسلم، ونشأ على الإسلام، وطلب العلم مبكرًا؛ فلمثله أن يأتي بما لم يأتِ به غيره ممن لم يعتنِ بالطلب المبكر، ثم إن هذه البلاد البعيدة تميزت بأمورٍ تنظيميةٍ سبقوا بها العرب، ومنها: التدوين والكتابة، حيث كانت بهذه المناطق نظم سياسية ودول قائمة؛ الأمر الذي جعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يستعين بنظام الدواوين في تنظيم دولته حيث كان مطبقًا في بلاد فارس وغيرها من دول العرب، بل والأعجب من ذلك: أن سيبويه مؤسس علوم العربية هو من هذه البلاد الآسيوية البعيدة عن العرب، وقد سبق العرب أنفسهم في تحرير قواعد لغتهم العربية.

    وأخيرًا: فأمر البخاري وغيره من العلماء أنهم غير عرب أمر فيه خلاف، فقد أثبت المؤرخ العراقي ناجي معروف بالأدلة التاريخية أن البخاري ومسلمًا وغيرهما من علماء هذه الأمصار تمتد أصولهم إلى العرب.

    - ومِن الشبهات التي أثيرت: أن البخاري تأثر في كتابه بالحالة السياسية وضغوط العباسيين:

    جاءت هذه الشبهة في "دراسات محمدية" للمستشرق جولدتسيهر (ص 54)، وتلقفها أذناب الاستشراق من الإعلاميين والمشككين.

    والرد باختصار: أن ذلك لم يرد مطلقًا في أيٍّ من كتب التاريخ، وهذه الكتب نفسها قد ذكرت بعض العلماء من شيوخ البخاري الذين لم يثبتوا في فتنة خلق القرآن، فإن المنهج التاريخي الذي اتبعه مؤرخو الإسلام الأول لا يحابي أحدًا دون أحدٍ، بل نقل التاريخ عكس ذلك كما في تاريخ بغداد للخطيب: "بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى إلى محمد بن إسماعيل: أنِ احمِلْ إليَّ كتاب الجامع والتاريخ وغيرهما لأسمع منك. فقال محمد بن إسماعيل لرسوله: أنا لا أُذِل العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت لك إلى شيء منه حاجةٌ فاحضُرْني في مسجدي أو في داري، وإن لم يعجبك هذا أنت سلطان فامنعني من المجلس ليكون لي عذرٌ عند الله يوم القيامة؛ لأني لا أكتم العلم؛ لقول النبي: (مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عَلِمَهُ ثُمَّ كَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)".

    - ومن الشبهات: أن البخاري بشر غير معصوم:

    والجواب: نعم، إن البخاري ليس معصومًا، فقد أخطأ أخطاءً في كتابه: "التاريخ الكبير"؛ مما دفع ذلك الإمام أبا حاتم الرازي لتأليف كتاب سمَّاه: "بيان خطأ البخاري في التاريخ الكبير"؛ لكن السؤال: هل غير المعصوم لابد أن يخطئ في كل عمل يعمله؟!

    فمثلًا: الطبيب غير معصوم، فهل لابد أن يخطئ في كل عملية جراحية يجريها للمريض؟!

    وعلى فرض الإجابة: "بنعم"، فهل كل خطأ يقع من الطبيب يؤدي حتمًا لوفاة المريض؟!
    قس على ذلك الإمام البخاري في صحيحه، كذلك عمل البخاري في صحيحه لم يكن عملًا فرديًّا، بل عرضه على بعض شيوخه، ومنهم الإمام أحمد، وعلي بن المديني -رحمهما الله-.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,878

    افتراضي رد: الإمام البخاري وصحيحه الجامع متجدد

    البخاري وصحيحه الجامع (13) شبهة فقد النسخة الخطية الأصلية

    كتبه/ شحات رجب بقوش


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    فيهاجم البعض صحيح البخاري، ويشكك في نسبته لإمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري -رحمه الله-، وذلك بشبهة فقدان أي نسخ مخطوطة بخط البخاري نفسه للصحيح، ولو كان الإمام البخاري قد كتب هذا الكتاب؛ فلماذا لا نجد النسخة الأصلية التي خطّها بيده؟ ويقولون: إنّ أقدم نسخة مخطوطة لصحيح البخاري تعود إلى القرن الرابع الهجري.
    ومما لا شك فيه أن النسخة الخطية لأي كتاب إذا ثبت أنها بخط المؤلف فإنها الكنز الثمين، لإفادتها صحة نسبة الكتاب لمؤلفه، والذي يطالب بالنسخة الخطية لصحيح البخاري التي بخط جامعه، فهذا يعتبر طرحًا علميًّا مضحكًا لرجل لا يعرف الظروف العلمية والتاريخية التي واكبت جمع البخاري لصحيحه.
    ويمكن الرد على هذه الشبهة من عدة وجوه:
    الوجه الأول: مما لا شك فيه أن البخاري كتب كتابه بخطه، وقد عرضه على شيوخه -كما ذكرنا من قبل-، ولكن بيننا وبين سنة وفاة البخاري 12 قرنًا من الزمان، ومن الصعب على نسخة كتبت في ذلك الزمان بالمواد المتاحة حينئذٍ أن تبقى هذا الزمان دون تحلل أو تلف، وخاصة إذا كانت متداولة، ويرغب كل إنسان في الاطلاع عليها كصحيح البخاري.
    الوجه الثاني: أن الحالة العلمية في القرون الأربعة الأولى -وهذه تسمَّى عصر الرواية- لم تكن تعتمد على نسخ الكتاب فحسب، بل كانت الرواية الشفهية أوثق من مجرد النقل من نسخة المؤلف، فبعد ما جمع البخاري صحيحه سمعه تسعون ألف رجل من الإمام البخاري نفسه -رحمه الله-، كما أخبر بذلك أحد أشهر تلاميذه، وهو محمد بن يوسف الفربري (المتوفى سنة 320هـ) (انظر: تاريخ بغداد)؛ هؤلاء التلاميذ كانوا يسمعونه منه ويكتبون الكتاب كاملًا، ثم يقابلونه بعد الانتهاء على نُسخته، بحيث تكون نُسخهم طبق الأصل عن نسخة البخاري.
    ثم جاء بعدهم جيل آخر سمع الكتاب من تلاميذ البخاري وقابلوا نُسخهم على نُسخ تلاميذ البخاري، ودونوا أسانيدهم على طرر نسخهم من الكتاب، وهكذا، حتى تواترت نسبة الكتاب، ولو ضاع الأصل الذي خطّه البخاري بيده فلن يضر ذلك في شيءٍ؛ لكون الكتاب قد انتشر وفشا بين التلاميذ، ولم يكن يومًا بمعزل عن أيدي العلماء، بل تناولوه بالدراسة -كما سبق أن أوضحنا- فمنهم الشارح، ومنهم المستدرك، ومنهم المختصر، ومنهم المستخرِج، ومنهم المترجم لرجاله، فكل هذا يزيد من ثبوتية نص الكتاب لمؤلفه.
    الوجه الثالث: مما اتفق عليه بين المشتغلين في تحقيق أو فهرسة التراث أنه ليس شرطًا لصحة نسبة الكتاب لمؤلفه أن يكون بخطه، بل هناك من الأمور التي لو وجدت تكون بنفس قوة خط المؤلف، منها: إسناد النسخة من الناسخ إلى المؤلف، وطباق السماع المدونة على هوامش وطرة النسخة، والتي تحمل أسماء الأعلام الذين سمعوا النسخة أو قرئ عليهم، وتملكات النسخة، وغير ذلك.
    الوجه الرابع: انتشار نسخ البخاري في العالم، فما مكتبة من مكتبات المخطوطات في العالم إلا وفيها عدة نسخ منه، ولا توجد فروق جوهرية تذكر بين هذه النسخ مما يعطي تصورًا واضحًا للأصول المتقنة التي نقلت منها.
    الوجه الخامس: أنه فرضًا لو ظهرت في إحدى خزانات الكتب مخطوطة، واُدعي أنها بخط البخاري، دون أن يكون لها إسناد، ولا عليها سماعات فهذه تسمى وجادة، وهي أقل درجات تحمل العلم -كما هو معروف عند المحدثين-، فلو حدث تعارض بين نسختين أحدهما مسندة، والأخرى وجادة؛ تُقدم المسندة.
    وأخيرًا: توجد نسخ متقدمة جدًا لصحيح البخاري، وهي قريبة العهد بزمانه منها قطعة (52 ورقة) من صحيح البخاري (تضم كتابي الزكاة، والصوم، وبعض الحج) محفوظة في جامعة كمبردج، وقدَّم المستشرق منجانا دراسة عنها نشرت عام 1936 بإشراف المستشرق مارجليوث، تفيد بأنها نسخة أبي زيد المروزي (ت371هـ)، التي سمعها من الفربري تلميذ البخاري عام (318هـ)، أي الذي يتناول هذه القطعة في جامعة كمبردج يكون بينه وبين البخاري رجلان (المروزي صاحبها، والفربري تلميذ البخاري) قد جاء في أبي زيد المروزي: عن الحاكم أبي عبد الله والخطيب البغدادي والنووي وغيرهم: حدث أبو زيد ببغداد، ثم جاور بمكة، وحدث هناك بالصحيح، وهو أجلُّ من رواه.
    بل هناك مِن أهل العلم مَن اطلع على نسخة الصحيح التي بخط البخاري نفسه، منهم: المستملي (ت376هـ) -أحد الرواة عن محمد بن يوسف الفربري- حيث يقول: انتسخت كتاب البخاري من أصله كما عند ابن يوسف (ينظر "التعديل والتجريح" للباجي (1 /310)، ورواية المستملي هذه معروفة، وقد نقلها عن الفربري ووثقها بنسخة البخاري التي بخطه.
    وبالتالي يتضح أن هذه الشبهة مجرد تشويش فقط، وليس لها أساس علمي؛ ولو سلِّم لها لخرج هؤلاء يومًا ما يطالِبون بالنسخة الأصلية من القرآن التي كتبها عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وهذا أمر يرده التواتر، كذا سيشككون في كل الكتب التي لا يوجد لها أصل خطي بخط مؤلفيها، وغالب التراث الإسلامي من هذا النوع.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,878

    افتراضي رد: الإمام البخاري وصحيحه الجامع متجدد

    البخاري وصحيحه الجامع (14)

    شبهات حول رجال البخاري






    كتبه/ شحات رجب بقوش

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    فإن البخاري -رحمه الله- وسم كتابه باسم: "الجامع المسند الصحيح المختصر"، أي أنه شرط الصحة في النص، وبالتالي يجب أن يكون الراوي عدلًا ضابطًا، حتى يتم له شرطه في صحة الرواية، لكن الواقع يدل على عدم استطراد هذه القاعدة، ففي رجال البخاري بعض المطعون فيهم مِن الرواة، وقد اُنتقد على البخاري إيراده أحاديث هؤلاء الرجال المطعون فيهم.
    ويرد على هذه الشبهة ردًّا إجماليًّا، وآخر تفصيليًّا.
    أما الرد الإجمالي:

    لا يُعاب على البخاري أنه أخرج لمن طُعن فيهم، فمما اتفق عليه بين علماء الحديث: "أنه ليس كل مَن وُثِّق قُبِل كل حديثه، وليس كل من ضُعِّف رُد كل حديثه".

    فالأصل في الثقة قبول حديثه، لكن قد يرد حديث الثقة، إذا خالف مَن هم أوثق منه أو غيرها من القرائن، فيصبح الحديث شاذًا أو معلًا، وأيضًا: مَن حكم عليه بالضعف أو غيره من الجرح فحكم حديثه الرد، ولكن قد يقبل حديث الضعيف بالقرائن أيضًا، ومنها: إذا توبع فينظر في المتابعات والشواهد، قد يقبل حديث مَن يصلح حديثه للاعتبار.
    ثم ليس كل مَن تُكلم فيه ثبت عليه الكلام، بل كثيرٌ ممن تكلم النقاد فيهم لم يثبت كلامهم، فقد يَرِد الخطأ عليهم، أو تدخل العصبية المذهبية، أو الانتصار للنفس على بعضهم، فقد يقول ناقدٌ ما عن راوٍ أنه ناصبي ويخرِّج له البخاري، وبتتبع الأمر نجد أن الناقد هو الذي فيه تشيع، وهكذا.
    وفيما يلي أمثله لبعض مَن طعن فيهم مِن رجال الصحيح، وبسبر أحوالهم وجد أن الطعن غير ثابت منهم:

    - باب المتفق والمفترق: قد يتفق اسما راويان ويكون أحدهما ضعيف، وروى البخاري عن الآخر وهو ثقة، فيتكلم ناقد عن الضعيف، فينصرف الذهن إلى الثقة؛ لأنه أشهر، فيقع الخلل عندئذٍ:
    مثاله: أحمد بن بشير من شيوخ البخاري، وروى له في الصحيح، ووثقه يحيى بن معين، وأبو بكر بن أبي داود، بينما قال الدرامي فيه: "متروك"؛ فكيف أخرج البخاري مروياته في الصحيح؟
    ويرد على ذلك الخطيب فيقول: ليس أحمد بن بشير الذي روى عن عطاء بن المبارك مولى عمرو بن حريث الكوفي؛ ذاك بغدادي، وأما أحمد بن بشير الكوفي، فليست حاله الترك، وإنما له أحاديث تفرد بروايتها، وقد كان موصوفًا بالصدق".

    وقد يكون الناقد ضعيفًا فلا يُقبل كلامه فيمن هو أوثق منه:

    مثاله: أحمد بن شبيب بن سعيد الحبطي، قال فيه أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال ابن عدي: قَبِله أهل العراق ووثقوه، وروى له البخاري حديثًا؛ إلا أن أبا الفتح الأزدي قال: "منكر الحديث غير مرضي"، فقد يقال كيف أخرج له البخاري وهو كذلك؟
    أجاب عن ذلك الحافظ ابن حجر -كما في الفتح- فقال: "ولا عبرة بقول الأزدي؛ لأنه هو ضعيف؛ فكيف يعتمد في تضعيف الثقات؟!".
    وبعض مَن تُكلم فيهم مِن رواة البخاري ثبت خطأ الناقد، فقد أخرج البخاري حديثًا واحدًا عن بشر بن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وهو ثقة ذكره ابن حبان في "الثقات".
    قال ابن حجر -رحمه الله-: "ثم غفل غفلة شديدة -أي ابن حبان- فذكره في الضعفاء، وروى عن البخاري أنه قال: "تركناه"، وهذا خطأ مِن ابن حبان نشأ عن حذف؛ وذلك أن البخاري إنما قال في "تاريخه": "تركناه حيًّا سنة اثنتي عشرة"، فسقط من نسخة ابن حبان لفظة: "حيًّا"؛ فتغير المعنى".
    فهذه بعض أمثلة لمَن تُكلم فيهم بطعنٍ ولم يثبت هذا الطعن، ورُدَّ كلام قائله؛ إلا أن هناك قسمًا مِن المطعون فيهم مِن رواة الصحيح قد ثبت فيه الطعن؛ إلا أن البخاري قد اتبع في إخراج حديثهم ما يسميه المحدثون بـ"نظرية الانتقاء".
    وهي موضوع مقال قادم -إن شاء الله-.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,878

    افتراضي رد: الإمام البخاري وصحيحه الجامع متجدد

    البخاري وصحيحه الجامع (15) مَن ثبت فيه الطعن ولم يضر الرواية



    شحات رجب بقوش


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


    فقد وقفنا مع مَن أخرج له البخاري في الصحيح، وقد تكلم فيه أحد النقاد أو بعضهم، ومع سبر حال الراوي وجد أن الطعن لم يثبت، وفي هذا المقال نتعرض لصنفٍ مِن الرواة قد ثبت فيهم الطعن، لكنه لم يضر الرواية، وهذا الصنف كثيرًا ما يقدم الطعن في البخاري من بابه، وتحرير محل النزاع يحل الإشكال، فالبخاري كتاب رواية حديث، فلو كان الراوي ضعيفًا في الفقه أو اللغة أو القراءات؛ إلا أنه ضابط في روايته للحديث فلا يضر ضعفه فيما ذكر، ولا يعاب إخراج البخاري لحديثه.

    مثاله: عكرمة مولى ابن عباس، قد تُكلم فيه مِن حيث إنه يرى بعض قول الخوارج، وكان يقبل الهدايا من السلطان، وأنه قيل فيه: "كذب على ابن عباس"، ودارات حلقات تلفزيونية حول هذا الكلام، وكيف أخرج له البخاري في صحيحه!

    وقد رد كثيرٌ من العلماء هذه الشبهة في الكتب التي ترجمتْ لعكرمة، وملخص ردهم: أن الشبهتين الأوليتين لا علاقة لهما بالرواية؛ إذ إن مدار الرواية على الضبط والصدق، فكونه يرى بعض قول الخوارج طالما لم يدفعه ذلك للكذب فلا يقدح، وهدية الأمراء هي أمر اختلف فيه العلماء، ولا ينكر عليه طالما لم يؤثِّر ذلك على الرواية، أمَّا كونه اتهم بالكذب عن ابن عباس، فمنسوب ذلك القول إلى ابن عمر -رضي الله عنهما-، وهذا الاتهام بالكذب ليس في حديث النبي فلا يوصف حديثه بالموضوع، إنما حديث المتهم بالكذب في حديث الناس يكون حديثه متروكًا وهو مِن باب المردود أيضًا، لكن تبين أن من لغة أهل الحجاز أنهم يطلقون الكذب بمعنى الخطأ، وعندما قيل: كذب على ابن عباس، أي: أخطأ في نقل الفتوى عن ابن عباس حيث كان لابن عباس مذاهب رجع عنها: كالقول بالمتعة، والصرف، وكان عكرمة لا يعلم برجوعه، فيحدث الناس بها فاتهمه بعضهم بالكذب، غير أنه قد توبع مِن غيره فعلم المحدثون الذين تأخروا أنه ظلم وما كذب، وفي هذا رد على مَن زعم أن المتقدمين كذبوه والمتأخرين قبلوه.

    وممن ثبت فيهم الطعن المقيد راعى البخاري هذا القيد عند إخراجه لحديثه في الصحيح، كأن يكون الراوي اختلط في آخر عمره، لكن البخاري علم أن هذا المختلط منعه أهله من التحديث بعد الاختلاط فلا يضر اختلاطه ويخرج البخاري له، ومثاله: جرير بن حازم، وحجاج بن محمد الأعور المصيصي، وقد كانا ثقتين قبل الاختلاط ولم يحدثا بعد اختلاطهما، وأخرج البخاري لهما في صحيحه.

    أو الراوي كان ثقة ثم اختلط، وحدث بعد الاختلاط فيراعي البخاري إخراج حديثه عمن سمع منه قبل الاختلاط، ومثاله: حصين بن عبد الرحمن السلمي، قال أحمد بن حنبل: "حصين بن عبد الرحمن، الثقة المأمون، من كبار أصحاب الحديث؛ إلا أنه اختلط في آخر عمره"، ومع هذا فقد أحتج البخاري بحديث مَن سمع منه قبل الاختلاط، ومَن سمع منه بعد الاختلاط روى لهم استشهادًا مما توبعوا عليه.

    وقد سمع منه قديمًا قبل أن يتغير سليمان التيمي، وسليمان الأعمش، وشعبة، وسفيان، وهشيم بن بشير، وزائدة بن قدامة، وخالد الواسطي، وسليمان بن كثير. وممَن روى عنه بعد الاختلاط: حصين بن نمير وأبو عوانة، وأبو بكر بن عياش، وأبو كدينة، وعبثر بن القاسم، وعبد العزيز العمي، وعبد العزيز بن مسلم، ومحمد بن فضيل، وقد أخرج البخاري من حديثهم ما توبعوا عليه.

    ومِن الطعن المقيد: أن يكون الراوي ضعيفًا في أحد شيوخه، فيتجنب البخاري رواية هذا الراوي عن ذلك الشيخ، مثاله: الربيع بن يحيى بن مقسم، من شيوخ البخاري وهو ثقة؛ إلا في الثوري، والبخاري لم يخرج حديثه إلا عن شيخه زائدة، وتجنب حديثه عن الثوري.

    ومِن الطعن المقيد: أن يكون الراوي يحفظ حفظ كتاب لا حفظ صدر، فلا يروي البخاري عنه إلا إذا حدثه مِن كتابه، أو حدثه الشيخ والبخاري ينظر في كتابه بنفسه، كما حدث مع إسماعيل بن أبي أويس، كان ضعيف الحفظ ضابطًا لكتابه، وعنده حديث خاله الإمام مالك بن أنس، فلما أراد البخاري الرواية عنه راعى ضعف حفظه، وطلب منه الكتاب لينظر فيه.

    ومِن هذا العرض يتبين: أن الذي يطعن في رجال الصحيح لكلامٍ فيهم؛ أن هذا الكلام لم يكن بمنأى عن البخاري، بل عَلِمَه وعرف كيف يتعامل معه، مراعيًا صحة الرواية، وهو ما يعرف أكاديميًّا في الدراسات الحديثية الحديثة بـ"نظرية الانتقاء عند البخاري"، ومفادها: أن البخاري قد راعى جيدًا كيف يقف على الرواية الصحيحة عن الراوي حتى لو كان الراوي متكلَمًا فيه؛ فلو كان الكلام مقيدًا بحالٍ تجنب البخاري هذه الحال، وأخرج الحديث مِن غيرها، وإن كان الطعن مطلقًا أخرج له البخاري ما وافق فيه الثقات، وهو ما يُعرف بتصحيح الحديث بالمتابعات والشواهد.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •