هل نحن بحاجة إلى إحياء ثقافة الحياة الأسرية ؟
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3
1اعجابات
  • 1 Post By فاطمة العامري

الموضوع: هل نحن بحاجة إلى إحياء ثقافة الحياة الأسرية ؟

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,028

    افتراضي هل نحن بحاجة إلى إحياء ثقافة الحياة الأسرية ؟

    هل نحن بحاجة إلى إحياء ثقافة الحياة الأسرية ؟ 1-2
    يحيى البوليني




    ربما كان الجيل الحالي أحسن حظا من الجيل الذي سبقه في نواح عدة أغلبها في مجال التقنية , فقد يُسر لهم اقتناء آلات وأدوات ومستلزمات يسرت لهم سبل الحياة بما لم يخطر على عقل وقلب أحد من أبناء الجيل السابق , لكن فارقا مهما وجديرا بالتوقف عنده حين المقارنة بين الجيلين , وهو أن الجيل السابق كان نصيبه أعظم بكثير في مجال الثقافة والتربية الأسرية والتدرب على تحمل المسئولية , وهي التي تعلمها بالممارسة والمشاهدة والتطبيق العملي قبل أن يدخل بنفسه في مضمار الاختبار الفعلي .

    فغالب أبناء الجيل السابق – رجالا ونساء - قد نشأ في الأسر الكبيرة التي يجتمع فيها ثلاثة أجيال , والتي يتعلم فيها الناشئة أسس التربية السليمة تعليما غير مباشر , ويتدرب فيها الابن المقبل على الزواج أو المتزوج حديثا على تحمل المسئولية قبل وبعد زواجه , وتتدرج في تلك المعرفة بحكم مرور السنين وتراكم الخبرات ومهام الزوج والزوجة الذين يصبحان بمرور الوقت هما الجد والجد في أسرة كبيرة أخرى .

    ولكن الجيل الحالي من الشبان والشابات المقبلين على الزواج أو المتزوجين حديثا الذين لم يشهدوا تلك الأسر الكبيرة وتمت تربيتهم في أسرة صغيرة مقتصرة على زوج وزوجة وأبناء فقط , لذا هم يعيشون في مشكلة تربوية كبيرة , فمعظمهم يتعرضون لنقلة فجائية بين مرحلتين ليس بينهما أي اقتراب أو تشابه , مرحلتان تختلف فيهما نظرة المجتمع إليهما وتعامله معهما , بل وتختلف فيهما نظرة هؤلاء الأزواج والزوجات لأنفسهم , وحينها يشعر معظمهم بالغربة سريعا , ويتمنى كل منهما لو يعود لسيرته الأولى التي كانت أكثر راحة من تلك الجديدة , ويسعى كثير منهم للتخلص الفعلي من ربقتها

    فما بين المرحلة التي يكون فيها الشاب أو الشابة مدللين في كفالة والديهم , لا يُكلفون – غالبا - بأي عمل , ومعظم أوامرهم ورغباتهم مجابة خصوصا البنات , يُلتمس لهم دوما الأعذار بدعوى صغر السن وحداثة الخبرة , لا يشغلون أنفسهم بشيء من مهام الأب وإلام , فالأب والأم يغدقان في عطائهما ويظنان أنهما يؤديان كل ما عليهما تجاه أبنائهم , بل وربما يتكفل الآباء بكل أو معظم نفقات الزواج نيابة عن أبنائهم الذكور ويظنون بهذا التصرف أنهم يحسنون صنعا .

    وتأتي المرحلة الأشد والأصعب التي لا يفصل بينها وبين الأولى سوى ليلة واحدة يكون فيها العرس , فينتقل الزوجان الصغيران إلى مكان جديد بطبيعة جديدة لم يدركاها أو يستعدا لها من قبل , لينتظر كل منهما من الآخر أن يقوم بنفس المهام التي كان يقوم بها والداه , ويُفاجأ كل منهما أن الطرف الآخر لا يستطيع القيام بأية مهمة سوى انتظار ما يؤديه الآخر له , وربما يتعجب أحدهما من عدم قيام زوجه بتلك المهام , ولا عجب حينها فالآخر أيضا ينتظر نفس الشيء منه .

    ومن هنا تنشأ مشكلة حديثي الزواج والتي ينتج عنها بحسب الإحصاءات الرسمية في معظم الدول العربية أن السنة الأولى للزواج هي أكثر سنة تقع فيها حوادث الطلاق .
    ولهذا نحتاج جميعا إلى تعلم ثقافة أسرية ليست بالجديدة ولكنها قديمة ومفتقدة , يحتاجها الآباء والأمهات الكبار لتغيير بعض ما ترسخ في أذهانهم حول أفكار العطاء اللامتناهي واللامحدود بدعوى تجنيب الأبناء أية مسئوليات داخل المنزل أو خارجه , ويحتاجها الآباء والأمهات أيضا لينقلوها لأبنائهم منذ صغرهم ويربوهم عليها , ويكثروا من تلك المعاني لاسيما في الفترات الأخيرة قبل زواج الأبناء وانتقالهم لبيوتهم الجديدة حتى لا تحدث لهم هذه الانتكاسات التي يكون من أهم أسبابها العطاء المسرف من الآباء والأمهات , وحتى لا ترتدي الجناية على الأبناء ثوب الحب والتعاطف .

    وهناك العديد من الأسباب التي تدفعنا للقول بالحاجة إلى تعليم الحياة الأسرية لأبنائنا ولتغيير الثقافات السائدة الحالية في الكثير من البيوتات العربية والمسلمة :
    - تعدد مصادر التلقي وتنوعها وعدم الاطمئنان إليها
    كان للتطور التكنولوجي الهائل الذي تميز به هذا العصر أثره الكبير في تنوع مصادر التلقي للأبناء وذلك منذ نعومة أظفارهم , فالطفل يتأثر بكل من حوله وما حوله وخاصة في سبيلين شديدي الخطورة على الأبناء وهما : جهاز التلفزيون - بما صحبه من انفتاح هائل على الثقافات والأفكار العابرة للمحيطات - مؤثر تأثيرا بالغا عليهم بما يبثه من أفكار وقيم بداية من قنوات الكارتون للأطفال مرورا بالمسلسلات والأفلام والبرامج للشباب , فلا يصح أن نعتقد أن غيرنا ينفق الملايين على هذه الأعمال ثم ينشئ قنوات لبثها مجانا دون أن يكون له هدف ورسالة يهتم بتوصيلها للنشئ الغض الذي لا يزال في مرحلة التكوين , والسبيل الثاني الانترنت بما صحبه من خروج كامل ذهني ومادي لمعظم الأبناء من تحت سيطرة أفكار الوالدين , بل ويستطيع كل منهم أن يتفاعل مع عالم خارجي مليئ بالمتناقضات الفكرية في حين يظن الأبوان أنه في غرفة مغلقة عليه وخاصة مع صغر حجم الأجهزة الحديثة مثل الهواتف النقالة المتطورة بسرعة شديدة والتي تستطيع أن تكون وسيلة شديدة الخطورة على التربية الأسرية .
    - ضيق وقت اللقاء الأسري عن ذي قبل
    عندما نقارن بين الجيلين نكتشف أن وقت اللقاء الأسري قد أخذ في التناقص بشكل حاد في هذه الأجيال عن الأجيال التي سبقتها , فشواغل الحياة الآن كثيرة جدا بما لا يسمح بوجود فترات طويلة للقاء والحوار , فالطالب منهك في مدرسته وخارجها بداية من مرحلة الطفولة التي اغتلناها بكثرة الواجبات المدرسية , والأب كنتيجة لضغوط الحياة وتسارعها لا يتمكن من المكث كثيرا في المنزل , أما الأم فربما ساهمت وسائل الاتصال الحديثة أيضا في انشغالها وتحتل الأعمال المنزلية من وقتها الكثير نتيجة عدم المساعدة من أبنائها – إلا أن يكون لديها من يخدمها – وتحتل الأجهزة التقنية مكانها كشريك دائم في اللقاء الأسري الذي لا يستمر للحظات حتى أثناء تناول الطعام , فنشرات الأخبار دائمة على مختلف القنوات والأحداث متلاحقة , والبرامج المسلية مستمرة , والمباريات على مدار الساعة , والهواتف لا تكف عن الرنين وتقطع كل حوار مما لا يسمح بوجود تفاعل مستمر وهادف وبناء بين أفراد الأسرة , وبالتالي لن يسمح هذا الوضع بنقل خبرات أو صقل تجارب أو عرض مشكلات وبحث سبل حلها بل لا يكاد ذلك الوضع يسمح بمجرد استماع كل طرف لغيره .


    - تقديم المعرفة الذاتية على المعرفة المكتسبة من الأسرة
    ظل الأمر طبيعيا لفترة طويلة في السابق , فنتيجة لاحتكاك الأجيال الطبيعي يحدث التفاعل ويستفيد كل جيل بخبرات من سبقه , ولكن بظهور تلك الأجيال التي تطورت تقنيتها جدا فأصبح الفارق بينها وبين جيل آبائها شاسعا , وظهرت فجوة فكرية بينهما تزداد يوما بعد يوم , فقدم الأبناء معارف جيلهم ومكتسباته الثقافية من خلال تفاعلهم مع مجتمع خارجي مقارب لهم في السن والثقافة على المعارف التي يستقونها من والديهم , بل وأصبحوا ينظرون إلى الأفكار والتصورات التي يطرحها الآباء بنظرة استعلائية متكبرة رافضة وربما معادية , وقدموا ثقافتهم التي اكتسبوها من أقرانهم دون وجود معايير ضابطة على أية ثقافة أخرى , بل ويعتقدون أنهم بمجرد ضغطة على محرك البحث سوف يصلون إلى علوم وثقافات وخبرات أرقى بكثير من الثقافات البالية – في نظرهم – التي سيحصلون عليها من والديهم .


    - كثرة الضغوط على الأسرة كلها نتيجة ذهاب بركة الوقت
    تميز هذا العصر بأنه عصر لاهث , الكل فيه يجري غير منتبه لمن معه , فنتيجة لتغير أحوال الكثيرين في مخالفة النواميس الكونية في النوم والاستيقاظ كما قال الله سبحانه " وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً " , فكثر السهر بالليل واستبدل الليل بالنهار , وصار عدد غير قليل من الناس – إلا من رحم الله - يستيقظ قبل الظهر بقليل وربما يمتد نومه إلى ما بعده , مما جعله يفقد بركة النهار فلا يشعر إلا بانقضائه دون أن ينجز أي عمل , فيستمر في اللهث والمسارعة لكي يدرك يومه الذي لم يبدأ فعليا إلا قبيل المغرب مما ينزع عن الناس إحساسهم بالأيام وتسارعها ويشغلون عن كثير من المهام الأساسية لهم , ومنها بالطبع الاهتمام بتربية الأبناء تربية أسرية سليمة .


    - النظرة المادية الغالبة على هذا العصر
    أضحت النظرة المادية تحكم الكثير من الرؤى والأفكار , وصار كل شيئ قابلا للتقويم المادي , واختزلت معظم المشاعر الإنسانية في صورة رقمية , فالأب يقيس درجة اهتمامه بأبنائه وحرصه عليهم بتوفير احتياجاتهم المادية , ويقنع نفسه أنه طالما وفر لهم الحياة المادية الكريمة أنه قد أدى كل ما عليه , والأم تعتقد أنها طالما تعمل أو تساهم في تلبية متطلبات أبنائها وتهتم بشئونهم المادية أنها قد أدت كل ما عليها وأنها قد قامت بواجبها خير قيام , ومعظم الأبناء كذلك لا يرون في الآباء إلا ممولين مادين ولا يرون في الأمهات إلا مديرات منازل , وأضحت كثير من العلاقات الأسرية بل والإنسانية كلها تقاس بمعايير رقمية بحتة .

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    26

    افتراضي رد: هل نحن بحاجة إلى إحياء ثقافة الحياة الأسرية ؟

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابو وليد البحيرى مشاهدة المشاركة
    هل نحن بحاجة إلى إحياء ثقافة الحياة الأسرية ؟ 1-2
    يحيى البوليني




    ربما كان الجيل الحالي أحسن حظا من الجيل الذي سبقه في نواح عدة أغلبها في مجال التقنية , فقد يُسر لهم اقتناء آلات وأدوات ومستلزمات يسرت لهم سبل الحياة بما لم يخطر على عقل وقلب أحد من أبناء الجيل السابق , لكن فارقا مهما وجديرا بالتوقف عنده حين المقارنة بين الجيلين , وهو أن الجيل السابق كان نصيبه أعظم بكثير في مجال الثقافة والتربية الأسرية والتدرب على تحمل المسئولية , وهي التي تعلمها بالممارسة والمشاهدة والتطبيق العملي قبل أن يدخل بنفسه في مضمار الاختبار الفعلي .

    فغالب أبناء الجيل السابق – رجالا ونساء - قد نشأ في الأسر الكبيرة التي يجتمع فيها ثلاثة أجيال , والتي يتعلم فيها الناشئة أسس التربية السليمة تعليما غير مباشر , ويتدرب فيها الابن المقبل على الزواج أو المتزوج حديثا على تحمل المسئولية قبل وبعد زواجه , وتتدرج في تلك المعرفة بحكم مرور السنين وتراكم الخبرات ومهام الزوج والزوجة الذين يصبحان بمرور الوقت هما الجد والجد في أسرة كبيرة أخرى .

    ولكن الجيل الحالي من الشبان والشابات المقبلين على الزواج أو المتزوجين حديثا الذين لم يشهدوا تلك الأسر الكبيرة وتمت تربيتهم في أسرة صغيرة مقتصرة على زوج وزوجة وأبناء فقط , لذا هم يعيشون في مشكلة تربوية كبيرة , فمعظمهم يتعرضون لنقلة فجائية بين مرحلتين ليس بينهما أي اقتراب أو تشابه , مرحلتان تختلف فيهما نظرة المجتمع إليهما وتعامله معهما , بل وتختلف فيهما نظرة هؤلاء الأزواج والزوجات لأنفسهم , وحينها يشعر معظمهم بالغربة سريعا , ويتمنى كل منهما لو يعود لسيرته الأولى التي كانت أكثر راحة من تلك الجديدة , ويسعى كثير منهم للتخلص الفعلي من ربقتها

    فما بين المرحلة التي يكون فيها الشاب أو الشابة مدللين في كفالة والديهم , لا يُكلفون – غالبا - بأي عمل , ومعظم أوامرهم ورغباتهم مجابة خصوصا البنات , يُلتمس لهم دوما الأعذار بدعوى صغر السن وحداثة الخبرة , لا يشغلون أنفسهم بشيء من مهام الأب وإلام , فالأب والأم يغدقان في عطائهما ويظنان أنهما يؤديان كل ما عليهما تجاه أبنائهم , بل وربما يتكفل الآباء بكل أو معظم نفقات الزواج نيابة عن أبنائهم الذكور ويظنون بهذا التصرف أنهم يحسنون صنعا .

    وتأتي المرحلة الأشد والأصعب التي لا يفصل بينها وبين الأولى سوى ليلة واحدة يكون فيها العرس , فينتقل الزوجان الصغيران إلى مكان جديد بطبيعة جديدة لم يدركاها أو يستعدا لها من قبل , لينتظر كل منهما من الآخر أن يقوم بنفس المهام التي كان يقوم بها والداه , ويُفاجأ كل منهما أن الطرف الآخر لا يستطيع القيام بأية مهمة سوى انتظار ما يؤديه الآخر له , وربما يتعجب أحدهما من عدم قيام زوجه بتلك المهام , ولا عجب حينها فالآخر أيضا ينتظر نفس الشيء منه .

    ومن هنا تنشأ مشكلة حديثي الزواج والتي ينتج عنها بحسب الإحصاءات الرسمية في معظم الدول العربية أن السنة الأولى للزواج هي أكثر سنة تقع فيها حوادث الطلاق .
    ولهذا نحتاج جميعا إلى تعلم ثقافة أسرية ليست بالجديدة ولكنها قديمة ومفتقدة , يحتاجها الآباء والأمهات الكبار لتغيير بعض ما ترسخ في أذهانهم حول أفكار العطاء اللامتناهي واللامحدود بدعوى تجنيب الأبناء أية مسئوليات داخل المنزل أو خارجه , ويحتاجها الآباء والأمهات أيضا لينقلوها لأبنائهم منذ صغرهم ويربوهم عليها , ويكثروا من تلك المعاني لاسيما في الفترات الأخيرة قبل زواج الأبناء وانتقالهم لبيوتهم الجديدة حتى لا تحدث لهم هذه الانتكاسات التي يكون من أهم أسبابها العطاء المسرف من الآباء والأمهات , وحتى لا ترتدي الجناية على الأبناء ثوب الحب والتعاطف .

    وهناك العديد من الأسباب التي تدفعنا للقول بالحاجة إلى تعليم الحياة الأسرية لأبنائنا ولتغيير الثقافات السائدة الحالية في الكثير من البيوتات العربية والمسلمة :
    - تعدد مصادر التلقي وتنوعها وعدم الاطمئنان إليها
    كان للتطور التكنولوجي الهائل الذي تميز به هذا العصر أثره الكبير في تنوع مصادر التلقي للأبناء وذلك منذ نعومة أظفارهم , فالطفل يتأثر بكل من حوله وما حوله وخاصة في سبيلين شديدي الخطورة على الأبناء وهما : جهاز التلفزيون - بما صحبه من انفتاح هائل على الثقافات والأفكار العابرة للمحيطات - مؤثر تأثيرا بالغا عليهم بما يبثه من أفكار وقيم بداية من قنوات الكارتون للأطفال مرورا بالمسلسلات والأفلام والبرامج للشباب , فلا يصح أن نعتقد أن غيرنا ينفق الملايين على هذه الأعمال ثم ينشئ قنوات لبثها مجانا دون أن يكون له هدف ورسالة يهتم بتوصيلها للنشئ الغض الذي لا يزال في مرحلة التكوين , والسبيل الثاني الانترنت بما صحبه من خروج كامل ذهني ومادي لمعظم الأبناء من تحت سيطرة أفكار الوالدين , بل ويستطيع كل منهم أن يتفاعل مع عالم خارجي مليئ بالمتناقضات الفكرية في حين يظن الأبوان أنه في غرفة مغلقة عليه وخاصة مع صغر حجم الأجهزة الحديثة مثل الهواتف النقالة المتطورة بسرعة شديدة والتي تستطيع أن تكون وسيلة شديدة الخطورة على التربية الأسرية .
    - ضيق وقت اللقاء الأسري عن ذي قبل
    عندما نقارن بين الجيلين نكتشف أن وقت اللقاء الأسري قد أخذ في التناقص بشكل حاد في هذه الأجيال عن الأجيال التي سبقتها , فشواغل الحياة الآن كثيرة جدا بما لا يسمح بوجود فترات طويلة للقاء والحوار , فالطالب منهك في مدرسته وخارجها بداية من مرحلة الطفولة التي اغتلناها بكثرة الواجبات المدرسية , والأب كنتيجة لضغوط الحياة وتسارعها لا يتمكن من المكث كثيرا في المنزل , أما الأم فربما ساهمت وسائل الاتصال الحديثة أيضا في انشغالها وتحتل الأعمال المنزلية من وقتها الكثير نتيجة عدم المساعدة من أبنائها – إلا أن يكون لديها من يخدمها – وتحتل الأجهزة التقنية مكانها كشريك دائم في اللقاء الأسري الذي لا يستمر للحظات حتى أثناء تناول الطعام , فنشرات الأخبار دائمة على مختلف القنوات والأحداث متلاحقة , والبرامج المسلية مستمرة , والمباريات على مدار الساعة , والهواتف لا تكف عن الرنين وتقطع كل حوار مما لا يسمح بوجود تفاعل مستمر وهادف وبناء بين أفراد الأسرة , وبالتالي لن يسمح هذا الوضع بنقل خبرات أو صقل تجارب أو عرض مشكلات وبحث سبل حلها بل لا يكاد ذلك الوضع يسمح بمجرد استماع كل طرف لغيره .


    - تقديم المعرفة الذاتية على المعرفة المكتسبة من الأسرة
    ظل الأمر طبيعيا لفترة طويلة في السابق , فنتيجة لاحتكاك الأجيال الطبيعي يحدث التفاعل ويستفيد كل جيل بخبرات من سبقه , ولكن بظهور تلك الأجيال التي تطورت تقنيتها جدا فأصبح الفارق بينها وبين جيل آبائها شاسعا , وظهرت فجوة فكرية بينهما تزداد يوما بعد يوم , فقدم الأبناء معارف جيلهم ومكتسباته الثقافية من خلال تفاعلهم مع مجتمع خارجي مقارب لهم في السن والثقافة على المعارف التي يستقونها من والديهم , بل وأصبحوا ينظرون إلى الأفكار والتصورات التي يطرحها الآباء بنظرة استعلائية متكبرة رافضة وربما معادية , وقدموا ثقافتهم التي اكتسبوها من أقرانهم دون وجود معايير ضابطة على أية ثقافة أخرى , بل ويعتقدون أنهم بمجرد ضغطة على محرك البحث سوف يصلون إلى علوم وثقافات وخبرات أرقى بكثير من الثقافات البالية – في نظرهم – التي سيحصلون عليها من والديهم .


    - كثرة الضغوط على الأسرة كلها نتيجة ذهاب بركة الوقت
    تميز هذا العصر بأنه عصر لاهث , الكل فيه يجري غير منتبه لمن معه , فنتيجة لتغير أحوال الكثيرين في مخالفة النواميس الكونية في النوم والاستيقاظ كما قال الله سبحانه " وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً " , فكثر السهر بالليل واستبدل الليل بالنهار , وصار عدد غير قليل من الناس – إلا من رحم الله - يستيقظ قبل الظهر بقليل وربما يمتد نومه إلى ما بعده , مما جعله يفقد بركة النهار فلا يشعر إلا بانقضائه دون أن ينجز أي عمل , فيستمر في اللهث والمسارعة لكي يدرك يومه الذي لم يبدأ فعليا إلا قبيل المغرب مما ينزع عن الناس إحساسهم بالأيام وتسارعها ويشغلون عن كثير من المهام الأساسية لهم , ومنها بالطبع الاهتمام بتربية الأبناء تربية أسرية سليمة .


    - النظرة المادية الغالبة على هذا العصر
    أضحت النظرة المادية تحكم الكثير من الرؤى والأفكار , وصار كل شيئ قابلا للتقويم المادي , واختزلت معظم المشاعر الإنسانية في صورة رقمية , فالأب يقيس درجة اهتمامه بأبنائه وحرصه عليهم بتوفير احتياجاتهم المادية , ويقنع نفسه أنه طالما وفر لهم الحياة المادية الكريمة أنه قد أدى كل ما عليه , والأم تعتقد أنها طالما تعمل أو تساهم في تلبية متطلبات أبنائها وتهتم بشئونهم المادية أنها قد أدت كل ما عليها وأنها قد قامت بواجبها خير قيام , ومعظم الأبناء كذلك لا يرون في الآباء إلا ممولين مادين ولا يرون في الأمهات إلا مديرات منازل , وأضحت كثير من العلاقات الأسرية بل والإنسانية كلها تقاس بمعايير رقمية بحتة .




    الف شكر على هاذه المشاركة الرائعة ، بارك الله فيكي
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابو وليد البحيرى

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,028

    افتراضي رد: هل نحن بحاجة إلى إحياء ثقافة الحياة الأسرية ؟

    هل نحن بحاجة إلى إحياء ثقافة الحياة الأسرية ؟ 2-2
    يحيى البوليني




    خطوات لبناء جسر الثقافة الأسرية
    - فاقد الشئ لا يعطيه :
    لن يستطيع الأبناء أن يتعلموا أصول التربية والحياة الأسرية الصحيحة ما لم يشاهدوها واقعا عمليا في حياتهم وسلوكيا في أسرهم , فلن تجدي معهم الكلمات ولا النصائح ما لم يكن الأبوان قد طبقا هذا فعليا في حياتهما , ولن تكون كلمات الإرشاد من الوالدين مؤثرة إلا إذا صحبها سلوك مزدوج ومتناغم داخل الأسرة بين الأب والأم .

    - ضرورة تفريغ وقت للأسرة للحوار :
    مثلما يرتب لكل شيئ وقته وظروفه , ومثلما تفعل كل الأمهات بإعداد مستلزمات بيت ابنتها عند اقتراب زواجها , ومثلما يجهد الأب في بذل طاقته في مساعدة أبنائه المادية عند رغبتهم في الزواج , لابد أن يسبق هذا الاستعداد ويواكبه إعداد الأبناء لتحمل مسئوليات زواجهم , ولابد من تخصيص وتفريغ وقت في الأسرة لانتهازه في رفع الثقافة الأسرية للأبناء بطرح الموضوعات ومناقشة المشكلات واستماع كل الأطراف لبعضهم البعض وتصويب الأفكار واقتراح الحلول والتدريب على اتخاذ القرار وخاصة انه سيأتي يوم قريب سوف يتولى الأبناء مسئولية اتخاذ قرارات كثيرة تخصهم في حياتهم لا يرجعان في معظمها إلى الآباء والأمهات

    - ضرورة الاجتماع على الأقل مرة في اليوم ولو على مائدة طعام :
    تعد أوقات الطعام فرصة ملائمة لتجمع الأسرة وينبغي عدم ترك هذه الفرصة السانحة للتجمع وجعلها تحمل قدرا كبيرا من الأهمية بحيث لا يتخلف عنها أحد , ويمكن أن تستغل وتثبت واحدة من الوجبات بحسب أكثر المواعيد مناسبة للتجمع وتثبيتها لكي يتم أثناءها أو قبلها أو بعدها حوار أسري حول قضية حياتية موجودة تمر بها الأسرة , ولا ينبغي أن يخسر الوالدان تلك الفرصة الكبيرة فكم نرى في شهر رمضان تآلفا وتجمعا للأسر حينما يلتزم الجميع بالتجمع حول مائدة طعام واحدة في وقت واحد , فيكون هذا التجمع بالإضافة إلى ما في شهر رمضان من الخير بابا لتفاهم وتراحم وتقارب الأسر حيث تصبح معظم البيوت المسلمة في اقل درجة من درجات التوتر في هذا الشهر على مدار العام كله

    - ضرورة غلق كل وسائل الانشغال وقت الاجتماع الأسري :
    قد يحدث الاجتماع العائلي يوميا وقد يحرص عليه ولكنه يأته السراق فيسرقونه من الأسرة فلا تستطيع الاستفادة منه وتذهب ثمرته , وأعني بالسراق كل وسائل التشاغل من الأجهزة الحديثة , فاستمرار برامج التليفزيون في العمل أثناء الاجتماع تسرق الأفكار وتذهب قيمة الوقت وينتهي الاجتماع دون أن يبدأ , واستمرار الهواتف المحمولة في الصريخ المتواصل لكل فرد كفيلة بأن يقضي احدهم الوقت في الحديث أو ربما يقوم من المجلس دون أن يتواصل مع أسرته , فينبغي غلق كل وسائل الانشغال مؤقتا حتى لا تسرق تلك اللحظات الغالية

    - ضرورة تحميل الأبناء والبنات بعض المسئوليات تدريجيا :
    ليس معقولا أن تظل معاملة الوالدين لأبنائهم المقبلين على الزواج هي نفس المعاملة التي كانا يعاملان بها الأبناء منذ طفولتهم , فلا الأب يعطي الفرصة للابن للمشاركة في إدارة البيت ماليا أو تفاوضيا في شئونه , ولا الأم تعطي الفرصة للبنت للمشاركة في تحمل مسئولية إدارة البيت الداخلية , فبالتحمل التدريجي يستطيع كل من الابن والابنة التعلم والتدرب , فلا ثمرة محمودة إلا بعد خطأ منهم بل أخطاء متعددة حتى يتمكنوا من حسن سياسة الأمور ,ولئن يخطئ الابن أو البنت ألف مرة في شيئ معكما حتى يحسناه خير لهم من خطأ واحد في حياتهما الجديدة .

    - ضرورة الاخشوشان المتعمد إن كان هناك سعة وجعل كلمة لا أو ليس الآن بديلا معتمدا غير منكر بالتدريج :
    لا ينظر الأبناء ولا يرون إلا حال والديهم بعد مرور السنوات عليهما , فيتصوران انهما لم يمرا بمراحل معاناة وتعب كبير في حياتهما الزوجية والعملية , فمن نشا ووجد أباه ميسور الحال يلبي له طلباته لم ير نفس الوالد في بدايته , حيث أن غالب الناس قد كونوا وضعهم المادي كحصاد لسنوات تعب كثيرة , وبالتالي ربما ينشأ عن الولد أو البنت أنه سيجد الحياة سهلة ولن تواجهه فيها مصاعب مالية أو اجتماعية , وعند تعرض أي منهم لشيء من تقلبات الدهر قد لا يتحمل وربما يعيش عبئا على أسرته حتى بعد زواجه .
    فينبغي للوالد والوالدة مهما كان الحال ميسرا أن يخشوشنوا في بعض الأيام وألا يجعلوا كل شيئ متاحا لأبنائهم بمجرد الطلب أو الرغبة , بل لابد وأن تعتاد أذن الفتى والفتاة على قول لا أو ليس الآن , بل يجب تعويده على عدم الغضب منها وتحملها , حتى لا يضعف أو ينهار في يوم ما لا يستطيع تلبية حاجاته أو قضاء رغباته .

    - ضرورة ابتكار طرق جديدة لإعداد الأفراد للقيام بأدوار الأسرة ومسؤولياتها :
    لابد من ابتكار طرق جديدة غير تقليدية يجتهد فيها كل أب وأم في تحميل أبنائهم المسئولية بالتدريج لكي يعتادوها , ومن الأفكار التي قابلتني فكرة لأب رزق بثلاث بنات كان يعطي واحدة منهن كل شهر بالتتابع مبلغا معلوما - بحسب دخله - خصصه للأنفاق على الطعام في بيته , ويترك لها تدبير الأمر بحرية كاملة لكي تجتهد في كيفية تدبير المبلغ لتطعم به الأسرة شهرا كاملا , وكان يحتفظ لنفسه بجزء آخر من المبلغ لمعالجة أخطائهم في بدايات التجربة , فكان من ثمرتها أن اعتادت بناته إدارة شئون بيت كبير بكل سهولة بعد سلسلة أخطاء تعلمت منها , فكانت إدارة أسرة صغيرة هي وزوج فقط أمرا سهلا ميسورا , هذه تجربة ولكل أسرة أن تفكر وتبتكر كيف تستطيع تعويد الأبناء على تحمل المسئولية الأسرية .
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •