فضائل الشام وخصائصه

خطب حررت لمقالات

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
فإنَّ الأحزاب اليوم يمكرون بأهل الإسلام عامة وبلاد الشام خاصة وغزة وإدلب على وجه أخص، والظن بالله الكريم أن يمكر بهم ويكف بأس الذين كفروا كما كفَّ بأسهم من قبل.
وأردت هنا أن أذكِّر بنعمةٍ جليلةٍ يعرفها الصغار والكبار والنساء والرجال؛ ألا وهي نعمة السكنى بأرض الشام؛ فإنَّ ذكر النعم يعين على شكرها ويهون المصائب ويستفز النفوس للعمل والجهاد.
وأتكلم أولًا عن حدود الشام ثم عن فضائله وخصائصه:

أولًا: حدود الشام:
بلاد الشام اليوم هي سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، وإلى منطقة العريش من مصر، وإلى الفرات من العراق، وإلى تبوك من السعودية، وبعض المناطق من تركيا.
وكان الشام قطعةً واحدةً غير أن العدو مزقها إلى أجزاء، وقُسِّم جلُّها إلى أربع دولٍ بفعل الاستعمار في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وتطبيق اتفاقية سايكس بيكو عليها، إذ فرض الانتداب الفرنسي على شمال الشام، وقسمه إلى كيانين هما سوريا ولبنان، وفرض الانتداب البريطاني على جنوبه، وقسمه إلى كيانين هما فلسطين والأردن، وأصبح لكل كيانٍ حدودٌ ورئيسٌ ودستورٌ وعلَمٌ وإعلام وجواز سفر.
وتقسيم الحدود مع كثافة الأزمات المصطنعة داخلها يؤذن بتقسيم المشاعر بحيث لا تهتم النفوس إلا بما داخل حدود بلادها، فتغيب الأمة الواحدة عند ذلك.

وأما فضائل الشام وخصائصه فدونك خمسةً منها:
أولًا: أرض الشام أرض مباركة وفيها الأرض المقدسة:
وتطرق القرآن الكريم في خمسة مواضع إلى بركة الشام أشهرها قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1]، وحوله أرض الشام، وإذا حلت البركةُ بالديارِ الشاميَّةِ حوله فكيف بالبركة فيه!.
وأخرج البخاريُّ عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا"، وبَدْؤُهُ بالشَّامِ يُعلِمُ أنه الأهم، وأتى بضمير الجمع تعظيمًا لهما، وأضافهما لنفسه مبالغةً في إظهار فضلهما؛ إذ لا يضيف المرء لنفسه إلا ما يحب.
والبركة تعم الدين والدنيا، ومن بركات الدين أن هذه الأرض كانت موضع عددٍ من رسالات الأنبياء والرسل، فهنا كان داود وسليمان ويحيى وزكريا وعيسى وأمه مريم، هنا هاجر خليل الله إبراهيم، وهاجر معه لوط، هنا جاء نبينا صلى الله عليه وسلم وصلى ببيت لحم ثم صلى بالأنبياء إمامًا في المسجد الأقصى المبارك كما ثبت عند النسائي بسندٍ صحيح.
ومن بركات الدنيا توفر الثمار والأشجار والبحار والأنهار، والسهل الخصيب والأرض المعطاء وتنوع المطاعم والمشارب ولذتها، وقد تناولتُ أطعمةَ عددٍ من الدول العربية فما نعدل بالطعام الشاميٍّ طعامًا.
وحتى مع الطحن المادي الذي يعيشه أهل الشام عامة وغزة خاصة جرَّاء الحروب والحصار إلا أن الضيق المادي أهون من بعض الدول الآن، وقد رأيت في بعض البلاد محلاتٍ تبيع نص حبة بطاطس ونصف قطعة جزر ونصف قرن فلفل، وتدهورت العملة في بعض البلاد حتى لا يكاد يزيد راتب الموظف عن عشرين دولارًا، وقد زرت بعض المناطق يموت بعض الناس فيها من الجوع.
على أنَّ البركةَ الدنيويةَ الماديةَ تتصاغرُ أمامَ البركةِ الدينيةِ المعنوية.

ومن فضائل الشام أن فيها الأرض المقدسة، وقد جاء في حديث كعب الأحبار رضي الله عنه: "بَاركَ اللهُ في الشَّام من الفُرَاتِ إلى العَرِيش، وخَصَّ بالقُدس مِنْ فحص الأُرْدُنِّ إلَى رَفَحٍ"، ولعل المقصود بفحص الأردن منطقة افْحِيص الواقعة طرف العاصمة عمان، وهي قريبةٌ من المسجد الأقصى المبارك، وهي منطقة جبلية.
وعلى ذلك فالأرض المقدسة أخص من الأرض المباركة، فالأرض المباركة تبدأ من العريش والأرض المقدسة تبدأ من رفح، ومن نعمة الله على أهل غزة أنهم مقادسة، ويعيشون في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، ويسكنون في عين أرض الرباط، بل في أنفس مناطقه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وإنَّ أفْضَلَ جِهَادِكم الرِّباطُ، وَإنَّ أفْضَلَ رِبَاطِكُم عَسْقلانُ". أخرجه الطبراني وصححه الألباني.
ومعلومٌ أن غزة وعسقلان شيءٌ واحد؛ فعسقلان المدينة وغزة القرية.

ثانيًا: أرض الشام هي خيرة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم:
فَقَد أَخْرَجَ المنذريُّ عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: سَمِعتُ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول لحذيفة بن اليمان ومعاذ بن جبل وهما يستشيرانه في المنزل، فأومأ إلى الشام، ثم سألاه فأومأ إلى الشام، قال: "عَلَيْكُم بِالشَّام؛ فَإِنَّهَا صَفْوَةُ بِلادِ الله، يُسْكِنُهَا خِيرتَهُ مِن خَلْقِهِ، فَمَن أَبَى فَليَلْحَق بِيَمَنِهِ، وَلْيَسْقِ مِن غُدُرِهِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَكَفَّلَ لِي بِالشَّامِ وَأهْلِهِ". قال الألباني: صحيح لغيره.
ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه، ولعله لذلك إذا كانت فتنة كثيرٍ من الناس في الدين كانت فتنة أهل الشام في الدنيا، فلا ينحرفون عن الحق، وهذا من هداية الله لعباده المجاهدين كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُ مْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].
فطوبى لأهل الشام، تلك الصفوة التي اختارها الله من عباده، وجعلها الصف الأمامي الذي يتقدم المعركة هنا في فلسطين مع الصهاينة، وهناك في إدلب مع النصيريين والروس والرافضة.

ثالثًا: أرض الشام موطن الإيمان وملاذه:
فقد أخرج الإمامُ أحمد في مسنده من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألَا وَإِنَّ الْإِيمَانَ حِينَ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ". صححه الألباني وشعيب الأرنؤوط.
ولهذا فالفتن في الشام عارضة، وأهلها يوفقون لإبطالها، وقد أحسن الشيخ عبد العزيز الطريفي فرَّج الله عنه إذ قال: الدجال أعظم فتن الأرض، ومصرعه في الشام، فكيف بمن دونه من الدجاجلة!.
وقد روى مسلمٌ في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "يَأْتِي الْمَسِيحُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ هِمَّتُهُ الْمَدِينَةُ حَتَّى يَنْزِلَ دُبُرَ أُحُدٍ، ثُمَّ تَصْرِفُ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ قِبَلَ الشَّامِ، وَهُنَالِكَ يَهْلِكُ".

رابعًا: في الشام طائفة الحق وظهورها عليه إلى يوم القيامة:
فقد روى البخاري عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ" فقال مالك بن يخامر: سمعت معاذًا يقول: وهم بالشأم.
وعند النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وَعُقْرُ دَارِ الْمُؤْمِنِينَ الشَّامُ".
وأخرج أبو داود في سننه عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ، حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ". صححه الألباني.
ومن المعلوم أنَّ عيسى عليه السلام ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيطلب الدجال حتى يدركه بباب لد بفلسطين فيقتله، كما ورد عند مسلم في صحيحه.
وهذه الأحاديث أمارةٌ ظاهرةٌ أنَّ أهل الشام ظاهرون على عدوهم لا ينهزمون متى اجتمعوا على عدو، ولا يعكر ذلك تراجعٌ هنا أو جولة يتقدم فيها الباطل ثم تعود الكرة للذين آمنوا، فأبشروا يا أهل الشام.

خامسًا: الميزان الدائم لحال أمة الإسلام:
فقد أخرج الإمامُ أحمدُ في مُسنَدِهِ عن مُعَاويةَ بن قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلاَ خَيْرَ فِيكُمْ، ولن تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لاَ يَضُرُّهُمُ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ". صححه الألباني.
فأهل الشام هم الميزان الدقيق الذي جعله الله للأمة، فإذا كان أهل الشام على صلاحٍ وخير فالأمة بخير، وإلا فلا، ولهذا لا يُستَبعد أن يُرَكِّزَ الأعداء على إفسادها؛ ليتمكنوا من غيرها، فهي بمنزلة القلب، وغيرها بمنزلة الجوارح، وإذا تمكن العدو من القلب انقادت له الجوارح.
ومن هنا قال الشيخ عبد العزيز الطريفي: ومنذ اضطربت أمور الشام تصدعت دول الإسلام، وانقسمت إلى دويلات، وظهر فيها الأثرة المادية، والعرقيات والطائفيات والوطنيات، وضعفت اللحمة الدينية، وتوجه الناس إلى لحمات أخرى؛ كالمال والنسب والأرض، وأصبح الولاء للإسلام دون ذلك رُتبةً ومنزلةً.

سادسًا: فضيلة الحراسة والرباط:
ومن ذلك ما روى الترمذي والنسائي عن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَنَازِلِ". حسنه الألباني.
قال الإمام المناوي: وعليه؛ فحسنة الجهاد بألف.
فطوبى لك أيها المرابط؛ ركعتك بألف، وصدقتك بألف، وتسبيحتك بألف وجزؤك من القرآن تتلوه بألف، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

وعقب هذه الشواهد لا نتعجب عندما نرى قلم ابن النحاس يخط قائلًا: وقد خرج من مكة والمدينة من الصحابة والتابعين وتابعيهم خلقٌ لا يعلمهم إلا الله، ونزلوا بساحل الشام مرابطين إلى أن ماتوا أو أكرمهم الله بالشهادة.
وهذا الحارث بن هشام أحد سادات مكة لما بلغه هذا الفضل قرر ترك مكة والمجيء هنا إلى الشام، وعند توديعه لقومه رأى جزعهم الشديد عليه، وبكاءهم من حوله، فرق وبكى ثم قال: يا أيها الناس إني والله ما خرجت رغبةً بنفسي عن أنفسكم، ولا اختيار بلدٍ عن بلدكم؛ ولكن كان هذا الأمر –يعني الإسلام-، فخرجت فيه رجالٌ من قريش، فأصبحنا والله لو أنَّ جبالَ مكة ذهبًا فأنفقناها في سبيلِ الله ما أدركنا يومًا من أيامهم، وايم الله لئن فاتونا به في الدنيا لنلتمسن أن نشاركهم به في الآخرة، أما والله لو كنا نستبدل دارًا بدار، وجارًا بجار ما أردنا بكم بدلًا، ولكنها النقلة إلى الله عز وجل.

ولهذا فالبشرى حاصلة للشاميين، وينبغي إزاء ذلك أن نعرف قدر المسئولية التي ائتمننا الله عليها، ونبالغ لأجل ذلك في الأخذ بالأسباب ودفع الملمات العسكرية والاجتماعية والاقتصادية، وما يصيبنا بعد ذلك من ضيقٍ وحاجةٍ ولأواء وشدائد فنصبر على أمر الله حتى يأتي وعده بالنصر في الدنيا، ثم نلقى الله ونرى جزاءنا الأخروي موفورًا عنده بإذن الله وفضله.
فقد أخرج أحمد في مسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِي عَنْ رَسُولِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ؟
قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ الْفُقَرَاءُ وَالْمُهَاجِرُو نَ الَّذِينَ تُسَدُّ بِهِمْ الثُّغُورُ، وَيُتَّقَى بِهِمْ الْمَكَارِهُ، وَيَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ لَا يَسْتَطِيعُ لَهَا قَضَاءً، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ مَلَائِكَتِهِ: ائْتُوهُمْ فَحَيُّوهُمْ.
فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: نَحْنُ سُكَّانُ سَمَائِكَ، وَخِيرَتُكَ مِنْ خَلْقِكَ، أَفَتَأْمُرُنَا أَنْ نَأْتِيَ هَؤُلَاءِ فَنُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا عِبَادًا يَعْبُدُونِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، وَتُسَدُّ بِهِمْ الثُّغُورُ، وَيُتَّقَى بِهِمْ الْمَكَارِهُ، وَيَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ لَا يَسْتَطِيعُ لَهَا قَضَاءً.
قَالَ: فَتَأْتِيهِمُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ". صححه الألباني.
فاصبروا يا أهل الشام وصابروا ورابطوا، واستعدوا؛ فإنكم الصف الأمامي المتقدم الذي تنعقد عليه آمال الأمة، وإنا نطمع أن يدخلكم الله تعالى في العباد الصالحين الذين يذيق بهم بأسه للذين كفروا، والحمد لله رب العالمين.

*وكتبه: محمد بن محمد الأسطل*

وأصل هذا المقال خطبة خطبتها بمسجد الظلال ببني سهيلا بتاريخ 20 جمادى الآخرة 1441 هـ الموافق 14 فبراير 2020م.