القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية متجدد
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية متجدد

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,548

    افتراضي القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية متجدد

    القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية

    - لكلِّ مجتهدٍ نصيب


    د. عيسى القدومي




    هذه إحدى قواعد باب الاجتهاد الأصوليّة، وأصلها قول النبيِّ -صلى الله عليه وسلم -: «إذا حكمَ الحاكمُ، فاجتهدَ فأصابَ، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأَ، فله أجرٌ».
    والمعنى أنّ المجتهد لا بدّ أن يُؤجر، بأجرين إن كان مُصيبًا؛ لأنّ له أجر الصواب وأجر الاجتهاد، وبأجر واحد إن كان مخطئاً، هو أجر الاجتهاد فقط.

    وهذا كلُّه مشروطٌ بما إذا كان مؤهّلاً لأن يجتهد في فنِّه، لا أن يقتحمه جاهلاً؛ لأن من تقحّم مجالاً من مجالات العلم متطفّلاً عليه، دون أن يكون له تأهيلٌ سابق، فقد أتى منكراً، وهو مأزورٌ غير مأجور، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «من تَطَبَّبَ ولا يُعلم منه طِبٌّ، فهو ضامنٌ».

    قال الخطّابي: «لا أعلم خلافاً في أنّ المُعالِج إذا تعدّى فتَلِفَ المريضُ كان ضامناً، والمُتعاطي علمًا أو عملاً لا يعرفُه متَعَدٍّ...».
    وعن جابر -رضي الله عنه - قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حجر فشَجَّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمُّم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء! فاغتسل فمات! فلمّا قَدِمْنا على النبي -صلى الله عليه وسلم - أُخبر بذلك، فقال: «قتلوه قتَلَهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنّما شفاء العِيِّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر -أو يعصب- على جُرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده».
    فهذا كلُّ يدلُّ على أنّ من تجاوز حدوده، وتعاطى ما لا يحسنه من الصنائع والعلوم، فلا يُؤجر على فعله، ولا يُعفى عنه، بل يُكلَّف ضمان الأضرار التي ترتّبت على دعواه، وعلى تشبُّعه بما لم يُعطَ.
    معنى القاعدة:
    كلُّ من كان أهلاً للاجتهاد وتقدير الصواب في مجالٍ ما، فإنّ له نصيبًا من الثواب والأجر ولا بدّ، إذا صلحت نيّته لله -تعالى-، لأنّه لا يكون ثوابٌ إلا بنيّة.
    من تطبيقات القاعدة:
    1- قد تُنتقد المؤسسات الخيريّة في باب تقديراتها للأنصبة والحصص التي تفرضها شهريًّا للأسر المتعفِّفة وأهل الحاجات، ولن تعدم دوماً داعياً إلى الزيادة أو النُّقصان، ولا شكّ أن الانتقاد بهدف التصويب جيّد ومطلوب، أما الإهدار والانتقاص فلا يجوز، لأنّ التقديرات تُقرّر بناء على البحث والتفتيش والتنقيب من مؤهَّلين ومتخصِّصين، وهؤلاء يجوز لهم إبداء الرأي وتقرير ما يرونه مناسباً، وهم مأجورون في خطئهم وصوابهم.
    2- لا بدّ من تحديث الأنظمة التقنيّة والإداريّة باستمرار في المؤسسات الخيريّة، وكذلك بقاء المؤسّسة على صلة بالسوق، وملاحظة ارتفاع الأسعار ونزولها، وشُحّ السّلع الأساسيّة وتوفّرها، لأنّ هذا كلّه ينعكس على صحّة تقديرها؛ للإنفاق الدَّوريِّ بالسّلب أو الإيجاب، وقد تنتقل إلى دائرة المؤاخذة والتقصير إذا بالغت في إهمال ذلك والإعراض عنه.
    لا بدّ من الحفاظ عند محاولات النّقد والتصويب، على الحدّ الأعلى من الأخلاقيّات الأخويّة، لأنّ المؤهَّل إذا أخطأ، فغاية أمره أنّه سُلب الأجرَيْن واستقرّ له الأجر، ومثل هذا لتصويب عمله سبيلٌ غير سبيل علاج تصرُّفات المعتدين والمقصّرين والمهملين
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,548

    افتراضي رد: القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية متجدد

    سلسلة الأعمال الخيرية
    - القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية
    - القاعدة (2) «مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل»


    د: عيسى القدومي




    نكمل في هذا العدد ما بدأناه من ضوابط وقواعد للعمل الخيري والوقفي ليسهل على من جنّد نفسه لخدمة هذه الأعمال والمشاريع، الأخذ بها، والالتزام بأحكامها التي استقيتها من الكتب الفقهية والتصانيف الوقفية والخيرية.

    - والقاعدة الثانية: «مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل» قاعدة قرآنية ذكرها أهل العلم والاختصاص وأسماها بعضهم: (قاعدة الإحسان)، دل عليها قوله تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} (التوبة:91). ولا يزال الفقهاء يستدلون بها على نفي الضمان في موارد الإحسان.

    وتلك القاعدة نظمها فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين-رحمه الله- في: (منظومة أصول الفقه وقواعده) وأفرد لها بيتاً:

    وما على المحسنِ من سبيل

    وعكسه الظالم فاسمع قِيلي

    وشَرحَها بقوله: فكل محسن فإنه لا سبيل عليه، والظالم هو الذي عليه السبيل لقوله تعالى: {فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} ( البقرة: 193). وقال تعالى: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ}. ( الشورى:42).

    قوله: «وما على المحسنِ من سبيل»: يعني ليس عليه طريق يلام به، أو يضمن به، لأنه محسن، ودليل ذلك قوله تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ( التوبة: 91 )، فلو فعل الإنسان شيئاً من الإحسان وتلف به شيء فلا ضمان عليه (1).

    الآية – كانت وما زالت- دليلاً يفزع إليه العلماء في الاستدلال بها في أبواب كثيرة في الفقه، خلاصته ذكرها الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره الآية بقوله: «يستدل بهذه الآية على قاعدة وهي: أن من أحسن على غيره، في نفسه، أو في ماله، ونحو ذلك، ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف، أنه غير ضامن لأنه محسن، ولا سبيل على المحسنين، كما أنه يدل على أن غير المحسن -وهو المسيء- كالمفرط، أن عليه الضمان» (2).

    والقاعدة توجهنا إلى طريقة التعامل السوي مع المحسنين، فلا نكثر اللوم إن طرأ خطأ لا يقصده المحسن، حتى لا ينقطع العمل الخيري وعمل المحسنين، فإذا أحسن العبد فيما يقدر عليه، سقط عنه ما لا يقدر عليه.

    ولا يعني ذلك عدم التنبيه على الأخطاء أو التذكير بمواضع الصواب التي يفترض أن ينبه عليها، ولكن المهم أن يكون ذلك بأسلوب يحفظ جهد المحسن، ولا يفوت فرصة التنبيه على الخطأ؛ ليرتقي العمل، ويزداد جودة وجمالاً، ونضرة ورواءً.

    والشرع والعقل يقبح تغريم المحسن وتضمينه، قال تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ} (الرحمن:60)، وهو سؤال حوى استفهاماً وإنكاراً، مفاده: مكافأة الإحسان يكون بالإحسان إلي المحسن، لا الإساءة إليه، سواء كان فعل الإحسان لجلب منفعة للمحسن إليه، أو لدفع المضرة عنه، فكلاهما إحسان.

    ومن التطبيقات في العمل الخيري والوقفي للقاعدة: لو وضع رجل أحجاراً في السوق من أجل أن يمشي الناس عليها، لئلا يقعوا في الدحض – الوحل والزلق- ويسقطوا، لكن حصل من الناس من عثر بهذه الأحجار وأصيب فإن واضع الأحجار لا يضمن لأنه محسن، والله تعالى يقول: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ( التوبة: 91 ) .

    ومثال آخر: لو أن رجلاً حفر بئراً إلى جانب الطريق، من أجل أن يشرب الناس منه، فسقط فيه إنسان فإن الحافر لا يضمن؛ لأنه محسن.

    أما قوله في الشطر الآخر من البيت المنظوم في تلك القاعدة: (وعكسه الظالم فاسمع قِيلي) شرحها الشيخ ابن عثيمين بالآتي: الظالم هو المعتدي، فإنه يضمن لقوله [: «ليس لعرق ظالم حق»(3). ومثال ذلك: لو وضع رجل أحجاراً في طريق أحدهم ليعثر بها ويصاب، فحصل الأمر بأن خرج وعثر بها فأصيب، فإنه يضمن لأنه ظالم. وكذلك ولو حفر بئراً في وسط الطريق فسقط الناس بها، فإنه يضمن حتى وإن أراد أن يشرب الناس منها، لأنه غير محسن، فليس من الإحسان أن تحفر البئر – ولو للمسلمين – في طريقهم(4).


    الهوامش:

    1- منظومة أصول الفقه وقواعده» لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - دار ابن الجوزي، ط1-1426هـ، ص 239-240.

    2- انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للعلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي، ط / جمعية إحياء التراث 1423هـ - 2003م، ص 469-470.

    3- أخرجه أبو داود برقم 3073، والترمذي برقم 1378، قال الترمذي: «حديث حسن غريب».

    4- انظر: «منظومة أصول الفقه وقواعده» لمحمد بن صالح العثيمين، ص 239-240. بتصرف يسير.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,548

    افتراضي رد: القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية متجدد

    سلسلة الأعمال الخيرية- القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال 3 الخيرية والوقفية.
    « كل ما صح بيعه صح هبته « (1)


    للكاتب: عيسى القدومي




    نكمل في هذا العدد ما بدأناه من ضوابط وقواعد للعمل الخيري والوقفي ليسهل على من جند نفسه لخدمة هذه الأعمال والمشاريع، الأخذ بها، والالتزام بأحكامها التي استقيتها من الكتب الفقهية والتصانيف الوقفية والخيرية .
    والقاعدة الثالثة : ( كل ما صح بيعه صح هبته ) 2، وقد نص أهل العلم على أن كل ما جاز بيعه جازت هبته(3)، وجاز التصدق به؛ ومفهوم ذلك أن ما لا يجوز بيعه لا تجوز هبته، ولا التصدق به، كالخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقد صح من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما سمع النبي صلى الله عليه وسلم غداة فتح مكة يقول: إن الله حرم بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام(4)، فهذه منصوص على تحريم بيعها، فلا تصح هبتها.
    وأفرد السيوطي كذلك قاعدة في كتابه الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية: «(ما حرم أخذه حرم إعطاؤه)، كالربا ومهر البغي، وحلوان الكاهن والرشوة وأجر النائحة ، والزامر(5).
    ويشترط لصحة الصدقة والوقف أن يكون الموقوف مملوكاً للواقف ساعة وقفه ملكاً باتاً، لا ينازعه فيه أحد، وألا يكون محجوزاً عليه، أو مرهوناً لأي جهة .
    وهذا ما اتفق الفقهاء على اشتراط كون الموقوف مالاً متقوماً، معلوماً، مملوكاً للواقف ملكاً تاماً، أي لا خيار فيه. أي أن يكون الموقوف مملوكاً للواقف حين وقفه ملكاً تاماً: أي لا خيار فيه؛ لأن الوقف إسقاط مِلْك، فيجب أن يكون الموقوف مملوكاً.
    جاء في حاشية ابن عابدين ما نصه: أن الواقف لا بد أن يكون مالكاً له وقت الوقف ملكاً باتا(6).
    والشريعة الإسلامية أعطت الحق للواقف بأن يشترط ما يشاء في وقفه، شريطة أن لا تتعارض شروطه مع الشريعة، ومن الشروط التي نص عليها العلماء أن تكون منفعة الموقوف مباحة، لا حُرمة فيها، وعليه فلا يصحّ وقف ما كانت منافعه محرّمة كآلات اللهو، وما أشبهها؛ لأن الوقف قُربة والمعصية تنافيه .
    فالهبة يشترط فيها أن تكون مما أذن الشرع، وسلط المكلف على التصرف فيه بالبذل للغير، ولاسيما وأنه بذل بدون عوض، فيجوز هبة العقارات والمنقولات والمبيعات المباحة، ولا بأس بذلك.
    فمثلاً: يجوز أن يهب العقارات، كالأرضين والدور والمساكن والمزارع والمنقولات المباحة، مثل السيارات في زماننا والدواب والأطعمة والأكسية والأغذية، هذه كلها أعيان تباع وتجوز هبتها(7).
    وعند أبي حنيفة : من اشترى شيئاً بعقد بيع فيه خيار للبائع ثلاثة أيام، ثم وقفه في مدة الخيار، لم يصح الوقف؛ لأنه وقف مالا يملك ملكاً تاماً؛ لأن هذا البيع غير لازم(8)، فلا يصح وقف عقارٍ أو بستانٍ ولم يتمكن الواقف من ملكه ملكاً تاماً، كالعقارات المملوكة للدولة، مثل: الشاليهات والقسائم الصناعية، والمزارع التي توزع على المواطنين للانتفاع بها؛ لأن من شروط الوقف أن يكون الشيء الموقوف ملكاً تاماً للواقف، والشاليهات ليست مملوكة لهم، ومن ثم لا يملك المنتفع بها أن يوقفها وقفاً شرعياً؛ لأنها غير مملوكة له . ولهذا يشترط أن يقدم للقاضي أصل الوثيقة الدالة على ملكيته للعقار.
    الهوامش:
    1 - مختصر قواعد العلائي ، ابن خطيب الدهشة: ص395- 396.
    2 - الهبة بالمعنى الأعم تشمل الهدية والصدقة ، والعطية ، وكلها تمليك في الحياة بلا عوض.
    3 - «ما جاز بيعه، جاز هبته»، انظر القاعدة في الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعي، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي، ص 469، ط- دار الكتب العلمية – بيروت ، 1983م .
    4 - صحيح سنن أبي داود للألباني ، برقم 3486 .
    5 - الأشباه والنظائر ، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي، ص 150.
    6 - حاشية ابن عابدين، ج3، ص 497.
    7 - شرح زاد المستقنع، لمحمد بن محمد المختار الشنقيطي، دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية،
    www.islamweb.net، رقم الدرس 417.
    8 -البدائع: 220/6، (الدر المختار ورد المحتار): 393/3، 395.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •