من أخلاق السلف
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 13 من 13

الموضوع: من أخلاق السلف

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,844

    افتراضي من أخلاق السلف

    من أخلاق السلف (1)


    أحمد فريد

    إن من أهم ما يبادر به اللبيب، ويُتعب نفسه في تحصيله واكتسابه، حسن الأدب الذي شهد الشرع والعقل بفضله، واتفقت الآراء والألسنة على شكر أهله، وإن أحق الناس بهذه الخصلة الجميلة، وأولاهم بحيازة هذه المرتبة الجليلة، طلاب العلم الشرعي، قال ابن سيرين: «كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم».

    قال حبيب بن الشهيد لابنه: «يا بني! اصحب الفقهاء والعلماء، وخذ من أدبهم؛ فإن ذلك أحب إلي من كثير من الحديث»، وقال بعضهم لابنه: «يا بني؛ لأن تتعلم بابًا من الأدب أحب إلي من أن تتعلم سبعين بابًا من أبواب العلم»، وقال الله -عزوجل- مادحًا نبيه صلى الله عليه وسلم : {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(القلم: 4)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وقد ندبنا الله -عزوجل- إلى الاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال -تعالى-: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب:21).

    اقتداء السلف بالنبي صلى الله عليه وسلم

    فاقتدى السلف الصالح -رضي الله عنهم- برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتخلقوا بأخلاقه، وامتثلوا ما أمرهم به، وانتهوا عما نهاهم عنه، وكانوا كما قال الله -عزوجل-: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}(آل عمران:110)، قال الإمام مالك -رحمه الله-: «بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام، قالوا: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا».

    زمن النبوة

    ولما بعد العهد بزمن النبوة، وغابت شمس الشريعة، وتشاغل الناس بأمور الدنيا. اندرس كثير من الأخلاق التي نشأ عليها الصدر الأول من هذه الأمة المشرفة، وعمدنا إلى اختصار ما جمعه أحد العلماء المتأخرين في بيان أخلاق السلف -رضي الله عنهم-، وتحليته بالآيات والأحاديث المناسبة، وتخليته من الأخبار الواهية والحكايات الموضوعة، راجين أن ينتفع المسلمون بما تضمنه من خير، وأن نجنبهم ما فيه شر.

    الإخلاص

    مِن أخلاق السلف -رضي الله عنهم-: كثرة إخلاصهم في علمهم وعملهم، وخوفهم من دخول الرياء في ذلك، قال الله -تعالى-: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} (الزمر: 3)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (رواه النسائي، وقال الألباني: حسن صحيح)، كان إبراهيم التيمي يقول: «المخلص مَن يكتم حسناته كما يكتم سيئاته».

    من أدب العلماء

    وكان الشعبي -رحمه الله- يقول: «من أدب العلماء إذا علموا أن يعملوا؛ فإذا عملوا شغلوا بذلك عن الناس؛ فإذا شغلوا فقدوا، وإذا فقدوا طلبوا، وإذا طلبوا هربوا؛ خوفًا على دينهم من الفتن»، وكان الفضيل بن عياض -رحمه الله- يقول: «إذا رأيتم العالم أو العابد ينشرح لذكره بالصلاح عند الأمراء وأبناء الدنيا؛ فاعلموا أنه مراء»؛ وذلك لأن الإخلاص أن يبتغي العبد بعلمه وعمله ما عند الله -عز وجل-؛ فانشراح صدره للثناء أو عند اطلاع الناس على عمله من علامات الرياء الخفي، والسلف كانوا يعدون الرياء أكبر من الكبائر؛ لأنه الشرك الأصغر، والشرك أكبر من الكبائر؛ ففتش يا أخي في نفسك وفي علمك وعملك، وابكِ عليها إن رأيت فيها رياءً أو سمعة؛ فإنه مَن راءى راءى الله به، ومَن سَمَّع سمَّع الله به.

    ميزان الكتاب والسنة

    ومِن أخلاق السلف -رضي الله عنهم-: توقفهم عن كل فعل أو قول حتى يعرفوا ميزانه على الكتاب والسنة، لاحتمال أن يكون ذلك القول أو الفعل من جملة البدع التي لا يشهد لها كتاب ولا سنة، قال الله -تعالى-: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر:7)، وقال الله -تعالى-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النور:63)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَة» (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني)، وقال صلى الله عليه وسلم : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (رواه مسلم).

    اجتناب البدع

    فقد كان السلف الصالح -رضي الله عنهم- يحثون الناس على التقيد بالكتاب والسنة واجتناب البدع، ويشددون في ذلك، حتى إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ربما كان يهم بالأمر ويعزم عليه، فيقول له بعض الناس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ولم يأمر به؛ فيرجع عما كان عزم عليه. قال بعضهم: إن طريق القوم -رضي الله عنهم- محررة على الكتاب والسنة تحرير الذهب والجوهر؛ وذلك لأن لهم في كل حركة وسكون نية صالحة بميزان شرعي، ولا يعرف ذلك إلا من تبحر في علوم الشريعة.

    تفويض أمورهم إلى الله

    كثرة تفويضهم الأمور إلى الله -تعالى- في أمر أنفسهم وأولادهم وأصحابهم؛ فلا يكون معولهم في أمر هدايتهم إلا عليه -عز وجل-، ولا يطلبون شيئًا قط بأنفسهم وهم غائبون عن الاستناد إلى الله -تعالى-، قال الله -تعالى- حاكيات عن مؤمن آل فرعون: {فَسَتَذْكُرُون مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} (غافر:44-45)، وقال -تعالى- حاكيًا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -ورضي الله عنهم: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} (آل عمران:173-174)؛ فبيَّن الله -تعالى- عاقبة التفويض إليه.

    ما ينفع الأولاد

    قال بعضهم: «ليس شيء أنفع لأولاد العلماء والصالحين من الدعاء لهم بظهر الغيب، مع تفويض أمرهم إلى الله -تعالى-»؛ ومما يدل على فضل التفويض إلى الله -عز وجل- والتوكل عليه ما رواه أبو هريرة] قال: قال رسول الله[: «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بِالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ؛ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ التَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى البَحْرِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلاَنًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلاَ، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَه َا، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ؛ فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا المَالُ؛ فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ؛ فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الخَشَبَةِ؛ فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا» (رواه البخاري).

    ترك النفاق

    عملهم على ترك النفاق؛ بحيث تتساوى سريرتهم وعلانيتهم في الخير، فلا يكون لأحدهم عمل يفتضح به غدًا في الآخرة، نصح بعضهم عمر بن عبد العزيز فقال له: «إياك يا عمر أن تكون وليًّا لله في العلانية وعدوًّا له في السر؛ فإن مَن لم تتساوَ سريرته وعلانيته فهو منافق، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار»، وقال بعضهم: «إياكم وخشوع النفاق؛ فقيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يرى الجسد خاشعًا، والقلب ليس بخاشع» ففتش نفسك، هل تساوت سريرتك وعلانيتك أم لا؟ وأكثر من الاستغفار، واعلم أن مَن أظهر للناس فوق ما في قلبه فهو منافق.

    صفات المنافقين

    ومن صفات المنافقين: التكاسل عن الصلاة، وقلة ذكر الله فيها، كما قال -تعالى-: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} (النساء: 142).

    ومن صفاتهم: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف كما قال -تعالى-: {الْمُنَافِقُون وَالْمُنَافِقَا تُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (التوبة: 67).


    ومن صفاتهم: موالاة الكافرين كما قال -تعالى-: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}(النساء : 138-139).


    ومِن صفاتهم: عدم الرضا بحكم الله -عز وجل- كما قال -تعالى-: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} (النساء: 61).

    ومن صفاتهم: الكذب والغدر، والخيانة والفجور عند الخصومة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ» (متفق عليه).
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,844

    افتراضي رد: من أخلاق السلف


    من أخلاق السلف (2)


    أحمد فريد



    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    مِن أخلاق السلف -رضي الله عنهم-:

    توقفهم عن كل فعل أو قلو حتى يعرفوا ميزانه على الكتاب والسنة؛ لاحتمال أن يكون ذلك القول أو الفعل من جملة البدع التي لا يشهد لها كتاب ولا سنة، قال الله -تعالى-: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (الحشر:7)، وقال الله -تعالى-: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور:63).

    وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (رواه مسلم).

    فقد كان السلف الصالح -رضي الله عنهم- يحثون الناس على التقيد بالكتاب والسنة واجتناب البدع، ويشددون في ذلك، حتى إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ربما كان يهم بالأمر ويعزم عليه، فيقول له بعض الناس: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يفعل ذلك ولم يأمر به، فيرجع عما كان عزم عليه.


    قال بعضهم: إن طريق القوم رضي الله عنهم محررة على الكتاب والسنة تحرير الذهب والجوهر؛ وذلك لأن لهم في كل حركة وسكون نية صالحة بميزان شرعي، ولا يعرف ذلك إلا من تبحر في علوم الشريعة.

    كثرة تقويضهم إلى الله -تعالى- في أمر أنفسهم وأولادهم وأصحابهم، فلا يكون معولهم في أمر هدايتهم إلا عليه -عز وجل-، ولا يطلبون شيئًا قط بأنفسهم وهم غائبون عن الاستناد إلى الله -تعالى-.

    قال الله -تعالى- حاكيات عن مؤمن آل فرعون: (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) (غافر:44-45).

    وقال -تعالى- حاكيًا عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورضي الله عنهم: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) (آل عمران:173-174).

    فبيَّن الله -تعالى- عاقبة التفويض إليه.

    قال بعضهم: "ليس شيء أنفع لأولاد العلماء والصالحين من الدعاء لهم بظهر الغيب، مع تفويض أمرهم إلى الله -تعالى-"، ومما يدل على فضل التفويض إلى الله -عز وجل- والتوكل عليه ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بِالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ التَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى البَحْرِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلاَنًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلاَ، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَه َا، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا المَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا) (رواه البخاري).

    - عملهم على ترك النفاق بحيث تتساوى سريرتهم وعلانيتهم في الخير، فلا يكون لأحدهم عمل يفتضح به غدًا في الآخرة.

    نصح بعضهم عمر بن عبد العزيز فقال له: "إياك يا عمر أن تكون وليًّا لله في العلانية وعدوًّا له في السر، فإن مَن لم تتساوَ سريرته وعلانيته فهو منافق، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار".

    وقال بعضهم: "إياكم وخشوع النفاق. فقيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يرى الجسد خاشعًا، والقلب ليس بخاشع"، ففتش نفسك: هل تساوت سريرتك وعلانيتك أم لا؟ وأكثر من الاستغفار، واعلم أن مَن أظهر للناس فوق ما في قلبه فهو منافق.

    - ومن صفات المنافقين: التكاسل عن الصلاة، وقلة ذكر الله فيها، كما قال -تعالى-: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) (النساء:142).

    - ومن صفاتهم: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف كما قال -تعالى-: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَا تُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة:67).

    - ومن صفاتهم: موالاة الكافرين كما قال -تعالى-: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا . الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ . أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (النساء:138-139).

    - ومِن صفاتهم: عدم الرضا بحكم الله -عز وجل- كما قال -تعالى-: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) (النساء:61).
    - ومن صفاتهم: الكذب والغدر، والخيانة والفجور عند الخصومة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ) (متفق عليه).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,844

    افتراضي رد: من أخلاق السلف

    من أخلاق السلف (3)


    أحمد فريد



    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    5- ومن أخلاقهم -رضي الله عنهم-:
    كثرة الصبر على جور الحكام، وشهودهم أن ذك دون ما يستحقونه بذنوبهم، قال الله -تعالى-: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأنعام:129)، وقال -تعالى-: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) (الإسراء:16). وقرئ: (أمَّرْنَا).
    وكان عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- يقول: "كان الحجاج الثقفي بلاء من الله وافق خطيئة".
    وكتب رجل لمحمد بن يوسف يشكو إليه من جور الولاة في بلاده فأجابه محمد بقوله: "قد بلغنا كتابك، ولا يخفى عن علمك يا أخي أنه ليس لمن عمل بالمعصية أن ينكر وقوع العقوبة، وما أرى ما أنتم فيه إلا شؤم الذنب، والسلام".
    فالله -عز وجل- قد يعاقب الظالم بالظالم، ثم يُصيِّر كلًّا إلى النار، وقد نهى الله -عز وجل- عن إعانة الظالمين أو الركون إليهم، فقال -تعالى-: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (هود:113).
    سئل عطاء بن أبي رباح رحمه الله عن شخص يكتب بقلمه عند الأمراء، لا يجاوز ما جعلوه له من الرزق، فقال عطاء: "أرى أن يترك ذلك، أما سمع قول موسى -عليه الصلاة والسلام-: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِين َ) (القصص:17)".
    وكان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- يقول: "مَن أعان ظالمًا أو لقنه حجة يدحض بها حق امرئ مسلم، فقد باء بغضب من الله".
    6- ومن أخلاقهم -رضي الله عنهم-:
    غيرتهم لله -تعالى- إذا انتهكت حرماته نصرة للشريعة المطهرة، فكانوا لا يفعلون فعلًا ولا يصحبون أحدًا إلا إن علموا رضا الله -تعالى- فيه، فلا يحبون أحدًا ولا يبغضونه لعلة دنيوية، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) (متفق عليه).
    وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
    وقال بعضهم: "صحبة أهل الصلاح تورث في القلب الصلاح".
    وقال أحمد بن حرب: ليس شيء أنفع لقلب العبد من مخالطة الصالحين والنظر إلى أفعالهم، وليس شيء أضر على القلب من مخالطة الفاسقين والنظر إلى أفعالهم".
    7- ومن أخلاقهم -رضي الله عنهم-:
    قلة الضحك وعدم الفرح بشيء من الدنيا، بل كانوا ينقبضون بكل شيء حصل لهم من ملابسها ومراكبها ومناكحها ومناصبها، عكس ما عليه أبناء الدنيا؛ كل ذلك خوفًا أن يكون من جملة ما عجل لهم من نعيم الآخرة.
    قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "لولا أني أخاف أن ينقص من حسناتي لشاركتكم في لين عيشكم، ولكني سمعتُ الله عيَّر قومًا فقال: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُ مْ بِهَا) (الأحقاف:20).
    وما تميز أهل الله -عز وجل- عن غيرهم إلا بالإقبال على الآخرة والتهيؤ لأحوالها، فتأمل يا أخي في نفسك وما أنت منطوٍ عليه من الغفلة والسهو عما يقربك إلى الله -تعالى-، وأكثر من الاستغفار.
    تمنوا الموت إذا خافوا على أنفسهم الوقوع فيما يسخط الله -عز وجل-، وذلك بأماراتٍ تظهر لهم من أنفسهم هي كالمقدمات للمعاصي، والأصل أن المؤمن لا يتمنى الموت إلا إذا خاف فتنة في الدين؛ وذلك لأن المؤمن لا يزداد من الدنيا إلا خيرًا.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,844

    افتراضي رد: من أخلاق السلف



    من أخلاق السلف -رضي الله عنهم- 4


    كتبه/ أحمد فريد




    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    من أخلاقهم -رضي الله عنهم-:

    تمني الموت إذا خافوا على أنفسهم الوقوع فيما يسخط الله -عز وجل-، وذلك بأمارات تظهر لهم من أنفسهم هي كالمقدمات للمعاصي.

    والأصل أن المؤمن لا يتمنى إلا إذا خاف فتنة في الدين؛ وذلك لأن المؤمن لا يزداد من الدنيا إلا خيرًا.

    وقد قال بعض السلف: "كل يوم يعيشه المؤمن فهو غنيمة".

    عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ وَلاَ يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ وَإِنَّهُ لاَ يَزِيدُ المُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلاَّ خَيْراً) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، ولكن إذا كثرت الفتن وخاف المؤمن على دينه، فيستحب له عند ذلك أن يتمنى الموت ويدعو به، كما في حديث اختصام الملأ الأعلى: (وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ،) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

    قال العلامة منير الدين الدمشقي: "هذه الفقرة من جوامع الأدعية وفيها الخير العظيم لمن أمعن النظر بدقائقها؛ وذلك لأنها برهان قاطع على صحة إيمان الذي دعا بها، وذلك لأنه رضي بذهاب الروح من جسده، وقدمها ضحية وقربانًا ليتخلص من فتنة قد تكون سببًا لعذاب دائم، فلولا أنه مؤمن حقًّا لما فادى بحياته واختار الموت، فهو مؤمن بالله واليوم الآخر والعذاب والنعيم، وبلغ من الخشية أن يختار الموت على عيشة ممزوجة بالفتنة، علمًا أن التيار لا يمكن الوقوف أمامه، فإذا حصل لقوم فتنة فإنه يعلم أن قيامة في وجه هذه الفتنة قد لا يجديه نفعًا إذا سرى مرضها في النفوس، واشتد غضب الله عليهم؛ ولذلك استعد للأمر قبل وقوعه، فدعا ربه القادر وحده على تخليصه من هذه المصيبة، كي لا تصيبه نار الفتنة، فلا يختار الدنيا على الآخرة. وقد كان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: سيأتي على الناس زمان يكون الموت أحب إلى العلماء فيه من الذهب الأحمر، حتى يأتي الرجل قبر أخيه، فيقول: ليتني كنت مكانه. وكان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- يقول: ذهب صفو الدنيا وبقي كدرها، فالموت اليوم تحفة لكل مسلم".

    ومن أخلاقهم رضي الله عنهم:

    كثرة خوفهم من الله -تعالى- في حال بدايتهم وحال نهايتهم، لكن في حال بدايتهم من الذنوب وخوف العذاب، وفي حال نهايتهم خوف الإجلال، وخوف سوء الخاتمة، قال الله -تعالى-: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) (الرحمن:46)، وقال -عز وجل-: (وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران:175).

    وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الجَنَّةُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

    كان أبو تراب النخعي يقول: "إذا أجمع الرجل على ترك الذنوب أتته الإمدادات من الله -عز وجل- من كل جانب، ومن علامة سواد القلب ثلاث: ألا يجد للذنوب مفزعًا، ولا للطاعة موقعًا، ولا للموعظة منجعًا".

    وكان الحسن البصري -رحمه الله- يقول: "من علامة من غرق في الذنوب، عدم انشراح صدره لصيام النهار وقيام الليل".

    وقال بعضهم: لو لم يكن في الطاعة إلا ظهور نور الوجه وبهاؤه، والمحبة في القلوب، والقوة في الجوارح، والأمن على النفس، والتجوز في الشهادة على الناس، لكان في ذلك كفاية في ترك الذنوب، ولو لم يكن في المعصية إلا النكارة في الوجه، والظلمة في القلب واللعنة في الذكر، والإسقاط في الشهادة، والخوف على النفس، لكان في ذلك كفاية، فيجعل الله -تعالى- لكل من الطائع والعاصي أمارات ليفرح هذا ويحزن هذا.

    وقد قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت:30).
    قال بعض السلف: "إنما تقول الملائكة ذلك لمن طال خوفه من الله -عز وجل- وحزنه مما فرط منه، أما مَن لم يخف الله -عز وجل-، ولم يحزن على ما فاته من الخير، فلا يقال له شيء من ذلك".



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,844

    افتراضي رد: من أخلاق السلف

    من أخلاق السلف -رضي الله عنهم- (5)

    كتبه/ أحمد فريد



    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    من أخلاق السلف -رضي الله عنهم-:
    كثرة شفقتهم من الله -تعالى- أن يعذبهم على ما جنوه من مظالم نفوسهم، ومظالم العباد ولو إبرة يخيطون بها؛ لا سيما إن كان أحدهم يستقل أعماله الصالحة في عينه، فإنه يشتد خوفه وكربه لعدم أن يكون معه شيء من الحسنات يعطي منها الخصوم يوم القيامة، وربما شح أحد المظلومين يوم القيامة فلا يرضى بجميع أعمال الظالم الصالحة في مظلمة واحدة من مال أو عرض.
    قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْ هُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ) (رواه البخاري).
    وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟) قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: (إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ) (رواه مسلم).
    روي عن الحسن البصري أنه قال: ولقد روي أنه نزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (النساء:123)، فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: "نزلت والله قاصمة الظهور!"؛ فإذا قال ذلك أبو بكر -رضي الله عنه- وقد شُهد له بالجنة يقول ذلك؛ فكيف يجب أن يكون قول مَن سواه؟! فاعتبروا معشر المؤمنين، وكونوا على حذر؛ لعلكم تأمنون من عذاب يوم عظيم.
    11- ومن أخلاقهم رضي الله عنهم:
    انخلاع قلوبهم من أجسامهم في كل مرضة يمرضونها؛ لاحتمال أن تكون تلك المرضة الأخيرة لهم، فلا يمكنهم التسوية ولا تدارك الحقوق، فيذهبون إلى الآخرة وهم عصاة، كالعبد الآبق الذي هرب من سيدة بعد كثرة مخالفاته، فأحيط به وأحضر إلى سيده.
    دخل الحسن البصري على رجل وهو يجود بنفسه فقال: "إن أمرًا هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله".
    ودخلوا على عتبة الغلام في مرض موته فقالوا: كيف تجدك؟
    فأنشد يقول:
    خرجتُ من الدنيا وقامت قيامتي غـداة أقـبـل الحاملون جـنـازتـي
    وعجل أهلي حفر قبري وصيروا خروجي وتعجيلي إليه كرامـتـي
    كـأنـهـم لـم يـعـرفوا قط سيرتي غداة أتــى يومي عليَّ وساعـتي
    ولما حضرت إبراهيم النخعي الوفاة بكى، فقيل له في ذلك، فقال: "إني أنتظر رسولًا يأتيني من ربي، هل يبشرني بالجنة أو بالنار؟!".
    فتأمل يا أخي في نفسك، واعلم أنك محتضر على الدوام، ولا تملك لنفسك نَفَسًا واحدًا، وأكثِر من الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار، والله يتولانا وإياك بهدايته، ويمن علينا بأسباب رحمته.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,844

    افتراضي رد: من أخلاق السلف

    من أخلاق السلف -رضي الله عنهم(6)


    كتبه/ أحمد فريد




    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    12- مِن أخلاقهم -رضي الله عنهم-:

    كثرة الاعتبار والبكاء، والاهتمام بأمر الموت إذا رأوا جنازة، أو تذكروا الموت وسكراته، وسوء الخاتمة، حتى تزلزل قلوبهم.

    كان أبو هريرة -رضي الله عنه- إذا رأى أحدًا يحمل جنازة يقول لها: "امضِ إلى ربك، فإنا على إثرك ماضون".

    وكان مكحول الدمشقي يقول إذا رأى جنازة: "اغدوا فإنا رائحون، موعظة بليغة قليلة، وغفلة شنيعة، يذهب الأول والآخر لا يعتبر".

    وكان الأعمش يقول: "كنا نشهد الجنائز فلا نرى إلا متلفعًا باكيًا".

    وذلك لأنهم كانوا يتذكرون جنازة أنفسهم، فلا يبكون على الميت، ولكن على أنفسهم.

    فجدير بمن الموت مصرعه، والقبر مضجعه، والدود أنيسه، ومنكر ونكير جليسه، والقبر مقره، وبطن الأرض مستقره، والقيامة موعده، والجنة أو النار مورده، ألا يكون له فكر إلا في ذلك، ولا استعداد إلا له.

    فاعلم ذلك، واعتبِر كما اعتبر هؤلاء، وأكثِر من البكاء والنحيب، فإن بين يديك مِن الأهوال ما لا يوصف، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.

    13- ومن أخلاقهم رضي الله عنهم:

    كثرة العفو والصفح عن كل مَن آذاهم بضرب أو أخذ مال أو وقوع في عرض أو نحو ذلك؛ عملًا بقول الله -عز وجل-: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة:13)، وبقوله -عز وجل-: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:134).

    وتخلقًا بأخلاق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث كان لا ينتقم لنفسه، وإنما ينتقم إذا انتهكت حرمات الله -عز وجل-.

    ومَن تخلق بهذا الخلق الكريم يكون أقرب إلى رحمة أرحم الراحمين، وعفوه ومغفرته، كما في الصحيح: (كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ) (رواه البخاري).

    وكان جعفر بن محمد -رحمه الله- يقول: "لأن أندم في العفو، أحب إليَّ مِن أندم على العقوبة".

    وسُئل قتادة -رحمه الله: "مَن أعظم الناس قدرًا؟ قال: أكثرهم عفوًا".
    ويروى أن أحد السلف غاظه غلام له فجأة غيظًا شديدًا، فهم بالانتقام منه، فقال الغلام: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) فقال: كظمت غيظي. قال الغلام: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) قال: عفوت عنك. قال: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). قال: اذهب، فأنتَ حر لوجه الله".



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,844

    افتراضي رد: من أخلاق السلف

    من أخلاق السلف -رضي الله عنهم- (7)


    كتبه/ أحمد فريد


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    14- من أخلاقهم -رضي الله عنهم-:

    كثرة تعظيمهم حرمة المسلمين ومحبة الخير لهم؛ لأنها من جملة شعائر الله: (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:32).

    وقد عظم النبي -صلى الله عليه وسلم- حرمة المسلمين في أعظم محفل شهدته البشرية، فقال -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع: (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) (متفق عليه)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ) (رواه مسلم).

    وكان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يقول: "لا يحقرن أحد أحدًا من المسلمين عند الله كبير".

    وكان عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- يقول: "أفضل الحسنات إكرام الجليس"، وكان ينظر إلى الكعبة، ويقول: "إن الله حرمك وشرفك وكرمك، والمؤمن أعظم عند الله تعالى منك".

    وكان عكرمة يقول: "إياكم أن تؤذوا أحدًا من العلماء، فإن مَن آذى عالمًا آذى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

    فتأمل يا أخي في نفسك: هل عظمت حرمات المسلمين فضلًا عن العلماء والصالحين -كما ذكرنا- أم احتقرتهم ووقعت في أعراضهم وصرت من الفاسقين بذلك؟!

    15- ومن أخلاقهم رضي الله عنهم:

    صبرهم على أذى زوجاتهم، وشهودهم أن كل ما بدا من زوجة أحدهم من المخالفات له صورة معاملته لربه، فلما خالف ربه، كذلك خالفته زوجته.

    قال بعض السلف: "إني لأعصي الله فأجد ذلك في خلق دابتي وامرأتي".

    وكانوا -رضي الله عنهم- يؤدون إلى المرأة حقها على الكمال، ولا يمنعهم مخالفتها بهم عن ذلك.

    وكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يقول: "من سعادة المرء خمسة أشياء: أن تكون زوجته موافقة، وأولاده أبرارًا، وإخوته أتقياء، وجيرانه صالحين، ورزقه في بلده".

    وقال النبي -صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

    وكان أحمد بن حرب يقول: "إذا اجتمع في المرأة ست خصال فقد كمل صلاحها: المحافظة على الخمس، وطواعية زوجها، ومرضاة ربها، وحفظ لسانها من الغيبة والنميمة، وزهدها في متاع الدنيا، وصبرها عند المصيبة".

    ومن أخلاقهم مع زوجاتهم كذلك: صبرهم على إصلاحهن؛ عملًا بقول الله -تعالى-: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) (طه:132).

    وعملًا بوصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنّ َ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُ مْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ) (رواه مسلم).

    16- ومن أخلاقهم -رضي الله عنهم-:

    ترك طلب الرياسة حتى نفجأهم ويقدمهم الناس على أنفسهم، ويصير أحدهم يقول: "ما أنا بأهل للإمامة" مثلًا، فيقول الناس له: بل أنت أهل لذلك وزيادة!

    عملًا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا) (متفق عليه).

    وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ) (رواه البخاري).

    وقد كان سفيان الثوري -رحمه الله- يقول: "مَن طلب الرياسة قبل مجيئها فرت منه وفاته خير كثير".

    وكان يقول: "لا يطلب أحدكم الرياسة إلا بعد مجاهدة نفسه سبعين سنة".
    وكان مسلم بن قتيبة -رحمه الله- يقول: "أدركنا الناس وهم يعدون الإمارة أعظم بلاء، ونراهم اليوم يطلبونها، وكانوا إذا تولى صديقهم الإمارة يقولون: اللهم أنسه ذكرنا حتى يصير لا يعرفنا ولا نعرفه!".


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,844

    افتراضي رد: من أخلاق السلف

    من أخلاق السلف -رضي الله عنهم- 8

    كتبه/ أحمد فريد



    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    17- من أخلاقهم رضي الله عنهم:
    نصح بعضهم بعضًا: فكان الكبير لا يتكدر مِن نصح الصغير له وبالعكس، وهذا بخلاف ما عليه أهل الرعونات اليوم، عملًا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ) قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: (لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) (رواه مسلم).
    وكانوا يقبلون النصائح ويشكرون الناصح، ولا يرى أحدهم أنه قام بحق مَن نصحه ولو أحسن إليه مدى الدهر؛ وذلك لأن الأمور الأخروية لا تُقابل بالأعراض الدنيوية.
    قال رجل للحسن البصري -رحمه الله-: "أوصني"، فقال له: "أعز أمر الله حيثما كنت، يعزك الله حيثما كنت".
    وكان بعضهم يكتب إلى بعض بالنصيحة وإن بعدت الديار، وكان المنصوح يقبل النصح ويشكر من نصحه، خلاف ما عليه الناس اليوم، فلا تكاد تنصح أحدًا إلا ويصير ينظر في عيوبك ليهجوك بذلك!
    كتب طاوس إلى مكحول -رحمهما الله تعالى- يقول له: "بعد السلام، احذر يا أخي أن تظن بنفسك أن لك مقامًا عظيمًا عند الله مما ظهر لك من أعمالك"، فإن مَن ظن بنفسه ذلك انقلب إلى الآخرة صفر اليدين من الخير، وربما عظمك الناس بسبب أعمالك الصالحة فاستعجلت ثوابها بذلك".
    فاعلم ذلك يا أخي وانصح نفسك أولًا ثم انصح إخوانك مشافهة ومكاتبة، وإياك أن تنكدر ممن نصحك.
    18- ومن أخلاقهم رضي الله عنهم:
    حسن أدبهم مع الصغير فضلًا عن الكبير، ومع البعيد فضلًا عن القريب، ومع الجاهل فضلًا عن العالم، وقد قال الله -تعالى- لموسى وهارون -عليهما السلام-: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا) (طه:44)، مع أن فرعون كان مِن أفسق الكفار.
    وأجمعوا على أن علو الدرجات إنما يكون بزيادة الأدب، والأصل في الأدب شهود النقص في أنفسهم والكمال في غيرهم، عكس مَن نظر إلى نفسه بعين الكمال، وإلى غيره بعين النقص، فإنه يورث الكبر -والعياذ بالله-.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,844

    افتراضي رد: من أخلاق السلف

    من أخلاق السلف -رضي الله عنهم- (9)

    كتبه/ أحمد فريد



    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    19- من أخلاقهم رضي الله عنهم:
    تقديم أعمال الآخرة دائمًا على أعمال الدنيا، فيقدِّم أحدهم ورده بعد صلاة الصبح على سائر مهماته، كما يقدم التهجد في الليلة الباردة على نومه تحت اللحاف، وعلى ذلك درج السلف الصالح -رضي الله عنهم-، فمن أصبح وهمته في الدنيا؛ فهو خارج عن طريقهم.
    قال الله -تعالى-: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا . وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) (الإسراء:18-19).
    وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ، جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني).
    كان مالك بن دينار -رحمه الله تعالى- يقول: "مَن خطب الدنيا طلبت منه دينه كله في صداقها، لا يرضيها منه إلا ذلك".
    وقال علي -رضي الله عنه-: "ارتحلت الآخرة مقبلة، وارتحلت الدنيا مدبرة؛ فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل".
    20- ومِن أخلاقهم رضي الله عنه:
    عدم غفلتهم عن ذكر الله -تعالى-، وعن الصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل مجلسٍ جلسوه؛ قال الله -تعالى-: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) (العنكبوت:45)، وقال -تعالى-: (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:28).
    وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّت) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
    وكان الحسن البصري -رحمه الله تعالى- يقول: "قد خفف الله -تعالى- علينا بقوله: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) (البقرة:152)؛ لم يخص مكانًا دون مكانٍ، ولو أنه -تعالى- عيَّن لنا مكانًا نذكره فيه؛ لكان الواجب علينا السعي له ولو كان مسيرة مائة سنة، كما صنع في دعاء الناس إلى الكعبة، فله الحمد والمنة".
    وكان الفضيل بن عياض -رحمه الله- يقول: "إذا ذكرتم الخلق في مجالسكم، فاذكروا الله -تعالى-؛ لأن ذكره دواء لداء ذكر الخلق".
    وكان أبو المليح -رحمه الله تعالى- إذا ذكر الله -تعالى- يحصل له فرح وسرور، ويقول: "إنما طربي بذكر الله -تعالى- لي، فإنه -سبحانه وتعالى- يقول: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) (البقرة:152)، وكان إذا مشى في طريقٍ وهو غافل عن ذكر الله -تعالى-، رجع ثانيًا وذكر الله -تعالى- فيها ولو مرحلة، ويقول: إني أحب أن تشهد لي البقاع التي أمرُّ فيها كلها يوم القيامة!".
    وكان يحيى بن معاذ -رحمه الله تعالى- يقول: "حادثوا القلوب بذكر الله، فإنها سريعة الغفلة".

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,844

    افتراضي رد: من أخلاق السلف


    من أخلاق السلف -رضي الله عنهم- (10)

    كتبه/ أحمد فريد



    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    21- ومِن أخلاقهم -رضي الله عنهم-:

    ظنهم بأنفسهم الهلاك، بسبب تقصيرهم في الطاعات؛ فضلًا عن وقوعهم في المعاصي، ويقولون: الرجاء في الله -تعالى- أن يعفو عنا هو تحصيل الحاصل، وإنما الشأن في ظن أحدهم أن الله -تعالى- يؤاخذه على النقير والقطمير، ليخفَّ وقوفه للحساب يوم القيامة، فإن من لم يحاسب نفسه هنا يطول وقوفه للحساب هناك، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) (الحشر:18).

    وقال عمر -رضي الله عنه-: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، وتهيئوا للعرض الأكبر"، (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) (الحاقة:18).

    كان عبد الرحمن بن هرمز الأعرج يقول: "فتشوا أنفسكم فيما هي عليه من القبائح، فإن كل أحد يحشر غدًا مع جنسه، فمن وقع في سائر المعاصي فله مع كل قوم حشر".

    وكان -رحمه الله- كثيرًا ما يعاتب نفسه ويوبخها ويقول لها: "إن المنادي ينادي يوم القيامة: يا أهل خطيئة كذا قوموا، فتقوم يا أعرج معهم، ثم ينادي: يا أهل خطيئة كذا قوموا، فتقوم يا أعرج معهم، ثم ينادي: يا أهل خطيئة كذا قوموا، فتقوم يا أعرج معهم، فأراك يا أعرج تقوم مع كل طائفة".

    22- ومن أخلاقهم -رضي الله عنهم-:

    عدم الاعتناء ببناء الدور ونحوها، ثم إن وقع أن أحدهم بنى دارًا اقتصر منها على ما يدفع الضرورة من غير زخرفة؛ وذلك لعدم وجود ما يكفي لذلك من الحلال، وعدم طول الأمل، فلا يدعهم قصر أملهم يفعلون ذلك.

    عن أنس -رضي الله عنه- قال: خَطَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خُطُوطًا، فَقَالَ: (هَذَا الأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الخَطُّ الأَقْرَبُ) (رواه البخاري).

    مر أحدهم على شخص يبني دارًا ويحكمها، فأنشد يقول:

    أتـبني بـناء الخـالـديـن وإنما بقاؤك فيها لو عـقـلـت قـليـل

    لقد كان في ظل الأراك كفاية لمن كل يـوم يـقـتضيه رحيل

    وكان بعضهم يعيب على الفقير إذا رآه يبني دارًا، ويقول له: "إن الذي تصرفه على هذا البناء لا تلحق تسكن به، وزجر رجلًا من أصحابه بنى بيتًا وصرف عليه سبعمائة وقال: لو سكنت بأجرة لكفاك العُشر مما صرفته في هذا البناء!".

    وقد درج السلف الصالح كلهم على عدم الحرص وطول الأمل.
    وللحديث بقية -إن شاء الله-.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,844

    افتراضي رد: من أخلاق السلف

    من أخلاق السلف -رضي الله عنهم- (11)

    كتبه/ أحمد فريد



    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    ومِن أخلاقهم -رضي الله عنهم-:
    هوان الدنيا عندهم وشدة رفضهم لها؛ عملًا بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَاللهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟) (رواه مسلم)، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

    كان مالك بن دينار -رحمه الله تعالى- يقول: "اتقوا السحارة التي تسحر قلوب العلماء، وتلهيهم عن الله تعالى -يعني الدنيا-، وهي أسحر وأقبح من سحر هاروت وماروت؛ لأن ذاك يفرِّق بين المرء وزوجه، وهذا يفرق بين العبد وربه".
    وكان الحسن البصري -رحمه الله تعالى- يقول: "لقد أدركنا الناس وهم يرون الدنيا عندهم كوديعة يؤدونها إلى صاحبها، ليس لهم فيها ملك؛ ولذلك ذهبوا إلى الآخرة خفافًا".
    وكان عبد الله بن المبارك -رحمه الله تعالى- يقول: "الدنيا سجن المؤمن، وأعظم أعماله في السجن: الصبر وكظم الغيظ، وليس للمؤمن في الدنيا دولة، وإنما دولته غدًا في الآخرة".
    وكان بعضهم يقول: "إذا أردت القرب من الله -تعالى-، فاجعل بينك وبين الشهوات حائطًا مِن حديدٍ".
    ومن أخلاقهم -رضي الله عنهم-:
    عدم إسرافهم في الحلال إذا وجدوه؛ وذلك لأن الحلال غريب في كل زمان بحسب تفاوت أهله، وكانوا يقدمون كسب الدراهم الحلال على سائر مهماتهم؛ وذلك لأنهم من أبناء الآخرة بيقين، والأعمال الأخروية الخالصة لا تقع على يدي مَن أكل حرامًا أو شبهات، فإن مَن أكل حرامًا نشأ عنه فعل الحرام، ومن أكل شبهة نشأ عنه فعل الشبهة، حتى لو أراد من أكل الحرام أن يطيع الله لما قدر على ذلك.
    ولذلك والله أعلم، سوَّى الله -تعالى- بين الرسل وبين سائر المؤمنين في الأمر بالأكل من الحلال الطيب، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (المؤمنون:51)، وَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) (البقرة:172)، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟) (رواه مسلم).
    فالأكل مِن الحلال الطيب أكبر عون على العمل الصالح، وهو كذلك شرط لقبول الدعاء.
    كان يونس بن عبيد -رحمه الله تعالى- يقول: "ما ثَمَّ اليوم أقل من درهمٍ طيبٍ، ولو وجدناه لاستشفينا به مرضانا!".


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,844

    افتراضي رد: من أخلاق السلف


    من أخلاق السلف -رضي الله عنهم- (12)

    كتبه/ أحمد فريد


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    مِن أخلاقهم -رضي الله عنهم-:

    كثرة سؤالهم عن أحوال أصحابهم؛ وذلك لأجل أن يواسوهم بما يحتاجون إليه من الطعام، والثياب، والنقود، ووفاء الديون، وتحمل الهموم، وهذا الخُلُق صار أهله غرباء في هذا الزمان، فإن الناس اليوم على خلاف ذلك، وربما يقول أحدكم لصاحبه: "إيش حالكم؟" فيقول: "طيب"، ويكتم أمره؛ لعلمه بفراغ قلب صاحبه منه، وأن قوله: "إيش حالكم" بحكم العادة من غير ثمرة، كما هو مشاهد، بل وكثيرًا ما يقول المار على صاحبه: "إيش حالكم؟"، ولا ينتظر الجواب مثلًا! فلا السائل يتربص حتى ينتظر الجواب، ولا المسئول يكلِّف نفسه النطق بالجواب.

    قال بعضهم: "إذا لم يكن أحدكم عازمًا على مواساة أخيه أو تحمل همومه أو الدعاء له، وإلا قلا يقولن: إيش حالكم؛ لأنه يعتبر نفاقًا".

    كان السلف -رضي الله عنهم- يسأل بعضهم بعضًا عن أحوالهم لينبِّهوا الغافل على شكر الله -تعالى- فيشكره، فيحصل له ولهم الخير بذلك.

    قيل لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه-: "كيف أصبحت؟ قال: أصبحت عبدًا ذليلًا لرب جليل، أصبحت مأمورًا بأمره".

    وقيل للإمام الشافعي -رحمه الله-: "كيف أصبحت؟ قال: أصبحت آكل رزق ربي ولا أقوم بشكره".

    وقيل لمالك بن دينار -رحمه الله-: "كيف أصبحت؟ قال: أصبحت في عمر ينقص، وذنوب تزيد".

    ومن أخلاقهم -رضي الله عنهم-: "عدم الغفلة عن محاربة إبليس والاجتهاد لمعرفة مكائده ومصائده، قال الله -تعالى-: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (فاطر:6).

    وهذا الخُلُق قد أغفله كثيرٌ مِن الناس، فإن إبليس كما لا يَغفل عنا، فينبغي لنا أن لا نغفل عنه، فإنه بالمرصاد؛ حريص على وقوع العبد في سخط الله -تعالى-.

    قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ، فَيَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ، فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً) (رواه مسلم).

    كان الفضيل بن عياض -رحمه الله تعالى- يقول: "إن إبليس إذا ظفر مِن ابن آدم بإحدى ثلاث، قال: لا أطلب منه غيرها: إعجابه بنفسه، واستكثاره عمله، ونسيانه ذنوبه".

    وكان وهب بن منبه -رحمه الله تعالى- يقول: "إياكم أن تعادوا الشيطان في العلانية وتطيعوه في السر، فإنه كل مَن بات عاصيًا، بات الشيطان لأجله عروسًا!".
    فتنبَّه يا أخي لنفسك، وإياك أن تظن أن إبليس انقطع عنك حين ترى توالي عبادتك، بل انظر فيها، وابحث كل البحث؛ فستجد حظ إبليس، وأكثِر مِن الاستغفار، فعن الحسن -رحمه الله- قال: "إذا نظر إليك الشيطان فرآك مداومًا في طاعة الله فبغاك وبغاك -أي طلبك مرة بعد مرة-، فرآك مداومًا ملَّك ورفضك، وإذا كنت مرة هكذا ومرة هكذا، طمع فيك".



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,844

    افتراضي رد: من أخلاق السلف


    من أخلاق السلف -رضي الله عنهم- (13)

    كتبه/ أحمد فريد



    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فإنه ما مِن موسم مِن المواسم الفاضلة إلا ولله -تعالى- فيه وظيفة مِن وظائف طاعته يُتقرب بها إليه، ولله فيه لطيفة من لطائف نفحاته يُصيب فيها مَن يشاء بفضله ورحمته عليه، فالسعيد مَن اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرب فيها مِن مولاه بما فيها مِن وظائف الطاعات، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات، فيسعد بها سعادة يأمن من بعدها من النار وما فيها من اللفحات.

    عن الحسن في قوله -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) (الفرقان:62)، قال: "مَن عجز بالليل كان له مِن أول النهاء مستعتب، ومَن عجز بالنهار كان له من الليل مستعتب".

    فمن فضل الله -عز وجل- على العبد أن يوفق للمكان الشريف أو الزمان الشريف، ويُعان على طاعة الله -عز وجل-، فمن صلى صلاة واحدة بالمسجد الحرام أفضل من صلاته في مصره بما يعادل خمسة وخمسين سنة، ومَن قام ليلة القدر أو عمل فيها أعمالًا صالحة أفضل من صلاة أو عمل صالح في ثلاثة وثمانين سنة.

    وقد خشي النبي -صلى الله عليه وسلم- أن لا تدرك أمته مع قصر أعمارها ما أدركته الأمم السابقة بطول أعمارها، فقد مكث نوح عليه السلام ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعو إلى الله -عز وجل-، وأعمار أمة النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في بعض الأحاديث ما بين الستين والسبعين.

    وفي بعض الآثار: أن نوحًا -عليه السلام- مرَّ على امرأة تبكي فسألها عن سبب بكائها فقالت: "مات لي صبي صغير" فقال: "كم عمره؟"، قالت: "أربعمائة سنة" فقال: "سوف تأتي أمة أعمارها ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم مَن يجوز ذلك"، فقالت: " لو كنت من هذه الأمة لجعلتها سجدة!".

    قال الإمام مالك -رحمه الله-: "بلغني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أُري أعمار الأمم قبله، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغه غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر".

    قال النخعي: " العمل فيها خير من العمل في ألف شهر

    وقد روى بعض السلف: "أن ركعة في رمضان خير من ألف ركعة في غير رمضان، وتسبيحة في رمضان أفضل من ألف تسبيحة في غيره".

    فالعاقل هو الذي يعرف شرف الزمان، وشرف المكان، ويجتهد في طاعة الكريم الرحمن ليصل إلى أعلى درجات الجنان، والله المستعان.

    فشهر رمضان من أعظم مواسم المغفرة والرحمة؛ ضيف كريم يطرق أبوابنا كل عام، فيملأ قلوبنا سرورًا وحبورًا، ويملأ مساجدنا نورًا وصلاة، ودعاءً وبكاءً، ويملأ بيوتنا رزقًا وخيرًا وبركة، فكيف لا يفرح المؤمن بقدومه، ويأسف على فراقه؟!

    ويتمثل خير هذا الشهر في عدة معانٍ:

    المعنى الأول: أن شهر رمضان فرصة لتكثير الحسنات؛ لكثرة العبادات التي شُرعت في هذا الشهر الكريم من صلاة، وتلاوة للقرآن، وصيام، واعتكاف، وزكاة.


    المعنى الثاني: أن شهر رمضان فرصة لمغفرة الذنوب التي نرتكبها، وتثقل ظهورنا طوال العام، فتكثر في رمضان فرص المغفرة.

    المعنى الثالث: شهر رمضان فرصة لنقلة نوعية من الإيمان إلى التقوى، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183)، والوصول إلى التقوى هو الغاية، كما أن العبادة هي الوظيفة، ففي أول أمر في القرآن قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:21)، فبيَّن الوظيفة والغاية.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •