فأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يؤمنونَ بصفات الله إيماناً خالياً مِنْ التَّحريفِ، والتَّعطيلِ، والتكييف والتَّمثيلِ
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: فأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يؤمنونَ بصفات الله إيماناً خالياً مِنْ التَّحريفِ، والتَّعطيلِ، والتكييف والتَّمثيلِ

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,646

    افتراضي فأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يؤمنونَ بصفات الله إيماناً خالياً مِنْ التَّحريفِ، والتَّعطيلِ، والتكييف والتَّمثيلِ

    قال ابن عثيمين رحمه الله فى شرح العقيدة الواسطية

    فأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يؤمنونَ بها إيماناً خالياً مِنْ هذِهِ الأُمورِ الأربعةِ: التَّحريفِ، و التَّعطيلِ، و التَّكييفِ، و التَّمثيلِ.

    فالتَّحريفُ: التَّغييرُ، وَهُوَ إمَّا لفظيٌّ وإمَّا معنويٌّ.
    والغالِبُ أنَّ التَّحريفَ اللَّفظيَّ لاَ يَقعُ، وإِذَا وَقَعَ، فإنمَا يَقعُ مِنْ جاهلٍ، فالتَّحريفُ اللَّفظيُّ يعني تغييرَ الشَّكلِ، فمثلاً: فلا تَجِدُ أحداً يقولُ: ((الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ)) بفتحِ الدَّالِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ جاهلاً… هَذَا الغالبُ!
    لكنَّ التَّحريفَ المعنويَّ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ كثيرٌ من النَّاسِ.
    فأهلُ السُّنةِ والجماعةِ إيمانهُم بمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ خالٍ مِن التَّحريفِ، يعني: تَغييرَ اللَّفظِ أو المعنَى.
    وتغييرُ المَعْنَى يُسمِّيهِ القائِلونَ بِهِ تأويلاً، ويُسمُّونَ أنَفْسَهم بأهَلِ التَّأويلِ، لأجْلِ أنْ يَصْبِغُوا هَذَا الكلامَ صبغةَ القَبولِ؛ لأنَّ التأويلَ لاَ تَنفرُ مِنْهُ النُّفوسُ ولاَ تَكرهُهُ، لكنْ مَا ذهبوا إِلَيْهِ - فِي الحقيقةِ - تحريفٌ، لأنَّه ليْسَ عَلَيْهِ دليلٌ صحيحٌ، إِلاَّ أنَّهُم لاَ يَستطيعونَ أنْ يَقولُوا: تحريفاً! ولو قالوا: هَذَا تحريفٌ، لأَعْلَنُوا عَلَى أنْفُسِهم برفضِ كلامِهم.
    وَلِهَذَا عبَّرَ المؤلِّف -رحمَهُ اللَّهُ- بالتَّحريفِ دونَ التَّأويلِ، مَعَ أنَّ كثيراً ممَّن يتكلَّمونَ فِي هَذَا البابِ يُعبِّرونَ بنفِي التَّأويلِ، يقولونَ: مِنْ غيرِ تأويلٍ، لكنْ مَا عبَّرَ بِهِ المؤلِّفُ أَوْلى لوجوهٍ أربعةٍ:
    الوجْهُ الأوَّلُ: أَنَّه اللفظُ الَّذِي جاءَ بهِ القرآنُ، فإنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قال: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) [النساء: 46]، والتعبيرُ الَّذِي عبَّرَ بِهِ القرآنُ أولى مِنْ غيرهِ؛ لأنَّهُ أدلُ عَلَى المعنى.
    الوجْهُ الثَّاني: أنَّهُ أدلُّ عَلَى الحالِ، وأقربُ إِلَى العَدْلِ، فالمُؤَوِّلُ بغيرِ دليلٍ ليْسَ مِنَ العَدلِ أنْ نُسمِّيَهُ مُؤوِّلاً، بلِ العَدْلُ أنْ نِصفَهُ بمَا يستحقُ، وَهُوَ أن يكونَ محرِّفاً.
    الوجْهُ الثَّالثُ: أنَّ التَّأويلَ بغيرِ دليلٍ باطلٌ، يجبُ البُعْدُ عَنْهُ والتَّنفيرُ مِنْهُ، واستعمالُ التَّحريفِ فِيهِ أبلغُ تنفيراً مِن التَّأويلِ؛ لأنَّ التَّحريفَ لاَ يقبلُه أحدٌ، لكنَّ التَّأويلَ لَيِّنٌ، تقبلُهُ النَّفْسُ، وتَستفصِلُ عن معناهُ، أمَّا التَّحريفُ، بمجرَّدِ مَا نقولُ: هَذَا تحريفٌ. يَنفرُ الإنسانُ مِنْهُ، وإِذَا كَانَ كذلِكَ، فإنَّ استعمالَ التَّحريفِ فيمن خالفوا طريقَ السَلَفِ أَلْيقُ مِن استعمالِ التَّأويلِ.
    الوجْهُ الرَّابعُ: أنَّ التَّأويلَ ليس مذموماً كلَّه، قَالَ النَّبِيُّ - عليْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ -: ((اللَّهُمَّ فَقِّهُهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلُ))، وقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْويِلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ) [آل عمران: 7]، فامتدَحَهُم بأنَّهمْ يَعْلَمونَ التَّأويل.
    والتَّأويلُ ليس كلُّه مذموماً؛ لأنَّ التَّأويلَ لَهُ معانٍ متعدِّدةٌ، يكونُ بمعنَى التَّفسيرِ، ويكونُ بمعنى العاقِبةِ والمآلِ، ويكونُ بمعنَى صرفِ اللَّفظِ عن ظاهرِهِ.
    (أ)- يكونُ بمعنَى التَّفسيرِ، كثيرٌ مِن المفسِّرينَ عنْدَمَا يفسِّرونَ الآيةَ، يقولون: تأويلُ قولِهِ - تَعَالَى - كذا وكذا، ثُمَّ يَذْكُرونَ المعنَى، وسُمِّيَ التَّفسيرُ تأويلاً، لأنَّنا أوَّلْنَا الكلامَ، أيْ: جعلْناهُ يُؤَوْلُ إِلَى معناهُ المرادِ بِهِ.
    (ب)- تأويلٌ بمعنَى: عاقبةِ الشَّيءِ، وَهَذَا إنْ وَرَدَ فِي طَلبٍ، فتأويلُهُ فِعلُهُ إنْ كَانَ أمراً، وتَرْكُهُ إنْ كَانَ نهِيَاً، وإنْ وَردَ فِي خبرٍ، فتأويلُهُ وُقوعُهُ.
    مثالُهُ فِي الخبرِ قولُهُ - تَعَالَى -: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) [الأعراف: 53]، فالمعنَى: مَا يَنتظرُ هؤلاءِ إِلاَّ عاقبةَ ومآلَ مَا أُخْبِروا بِهِ، يومَ يأتي ذلِكَ المُخْبَرُ بِهِ يقولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قبلُ: قَدْ جاءتْ رُسلُ ربِّنَا بالحقِّ.
    ومِنْه قولُ يوسفَ لَمَّا خَرَّ لَهُ أبواهُ وإخوتُهُ سُجَّداً، قالَ: (هَذَا تَأْوِيلُ رُؤيَايَ مِن قَبْلُ) [يوسف: 100]: هَذَا وقوعُ رُؤْيايَ؛ لأنَّهُ قَالَ ذلِكَ بعد أنْ سَجَدُوا لَهُ.
    ومثالُهُ فِي الطَّلبِ قولُ عائشةَ - رضيَ اللَّهُ عَنْها -: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكثرُ أنْ يقولَ فِي ركوعِهِ وسجودِهِ بَعْدَ أنْ أُنزِلَ عَلَيْهِ قولُهُ - تَعَالَى -: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) [النصر: 1]، يُكْثِرُ أنْ يقولَ فِي ركوعِهِ وسجودِهِ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي))، يتأوَّلُ القرآنَ. أيْ: يَعملُ بِهِ.
    (ج)- المَعْنَى الثَّالثُ للتَّأويلِ: صرفُ اللَّفظِ عن ظاهرِهِ، وَهَذَا النَّوعُ يَنقسمُ إِلَى محمودٍ ومذمومٍ، فإنْ دلَّ عَلَيْهِ دليلٌ، فَهُوَ محمودُ النوعِ، ويكونُ مِن القِسمِ الأوَّلِ، وَهُوَ التَّفسيرُ، وإنْ لَمْ يدلْ عَلَيْهِ دليلٌ، فَهُوَ مذمومٌ، ويكونُ مِن بابِ التَّحريفِ، ولَيْسَ مِنْ بابِ التَّأويلِ.
    وَهَذَا الثَّاني هُوَ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ أهلُ التحريفِ فِي صفاتِ اللَّهِ - عزَّ وجلَّ -.
    مثالُهُ قولُهُ - تَعَالَى -: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: 5]: ظاهِرُ اللَّفظِ أنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - استوى عَلَى العرشِ: استقرَ عَلَيْهِ، وعلاَ عَلَيْهِِ، فَإِذَا قَالَ قائلٌ: معنى (اسْتَوَى): استَوْلَى عَلَى العرشِ، فنقولُ: هَذَا تأويلٌ عنْدَكَ، لأنَّكَ صَرَفْتَ اللَّفظَ عن ظاهِرِه، لكنْ هَذَا تحريفٌ فِي الحقيقةِ؛ لأنَّهُ مَا دلَّ عَلَيْهِ دليلٌ، بلْ الدَّليلُ عَلَى خلافِهِ، كَمَا سيأتي إنْ شاءَ اللَّهُ.
    فأمَّا قولُهُ - تَعَالَى -: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تستعْجِلُوهُ) [النحل: 1]، فمعنى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)، أيْ: سَيأتِي أمْرُ اللَّهِ، فهَذَا مخالِفٌ لظاهِرِ اللَّفظِ، لكنْ عَلَيْهِ دليلٌ، وهُوَ قولُهُ: (فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ).
    وكذلِكَ قولُهُ - تَعَالَى -: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [النحل: 98]، أيْ: إِذَا أردتَ أنْ تقرأَ، وليسَ المعنى: إِذَا أَكْمَلْتَ القراءةَ، قُلْ: أعوذُ باللَّهِ مِن الشَّيطانِ الرَّجيمِ، لأنَّنا عَلِمْنَا مِن السُّنَّةِ أنَّ النبيَّ - عليْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ - إِذَا أرادَ أنْ يقرأَ استعاذَ باللَّه من الشَّيطانِ الرَّجيمِ، لاَ إِذَا أكمَلَ القراءةَ، فالتَّأويلُ صحيحٌ.
    وكذلِكَ قولُ أنسٍ بنِ مالكٍ: كَانَ النبيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا دخَلَ الخلاءَ، قالَ: ((أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ))، فمعنى ((إِذَا دخَلَ)): إِذَا أرادَ أنْ يدخلَ؛ لأنَّ ذكرَ اللَّهِ لاَ يليقُ داخلَ هَذَا المكانِ، فَلِهَذَا حملْنَا قولَهُ: ((إِذَا دَخَلَ)) على: إِذَا أرادَ أنْ يَدْخلَ، هَذَا التَّأويلُ الَّذِي دلَّ عَلَيْهِ الدَّليلُ صحيحٌ، ولاَ يَعْدُو أنْ يكونَ تفسيراً.
    لذلِكَ قُلْنَا: إنَّ التَّعبيرَ بالتَّحريفِ عن التَّأويلِ الَّذِي لَيْسَ عليْهِ دليلٌ صحيحٌ أَوْلى؛ لأنَّهُ الَّذِي جاءَ بِهِ القرآنُ، ولأنَّهُ ألْصقُ بطريقِ المحرِّفِ، ولأَنَّهُ أشدُّ تنفيراً عن هذِهِ الطَّريقةِ المخالِفةِ لطريقِ السَّلَفِ؛ ولأنَّ التَّحريفَ كُلَّهُ مَذْمومٌ، بخلافِ التَّأويلِ، فإنَّ مِنْهُ مَا يكونُ مذموماً ومحموداً، فيكونُ التَّعبيرُ بالتَّحريفِ أَوْلى مِن التَّعبيرِ بالتَّأويلِ مِن أربعةِ أَوْجُهٍ.
    ((ولاَ تعطيلَ)): التَّعطيلُ بمعنى التَّخليةِ والتَّرْكِ، كقولِهِ - تَعَالَى -: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ) [الحج: 45]، أيْ: مُخلاَّةٍ متروكةٍ.
    والمرادُ بالتَّعطيلِ: إنكارُ مَا أثبتَ اللَّهُ لنَفْسِهِ من الأسماءِ والصِّفاتِ، سواءٌ كَانَ كُلِّيًّا أوْ جزئيًّا، وسواءٌ كَانَ ذلِكَ بتحريفٍ أوْ بجحودٍ، هَذَا كلُّهُ يُسمَّى تعطيلاً.
    فأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ لاَ يُعطِّلونَ أيَّ اسمٍ مِنْ أسماءِ اللَّهِ، أوْ أيَّ صفةٍ مِن صفاتِ اللَّهِ، ولاَ يَجْحَدونَها، بلْ يُقِرُّونَ بها إقراراً كامِلاً.
    فإنْ قُلْتَ: مَا الفرقُ بينَ التَّعطيلِ والتَّحريفِ؟
    قلْنا: التَّحريفُ فِي الدَّليلِ، والتَّعطيلُ فِي المَدْلولِ، فمثلاً: إِذَا قَالَ قائلٌ: معنى قولِهِ - تَعَالَى -: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) [المائدة: 64]، أيْ: بلْ قُوَّتاهُ، هَذَا محرِّفٌ للدَّليلِ، ومُعطِّلٌ للمرادِ الصَّحيحِ؛ لأنَّ المرادَ اليدُ الحقيقيَّةُ، فَقَدْ عطَّلَ المَعْنَى المرادَ، وأثبتَ معنًى غيرَ المرادِ. وإِذَا قالَ: بلْ يداهُ مبسوطتانِ، لاَ أَدْرِي! أُفوِّضُّ الأمرَ إِلَى اللَّهِ، لاَ أُثْبِتُ اليدَ الحقيقيَّةَ، ولاَ اليدَ المحرَّفَ إِلَيْهِا اللَّفظُ. نقولُ: هَذَا معطِّلٌ، وليس بمحرِّفٍ؛ لأنَّهُ لَمْ يُغيِّرْ معنَى اللَّفظِ، ولَمْ يُفَسِّرْهُ بغيرِ مُرادِهِ، لكِنْ عطَّلَ معناهُ الَّذِي يُرادُ بِهِ، وَهُوَ إثباتُ اليدِ لِلَّهِ - عزَّ وجلَّ -.
    أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يتبرَّءُونَ مِن الطَّريقتَيْنِ: الطَّريقةِ الأُولى: الَّتِي هِيَ تحريفُ اللَّفظِ بتعطيلِ معناهُ الحقيقيِّ المُرادِ، إِلَى معنًى غيرِ مُرادٍ، والطريقةُ الثَّانِيَةُ: وهِيَ طريقةُ أهلِ التَّفويضِ، فَهُمْ لاَ يُفَوِّضُونَ المَعْنَى، كَمَا يقولُهُ المفوِّضةُ، بلْ يقولونَ: نَحْنُ نقولُ: (بَلْ يَدَاهُ)، أيْ: يداهُ الحقيقيَّتانِ (مَبْسُوطَتَانِ) ، وهمَا غيرُ القوَّةِ والنِعْمَةِ.
    فعقيدةُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ بريئةٌ من التَّحريفِ ومِن التَّعطيلِ.
    وبهَذَا نَعرفُ ضلالَ أوْ كَذِبَ مَنْ قالُوا: إنَّ طريقةَ السَّلَفِ هِيَ التَّفويضُ، هؤلاءِ ضلُّوا، إنْ قالوا ذلِكَ عن جهلٍ بطريقةِ السَّلَفِ، وكَذَبُوا إنْ قالوا ذلِكَ عن عَمْدٍ، أوْ نقولُ: كَذَبوا عَلَى الوجهَيْنِ عَلَى لغةِ الحجازِ؛ لأنَّ الكَذِبَ عِنْدَ الحجازيِّينَ بمعنَى الخطأِ.
    وعَلَى كُلِّ حالٍ لاَ شكَّ أنَّ الذينَ يقولونَ: إنَّ مذهبَ أهلِ السُّنَّةِ هُوَ التَّفويضُ، أنَّهمْ أَخطئُوا؛ لأنَّ مذهبَ أهلِ السُّنَّةِ هُوَ إثباتُ المَعْنَى وتفويضُ الكيفيَّةِ.
    ولْيُعْلمْ أنَّ القولَ بالتَّفويضِ –كَمَا قَالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ- مِنْ شرِّ أقوالِ أهلِ البدعِ والإلحادِ!
    عندمَا يَسمعُ الإنسانُ التَّفويضَ، يقولُ: هَذَا جيِّدٌ، أسلمُ مِن هؤلاءِ وهؤلاءِ، لاَ أقولُ بمذهبِ السَّلَفِ، ولاَ أقولُ بمذهبِ أهلِ التَّأويلِ، أَسْلُكُ سبيلاً وسطاً، وأسلمُ مِنْ هَذَا كلِّهِ، وأقولُ: اللَّهُ أعلمُ، ولاَ نَدري مَا مَعناهَا. لكنْ يَقولُ شيخُ الإسلامِ: هَذَا مِن شرِّ أقوالِ أهلِ البدعِ والإلحادِ،
    وصَدَقَ رحَمُه اللَّهُ، إِذَا تأملْتَهُ، وجدْتهُ تَكذِيباً للقرآنِ، وتجهِيَلاً للرَّسولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، واستطالةً للفلاسفةِ.
    تكذيبٌ للقرآنِ؛ لأنَّ اللَّهَ يقولُ: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ) [النحل: 89]، وأيُّ بيانٍ فِي كلماتٍ لاَ يُدْرى مَا معناهَا؟! وهِيَ مِن أكثرِ مَا يَرِدُ فِي القرآنِ، وأكثرُ مَا وَرَدَ فِي القُرآنِ أسماءُ اللَّهِ وصفاتُهُ، إِذَا كُنَّا لاَ نَدْرِي مَا معناهَا، هَلْ يكونُ القُرآنُ تِبيانًا لكُلِّ شيءٍ؟! أيْنَ البَيانُ؟!
    إنَّ هؤلاءِ يَقولونَ: إنَّ الرَّسولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لاَ يَدْرِي عَنْ معانِي القُرآنِ فيمَا يَتعلَّقُ بالأسماءِ والصِّفاتِ، وإِذَا كَانَ الرَّسولُ - عليْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ - لاَ يَدْرِي، فغيرُهُ مِن بابِ أَوْلَى.
    وأَعجبُ مِنْ ذلِكَ يقولونَ: الرَّسولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتكلَّمُ فِي صفاتِ اللَّهِ، ولاَ يَدْرِي مَا معناهُ، يقولُ: ((ربُّنا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّماءِ))، وإِذَا سُئِلَ عَنْ هَذَا؟ قالَ: لاَ أَدْرِي، وكذلِكَ فِي قولِهِ: ((يَنْزِلُ ربُّنا إِلَى السَّماءِ الدُّنْيا))، وإِذَا سُئِلَ: مَا مَعْنَى ((يَنـزِلُ ربُّنا))؟ قالَ: لاَ أَدْرِي… وعَلَى هَذَا، فقِسْ.
    وهلْ هناكَ قدْحٌ أَعظمُ مِن هَذَا القدْحِ بالرَّسولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بلْ هَذَا مِن أكبرِ القَدْحِ! رسولٌ مِنْ عندِ اللَّهِ لِيُبَيِّنَ للنَّاسِ، وَهُوَ لاَ يَدرِي مَا معنى آياتِ الصِّفاتِ وأحادِيثِها، وَهُوَ يتكلَّمُ بالكلامِ ولاَ يَدرِي معنى ذلِكَ كلِّهِ!
    فَهَذَانِ وَجْهانِ: تكذيبُ القرآنِ، وتجهِيَلُ الرَّسولِ.
    وفِيهِ فتحُ البابِ للزَّنادِقةِ الَّذِينَ تَطاوَلُوا عَلَى أهلِ التَّفويضِ، وقالوا: أَنْتُمْ لاَ تَعرفونَ شيئاً، بلْ نَحْنُ الَّذِينَ نَعرِفُ، وأَخَذوا يفسِّرونَ القرآنَ بغيرِ مَا أرادَ اللَّهُ، وقالوا: كونُنا نُثْبِتُ مَعانيَ للنُّصوصِ خَيْرٌ مِنْ كونِنَا أُمِّيينَ لاَ نَعرفُ شيئاً، وذَهَبُوا يتكلَّمونَ بمَا يُريدونَ مِن معنَى كلامِ اللَّهِ وصفاتِهِ!! ولاَ يستطيعُ أهلُ التَّفويضِ أنْ يُردُّوا عَلَيْهِم؛ لأنَّهم يقولونَ: نَحْنُ لاَ نَعلمُ مَاذَا أرادَ اللَّهُ، فجائزٌ أنْ يكونَ الَّذِي يريدُ اللَّهُ هُوَ مَا قلْتُمْ! ففَتحوا بابَ شرورٍ عظيمةٍ، وَلِهَذَا جاءتِ العبارةُ الكاذِبةُ: ((طريقةُ السَّلَفِ أَسْلَمُ، وطريقةُ الخَلَفِ أَعْلَمُ وأَحْكمُ))!
    يقولُ شيخُ الإسلامِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: ((هذِهِ قالَها بعضُ الأغبياءِ)). وَهُوَ صحيحٌ، أنَّ القَائِلَ غبيٌّ.
    هذِهِ الكلمةُ مِنْ أَكْذَبِ مَا يكونُ نُطْقاً ومَدلولاً، ((طريقةُ السَّلَفِ أَسلمُ، وطَريقةُ الخَلفِ أَعْلَمُ وأَحْكَمُ))، كَيْفَ تكونُ أَعلمَ وأَحكمَ وتِلكَ أسلمَ؟! لاَ يُوجدُ سلامةٌ بُدونِ عِلمٍ وحِكمةٍ أبداً! فالَّذِي لاَ يَدْري عن الطَّريقِ لاَ يسلمُ؛ لأنَّهُ ليسَ مَعَهُ عِلمٌ، لو كَانَ مَعَهُ عِلمٌ وحِكمةٌ، لسَلِمَ، فلاَ سلامةَ إِلاَّ بعِلمٍ وحِكْمةٍ.
    إِذَا قُلْتَ: إنَّ طريقةَ السَّلَفِ أسلمُ، لَزِمَ أنْ تقولَ: هِيَ أَعلمُ وأَحكمُ، وإلاَّ لكنتَ متناقِضاً.
    إذاً فالعبارةُ الصَّحيحةُ: ((طريقةُ السَّلفِ أَسلمُ وأَعلمُ وأَحكمُ))، وَهَذَا مَعلومٌ.
    وطريقةُ الخَلفِ مَا قالَهُ القائلُ:
    لَعَمْري لَقَدْ طُفْتُ المَعاهِدَ كُلَّها وَسَيرْتُ طَرْفِي بيْنَ تِلْكَ المَعالِمِ
    فَلَمْ أَرَ إلاَّ واضِعاً كَفَّ حائِرٍ عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قارِعاً سِنَّ نادِمِ
    هذِهِ الطَّريقةُ الَّتِي يقولُ عَنْها: إنَّه مَا وَجدَ إِلاَّ واضِعاً كفَّ حائرٍ عَلَى ذَقَنٍ، وَهَذَا ليسَ عندَهُ عِلمٌ، أوْ آخَرَ قارعاً سنَّ نادمٍ؛ لأنَّه لَمْ يَسلكْ طريقَ السَّلامةِ أبداً.
    والرَّازي –وَهُوَ مِن كُبرائِهِمْ- يقولُ:
    نِهايَةُ إِقْدامِ العُقولِ عِقالُ وأَكْثَرُ سَعْيِ العالَمِينَ ضَلالُ
    ،وَأَرْواحُنا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسومِنا وغايَةُ دُنْيانا أَذًى وَوَبالُ
    وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِن بَحْثِنا طُولَ عُمرِنا سِوى أنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ وقالُوا
    ثُمَّ يقولُ: ((لقدْ تأملْتُ الطُّرقَ الكلاميَّةَ، والمناهجَ الفلسفيَّةَ، فمَا رأيْتُها تَشفِي عليلاً، ولاَ تَروي غَليلاً، ووجدتُ أَقربَ الطُّرقِ طريقةَ القرآنِ، أقرأُ فِي الإثباتِ: (الرَّحمَنُ عَلَى العَرْشِ استَوَى) [طه: 5]، (إِليهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ) [الشورى:11]، ومَن جرَّبَ مِثلَ تَجْرِبتِي، عَرفَ مِثلَ مَعرفَتِي)).
    أهؤلاءِ نقولُ: إنَّ طريقَتَهُمْ أَعلمُ وأَحكَمُ؟!
    الَّذِي يقولُ: ((إِنِّي أَتَمنَّى أنْ أموتَ عَلَى عقيدةِ عجائزِ نيسابورَ))، والعجائزُ مِن عوامِّ النَّاسِ، يتمنَّى أنَّهُ يعودُ إِلَى الأُمِّيَّاتِ! هلْ يُقالُ: إنَّهُ أَعْلمُ وأَحكمُ؟!
    أينَ العلمُ الَّذِي عندَهُمْ؟!
    فتَبَيَّنَ أنَّ طريقةَ التَّفويضِ طريقٌ خاطِئٌ؛ لأنَّهُ يتضمَّنُ ثلاثَ مَفاسِدَ: تكذيبُ القرآنِ، وتجهِيَلُ الرَّسولِ، واستطالةُ الفلاسفةِ! وأنَّ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ طريقةَ السَّلَفِ هِيَ التَّفويضُ، كَذَبوا عَلَى السَّلَفِ، بلْ هُم يُثْبِتونَ اللَّفظَ والمعنَى، ويُقررِّونَهُ، ويَشرحونَهُ بأوفى شَرحٍ.
    أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ لاَ يُحرِّفونَ ولاَ يُعطِّلونَ، ويقولونَ بمعنَى النُّصوصِ كَمَا أرادَ اللَّهُ: (ثم استَوَى عَلَى العَرْشِ) [الأعراف: 54]، بمعنى: علاَ عَلَيْهِ، وليْسَ معناهُ: استَولى.
    (بِيَدِهِ): يد حقيقيَّة، ولَيْسَت القُوَّةَ والنِّعمَةَ، فلاَ تحريفَ عندَهُمْ ولاَ تعطيلَ.
    ((ومِن غيرِ تكييفٍ)): لَمْ ترِدْ فِي الكتابِ والسُّنَّةِ، ولكنْ وَرَدَ مَا يدلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْهَا.
    التَّكييفُ: هُوَ أنْ تَذكُرَ كيفيَّةَ الصِّفةِ، وَلِهَذَا تقولُ: كيَّفَ يُكيِّفُ تَكييفاً، أيْ: ذَكَرَ كيفيَّةَ الصِّفةِ.
    والتَّكييفُ يُسألُ عَنْهُ ب(كَيْفَ)، فَإِذَا قُلْتَ مثلاً: كَيْفَ جاءَ زيدٌ؟ تقولُ: راكِباً. إذاً، كيَّفْتَ مَجيئَهُ، كَيْفَ لونُ السَّيارةِ؟ أبيضُ. فذكرْتَ اللَّوْنَ.
    أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ لاَ يُكيِّفونَ صفاتِ اللَّهِ، مُستنِدينَ فِي ذلِكَ إِلَى الدَّليلِ السَّمعيِّ والدَّليلِ العقليِّ، - أمَّا الدَّليلُ السَّمعيُ فمثلُ قولِهِ - تَعَالَى -: (قُل إِنَّماَ حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، وَالإِثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيرِ الحَقِّ، وَأَنْ تُشرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَم يُنَزِّلْ بِهِ سُلطَاناً، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعلَمُونَ) [الأعراف: 33]، والشَّاهِدُ فِي قولِهِ: (وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعلَمُونَ).
    فَإِذَا جاءَ رجلٌ وقالَ: إنَّ اللَّهَ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ، عَلَى هذِهِ الكيفيَّةِ … ووَصَفَ كيفيَّةً معيَّنةً. نقولُ: هَذَا قَدْ قَالَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ يَعلمُ، هلْ أَخبرَكَ اللَّهُ بأَنَّهُ استَوَى عَلَى هذِهِ الكيفيَّةِ؟! لا، أخْبَرَنَا اللَّهُ بأَنَّهُ استَوَى، ولَمْ يُخبِرْنَا كَيْفَ استَوَى. فنقولُ: هَذَا تكييفٌ وقولٌ عَلَى اللَّهِ بغيرِ عِلْمٍ.
    وَلِهَذَا قَالَ بعضُ السلفِ: إِذَا قَالَ لكَ الجهميُّ: إنَّ اللَّهَ يَنـزلُ إِلَى السَّماءِ، فكَيْفَ يَنـزلُ؟ فقُلْ: إنَّ اللَّهَ أخبَرَنَا أَنَّهُ يَنـزلُ، ولَمْ يُخْبِرْنَا كَيْفَ يَنـزِلُ. وهذِهِ قاعدةٌ مفيدةٌ.
    دليلٌ آخرُ مِنَ السَّمعِ: قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: (وَلاَ تَقْفُ ماَ لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ، إِنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مَسئُولاً) [الإسراء: 36]: لاَ تَتَّبِعْ مَا ليسَ لكَ بِهِ عِلمٌ (إِنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ والفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مَسئُولاً) [الإسراء: 36].
    وأمَّا الدَّليلُ العقليُّ، فكيفيَّةُ الشَّيءِ لاَ تُدرَكُ إلاَّ بواحدٍ مِن أمورٍ ثلاثةٍ: مشاهدْتُهُ، أوْ مشاهدةُ نظيرِهِ، أوْ خبرُ الصَّادقِ عَنْهُ. أيْ: إمَّا أنْ تكونَ شاهدْتَهُ أنتَ وعرفْتَ كيفيَّتَهُ، أوْ شاهدْتَ نظيرَهُ، كَمَا لو قَالَ واحدٌ: إنَّ فلاناً اشْتَرَى سيَّارةَ داتسن موديل ثَمَانٍ وثَمَانِينَ، رَقْمَ أَلْفَيْنِ. فتَعرفُ كيفيَّتَها؛ لأنَّ عندكَ مِثْلَهَا، أوْ خبرُ صادقٍ عَنْهُ، أتاكَ رجلٌ صادقٌ وقالَ: إنَّ سيَّارةَ فلانٍ صِفَتُها كذا وكذا … ووصَفَها تَمامًا، فتُدركُ الكيفيَّةَ الآنَ.
    وَلِهَذَا أيضاً قَالَ بعضُ العلماءِ جواباً لطيفاً: إنَّ معنَى قولِنَا: ((بدونِ تكييفٍ)): لَيْسَ معناهُ ألاَّ نَعتقِدَ لَهُا كيفيَّةً، بلْ نَعتقِدُ لَهُا كيفيَّةً، لكنَّ المَنْفِي عِلْمُنَا بالكيفيَّةِ؛ لأنَّ استواءَ اللَّهِ عَلَى العَرْشِ لاَ شكَّ أنَّ لَهُ كيفيَّةً، لكنْ لاَ تُعْلَمُ، نُزولَهُ إِلَى السَّماءِ الدُّنْيَا لَهُ كيفيَّةٌ، لكنْ لاَ تُعْلَمُ، لأنَّهُ مَا مِن موجودٍ إِلاَّ ولَهُ كيفيَّةٌ، لكنَّها قدْ تكونُ معلومَةً، وقدْ تكونُ مجهولةً.
    سُئِلَ الإمامُ مالِكٌ -رحمَهُ اللَّهُ- عن قولِهِ - تَعَالَى -: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: 5]: كَيْفَ استوى؟ فأطْرَقَ مالكٌ برأسِهِ حَتَّى علاهُ العَرقُ، ثُمَّ رفَعَ رَأسَهُ، وقالَ: ((الاستواءُ غيرُ مجهولٍ))، أيْ: مِنْ حَيْثُ المَعْنَى معلومٌ؛ لأنَّ اللُّغةَ العربيَّةَ بينَ أَيدِينَا، كُلُّ المواضِعَ الَّتِي وَردَتْ فِيهِا (اسْتَوَى) معدَّاةٌ ب(عَلَى) معناهَا العُلُوُّ. فَقَالَ: ((الاستواءُ غيرُ مجهولٍ، والكَيْفُ غيرُ معقولٍ))؛ لأنَّ العقلَ لاَ يُدْرِكُ الكَيْفَ، فَإِذَا انتفى الدَّليلُ السَّمعيُّ والعقليُّ عن الكيفيَّةِ وجَبَ الكفُّ عَنْها، ((والإيمانُ بِهِ واجبٌ))؛ لأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ بِهِ عن نَفْسِه، فوَجبَ تصديقُهُ، ((والسُّؤالُ عَنْهُ بدعةٌ)): السُّؤالُ عن الكيفيَّةِ بدعةٌ؛ لأنَّ مَنْ هُمْ أحرصُ مِنَّا عَلَى العِلمِ مَا سألُوا عنها، وَهُم الصَّحابةُ، لمَّا قَالَ اللَّهُ: (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف: 54]، عَرفُوا عظمةَ اللَّهِ - عزَّ وجلَّ -، ومعنَى الاستواءِ عَلَى العَرْشِ، وأنَّهُ لاَ يُمكنُ أنْ تسألَ: كَيْفَ استوى؟ لأنَّكَ لَنْ تدركَ ذلِكَ، فنَحْنُ إِذَا سُئِلْنا فنقولُ: هَذَا السُّؤالُ بدعةٌ.
    وكلامُ مالكٍ -رحمَهُ اللَّهُ- ميزانٌ لجميعِ الصِّفاتِ، فإنْ قِيلَ: لكَ مثلاً: إنَّ اللَّهَ يَنـزِلُ إِلَى السَّماءِ الدُّنْيا، كيفَ ينـزِلُ؟ فالنُّزولُ غيرُ مجهولٍ، والكيفُ غيرُ معقولٍ، والإيمانُ بِهِ واجبٌ، والسُّؤالُ عَنْهُ بدعةٌ، والَّذينَ يسألونَ: كَيْفَ يُمْكنُ النُّزولُ وثُلثَ اللَّيلِ يَتنقلُ؟! فنقولُ: السُّؤالُ هَذَا بدعةٌ، كَيْفَ تَسألُ عنْ شيءٍ مَا سألَ عَنْهُ الصَّحابةُ؟ وَهُمْ أَحْرَصُ مِنكَ عَلَى الخيرِ وعَلَى العِلمِ بمَا يَجِبُ لِلَّهِ - عزَّ وجلَّ -، ولَسْنَا بِأَعْلمَ مِنَ الرَّسولِ - عليْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ -، فَهُوَ لَمْ يُعلمْهُمْ. فسُؤالُكَ هَذَا بدعةٌ، ولولاَ أنَّنا نُحسنُ الظَّنَّ بكَ، لقُلْنا مَا يليقُ بِكَ بأنَّكَ رجلٌ مبتدعٌ.
    والإمامُ مالِكٌ -رحمَهُ اللَّهُ- قالَ: ((مَا أَراكَ إِلاَّ مُبتدِعاً))، ثُمَّ أمرَ بِهِ فأُخرِجَ؛ لأنَّ السَّلَفَ يَكرهونَ أهلَ البدعِ وكلامَهُمْ، واعتراضاتِهمْ، وتقديراتِهمْ، ومجادلاتِهمْ.
    فأنتَ يا أخي عليكَ فِي هَذَا البابِ بالتَّسليمِ، فَمِنْ تمامِ الإسلامِ لِلَّهِ - عزَّ وجلَّ - ألاَّ تبحثَ فِي هذِهِ الأمورِ، وَلِهَذَا أُحذِّرُكُمْ دائماً مِن البحثِ فيمَا يَتعلَّقُ بأسماءِ اللَّهِ وصفاتِهِ عَلَى سبيلِ التَّعنُّتِ والتَّنطُّعِ والشَّيءِ الَّذِي مَا سأَلَ الصَّحابةُ عَنْهُ، لأنَّنا إِذَا فَتَحْنا عَلَى أنْفُسِنا هذِهِ الأبوابَ انفتحتْ عَلَيْنَا الأبوابُ، وتهدَّمَتِ الأسوارُ، وعَجَزْنا عن ضَبْطِ أنَفْسِنا، فلذلِكَ قُلْ: سَمِعْنا،وأطعْن َا،وآمَنَّا،وصد َّقْنا،آمَنَّا وصدَّقْنا بالخبرِ، وأطعْنَا الطَّلبَ، وسَمِعْنا القولَ، حَتَّى تَسلَمَ!
    وأيُّ إنسانٍ يسألُ فيمَا يتعلَّقُ بصفاتِ اللَّهِ عن شيءٍ مَا سألَ عَنْهُ الصَّحابةُ، فقلْ كَمَا قَالَ الإمامُ مالكٌ، فإنَّ لكَ سَلَفاً: السُّؤالُ عن هَذَا بدعةٌ. وإِذَا قُلْتَ ذلِكَ لن يُلِحَّ عليكَ، وإِذَا ألحَّ فقلْ: يا مبتدعُ السُّؤالُ عَنْهُ بدعةٌ، اسألْ عن الأحكامِ الَّتِي أنتَ مُكلَّفٌ بها، أمَّا أنْ تسألَ عن شيءٍ يتعلَّقُ بالرَّبِّ - عزَّ وجلَّ - وبأسمائِهِ وصفاتِهِ ولَمْ يسألْ عَنْهُ الصَّحابةُ فهَذَا لاَ نقبلُهُ مِنْكَ أبداً.
    وهَنَاكَ كلامٌ للسَّلفِ يَدلُّ عَلَى أنَّهمْ يَفْهَمونَ معانيَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسولِهِ من الصِّفاتِ، كَمَا نُقِلَ عن الأوزاعيِّ وغيرِهِ، نُقِلَ عَنهُمْ أنَّهُمْ قالُوا فِي آياتِ الصِّفاتِ وأحادِيثِها: ((أَمِرُّوها كَمَا جاءتْ بلاَ كَيْفٍ))، وَهَذَا يدلُّ عَلَى أنَّهم يُثبتونَ لَهُا معنًى مِن وَجْهَيْنِ:
    أَوَّلاً: أنَّهُمْ قالُوا: ((أَمِرُّوها كَمَا جاءتْ))، ومعلومٌ أنَّها ألفاظٌ جاءتْ لِمَعانٍ، ولَمْ تأتِ عَبَثاً، فَإِذَا أمْرَرْناها كَمَا جاءتْ لَزِمَ مِنْ ذلِكَ أنْ نُثْبِتَ لَهُا معنًى.
    ثانياً: قولُهمْ: ((بلاَ كيفٍ))؛ لأنَّ نَفْيَ الكيفيَّةِ يدلُّ عَلَى وُجودِ أصلِ المعنى؛ لأنَّ نَفْيَ الكيفيَّةِ عن شيءٍ لاَ يُوجِدُ لَغوًا وعَبَثًا.
    إذًا: فهَذَا الكلامُ المشهورُ عِنْدَ السَّلَفِ يدلُّ عَلَى أنَّهمْ يُثْبتونَ لَهُذِهِ النُّصوصِ معنًى.
    ((ولاَ تَمثيلَ))، يعني: ومِنْ غيرِ تمثيلٍ، فأهلُ السُّنَّةِ يَتبرَّءُونَ مِن تمثيلِ اللَّهِ - عزَّ وجلَّ - بخَلْقِهِ، لاَ فِي ذاتِهِ، ولاَ فِي صفاتِهِ.
    والتَّمثيلُ: ذِكْرُ مماثلٍ للشيءِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ التَّكييفِ عمومٌ وخصوصٌ مطلَقٌ؛ لأنَّ كُلَّ ممثَّلٍ مكيَّفٌ، ولَيْسَ كُلُّ مكيَّفٍ ممثَّلاً؛ لأنَّ التَّكييفَ ذِكرُ كيفيَّةٍ غيرِ مقرونةٍ بمماثلٍ، مثلُ أنْ تقولَ: لي قَلمٌ كيفيَّتُه كذا وكذا، فإنْ قَرَنْتَه بمماثلٍ صارَ تَمثيلاً، مِثلُ أنْ أقولُ: هَذَا القَلمُ مِثلُ هَذَا القَلمِ، لأنِّي ذَكَرْتُ شيئًا مُماثِلاً لشيءٍ، وعَرَّفْتُ هَذَا القَلمَ بذِكرِ مماثِلِه.
    وأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يُثبِتونَ لِلَّهِ - عزَّ وجلَّ - الصِّفاتِ بدونِ مماثَلةٍ، يقولونَ: إنَّ اللَّهَ - عزَّ وجلَّ - لَهُ حياةٌ ولَيْسَتْ مِثلَ حياتِنَا، لَهُ علمٌ وليسَ مِثلَ عِلمِنَا، لَهُ بَصَرٌ وليسَ مِثلَ بصرِنَا، لَهُ وجهٌ وليسَ مِثلَ وجوهِنَا، لَهُ يدٌ وليستْ مِثلَ أيدِينَا… وَهَكَذَا جميعُ الصِّفاتِ، يقولونَ: إنَّ اللَّهَ - عزَّ وجلَّ - لاَ يُماثِلُ خَلْقَهُ فيمَا وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أبداً، ولَهُمْ عَلَى ذلِكَ أدلَّةٌ سمعيَّةٌ وأدلَّةٌ عقليَّةٌ،
    i- الأدلَّةُ السَّمعيَّةُ تنقسمُ إِلَى قسميْنِ: خبرٌ، وطلبٌ.
    -فمِن الخبرِ قولُهُ - تَعَالَى -: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: 11]، فالآيةُ فِيهِا نَفْيٌ صريحٌ للتَّمثيلِ، وقولُهُ: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [مريم: 65]، فإنَّ هَذَا وإنْ كَانَ إنشاءً لكنَّهُ بمعنى الخبرِ؛ لأنَّهُ استفهامٌ بمعنى النَّفْيِ، وقولُهُ: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) [الإخلاص: 4]، فهذِهِ كلُّها تدلُّ عَلَى نفيِ المُماثَلَةِ، وهِيَ كلُّها خبريَّةٌ.
    -وأمَّا الطَّلبُ فقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: (فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً) [البقرة: 22]، أيْ: نُظراءَ مُماثِلينَ، وقالَ: (فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأَمْثَالَ) [النحل: 74].
    فَمَنْ مثَّلَ اللَّهَ بخَلقِهِ فَقَدْ كَذَّبَ الخَبَرَ، وعصَى الأمْرَ، وَلِهَذَا أَطْلَقَ بعضُ السَّلَفِ القَولَ بالتَّكفيرِ لِمَنْ مثَّلَ اللَّهَ بخَلقِهِ، فقَالَ نعيمُ بنُ حمَّادٍ الخُزاعيُّ شيخُ البُخاريِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: ((مَنْ شبَّهَ اللَّهَ بخلقِهِ فقدْ كَفَرَ))؛ لأنَّهُ جَمعَ بَيْنَ التَّكذيبِ بالخَبَرِ وعِصيانِ الطَّلَبِ.
    وأمَّا الأدِلَّةُ العقليَّةُ عَلَى انتفاءِ التَّماثُلِ بينَ الخالِقِ والمَخلُوقِ:
    فَمِنْ وجوهٍ:
    أَوَّلاً: أنْ نقولَ: لاَ يُمْكنُ التَّماثُلُ بينَ الخالقِ والمخلوقِ بأيِّ حالٍ مِن الأحوالِ، لَوْ لَمْ يكنْ بَيْنَهُمَا مِن التَّبايُنِ إلاَّ أصلُ الوُجودِ، لكَانَ كافِياً، وذلِكَ أنَّ وجودَ الخالِقِ واجبٌ، فَهُوَ أزليٌّ أبديٌّ، ووجودُ المخلوقِ ممْكنٌ مسبوقٌ بعدمٍ ويَلحقُهُ فِناءٌ، فمَا كانا كذلِكَ لاَ يمكنُ أنْ يُقالَ: إنَّهمَا متماثلانِ.
    ثانِيا: أَنَا نَجِدُ التَّباينَ العظيمَ بينَ الخالقِ والمخلوقِ فِي صفاتِهِ وفِي أفعالِهِ، فِي صفاتِهِ يسمعُ - عزَّ وجلَّ - كلَّ صوتٍ مَهْمَا خَفِيَ ومَهْمَا بَعُدَ، لو كَانَ فِي قعرِ البحارِ، لسَمِعَهُ - عزَّ وجلَّ -.
    وأنزلَ اللَّهُ قولَهُ - تَعَالَى -: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ،وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ بَصِيرٌ) [المجادلة: 1]، تقولُ عائشةُ: ((الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْواتَ، إِنِّي لَفِي الحُجْرَةِ، وَإِنَّهُ لَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُ حَدِيثِها))، واللَّهُ - تَعَالَى - سمِعَها مِن عَلَى عرشِهِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَها مَا لاَ يَعلمُ مَداهُ إلاَّ اللَّهُ - عزَّ وجلَّ -، ولاَ يُمكنُ أنْ يقولَ قائلٌ: إنَّ سَمْعَ اللَّهِ مثلَ سمْعِنَا.
    ثالثاً: نقولُ: نَحْنُ نعلمُ أنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - مُباينٌ للخَلقِ بذاتِهِ: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ) [البقرة: 255]، (وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ) [الزمر: 67]، ولاَ يُمْكِنُ لأحدٍ مِن الخلقِ أنْ يكونَ هكذا، فَإِذَا كَانَ مبايناً للخَلقِ فِي ذاتِهِ، فالصِّفاتُ تابعةٌ للذَّاتِ، فيكونُ أيضاً مبايناً للخلقِ فِي صفاتِهِ - عزَّ وجلَّ -، ولاَ يمكنُ التماثلُ بينَ الخالقِ والمخلوقِ.
    رابعاً: نقولُ: إنَّنا نشاهِدُ فِي المخلوقاتِ أشياءَ تتَّفِقُ فِي الأسماءِ وتختلفُ فِي المسمَّياتِ، يَختلِفُ النَّاسُ فِي صفاتِهمْ، هَذَا قويُّ البصرِ وَهَذَا ضعيفُهُ، وَهَذَا قويُّ السَّمعِ وَهَذَا ضعيفُهُ، هَذَا قويُّ البَدنِ وَهَذَا ضعيفُهُ،وَهَذَا ذَكرٌ وهذِهِ أُنْثَى… وَهَكَذَا التَّباينُ فِي المخلوقاتِ الَّتِي من جِنسٍ واحدٍ، فمَا بالُكَ بالمخلوقاتِ المختلفةِ الأجناسِ؟ فالتَّباينُ بينها أَظْهَرُ، ولِهَذَا لاَ يُمْكِنُ لأحدٍ أنْ يقولَ: إنَّ لي يداً كيَدِ الجملِ، أوْ لي يداً كيَدِ الذَّرَّةِ، أوْ لي يداً كيَدِ الَهِرِّ، فعندَنَا الآنَ إنسانٌ وجَملٌ وذَرَّةٌ وهِرٌّ، كُلُّ واحدٍ لَهُ يدٌ مختلفةٌ عن الثَّاني، مَعَ أنَّها متَّفقةٌ فِي الاسمِ. فنقولُ: إِذَا جازَ التَّفاوتُ بينَ المسمَّياتِ فِي المخلوقاتِ مَعَ اتِّفاقِ الاسمِ، فجوازُه بينَ الخالقِ والمخلوقِ من بابٍ أَوْلَى، بلْ نَحْنُ نقولُ: إنَّ التَّفاوتَ بينَ الخالقِ والمخلوقِ ليسَ جائزاً فقطْ، بلْ هُوَ واجبٌ، فعنْدَنَا أربعةُ وجوهٍ عقليَّةٍ، كلُّها تدلُّ عَلَى أنَّ الخالقَ لاَ يمكنُ أنْ يُماثِلَ المخلوقَ بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ.
    رُبَّمَا نقولُ أيضاً: هناكَ دليلٌ فِطْرِيٌّ، وذلِكَ لأنَّ الإنسانَ بفطرَتِهِ بِدُونِ أنْ يُلقَّنَ يَعرفُ الفرقَ بينَ الخالقِ والمخلوقِ، ولولاَ هذِهِ الفِطرةُ مَا ذهبَ يدْعُو الخالِقَ.
    فتبيَّنَ الآنَ أنَّ التَّمثيلَ مُنتفٍ سمعاً وعقلاً وفِطرةً.
    فإنْ قَالَ قائلٌ: إنَّ النبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حدَّثَنا بأحاديثَ تَشتبِهُ عَلَيْنا، هلْ هِيَ تمثيلٌ أوْ غيرُ تمثيلٍ؟ ونَحْنُ نضعُها بينَ أيدِيكمْ:
    -قَالَ النَّبيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ، لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ))، فَقَالَ: ((كَمَا))، والكافُ للتَّشبيهِ، وَهَذَا رَسولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ونَحْنُ مِن قاعدَتِنَا أنْ نُؤْمِنَ بمَا قَالَ الرَّسولُ، كَمَا نُؤمنُ بمَا قَالَ اللَّهُ، فأَجِيبوا عن هَذَا الحديثِ؟
    نقولُ: نُجيبُ عَنْ هَذَا الحديثِ وعَنْ غيرِهِ بجوابَيْنِ: الجوابُ الأوَّلُ مُجمَلٌ، والثَّاني مُفصَّلٌ.
    فالأوَّلُ المجمَلُ: أنَّه لاَ يمكنُ أنْ يَقعَ تعارضٌ بينَ كلامِ اللَّه وكلامِ رسولِهِ الَّذِي صحَّ عَنْهُ أبداً؛ لأنَّ الكُلَّ حقٌّ، والحقُّ لاَ يَتعارضُ، والكُلُّ مِنْ عندِ اللَّهِ، ومَا عندَ اللَّهِ - تَعَالَى - لاَ يَتناقَضُ (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً) [النساء: 82]، فإنْ وَقَعَ مَا يُوهِمُ التَّعارضَ فِي فَهْمِكَ، فاعلَمْ أنَّ هَذَا ليسَ بحسَبِ النَّصِّ، ولكنْ باعتبارِ مَا عنْدَكَ، فأنتَ إِذَا وقعَ التَّعارُضُ عندَكَ فِي نُصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ فإمَّا لقلَّةِ العِلمِ، وإمَّا لقُصورِ الفَهْمِ، وإمَّا للتَّقصيرِ فِي البحثِ والتَّدبُّرِ، ولوْ بحثْتَ وتدبرْتَ، لوجدْتَ أنَّ التَّعارُضَ الَّذِي توهَّمْتَهُ لاَ أصْلَ لَهُ، وإمَّا لسُوءِ القَصْدِ والنِّيَّةِ، بحَيْثُ تَستعرضُ مَا ظاهرُهُ التَّعارُضُ لطلبِ التَّعارُضِ، فتُحْرَمُ التَّوفيقَ، كأهلِ الزَّيغِ الَّذِينَ يتَّبِعونَ المُتَشَابِهَ.
    ويتفرَّعُ عَلَى هَذَا الجوابِ المُجْمَلِ أنَّهُ يجبُ عَلَيْكَ عِنْدَ الاشتباهِ أنْ تَرُدَّ المُشْتبِهَ إِلَى المُحْكَمِ؛ لأنَّ هذِهِ الطَّريقَ طريقُ الرَّاسخينَ فِي العِلْمِ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: (هُوَ الَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ ءَايَتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) [آل عمران: 7]، ويَحمِلونَ المُتشابِهَ عَلَى المُحْكَمِ حَتَّى يَبْقَى النَّصُّ كلُّهُ مُحكماً.
    وأمَّا الجَوابُ المُفصَّلُ فأنْ نُجيبَ عَنْ كُلِّ نصٍّ بعينِهِ، فنقولُ:
    عَنْ قولِ النبيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ، لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ)). لَيْسَ تَشبِيهاً للمرئيِّ بالمرئيِّ، ولكنَّهُ تشبيهٌ للرُّؤيةِ بالرُّؤيةِ، ((تَرَوْنَ… كَمَا تَرَوْنَ))، فالكافُ في: ((كَمَا تَرَوْنَ)): داخلةٌ عَلَى مصدرٍ مُأَوَّلٍ؛ لأنَّ (ما) مصدريَّةٌ، وتقديرُ الكلامِ: كرؤيتِكُمْ القمرَ ليلةَ البدرِ، وحينئذٍ يكونُ التَّشبيهُ للرُّؤيةِ بالرُّؤيةِ، لاَ المرئيِّ بالمرئيِّ، والمرادُ أنَّكُمْ تَرَوْنَهُ رُؤيةً واضِحةً، كَمَا تَرَوْنَ القمرَ ليلةَ البدرِ، وَلِهَذَا أعقَبَهُ بقولِهِ: ((لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيتِهِ))، أوْ: ((لاَ تُضارُّون فِي رؤيتِهِ))، فزالَ الإشكالُ الآنَ!
    -قَالَ النَّبيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ))، والصُّورةُ مماثِلةٌ للأُخرَى، ولاَ يُعقلُ صورةٌ إِلاَّ مماثِلةٌ للأُخْرى، وَلِهَذَا أَكتُبُ لكَ رِسالةً، ثُمَّ تُدخلُهَا الآلةَ الفوتوغرافيَّةَ ، وتُخْرِجُ الرِّسالةَ، فَيُقالُ: هذِهِ صورةُ هذِهِ، ولاَ فَرْقَ بين الحُروفِ والكَلِماتِ، فالصُّورةُ مطابِقةٌ للصُّورةِ، والقائلُ: ((إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)): الرَّسُولُ - عليْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ - أَعْلَمُ وأَصْدَقُ، وأَنْصَحُ وأَفْصَحُ الخَلْقِ.
    والجوابُ المُجْمَلُ أنْ نقولَ: لاَ يمكنُ أنْ يناقِضَ هَذَا الحديثُ قولَهُ - تَعَالَى -: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: 11]، فإنْ يَسَّرَ اللَّهُ لكَ الجَمعَ فاجمع، وإنْ لَمْ يَتيسَّرْ، فَقُلْ: (ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) [آل عمران: 7]، وعقيدتُنَا أنَّ اللَّهَ لاَ مَثِيلَ لَهُ، بِهَذَا تَسْلَمُ أمامَ اللَّهِ - عزَّ وجلَّ -.
    هَذَا كلامُ اللَّهِ، وَهَذَا كلامُ رسولِهِ، والكُلُّ حقٌّ، ولاَ يمكنُ أنْ يكذِّبَ بعضُه بعضاً؛ لأنَّهُ كلَّه خبرٌ ولَيْسَ حُكماً كي يُنْسَخَ، فأقولُ: هَذَا نفيٌ للمماثَلةِ، وَهَذَا إثباتٌ للصُّورةِ، فَقُلْ: إنَّ اللَّهَّ ليسَ كمثلِهِ شيءٌ، وإنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدمَ عَلَى صورتِهِ، فهَذَا كلامُ اللَّهِ، وَهَذَا كلامُ رسولِهِ، والكُلُّ حقٌ نؤمنُ بِهِ، ونقولُ: كُلٌّ مِن عِنْدَ ربِّنَا، ونَسكتُ، وَهَذَا هُوَ غايةُ مَا نستطيعُ.
    وأمَّا الجوابُ المفصَّلُ فنقولُ: إنَّ الَّذِي قالَ: ((إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدمَ عَلَى صورتِهِ)): رَّسولُ الَّذِي قالَ: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: 11]، والرَّسولُ لاَ يمكنُ أنْ ينطقَ بمَا يكذِّبُ المُرسِلَ، والَّذِي قالَ: ((خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)): هُوَ الَّذِي قالَ: ((إنَّ أوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ))، فهَلْ أنتَ تعتقدُ أنَّ هؤلاءِ الَّذِينَ يَدخلونَ الجنَّةَ عَلَى صورةِ القمرِ مِنْ كُلِّ وجهٍ، أوْ تعتقدُ أنَّهمْ عَلَى صُورةِ البَشرِ، لكنْ فِي الوَضاءةِ والحُسْنِ والجمالِ واستدارةِ الوجهِ، ومَا أشبَهَ ذلِكَ عَلَى صورةِ القمرِ، لاَ مِنْ كل وَجْهٍ؟! فإنْ قُلْتَ بالأوَّلِ، فمقتضاهُ أنَّهم دخلُوا وليسَ لَهُم أعْيُنٌ،وليسَ لَهُم آنافٌ،وليسَ لَهُم أفواهٌ! وإنْ شِئنْا قُلْنَا: دَخَلُوا وهُمْ أحجارٌ، وإنْ قُلْتَ بالثَّاني، زالَ الإشكالُ، وتبيَّنَ أنَّهُ لاَ يَلزمُ مِنْ كونِ الشَّيءِ عَلَى صورةِ الشَّيءِ أنْ يكونَ مماثلاً لَهُ مِن كُلِّ وجْهٍ.
    فإنْ أَبَى فهْمُكَ وتقاصَرَ عنْ هَذَا وقالَ: أنا لاَ أَفْهمُ إِلاَّ أنَّه مماثِلٌ.
    قُلْنَا: هناكَ جوابٌ آخَرُ، وهُوَ أنَّ الإضافةَ هُنَا من بابِ إضافةِ المخلوقِ إِلَى خالقِهِ، فقولُهُ: ((عَلَى صُورتِهِ))، مِثْلُ قولِهِ - عزَّ وجلَّ - فِي آدَمَ: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) [ص: 72]، ولاَ يمكنُ أنَّ اللَّهَ - عزَّ وجلَّ - أعْطَى آدَمَ جُزْءاً من رُوحِهِ، بلْ المرادُ الرُّوحُ الَّتِي خلَقَها اللَّهُ - عزَّ وجلَّ -، لكنَّ إضافتَهَا إِلَى اللَّهِ بخُصوصِها مِن بابِ التَّشريفِ، كَمَا نقولُ: عِبادُ اللَّهِ، يشملُ الكافرَ والمسلمَ والمؤمنَ والشَّهِيدَ والصِّدِّيقَ والنَّبيَّ، لكنَّنَا لو قُلْنَا: محمَّدٌ عبدُ اللَّه، هذِهِ إضافةٌ خاصَّةٌ، لَيْسَتْ كالعبوديةِ السَّابقةِ.
    فقولُهُ: ((خَلَقَ آدمَ عَلَى صورتِهِ))، يعني: صورةً مِنَ الصُّورِ الَّتِي خلقَهَا اللَّهُ وصوَّرها، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ) [الأعراف: 11]، والمصوَّرُ آدمُ، إذاً: فآدمُ عَلَى صورةِ اللَّهِ، يعني: أنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي صوَّرَهُ عَلَى هذِهِ الصُّورةِ الَّتِي تُعدُّ أحسنَ صورةٍ فِي المخلوقاتِ، (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين:4]، فإضافةُ اللَّهِ الصُّورةَ إِلَيْهِ مِن بابِ التَّشريفِ، كأنَّهُ - عزَّ وجلَّ - اعتنَى بهذِهِ الصُّورةِ، ومِنْ أجلِ ذلِكَ لاَ تَضْرِبِ الوجْهَ، فتعيبَه حِسًّا، ولاَ تُقبِّحْهُ فتقولُ: قَبَّحَ اللَّهُ وجهَكَ ووجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وجهَكَ، فتعيبَهُ معنىً، فمِن أجلِ أنَّهُ الصُّورةُ الَّتِي صورَّها اللَّهُ وأضافَهَا إِلَى نَفْسِهِ تَشريفاً وتكريماً لاَ تُقبِّحْهَا بعيبٍ حِسِّيٍّ ولاَ بعيبٍ معنويٍّ.
    ثُمَّ هلْ يُعتَبَرُ هَذَا الجوابُ تحريفاً أم لَهُ نظيرٌ؟
    نقولُ: لَهُ نظيرٌ، كَمَا في: بيتِ اللَّهِ، وناقةِ اللَّهِ، وعبدِ اللَّهِ؛ لأنَّ هذِهِ الصُّورةَ (أيْ: صورةَ آدمَ) منفصلِةٌ بائنةٌ مِنَ اللَّهِ، وكُلَّ شيءٍ أضافَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ وهُوَ منفصلٌ بائنٌ عنه، فَهُوَ مِنَ المخلوقاتِ، فحينئذٍ يزولُ الإشكالُ.
    ولكنْ إِذَا قَالَ قائلٌ: أيمَا أسلمُ المَعْنَى الأوَّلُ أو الثَّاني؟ قُلْنَا: المَعْنَى الأوَّلُ أَسْلَمُ، مَا دُمْنَا نجدُ أنَّ لظاهرِ اللَّفْظِ مساغاً فِي اللُّغةِ العربيَّةِ وإمكاناً فِي العقلِ، فالواجبُ حَمْلُ الكلامِ عَلَيْهِِ، ونَحْنُ وجدْنا أنَّ الصورةَ لاَ يَلزمُ مِنْهُا مماثلةُ الصُّورةِ الأُخرى، وحينئذٍ يكونُ الأسْلمُ أنْ نَحمْلَهُ عَلَى ظاهرِهِ.
    فَإِذَا قُلْتَ: مَا هِيَ الصورةُ الَّتِي تكونُ لِلَّهِ ويكونُ آدمُ عَلَيْهِا؟
    قُلْنَا: إنَّ اللَّهَ - عزَّ وجلَّ - لَهُُ وَجْهٌ ولَهُ عينٌ ولَهُ يدٌ ولَهُ رجلٌ - عزَّ وجلَّ -، لكنْ لاَ يَلزمُ مِنْ أنْ تكونَ هذِهِ الأشياءُ مماثلةً للإنسانِ، فهناكَ شيءٌ من الشَّبَهِ، لكنَّه ليسَ عَلَى سبيلِ المماثلةِ، كَمَا أنَّ الزُّمْرةَ الأُولى مِنْ أهلِ الجنَّةِ فِيهِا شبهٌ مِن القمرِ، لكنْ بدونِ مماثلةٍ، وبهَذَا يصدُقُ مَا ذهبَ إِلَيْهِ أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، مِن أنَّ جميعَ صفاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ- تَعَالَى - لَيْسَتْ مماثِلةً لصفاتِ المخلوقينَ، مِنْ غيرِ تحريفٍ ولاَ تعطيلٍ، ومِنْ غيرِ تكييفٍ ولاَ تمثيلٍ.
    نسمعُ كثيراً من الكُتُبِ الَّتِي نقرأُها يقولونَ: تشبيهٌ، يعبِّرونَ بالتَّشبيهِ وهُمْ يَقصدُون التَّمثيلَ، فأيمَا أَوْلى: أنْ نعبِّرَ بالتَّشبيهِ، أوْ نُعبِّرَ بالتَّمثيلِ؟
    نقولُ: بالتَّمثيلِ أَوْلى.
    أَوَّلاً: لأنَّ القرآنَ عَبَّرَ بِهِ: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: 11]، (فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً) [البقرة: 22]… ومَا أشْبَهُ ذلِكَ، وكُلُّ مَا عبَّرَ بِهِ القرآنُ، فَهُوَ أولى مِنْ غَيْرِهِ، لأنَّنا لاَ نجدُ أفصحَ مِنَ القرآنِ، ولاَ أدلَّ عَلَى المَعْنَى المرادِ مِنَ القرآنِ، واللَّهُ أَعلمُ بمَا يريدُهُ مِنْ كلامِهِ، فتكونُ موافقةُ القرآنِ هِيَ الصَّوابَ، فنعبِّرُ بنفيِ التَّمثيلِ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ مكانٍ، فإنَّ موافقةَ النَّصِّ فِي اللَّفظِ أَوْلى مِنْ ذِكر لفظٍ مرادفٍ أوْ مقاربٍ.
    ثانياً: أنَّ التَّشبيهَ عِنْدَ بعضِ النَّاسِ يعني إثباتَ الصِّفاتِ، وَلِهَذَا يُسمُّونَ أهلَ السُّنَّةِ: مُشبِّهةً، فَإِذَا قُلْنَا: مِنْ غَيْرِ تشبيهٍ. وَهَذَا الرَّجُلُ لاَ يَفهمُ مِنَ التَّشبيهِ إِلاَّ إثباتَ الصِّفاتِ صارَ كأنَّنا نقولُ لَهُ: مِنْ غَيْرِ إثباتِ صفاتٍ، فصارَ معنى التَّشبيهِ يوهِمُ معنىً فاسداً، فَلِهَذَا كَانَ العدولُ عَنْهُ أَوْلى.
    ثالثاً: أنَّ نفيَ التَّشبيهِ عَلَى الإطلاقِ غَيْرُ صحيحٍ؛ لأنَّ مَا مِنْ شَيْئَيْنِ مِنَ الأعيانِ أوْ مِنَ الصِّفاتِ إِلاَّ وبَيْنَهُمَا اشتراكٌ مَنْ بعضِ الوجوهِ، والاشتراكُ نوعُ تشابُهٍ، فلو نَفَيْتَ التَّشبيهَ مطلقاً، لكنْتَ نَفَيْتَ كُلَّ مَا يشتركُ فِيهِ الخالقُ والمخلوقُ فِي شيءٍ ما.
    مثلاً: الوجودُ، يَشتركُ فِي أصلِهِ الخالقُ والمخلوقُ، هَذَا نوعُ اشتراكٍ ونوعُ تشابُهٍ، لكنْ فرقٌ بينَ الوجودَيْنِ، وجودُ الخالقِ واجبٌ، ووجودُ المخلوقِ مُمْكِنٌ.
    وكذلِكَ السَّمعُ فِيهِ اشتراكٌ، الإنسانُ لَهُ سمعٌ، والخالقُ لَهُ سَمعٌ، لكنْ بينهمَا فرقٌ، لكنْ أصلُ وجودِ السَّمعِ مشتركٌ.
    فَإِذَا قُلْنَا: مِنْ غيرِ تشبيهٍ. وَنَفَيْنَا مطلَقَ التَّشبيهِ، صارَ فِي هَذَا إشكالٌ.
    وبهَذَا عرفْنَا أنَّ التَّعبيرَ بالتَّمثيلِ أَوْلى مِنْ ثلاثةِ أوجهٍ.
    فإنْ قُلْتَ: مَا الفرقُ بينَ التَّكييفِ والتَّمثيلِ؟
    فالجوابُ: الفرقُ بَيْنَهُمَا من وَجْهِيَنَ:
    الأولُ: أنَّ التَّمثيلَ ذكرُ الصِّفةِ مقيدةً بمماثلِ، فتقولُ يدُ فلانٍ مثلُ يدِ فلانٍ، والتَّكييفُ: ذكرُ الصِّفةِ غيرَ مقيدةٍ بمماثلٍ، مثلُ أنْ تقولَ: كيفيَّةُ يدِ فلانٍ كذا وكذا.
    وعَلَى هَذَا نقولُ: كُلُّ ممثِّلٍ مكيِّفٍ، ولاَ عكسَ.
    الثَّاني: أنَّ الكيفيَّةَ لاَ تكونُ إِلاَّ فِي الصِّفةِ والَهَيْئَةِ، والتَّمثيلُ يكونُ فِي ذلِكَ وفِي العددِ، كَمَا فِي قولِهِ - تَعَالَى -: (اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) [الطلاق: 12]، أيْ: فِي العدد.


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,646

    افتراضي رد: فأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يؤمنونَ بصفات الله إيماناً خالياً مِنْ التَّحريفِ، والتَّعطيلِ، والتكييف والتَّمثيلِ

    قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي فى التنبيهات اللطيفة

    والفرق بين التحريف والتعطيل:
    أن التعطيل نفيٌ للمعنى الحق الذي دلّ عليه الكتاب والسنَّةُ.
    والتحريف: تفسير للنصوص بالمعاني الباطلة التي لا تدلّ عليها بوجه من الوجوه.
    فالتحريف والتعطيل قد يكونان متلازمين إذا أثبت المعنى الباطل ونُفِيَ المعنى الحق، وقد يوجد التعطيل بلا تحريف، كما هو قول النافين للصفات، الذين ينفون الصفات الواردة في الكتاب والسُّنَّة، ويقولون ظاهرها غير مراد، ولكنهم لا يعينون معنى آخر ويسمون أنفسهم مفوِّضة ويظنون أن هذا مذهب السلف وهو غلط فاحش، فإنّ السلف يثبتون الصفات، وإنما يفوِّضون علم كيفيَّتها إلى الله فيقولون ا لوصف المذكور معلوم، والكيف مجهول والإيمان به واجب، وإثباته واجب و السؤال عن كيفيته بِدعة، كما قال الإمام مالك وغيره في الاستواء.
    وأما قوله: (من غير تكييف ولا تمثيل) فالفرق بينهما:
    - أن التكييف: هو تكييف صفات الله والبحث عن كنهها،
    - والتمثيل: أن يقال فيها مثل صفات المخلوقين. ونفي الكفؤ والنِّد والسمي ينفي ذلك التكييف والتمثيل.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,646

    افتراضي رد: فأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يؤمنونَ بصفات الله إيماناً خالياً مِنْ التَّحريفِ، والتَّعطيلِ، والتكييف والتَّمثيلِ

    قال الشيخ محمد خليل هراس فى شرح العقيدة الواسطية

    قولُهُ: (مِن غيرِ تحريفٍ) متعلِّقٌ بالإِيمانِ قبلَهُ؛ يعني أنَّهمْ يؤمنونَ بالصفاتِ الإِلهيَّة على هذا الوجهِ الخالي من كلِّ هذهِ المعاني الباطلةِ؛
    إثباتًا بلا تمثيلٍ، وتنـزيهًا بلا تَعطيلٍ.
    والتَّحريفُ في الأصلِ مأخوذٌ مِن قولِهِمْ: حَرَفْتُ الشَّيءَ عن وجهِهِ حَرْفًا، من بابِ ضَرَبَ؛ إذَا أَمَلْتَهُ وغَيَّرْتَهُ، والتَّشديدُ للمبالغةِ.
    وتحريفُ الكلامِ: إمالتُه عن المعنى المتبادِرِ منهُ إلى معنىً آخرَ لا يدُلُّ عليهِ اللَّفظُ إلاَّ باحتمالٍ مرجوحٍ، فلا بُدَّ فيهِ مِن قرينةٍ تُبَيِّنُ أَنَّهُ المرادُ.
    وأَمَّا التَّعطيلُ؛ فهوَ مأخوذٌ مِن العَطْلِ، الذي هوَ الخُلُوُّ والفراغُ والتَّرْكُ، ومنهُ قولُهُ تعالى:{وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ}.أي: أَهْملَهَا أَهلُهَا، وتركوا وِرْدَهَا.
    والمرادُ بهِ هنَا نفيُ الصفاتِ الإِلهيةِ، وإنكارُ قيامِهَا بذاتِهِ تعالى.
    فالفرقُ بينَ التَّحريفِ والتَّعطيلِ: أنَّ التَّعطيلَ نفيٌ للمعنى الحقِّ الذي دلَّ عليهِ الكتابُ والسُّنَّة، وأَمَّا التَّحريفُ؛ فهوَ تفسيرُ النُّصوصِ بالمعاني الباطلةِ التَّي لا تدلُّ عليهَا. والنَّسبة بينَهمَا العمومُ والخصوصُ المطلقُ، فإنَّ التَّعطيلَ أعمُّ مُطلقًا مِن التَّحريفِ؛ بمعنى أَنَّهُ كلما وُجِدَ التَّحريفُ؛ وُجدَ التَّعطيلُ؛ دونَ العكسِ، وبذلكَ يوجدانِ معًا فيمَنْ أثبتَ المعنى الباطلَ، ونفَى المعنى الحقَّ، ويوجدُ التَّعطيلُ بدونِ التَّحريفِ فيمَنْ نفى الصفاتِ الواردةَ في الكتابِ والسُّنَّةِ، وزعمَ أنَّ ظاهرَهَا غيرُ مرادٍ، ولكنَّهُ لمْ يُعَيِّنْ لهَا معنىً آخرَ، وهوَ ما يُسَمُّونَهُ بالتَّفويضِ.
    ومِن الخطأِ القولُ بأنَّ هذا هوَ مذهبُ السَّلفِ؛ كمَا نسبَ ذلكَ إليهِم المتأخرونَ مِن الأشاعرةِ وغيرِهمْ، فإنَّ السَّلفَ لمْ يكونوا يفوِّضون في عِلمِ المعنى، ولا كانَوا يقرؤون كلاماً لا يَفْهَمَونَ مَعْنَاهُ، بلْ كانُوا يَفْهَمُونَ معانيَ النُّصوصِ مِن الكتابِ والسُّنَّةِ، ويُثبتونَهَا للهِ عزَّ وجلَّ، ثمَّ يُفَوِّضُونَ فيمَا وراءَ ذلكَ من كُنْهِ الصفاتِ أو كيفيَّاتِهَا؛ كمَا قالَ مالكٌ حينَ سُئِلَ عن كيفيَّةِ استوائِهِ تعالى على العرشِ: ((الاستواءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ)).
    وأَمَّا قولُهُ: (ومِن غيرِ تكييفٍ ولا تمثيلٍ)؛ فالفرقُ بينهمَا أنَّ التَّكييفَ أنْ يعتقدَ أنَّ صفاتَهُ تعالى على كيفيَّةِ كذا، أو يَسألُ عنْها بكيفَ.وأَمَّا التَّمثيلُ؛ فهوَ اعتقادُ أنَّهَا مثلُ صفاتِ المخلوقين.
    وليسَ المرادُ مِن قولِهِ: (مِن غيرِ تكييفٍ) أنَّهمُ يَنْفُونَ الكيفَ مطلقًا؛ فإنَّ كلَّ شيءٍ لا بُدَّ أنْ يكونَ على كيفيَّةٍ ما، ولكنَّ المرادَ أنَّهمُ يَنْفُونَ عِلْمَهُمْ بالكَيْفِ، إذْ لا يعلمُ كيفيَّةَ ذاتِهِ وصفاتِهِ إلاَّ هوَ سبحانَهُ.


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,646

    افتراضي رد: فأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يؤمنونَ بصفات الله إيماناً خالياً مِنْ التَّحريفِ، والتَّعطيلِ، والتكييف والتَّمثيلِ

    قال الشيخ صالح الفوزان فى شرح العقيدة الواسطية

    وَمِنَ الإيمانِ بِاللهِ: الإيمانُ بِما وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ في كِتابِهِ، وَ وَصَفَهُ بِهِ رَسولُهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غيرِ تحْريفٍ ولا تعطيلٍ، ومِن غيرِ تكييفٍ ولا تمثيلٍ

    بعد ما ذكَر المصنِّفُ رحمه اللهُ الأُصولَ التي يجبُ الإيمانُ بها مُجْمَلةً، شرَعَ يذكُرُها عَلى سبيلِ التَّفصيلِ، وبدأَ بالأصلِ الأوَّلِ، وهو الإيمانُ باللهِ تعالى، فذكر أنَّه يدْخلُ فيه الإيمانُ بصِفاتِه التي وصفَ نفْسَه بها في كتابهِ، أو وصفَه بها رسولُه في سُنَّتهِ وذلك بأن نُثْبتَهَا له كما جاءت في الكتابِ والسُّنَّةِ بألفاظِها ومَعَانِيها من غيرِ تحريفٍ لألفاظِهَا ولا تعْطيلٍ لمعانِيها ولا تشبيهٍ لها بصفاتِ المخلوقين. وأنْ نعتمدَ في إثباتِهَا عَلى الكتابِ والسُّنَّةِ فقط، لا نتجاوزُ القرآنَ والحديثَ، لأنَّها توْقِيفيَّةٌ.
    والتَّحْرِيفُ: هو التغييرُ وإِمالةُ الشيْءِ عَن وَجْهِه، يقالُ: انحرف عَن كذا. إذا مال ـ وهو نوعانِ: ـ
    النَّوعُ الأوَّلُ: تحريفُ اللَّفظِ، وهو العُدولُ به عَن جِهَتِه إلى غيرِها، إِمَّا بزيادةِ كلمةٍ أو حَرْفٍ أو نُقْصَانهِ أو تغييرِ حَركةٍ كقولِ أهلِ الضَّلالِ في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوَى) أي: استولى! فزادوا في الآيةِ حرفًا. وكقولهِم في قولِه تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ) أي: أمرُ رَبِّك. فزادوا كلمةً. وكقولهِم في قولِه تعالى: (وَكلّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً) بِنَصْبِ لَفظِ الجلالةِ، فغيَّروا الحركةَ الإعرابيّةَ مِن الرَّفعِ إلى النَّصْبِ.
    النوعُ الثاني: تحريفُ المعنَى ـ وهو العُدولُ به عَن وجهِه وحقيقتِه، وإعطاءُ اللَّفظِ معنَى لفظٍ آخَرٍ، كقولِ المبتدعةِ: إنَّ معنَى الرَّحمةِ: إرادةُ الإنعامِ. وإنّ معنَى الغضبِ إرادةُ الانتقامِ.
    والتَّعطيلُ: لغةً الإخلاءُ ـ يقالُ عطَّله أي: أخلاه، والمرادُ به هنا نفيُ الصِّفاتِ عَن اللهِ سبحانَه وتعالى. والفرقُبين التَّحريفِ والتَّعطيل: أنَّ التحريفَ هو: نفْيُ المعنَى الصَّحيحِ، الذي دلّت عليه النُّصوصُ، واستبدالُه بمعنًى آخرَ غيرِ صَحيحٍ. والتَّعطيلُ هو: نفيُ المعنَى الصَّحيحِ مِن غيرِ استبدالٍ له بمعنًى آخرَ، كفِعلِ المُفَوِّضَةِ ـ فكُلُّ مُحرِّفٍ مُعَطِّلٌ، وليس كُلُّ مُعَطِّلٍ مُحَرِّفًا.
    والتَّكْييفُ: هو تعيينُ كيفيّةِ الصِّفَةِـ يقالُ: كيّف الشيْءَ، إذا جَعلله كيفيَّةً معلومةً، فتكييفُ صفاتِ اللهِ هو تعيينُ كيفيَّتِهَا والهيئةِ التي تكونُ عليها، وهذا لا يمكنُ للبَشرِ؛ لأنَّه ممّا استأثر اللهُ تعالى بعلمِه، فلا سبيلَ إلى الوصولِ إليه؛ لأنَّ الصفةَ تابعةٌ للذّاتِ، فكما أنَّ ذاتَ اللهِ لا يمكنُ للبشرِ معرفةُ كيفيَّتِهَا ـ فكذلك صفتُه سبحانَه لا تُعْلَمُ كيفيَّتُهَا. ولهذا لما سُئِل الإمامُ مالكٌ رحمه اللهُ فقيل له: (الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوَى) كيْفَ استوى؟ فقال: الاستواءُ، معلومٌ والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ به واجبٌ والسُّؤالُ عنه بدعةٌ. وهذا يُقالُ في سائرِ الصِّفاتِ.
    والتَّمثيلُ: هو التَّشبيهُ، بأَن يقالَ: إنَّ صفاتِ اللهِ مثلُ صِفاتِ المخلوقين، كأنْ يقالَ: يدُ اللهِ كأيدِينا، وسمعُه كسمعِنَا تعالى اللهُ عَن ذلك، قال تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) فلا يقالُ في صفاتِه: إنَّها مِثلُ صفاتِنا أو شِبْهُ صفاتِنا أو كصفاتِنَا ـ كما لا يقالُ: إنَّ ذاتَ اللهِ مثلُ أو شِبْهُ ذواتِنا ـ فالمؤمنُ الموحِّدُ يثبتُ الصفاتِ كُلَّها عَلى الوجهِ اللائقِ بعَظمةِ اللهِ وكبريائِه. والمعطِّلُ ينفِيهَا أو ينفِي بعضَها. والمشبِّهُ الممثِّلُ يثبتُهَا عَلى وجهٍ لا يليقُ باللهِ، وإنَّما يليقُ بالمخلوقِ.


  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,646

    افتراضي رد: فأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يؤمنونَ بصفات الله إيماناً خالياً مِنْ التَّحريفِ، والتَّعطيلِ، والتكييف والتَّمثيلِ

    قال الشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد فى التنبيهات السنية
    ومِنَ الإِيْمانِ باللهِ: الإِيمانُ بِمَا وَصَفَ بهِ نَفْسَهُ وَ وَصَفَهُ بهِ رَسُولُهُ محمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
    مِنْ غَيْرِ تَحْريفٍ
    ولا تَعْطيلٍ
    و لا تَكْيِيفٍ
    ولا تَمْثيلٍ.

    ( 12) وأمـَّا الكلامُ على قولـِه: ( والبعثِ بعدَ الموتِ والإيمانِ بالقدرِ ) فسيأتي إنْ شاءَ اللهُ.
    قولُه: ( ومن الإيمانِ باللهِ الإيمانُ بما وصفَ به نفسَهُ ): فمن جَحَدَ صفاتِ اللهِ سبحانه وتعالى فليسَ بمؤمنٍ، قال تعالى: (وهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ ) الآية،
    وكذلك من عطَّلَها أو شَبَّهَهَا بصفاتِ خلقِه، قال نعيمُ بنُ حَمَّادٍ: من شبَّه اللهَ بخلقِه كفرَ،
    ومن نفى ما وَصَفَ به نفسَه فقد كفرَ،
    وليسَ فيما وصفَ اللهُ به نفسَه أو وصفَه به رسولُه تَشْبِيهاً
    قال ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ في (( النُّونِيَّةِ )):

    مَنْ شَبَّهَ اللهَ الْعَظِيمَ بِخَلْقِهِ فَهُوَالنَّسِيب ُ لِمُشْرِكٍ نَصْرَاني
    أَوْ عَطَّلَ الرَّحْمنَ مِنْ أْوصَافِهِ فَهُوَ الْكَفُورُ وَلَيْسَ ذَا إِيَمانِ
    وفي قولهِ: ( بما وصفَ به نفسَهُ ووصفَهُ به رسولُه ): إثباتُ أنَّ صفاتِه سبحانَه وتعالى إنما تُتلقَّى من السَّمعِ لا بآراءِ الخلقِ،
    فصفاتُه سبحانَه مَبْنِيَّةٌ على التَّوْقِيفِ
    فلا يُوصَفُ إلا بما وَصَفَ به نفسَه أو وَصَفَهُ بِه رسولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    قال أحمدُ رحمهُ اللهُ: لا يُوصفُ اللهُ إلا بما وصفَ به نفسَه، أو وصفَهُ به رسولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا يتجاوَزُ القرآنَ والحديثُ.
    قال ابنُ القيّمِ رحمهُ اللهُ في البَدَائِعِ: ما يُطلَقُ عليه في بابِ الأسماءِ والصّفاتِ تَوْقِيفِيٌّ، وما يُطلقُ عليه في بابِ الأخبارِ لا يجبُ أَنْ يكونَ تَوْقِيفِيّاً كالشَّيءِ والموجودِ والقديمِ ونحوِ ذلك.
    ذكَر المصنِّفُ رحمهُ اللهُ تعالى هذا الأصلَ العظيمَ في بابِ الأسماءِ والصّفاتِ، فَيُنَاسِبُ أن نَضُمَّ إليه عدّةَ أصولٍ مجموعةٍ من كتبِ المحقّقينَ لتكونَ كالمقدّمةِ.
    أوَّلا: إنَّ أسماءَ اللهِ وصفاتِه غيرُ محصورةٍ بعددٍ معروفٍ، وأمَّا حديثُ (( إنَّ لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسماً مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجنَّةَ)) فليسَ فيه حَصْرٌ لها، وإنَّما غايةُ ما فيه: أنَّ هذه الأسماءَ مَوْصُوفَةٌ بأنَّ من أَحْصاها دخلَ الجنَّةَ، كما تقولُ عندي مائةُ عبدٍ عَدَدْتُهُمْ للجهادِ في سبيلِ اللهِ، فلا يُنافي أنّ لديك عبيداً غيرَهم أعْددتَهُم لغيرِ ذلك.
    ثانياً: إنَّ الصّفاتِ تنقسمُ إلى قسمين:
    القسمِ الأوّلِ: صفاتٌ ذَاتِيَّةٌ، وهي الَّتي لا تَنْفَكُّ عنه بِحَالٍ، كالغِنَى، والقدرةِ، والعُلوِّ، والرَّحمةِ، ونحوِ ذلك من الصّفاتِ الَّتي هي من لوازمِ ذاتِهِ.
    القسمِ الثَّاني: صفاتٌ فعليّةٌ، وهي كلُّ صفةٍ تَعَلَّقَتْ بمشيئتهِ وإرادتهِ، ويُعَبَّرُ عنها بالأفعالِ الاختياريّةِ، كالاستواءِ والمَجِيءِ والنّزولِ ونحوِ ذلك.
    ثالثاً: أركانُ الإيمانِ بالأسماءِ والصّفاتِ، الإيمانُ بالصّفةِ وما دلَّتْ عليه من المعنى وبما تعلَّقَ بها من الآثارِ، فَتُؤْمِنُ بأنّه عليمٌ، وذو علمٍ عظيمٍ، وأنَّه لا تَخْفَى عليه خَافِيةٌ.
    رابعاً: ليسَ في أسماءِ اللهِ وصفاتِه نفيٌ مَحْضٌ، بل كلُّ نفيٍ وُجِدَ في أسماءِ الله وَصِفاتِه فهو لإثباتِ كمالٍ ضِدِّه، إذِ النَّفيُ المحضُ عَدَمٌ، والعدمُ ليس بشيءٍ، فضلاً عن أنْ يُمْدَحَ به، كما قالَ تعالى: (وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) أي لِكَمالِ عَدْلِهِ، (وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا )، أي لكمالِ قوّتِه واقتدارِهِ.
    خامساً: طريقةُ أهلِ السّنّةِ والجماعةِ، هو الإجمالُ في النَّفيِ والتَّفصيلُ في الإثباتِ كما دلَّ على ذلك الكتابُ والسّنّةُ، قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) فَأَجْمَلَ في النّفيِ وَفصَّل في الإثباتِ، وهذا عكسُ ما عليه أهلُ البدعِ من الجَهْمِيَّةِ والمُعتزلَةِ وأشباهِهم فإنَّهم يُجْمِلون في الإثباتِ ويُفَصِّلون في النَّفي.
    سادساً: أسماءُ اللهِ سبحانه وتعالى وصفاتُه هي بِالنَّظَرِ إلى الذَّاتِ من قبيلِ المترادفِ، وبالنّظرِ إلى الصّفاتِ من قَبِيلِ المُتبَايِنِ.
    سابعاً: أسماءُ اللهِ سبحانَه وصفاتُه حقيقةٌ، وليستْ من قَبِيلِ الَمجازِ، خلافاً للمبتدعةِ من الجهميَّةِ والمعتزلةِ وغيرِهِم، فعلى كلامِ هؤلاء لا يكونُ سبحانَه حيّـاً حقيقةً، ولا مريداً حقيقةً، ولا قادراً، تعالى اللهُ عن قولِهِم، وهذا لازمٌ لكلِّ من ادّعى المجازَ في أسماءِ الرّبِّ وصفاتِه وأفعالِه لزوماً لا مَحِيدَ عنه، وكفى أصحابُ هذهِ المقالةِ كفراً.
    ثامناً: أسماؤُه سبحانَه وتعالى تنقسمُ إلى قسمين: أَعْلاَمٌ، وأوصافٌ، والوصفيّةُ فيها لا تُنافي العلميَّةَ، بخلافِ أوصافِ العبادِ.
    تاسعا: للاسمِ مِن أسمائِه ثلاثُ دلالاتٍ: دلالةٌ على الذّاتِ والاسمِ. بِالْمُطَابَقَة ِ، وعلى أحدهِما بِالتَّضَمُّنِ، وعلى الصّفةِ الأخرى بالالتزامِ، مثالُه اسمُ السَّميعِ، يدلُّ على ذاتِ الرَّبِّ وسَمْعِهِ بالمطابقةِ، وعلى الذَّاتِ وحدَها والسّمعِ وحدَه بِالتَّضَمُّنِ، ويدلُّ على الحيِّ وصفةِ الحياةِ بالالتزامِ، وكذلك سائرُ أسمائهِ وصفاتهِ.
    عاشراً: إذا كانتِ الصّفةُ منقسمةً إلى كمالٍ ونقصٍ لم تدخلْ بِمطلقِها في أسمائه سبحانه، بل يُطلَقُ عليه منها كمالُها كالمريدِ والصَّانعِ، فإِنَّ هذه الألفاظَ لا تدخلُ في أسمائِه، فإنَّ الصّنعَ والإرادةَ مُنقسمةٌ إلى محمودٍ ومذمومٍ.
    الحاديَ عشرَ: لا يلزمُ من الإِخبارِ عنه بالفعلِ مُقَيَّداً أَنْ يُشتقَّ له منه اسمٌ مُطلقٌ، وقد غَلطَ من جعلَ من أسمائِه الَماكِرَ والفَاتِنَ والُمُضِلَّ، تَعالى اللهُ عن قَوْلِهم، ثمَّ إِنَّه على فَهْمِ هذا الغَاِلطِ أنْ يجعلَ من أسمائِه الجَائِيَ والغَضْبانَ ونحوَ ذلك من الأسماءِ الَّتي أُطلقَتْ عليه أفعالُها، وهذا لا يقولُه مسلمٌ ولا عاقلٌ، انتهى من كلامِ ابنِ القيِّمِ ملخصاً.
    الثَّاني عشرَ: الأسماءُ والصّفاتُ الَّتي تستعملُ في حقِّ الخالقِ والمخلوقِ، كالعلمِ، والقدرةِ، والسّمعِ، والبصرِ، ونحوِ ذلكَ، هي حقيقةٌ في الخالقِ والمخلوقِ، خلافاً للجهميَّةِ.
    قال ابنُ القيّمِ: وهذا قولُ عامَّةِ العقلاءِ وهو الصّوابُ.
    الثَّالثَ عشرَ: أسماءُ اللهِ وصفاتُه من قبيلِ المُحْكمِ وليستْ من المتشابِه، فإنَّ معناها واضحٌ معروفٌ في لغةِ العربِ، وأمَّا الكُنْهُ والكَيْفِيَّةُ فهو ممَّا اسْتَأثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ.
    الرَّابعَ عشرَ: لا يَلْزمُ من اتّحادِ الاسمينِ تماثلُ مُسَمَّاهُمَا، فإنَّ اللهَ سمَّى نفسَهُ بأسماءٍ تَسَمّى بها بعضُ خلقِه، وكذلك وصفَ نفسَه بصفاتٍ وُصِفَ بها بعضُ خلقِه، فلا يلزمُ من ذلك التَّشبيهُ، فقد وَصَفَ نَفْسَهُ بالسَّمعِ، والبصرِ، والعلمِ، والقدرةِ، وَوُصِفَ بذلك بعضُ خلقهِ، فليس السَّميعُ كالسَّميعِ، ولا البصيرُ كالبصيرِ، فصفاتُ كلِّ موصوفٍ تُناسِبُ ذاتَه وتليقُ به، ولا مُنَاسَبَةَ بين الخالقِ والمخلوقِ.
    الخامسَ عشرَ: ذكرَ الشّيخُ تقيُّ الدّينِ في كتابِه (( التّدْمُرِيَّةِ ) أصلين عظيمين نافعين من هذا البابِ:
    الأوَّلَ: القولُ في الصّفاتِ كالقولِ في الذَّاتِ، فكما أنَّنا نُثْبِتُ لله ذاتاً لا تُشْبِهُ الذّواتِ فيجبُ أنْ نثبتَ له صفاتٍ لا تشبهُ الصّفاتِ، فالصّفاتُ فَرْعُ الذَّاتِ يُحْذَى فيها حَذْوَها.
    الثَّاني: القولُ في بعضِ الصّفاتِ كالقولِ في البعضِ الآخرِ إذ لا فرقَ، فمن أثبتَ الصّفاتِ ونفَى البعضَ الآخرَ كالأشاعرةِ، فقد تَنَاقَضَ، إذ الدّليلُ الَّذي ثبتت به الصّفاتُ الَّتي أقرُّوا بها يوجدُ مثلُه أو أقوى منه يثبِتُ البعضَ الآخرَ، إلى غيرِ ذلك من الأصولِ العظيمةِ الَّتي ذكرها الشَّيخُ تقيُّ الدّينِ، وابنُ القيّمِ، وغِيرُهما من المحقّقين في كتبِهِم، وقد أَفْرَدْنَا تلك الأصولَ في رسالةٍ مفردةٍ فارْجِعْ إليها.

    قولهُ:
    ( من غير تحريفٍ ): أي تغييرٍ لألفاظِ الأسماءِ والصّفاتِ، أو تغييرٍ لمعانيها، وقد ذَمَّ اللهُ سبحانَه وتعالى الَّذين يحُرِّفُون الكَلِمَ عن مَوَاضِعِه، كما قالَ اللهُ سبحانه وتعالى عن اليهودِ: (مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ) أي يُغَيِّرُونَهُ ويُفَسِّرُونَهُ بغيرِ معناهُ، فالتَّحريفُ لغةً: التَّغييرُ وإِمَالَةُ الشَّيءِ عن وجهِهِ، يُقال انْحَرَفَ عن كذا أي مَالَ وعَدَلَ، واصطلاحاً: هو التَّغييُر لألفاظِ الأسماءِ والصّفاتِ أو معانيها، كقول الجَهْمِيَّةِ في قولِهِ سبحانه: (الرَّحْمَـنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) أي اسْتَوْلَى، وقوله (وَجَاءَ رَبُّكَ ) أي أَمرُهُ، فالتَّحريفُ ينقسمُ إلى قسمين:
    الأوَّلِ: تحريفُ اللفظِ، كقولِهم في (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً ) بِنَصْبِ لفظِ الجلالةِ، وكقولِهِم في (استوَى ): استولى، (وَجَاءَ رَبُّكَ ) أي أَمْرُهُ. وَيُرْوَى أنَّ جَهْمِيّاً طلبَ من أبي عمرو بِنِ اِلعلاءِ أحدِ القُرَّاءِ يقرأُ: (وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيماً) بِنَصْبِ لفظِ الجلالةِ، فقال له: هَبْنِي فَعَلْتُ ذلك فما تَصنَعُ بقولِه: (وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ) فَبُهِتَ الجَهْمِيُّ.
    الثَّاني: التَّحريفُ المعنويُّ: كقولِهم في قوله سبحانه وتعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً ) أي جَرَّحَهُ بِأَضَافِيِرِ الْحِكْمَةِ تَجْريحاً.
    قال ابنُ القيّمِ رحمهُ اللهُ: والتَّحريفُ نوعان تحريفُ اللفظِ، وتحريفُ المعنى، فتحريفُ اللفظِ: العُدُولُ عن جِهَتِهِ إلى غيرِها، إمَّا بزيادةٍ أو نقصانٍ، وإمَّا بتغييرِ حَرَكةٍ إِعْرابيّةٍ أو غيرِ إِعْرابيّةٍ، فهذه أربعةُ أنواعٍ. وأمَّا تحريفُ المعنى: فهو العُدُولُ بالمعنى عن وجهِه وحقيقتِه، وإعطاءُ اللفظِ معنى لفظٍ آخرَ بِقَدَرٍ مَا مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُما.
    قولُه:
    ( ولا تعطيلٍ ): وهو لغةً: الإخلاءُ، يقالُ جِيدٌ عُطْلٌ، أي خَالٍ مِنَ الزِّينَةِ، قال الشّاعرُ:
    وَجِيدٍ كَجِيدِ الرِّيم لَيْسَ بِفاحِشٍ إِذَا هِيَ نَصَّتْهُ وَلاَ بِمُعَطَّلِ
    وأمَّا معناهُ هنا فهو جحدُ الصّفاتِ وإنكارُ قِيامِها بذاتِه سبحانَه، ونفيُ ما دلَّت عليه من صفاتِ الكمالِ، وأوَّلُ مَنْ قالَ بالتَّعطيلِ في الإسلامِ: الَجَعْدُ بنُ دِرْهَمٍ، فقتلهُ خالدُ بنُ عبدِ اللهِ القَسْرِيُّ بعدَ استشارةِ علماءِ زمانِه.
    قال ابنُ القيّمِ رحمهُ اللهِ في (( النُّونِيَّةِ )):
    وَلِذَا ضَحَّى بِجَعْدٍ خَالِدُ الـ قَسْرِيُّ يَوْمَ ذَبَائِحِ الْقُرْبَانِ
    شَكَرَ الضَّحِيَّةَ كُلُّ صَاحِبِ سُنَّةٍ ِلله دَرُّكَ مِنْ أَخِي قُرْبَانِ
    وتلقَّى عن الجعدِ مقالةَ التَّعطيلِ: الجَهْمُ بنُ صَفْوانَ التِّرْمِذِيُّ، فنشرها ونَاضَل عنها، فلذا نُسِبَ المذهبُ إليه، فيقالُ: جَهْميَّةٌ بفتحِ الجيمِ، والجهمُ قتَله سَلَمُ بنُ أَحْوَزَ أميرُ خُرَاسَانَ
    والتّعطيلُ ينقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، كما ذكره ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ:

    الأوَّلِ: تعطيلُ المَصْنوعِ مِن صَانِعِهِ، كتعطيلِ الفلاسفةِ الَّذين زعَموا قِدَمَ هذه المخلوقاتِ، وأنَّها تتصرَّفُ بطبيعتِهَا.
    الثَّاني: تعطيلُ الصَّانعِ مِن كَمَالِهِ المُقَدَّسِ بتعطيلِ أسمائهِ وصفاتهِ، كتعطيلِ الجهميَّةِ وأشباهِهِم من المعتزلةِ وغيرِهِم.
    الثَّالثِ: تعطيلُ حَقِّ معاملتِه، بتركِ عبادتِه، أو عبادةِ غيرِهِ معَه.
    قال ابنُ القيّمِ رحمه اللهُ:
    والتَّعطيلُ شرٌّ من الشّركِ،
    فإنَّ المُعَطِّلَ جاحدٌ للذَّاتِ أو لِكَمَالِها، وهو جَحْدٌ لحقيقةِ الألوهيّةِ، فإنَّ ذاتًا لا تسمعُ ولا تبصِرُ ولا تغضبُ ولا تَرْضى ولا تفعلُ شيئًا وليسَتْ داخلَ العالمِ ولا خارجَه ولا متّصلةً بالعالم‎ِ ولا منفصلةً ولا فوقَ ولا تحتَ ولا يمينَ ولا شِمالَ، هو والعدمُ سواءٌ،
    والمُشْرِكُ مُقِرٌّ باللهِ، لكنْ عبدَ معه غيرَه، فهو خيرٌ من المعطِّلِ للذَّاتِ والصّفاتِ.

    قولـُه:
    ( ولا تكييفٍ): وهو تعيينُ كُنْهِ الصّفةِ، يُقالُ كَيَّفَ الشّيءَ: أي جَعَلَ له كيفيّةً مَعْلومةً، وكيفيّةُ الشّيءِ صفتُه وحالُه، فالتّكييفُ تعيينُ كُنْهِ الصّفةِ وكيفيّتِها، وهذا ممَّا استأثرَ اللهُ به، فلا سبيلَ إلى الوصولِ إِليه، إذ الصّفةُ تابعةٌ للموصوفِ، فَكما لا يَعلمُ كَيْفَ هُوَ أَلاَّ هُوَ، فكذلك صفاتُهُ فالصّفاتُ يحُذَى فيها حَذْوَ الذّاتِ، وقد سُئِلَ مالكٌ رحمهُ اللهُ تعالى فقيلَ له: (الرَّحْمَـنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) كيف اسْتَوى؟ فقال: الاستواءُ معلُومٌ، والكَيْفُ مَجْهُولٌ، والإِيماَنُ به وَاجِبٌ، والسُّؤالُ عنه بِدْعَةٌ، وكذلك رُوِيَ عن ربيعةَ نحواً من هذه الإجابةِ، وكذلك رُوِيَ عن أمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
    فقوله: الاستواءُ مَعْلومٌ، أي في لغةِ العربِ، وقولُه: والكَيْفُ مجهولٌ، أي كيفيّةُ استوائِهِ سبحانه وتعالى لا يَعْلَمُ كُنْهَها وكيفيَّتـَها إلا هو سبحانَه، وقولُهُ: الإيمانُ به واجبٌ، لتكاثرِ الأدلَّةِ من الكتابِ والسّنـّةِ في إثباتِ ذلك، والسّؤالُ عنهُ، أي عن الكيفيّةِ بِدْعَةٌ، فَفَرَّقَ مالكٌ رحمه اللهُ بين المَعْنى المَعْلُومِ من هذه اللفظةِ، وبين الكَيْفِ الذي لا يَعْقِلُهُ البشرُ.
    وإجابةُ مالكٍ رحمه الله تعالى وغيرِهِ جوابٌ كَافٍ شَافٍ في جميعِ مسائلِ الصّفاتِ، فإذا سُئلَ إنسانٌ عن المجيءِ أو النّزولِ أو السّمعِ أو البصرِ أو غيرِ ذلك، أجابَ بجوابِ مالكٍ رحمه اللهُ، فيُقالُ مثلاً: المَجِيءُ معلومٌ والكيفُ مجهولٌ، وكذلك مَنْ سُئِلَ عن الغضبِ والرّضى والضّحكِ وغيرِ ذلك فمعانيها كلُّها مفهومةٌ، وأمَّا كيفيَّتُها فغيرُ معقولةٍ، إذ تَعقُّلُ الكيفيّةِ فَرْعُ العِلْمِ بكيفيّةِ الذّاتِ وكُنْهِها، فإذا كانَ ذلك غيرَ معقولٍ للبشرِ فكيف يُعقلُ لهم كيفيّةُ الصّفاتِ؟!

    قولـُهُ:
    ( ولا تمثيلَ ): التـَّمثيلُ هو التـَّشبيهُ، يقال مَثَّلَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ سَوَّاهُ وَشَبَّهَهُ بِهِ، وجعله مثلَهُ وعلى مِثَالِهِ، فالشَّبيهُ والمثيلُ والنَّظيرُ ألفاظٌ مُتقاربةٌ، فلا تُمثـّلُ صفاتُهُ بصفاتِ خَلْقِهِ، فإنَّه لا مثلَ له ولا شِبْهَ له ولا نَظِيرَ، لا في ذاتِه وأسمائِه، ولا في صفاتِه وأفعالِه، كما قالَ سبحانه وتعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) والتَّشبيهُ ينقسمُ إلى قسمين:
    الأوَّلِ: تشبيهُ المخلوقِ بالخالقِ، كتشبيهِ النَّصارَى عيسى باللهِ، وكتشبيهِهِم عُزيراً وتشبيهِ المشركين أصنامَهم باللهِ، وهذا النَّوعُ هو الَّذي أُرْسلتِ الرُّسلُ وأُنْزلت الكتبُ في النَّهيِ عنه، وهو أعظمُ الذّنوبِ على الإطلاقِ، ومُحْبِطٌ لجميعِ الأعمالِ.
    الثَّاني: تشبيهُ الخالقِ بالمخلوقِ، كقولِ المُشِّبهِ: *للهِ يَدٌ كَأَيْدِينَا، وسَمْعٌ كأسماعِنا، وهذا هو الـَّذي صُنِّفَتْ كتبُ التَّوحيدِ للرَّدِّ على قائلِهِ، وكلا النّوعين كفرٌ، وكلُّ مشبِّهٌ معطِّلٌ وبالعكسِ، فإنَّ المعطِّلَ لم يفهمْ من صِفَاتِ اللهِ إلا ما يليقُ بالمخلوقِ، فأرادَ بزعمِهِ الفاسدِ تنـزيهَهُ عن ذلك فوقعَ في التَّعطيلِ، فَشَبَّهَ أوَّلاً وعَطَّل ثانياً وشبَّههُ ثالثاً بالمعدوماتِ والنَّاقصاتِ، تعالى اللهُ عن قولِهِم.
    وكذلك المشبِّهُ عطَّلَ الصّفةَ الَّتي تليقُ باللهِ ووصفَه بصفاتِ المخلوقِ، فعطَّلَ أوَّلاً، وشبَّههُ ثانياً، فكلُّ مُعطِّلٍ مُشبِّهٌ وبالعكسِ.
    قال الشّيخُ تقيُّ الدّينِ في (( الحَمَوِيَّةِ )): وكلُّ واحدٍ من فَريقي التَّعطيلِ والتَّمثيلِ فهو جامعٌ بين التَّعطيلِ والتَّمثيلِ، أمَّا المُعَطِّلُون فإنَّهم لم يَفْهَمُوا من أسماءِ اللهِ وصفاتِه إلا ما هو اللائقُ بالمخلوقِ، ثمَّ شَرَعُوا في نفيِ تلك المَفْهُوماتِ، فقد جَمَعوا بين التَّمثيلِ والتَّعطيلِ، مثَّلوا أولاً، وعَطَّلوا آخراً، وهذا تَشبيهٌ وتَمثيلٌ منهم للمفهومِ من أسمائهِ وصفاتِه بالمفهومِ من أسماءِ خلقِه وصفاتهِم، وتَعطيلٌ لما يَسْتَحقُّه هو من الصّفاتِ اللائقةِ باللهِ سبحانه، ومذهبُ السّلفِ بين التَّعطيلِ والتَّمثيلِ فلا يُمَثلِّون صفاتِ اللهِ بصفاتِ خلقِه، كما لا يُمثِّلون ذاتَه بِذواتِ خَلْقِهِ، فلا يَنفُون عنه ما وَصَف به نفسَه، أو وَصَفَهُ به رسولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيُعَطِّلُون أسماءَه الحسنى وصفاتِه، ويُحرِّفُون الكلمَ عن مواضِعه، ويُلحدُونَ في أسماءِ اللهِ وآياتِه. انتهى.


  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,646

    افتراضي رد: فأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يؤمنونَ بصفات الله إيماناً خالياً مِنْ التَّحريفِ، والتَّعطيلِ، والتكييف والتَّمثيلِ

    قال الشيخ صالح آل الشيخ فى شرح العقيدة الوسطية
    قال القارئ: (ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه ووصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل).
    , وهذا الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ادعاه كثيرون,
    ادعاه طوائف من المنتسبين إلى القبلة،
    ولكن دعوى الإيمان بما وصف الله جل وعلا به نفسه ووصفه به رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لما كانت دعوى عند كثيرين
    التزم أهل السنة والجماعة أن يذكروا قيد هذا الإيمان
    فإن الإيمان بهذه النصوص التي هي نصوص الصفات ليس إيماناً على وفق ما تشتهي النفس أو يؤدي إليه العقل بل على قاعدة وتلكم القاعدة هي: أن يكون الإيمان بتلك النصوص بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، وهناك محرفون يقولون: نؤمن بالصفات على ما جاء في الكتاب والسنة لكنهم يحرفونها عن مواضعها, فأهل السنة خالفوهم وآمنوا بالنصوص من غير تحريف، وهناك معطلة عطلوا نصوص الصفات عن معانيها اللائقة بها أو عطلوا الله جل وعلا عن الوصف الذي وصف به نفسه على كماله وأولوه وحرفوه وتوجهوا به إلى معنى أخر فخالفهم أهل السنة فآمنوا بظاهر النصوص من غير تعطيل لها ولا تأويل يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله جل جلاله، كذلك آمنوا بالنصوص من غير تكييف لأن هناك من آمن فكيَّف فجعل نصوص الصفات مكيَّفة بكيفيات اخترعوها وابتدعوها في أذهانهم, وهؤلاء يزعمون أنهم آمنوا بالنصوص لكن أهل السنة بيَّنوا أن الإيمان لا بد أن يكون من غير تكييف, وهناك ممثلة مجسمة آمنوا بالنصوص على زعمهم وجعلوا ظاهر النص يراد به أمثلة معروفة فقالوا: يدُ الله كأيدينا وعين الله كأعيننا وسمع الله كسمعنا ونحو ذلك، زعموا أنهم آمنوا لكن آمنوا إيماناً فيه تمثيل وإذاً يكون إيمان هؤلاء الأصناف الأربعة يكون إيماناً مُدْعى ليس إيماناً شرعياً فمتى يكون الإيمان بالنصوص- نصوص الصفات – صحيحاً ؟ إذا جمع هذه الأربعة: أن يؤمن بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، فهذه القواعد الأربعة:
    أن نؤمن بالنصوص ولا نحرفها,
    نؤمن بالنصوص ولا نعطل الله جل وعلا أو وصفه الذي وصف به نفسه أو وصفه به رسوله،
    نؤمن بالنصوص نصوص الصفات من دون تكييف لهذه الصفات بكيفيات معهودة أو غير معهودة،
    نؤمن بالنصوص ولا نمثل الله جل وعلا بخلقه بل ننـزهه،
    وهذا يحتاج في بيانه إلى بيان المراد بهذه الألفاظ الأربعة، ما معنى تحريف ؟ ما معنى التعطيل ؟ ما معنى التكييف؟ وما معنى التمثيل ؟.
    أما التحريف؛ فأصله في اللغة: من الانحراف بالشيء عن وجهه وهو صرفه عن وجهه ومعناه إلى غيره, وهذا تحريف بمعنى التغيير والتبديل, فإذاً يكون معنى التحريف: التغيير والتبديل، حرَّف: أي غير وبدل, قال جل وعلا عن اليهود: { من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه }, قال المفسرون إن معنى قوله: { يحرفون الكلم عن مواضعه } يعني: يحرفون ما أنزل عليهم عن معانيه اللائقة به بل يخترعون له معاني من عندهم, وسمى الله جل وعلا هذا منهم تحريفا. قال: { من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه }, والتحريف في نصوص الصفات معناه أن تغير وتبدل ألفاظها أومعانيها عن ظواهرها, فإذا صُرف ظاهر النص عن معناه اللائق به فإن هذا سواء أكان في اللفظ أو في المعنى فإن هذا تحريف؛ لأنه تغيير وتبديل، قال العلماء: التحريف من حيث هو في تعلقه بنصوص الصفات أو بغيره يكون في اللفظ وفي المعنى, والتحريف في اللفظ: إما بزيادة أو نقصان، أو بتغير حركة إعرابية أو بغير تغيير حركة إعرابية, والتحريف في المعنى: يكون بتغيير معنى الكلمة عن معناها المعروف في لغة العرب تحريف بزيادة، تحريف في اللفظ بزيادة كما فعل اليهود فإن الله جل وعلا أخبر عنهم بقوله: { فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم }, قيل لهم: قولوا حطة, فقالوا حبة في شعرة, غيروا اللفظ بزيادة بل غيروه من أصله, أو بزيادة كما روي أنهم قالوا: حنطة بزيادة النون, كذلك فعل المعتزلة والجهمية و الأشاعرة ونحوهم حينما فسروا معنى استوى على العرش بقولهم: استولى { الرحمن على العرش استوى } قالوا: استولى، فهذا تحريف في اللفظ بزيادة حرف, فإن كلمة استوى ليس فيها حرف اللام, زادوا اللام فغيروا المعنى، استوى جعلوا معناها استولى, ومعنى استوى المعروف في اللغة: علا وارتفع.
    كذلك قد يكون بنقص في اللفظ ويَنقص يُنقص اللفظ يكون نقصاً في اللفظ, وقد يكون بتغيير حركة إعرابية في النص من مثل ما قال جهمي لأبي عمرو بن العلاء أحد القراء والنحاة والعلماء المتحققين بالسنة قال له جهمي: يا أبا عمرو ألا تقرأ { وكلم اللهَ موسى تكليما }. { وكلم اللهَ }هذا تغير، حركة إعرابية، لأن القراءة: {وكلَّم اللهُ موسى تكليما ً}, فالله جل جلاله هو فاعل الكلام وموسى في الإعراب مفعول به،كلم اللهُ موسى، أراد أن يغير يحرف بتغيير حركة إعرابية فقال: ألا تقرأ: { وكلم اللهَ موسى تكليماً }. يعني: أن له وجهاً في العربية عند هذا القائل؛ لأن موسى الحركة لا تظهر في آخره فإذا قرئ: { وكلم اللهَ موسى }يكون المكلِّم هو موسى والمكلَّم هو الله جل جلاله، وقال له أبو عمرو بن العلاء هبني قلت ذلك وقرأته على هذا النحو فماذا تقول في قوله تعالى: { وكلمه ربه }؛ فبُهت.
    هذا من نوع تغيير حركة إعرابية، تغيرت الحركة وهذا ربما لجأ إليه كثير من الذين يزعمون أن عندهم علما بالنحو منهم لكن مع ظهور العلم وقوته بطل ذلك منهم، قد يكون تحريف بغير حركة إعرابية، يعني لا فيه زيادة في اللفظ ولا نقصان لا فيه تغيير حركة إعرابية، يكون تحريف للفظ بغير هذه الأنحاء بغير حركة إعرابية كمثل هذا الذي قلت،في قوله: { وكلم الله موسى } أراد أن يجعل موسى المكلِّم فهو حرَّف فغير موسى من كونه مفعولاً به إلى كونه فاعلا هذا ما دلت عليه حركة إعرابية، من غير حركة إعرابية كذلك يدخل في هذا الذين يحرفون الكلام فيجعلونه بمعنى آخر لفظ له معنى يجعلون له معنى آخر. مثلاً: يجعلون قوله تعالى:{ لما خلقت بيدي }, { وما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي },يجعلون معناه: بقدرتي، أو بقدرتي, هذا تحريف للفظ هل هو من جهة المعنى، قد جعلوا لفظ مكان لفظ، يقولون: اليد هنا هي القدرة، ليست اليد هي المعروفة أو القسم الثاني أنه تحريف من جهة المعنى، وهذا كثير كادعاء المجاز في آيات الصفات وكتأويل النصوص على غير ما دلت عليه لغة العرب، مثلاً: يأتون لقول الله جل وعلا: { الرحمن الرحيم }, فيقولون: الرحمة هي إرادة الإحسان, هذا تحريف للرحمة عن معناها, تغيير لها عن معناها, بأي شيء؟ بالأخذ بالمجاز, والأخذ بالمجاز في نصوص الصفات باطل, ومن أصول أهل الضلال في الصفات أما في غير الصفات يعني في اللغة من غير دخوله في الصفات فهو خلاف أدبي مع أن الصحيح عند المحققين أنه لا مجاز أصلاً.
    هنا يدخل في المحرفة الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، يدخل فيهم الجهمية أول ما يدخل؛ لأن أصل التحريف إنما جاء من جهة الجهم من جهة جهم بل من جهة الجعد بن درهم قبله بل من جهة اليهود؛ لأن هذه المقالة أخذها الجعد عن اليهود لأنهم هم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وكان أول ما بدأ التحريف حين نفي اتصاف الله جل وعلا بالكلام فقال إن قوله: { وكلم اللهُ موسى تكليماً } أي: جرحه بأظافير الحكمة تجريحاً فليس من جهة الكلام وإنما من جهة التجريح ({كلم } أي: جرح من الكلْمِ وهو الجرح, هذا أول ما بدأت فنفوا صفة الكلام تسلسل ذلك فإذن يدخل فيه أولاً: الجهمية, والجهمية يحرفون من جهات:
    أولاً: الأسماء الحسنى والصفات العلا, هم يقولون بها في القرآن لكن يجعلون تفسيرها بمخلوقات منفصلة, فصفة الله عند الجهمية هي الوجود المطلق فقط غيره من الأسماء الحسنى:السميع البصير الحي القيوم العليم الحكيم يفسرها الجهمية بمخلوقات منفصلة يعني: السميع هو من يُسمع، البصير هو من يبصر، المتكلم هو من يتكلم يعني مخلوقات الله جل وعلا المنفصلة، العزيز هو من أعز أو من عز، القيوم هو من أقيم أو من قام وهكذا.
    فيجعلون هذه الأسماء تعلقت بالخلق من آثار صفة الله عندهم الوجود، فعندهم الوجود عام، يدخل فيه المعتزلة؛ فإن المعتزلة حرّفوا, حرّفوا الغيبيات جميعاً في الصفات والأسماء في الأمور الغيبية، عذاب القبر في الميزان, الحوض, الصراط ونحو ذلك, جميع الأمور الغيبية صرفوها حرفوها عن معانيها وهكذا، يدخل فيه أيضاً الأشاعرة فإنهم يحرفون.
    هل كل تحريف يعد كفراً؟
    الجواب: ليس كل تحريف يعد كفراً فإن أهل السنة لم يكفروا الذين فسروا استوى باستولى، فإن كان التحريف في جميع الصفات كفعل الجهمية فإن هذا يعد كفراً والجهمية عندهم كفار؛ لأنهم حرّفوا ونفوا صفات الله جل وعلا, إن كان التحريف في بعض الصفات رؤي ما هذه الصفة؟ فإن كانت الدلالة عليها ظاهرة ولا يحتملها وجه، يعني ليس للتأويل فيها مدخل، هنا يُكفر به،كتكفير من نفى رؤية الله جل وعلا، وتكفير من جعل كلام الله جل وعلا مخلوقاً أما غيره مما قد يكون لقائله عذر في تأويله فإنه لا يقال بكفره, ولهذا أهل السنة والجماعة لم يكفروا الأشاعرة والماتريدية والكلابية والسالمية والكرامية وأشباه هؤلاء.
    ( ولا تعطيل ) , هذه اللفظة الثانية, والتعطيل أصله في اللغة من عطل يعطل تعطيلاً، وهو عُطْل إذا كان خالياً، يقال: هذا مكان معطل إذا كان خالياً ليس فيه شيء، ويقال أيضاً في المرأة: جيدها معطل إذا كان خالياً من الحلي,
    ومنه قول الشاعر في وصف امرأة أو في وصف جيد امرأة. يقول:

    وجيد كجيد الريم ليس بفاحش ....... إذا هي نصته ولا بمعطل
    بمعطل يعني: خال من الحلي فهذا أصله،
    فإذا ًالإخلاء هذا هو التعطيل، ومعنى قول الله جل وعلا: { وبئر معطلة } أي: خالية من الماء؛ لأنه لم يستفد منها أو لم تحفر ويُعتنى بها لإخراج الماء، تعطيل النصوص، تعطيل الصفات، تعطيل الله جل وعلا عن صفاته، هذه بمعنى إخلاء الله جل وعلا عن الوصف عن أوصافه يعني نفي الصفات وجعل الله جل وعلا ليس متصفا بالصفات، والتعطيل عند العلماء أقسام أشهرها ثلاثة، وهي:
    أولاً: تعطيل المخلوق عن خالقه، يعني إخلاء المخلوق عن أن يكون مخلوقاً بنفي أن يكون ثَمَّ خالق له كقول الملاحدة.
    الثاني: تعطيل الخالق عن أوصافه التي وصف بها نفسه أو وصفها بها رسله.
    الثالث: تعطيل الخالق عن استحقاقه العبادة وحده لا شريك له.
    والأول بحثه في توحيد الربوبية، والثاني بحثه في توحيد الأسماء والصفات، والثالث بحثه في توحيد الألوهية فإذاً التعطيل دخل فيه أنواع التوحيد.
    فإذا كان تعطيلاً للمخلوق عن الخالق صار ذلك نفياً لتوحيد الربوبية، إذا كان تعطيلاً للخالق لله عن أوصافه صار تعطيلاً ونفياً للأسماء والصفات، إذا كان تعطيلا للخالق عما يستحقه من عبادته وحده دونما سواه صار تعطيلاً في الألوهية،
    هنا المقصود الثاني إذاً المقصود بالتعطيل أن يُعطل اللهُ جل وعلا عن أوصافه، يعني أن يصف نفسه بصفة، أن يصفه رسوله صلى الله عليه وسلم بصفة فيخلى اللهُ جل وعلا من هذه الصفة يعني كأن لم يصف نفسه بذلك الوصف وكأن لم يصفه رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك الوصف، فإنَّ وصف الله جل وعلا نفسه جلبٌ لهذه الصفة له جل وعلا لنعلمها لأننا لم نعلم أنه جل وعلا متصف بهذه الصفة فأخبرنا الله بأنه متصف بهذه الصفة، فصار إثباته جل وعلا لنفسه هذه الصفة، هذا زيادة علم عما كان عندنا من قبل فإذا نفيت صار ذلك إخلاء لله جل وعلا عن الوصف، فصار تعطيلاً، فإذن يدخل في المعطلة الذين ينفون وصف الله جل وعلا بكل الصفات كفعل الجهمية، ويدخل فيهم الذين ينفون أوصاف الله جل وعلا غير الثلاث صفات المشهورة، وهي عند المعتزلة، كذلك يدخل فيه الذين يعطلون الله جل وعلا عن الاتصاف بغير سبع الصفات المشهورة عند الكلابية ومن تبعهم من الأشاعرة والماتريدية، وهذا باب واسع يأتي إن شاء الله تفصيله.
    فإذن كل من لم يصف الله جل وعلا بما وصف به نفسه بأن حرَّف أو أوَّل، أخلى الله جل وعلا عن الوصف اللائق به كما أخبر، منع الأخذ بظواهر النصوص فإن هذا يُعدُ تعطيلاً، أهل السنة يخالفون المبتدعة الذين يعطلون.
    فإذن إيمان المعطل بالنص، هل هو حقيقة أم دعوى؟
    هو دعوى؛ فالأشعري والماتريدي والمعتزلي والإباضي والرافضي وأشباههم، يقولون: نؤمن بالنصوص لكنهم يعطلون النصوص عن معانيها ويجعلون هذه المعاني للنصوص في الصفات راجعة إلى الأوصاف التي يثبتونها, فالجهمي: يُرجع كل صفة إلى صفة الوجود, بجعل الأوصاف والأسماء أثرا لصفة الوجود, المعتزلي: يجعل الصفات والأسماء من آثار الصفات الثلاث التي يثبتها, الأشعري والماتريدي والكلابي: يجعل كل صفة راجعة إلى الصفات السبع التي يثبتها، فمثلاً: صفة النـزول لله جل وعلا ينفيها أولئك فالأشعري يفسرها, يقول: نؤمن بأنه ينـزل لكن نزوله ليس نزولاً حقيقياً وإنما هو نزول الرحمة, نزول الإجابة، إجابته جل وعلا للداعين في هذا الوقت المتأخر من الليل، فهم يجعلون الصفة راجعة إلى الصفات التي يثبتونها، فالرحمة مثلاً عندهم: إرادة الإحسان، لما؟ لأنهم يجعلون من الصفات السبع صفة الإرادة. الغضب عندهم: إرادة الانتقام،لم؟ لأن الإرادة عندهم من الصفات السبع وهكذا فكل صفة يعطلونها عن معناها الذي دلت عليه اللغة،يقولون نؤمن بالنص
    لكن نجعل هذه الصفة معناها أحد الأوصاف السبعة التي أثبتناها. وهذه الأوصاف السبعة لإثباتهم لها، وسبب ذلك مزيد تفصيل يأتي في مكانه إن شاء الله تعالى من هذه الرسالة المباركة.
    قال: ( ومن غير تكييف ) هنا لاحظ أنه كرر ( من غير )، (من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل)، والسبب في ذلك أن التحريف والتعطيل متقاربان، وكذلك التكييف والتمثيل متقاربان، لكن التكييف والتمثيل غير التحريف والتعطيل فالتكييف والتمثيل يدخل فيه المجسمة, والتحريف والتعطيل يدخل فيه المعطلة,
    ولهذا قال العلماء:
    المعطل
    يعبد عدماً، والمجسم يعبد صنماً, لما؟ لأنه جسم, تخيل إلهه على نحو ما فعبد هذا المتخيل، فصار المتخيل صورة فصار صنماً, أما المعطل فيعبد عدماً؛ لأنه يعبد إلهاً ليس له صفة أو ليس له أسماء أو نعوت فهو يعبد عدماً، فإذا كان لا يصف الله بشيء فهذا يعبد العدم المحض كفعل الجهمية وهكذا.
    قال: (من غير تكييف)، التكييف من كيّف الشيء يكيفه تكييفاً إذا جعل له كيفية. والتكييف معناه أن يجعل لصفة الله جل وعلا كيفية, قد تكون هذه الكيفية معلومة المثال وقد لا تكون معلومة المثال، مثلاً: يجعل اتصاف الله جل وعلا باليد على مثال يعلمه يجعل الكيفية على نحو ما، يقول مثلاً: الله جل وعلا استوى على العرش،كيفية الاستواء كذا وكذا، قد يكون يكيفها بما عهد فيكون تمثيلاً وقد يكيفها بشيء خيال في ذهنه فيعد تكييفاً من غير مثال، ما المقصود هنا بهذا الموضع بالتكييف, لما عطف عليه التمثيل بالواو والواو تقتضي المغايرة؟ دل على أنهم يريدون بالتكييف، التكييف على غير مثال معلوم يعني يخترع له كيفية لا مثال لها وإن كان التمثيل يدخل في التكييف لكنه لما عطف بالواو علمنا أنه يريد بالتكييف غير التمثيل، وأن التمثيل له وصف والتكييف له وصفه، فكيف يكون التكييف؟، مثلاً:يتخيل صورة ليد الله جل وعلا،يتخيل صورة لاستواء الله جل وعلا،يتخيل صورة وحالاً لنـزول الله جل وعلا، يتخيل صورة لغضب وحالاً لغضب الله جل وعلا، هذا كله تكييف، يعني جعل للصفات كيفية، وهذا هو التكييف الذي سلكه طائفة من المجسمة، لأن المجسمة على قسمين: مجسمة مكيفة, ومجسمة ممثلة،
    منهم مجسمة مكيفة جعلوا لله جل وعلا كيفية اخترعوها في أذهانهم ليس لها مثال ومنهم من جعله جل وعلا جسماً على مثال يعلمونه مثل مخلوق أو نحو ذلك، هذا معنى التكييف، ونفيه لا شك أنه من أعظم المعلومات التي يعلمها المؤمن أنه إذا وصف الله جل وعلا يصفه بصفة يؤمن بمعناها ولا يعلم كيفيتها،ولهذا قرر الإمام مالك هذه القاعدة، آخذاً لها من قوله جل وعلا: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }, فقال لمن سأله عن الاستواء: ( الاستواء معلوم والكيف غير معقول ) , وهذه أثبت من الرواية الأخرى التي فيها: ( الكيف مجهول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة ) الاستواء معلوم يعني في اللغة: معلوم المعنى وأن معنى الاستواء العلو والارتفاع، والكيف غير معقول لا تعقل لا تُعقل كيفية استواء الله جل وعلا فإيمان المؤمن باستواء الله جل وعلا إيمان معنى لا إيمان كيفية؛ لأنه إيمان بما دل عليه ظاهر اللفظ أما الكيفية فإن قلب المؤمن قد انقطعت علائقه، انقطع طمعه، وانقطع طلبه للدرك والإدراك لكيفية الاتصاف فإن هذا لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وهذه قاعدة تقولها في كل صفة، إذا قيل لك كيف النـزول؟ قلت: النـزول معلوم، والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، كيف غضب الله جل وعلا؟، تقول: الغضب معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. كيف الاستواء؟، كيف الرضا؟، كيف الأسف؟،كيف الرحمة؟،كيف المجئ؟، كيف الإتيان؟، ونحو ذلك كل هذا، هذه معلومة المعنى لكن كيفياتها غير معقولة.
    قال هنا: ( ولا تمثيل ) التمثيل: من مثل يمثل تمثيلاً، إذا جعل للشيء مثالاً، وقد ذكرت لك أن التمثيل في الأصل نوع من التكييف، لكن هنا أفرده فصار قسيماً للتكييف، صار التكييف شيئاً والتمثيل شيئاً آخر، فما المراد بالتمثيل؟ أن يجعل لصفة الله جل وعلا مثالاً يعلمه، يجعل اتصاف الله جل وعلا باليد على نحو اتصاف المخلوق بها، يجعل اتصاف الله جل وعلا بالغضب على نحو اتصاف المخلوق به، يجعل اتصاف الله جل وعلا بالنزول على نحو اتصاف المخلوق به, ولهذا تجد أن كل معطل ممثل؛ لأنه لم يعطل إلا وقد استحضر التمثيل قبل أن يعطل فإذا سألت المعطل الذي نفى لما عطلت؟ لم قلت في النزول تنزل رحمة الله؟ لِمَ لم تقل ينزل الله كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الذي هو أعلم الخلق بربه؟ قال: هذا غير معقول، هذا يستحيل كيف ينـزل؟! هذا يقتضي التشبيه فهو استحضر أو ظن أن ظاهر النص هو التمثيل فمثّل أولا ثم نفى ثانياً, ولهذا يقول العلماء: كل محرف أو معطل لنصوص الصفات فقد مثل وعطل فالممثل والمكيف خير من المعطل؛ لأنه إنما وقع في شر واحد وبدعة واحدة وهي التمثيل والتكييف
    أما المعطل المحرف النافي للصفات فقد مثل باطناً ثم عطل ظاهراً، قام بقلبه بالتمثيل أن الله جل وعلا في هذه الصفة مثل المخلوق كيف يد الله جارحة!! يتكلم بحرف وصوت، معنى ذلك يلزم اللسان واللهاة... إلى آخره فاستحضر التمثيل يعني ظن، فهم من النص أنه يدل على التمثيل فمثل ثم بعد ذلك نفي هذا وعطل. نسأل الله جل وعلا العافية.
    قال هنا: (ولا تمثيل)، ولهذا التمثيل من فعل المجسمة، كذلك التكييف من فعل المجسمة، والمجسمة والمعطلة أعداء لأهل السنة والجماعة؛ لأن أهل السنة والجماعة يؤمنون بالنصوص، لا يمثلون ولا يجسمون ولا يعطلون ولا يحرفون، بل يثبتون النصوص على ما دلت عليه

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •