سيرة ومسيرة:سلطان العلماء..العز بن عبد السلام
محمد ديرا

يعتبر الإمام العز بن عبد السلام من أبرز الشخصيات التي عرفها القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، فهو الإمام والفقيه والعالم المتبحر في مختلف علوم الشريعة، وهو القائم في وجه الظلم والطغيان، وهو الذي لم يكن يخاف سلطانا ولا ملكا بل كانت السلاطين والملوك تهابه وتخشاه، وهو المحبوب لدى كل الناس.
مولد الإمام وطفولته
ولد الإمام العز (المغربي الأصل) بمدينة دمشق سنة 577 هجرية لأسرة فقيرة حيث فتح عينيه على حياة القلة والحرمان، كان أبوه فقيرا جدا وكان العز يساعده في أعماله الشاقة كإصلاح الطرق وحمل الأمتعة، توفي الأب وبقي الابن يتخبط في فقره الشديد فذهب ليعمل في نظافة الجامع الأموي بدمشق وحراسة نعال المصلين التي يتركونها أمام الباب، ولأنه لم يكن لديه بيت يأوي إليه فقد كان يتخذ من إحدى زوايا المسجد مكانا للنوم والمبيت. كان الطفل وهو يقوم بأعماله الشاقة والمتعبة يصل إلى سمعه كلام الشيوخ في حلقات الدرس والعلم التي كانت تعقد في المسجد، وكان دائماً يمني النفس بحضورها، وحين حضرها يوماً تعرض للطرد والتوبيخ " يا الله! أهذه طفولة العز بن عبد السلام العالم الكبير والناصح الأمين الذي كانت تهابه السلاطين والملوك؟!".
كان العز - رحمه الله - يبكي لهذا الموقف وحُقَّ له أن يبكي، وكان يتألم وحُقَّ له أن يتألم، وذات مساء شاهده الشيخ الفخر ابن عساكر وهو يبكي وكان صاحب حلقة علمية في المسجد، فسأله ما يبكيك؟ فأخبره بما حصل، فوعده الشيخ بأن يبدأ رحلة طلب العلم من الغد وألحقه بالمسجد على نفقته الخاصة ليبدأ تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم.
المسار العلمي للعز
مضت الأيام وتمكن العز من حفظ القرآن الكريم، وأُعجب الشيخ بذكاء الطفل ونجابته فانتقل به إلى حلقته العلمية، لزم العز شيخه ابن عساكر، وواصل الليل بالنهار في طلب العلم وبقي على هذا الحال حتى أصبح من فطاحل العلماء في المذهب الشافعي، ثم عكف على دراسة علوم الحديث والأصول والتفسير واللغة وغيرها، ولم يكتف بدمشق وعلمائها بل رحل إلى بغداد قبلة العلم والعلماء، ليعود بعد ذلك إلى دمشق وقد صار عالماً إماماً متبحراً في مختلف علوم الشريعة حتى لقبه تلميذه الكبير ابن دقيق العيد بـ"سلطان العلماء".
العز خطيباً في الجامع الأموي
تصدر الإمام العز بن عبد السلام للإفتاء والقضاء، كما تولى التدريس والخطابة بالجامع الأموي الكبير، وهو المسجد الذي كان ينام في زاويته ويعمل به حارسا لنعال المصلين! كان العز - رحمه الله - خطيبا بارعا يؤثر في مستمعيه بصدقه، وغزارة علمه، وسلاسة أسلوبه، ووضوح أفكاره، وقد عُرف عنه أنه كان لا يسكت عن خطأ أو منكر، كما كان قوالا للحق لا يخاف في الله لومة لائم، وقد كانت مواقفه تسبب له العديد من المضايقات، لكنه ظل صامدا غير مهتم لأنه كان يرى أن ذلك يدخل في إطار مهمته ورسالته التي أنيطت به كعالم.
الأحداث السياسية التي عاصرها العز
عاصر الإمام العز أحداثاً سياسية هامة منها السار ومنها المؤلم، فقد أدرك إمامنا الانتصار الكبير لصلاح الدين الأيوبي على الصليبيين واسترجاعه لبيت المقدس سنة 583 هـ، أدرك دولة الأيوبيين في أوج قوتها وأيام ضعفها، وأدرك دولة المماليك في نشأتها وقوتها كذلك، عاصر بعض الحملات الصليبية على فلسطين ومصر، وأدرك غارة التتار على الدولة العباسية في بغداد، وشاهد كذلك هزيمة التتار في عين جالوت بفلسطين بقيادة سيف الدين قطز حاكم مصر، بل كان أحد صانعي هذا الانتصار التاريخي الكبير.
عاصر شيخنا كل هذه الأحداث فأثرت فيه، وراعَه تفتت الدولة الأيوبية القوية (وهي التي قهرت الصليبيين) إلى دويلات عندما اقتسم أبناء صلاح الدين الدولة بعد وفاته: فدويلة في مصر، ودويلة في دمشق، ودويلة في حلب، ودويلة في حماة، وأخرى في حمص، ودويلة فيما بين النهرين، وبين حكام هذه الدويلات الكثير من الأحقاد والدسائس في الوقت الذي كان فيه الصليبيون على الأبواب والتتار يستعدون للانقضاض على الشام ومصر.
في خضم كل تلك الأحداث عاش الإمام العز بن عبد السلام، لكن تأثيره كان حاضراً وقوياً في كل مراحل الصراع بمده وجزره.
الإمام العز وجها لوجه مع الملك إسماعيل الأيوبي
تخوف الملك إسماعيل الأيوبي حاكم دمشق من أن ينتزع منه ابن أخيه نجم الدين أيوب حاكم مصر مدينة دمشق فأرسل إلى الصليبيين وتحالف معهم ضده، وقد كان من شروط هذا التحالف أن يمنحهم مدن صيدا والشقيف والصفد وأن يسمح لهم بشراء السلاح من دمشق مقابل أن يخرجوا معه في جيش واحد لغزو مصر. فما موقف العز من هذه الخيانة العظمى؟.
وقف الإمام الجليل رافضا لهذا المنكر، فأراضي المسلمين ليست ملكا للحاكم ولا لأبيه أو أمه حتى يهبها لمن يشاء، كما أنه حَرَّمَ على صناع الأسلحة بيع السلاح للصليبيين لأنها موجهة إلى صدور المسلمين في مصر. وقف الإمام على منبره في خطبة الجمعة يستنكر هذه الفعلة الشنيعة وهذا الجرم العظيم بحضور والي دمشق " على اختلاف الروايات فهناك من يقول بأن الوالي كان خارج دمشق" فأصدر أمره بعزل العز عن الخطابة واعتقاله، لكن أفرج عنه بعد سلسلة من الحوارات.
قرر العز الهجرة إلى مصر فالتقى به الملك الناصر داود الذي كان متحالفاً مع الملك إسماعيل ضد حاكم مصر فأخذه معه إلى نابلس لأنه كان يعلم أن في ذهاب العز إلى مصر خطراً عليهما، دخل العز بيت المقدس فصادف دخوله إليها دخول الملك إسماعيل مع جيشه وحلفائه الصليبيين وهم في طريقهم إلى مصر، ولما علم السلطان بوجود العز بعث إليه أحد وزرائه وطلب منه العودة إلى دمشق، ثم قال له: "بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وإلى ما كنت عليه وزيادة أن تنكسر للسلطان وتعتذر إليه وتقبل يده لا غير، فقال العز في شموخ وعزة وإباء: والله يا مسكين ما أرضى أن يقبل السلطان يدي فضلا عن أن أقبل يده، يا قوم أنتم في واد وأنا في واد، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به، فقال له الوزير: قد أمرني السلطان بذلك، فإما أن تقبله وإلا اعتقلتك، فقال: افعلوا ما بدا لكم! "، واعتقله جنود السلطان وظل في سجنه حتى جاءت الجيوش المصرية وخلصته من الاعتقال.
الإمام العز في مصر
بعد إطلاق سراحه توجه الإمام العز إلى مصر التي وصلها سنة 639هـ فرحب به الملك الصالح نجم الدين ووَلَّاه الخطابة والقضاء، لكن ورغم حفاوة الاستقبال والمناصب الهامة التي تولاها في مصر فقد التزم بمنهجه الذي لم يحد عنه وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقول كلمة الحق في وجه من كان، وعموما فمن تجري وراءه المناصب والكراسي ليس كمن يجري هو وراء المناصب والكراسي، فالأول مستعد لأن يبيعهما ليشتري رضا الله، والثاني مستعد لأن يشتريهما ولو أدى ذلك إلى بيع رضا الله.
ويمكن أن نذكر هنا واقعة من الوقائع التي حصلت للعز مع حاكم مصر كمثال على ذلك:
بلغ إلى علم الإمام أن حانة تبيع الخمور في القاهرة، وبعد أن تأكد من ذلك خرج إلى نجم الدين أيوب فشاهد العساكر مصطفين حوله وقد خرج على قومه في زينته ومظاهر البذخ بادية عليه، فالتفت الشيخ الجليل الصادح بالحق إلى السلطان وناداه: "يا أيوب، ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوئ لك ملك مصر ثم تبيح الخمور؟ فقال السلطان: هل جرى هذا؟ فقال الشيخ: نعم، الحانة "الفلانية" تباع فيها الخمور وغيرها من المنكرات، فقال الوالي: يا سيدي لم أفعل هذا إنه من زمن أبي، فقال الإمام: أنت من الذين يقولون إنا وجدنا آباءنا على أمة؟ فأمر السلطان بإزالة تلك الحانة، وعندما شاع خبر ما حصل سأله أحد تلاميذه عن موقفه الشجاع قائلا: "يا سيدي كيف قلت له ذلك؟ فقال له العز: يا بني رأيته في تلك العظمة فأردت أن أهينه لئلا تكبر نفسه فتؤذيه، فقال تلميذه: أَمَا خفته؟ فقال: والله يا بني استحضرت هيبة الله - تعالى -فصار السلطان قُدامي كالقط".
نعم هذه! هي الهيبة من الله والخوف من الله واستحضار الوقوف بين يدي الله، تلك هي الكفيلة لأن يؤدي كل فرد عمله بأمانة وإخلاص ومسئولية سواء كان حاكما أم وزيرا أم عالما أم....
الإمام العز في وجه التتار
كانت للإمام العز مواقف كبيرة في جهاد التتار، فقد رفض أن يتحمل الشعب لوحده نفقات الجهاد وهو يعلم أن السلطان ورجاله لديهم من الأموال ما يكفي لذلك، فقال: إذا هجم العدو على بلاد المسلمين وجب قتالهم وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء، وأن يؤخذ كل ما لدى السلطان والأمراء من أموال وذهب وجواهر وحلي، وأما أخذ أموال الناس مع بقاء ما عند السلطان والأمراء من الأموال فلا.
شارك إمامنا العز بنفسه في الجهاد ضد التتار، وقد كان دائما يحرض السلطان قطز على حربهم حتى كتب لهم الله - تعالى -النصر عليهم في عين جالوت سنة 658هـ.
وفاته رضي الله عنه
ويستمر العز بعلمه وهيبته وحب الناس له ناصحا مجاهدا قوالا للحق لا يخاف في الله لومة لائم إلى أن وافته المنية وهو يبلغ من العمر ثلاثا وثمانين سنة. شاهد الملك بيبرس جنازة الإمام الضخمة فقال لبعض خاصته: "اليوم استقر أمري في الملك، لأن هذا الشيخ لو قال للناس اخرجوا عليه لانتزع الملك مني".
رحمك الله يا ابن عبد السلام فقد كنت سلطانا فوق السلاطين كنت سلطان العلماء.
ـــــــــــــــ ـــــــــــــ
بعض المراجع المعتمدة في المقال:
- العز بن عبد السلام، حياته وآثاره ومنهجه في التفسير، عبد الله بن إبراهيم الوهيبي، الطبعة الثانية، 1982.
- حياة سلطان العلماء العز بن عبد السلام، محمود شلبي، دار الجيل، الطبعة الأولى.
- العز بن عبد السلام: سلطان العلماء وبائع الملوك، محمد الزحيلي، الدار الشامية للطباعة والنشر والتوزيع،، الطبعة الثانية، 1998.
- موقع الدكتور راغب السرجاني "قصة الإسلام".