ثلاث شبهات داحضة على معاوية وعمرو بن العاص ...
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
أما بعد :

فإن ابن عقيل الحضرمي في كتابه الخبيث النصائح الكافية لمن يتولى معاوية نال من عمرو بن العاص أيضاً وقد أرسل لي أحد الأخوة ثلاث شبهات من شبهاته الساقطة وهذه الشبهات هيجت لي شجوناً ، وفتحت علي فتوحاً
ولما كان عدنان إبراهيم معتداً بهذا الكتاب ناصحاً به أغراني نشر الجواب على هذه الشبهات لتعم الفائدة جعلنا الله من جنده المخلصين
الشبهة الأولى : قال البزار في مسنده 4509- وحدثنا عباد بن يعقوب الكوفي قال : نا محمد بن فضيل بن غزوان قال : نا يزيد بن أبي زياد عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبي هلال العكي عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى رجلين في أحد يتمثلان شعرا في حمزة
تركت حوريا تلوح عظامه زوى الحرب عنه أن يجن فيقبرا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم اركسهما في الفتنة ركسا وادعهم إلى العذاب دعا " .
وسليمان بن عمرو بن الأحوص روى عنه يزيد بن أبي زياد وغيره وأبو هلال العكي فرجل غير معروف

ورد في بعض الروايات أن هذين الرجلين هما معاوية وعمرو بن العاص وقد كفانا البزار مؤنة بيان العلة فالعكي مجهول تلميذه كذلك يزيد بن أبي زياد شيعي مختلط
وقد استنكر عليه ابن عدي هذا الحديث بعينه وكذا ابن حبان
واستنكره الذهبي في الميزان وكذا السير
وقال المعلمي في تعليقه على الفوائد المجموعة :" لكنه مظنة رواية الموضوع، فإن معنى قبول التلقين أنه قد يقال له: أحدثك فلان عن فلان بكيت وكيت؟ فيقول: نعم حدثني فلان ابن فلان بكيت وكيت. مع أنه ليس لذلك أصل، وإنما تلقنه، وتوهم أنه من حديثه. وبهذا يتمكن الوضاعون أن يضعوا ما شاءوا ويأتوا إلى هذا المسكين فيلقنونه فيتلقن ويروي ما وضعوه. وشيخ يزيد في هذا الخبر سليمان بن عمرو بن الأحوص، مجهول الحال، كما قال ابن القطان، ولا يدفع ذلك ابن حبان له في الثقات. ولا أرى البلاء إلا من يزيد، فإنه من أئمة الشيعة الكبار والراوي عنه لهذا الخبر شيعي، وله عنه خبر آخر باطل، وإذا كان من أئمة الشيعة فلا بدع أن يستحوذ عليه بعض دجاجلتهم فيلقنه الموضوعات، وجاء من وحه آخر عن يزيد هذا عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن المطلب بن ربيعة، وسنده مظلم، وفيه عمرو بن عبد الغفار الفقيمي رافضي متهم، ولم يسم الرجلين في هذه الرواية"
وحاول السيوطي دفع الإشكال بأن الخبر روي فيه تسمية رجلين غير معاوية وعمرو ولكن طرق الحديث كلها واهية فلا داعي لهذا
وتأمل كيف يدعون التحقيق والتدقيق ثم يحتجون بروايات شيعي مضعف يروي عن مجاهيل وهم ينكرون الصحاح المتواترة أعني أمثال عدنان إبراهيم
وقد ولى النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في حياته على الصحابة في ذات السلاسل ولا يعقل أن يولي النبي صلى الله عليه وسلم منافقاً أو عديم دين على المهاجرين والأنصار
قال أحمد في مسنده 8641 - حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، وَأَبُو كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَعْنِي قَالَ: «ابْنَا الْعَاصِ مُؤْمِنَانِ» هِشَامٌ، وَعَمْرٌو
وهذا الحديث إسناده أقوى من ذلك الخبر المستنكر
وقال أحمد في مسنده 17955- حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ ، ذَاكَ اللَّخْمِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، يَقُولُ : قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عَمْرُو اشْدُدْ عَلَيْكَ سِلاَحَكَ ، وَثِيَابَكَ ، وَأْتِنِي فَفَعَلْتُ فَجِئْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ ، فَصَعَّدَ فِيَّ الْبَصَرَ وَصَوَّبَهُ ، وَقَالَ : يَا عَمْرُو ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ وَجْهًا ، فَيُسَلِّمَكَ اللَّهُ وَيُغْنِمَكَ ، وَأَزعَبُ لَكَ مِنَ الْمَالِ زَعبَةً صَالِحَةً ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَمْ أُسْلِمْ رَغْبَةً فِي الْمَالِ ، إِنَّمَا أَسْلَمْتُ رَغْبَةً فِي الْجِهَادِ ، وَالْكَيْنُونَة ِ مَعَكَ ، قَالَ : يَا عَمْرُو ، نَعِمَّا بِالْمَالِ الصَّالِحِ ، لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ.
وهذا إسناد صحيح
وقال الروياني في مسنده 213 - نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَسْقَلَانِي ُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، نا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو الْمَعَافِرِيِّ ، عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ»
وقد الخبر روي من حديث ابن لهيعة وهو ضعيف يتشيع لهذا ذكرت خبره حجة على القوم فلماذا يقبل خبر يزيد عن مجاهيل ولا يقبل خبر ابن لهيعة عن ثقات وكلهم في رتبة واحدة
وأما الفتن التي وقعت بين بعض الصحابة فقد رأينا طلحة والزبير وعائشة وكلهم مبشر بالجنة في غير صف علي بن أبي طالب فليربع المرء على نفسه ويتقي الله في أعراض الكرام
الشبهة الثانية : قال الطبراني في مسند الشاميين حدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا سعيد بن عفير ، حدثنا سعيد ابن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن يعلى بن شداد بن أوس ، عن أبيه ، أنه دخل على معاوية ، وعمرو بن العاص معه ، فجلس شداد بينهما ، وقال : هل تدريان ما يجلسني بينكما ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول: "إذا رأيتموهما جميعا ففرقوا بينهما ، فوالله ما اجتمعا إلا على غدرة"
فهذا خبر انفرد به يحيى بن عثمان وبينه وبين شداد خمسة أنفس !
ويحيى بن عثمان هذا شيعي مضعف قال عبد الرحمن بن أبى حاتم : كتبت عنه و كتب عنه أبى ، و تكلموا فيه .
و قال مسلمة بن قاسم : يتشيع ، و كان صاحب وراقة ، يحدث من غير كتبه ، فطعن فيه لأجل ذلك . اهـ .
وفي سنده شداد بن عبد الرحمن مجهول إنما ذكره ابن حبان في الثقات وتساهله معروف
وأما أبوه فلا يعرف البتة ولا ذكر له حتى في تراجم ابنه ولعل الآفة منه
الشبهة الثالثة : قال الطبري في تاريخه حدثني عبدالله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثني سليمان قال قرأت على عبدالله عن فليح قال أخبرت أن عمرو بن العاص وفد إلى معاوية ومعه أهل مصر فقال لهم عمرو أنظروا إذا دخلتم على ابن هند فلا تسلموا عليه بالخلافة فإنه أعظم لكم في عينه وصغروه ما استطعتم فلما قدموا عليه قال معاوية لحجابه إني كأني أعرف ابن النابغة وقد صغر أمري عند القوم فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم أشد تعتعة تقدرون عليها فلا يبلغني رجل منهم إلا وقد همته نفسه بالتلف فكان أول من دخل عليه رجل من أهل مصر يقال له ابن الخياط فدخل وقد تعتع فقال السلام عليك يا رسول الله فتتابع القوم على ذلك فلما خرجوا قال لهم عمرو لعنكم الله نهيتكم أن تسلموا عليه بالإمارة فسلمتم عليه بالنبوة
قال ولبس معاوية يوما عمامته الحرقانية واكتحل وكان من أجمل الناس إذا فعل ذلك شك عبدالله فيه سمعه أو لم يسمعه

وهذه الشبهة من أسقط ما يكون لأن الراوي يقول ( أخبرت ) فلا يعرف من أخبره ثقة أم ضعيف أم كذاب
وهو نفسه لم يدرك تلك الحقبة ففليح من أتباع التابعين
وإذا كان عدنان يقيس الرواية على الشهادة فلا يقبل خبراً في الأحكام بزعمه إلا من طريقين فكيف يقبل رواية تنسب لمسلم أمراً كهذا برواية مجهول قاتل الله الهوى
وإن مما لا يعرفه كثير من المسلمين عن عمرو بن العاص أنه كان صاحب قيام ليل وصيام وأنه كان يعظ الناس في الزهد
قال أحمد في مسنده (17765) 17917- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَحَجَّاجٌ ، قَالاَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، أَنَّهُ قَالَ : أُسِرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ : فَجَعَلَ عَمْرٌو يَسْأَلُهُ يُعْجِبُهُ أَنْ يَدَّعِيَ أَمَانًا ، قَالَ : فَقَالَ عَمْرٌو : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ.
هذه الرواية على جهالة راو فيها أصح من كل الروايات التي تملأ كتب التواريخ وفيها تهاويل وكذب فعمرو حاول أن يدعي محمد أماناً لكي يقنع من حوله بعدم قتله
وقال أحمد في مسنده (17771) 17923- حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا مُوسَى ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي ، يَقُولُ : حَدَّثَنِي أَبُو قَيْسٍ ، مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ ، وَقَلَّمَا كَانَ يُصِيبُ مِنَ الْعَشَاءِ أَوَّلَ اللَّيْلِ ، أَكْثَرَ مَا كَانَ يُصِيبُ مِنَ السَّحَرِ.
قَالَ : وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ فَصْلاً بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، أَكْلَةُ السَّحَرِ

قال أحمد في مسنده (17773) 17925- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي ، يَقُولُ : سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِصْرَ يَقُولُ : مَا أَبْعَدَ هَدْيَكُمْ مِنْ هَدْيِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَمَّا هُوَ فَكَانَ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَرْغَبُ النَّاسِ فِيهَا
وهذه أخبار صحاح
ومن إنصافه أنه حدث بحديث في فضل عمار وتأول في ذلك القتال كما أن علياً حدث بأن قاتل الزبير في النار مع أنه كان بينهما قتال ولكن أهل الجهل لا ينصفون
هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

كتبه / عبدالله الخليفي