مفردات ابن حزم الفقهية


عن المذاهب الأربعة في فُرَق النكاح

شكر وتقدير:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونسترشده، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه.
أما بعد:
فإني أشكر الله أولًا وأخيرًا، وفي كل حين ووقت، بنعمته عليّ بإتمام هذا البحث المتواضع، ثم أتقدَّم بالشكر الجزيل لأستاذي وشيخي الفاضل المربي العلَّامة رئيس جامعة الإيمان: عبد المجيد بن عزيز الزنداني، وأخصُّ بالشُّكرِ الجزيل أستاذي فضيلة الأستاذ الدكتور: صالح بن عبدالله الظبياني، المشرف على رسالتي هذه، الذي لم يدَّخر جهدًا في إبداء توجيهاته القيمة، وملاحظاته الدقيقة والسديدة، فكان لي خير عون ومرشد وموجِّه، في سبيل إتمام هذا البحث، فشكر الله له ذلك وأحسن إليه،كما أشكر لجنة المناقشة المكوَّنة من الشيخين الفاضلين الدكتور: أمين علي مقبل.
والدكتور: سعيد منصور موفعه، على قبولهما مناقشة هذا البحث المتواضع، وعلى ما سيقدمانه لي من ملاحظات سديدة، وجواهر فريدة، آخذها بعين الاعتبار إن شاء الله تعالى.
وأختم شكري الجزيل إلى كل من أسهم معي في سبيل إتمام هذا البحث، وبذل جهده ووقته، سواء كان بتوجيه أو مشورة، أو بإعارة كتاب أو بطباعة، أو غير ذلك، والله العظيم أسأل أن يجزي الجميع خيرًا، وأن يوفقهم لما يحبه ويرضاه.
المقدمة:

واشتملتْ على أهمية البحث، وهدفه، مع سبب اختياره.
الحمد لله الذي شرح صدور العلماء العاملين، ووفق من لطف به واختاره من العباد للتفقه في الدين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فالفقه الإسلامي ثروة ضخمة لا تقدر بثمن، أدلى فيه كل فقيه بدلوه، وحظي منه كل مجتهد بنصيب، فبرز فيه أئمة أعلام مجتهدون، فمنهم من يسر الله له تدوين آرائه، ونشر مذهبه، ومنهم من لم يتيسر له ذلك، حتى أصبح رأيه لا يذكر إلا في مجال المقارنة أو في معرض النقد، أو عند تعضيد رأي فقيه مشهور، ومن ضمن ذلك آراء ومذهب الإمام ابن حزم الظاهري رحمه الله، الذي دون آراءه، ولم يكن لمذهبه سعة الانتشار والشهرة، كمذاهب الأئمة الأربعة، مع كونه من أكابر مجتهدي هذه الأمة.
ولمّا كانت هذه الآراء والأقوال لها قيمتها ووزنها وأثرها في الواقع الإسلامي، والتي لا تقل عما انتشر واشتهر، بل ربما تفوقها أحيانًا قوة ورجاحة؛ لذا أحببت في هذا البحث المتواضع إظهار ومناقشة هذه الآراء مع مقارنتها بأقوال وآراء المذاهب الأربعة، وقصرتُها على فُرق النكاح، لما لها من أهمية كبيرة في حياتنا العملية، كونها تتعلق ببناء المجتمع وأساسه "الأسرة"، ولما نعايشه ونعاصره ونراه من مشكلاتٍ أسرية بين الحين والآخر، يقف الإنسانُ حائرًا إزائها خاصة حينما يرى الاختلاف والتباين في أقوال الفقهاء والأئمة، في مسائل فُرق النكاح، والحكم عليها.منهجية البحث:اعتمدت في طريقة بحثي على ما يلي:
1) المنهج الاستقرائي في الرجوع إلى كتاب المحلى شرح المحلى لابن حزم الظاهري، واستخراج الآراء والأقوال التي انفرد بها عن المذاهب الأربعة في فُرق النكاح، وترتيبها حسب أبواب الفقه
2) عرض ما انفرد به ابن حزم من المباحث على الكتب والمصادر المعتمدة في الفقه المقارن، ثم التأكد من أقوال المذاهب الأربعة كلًا على حده من المصادر المعتمدة في المذهب.
3) ذكر المبحث أو المطلب على هيئة سؤال أو عنوان (التي انفرد بها ابن حزم) وتعريفها ابتداءً إن أمكن, ثم أقوال المذاهب الأربعة مع قول ابن حزم، ثم ذكر سبب الخلاف، ثم أدلة كل قول مع وجه الاستدلال إن أمكن، ثم مناقشة أدلة الفريقين مع الترجيح.
4) الإشارة إلى الآيات القرآنية بذكر رقمها وسورها في كتاب الله عز وجل.
5) تخريج الأحاديث والآثار التي احتج بها الفقهاء.
6) الرجوع إلى المصادر القديمة التي عنيت بالتراجم والوفيات، واستخراج ترجمة مختصرة للإمام ابن حزم الظاهري، ثم الترجمة للأعلام عدا الخلفاء الراشدين والأئمة الأربعة لشهرتهم.
7) ذكر خاتمة موجزة، ذكرت فيها نتائج البحث، ثم فهارس عامة للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، و الآثار، والأعلام، والمصادر، وختامًا فهرس لموضوعات البحث.والحمد لله رب العالمين.
♦ ♦ ♦

خطة البحث:
قسمت البحث إلى مقدمة و أربعة فصول وخاتمة:
الفصل الأول: دراسة شخصية الإمام ابن حزم الظاهري، وفيه خمسة مباحث:المبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه.
المبحث الثاني: مولده وأسرته.
المبحث الثالث: نشأته ووفاته.المبحث الرابع: طلبه للعلم وشيوخه وتلاميذه
.
المبحث الخامس: مكانته العلمية وآثاره وفقهه ومذهبه.
الفصل الثاني: أحكام الطلاق، وفيه عشرة مباحث:
المبحث الأول: حكم الطلاق بالتخيير.
المبحث الثاني: حكم الطلاق بالتمليك.
المبحث الثالث: حكم الطلاق بالتوكيل.
المبحث الرابع: حكم الطلاق بألفاظ الكناية.
المبحث الخامس: حكم الطلاق بالتحريم.
المبحث السادس: حكم الطلاق بالكتابة.
المبحث السابع: حكم طلاق السكران.
المبحث الثامن: حكم الطلاق المضاف إلى زمن والمعلق على شرط.
المبحث التاسع: الحد في طلاق الأمة.
المبحث العاشر: حكم الطلاق البدعي.
الفصل الثالث: الخلع والإيلاء والفسخ بالعيب، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الخلع، وفيه مطلبان:المطلب الأول: حكم طلب الخلع مع استقامة الحال.
المطلب الثاني: أثر الخلع.المبحث الثاني: الإيلاء، وفيه مطلبان:المطلب الأول: مدة الإيلاء.
المطلب الثاني: إذا أبى الفيء أو الطلاق الزوج هل للحاكم أن يطلق نيابة عنه ؟
المبحث الثالث: الفسخ بالعيب، وفيه مطلب: فسخ النكاح بالعيب.
الفصل الرابع: الظهار واللعان، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الظهار، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: هل يشترط أن يكون المظَاهَر أو المشبه به أم المظاهِر أو لا ؟
المطلب الثاني: ماهو العضو المشبه به الذي يثبت به حكم الظهار؟
المطلب الثالث: معنى العود.المبحث الثاني: اللعان، وفيه مطلب: من له الحق في طلب إجراء اللعان؟
الخاتمة:
بفضل من الله سبحانه وتعالى تم هذا البحث بجهد متواضع وتوصلت من خلاله إلى الآتي:
أولًا: من جانب الإمام ابن حزم الظاهري رحمه الله:
1) وقفت في ترجمة ابن حزم على صورة مشرقة لأهمية طلب العلم والجد في تحصيله، والتمسك بالكتاب والسنة والدفاع عنهما.
2) تعرفت على جلة شيوخ وتلامذة ابن حزم رحمه الله.
3) تعرفت على جلة مؤلفاته ومصنفاته، التي كانت رديفًا للمكتبة الإسلامية وثروة لا تقدر بثمن.
4) تعرفت على منهج وطريقة ابن حزم في الحكم على المباحث أو المسائل، وأخذه بظاهر الدليل.
5) أن بعض الأقوال التي انفرد بها ابن حزم عن المذاهب الأربعة، معتبرة في الفقه الإسلامي ومعمول بها في الأحوال الشخصية.
6) أن ابن حزم الظاهري لم ينفرد بمفرده عن المذاهب الأربعة في أقواله، بل وافقه الكثير من علماء المسلمين سابقًا وحديثًا.ثانيًا: من جانب المباحث والمطالب التي انفرد بها ابن حزم توصلت إلى الآتي:
1) أن حكم التخيير جائز، ولكن لا يقع بمجرد التخيير الطلاق، بل لابد من إنشاء الطلاق إذا اختارت المرأة نفسها.
2) أن الطلاق ملك للرجل وحده وله أن ينيب ويوكل بدلا عنه، وليس له أن يملكه غيره، فإذا ملك الرجل زوجته الطلاق فلا يقع.
3) أن الطلاق بألفاظ الكناية يقع، والأفضل التلفظ بصريح الطلاق.
4) أن من قال لزوجته أنت علي حرام وأراد بذلك الطلاق دون تحريم عينها، يقع على ما نواه.
5) أن الرجل إذا كتب إلى زوجته بالطلاق، وكانت الكتابة واضحة مستبينة مرسومة معنونة بعنوان زوجته، يقع.
6) لا يؤاخذ السكران بأقواله، فلذا لا يقع طلاقه، خلافًا لأفعاله فإنه يحاسب عليها.
7) عدم وقوع الطلاق إذا أُسند إلى الماضي وعكسه إذا أُسند إلى المستقبل، أو عُلق على شرط، وأما إذا كان بصيغة التعليق المقصود منه الحلف بالطلاق، للحث على فعل شيء أو تركه، فلا يقع و عكسه إن قصد به الطلاق.
8) إن الحد المعتبر في طلاق الأمة ثلاث تطليقات كالحرة، لا فرق بينهما سواءً كانت تحت حر أو عبد أو الزوجة حرة أو أمة.
9) أن الطلاق البدعي يقع مع الإثم.
10) كراهة طلب الخلع مع استقامة الحال.
11) أن الخلع طلاق بائن لا فسخ ولا طلاق رجعي.
12) لا تقدير لأقل مدة الإيلاء، فإذا حلف الزوج على ترك الوطء في قليل من الأوقات أو كثير فتركها أربعة أشهر فهو مول، وإذا أبى الفيء أو الطلاق يضيق عليه الحاكم ابتداءً، حتى يفيء أو يطلق، فإن استمر في عناده طلق الحاكم نيابة عنه.
13) أن العيب الذي يمنع الوطء يثبُتُ فيه خيار الفسخ في النكاح.
14) يثبت حكم الظهار بتشبيه المظاهَر منها بأُم المظِاهر، وغيرها من ذوات المحارم، لأنهن كالأم في التحريم، وإذا شبهها بأعضاء غير الظهر كانت محلًا للتلذذ، يقع الظهار والعكس.
15) أن المقصود من العود في الظهار، هو إرادة المظاهِر الوطء،لا العزم ولا تكرير لفظ الظهار.
16) أن الذي له الحق في طلب إجراء اللعان المرأة، وهي الأصل، وإما الزوج لأنهما صاحبا الشأن في موضوع القذف لا القاضي، كما قال ابن حزم.
وفي الأخير هذه أهم النتائج التي توصلت إليها، فإن كنت مصيبًا فالفضل لله وحده، وإن كنت مخطئًا فمن نفسي والشيطان، ولكن حسبي أني قد بذلت جهدي ما استطعت، ولله الحمد من قبل ومن بعد.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.