الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ وبعد:
فهذه سيرة النبي الأكرم، والرسول الأعظم، في سطور يسيرة عسى الله أن ينفع الناس بها ..
(١)
لا يثبت أصحاب الحديث الحوداث التي وقعت قبل ولادته صلى الله عليه وسلم كانشقاق ايوان كسرى، وخمود نيران فارس عباد النار، وكذا ملاعبته للقمر وهو رضيع، ونزوله ساجدا من أمه، وغير ذلك من الروايات،
(٢)
فقد أبوه وهو في بطن أمه، وفقد أمه وهو رضيع، ورعاه جده ثم عمه، وعمل راعيا للغنم وهو صغير ليجلب قوته ويساعد عمه في تربية أبنائه، وتعلم منهما السفر والتجارة، ولا تثبت قصة بحيرا الراهب النصراني الذي علم أنه نبي.
(٣)
ثم شب وتزوج امرأة ثرية تكبره بأعوام -خديجة بنت خويلد رضي الله - وكان يتاجر لها في أموالها، ثم حبب الله إليه الخلاء، فكان يختلي بنفسه الأيام المعدودات، في غار حراء، وكانت تأتيه الرؤيا المنامية قبل النبوة فتتحقق كما رآها.
(٤)
ثم أتاه جبريل عليه السلام، برسالة ربه ونبوته، فتكالبت عليه الدنيا حسدًا وبغضًا، وما كان معه أحد مؤمن في ذلك الوقت إلا زوجته وابن عمه الصغير علي وصديق عمره أبو بكر، وعبد هو بلال، رضي الله عنهم جميعًا.
(٥)
مات عمه وزوجته وحورب من قومه بكل اﻷشكال، فاتهموه بالجنون وبالسحر وأنه أخذ كتب النصارى واليهود واﻷساطير القديمة يقصها عليهم، والعجيب أن هذه التهم مستمرة إلى الآن، ومع ذلك استمر في دعوته حتى نجح في نشر عقيدة التوحيد بين العرب.
(٦)
ثم طرد من بلده، هو ومن آمن من أصحابه، بعدما عذبوا وضيق عليهم، فهاجر بأمر ربه، ماشيا في الصحراء منهكًا متعبًا بلا مال ولا متاع، ومعه صاحبه، أبو بكر، وأنجاه الله من بطش الكافرين ولم تثبت ولا تصح قصة الحمامة والعنكبوت على الغار بل أيده الله بجنود لم يروها، أعمت أعين الكافرين عنهم، كما أخبر القرآن، وأمر بعض من أسلم أن يهاجروا إلى الحبشة عند ملك نصراني لا يظلم عنده أحد، النجاشي، ثم أسلم النجاشي بعد وصلى عليه النبي وأصحابه صلاة الغائب.
(٧)
وكان من هاجر قبله من أصحابه الى المدينة يدعون أهلها وقبائلها إلى الإسلام، وقابله وفد من اﻷنصار في موسم حج الجاهلية فبايعوا رسول الله عند العقبة مرتين متتاليتين، فسميت بيعة العقبة الأولى والثانية، وأخذوا العهد من رسول الله أن يسلموا وينصروه بأموالهم وأنفسهم ولهم الجنة، لذلك كان رسول الله يحب اﻷنصار حبًّا جمًّا، ويقول لا يحبهم الا مؤمن ولا يبغضهم الا منافق.
(٨)
استقبل أهل المدينة رسول الله وصحابته ونصروهم وآووهم، فسموا اﻷنصار، والذي سماهم اﻷنصار هو الله،
وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بين من هاجر من أهل مكة، المهاجرين، وبين اﻷنصار، وجعل الأخوة بين كل رجلين حتى كان يقول الرجل من اﻷنصار لصاحبه من المهاجرين، خذ نصف مالي، وانظر إلى زوجاتي أيتها أحب إليك أطلقها فتتزوجها.
(٩)
وبنى رسول الله مسجد المدينة، وأسس أول مجتمع إسلامي ودولة بها كل مقومات الدولة وعقد معاهدات سلمية مع اليهود في المدينة، لكن اليهود يهود، نقضوا العهود، مع رسول الله، وكان أولهم بنو قينقاع، لما اعتدوا على امرأة مسلمة وقتلوها والرجل الذي هب لنصرتها، ثم نقضت بنو النضير ثم بنو قريظة.
(١٠)
ولما طرد أصحاب محمد من مكة، تركوا أموالهم وبيوتهم، فأرسل النبي بعثاته ليقطع الطريق على تجار قريش، ليأخذوا من أموالهم، مثل ما أخذوا أموال المسلمين، ونجحوا مرة، فهبت قريش لأخذ حقها وذهبت إليهم في جيش قوامه 1300 رجل وكان المسلمون 300 وبضعة عشر رجلا، ونصر الله المسلمين، وهم قلة، وكان هذا النصر هو الفاتح لدولة الإسلام وقيامها، وهذه غزوة بدر.
(١١)
وكانت أول المغازي غزوة ودان، ثم بواط، ثم بدر، ثم بني قينقاع، ثم أحد، ثم حمراء اﻷسد، ثم بني النضير، ثم بني المصطلق فالخندق فبني قريظة، ثم الحديبية فخيبر، ففتح مكة، فحنين، ثم الطائف، وأخيرًا تبوك، وهذه أشهر المغازي، قاتل رسول الله في تسع منها، وقيل ثمان.
(١٢)
وقد ضُرب رسول الله، وشج وجهه، وكسرت أسنانه في سبيل الله، وسب وشتم، وكانوا يلقون عليه القاذورات في مكة وهو ساجد يصلي، وكان يدعو على الكافرين أحيانًا، وأحيانًا يدعو لهم حسب المقام والحال.
(١٣)
ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على الدنيا، بل كان ينام قليلا منذ أن بعثه الله لرسالته، فهو خاتم الأنبياء والمرسلين، وكان يقوم الليل كله، ثم خفف الله عنه، لكنه ما زال يقوم من الليل حتى تتورم قدماه، وكان يذهب ليصلح بين الناس، ويجمع أصحابه ليحدثهم، ويذهب إلى بيوتهم، ويعود مرضاهم، ويرعى الفقراء منهم والمساكين، ويذهب لزيارتهم، ومن يدعوه منهم كان يلبي دعوته، وكان رفيقًا بالصبيان الصغار وكان يداعبهم ويقبلهم، وكان يجلس الحسن والحسين وأسامة بن زيد على فخذه، وكان يؤدبهم ويعلمهم الصدق وحسن المعاملة ويوصيهم بالأرحام والصدقة وإفشاء السلام، وكان يسأل عمن تخلف عن الجماعة في المسجد.
(١٤)
وكان مع المنافقين، الذين ظهروا لما هاجر إلى المدينة، عدلًا، فقبل منهم ظاهر إسلامهم، ولم يقتلهم ولم يأمر بقتلهم، حتى يحافظ على نسيج مجتمعه قويًّا، وحتى لا يقول من لم يسلم بعد، محمد يقتل أصحابه، فيهاب الناس من دين يقتل أتباعه.
والمنافقون كانوا أناس أصحاب مصالح دنية إذا رأوا مصلحتهم مع اليهود انقلبوا إليهم، وإذا كانت مع المسلمين قالوا ألم نكن معكم، وهكذا، وصفاتهم وأخبارهم مشهورة معروفة.
(١٥)
وقد خص الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بأمور، كتزويجه أكثر من أربع من النساء، فكانت زوجاته على الترتيب، خديجة، وسودة بنت زمعة، وعائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وزينب بنت خزيمة، وأم سلمة هند بنت أبي أمية، وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، وجويرية بنت الحارثة وكان اسمها برة، وميمون بنت الحارث الهلالية وليست أخت جويرية، وصفية بنت حيي بن أخطب وكانت يهودية وأسلمت، وزينب بنت جحش، فهن احدى عشر زوجة رضي الله عنهن جميعًا وهن أمهات المؤمنين، طلق منهن حفصة مرة، ثم ردها، وفارق نساءه شهرًا لما أكثرن عليه في طلب النفقة، وأمره الله أن يخيرهن بين النفقة والطلاق، وبين الآخرة ورسول الله، فاخترن كلهن رسول الله والآخرة.
(١٦)
وابتلي بالاتهام في عرضه، في عائشة حبيبة قلبه، وصبر على الاتهام، وابتليت عائشة، بلاء شديدًا، حتى برأها الله من فوق سبع سماوات، وكان رسول الله يعلم أنها بريئة، لذا لم يطلقها ولم يفارقها، وكان ابن سلول رأس المنافقين هو من أشعل نار الإفك وأشاع الكذب على عائشة رضي الله عنها.
(١٧)
وأنجب أولاده كلهم من خديجة رضي الله عنها، القاسم وبه كان يكنى رسول الله، وعبد الله، وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة وهي أحبهم إلى قلبه، وأنجب ابراهيم فقط من مارية القبطية امته، ومات صغيرًا، وكل أولاده ماتوا في حياته، غير فاطمة، رضي الله عنها، فأسر لها النبي في أذنها قبل موته أنه سيموت فبكت، ثم أخبرها أنها أول أهله لحاقًا به فضحكت وسرت لذلك.
(١٨)
وكان له خدام كثيرون صلى الله عليه وسلم، منهم أنس بن مالك رضي الله عنه خدمه صغيرًا، وجلس معه عشر سنين، وأنس كان يقول خدمت رسول الله عشر سنين ما قال لي أف قط ولا لشيء فعلته لما فعلته، ولا لشيء لم أفعله لما لم تفعله، وكان يقول ما لمست حريرًا ولا ديباجًا ألين من كف رسول الله، ولا شممت ريحًا قط أطيب من رسول الله، ومنهم سفينة، ومنهم ثوبان وغيرهم.
(١٩)
وكان رسول الله مبلغًا عن ربه القرآن بالوحي يوحى إليه، وكان الوحي شديدًا جدًّا على رسول الله، كان يأتيه مثل صلصلة الجرس، يضرب أذنيه، وكان يوحى إليه وهو نائم، وكان إذا نزل عليه الوحي عرف أصحابه ذلك من تلون وجهه صلى الله عليه وسلم، فكان يتصبب منه عرقا في اليوم الشديد البرد، ويتحول لون وجهه إلى الحمرة، وأحيانا كان الوحي يأتيه في صورة رجل يكلمه وجها لوجه، وكان يأتيه في صورة صحابي اسمه دحية الكلبي، لحسنه ووسامته، وكان لا ينطق عن هواه وبما يشتهي صلى الله عليه وسلم، بل كان لا يتكلم في أمر من أمور الدين إلا بوحي من ربه، وأما أمور دنياه فقد كان رسول الله أحكم الحكماء.
(٢٠)
وفرضت الفرائض على رسول الله تدريجيًّا، ففرضت الصلاة بمكة في رحلة الإسراء، والصوم والزكاة والحج بالمدينة، وحرم الخمر تدريجيًّا على ثلاث مراحل، لأن العرب وثقافة العالم أجمع في ذلك الوقت كانت تعتبر الخمر كالماء.
(٢١)
ثلاث وعشرين سنة من الدعوة المستمرة لم تنقطع لحظة، وبعد أن طرد يومًا من بيته وأهله ووطنه، وصار له قوة ومنعة في المدينة، وبعد قتال دام ست سنين مع كفار قريش، عقد معهم صلحًا، بعد أن رفضوا أن يدخل مكة ليعتمر هو وأصحابه وأعدوا العدة لقتاله، وسمي صلح الحديبية، وضع بينهم القتال عشر سنين، لكنهم نقضوا العهد، فدخل مكة يوم الثامن من الهجرة فاتحًا على قوام جيش جرار يزيد على العشرة آلاف. دخل رسول الله متواضعًا لربه، عفا وأمّن كل من بمكة إلا أربعة نفر، أمر بقتلهم لأسباب، هم عكرمة بن أبي جهل لشدة عداوته وتحريضه على المسلمين ورسول الله، وعبد الله بن خطل وكان قد ارتد بعد إسلامه وقتل مسلمًا كان يخدمه، ومقيس بن صبابة كذلك فعل مثل ابن خطل، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح شفع له عثمان رضي الله عنه، فعفا عنه رسول الله، ثم أسلم وحسن إسلامه بعد.
(٢٢)
وكانت معجزات رسول الله كثيرة، أعظمها القرآن، وكذلك حادث الإسراء والمعراج، وانفجار الماء بين أصابعه، وتكثير الطعام، وحنين الجذع له، وانشقاق القمر، وتسليم الحجر عليه، وفيضان الماء من بين أصابعه، وشكوى والطير له، وحنين الجذع وإخباره بأمور مستقبلية هي من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك كثير.
(٢٣)
وكان عليه الصلاة والسلام وسطًا بين الطول والقصر، قوي البنية جدًّا، عريض الصدر، عظيم الكفين والقدمين، لحيته عريضة تملأ ما بين منكبيه، شعره كان يضرب إلى كتفيه أحيانا وأحيانا إلى أذنيه، وجهه مستدير كالقمر وهو إلى الحمرة أقرب ليس بأسمر وهو أقرب إلى البياض، عيناه فيها حمرة، وكان أكحل العينين، وله مسربة، وهو خط من الشعر من صدره إلى سرته، صلى الله عليه وسلم، حاد الأنف، واسع الفم، حسن الثغر، كان يتبسم ولا يضحك فيقهقه، وكان يعيد الكلام ثلاثًا حتى يفهم عنه، وكان حليمًا على من يجهل عليه، وصبورا على الجهول حتى يعلمه، صلى الله عليه وسلم.
(٢٤)
حج رسول الله مرة واحدة واعتمر أربع مرات، وكان يقبل دعوة اليهود للطعام، فوضعت له امرأة يهودية بتحريض منهم سمًا في الشاة التي شويت له، فعلم أنها مسمومة، فقيل أنها كانت من أسباب موته، ليجمع له الله بين الموت والشهادة، وهذا قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(٢٥)
وكانت حجة الوداع في العاشر من الهجرة، ولك أن تتخيل أن عدد المسلمين قد وصل إلى مئة ألف في هذا اليوم أو يزيدون... فخطب فيهم رسول الله خطبته العصماء الخالدة: «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد».
(٢٦)
وبعدها بعام.. عرض جبريل عليه السلام على رسول الله القرآن مرتين في رمضان، فعلم صلى الله عليه وسلم أن الأجل قد حان، فمرض، واشتد عليه المرض جدًّا أيامًا، حتى كان يغمى عليه، ويقول: صبُّوا عليَّ سبع قرب من ماء بارد، ويقول: مروا أبا بكر فليصل بالناس، في إشارة منه للخليفة بعده، واشتد المرض، وزاد الكرب على المسلمين، وجعل يقول وهو على صدر عائشة في آخر أيامه، بل الرفيق الأعلى.. بل الرفيق الأعلى.. فعلمت أنه يخير بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، ومات عليه الصلاة والسلام يوم الاثنين 12 ربيع الأول عام 11 من الهجرة، فأظلمت الدنيا، وهدت القلوب، حتى عمر القوي لم يثبت، ولم يصدق، وكان من ثبت أبو بكر رضي الله عنه فحافظ على ثباته وثبت الناس، وقال: "من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت".
هذا، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/148983/#ixzz74qUcWzMO