شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 19 من 19
6اعجابات
  • 3 Post By أم علي طويلبة علم
  • 1 Post By أم علي طويلبة علم
  • 1 Post By أبو البراء محمد علاوة
  • 1 Post By علي بن خالد

الموضوع: شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    6,982

    Lightbulb شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله
    https://safeyoutube.net/w/Pxc0
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,054

    افتراضي رد: شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم علي طويلبة علم مشاهدة المشاركة
    شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله
    نعم بارك الله فيك -شرح قيم و نافع جدا------ ولتعم الفائدة- إليك الشرح مكتوب بصيغة بى دى إف - الرابط-https://d1.islamhouse.com/data/ar/ih...lal_faozan.pdf

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,054

    افتراضي رد: شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    وهذا رابط تحميل الكتاب من مكتبة صيد الفوائد ----http://www.saaid.net/book/open.php?cat=127&book=4939

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,054

    افتراضي رد: شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    وهذا رابط كتب الشيخ صالح الفوزان من مكتبة صيد الفوائد -http://www.saaid.net/book/search.php...DD%E6%D2%C7%E4

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    6,982

    افتراضي رد: شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    أحسن الله إليكم وجزاكم خيرا
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,054

    افتراضي رد: شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم علي طويلبة علم مشاهدة المشاركة
    أحسن الله إليكم وجزاكم خيرا
    بارك الله فيك وجزاك الله خيرا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,988

    افتراضي رد: شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    جزاكم الله خيرًا
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Nov 2019
    المشاركات
    16

    افتراضي رد: شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    جزاكم الله خيرا هل هناك شرح اخر لهذه الرسالة مثلا شرح للشيخ صالح ال الشيخ او غيره
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,054

    افتراضي رد: شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة علي بن خالد مشاهدة المشاركة
    جزاكم الله خيرا هل هناك شرح اخر لهذه الرسالة مثلا شرح للشيخ صالح ال الشيخ او غيره
    جزاك الله خيرا لم اقف على شروح اخرى
    وللفائدة هذه رسالة
    الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك


    الكاتب : سليمان بن عبد الله آل الشيخ

    إعلم رحمك الله:

    أن الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم، خوفاً منهم، ومداراة لهم، ومداهنة لدفع شرهم، فإنه كافر مثلهم وإن كان يكره دينهم ويبغضهم، ويحب الإسلام والمسلمين.

    هذا إذا لم يقع منه إلا ذلك، فكيف إذا كان في دار منعة، واستدعي بهم، ودخل في طاعتهم، وأظهر الموافقة على دينهم الباطل، وأعانهم عليه بالنصرة والمال، ووالاهم وقطع الموالاة بينه وبين المسلمين، وصار من جنود القباب والشرك وأهلها بعد ما كان من جنود الإخلاص والتوحيد وأهله؟! فإن هذا لا يشك مسلم أنه كافر من أشد الناس عداوة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يستثنى من ذلك إلا المكره، وهو الذي يستولي عليه المشركون فيقولون له: اكفر، او أفعل كذا، وإلا فعلنا بك وقتلناك، أو يأخذونه فيعذبونه حتى يوافقهم، فيجوز له الموافقة باللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان.

    وقد أجمع العلماء على أن من تكلم بالكفر هازلاً، أنه يكفر، فكيف بمن أظهر الكفر خوفاً وطمعاً في الدنيا؟! وأنا أذكر بعض الأدلة على ذلك بعون الله وتأييده.


    الدليل الأول: قوله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}:

    فأخبر تعالى أن اليهود والنصارى، وكذلك المشركون، لا يرضون عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتبع ملتهم، ويشهد أنهم على حق، ثم قال تعالى: {قل إنَّ هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير}، وفي الآية الأخرى: {إنك إذاً لمن الظالمين}، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم، لو يوافقهم على دينهم ظاهراً من غير عقيدة القلب، لكن خوفاً من شرهم ومداهنة، كان من الظالمين، فكيف بمن أظهر لعبَّاد القبور والقباب أنهم على حق وهدى مستقيم؟! فإنهم لا يرضون إلا بذلك.


    الدليل الثاني: قوله تبارك وتعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}:

    فأخبر تعالى أن الكفار لا يزالون يقاتلون المسلمين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا، ولم يرخص في موافقتهم خوفاً على النفس والمال والحرمة، بل أخبر عمن وافقهم بعد أن قاتلوه ليدفع شرًّهم أنه مرتد، فإن مات على ردته بعد أن قاتله المشركون فإن من أهل النار الخالدين فيها، فكيف بمن وافقهم من غير قتال؟! فإذا كان من وافقهم بعد أن قاتلوه لا عذر له، عرفت أن الذين يأتون إليهم يسارعون في الموافقة لهم من غير خوف ولا قتال، أنهم أولى بعدم العذر، وأنهم كفار مرتدون.


    الدليل الثالث: قوله تبارك تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة}:

    فنهى سبحانه المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء وأصدقاء وأصحاباً من دون المؤمنين وإن كانوا خائفين منهم، وأخبر أن من يفعل ذلك فليس من الله في شيء، أي لا يكون من أولياء الله الموعودين بالنجاة في الآخرة، إلا أن تتقوا منهم تقاة، وهو أن يكون الإنسان مقهوراً معهم لا يقدر على عداوتهم، فيظهر لهم المعاشرة والقلبُ مطمئنّ بالبغضاء والعداوة، فكيف بمن اتخذهم أولياء من دون المؤمنين من غير عذر، استحبابَ الحياة الدنيا على الآخرة، والخوف من المشركين، وعدم الخوف من الله، فما جعل الله الخوف منهم عذراً، بل قال تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين}.


    الدليل الرابع: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين}:

    فأخبر تعالى أن المؤمنين إن أطاعوا الكفار فلا بد أن يردوهم على أعقابهم عن الإسلام، فإنهم لا يقنعون منهم بدون الكفر، وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك صاروا من الخاسرين في الدنيا والآخرة، ولم يرخص في موافقتهم وطاعتهم خوفاً منهم، وهذا هو الواقع، فإنهم لا يقنعون ممن وافقهم إلا بشهادة أنهم على حق، وإظهار العداوة والبغضاء للمسلمين، وقطع اليد منهم، ثم قال: {بل الله مولاكم وهو خير الناصرين} فأخبر تعالى أن الله مولى المؤمنين وناصرهم، وهو خير الناصرين ففي ولايته وطاعته غُنية وكفاية عن طاعة الكفار، فيا حسرة على العباد الذين عرفوا التوحيد ونشأوا فيه، ودانوا به زماناً، كيف خرجوا عن ولاية رب العالمين، وخير الناصرين، إلى ولاية القباب وأهلها، ورضوا بها بدلاً عن ولاية من بيده ملكوت كل شيء؟! بئس للظالمين بدلاً.


    الدليل الخامس: قوله تعالى: {أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير}:

    فأخبر تعالى أنه لا يستوي من اتبع رضوان الله، ومن اتبع ما يسخطه، ومأواه جهنم يوم القيامة.

    ولا ريب أن عبادة الرحمن وحدها ونصرها، وكون الإنسان من أهلها، من رضوان الله، وأن عبادة القباب والأموات ونصرها والكون من أهلها مما يسخط الله، فلا يستوي عند الله من نصر توحيده ودعوته بالإخلاص وكان مع المؤمنين، ومن نصر الشرك ودعوة الأموات وكان مع المشركين.

    فإن قالوا: خفنا. قيل لهم: كذبتم.

    وأيضا فما جعل الله الخوف عذراً في اتباع ما يسخطه، واجتناب ما يرضيه. وكثير من أهل الباطل إنما يتركون الحق خوفاً من زوال دنياهم. وإلا فيعرفون الحق ويعتقدونه، ولم يكونوا بذلك مسلمين.


    الدليل السادس: قوله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً}:

    أي في أي فريق كنتم؟ أفي فريق المسلمين، أم في فريق المشركين؟ فاعتذروا عن كونهم ليسوا في فريق المسلمين بالاستضعاف، فلم تعذرهم الملائكة، وقالوا لهم: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً}.

    ولا يشك عاقل أن البلدان الذين خرجوا عن المسلمين صاروا مع المشركين، وفي فريقهم وجماعتهم. هذا مع أن الآية نزلت في أناس من أهل مكة أسلموا واحتبسوا عن الهجرة، فلما خرج المشركون إلى بدر أكرهوهم على الخروج معهم، فخرجوا خائفين، فقتلهم المسلمون يوم بدر، فلما علموا بقتلهم تأسفوا وقالوا: قتلنا إخواننا، فأنزل الله فيهم هذه الآية.

    فكيف بأهل البلدان الذين كانوا على الإسلام فخلعوا ربقته من أعناقهم، وأظهروا لأهل الشرك الموافقة على دينهم، ودخلوا في طاعتهم، وآووهم ونصروهم، وخذلوا أهل التوحيد، واتبعوا غير سبيلهم، وخطؤوهم، وظهر فيهم سبهم وشتمهم وعيبهم، والاستهزاء بهم، وتسفيه رأيهم في ثباتهم على التوحيد، والصبر عليه، وعلى الجهاد فيه، وعاونوهم على أهل التوحيد طوعاً لا كرهاً، واختياراً لا اضطراراً؟ فهؤلاء أولى بالكفر والنار من الذين تركوا الهجرة شحاً بالوطن، وخوفاً من الكفار، وخرجوا في جيشهم مكرهين خائفين.

    فإن قال قائل: هلاَّ كان الإكراه على الخروج عذراً للذين قتلوا يوم بدر؟

    قيل: لا يكون عذراً، لأنهم في أول الأمر لم يكونوا معذورين إذا قاموا مع الكفار، فلا يعذرون بعد ذلك بالإكراه، لأنهم السبب في ذلك حيث قاموا معهم وتركوا الهجرة.


    الدليل السابع: قوله تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم}:

    فذكر الله تعالى أنه نزل على المؤمنين في الكتاب أنهم إذا سمعوا آيات الله يكفر بها، ويستهزأ بها، فلا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. وأن من جلس مع الكافرين بآيات الله، المستهزئين بها في حال كفرهم واستهزائهم، فهو مثلهم.

    ولم يفرق بين الخائف وغيره إلا المكره، هذا وهم في بلد واحد في أول الإسلام، فكيف بمن كان في سعة الإسلام وعزة بلاده، فدعا الكافرين بآيات الله المستهزئين بها إلى بلاده، واتخذهم أولياء وأصحاباً وجلساء، وسمع كفرهم واستهزاءهم وأقرَّهم وطرد أهل التوحيد وأبعدهم؟


    الدليل الثامن: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}:

    فنهى سبحانه المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، وأخبر أن من تولاهم من المؤمنين فهو منهم.

    وهكذا حكم من تولى الكفار من المجوس وعبَّاد الأوثان فهو منهم، فإن جادل مجادل في أن عبادة القباب ودعاء الأموات مع الله ليس بشرك، وأن أهلها ليسوا بمشركين، بان أمره واتضح عناده وكفره.

    ولم يفرق تبارك وتعالى بين الخائف وغيره، بل أخبر تعالى أن الذين في قلوبهم مرض يفعلون ذلك خوفاً من الدوائر.

    وهكذا حال هؤلاء المرتدين، خافوا من الدوائر، لما في قلوبهم من عدم الإيمان بوعد الله الصادق بالنصر لأهل التوحيد، فبادروا وسارعوا إلى أهل الشرك، خوفاً أن تصيبهم دائرة. قال الله تعالى: {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين}.


    الدليل التاسع: قوله تعالى: {ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون}:

    فذكر الله تعالى أن موالاة الكفار موجبة لسخط الله، والخلود في العذاب بمجردها، وإن كان الإنسان خائفاً، إلا من أكره بشرطه، فكيف إذا اجتمع ذلك مع الكفر الصريح، وهو معاداة التوحيد وأهله، والمعاونة على زوال دعوة الله بالاخلاص، وعلى تثبيت دعوة غيره؟!


    الدليل العاشر: قوله تعالى: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون}:

    فذكر تعالى أن موالاة الكفار منافية للإيمان بالله والنبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل إليه. ثم أخبر أن سبب ذلك كون كثير منهم فاسقين، ولم يفرق بين من خاف الدائرة وبين من لم يخف، وهكذا حال كثير من هؤلاء المرتدين قبل ردتهم كثير منهم فاسقون، فجرهم ذلك إلى موالاة الكفار، والردة عن الإسلام، نعوذ بالله من ذلك.


    الدليل الحادي عشر: قوله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون}:

    وهذه الآية نزلت لما قال المشركون: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله، فأنزل الله هذه الآية.

    فإذا كان من أطاع المشركين في تحليل الميتة مشركاً من غير فرق بين الخائف وغيره إلا المكره، فكيف بمن أطاعهم في تحليل موالاتهم، والكون معهم ونصرهم، والشهادة أنهم على حق، واستحلال دماء المسلمين وأموالهم، والخروج عن جماعة المسلمين إلى جماعة المشركين؟ فهؤلاء أولى بالكفر والشرك ممن وافقهم على أن الميتة حلال.


    الدليل الثاني عشر: قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين}:

    وهذه الآية نزلت في عالمٍ عابد في زمان بني إسرائيل، يقال له: بلعام، وكان يعلم الاسم الأعظم.

    قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: (لما نزل بهم موسى عليه السلام - يعني بالجبارين - أتاه بنو عمه وقومه فقالوا: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا، فادع الله أن يردَّ عنا موسى ومن معه. قال: إني إن دعوت ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، فسلخه الله مما كان عليه. فذلك قوله تعالى: {فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين}).

    وقال ابن زيد: (كان هواه مع القوم) - يعني الذين حاربوا موسى وقومه -

    فذكر تعالى أمر هذا المنسلخ من آيات الله، بعد أن أعطاه الله إياها، وعرفها وصار من أهلها ثم انسلخ منها، أي ترك العمل بها، وذكر في انسلاخه منها ما معناه أنه مظاهرةُ المشركين ومعاونتهم برأيه، والدعاء على موسى عليه السلام ومن معه، أن يردهم الله عن قومه، خوفاً على قومه وشفقة عليهم، مع كونه يعرف الحقًّ، ويشهد به، ويتعبًّد، ولكن صدًّه عن العمل به متابعة قومه وعشيرته وهواه وإخلاده إلى الأرض، فكان هذا انسلاخاً من آيات الله تعالى.

    وهذا هو الواقع من هؤلاء المرتدين وأعظم، فإن الله أعطاهم آياته التي فيها الأمر بالتوحيد، ودعوته وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك به ودعوة غيره، والأمر بموالاة المؤمنين ومحبتهم ونصرتهم، والاعتصام بحبل الله جميعا، والكون مع المؤمنين، والأمر بمعاداة المشركين، وبغضهم وجهادهم وفراقهم والأمر بهدم الأوثان، وإزالة القحاب واللواط والمنكرات، وعرفوها وأقروا بها، ثم انسلخوا من ذلك كله، فهم أولى بالانسلاخ من آيات الله والكفر والردة من بلعام أو هم مثله.


    الدليل الثالث عشر: قوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون}:

    فذكر تعالى أن الركون إلى الظلمة من الكفار والظالمين موجب لمسيس النار، ولم يفرق بين من خاف منهم وغيره إلا المكره، فكيف بمن اتخذ الركون إليهم ديناً ورأياً حسناً، وأعانهم بما قدر عليه من مال ورأي، وأحبًّ زوال التوحيد وأهله، واستيلاء أهل الشرك عليهم؟! فإن هذا أعظم الكفر والركون.


    الدليل الرابع عشر: قوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم. ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين}:

    فحكم تعالى حكماً لا يبدَّل أن من رجع عن دينه إلى الكفر، فهو كافر، سواء كان له عذر خوفاً على نفس أو مال أو أهل، أم لا، وسواء كفر بباطنه أم بظاهره دون باطنه، وسواء كفر بفعاله ومقاله، أو بأحدهما دون الآخر، وسواء كان طامعاً في دنيا ينالها من المشركين أم لا، فهو كافر على كل حال إلا المكره، وهو في لغتنا: المغصوب.

    فإذا أكره الإنسان على الكفر وقيل له: اكفر وإلا قتلناك أو ضربناك، أو أخذه المشركون فضربوه، ولم يمكنه التخلص إلا بموافقتهم، جاز له موافقتهم في الظاهر، بشرط أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان، أي ثابتاً عليه، معتقداً له.

    فأما إن وافقهم بقلبه فهو كافر ولو كان مكرهاً.

    وظاهر كلام أحمد رحمه الله أنه في الصورة الأولى لا يكون مكرهاً حتى يعذًّبه المشركون، فإنه لما دخل عليه يحيى بن معين وهو مريض، فسلم عليه فلم يرد عليه السلام، فما زال يعتذر ويقول: (حديث عمار. وقال الله تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان})، فقلب أحمد وجهه إلى الجانب الآخر، فقال يحيى: (لا يقبل عذراً)، فلما خرج يحيى قال أحمد: (يحتج بحديث عمار، وحديث عمار؛ مررت بهم وهم يسبونك فنهيتهم فضربوني، وأنتم قيل لكم؛ نريد أن نضربكم)، فقال يحيى: (والله ما رأيت تحت أديم السماء أفقه في دين الله تعالى منك).

    ثم أخبر تعالى أن هؤلاء المرتدين الشارحين صدورهم بالكفر، وإن كانوا يقطعون على الحق ويقولون: ما فعلنا هذا إلا خوفاً، فعليهم غضب من الله ولهم عذابٌ عظيم.

    ثم أخبر تعالى أن سبب هذا الكفر والعذاب ليس بسبب الاعتقاد للشرك، أو الجهل بالتوحيد، أو البغض للدين، أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظاً من حظوظ الدنيا، فآثره على الدين وعلى رضى رب العالمين. فقال: {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين} فكفرهم تعالى، وأخبر أنه لا يهديهم مع كونهم يعتذرون بمحبة الدنيا، ثم أخبر تعالى أن هؤلاء المرتدين لأجل استحباب الدنيا على الآخرة، هم الذين طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وأنهم هم الغافلون. ثم أخبر خبراً مؤكداً محققاً أنهم في الآخرة هم الخاسرون.


    الدليل الخامس عشر: قوله تعالى عن أهل الكهف: {إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذاً أبداً}:

    فذكر تعالى عن أهل الكهف أنهم ذكروا عن المشركين أنهم إن قهروكم وغلبوكم، فهم بين أمرين: إما أن يرجموكم، أي يقتلوكم شرًّ قتلة بالرجم، وإما أن يعيدوكم في ملتهم ودينهم، {ولن تفلحوا إذاً أبداً} أي وإن وافقتموهم على دينهم بعد أن غلبوكم وقهروكم، فلن تفلحوا إذاً أبداً، فهذا حال من وافقهم بعد أن غلبوه، فكيف بمن وافقهم وراسلهم من بعيد، وأجابهم إلى ما طلبوا من غير غلبة ولا إكراه، ومع ذلك يحسبون أنهم مهتدون؟.


    الدليل السادس عشر: قوله تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين}:

    فأخبر تعالى أن من الناس من يعبد الله على حرف، أي على طرف {فإن أصابه خير} أي نصر وعز وصحة وسعة وأمن وعافية، ونحو ذلك {اطمأن به} أي ثبت وقال: هذا دين حسن ما رأينا فيه إلا خيراً {وإن أصابته فتنة} أي خوف ومرض وفقر ونحو ذلك {انقلب على وجهه} أي ارتد عن دينه ورجع إلى أهل الشرك.

    فهذه الآية مطابقة لحال المنقلبين عن دينهم في هذه الفتنة، يعبدون الله على حرف، أي على طرف، ليسوا ممن يعبد الله على يقين وثبات، فلما أصابتهم هذه الفتنة انقلبوا عن دينهم، وأظهروا موافقة المشركين، وأعطوهم الطاعة، وخرجوا عن جماعة المسلمين إلى جماعة المشركين، فهم معهم في الآخرة، كما هم معهم في الدنيا، فخسروا الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.

    هذا مع أن كثيراً منهم في عافية، ما آتاهم من عدو، إنما ساء ظنهم بالله، فظنوا أنه يديل الباطل وأهله على الحق وأهله، فأرداهم سوء ظنهم بالله، كما قال تعالى فيمن ظن به ظن السوء: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين}.

    وأنت يا من منَّ الله عليه بالثبات على الإسلام، أحذر أن يدخل في قلبك شيء من الريب، أو تحسين أمر هؤلاء المرتدين، أو أن موافقتهم للمشركين وإظهار طاعتهم رأي حسن، حذراً على الأنفس والأموال والمحارم، فإن هذه الشبهه هي التي أوقعت كثيراً من الأولين والآخرين في الشرك بالله، ولم يعذرهم الله بذلك، وإلا فكثير منهم يعرفون الحق، ويعتقدونه بقلوبهم، وإنما يدينون بالشرك للأعذار الثمانية التي ذكرها الله في كتابه، فلم يعذر بها أحداً ولا ببعضها، فقال: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين}.


    الدليل السابع عشر: قوله تعالى: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم * ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم * فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم * ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم}:

    فذكر تعالى عن المرتدين على أدبارهم أنهم من بعد ما تبين لهم الهدى ارتدّوا على علم، ولم ينفعهم علمهم بالحق مع الردة، وغرًّهم الشيطان بتسويله، وتزيين ما ارتكبوا من الردة، وهكذا حال هؤلاء المرتدين في هذه الفتنة، غرهم الشيطان، وأوهمهم أن الخوف عذر لهم في الردة، وأنهم بمعرفة الحق ومحبته والشهادة به لا يضرهم ما فعلوه، ونسوا أن كثيراً من المشركين يعرفون الحق ويحبونه ويشهدون به، ولكن يتركون متابعته والعمل به محبة للدنيا، وخوفاً على الأنفس والأموال، والمآكل والرئاسات.

    ثم قال تعالى: {ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر} فأخبر تعالى أن سبب ما جرى عليهم من الردة، وتسويل الشيطان، وإملائه لهم، هو قولهم للذين كرهوا ما نزَّل الله: {سنطيعكم في بعض الأمر} فإذا كان من وعد المشركين الكارهين لما أنزل الله بطاعتهم في بعض الأمر كافراً، وإن لم يفعل ما وعدهم به، فكيف بمن وافق المشركين الكارهين لما أنزل الله من الأمر بعبادته وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه من الأنداد والطواغيت والأموات، وأظهر أنهم على هدى، وأن أهل التوحيد مخطئون في قتالهم، وأن الصواب في مسالمتهم، والدخول في دينهم الباطل؟! فهؤلاء أولى بالردَّة من أولئك الذين وعدوا المشركين بطاعتهم في بعض الأمر، ثم أخبر عن حالهم الفظيع عند الموت، ثم قال: {ذلك} الأمر الفظيع عند الوفاة {بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم}.

    ولا يستريب مسلم أن اتباع المشركين، والدخول في جملتهم، والشهادة أنهم على حق، ومعاونتهم على زوال التوحيد وأهله، ونصره القباب والقحاب واللواط، من اتباع ما يسخط الله، وكراهة رضوانه، وإن ادعوا أن ذلك لأجل الخوف، فإن الله ما عذر أهل الردة بالخوف من المشركين، بل نهى عن خوفهم فأين هذا ممن يقول: ما جرى منَّا شيء ونحن على ديننا.


    الدليل الثامن عشر: قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون}:

    فعقد تعالى الأخوة بين المنافقين والكفار، وأخبر أنهم يقولون لهم في السر: {لئن أخرجتم لنخرجن معكم} أي لئن غلبكم محمد صلى الله عليه وسلم وأخرجكم من بلادكم {لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً}؛ أي لا نسمع من أحد فيكم قولاً، ولا نعطي فيكم طاعة. {وإن قوتلتم لننصرنكم}؛ أي إن قاتلكم محمد صلى الله عليه وسلم لننصرنكم ونكون معكم، ثم شهد تعالى أنهم كاذبون في هذا القول، فإذا كان وعد المشركين في السر بالدخول معهم ونصرهم، والخروج معهم إن أجلوا، نفاقاً وكفراً وإن كان كذباً، فكيف بمن أظهر ذلك صادقاً، وقدم عليهم، ودخل في طاعتهم، ودعا إليها، ونصرهم وانقاد لهم، وصار من جملتهم، وأعانهم بالمال والرأي، هذا مع أن المنافقين لم يفعلوا ذلك إلا خوفاً من الدوائر، كما قال تعالى: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة..} فكذا حال كثير من المرتدين في هذه الفتنة، فإن عذر كثير منهم هو هذا العذر الذي ذكره الله عن الذين في قلوبهم مرض ولم يعذرهم به.

    قال الله تعالى: {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين}، ثم قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين}، فأخبر تعالى أنه لا بد عند وجود المرتدين من وجود المحبين المحبوبين المجاهدين، ووصفهم بالذلة والتواضع للمؤمنين، والعزة والغلظة والشدة على الكافرين، بضد من كان تواضعه وذله ولينه لعباد القباب، وأهل القحاب واللواط، وعزته وغلظته على أهل التوحيد والإخلاص، فكفى بهذا دليلاً على كفر من وافقهم وإن ادعى أنه خائف، فقد قال تعالى: {ولا يخافون لومة لائم} وهذا بضد من يترك الصدق والجهاد خوفاً من المشركين، ثم قال تعالى: {يجاهدون في سبيل الله} أي في توحيده، صابرين على ذلك ابتغاء وجه ربهم لتكون كلمة الله هي العليا، ولا يخافون لومة لائم، أي لا يبالون بمن لا مهم وآذاهم في دينهم، بل يمضون على دينهم، يجاهدون فيه غير ملتفتين للوم أحد من الخلق ولا لسخطه ولا لرضاه، إنما همتهم وغاية مطلوبهم رضى سيدهم ومعبودهم، والهرب من سخطه.

    وهذا بخلاف من كانت همته وغاية مطلوبه رضى عبّاد القباب، وأهل القحاب واللواط ورجائهم، والهرب مما يسخطهم، فإن هذا غاية الضلال والخذلان.

    ثم قال تعالى: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم}، فأخبر تعالى أن هذا الخير العظيم، والصفات الحميدة لأهل الإيمان الثابتين على دينهم عند وقوع الفتن، ليس بحولهم ولا بقوتهم، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ثم قال: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}، فأخبر تعالى خبراً بمعنى الأمر بولاية الله ورسوله والمؤمنين وفي ضمنه النهي عن موالاة أعداء الله ورسوله والمؤمنين.

    ولا يخفى أي الحزبين أقرب إلى الله ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. فالمتولي لضدهم، واضع للولاية في غير محلها، مستبدل بولاية الله ورسوله والمؤمنين المقيمين للصلاة المؤتين للزكاة ولاية أهل الشرك والأوثان والقباب. ثم أخبر تعالى أن الغلبة لحزبه ولمن تولاهم: {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}.


    الدليل التاسع عشر: قوله تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أوعشيرتهم}:

    فأخبر تعالى أنك لا تجد من كان يؤمن بالله واليوم الآخر يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، وأن هذا منافٍ للإيمان، مضاد له، لا يجتمع هو والإيمان إلا كما يجتمع الماء والنار.

    وقد قال تعالى في موضع آخر: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون}، ففي هاتين الآيتين البيان الواضح أنه لا عذر لأحد في الموافقة على الكفر خوفاً على الأموال والآباء والآبناء والأزواج والعشائر ونحو ذلك مما يعتذر به كثير من الناس، إذا كان لم يرخص لأحد في موادتهم، واتخاذهم أولياء بأنفسهم خوفاً منهم، وإيثاراً لمرضاتهم، فكيف بمن اتخذ الكفار الأباعد أولياء وأصحاباً، وأظهر لهم الموافقة على دينهم خوفاً على بعض هذه الأمور ومحبة لها؟! ومن العجب استحسانهم لذلك واستحلالهم له، فجمعوا مع الردة استحلال الحرام.


    الدليل العشرون: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل}:

    فأخبر تعالى أن من تولى أعداء الله وإن كانوا أقرباء، فقد ضل سواء السبيل، أي أخطأ الصراط المستقيم، وخرج عنه إلى الضلالة.

    فأين هذا ممن يدَّعي أنه على الصراط المستقيم، لم يخرج عنه؟ فإن هذا تكذيب لله، ومن كذَّب الله فهو كافر، واستحلال لما حرم الله من ولاية الكفار، ومن استحلَّ محرَّماً فهو كافر.

    ثم ذكر تعالى شبهة من اعتذر بالأرحام والأولاد فقال: {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير} فلم يعذر تعالى من اعتذر بالأرحام والأولاد والخوف عليها ومشقة مفارقتها، بل أخبر أنها لا تنفع يوم القيامة، ولا تغني من عذاب الله شيئاً، كما قال في الآية الأخرى: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون}.


    الدليل الحادي والعشرون: من السنة ما رواه أبو داود وغيره، عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من جامع المشرك وسكن معه، فإنه مثله):

    فجعل صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث من جامع المشركين، أي اجتمع معهم وخالطهم وسكن معهم مثلهم، فكيف بمن أظهر لهم الموافقة على دينهم وآواهم وأعانهم؟! فإن قالوا: خفنا، قيل لهم: كذبتم.

    وأيضاً فليس الخوف بعذرٍ، كما قال تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} فلم يعذر تبارك وتعالى من يرجع عن دينه عند الأذى والخوف، فكيف بمن لم يصبه أذى ولا خوف؟! وإنما جاؤوا إلى الباطل محبة له وخوفاً من الدائرة.

    والأدلة على هذا كثيرة وفي هذا كفاية لمن أراد الله هدايته.

    وأما من أراد الله فتنته وضلالته، فكما قال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم}.

    ونسأل الله الكريم المنان أن يحيينا مسلمين، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يلحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، برحمته وهو أرحم الراحمين.

    وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
    آمين

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,054

    افتراضي رد: شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    للفائدة هذا كتاب
    سبيل النجاة والفكاك
    من موالاة المرتدين وأهل الإشراك

    للشيخ الإمام
    حمد بن علي بن عتيق
    1227-1301هـ
    رحمه الله
    بسم الله الرحمن الرحيم
    وبه نستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
    الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيماً بلا اعوجاج، وجعله عصمة لمن تمسك به وأعتمد عليه في الاحتجاج، وأوجب فيه مقاطعة أهل الشرك بإيضاح الشرعة والمنهاج، والصلاة والسلام على محمد الذي مزّق الله ظلام الشرك بما معه من السراج، وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا أهل الكفر وباينوهم من غير امتزاج.
    أما بعد:
    فإني قد تكلمت وشددت في النهي عن مولاة المشركين، ودعوت من حولي من المسلمين إلى عداوة الكافرين.
    ثم كتبت في ذلك بعض الآيات الدالة عليه، مع كلمات قليلة من كلام بعض المحققين من أهل العلم والدين. وما كنت أظن أن من قرأ القرآن وآمن أنه كلام الله وأن الله تعبدنا بالعمل به والقيام، إلا إذا سمع ذلك أذعن له وانقاد، وبادر إلى السمع والطاعة لحكمه، لقوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون}، وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}، وقال تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال ربي لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى}.
    فحصل من بعض الجاهلين والمعاندين إنكارٌ لذلك، وجحد لما أوجب الله القيام والإقرار به،
    فصار المنتسبون إلى العلم والمدعون أنهم من طلبته في ذلك أقسام:
    طائفة منهم: استحسنت المعارضة الجاهلة الضالة ورضيتها، وإن لم تصرح بذلك، فإنه ظاهر على وجوهها.
    وطائفة: كرهت المعارضة واستجهلت صاحبها، ولكنها لم تفعل ما أوجب الله عليها من رد ذلك، والإنكار على سالكه.
    ولولا ما وقع لهؤلاء، لما كان المعارض مساوياً لمن يجاوبه، فلأجل ذلك كتب شيخنا عبد الرحمن بن حسن رسالة مفيدة في الرد على هذه المعارض، نقض فيها أقواله نقضا بديعا، وهي كافية في الرد عليه، فصار شيخنا، هو إمام الطائفة الرادة لأقوال أهل الباطل، المنكرة لها، والله ناصر دينه ومظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.
    ثم إني كاتبٌ إن شاء الله تعالى كلمات، فيها بيان لأشياء وقع الغلط فيها ممن ينتسب إلى الإسلام، بل من كثير ممن ينتسب إلى العلم، لقول الله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون}، وقوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلا فبئس ما يشترون}.
    منها: وجوب معاداة الكفار والمشركين ومقاطعتهم،
    ومنها: شيء مما يصير الرجل به مرتداً،
    ومنها: ما يعذر الرجل به على موافقة المشركين وإظهار الطاعة لهم،
    ومنها: مسألة إظهار الدين،
    ومنها: مسألة الاستضعاف،
    ومنها: وجوب الهجرة، وأنها باقية.
    وسميت هذا الكتاب: "سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الاشراك".
    وأسأل الله تعالى أن يجعله مبنياً على الإخلاص، وأن ينفع به من قرأه أو سمعه طلبا للنجاة والخلاص.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,054

    افتراضي رد: شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    فصل
    اعلم أن الله سبحانه وتعالى، بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، فبين للناس ما نزل إليهم، فما من خير إلا دلهم عليه وعرفهم الطريق الموصلة إليه، وما من شر إلا حذرهم منه وسد عليهم أبوابه المفضية إليه.

    ومن أعظم ذلك أنه أخبرهم أن: (الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريبا كما بدأ) وأخبرهم بظهور الفتن التي: (كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي كافرا ويصبح مؤمنا، يبيع دينه بعرض من الدنيا) فكان وقوع هذا لما وقع هو وأمثاله، من الأدلة على أنه رسول الله.

    ومما أخبر به: أن أمته تقاتل الترك الكفار، ووصفهم بأنهم صغار العيون ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة. ومعنى ذلف الأنوف: أنها قصار منبطحة.

    والمجان: جمع مِجن، وهو الترس. أراد أنه وجوههم مستديرة ناتئة وجناتها. هذا معنى كلام البغوي في شرح السنة.

    فكان من حكمة الله وعدله أن سلطهم في المائة الثالثة عشرة فخرجوا على أهل الديار النجدية، لمّا ظهرت فيهم الملة الحنيفية ودعوا إلى الطريقة المحمدية، ولكن حصل من بعضهم ذنوب بها تسلطت هذه الدولة الكفرية، فجرى ما هو ثابت في الأقدار الأزلية، وإن كانت لا تجيزه الأحكام الشرعية، والله تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

    وامتحن أهل الإسلام بأمور تشبه ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في حادثة ظهور التتار في زمنه، وهم بادية الترك، فناسب أن نذكر بعض كلامه.

    قال رحمه الله تعالى: فإن هذه الفتنة التي ابتلي بها المسلمون مع هذا العدو المفسد الخارج عن شريعة الإسلام، قد جرى فيها شبهٌ بما جرى للمسلمين مع عدوهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المغازي التي أنزل الله فيها كتابه، وابتلى بها نبيه والمؤمنين، مما هو أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيرا، إلى يوم القيامة. فإن نصوص الكتاب والسنة، اللذين هما دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، تتناول عموم الخلق بالعموم اللفظي والمعنوي، وبالعموم المعنوي.

    وعهود الله في كتابه وسنته، تتناول آخر هذه الأمة كما نالت أولها. وإنما قص الله علينا قصص من قبلنا من الأمم، ليكون عبرة لنا فنشبّه حالنا بحالهم، ونقيس أواخر الأمم بأوائلها. فيكون للمؤمن من المستأخرين شبه بما كان للمؤمن من المستقدمين، ويكون للكافر والمنافق من المستأخرين شبه بما كان للكافر والمنافق من المستقدمين.

    كما قال تعالى لما قص قصة يوسف مفصلة و أجمل ذكر قصص الأنبياء: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب}، وقال لما ذكر قصة فرعون: {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى. إن في ذلك لعبرة لمن يخشى}، وقال في محاصرة بني النضير: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم}، إلى قوله: {فاعتبروا يا أولي الأبصار}.

    فأمرنا أن نعتبر بأحوال المستقدمين علينا من هذه الأمة وممن قبلها، وذكر في غير موضع، أن سنته في ذلك سنة مطّردة وعادة مستمرة فقال تعالى: {لئن لم ينتهي المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا. ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا. سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا}، وقال تعالى: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون ولياً ولا نصيرا. سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} وأخبر سبحانه أن دأب الكافرين من المستأخرين، كدأب الكافرين من المستقدمين.

    فينبغي للعقلاء أن يعتبروا سنة الله وأيامه في عباده، ودأب الأمم وعاداتهم، لاسيما في مثل هذه الحادثة العظيمة التي طبق خبرها، واستطار في جميع ديار المسلمين شررها، وأطلع فيها النفاق ناصية رأسه، وكشر فيها الكفر عن أنيابه وأضراسه، وكاد فيها عمود الكتاب أن يجتث ويخترم، وحبل الإيمان أن ينقطع ويصطلم، وعقير دار المؤمنين أن يحل بها البوار، وأن يزول هذا الدين باستيلاء الفجرة التتار، وظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض أن: {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} وأن لن ينقلب حزب الله ورسوله إلى أهليهم أبدا، وزين ذلك في قلوبهم وظنوا ظن السوء وكانوا قوما بورا.

    ونزلت فتنة تركت الحليم فيها حيرانا، وأنزلت الرجل الصاحي منزلة السكران، وتركت الرجل اللبيب، لكثرة الوساوس ليس بالنائم ولا اليقظان، وتناكرت فيها قلوب المعارف والإخوان، حتى أن في الرجل بنفسه شغل عن أن يغيث اللهفان، وميّز الله فيها أهل البصائر والإيقان من الذين في قلوبهم مرض أو نفاق أو ضعف إيمان.

    ورفع بها أقواما إلى الدرجات العالية، كما خفض بها أقواما إلى المنازل الهاوية وكفّر بها عن آخرين أعمالهم الخاطئة، وحدث من أنواع البلوى ما جعلها مختصرة من القيامة الكبرى.

    فإن الناس تفرقوا فيها ما بين شقي وسعيد، كما يتفرقون كذلك في اليوم الموعود، ولم ينفع المنفعة الخالصة إلا الإيمان والعمل الصالح، والبر والتقوى، وبليت فيها السرائر، وظهرت الخبايا التي كانت تكنها الضمائر، وتبين أن البهرج من الأقوال والأعمال يخون صاحبه أحوج ما كان إليه في المآل، وذم سادته وكبراءه من أطاعهم فأضلوه السبيل، كما حمد ربه من صدق في إيمانه فاتخذ مع الرسول سبيلا. وبان صدق ما جاءت به الأخبار النبوية من الإخبار بما يكون، وواطأتها قلوب الذين هم في هذه الأمة محدثون أي: ملهمون كما تواطأت عليها المبشرات التي رآها المؤمنون.

    وتبين فيها الطائفة المنصورة الظاهرة، الذين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى يوم القيامة، حيث تحزب الناس ثلاثة أحزاب:

    حزب مجتهد في نصرة الدين، وآخر خاذل له، وآخر خارج عن شريعة الإسلام.

    وانقسم الناس بين مأجور ومعذور، وآخر قد غره بالله الغرور، وكان بهذا الامتحان تمييزاً من الله وتقسيما: {ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما}.

    قلت: وما ذكره من الامتحان والافتتان، قد رأينا ما هو نظيره، أو أعظم منه في هذه الأزمان، وكذلك انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام: أحدها ناصر لدين الإسلام، وساع في ذلك بكل جهده، وهم القليلون عددا الأعظمون عند الله أجرا.

    القسم الثاني: خاذل لأهل الإسلام، تارك لمعونتهم.

    القسم الثالث: خارج عن شريعة الإسلام بمظاهرة حزب الشرك ومناصحتهم. وقد روى الطبراني، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أعان صاحب باطل ليدحض بباطله حقا، فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله).

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,054

    افتراضي رد: شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    وهذا أوان الشروع في المقصود:

    فأما معاداة الكفار والمشركين:

    فاعلم أن الله سبحانه وتعالى أوجب ذلك وأكد إيجابه، وحرم موالاتهم وشدد فيها، حتى أنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم، بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده قال الله تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض، قالوا إنما نحن مصلحون} قال ابن جرير رحمه الله تعالى: فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دينه الذي لا يقبل من أحد عملا إلا بالتصديق به، والإيقان بحقيقته وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والتكذيب، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله، إن وجدوا إلى ذلك سبيلا.

    قال ابن كثير: وهذا الذي قاله حسن، فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء كما قال تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} فقطع الموالاة بين المؤمنين والكافرين كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين}.

    وقوله: {إنما نحن مصلحون} أي: نريد أن نداري بين الفريقين من المؤمنين والكافرين، ونصلح مع هؤلاء وهؤلاء. يقول الله: {ألا إنهم هم المفسدون} يقول: ألا إن هذا الذي يشهدونه ويزعمون أنه إصلاح، هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادا. اهـ.

    وهذا الذي ذكره، قد والله سمعناه ورأينا أهله، فإنه إذا قيل لهم: ما الحامل لكم على مجالسة أهل الشر والفساد؟ قالوا: نريد أن نصلح أحوالنا، ونستخرج دنيانا منهم، ويكون لنا يدٌ عندهم.

    وبعضهم: إذا ظن بالله ظن السوء من أدالة أهل الباطل، ورأى من له اتصال بهم وتوصل إليهم، أتخذه صديقا ورضي به جليسا، قائلا بلسان حاله: {نخشى أن تصيبنا دائرة} {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}، وقال تعالى: {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما. الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا}، إلى قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا}.

    قال ابن كثير: ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يعني أنهم معهم في الحقيقة، يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، يقولون إذا خلوا بهم: إنّا معكم، إنما نحن مستهزئُون بالمؤمنين في إظهارنا لهم الموافقة، قال الله تعالى منكرا عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين: {أيبتغون عندهم العزة} ثم أخبر بأن العزة كلها له وحده لا شريك له ولمن جعلها له، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا}، وقال تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}.

    والمقصود من هذا: التهييج على طلب العزة من جانب الله تعالى، والالتجاء إلى عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين، الذين لهم النصرة في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.

    قلت: فإذا كانت موالاة الكافرين من أفعال المنافقين، فهذا كافٍ في تحريمها والنهي عنها.

    وقال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} فنهى سبحانه المؤمنين عن موالاة الكافرين ثم قال: {ومن يفعل ذلك} أي: ومن يوالِ الكافرين، فليس من الله في شيء، أي: فقد برئ من الله، وبرئ الله منه، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، حفظا للإسلام والتوحيد.

    وقال تعالى: {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون}.

    قال شيخ الإسلام رحمه الله: فبين سبحانه وتعالى أن الإيمان بالله والنبي مستلزم لعدم ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان، لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم.

    قلت: رتب الله تعالى على موالاة الكافرين سخطه، والخلود في العذاب، وأخبر أن ولايتهم لا تحصل إلا ممن ليس بمؤمن، وأما أهل الإيمان بالله وكتابه ورسوله، فإنهم لا يوالونهم، بل يعادونهم، كما أخبر الله عن إبراهيم والذين معه من المرسلين، كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

    وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين. فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} فنهى سبحانه وتعالى المؤمنين أن يوالوا اليهود والنصارى، وذكر أن من تولاهم فهو منهم، أي من تولى اليهود فهو يهودي، ومن تولى النصارى فهو نصراني.

    وقد روى ابن أبي حاتم، عن محمد بن سيرين، قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا، وهو لا يشعر، قال: فظنناه يريد هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء}، إلى قوله: {فإنه منهم} وكذلك من تولى الترك، فهو تركي، ومن يتولى الأعاجم فهو عجمي، فلا فرق بين من تولى أهل الكتابين أو غيرهم من الكفار.

    ثم أخبر تعالى: أن الذين في قلوبهم مرض أي: شك في الدين وشبهة يسارعون في الكفار قائلين: {نخشى أن تصيبنا دائرة} أي: إذا أنكرت عليهم موالاة الكافرين، قالوا: نخشى أن تكون الدولةُ لهم في المستقبل فيتسلطوا علينا، فيأخذوا أموالنا ويشردونا من بلداننا. وهذا هو ظن السوء بالله، الذي قال الله فيه: {الظآنين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا}.

    ولهذا قال تعالى في الآية: {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده} وعسى: من الله واجب.

    فالحمد لله الذي أتى بالفتح، فأصبح أهل الظنون الفاسدة على ما أسروا في أنفسهم نادمين.

    وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين} فنهى سبحانه المؤمنين عن موالاة أهل الكتابين وغيرهم من الكفار، وبين أن موالاتهم تنافي الإيمان.

    وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هو الظالمون. قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانُكم وأزواجُكم وعشيرتُكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين}.

    فنهى سبحانه وتعالى المؤمن عن موالاة أبيه وأخيه اللذين هما أقرب الناس إليه إذا كان دينهما على غير الإيمان، وبين أن الذي يتولى أباه وأخاه إذا كانا كافرين فهو ظالم، فكيف بمن تولى الكافرين الذين هم أعداء له ولآبائه ولدينه؟! بلى والله إنه لمن أظلم الظالمين.

    ثم بيّن تعالى أن هذه الثمانية لا تكون عذراً في موالاة الكافرين، فليس لأحد أن يواليهم خوفاً: على أبيه، أو أخيه، أو بلاده، أو ماله، أو مشحة بعشيرته، أو مخافة على زوجاته، فإن الله قد سد على الخلق باب الاعتذار بهذه الثمانية، وذلك أن ما من أحد يوالي المشركين إلا وهو يعتذر بها أو ببعضها، وقد بان أن هذا ليس بعذر.

    فإن قيل: قد قال كثير من المفسرين: أن هذه الآية نزلت في شأن الجهاد.

    فالجواب من وجهين:

    أحدهما أن نقول: إذا كانت هذه الثمانية ليست عذرا في ترك الجهاد الذي هو فرض على الكفاية، فكونها لا تكون عذرا في ترك عداوة المشركين ومقاطعتهم، بطريق الأولى.

    الوجه الثاني: أن الآية نفسها دلت على ما ذكرناه، كما دلت على الجهاد، فإنه قال: {أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله} فإن محبة الله ورسوله توجب إيثار عداوة المشركين ومقاطعتهم على هذه الثمانية، وتقديمها عليها، كما أن محبة الجهاد توجب إيثاره عليها، وبالله التوفيق.

    وهذا إذا سمعه المنصف يكون عنده ظاهرا، وأما من أعمى الله بصيرته بسبب تعصبه، فكما قال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون. ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم}.

    وقال تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} ثم قال: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} فأخبر أن الكفار إذا لم يوال بعضهم بعضا بأن ينحازوا عن المسلمين، ويقطع المسلمون أيديهم منهم، وإلا وقعت الفتنة والفساد الكبير.

    فتبين أن موالاة المؤمن للكافر سبب الافتتان في الدين، بترك واجباته، وارتكاب محرماته، والخروج عن شرائعه، وسبب للفساد في الأديان والأبدان والأموال، فأين هذا من قول أهل الفساد والمجون: أن موالاة المشركين صلاح وعافية وسلامة؟!

    وقال تعالى: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء، حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا} فأخبر تعالى عن الكفار: أنهم يودون كفر المسلمين كما كفّروهم، ثم نهى أهل الإيمان عن موالاتهم حتى تحصل منهم الهجرة بعد الإسلام.

    وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل. إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون. لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير. قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده...}، إلى قوله: {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين و أخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون...}، إلى قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور}.

    وقد ثبت في الصحاح: أن هذه السورة نزلت في رجل من الصحابة، لما كتب إلى أهل مكة يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم عام الفتح، فأنزل الله هذه الآيات بخبر هذا الكتاب، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب في أثر المرأة التي ذهبت بالكتاب، فوجده في عقيصة رأسها، فجاء الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعتذر ويحلف أنه ما شك، ولكنه ليس له من يحمي مَن وراءه من أهله بمكة، وأنه أراد هذا يدا عند قريش، وأستأذن بعض الصحابة في قتله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وما يدريك أن الله أطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فلولا أن ذلك الرجل كان من أهل بدر، لقتل لأجل هذا الكتاب.

    ففي هذه السورة مع سبب نزولها، من الأدلة على وجوب عداوة الكفار ومقاطعتهم أدلة كثيرة:

    فنهى تعالى أهل الإيمان عن اتخاذ عدوه وعدوهم وليا، وهذا تهييج على عداوتهم، فإن عداوة المعادي لربك باعثة وداعية إلى عداوتك له.

    ولنضرب لذلك مثلا ولله المثل الأعلى؛ فقدّر نفسك مملوكا لإنسان هو سيدك، والسبب في حصول مصالحك ومنع مضارك، وسيدك له عدو من الناس، فهل يصح عندك، ويجوز في عقلك أن تتخذ عدو سيدك ولياً، ولم ينهك عن ذلك؟! فكيف إذا نهاك أشد النهي، ورتب على موالاتك له أن يعذبك، وأن يسخط عليك، وأن يوصل إليك ما تكره، ويمنع عنك ما تحب؟ فكيف إذا كان هذا العدو لسيدك، عدوا لك أيضا، فإن واليته مع ذلك كله، إنك إذاً لمن الظالمين الجاهلين!!

    ثم قال: {تلقون إليهم بالمودة} وهذا كاف في إبطال شبهة المشبهين، فإنه إذا أنكر عليهم موالاة المشركين وموادتهم قالوا: لم يصدر منا ذلك، وهم مع ذلك يعينون أهل الباطل بأموالهم، ويذبون عنهم بألسنتهم، ويكاتبونهم بعورات المسلمين.

    فأين هذا من الكتاب الذي نزلت فيه هذه السورة؟ وقد سماه الله إلقاء بالمودة!، وهذا ظاهر جداً.

    ثم قال: {وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم} فذكر ما يدعو إلى عداوتهم: وهو كفرهم بالحق الذي جاءنا من عند الله، وإخراجهم النبي صلى الله عليه وسلم وأهل الإسلام، لأجل الإيمان بالله.

    ثم حذر تعالى من موالاتهم، بأنه يعلم السر و العلانية، وهذا تهديد شديد.

    ثم قال: {ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل} أي: من يتول أعداء الله، ويلقي إليهم بالمودة، ويسر إليهم، فقد أخطأ الصراط المستقيم، وخرج عن طريق الصواب.

    ثم قال: {إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءًا} فبين أنهم إن قدروا على المسلم، واستولوا عليه: ساموه سوء العذاب، وبسطوا إليه أيديهم وألسنتهم بالضرب أو القتل، وبالكلام الغليظ، ولو كان يواليهم ويكاتبهم في حال بعده عنهم، فإنهم لا يرضون عنه ويسلمونه من شرهم، حتى يكون دينه دينهم، ولهذا قال: {وودوا لو تكفرون} وكما قال: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}.

    ثم قال: {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة} فبين أن كون الرجل له أرحام وأولاد عند المشركين، لا يبيح له موالاتهم، كما اعتذر هذا الرجل بأن له في مكة أرحاما وأولاداً، فلم يعذره الله تعالى، فإنه يجب على الإنسان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولا يحصل الإيمان حتى يكون الرسول أحب إلى الإنسان من ولده ووالده والناس أجمعين.

    فقوله: {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة} أي: لن ينجوكم من عذاب الله، فكيف تقدمونهم على مراد الله؟، ولأجلهم توالون أعداء الله!! والله تعالى مطلع عليكم، بصير بأقوالكم وأعمالكم ونيّاتكم.

    ثم بين أن هذا الذي دلهم عليه من موالاة المؤمنين، ونهاهم عنه من موالاة الكافرين: ليس هو أمراً لهم وحدهم، بل هو الصراط المستقيم الذي عليه جميع المرسلين فقال: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه} أي: من المرسلين {إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده}.

    فقوله: {قد كانت لكم أسوة حسنة} كقوله تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا}.

    فأمرنا سبحانه وتعالى أن نتأسى بإبراهيم الخليل ومن معه من المرسلين في قولهم: {إنا برءاء منكم}، إلى آخره، وإذا كان واجبا على المسلم أن يقول هذا لقومه الذين هو بين أظهرهم، فكونه واجبا للكفار الأبعدين عنه المخالفين له في جميع الأمور، أبين وأبين.

    وهاهنا نكتة بديعة في قوله: {إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله}: وهي أن الله تعالى قدم البراءة من المشركين العابدين غير الله، على البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله، لأن الأول أهم من الثاني، فإنه قد يتبرأ من الأوثان ولا يتبرأ ممن عبدها، فلا يكون آتياً بالواجب عليه، وأما إذا تبرأ من المشركين، فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم.

    وهذا كقوله تعالى: {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا} فقدم اعتزالهم على اعتزال معبوداتهم، وكذا قوله: {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله}، وقوله: {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله} فعليك بهذه النكتة، فإنها تفتح لك بابا إلى عداوة أعداء الله، فكم من إنسان لا يقع منه الشرك، ولكنه لا يعادي أهله!! فلا يكون مسلما بذلك، إذا ترك دين جميع المرسلين.

    ثم قال: {كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا} فقوله: {وبدا} أي: ظهر وبان. وتأمل تقديم العداوة على البغضاء، لأن الأولى أهم من الثانية، فإن الإنسان قد يبغض المشركين ولا يعاديهم فلا يكون آتياً بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة والبغضاء، ولابد أيضاً من أن تكون العداوة والبغضاء باديتين، أي: ظاهرتين بينتين.

    واعلم انه وإن كانت البغضاء متعلقة بالقلب، فإنها لا تنفع حتى تظهر آثارها وتبين علاماتها، ولا تكون كذلك حتى تقترن بالعداوة والمقاطعة، فحينئذ تكون العداوة والبغضاء ظاهرتين، وأما إذا وجدت الموالاة والمواصلة، فإن ذلك يدل على عدم البغضاء، فعليك بتأمل هذا الموضع فإنه يجلو عنك شبهات كثيرة، ثم قال: {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين، وأخرجوكم من دياركم، وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} فذكر سبحانه وتعالى أفعالا تدعو إلى مقاطعتهم، وترك موالاتهم، وهي: أنهم يقاتلون في الدين، أي: من أجله، يعني أن الذي حملهم على قتالكم ما أنتم عليه من الدين لعداوتهم له، وأيضا يخرجون المؤمنين من ديارهم، ويعاونون على إخراجهم، فمن تولاهم مع ذلك فهو من أظلم الظالمين.

    وفي هذه الآية: أعظم الدليل وأوضح البرهان على أن موالاتهم محرمة منافية للإيمان، وذلك أنه قال: {إنما ينهاكم الله} فجمع بين لفظة: إنما، المفيدة للحصر، وبين النهي الصريح، وذكر الخصال الثلاث، وضمير الحصر وهو لفظة هم ثم ذكر الظلم المعرف بأداة التعريف.

    ثم قال: {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور} فنهى سبحانه أهل الإيمان عن موالاة الذين غضب الله عليهم، فلا يحسن من المؤمن ولا يجوز منه أن يوالي من فعل ما يغضب الله تعالى من الكفر، فإن موالاته له تنافي الإيمان بالله تعالى.

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,054

    افتراضي رد: شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    فصل
    وهاهنا أمور يجب التنبيه عليها، ويتعين الاعتناء بها، ليتم لفاعلها مجانبة دين المشركين:

    الأمر الأول: ترك اتباع أهوائهم:

    وقد نهى الله تعالى عن اتباعها، قال تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن أتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير}.

    قال شيخ الإسلام: فانظر كيف قال في الخبر {ملتهم}، وقال في النهي {أهواءهم} لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقا، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير، وقال تعالى لموسى وهارون: {فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون}، وقال موسى لأخيه هارون: {أخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين}، وقال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولَّه ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}، وقال تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق}، إلى قوله: {ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك}، وقال تعالى: {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين. وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون. ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون. إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين}.

    قال شيخ الإسلام: فأخبرنا سبحانه وتعالى أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيا من بعضهم لبعض، ثم جعل محمداً صلى الله عليه وسلم على شريعة شرعها له وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته وأهواؤهم: ما يهوونه.

    قلت: فإذا كان اتباع أهواء جميع الكفار وسلوك ما يحبونه منهيا عنه وممنوعا منه، فهذا هو المطلوب، وما ذاك إلا خوفا من إتباعهم في أصل دينهم الباطل.

    وقال تعالى: {وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق} فأخبر سبحانه: أنه أنزل كتابه حكما عربيا، ثم توعده على اتباع أهواء الكفار بهذا الوعيد الشديد. وقال تعالى: {ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون}، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وجوب ترك أهواء الكافرين، وتحريم اتباعها، وأنه من أعظم القوادح في الدين.

    الأمر الثاني: معصيتهم فيما أمروا به:

    فإن الله تعالى نهى عن طاعة الكافرين، وأخبر أن المسلمين إن أطاعوهم، ردوهم عن الإيمان إلى الكفر والخسارة، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين}، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين}، وقال تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا}، وقال تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون}، وقال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون}، وقال تعالى: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا. فلا تطع الكافرين وجهادهم به جهادا كبيرا}، وقال تعالى: {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما}، وقال تعالى إخبارا عمن أطاع رؤساء الكفر: {وقالوا ربنا إنَّا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا}، وقال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} وفسّر النبي صلى الله عليه وسلم اتخاذهم أربابا: بأنها طاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام.

    فإذا كان من أطاع الأحبار وهم العلماء، والرهبان وهم العبَّاد في ذلك، فقد اتخذهم أربابا من دون الله، فمن أطاع الجهال والفساق في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله، بل ذلك أولى وأحرى.

    الأمر الثالث: ترك الركون إلى الكفرة الظالمين:

    وقد نهى الله عن ذلك، فقال تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} فنهى سبحانه وتعالى عن الركون إلى الظلمة، وتوعد على ذلك بمسيس النار وعدم النصر، والشرك هو أعظم أنواع الظلم، كما قال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} فمن ركن إلى أهل الشرك، أي: مال إليهم أو رضي بشيء من أعمالهم، فإنه مستحق لأن يعذبه الله بالنار، وأن يخذله في الدنيا والآخرة.

    وقال تعالى: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا} فأخبر سبحانه وتعالى: أنه لولا تثبيته لرسوله صلى الله عليه وسلم، لركن إلى المشركين شيئا قليلا، وأنه لو ركن إليهم لأذاقه عذاب الدنيا والآخرة مضاعفا، ولكن الله ثبته فلم يركن إليهم، بل عاداهم وقطع اليد منهم.

    ولكن إذا كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم مع عصمته، فغيره أولى بلحوق هذا الوعيد به.

    الأمر الرابع: ترك موادة أعداء الله:

    قال الله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم}.

    قال شيخ الإسلام: فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يوجد مؤمن يواد كافرا، فمن واد الكفار فليس بمؤمن. اهـ.

    قلت: فإذا كان الله تعالى قد نفى الإيمان عمن واد أباه وأخاه وعشيرته إذا كانوا محادّين الله ورسوله، فمن واد الكفار الأبعدين عنه، فهو أولى بأن لا يكون مؤمنا.

    الأمر الخامس: ترك التشبه بالكفار في الأفعال الظاهرة:

    لأنها تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر.

    وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة، حتى أن الرجلين إذا كانا من بلد واحد ثم اجتمعا في دار غربة، كان بينهما من المودة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مصرهما، لم يكونا متعارفين، أو كانا متهاجرين، وذلك لأن الإشتراك نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة، بل لو اجتمع رجلان في سفر أو بلد غربة، فكانت بينهم مشابهة في العمامة أو الثياب، أو الشعر أو المركب، ونحو ذلك، لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما، وكذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية: يألف بعضهم ببعض مالا يألفون غيرهم، حتى أن ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة: إما على الملك، وإما على الدين، وتجد الملوك ونحوهم من الرؤساء، وإن تباعدت ديارهم وممالكهم، بينهم مناسبة تورث مشابهة وحماية من بعضهم لبعض، وهذا كله موجب الطباع ومقتضاها، إلا أن يمنع من ذلك دين أو غرض خاص.

    فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة لهم، فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟! فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.

    قلت: فإذا كانت مشابهة الكفار في الأفعال الظاهرة، إنما نُهي عنها لأنها وسيلة وسبب يفضي إلى موالاتهم ومحبتهم، فالنهي عن هذه الغاية والمحذور أشد، والمنع منه وتحريمه أوكد، وهذا هو المطلوب.


  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,054

    افتراضي رد: شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    ذكر بعض الدليل على النهي عن مشابهة الكفار والمشركين
    روى أبو داود في سننه عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تشبه بقوم فهو منهم).

    قال شيخ الإسلام: وإسناده جيد، وأقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، كما في قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}.

    وهو نظير ما سنذكره عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: من بنى بأرض المشركين، وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة. وقد ثبت عن عائشة، أنها كرهت الاختصار في الصلاة، وقالت: لا تشبهوا باليهود.

    وروى البيهقي بإسناد صحيح، عن عمرو بن دينار، قال: قال: عمر بن الخطاب: لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم.

    وروى بإسناد صحيح، عن أبي أسامة حدثنا عوف، عن أبي المغيرة عن عبد الله بن عمرو، قال: من بنى ببلاد الأعاجم، فصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك، حُشر معهم يوم القيامة.

    فهذا عمر نهى عن تعلم لسانهم، وعن مجرد دخول الكنيسة عليهم يوم عيدهم، فكيف بفعل بعض أفعالهم؟ أو فعل ما هو من مقتضيات دينهم؟! أليست موافقتهم في العمل أعظم من الموافقة في اللغة؟ أوليس عمل بعض أعمال عيدهم أعظم من مجرد الدخول عليهم في عيدهم؟!

    وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم، فمن يشركهم في العمل أو بعضه، أليس قد تعرض إلى العقوبة.

    وأما عبد الله بن عمرو فصرح: إنه من بنى ببلادهم، وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم، وهذا يقتضي أنه جعله كافرا بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور، أو جعل ذلك من الكبائر الموجبة للنار، وإن كان الأول ظاهر لفظه. فتكون المشاركة في بعض ذلك معصية، لأنه لو لم يكن مؤثرا في استحقاق العقوبة، لم يجز جعله جزءا من المقتضى، إذ المباح لا يعاقب عليه، وليس الذم على بعض ذلك مشروطاً ببعض، لأن أبعاض ما ذكره تقتضي الذم منفردا.

    وعن عمرو بن ميمون الأودي، قال: قال عمر رضي الله عنه: كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأفاض قبل طلوع الشمس.

    وقد روي في هذا الحديث فيما أظنه أنه قال: (خالف هدينا هدي المشركين) وكذلك كانوا يفيضون من عرفات قبل غروب الشمس، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإفاضة بعد الغروب.

    وعن عبد الله بن عمرو قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ ثوبين معصفرين، قال: (إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها) رواه مسلم. علل النهي عن لبسها بأنها من ثياب الكفار.

    وفي كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عتبة بن فرقد: وإياك وزِي أهل الشرك. وهو في الصحيحين.

    وروى الخلال، عن محمد بن سيرين: أن حذيفة أتى بيتاً، فرأى فيه شيئا من زِي العجم، فخرج، وقال: من تشبه بقوم فهو منهم. وقال علي بن أبي صالح السواق: كنا في وليمة، فجاء أحمد بن حنبل، فلما دخل نظر إلى كرسي في الدار عليه فضة، فخرج، فلحقه صاحب الدار، فنفض يده في وجهه وقال: زي المجوس، زي المجوس!!

    وعن قيس بن أبي حازم، قال: دخل أبو بكر، على امرأة من أحمس يقال لها: زينب فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم؟ فقالوا: حجت مصمتة، فقال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت، فقالت: من أنت؟ قال: امرء من المهاجرين، قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش، قالت: من أي قريش؟ قال: إنكِ لسؤول، أنا أبو بكر، فقالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت لكم أئمتكم، قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤساء وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟، قالت: بلى، قال: فهم أولئك على الناس، رواه البخاري في صحيحه.

    فأخبر أبو بكر رضي الله عنه: أن الصمت المطلق لا يحل، وعقب ذلك بقوله: هذا من عمل الجاهلية، قاصدا بذلك عيب هذا العمل وذمه، وتعقيب الحكم بالوصف دليل على أن الوصف علّة فدل على أن كونه من عمل الجاهلية وصف يوجب النهي عنه والمنع منه.

    وقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، إلى المسلمين المقيمين ببلاد فارس: إياكم وزي أهل الشرك.

    وهذا نهي عنه للمسلمين، عن كل ما كان من زي المشركين، وفي كتابه إلى عتبة بن فرقد: إياكم والتنعم، وزي أهل الشرك ولبوس الحرير.

    وروى أحمد بن حنبل في المسند: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان بالجابية، فذكر فتح بيت المقدس، قال حماد بن سلمة: فحدثني أبو سنان، عن عبيد بن آدم، قال سمعت عمر رضي الله عنه يقول لكعب، أين ترى أن أصلي، قال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك، فقال عمر رض الله عنه، ضاهيت اليهود!! لا، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه فكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس.

    فعاب رضي الله عنه على كعب مضاهاة اليهودية، أي: مشابهتها في مجرد استقبال الصخرة، لما فيه من مشابهة من يعتقدها قبلة باقية وإن كان المسلم لا يقصد أن يصلي إليها.

    وقد كان لعمر رضي الله عنه في هذا الباب من السياسات المحكمة، ما هي مناسبة لسائر سيرته المرضية، فإنه رضي الله عنه هو الذي استحالت ذَنوبُ الإسلام في يده غربا، فلم يفرِ عبقريٌ فريه، حتى صدر الناس بعطن، فأعز الإسلام وأذل الكفر وأهله وأقام شعار الدين الحنيف، ومنع من كل أمر فيه تذرع إلى نقض عُرى الإسلام، مطيعا في ذلك لله ولرسوله، وقافا عند كتاب الله، ممتثلا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، محتذيا حذو صاحبه، مشاورا في أموره للسابقين الأولين، حتى أن العمدة في الشرط على أهل الكتاب على شروطه، وحتى منع من استعمال كافر أو ائتمانه على الأمة وإعزازه بعد إذ أذله الله وحتى روي أنه حرق الكتب العجمية، وهو الذي منع أهل البدع أن ينبغوا وألزمهم ثوب الصغار.

    وروى الخلال عن عكرمة، عن ابن عباس: انه سأل رجل أأحتقن؟، قال: لا تبد العورة، ولا تستن بسنة المشركين. فقوله: لا تستن بسنة المشركين عام، وروى أبو داود عن أنس: أنه دخل عليه غلام وله قرنان أو قصتان، فقال: احلقوا هذين أو قصوهما، فإن هذا زي اليهود.

    علل النهي عنهما بأن ذلك زي اليهود، وتعليل النهي بعلة يوجب أن تكون العلة مكروهة، مطلوبا عدمها، نقل ذلك شيخ الإسلام.

    وقال أيضا، عند قوله صلى الله عليه وسلم: (هل بها عيد من أعياد الجاهلية): وهذا نهي شديد عن أن يفعل شيء من أعياد الجاهلية على أي وجه كان، وأعياد الكفار من الكتابيين والأميين في دين الإسلام من جنس واحد، كما أن كفر الطائفتين سواء في التحريم، وإن كان بعضه أشد تحريما من بعض، وإذا كان الشارع قد حسم مادة أعياد أهل الأوثان خشية أن يتدنس المسلم بشيء من أمر الكفار الذين يئس الشيطان أن يقيم أمرهم في جزيرة العرب، فالخشيه من تدنسه بأوضار الكتابيين الباقين أشد، والنهي عنه أوكد.

    إلى أن قال: وقد بالغ صلى الله عليه وسلم في أمر أمته بمخالفتهم في كثير من المباحات، وصفات الطاعات، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى موافقتهم، في غير ذلك من أمورهم، ولتكون المخالفة في ذلك حاجزاً ومانعا عن سائر أمورهم، فإنه كلما كثرت المخالفة بينك وبين أهل الجحيم كان أبعد عن أعمال الجحيم.

    فليس بعد حرصه على أمته ونصحه لهم غاية صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك من فضل الله عليه وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

    قلت: فإذا كانت مبالغته صلى الله عليه وسلم في أمر أمته بمخالفة الكفار، إنما هي خوفا من أن تكون مشابهتهم في الهدي الظاهر، مؤدية وجارّة إلى الموافقة والموالاة، فما بال كثير ممن يدّعي الإسلام قد وقع في المحذور بعينه، وهم مع ذلك يحسبون أنهم يحسنون صنعا؟!!

    وروى أبو داود في سننه وغيره من حديث هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من الأنصار، قال: اهتم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة، وكيف يجمع الناس لها، فذكروا له شبور اليهود، فلم يعجبه ذلك، وقال: (هو من أمر اليهود)، وقال: (فذكروا له الناقوس، فقال: (هو من أمر النصارى...) الحديث.

    قال في القاموس: شبور كتنور. البوق الذي ينفخ فيه ويزمر. اهـ.

    والغرض: أنه صلى الله عليه وسلم لما كره بوق اليهود المنفوخ بالفم وناقوس النصارى المضروب باليد، علل هذا بأنه من أمر اليهود، وعلل هذا بأنه من أمر النصارى، لأن ذكر الوصف عقيب الحكم يدل على أنه علة له، وهذا يقتضي نهيه عما هو من أمر اليهود والنصارى، ويقتضي كراهة هذا النوع من الأصوات مطلقا في غير الصلاة أيضا، لأنه من أمر اليهود والنصارى.

    فإن النصارى كانوا، يضربون بالنواقيس في أوقات متعددة غير أوقات عباداتهم، وإنما شعار الدين الحنيف الآذان المتضمن للإعلان بذكر الله سبحانه، الذي به تفتح أبواب السماء وتهرب الشياطين، وتنزل الرحمة، وقد أبتُلي كثير من هذه الأمة من الملوك وغيرهم بهذا الشعار اليهودي والنصراني، وهذه المشابهة لليهود والنصارى وللأعاجم من الروم والفرس، لما غلبت على ملوك المشرق هي وأمثالها، مما خالفوا به هدي المسلمين ودخلوا فيما كرهه الله ورسوله، سلط الله عليهم الترك الكافرون الموعود بقتالهم، حتى فعلوا في العباد والبلاد ما لم يجرِ في دولة الإسلام مثله، وذلك تصديق قوله صلى الله عليه وسلم: (لتركبن سنن من كان قبلكم). انتهى من الإقتضاء.

    وكما وقع من العقوبة على مخالفة هدي المسلمين بتسليط الترك الكفار على ما ذكره شيخ الإسلام، وقع نظيره في هذه الأزمان، فإن المنتسبين إلى الإسلام لما سلكوا كثيرا من هدي اليهود والنصارى وأهل الجاهلية المشركين والأعاجم أعداء الدين وتشبهوا بهم في كثير من الأمور سلط عليه الترك الكافرون الخارجون عن شرائع الإسلام.

    فجرى على الإسلام محن عظيمة، وأمور كبيرة حتى أنهم يذلون الرئيس، ويمتهنون الشيخ الكبير، ولا يرحمون العاجز، ولا الضعيف فأفسدوا الأديان، وخربوا البلدان، وأهانوا الأبدان، وذلك بحكمة الديان عقوبة على الظلم والعصيان، والله المستعان وعليه التكلان.

    ولكن من رحمة الله تعالى أن الحق لا يزول، ويأبى الله إلا إظهار دين الرسول: {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} فإذا محص الله أهل الإيمان وانتهى ما عاقبهم به على العصيان، وشمخت أنوف أهل الفساد والكفران، وظنوا أن الدولة لهم في غابر الأزمان، أظهر الله عليهم شمس الإسلام والإيمان، فمزقهم بها في أقرب أوان، وشردهم إلى أقصى البلدان، قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

    والله ناصر دينه وكتابه ورسوله في سائر الأزمان
    لكن بمحنة حزبه من حزبه ذا حكمه مذ كانت الفئتان

    وقال أيضاً:

    والحق منصور وممتحن فلا تعجب فهذه سنة الرحمن
    وبذاك يظهر حزبه من حزبه ولأجل ذاك الناس طائفتان

    وقال شيخ الإسلام في الكلام على شروط أهل الذمة: وذلك يقتضي إجماع المسلمين على التمييز عن الكفار ظاهرا، وترك التشبه بهم، ولقد كان أمراء العدل مثل العمرين وغيرهم يبالغون في تحقيق ذلك بما يتم به المقصود.

    وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني، أن عمر رضي الله عنه كتب: أن لا تكاتبوا أهل الذمة فتجري بينكم وبينهم المودة، ولا تكنوهم، وأذلوهم، ولا تظلموهم.

    ثم قال: ومن جملة الشروط: ما يعود بإخفاء منكرات دينهم، وترك إظهارها، ومنها ما يعود بإخفاء شعار دينهم، فاتفق عمر رضي الله عنه والمسلمون معه وسائر العلماء بعدهم ومن وفقه الله عز وجل، من ولاة الأمر: على منعهم من أن يظهروا في الإسلام شيئا مما يختصون به، مبالغة في أن لا يظهر في دار الإسلام خصائص المشركين.

    فكيف إذا عملها المسلمون وأظهروها هم!!

    ومنها ما يعود بترك إكرامهم، وإلزامهم الصغار الذي شرعه الله تعالى، ومن المعلوم أن تعظيم أعيادهم ونحوها بالموافقة فيها نوع من إكرامهم، فإنهم يفرحون بذلك، ويسرون به، كما يغتمون بإهمال أمر دينهم الباطل.

    قال شيخ الإسلام أيضاً: وقال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} ومعلوم أن الكفار فرقوا دينهم وكانوا شيعا، كما قال تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} وقد قال لنبيه: {لست منهم في شيء} وذلك يقتضي تبرؤه منهم في جميع الأشياء.

    ومن تابع غيره في بعض أموره، فهو منه في ذلك الأمر، لأن قول القائل: أنا من هذا، وهذا مني. أي: أنا من نوعه، وهو من نوعي، لأن الشخصين لا يتحدان إلا بالنوع، كما في قوله: {بعضهم من بعض}، وقوله عليه السلام لعلي: (أنت مني وأنا منك).

    وقول القائل: لست من هذا في شيء. أي: أنا متبرئ من جميع أموره. وإذا كان الله قد برأ رسوله من جميع أمورهم، فمن كان متابعا للرسول صلى الله عليه وسلم حقيقة كان متبرئاً كتبرئه، ومن كان موافقا لهم كان مخالفا للرسول صلى الله عليه وسلم بقدر موافقته لهم، فإن الشخصين المختلفين من كل وجه، كلما شابهت أحدهما خالفت الآخر.

    وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء}، وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم} يعيب بذلك المنافقين الذين تولوا اليهود، إلى قوله: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله}، إلى آخر السورة، وقال تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض}، إلى آخر السورة.

    فعقد سبحانه وتعالى: الموالاة بين المهاجرين والأنصار، وبين من آمن من بعدهم وهاجر وجاهد إلى يوم القيامة.

    والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والجهاد باق إلى يوم القيامة، وقال تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} الآيتين، ونظائر هذا في غير موضع من القرآن، يأمر سبحانه بموالاة المؤمنين حقا الذين هم حزبه وجنده، ويخبر أن هؤلاء لا يوالون الكافرين، ولا يوادنهم، والموالاة والموادة: وإن كانت متعلقة بالقلب، لكن المخالفة في الظاهر، أعون على مقاطعة الكافرين ومباينتهم.

    مشاركتهم في الظاهر، وإن لم تكن ذريعة، أو سببا قريباً أو بعيدا إلى نوع ما من الموالاة والموادة: فليس فيها مصلحة المقاطعة والمباينة، مع أنها تدعو إلى نوع ما من المواصلة، كما توجبه الطبيعة، وتدل عليه العادة، ولهذا كان السلف رضي الله عنهم يستدلون بهذه الآيات، على ترك الاستعانة بهم في الولايات.

    فروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قلت لعمر رضي الله عنه: إن لي كاتبا نصرانيا. قال: ما لك؟ قاتلك الله، أما سمعت الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} ألا اتخذت حنيفا، قال: قلت: يا أمير المؤمنين: إن لي كتابته، وله دينه، قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله.

    وكما دل عليه معنى الكتاب، جاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين التي أجمع الفقهاء عليها بمخالفتهم وترك التشبه بهم.

    ففي الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم) أمر بمخالفتهم، وذلك يقتضي أن يكون جنس مخالفتهم أمرا مقصودا للشارع، لأنه إن كان الأمر بجنس المخالفة حصل المقصود، وإن كان الأمر بمخالفة في تغيير الشعر فقط فهو لأجل ما فيه من المخالفة.

    فالمخالفة: إما علة مفردة، أو علة أخرى، أو بعض علة، وعلى التقديرات تكون مأمورا بها، مطلوبة من الشارع.

    وقال تعالى: {والذين لا يشهدون الزور} قال الضحاك: الزور، عيد المشركين. رواه أبو الشيخ بإسناده، وبإسناده عنه الزور: كلام الشرك. وبإسناده عن ابن مرة: لا يمالؤون أهل الشرك على شركهم، ولا يخالطونهم.

    وبإسناده عن عطاء بن يسار قال: قال عمر: (إياكم ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم).

    وقول هؤلاء التابعين: إنه أعياد الكفار. ليس مخالفا لقول بعضهم: إنه الشرك، أو صنم كان في الجاهلية. ولقول بعضهم: إنه مجالس الخنا. وقول بعضهم: إنه الغناء. لأن عادة السلف في تفسيرهم هكذا، يذكر الرجل نوعا من أنواع المسمى، لحاجة المستمع إليه، أو لينبه به على الجنس.

    ووجه تفسير التابعين: أن الزور: هو المحسّن المموّه، حتى يظهر بخلاف ما هو عليه في الحقيقة. ولهذا فسره السلف: تارة بما يظهر حسنه لشبهة، أو لشهوة. فإن الشرك ونحوه: يظهر حسنه للشبهة، والغناء ونحوه: يظهر حسنه للشهوة.

    وأما أعياد المشركين: فجمعت الشبهة والشهوة، وهي باطلة، إذ لا منفعة فيها في الدين، وما فيها من اللذة العاجلة فعاقبتها الألم، فصارت زورا، وشهودها: حضورها. وإذا كان الله قد مدح ترك شهودها الذي هو مجرد الحضور برؤية أو سماع، فكيف بالموافقة بما يزيد على ذلك من العمل الذي هو عمل الزور لا مجرد شهوده؟!!

    واعلم أنا لو لم نعلم من موافقتهم إلا ما قد أفضت إلى هذه القبائح، لكان عملنا بما وافقت الطباع عليه، واستدلالنا بأصول الشريعة: يوجب النهي عن هذه الذريعة، فكيف وقد رأينا من المنكرات التي أفضت إليها المشابهة، مما قد يوجب الخروج عن الإسلام بالكلية!!

    وسر هذا: أن المشابهة تفضي إلى كفر أو معصية غالبا، أو تفضي إليهما في الجملة، وما أفضى إلى ذلك كان محرما.

    فهذا بعض ما جاء من الأدلة في النهي عن مشابهة المشركين والكفار، ولكن رحم الله من تنبه للسر الذي سيق الكلام لأجله وهو: أن المشابهة في الهدي الظاهر، إنما نهي عنها، لأنها تورث نوع مودة وموالاة في الباطن، وتفضي أيضا إلى كفر أو معصية، وهذا هو السبب في تحريمها والنهي عنها. فإذا علمت ذلك، وتبين ما وقع فيه كثير من الناس أو أكثرهم من موالاة الكفار والمشركين، التي إنما نهي عن هذه الأمور خوفا من الوقوع فيها تبين لك أنهم وقعوا في نفس المحذور، وتوسطوا مفازة المهلكة.

    والله الهادي إلى سواء الصراط.

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,054

    افتراضي رد: شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    فصل؛ في ذكر جوابات عن إيرادات أوردها بعض المسلمين على أولاد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى وعفا عنهم
    فمن ذلك: ما قولكم في رجل دخل هذا الدين وأحبه، ولكن لا يعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال: أنا مسلم ولكن ما اقدر أكفر أهل لا إله إلا الله، ولو لم يعرفوا معناها؟! ورجل دخل هذا الدين وأحبه، ولكن يقول: لا أتعرض القباب وأعلم أنها لا تضر ولا تنفع ولكن لا أتعرضها.

    الجواب:

    أن الرجل لا يكون مسلما إلا إذا عرف التوحيد، ودان به، وعمل بموجبه، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به، وأطاعه فيما نهى عنه وأمر به، وآمن به وبما جاء به.

    فمن قال لا أعادي المشركين أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال: لا أتعرض أهل لا إله إلا الله، ولو فعلوا الكفر والشرك، وعادوا دين الله، أو قال: لا أتعرض القباب، فهذا لا يكون مسلما، بل هو ممن قال الله فيهم: {ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا. أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا}.

    والله سبحانه وتعالى: أوجب معاداة المشركين ومنابذتهم، وتكفيرهم، فقال: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم}، وقال تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول} الآيات والله أعلم. نقل من: جواب الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأخيه عبد الله.

    وفي أجوبة أخرى: ما قولكم في الموالاة والمعاداة، هل هي من معنى لا إله إلا الله، أو من لوازمها؟

    الجواب:

    أن يقال: الله أعلم، حسب المسلم أن يعلم أن الله افترض عليه عداوة المشركين، وعدم موالاتهم، وأوجب عليه محبة المؤمنين وموالاتهم، وأخبر أن ذلك من شروط الإيمان. ونفى الإيمان عمن يواد من حآد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، وأما كون ذلك من معنى لا إله إلا الله، أو من لوازمها: فلم يكلفنا الله بالبحث عن ذلك، وإنما كلفنا بمعرفة أن الله فرض ذلك وأوجبه، وأوجب العمل به. فهذا الفرض والحتم الذي لا شك فيه.

    ومن عرف أن ذلك من معناها أو من لازمها، فهو حسن وزيادة خير، ومن لم يعرف: فلم يكلف بمعرفته، لاسيما إذا كان الجدال في ذلك والمنازعة فيه مما يفضي إلى شر واختلاف، ووقوع فرقة بين المؤمنين الذين قاموا بواجبات الإيمان، وجاهدوا في الله، وعادوا المشركين، ووالوا المسلمين، فالسكون عن ذلك متعين، وهذا ما ظهر لي على أن الاختلاف قريب من جهة المعنى. والله اعلم.

    فهذا بعض الأدلة الدالة على وجوب مقاطعة الكفار والمشركين، وهي المسألة الأولى.

    وأما المسألة الثانية وهي: الأشياء التي يصير بها المسلم مرتدا. فأحدها: الشرك بالله تعالى: وهو أن يجعل لله ندا من مخلوقاته، يدعوه كما يدعو الله، ويخافه كما يخاف الله، أو يتوكل عليه كما يتوكل على الله، أو يصرف له شيئا من عبادة الله.

    فإذا فعل ذلك: كفر، وخرج من الإسلام، وإن صام النهار وقام الليل، والدليل على ذلك قوله تعالى: {وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوّله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أنداد ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار}وقوله تعالى: {ومن يدعوا مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون} وغير ذلك من الآيات الدالة: على أن من أشرك مع الله تعالى في عبادته مخلوقا من المخلوقين، فقد كفر وخرج من الإسلام وحبطت أعماله، كما قال تعالى: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون}.

    الثاني: إظهار الطاعة والموافقة للمشركين على دينهم والدليل، قوله تعالى:{إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم. ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم. فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم. ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم}.

    وذكر الفقيه سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذه المسألة، عشرين آية من كتاب الله، وحديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، استدل بها على أن المسلم إذا أظهر الطاعة والموافقة للمشركين من غير إكراه، إنه يكون بذلك مرتدا خارجا من الإسلام، وإن كان يشهد أن لا إله إلا الله، ويفعل الأركان الخمسة، فإن ذلك لا ينفعه.

    وقال شيخ الإسلام المذكور، إمام هذه الدعوة الحنيفية في كلامه على آخر سورة الزمر: الثانية، أن المسلم إذا أطاع من أشار عليه في الظاهر، كفر، ولو وكان باطنه يعتقد الإيمان، فإنهم لم يريدوا من النبي صلى الله عليه وسلم تغيير عقيدته.

    ففيه بيان لما يكثر وقوعه ممن ينتسب إلى الإسلام في إظهار الموافقة للمشركين خوفا منهم، ويظن أنه لا يكفر إذا كان قلبه كارها، إلى أن قال: الثالثة، أن الذي يكفر به المسلم، ليس هو عقيدة القلب خاصة، فإن هؤلاء الذين ذكرهم الله، لم يريدوا منه صلى الله عليه وسلم تغيير عقيدته، كما تقدم، بل إذا أطاع المسلم من أشار إليه بموافقتهم، لأجل ماله، أو بلده، أو أهله، مع كونه يعرف كفرهم ويبغضهم، فهذا كافر، إلا من أكره.

    إلى أن قال رحمه الله: ولكن رحم الله من تنبه لسر الكلام، وهو المعنى الذي نزلت فيه هذه الآيات من كون المسلم يوافقهم في شيء من دينهم الظاهر، مع كون القلب بخلاف ذلك، فإن هذا هو الذي أرادوا من النبي صلى الله عليه وسلم فافهمه فهما حسنا، لعلك تعرف شيئا من دين إبراهيم عليه السلام، الذي بادأ أباه وقومه بالعداوة عنده.

    وقال في سورة الكهف: التاسعة: المسألة العظيمة المشكلة على أكثر الناس أنه إذا وافقهم بلسانه مع كونه مؤمنا حقا، كارها لموافقتهم، فقد كذب في قوله لا إله إلا الله، واتخذ إلهين اثنين. وما أكثر الجهل بهذه، والتي قبلها.

    العاشرة: أنه لو يصدر منهم أعني موافقة الحاكم فيما أراد من ظاهرهم، مع كراهتهم لذلك، فهو قوله: {شططا} والشطط: الكفر.

    واعلم أن إظهار الموافقة والطاعة للمشركين، له أحوال ستأتي في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى.

    الأمر الثالث: مما يصير المسلم به مرتدا، موالاة المشركين، والدليل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}، وقوله تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء}.

    فذكر في الآية الأولى: أن من تولى اليهود والنصارى فهو منهم، وظاهرها أن من تولاهم. فهو كافر مثلهم. ذكر معناه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    وتقدم قول عبد الله بن عتبة عند قوله: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ليتق أحكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا يشعر.

    وقال ابن جرير في قوله تعالى: {فليس من الله في شيء} يعني: فقد برئ من الله، وبرئ الله منه، لارتداده عن دينه.

    وأما قوله: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} فهي كقوله: {إلا من أكره} وسيأتي بيان ذلك، إن شاء الله تعالى.

    الأمر الرابع: الجلوس عند المشركين في مجالس شركهم، من غير إنكار، والدليل قوله تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا}.

    وفي أجوبة آل الشيخ رحمهم الله تعالى لما سئلوا عن هذه الآية وعن قوله صلى الله عليه وسلم: (من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله)؟

    قالوا: الجواب أن الآية على ظاهرها، وهو أن الرجل إذا سمع آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها، فجلس عند الكافرين المستهزئين بآيات الله، من غير إكراه ولا إنكار ولا قيام عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، فهو كافر مثلهم، وإن لم يفعل فعلهم، لأن ذلك يتضمن الرضى بالكفر، والرضى بالكفر كفر.

    وبهذه الآية ونحوها، استدل العلماء على أن الراضي بالذنب كفاعله، فإن أدعى أنه يكره ذلك بقلبه لم يقبل منه، لأن الحكم بالظاهر، وهو قد أظهر الكفر، فيكون كافرا.

    ولهذا لما وقعت الردة، وأدعى أناس أنهم كرهوا ذلك، لم يقبل منهم الصحابة ذلك بل جعلوهم كلهم مرتدين، إلا من أنكر بلسانه.

    وكذلك قوله في الحديث: (من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله) على ظاهره: وهو أن الذي يدعي الإسلام، ويكون مع المشركين في الاجتماع والنصرة، والمنزل معهم بحيث يعده المشركون منهم، فهو كافر مثلهم وإن أدعى الإسلام، إلا إن كان يظهر دينه، ولا يتولى المشركين. اهـ.

    قلت: ويأتي مخاطبة خالد لمجاعة، وفيه: يا مجاعة! تركت اليوم ما كنت عليه أمس، وكان رضاك بأمر هذا الكذاب، وسكوتك عنه إقرارا له. إلى آخره.

    وتقدم قول عبد الله ابن عمر: من بنى ببلاد المشركين، فصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت، حشر معهم يوم القيامة.

    وقال تعالى: {ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم. ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين}.

    الأمر الخامس: الاستهزاء بالله، أو بكتابه، أو برسوله والدليل على ذلك، قوله تعالى: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون. لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين}.

    واعلم أن الاستهزاء على نوعين:

    أحدهما: الاستهزاء الصريح؛ كالذي نزلت الآية فيه، وهو قولهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء. ونحو ذلك من أقوال المستهزئين، كقول بعضهم: دينكم هذا دين حامض. وقول الآخر دينكم حرق. وقول الآخر إذا رأى الآمرين بالمعروف أو الناهين عن المنكر جاءكم أهل الديك. بالكاف بدل النون، وقول الآخر إذا رأى طلبة العلم: هؤلاء الطلبة بسكون اللام وما أشبه ذلك، مما لا يحصى إلا بكلفة مما هو أعظم من قول الذين نزلت فيهم الآية.

    النوع الثاني: غير الصريح؛ وهو البحر الذي لا ساحل له، مثل الرمز بالعين، وإخراج اللسان ومد الشفة، والغمز باليد عند تلاوة كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    الأمر السادس: ظهور الكراهة والغضب عند الدعوة إلى الله، وتلاوة آياته، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدليل على ذلك قول الله تعالى: {وإذ تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير} فذكر كفر هذا الصنف في أول الآية وآخرها.

    الأمر السابع: كراهة ما أنزل الله على رسوله من الكتاب والحكمة، والدليل قول الله تعالى: {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم}.

    الأمر الثامن: عدم الإقرار بما دلت عليه آيات القرآن، والأحاديث، والمجادلة في ذلك، والدليل على ذلك قوله الله تعالى: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد}.

    الأمر التاسع: جحد شيء من كتاب الله، ولو آية أو بعضها، أو شيئا مما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والدليل على ذلك قول الله تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا. أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} وهذا أخص من الذي قبله.

    الأمر العاشر: الإعراض عن تعلم دين الله والغفلة عن ذلك والدليل قول الله تعالى: {والذين كفروا عما أنذروا معرضون}.

    الأمر الحادي عشر: كراهة إقامة الدين والاجتماع عليه. والدليل على ذلك قول الله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} فذكر أنه لا يكره إقامة الدين إلا مشرك، وقد تبين أن من أشرك بالله فهو كافر.

    الأمر الثاني عشر: السحر تعلمه وتعليمه، والعمل بموجبه والدليل على ذلك قوله تعالى: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر}.

    الأمر الثالث عشر: إنكار البعث، والدليل على ذلك قوله تعالى: {وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.

    الأمر الرابع عشر: التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال ابن كثير: كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات والضلالات، وكما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكزخان، الذي وضع لهم كتابا مجموعا من أحكام اقتبسها من شرائع شتى، فصار في بنيه شرعا يقدمونه على الحكم بالكتاب والسنة. ومن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يؤمنون}.

    قلت: ومثل هؤلاء ما وقع فيه عامة البوادي ومن شابههم، من تحكيم عادات آباءهم، وما وضعه أوائلهم من الموضوعات الملعونة التي يسمونها (شرع الرفاقة) يقدمونها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن فعل ذلك فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله، فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل الله، فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله كسوالف البادية، وكأوامر المطاعين، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة.

    وهذا هو الكفر، فإن كثيرا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية التي يأمر بها المطاعون.

    فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله، فهم كفار. انتهى. من (منهاج السنة النبوية) ذكره عند قوله سبحانه وتعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فرحمه الله وعفا عنه.

    فهذه بعض المواضع التي دل القرآن عليها، وإن كان قد يقال: إن بعضها يغني عن بعض، أو يندرج فيه. فذكرها على هذا الوجه أوضح، وأما كلام العلماء رحمهم الله فكثير جدا، وقد ذكر صاحب الإقناع أشياء كثيرة في باب حكم المرتد وهو الذي يكفر بعد إسلامه وقد لخصت منه مواضع يسيرة.

    فمن ذلك، قوله: قال الشيخ: أو كان مبغضا لرسوله أو لما جاء به، كفر اتفاقا. ومنها قوله: أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويسألهم كفر إجماعا. ومنها قوله: أو وجد منه امتهان للقرآن، أي: فيكفر بذلك. ومنها قوله: أو سخر بوعد الله، أو بوعيده، أي: فيكفر بذلك. ومنها قوله: أو لم يكفر من دان بغير الإسلام، أو شك في كفرهم، أي: فيكفر بذلك. ومنها قوله: قال الشيخ: ومن استحل الحشيشة كفر بلا نزاع.

    قلت: ومن استحل موالاة المشركين ومظاهرتهم وإعانتهم على المسلمين، فكفره أعظم من كفر هذا، لأن تحريم ذلك آكد وأشد من تحريم الحشيشة.

    ومنها قوله: من سب الصحابة أو أحدا منهم، واقترن بسبه دعوى أن عليا إله أو نبي وأن جبرائيل غلط، فلا شك في كفر هذا، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره. ومنها قوله: أو زعم أن للقرآن تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة، ونحو ذلك، فلا خلاف في كفر هؤلاء، ومنها قوله: أو زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفرا قليلا لا يبلغون إلا بضعة عشر، أو أنهم فسقوا، فلا ريب أيضا في كفر قائل ذلك، بل من شك في كفره فهو كافر. انتهى ملخصا، وعزاه للصارم المسلول.

    ومنها قوله: ومن أنكر أن أبا بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كفر، لقوله تعالى: {إذ يقول لصاحبه}.

    قلت: فإذا كان من جحد مدلول آية (كفر) ولم تنفعه الشهادتان، ولا الانتساب إلى الإسلام، فما الظن بمن جحد مدلول ثلاثين آية أو أربعين آية! أفلا يكون كافرا لا تنفعه الشهادتان ولا ادعاء الإسلام! بلى والله، بلى والله.

    ولكن نعوذ بالله من رين القلوب، وهوى النفوس اللذين يصدان عن معرفة الحق واتباعه.

    ومنها قوله: أو جحد حل الخبز واللحم والماء، أي: فيكفر بذلك، ومنها قوله: أو أحل الزنا ونحوه، أي: فيكفر بذلك.

    قلت: ومن أحل الركون إلى الكافرين، وموادة المشركين فهو أعظم كفرا ممن أحل الزنا بأضعاف مضاعفة.

    وكلام العلماء رحمهم الله في هذا الباب لا يمكن حصره، حتى أن بعضهم ذكر أشياء أسهل من هذه الأمور، وحكموا على مرتكبها بالارتداد عن الإسلام وأن يستتاب منها، فإن تاب وإلا قتل مرتدا، ولم يغسل ولم يصل عليه ولم يدفن مع المسلمين، وهو مع ذلك يقول: لا إله إلا الله، ويفعل الأركان الخمسة.

    ومن له أدنى نظر واطلاع على كلام أهل العلم، فلا بد أن يكون قد بلغه بعض ذلك.

    وأما هذه الأمور التي تقع في هذه الأزمان من المنتسبين إلى الإسلام، بل من كثير ممن ينتسب إلى العلم فهي من قواصم الظهور، وأكثرها أعظم وأفحش من كثير مما ذكره العلماء من المكفرات، ولولا ظهور الجهل وخفاء العلم وغلبة الأهواء لما كان أكثرها محتاجا لمن ينبه عليه.

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,054

    افتراضي رد: شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    فصل؛ ما يعذر به الرجل على موافقة المشركين

    وأما المسألة الثالثة: وهي ما يعذر الرجل به على موافقة المشركين، وإظهار الطاعة لهم.

    فاعلم أن إظهار الموافقة للمشركين، له ثلاث حالات:

    الحال الأولى:

    أن يوافقهم في الظاهر والباطن فينقاد لهم بظاهره، ويميل إليهم ويوادهم بباطنه، فهذا كافر خارج من الإسلام، سواء كان مكرها على ذلك أو لم يكن وهو ممن قال الله فيه: {ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم}.

    الحال الثاني:

    أن يوافقهم ويميل إليهم في الباطن، مع مخالفته لهم في الظاهر، فهذا كافر أيضا، ولكن إذا عمل بالإسلام ظاهرا عصم ماله ودمه، وهو المنافق.

    الحال الثالث:

    أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو على وجهين:

    أحدهما: أن يفعل ذلك لكونه في سلطانهم، مع ضربهم أو تقييدهم له، أو يتهددونه بالقتل، فيقولون له: إما أن توافقنا وتظهر الإنقياد لنا، وإلا قتلناك. فإنه والحالة هذه يجوز له موافقتهم في الظاهر مع كون قلبه مطمئن بالإيمان، كما جرى لعمار حين أنزل الله تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} وكما قال تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} فإن الآيتين متفقتين، كما نبه على ذلك ابن كثير في تفسير آية آل عمران.

    الوجه الثاني: أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو ليس في سلطانهم، وإنما حمله على ذلك إما طمع في رئاسة أو مال، أو مشحة بوطن، أو عيال، أو خوف مما يحدث في المآل. فإنه في هذه الحال يكون مرتدا، ولا تنفعه كراهته في الباطن، وهو ممن قال الله فيه: {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين} فأخبر أنه لم يحملهم على الكفر الجهل بالحق أو بغضه، ولا محبة الباطل، وإنما هو أن لهم حظا من حظوظ الدنيا، فآثروه على الدين. هذا معنى كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وعفا عنه.

    وأما ما يعتقده كثيرا من الناس عذرا، فإنه من تزيين الشيطان وتسويله، وذلك أن بعضهم إذا خوفه أولياء الشيطان خوفا لا حقيقة له، ظن أنه يجوز له بذلك إظهار الموافقة للمشركين، والانقياد لهم.

    وآخر منهم إذا زين له الشيطان طمعا دنيويا، تخيل أنه يجوز له موافقة المشركين لأجل ذلك، وشبه على الجهال أنه مكره. وقد ذكر العلماء صفة الإكراه.

    قال شيخ الإسلام: تأملت المذاهب، فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره عليه. فليس الإكراه المعتبر في كلمة الكفر، كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، فإن أحمد قد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بالتعذيب من ضرب أو قيد، ولا يكون الكلام إكراها. وقد نص على أن المرأة لو وهبت زوجها صداقها بمسكنه، فلها أن ترجع، بناءا على أنها لا تهب إلا إذا خافت أن يطلقها، أو يسيء عشرتها. فجعل خوف الطلاق أو سوء العشرة، إكراها. ولفظه في موضع آخر: لأنه أكرهها، ومثل هذا لا يكون إكراها على الكفر، فإن الأسير إن خشي من الكفار أن لا يزوجوه وأن يحولوا بينه وبين امرأته، لم يبح له التكلم بكلمة الكفر. اهـ.

    والمقصود منه: أن الإكراه على كلمة الكفر لا يكون إلا بالتعذيب: من ضرب أو قيد، وإن الكلام لا يكون إكراها، وكذلك الخوف من أن يحول الكفار بينه وبين زوجته، لايكون إكراها. فإذا علمت ذلك وعرفت ما وقع من كثير من الناس، تبين لك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ) وقد عاد غريبا، وأغرب منه من يعرفه على الحقيقة.


  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,054

    افتراضي رد: شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    فصل؛ مسألة إظهار الدين

    وأما المسألة الرابعة: وهي مسألة إظهار الدين:

    فإن كثيرا من الناس، قد ظن أنه إذا قدر على أن يتلفظ بالشهادتين، وأن يصلي الصلوات، ولا يرد عن المساجد، فقد أظهر دينه وإن كان مع ذلك بين المشركين، أو في أماكن المرتدين. وقد غلطوا في ذلك أقبح الغلط.

    فاعلم أن الكفر له أنواع وأقسام تتعدد بتعدد المكفرات، وقد تقدم بعض ذلك، وكل طائفة من طوائف الكفر فلا بد أن يشتهر عندها نوع منه، ولا يكون المسلم مظهرا لدينه، حتى يخالف كل طائفة بما اشتهر عندها، ويصرح لها بعداوته، والبراءة منه، فمن كان كفره بالشرك، فإظهار الدين عنده التصريح بالتوحيد، أو النهي عن الشرك والتحذير منه، ومن كان كفره بجحد الرسالة، فإظهار الدين عنده التصريح بأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدعوة إلى اتباعه. ومن كان كفره بترك الصلاة، فإظهار الدين عنده فعل الصلاة، والأمر بها، ومن كان كفره بموالاة المشركين والدخول في طاعتهم، فإظهار الدين عنده التصريح بعداوته، والبراءة منه ومن المشركين.

    وبالجملة فلا يكون مظهرا لدينه، إلا من صرح لمن ساكنه من كل كافر ببراءته منه، وأظهر له عداوته لهذا الشيء الذي صار به كافرا وبراءته منه، ولهذا قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: عاب ديننا وسفّه أحلامنا، وشتم آلهتنا.

    وقال الله تعالى: {قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين. وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين. ولا تدعوا من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين}.

    فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: {يا أيها الناس}، إلى آخره، أي: إذا شككتم في الدين الذي أنا عليه، فدينكم الذي أنتم عليه أنا برئ منه، وقد أمرني ربي أن أكون من المؤمنين الذين هم أعداؤكم، ونهاني أن أكون من المشركين الذين هم أولياؤكم.

    وقال تعالى: {قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد}، إلى آخر السورة.

    فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار: دينكم الذي انتم عليه، أنا برئ منه، وديني الذي أنا عليه أنتم برآء منه. والمراد: التصريح لهم بأنهم على الكفر، وأنه برئ منهم ومن دينهم.

    فمن كان متبعا للنبي صلى الله عليه وسلم، فعليه أن يقول ذلك، ولا يكون مظهرا لدينه إلا بذلك، ولهذا لما عمل الصحابة بذلك، وآذاهم المشركون، أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى الحبشة، ولو وجد لهم رخصة في السكوت عن المشركين، لما أمرهم بذلك إلى بلد الغربة.

    وفي السيرة: أن خالد بن الوليد، لما وصل إلى العرض في مسيره إلى أهل اليمامة، لما ارتدوا قدم مائتي فارس، وقال: من أصبتم من الناس فخذوه. فأخذوا مجاعة، في ثلاثة وعشرين رجلا من قومه، فلما وصل إلى خالد، قال له: يا خالد، لقد علمت أني قدمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايعته على الإسلام، وأنا اليوم على ما كنت عليه أمس. فإن يك كذابا قد خرج فينا فإن الله يقول: {ولا تزو وازرة وزر أخرى} فقال: يا مجاعة، تركت اليوم ما كنت عليه أمس، وكان رضاك بأمر هذا الكذاب وسكوتك عنه وأنت أعز أهل اليمامة، وقد بلغك مسيري إقرارا له ورضاء بما جاء به، فهلا أبديت عذرا، وتكلمت فيمن تكلم!، فقد تكلم ثمامة فرد وأنكر، وتكلم اليشكري، فإن قلت: أخاف قومي، فهلا عمدت إليّ، أو بعثت إلي رسولا، فقال: إن رأيت يا ابن المغيرة أن تعفو عن هذا كله!!، فقال: قد عفوت عن دمك، ولكن في نفسي حرج من تركك! اهـ.

    وسيأتي في ذكر الهجرة، قول أولاد الشيخ: إن الرجل إذا كان في بلد كفر وكان يقدر على إظهار دينه عندهم، ويتبرأ منهم ومما هم عليه، ويظهروا لهم كفرهم وعداوته لهم، ولا يفتنونه عن دينه لأجل عشيرته أو ماله، فهذا لا يحكم بكفره... إلى آخره.

    والمقصود منه: أن الرجل لا يكون مظهرا لدينه حتى يتبرأ من أهل الكفر الذي هو بين أظهرهم، ويصرح لهم: بأنهم كفار، وأنه عدو لهم، فإن لم يحصل ذلك لم يكن إظهار الدين حاصلا.

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,054

    افتراضي رد: شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    فصل؛ مسألة الاستضعاف

    وأما المسألة الخامسة: وهي مسألة الاستضعاف.

    فإن كثيرا من الناس، بل أكثر ممن ينتسب إلى العلم في هذه الأزمان، غلطوا في معنى الاستضعاف، وما هو المراد به، وقد بين الله ذلك في كتابه بيانا شافيا فقال: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها وأجعل لنا من لدنك وليا وأجعل لنا من لدنك نصيرا}.

    فبين تعالى مقالتهم الدالة على أنهم لم يقيموا مختارين للمقام، وذلك أنهم يدعون الله أن يخرجهم، فدل على حرصهم على الخروج وأنه متعذر عليهم.

    ويدل على ذلك: وصفهم أهل القرية بالظلم، وسؤالهم ربهم أن يجعل لهم وليا يتولاهم ويتولونه، وأن يجعل لهم ناصرا ينصرهم على أعدائهم الذين هم بين أظهرهم.

    وقال تعالى: {إلا المستضغفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا} فذكر في هذه الآية حالهم التي هم عليها وهي أنهم لا يستطيعون حيلة.

    قال ابن كثير: ولا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال: {لا يستطيعون حيلة} قال عكرمة: يعني نهوضا إلى المدينة. {ولا يهتدون سبيلا} قال مجاهد وعكرمة: يعني طريقا. اهـ.

    والحاصل أن المستضغفين هم العاجزون عن الخروج من بين أظهر المشركين، وهم مع ذلك يقولون: {ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا} وهم مع ذلك لا يدلون الطريق فمن كانت هذه حاله وذلك مقاله: {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله غفورا رحيما}.

    وأما إذا كان يقدر على الخروج من بلاد المشركين، ولم يمنعه من ذلك إلا المشحة بوطنه، أو عشيرته أو ماله أو غير ذلك، فإن الله تعالى لم يعذر من تعذر بذلك وسماه ظالما لنفسه، فقال: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا}.

    وفي تفسير الجلالين قوله: {ظالمي أنفسهم} أي: بالمقام بين المشركين.

    وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: فهذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو مرتكب حراما بالإجماع وبنص الآية، حيث يقول: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} أي: بترك الهجرة {قالوا فيم كنتم} أي: لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة {قالوا كنا مستضعفين في الأرض} أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض {قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا}.

    وروى أبو داود عن سمرة بن جندب مرفوعا: (من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله).

    وقال السدي: لما أسر العباس وعقيل ونوفل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: (أفد نفسك وأبني أخيك) قال: يا رسول الله ألم نصلي قبلتك، ونشهد شهادتك، قال: (يا عباس إنكم خاصمتم فخصمتم) ثم تلا هذه الآية: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها}. رواه ابن أبي حاتم اهـ.

    والمقصود منه بيان مسألة الإستضعاف وأن المستضعف هو الذي لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا وهو مع ذلك يقول: {ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا} وبيان أن الذي يعتذر بوطنه أو عشيرته أو ماله ويدعي أنه يكون بذلك مستضعفا، كاذبا في دعواه وعذره غير مقبول عند الله تعالى ولا عند رسوله ولا عند أهل العلم بشريعة الله.

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,054

    افتراضي رد: شرح الدلائل في موالاة أهل الإشراك للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    فصل؛ وجوب الهجرة
    وأما المسألة السادسة: وهي وجوب الهجرة وأنها باقية.

    فالدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) روه أحمد وأبو داود.

    وروى أبو يعلى عن الأزهر بن راشد قال: حدث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تستضيئوا بنار المشركين) قال ابن كثير: معناه لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكون معهم في بلادهم، بل تباعدوا منهم، وهاجروا من بلادهم ولهذا روى أبو داود (لا تتراءى ناراهما) وفي الحديث الآخر: (من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله).

    وقال تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا}.

    وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم بفعل بعض، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم}.

    وقال الضحاك: نزلت في أناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرجوا مع المشركين يوم بدر فأصيبوا. ذكره ابن كثير.

    ثم قال: فهذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو مرتكب حراما، بالإجماع وبنص الآية. إلى آخر كلامه الذي تقدم قريبا.

    وفي أجوبة آل الشيخ لما سئلوا: هل يجوز للإنسان أن يسافر إلى بلاد الكفار، لأجل التجارة، أم لا؟

    الجواب:

    إن كان يقدر على إظهار دينه، ولا يوالي المشركين، جاز له ذلك، فقد سافر بعض الصحابة كأبي بكر رضي الله عنه، وغيره فلم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم،كما رواه أحمد في مسنده وغيره.

    وإن كان لا يقدر على إظهار دينه، ولا على عدم موالاتهم، لم يجز السفر له إلى ديارهم، كما نص على ذلك العلماء، وعليه تحمل الأحاديث التي تدل على النهي عن ذلك. ولأن الله تعالى أوجب على الإنسان العمل بالتوحيد، وفرض عليه عداوة المشركين، فما كان ذريعة وسبب إلى إسقاط ذلك لم يجز.

    وأيضا فقد يجره ذلك إلى موافقتهم وإرضائهم كما هو الواقع لكثير ممن يسافر إلى بلدان المشركين من فساق المسلمين.

    المسألة الثانية: هل يجوز للإنسان أن يجلس في بلد الكفار، وشعائر الشرك ظاهرة لأجل التجارة أم لا؟

    الجواب:

    عن هذه المسألة والجواب عن التي قبلها سواء ولا فرق في ذلك بين دار الحرب ودار الصلح، فكل بلد لا يقدر المسلم على إظهار دينه فيها لا يجوز له السفر إليها.

    المسألة الثالثة: هل يفرق بين المدة القريبة مثل شهر أو شهرين وبين المدة البعيدة؟

    الجواب:

    أنه لا فرق بين المدة القريبة والبعيدة، فكل بلد لا يقدر على إظهار دينه فيها ولا على عدم موالاة المشركين لا يجوز له المقام فيها ولا يوما واحدا، إذا كان يقدر على الخروج منها. اهـ.

    وفي أجوبة أخرى: وما قولكم في رجل دخل هذا الدين وأحبه ويحب من دخل فيه، ويبغض الشرك وأهله ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل الإسلام ويقاتلون أهله، ويعتذر بأن ترك الوطن ولم يهاجر عنهم بهذه الأعذار، فهل يكون مسلما هذا أم كافرا؟

    الجواب:

    أما الرجل الذي عرف التوحيد وآمن به وأحبه وأحب أهله، وعرف الشرك وأبغضه وأبغض أهله، ولكن أهل بلده على الكفر والشرك، ولم يهاجر فهذا فيه تفصيل: فإن كان يقدر على إظهار دينه عندهم، ويتبرأ منهم ومما هم عليه من الدين، ويظهر لهم كفرهم وعداوته لهم، ولا يفتنونه عن دينه لأجل عشيرته أو ماله أو غير ذلك فهذا لا يحكم بكفره، ولكنه إذا قدر على الهجرة ولم يهاجر ومات بين أظهر المشركين، فنخاف أن يكون قد دخل في أهل هذه الآية: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} فلم يعذر الله إلا من لم يستطع حيلة، ولا يهتدي سبيلا، ولكن قل أن يوجد اليوم من هو كذلك، بل الغالب أن المشركين لا يدعونه بين أظهرهم بل إما قتلوه وإما أخرجوه.

    وأما من ليس له عذر في ترك الهجرة وجلس بين أظهرهم وأظهر لهم أنه منهم وأن دينهم حق ودين الإسلام باطل فهذا كافر مرتد، ولو عرف الدين بقلبه لأنه يمنعه عن الهجرة محبة الدنيا على الآخرة، وتكلم بكلام الكفر من غير إكراه فدخل في قوله: {ولكن من شرح بالكفر صدرا} الآيات.

    هذا من جواب الشيخ حسين والشيخ عبد الله بن الشيخ محمد عبد بن الوهاب رحمهم الله تعالى وعفا عنهم.

    ولم سئلوا عن أهل بلد بلغتهم هذه الدعوة وبعضهم يقول: هذا الأمر حق، ولا غيّر منكر ولا أمر بمعروف، وينكر على الموحدين إذا قالوا: تبرأنا من دين الآباء والأجداد، والذي يقول: هذا أمر زين لا يمكنه يقوله جهارا.

    أجابوا:

    بأن أهل هذه القرية المذكورين إذا كانوا قد قامت عليهم الحجة التي يكفر من خالفها، حكمهم حكم الكفار، والمسلم الذي بين أظهرهم ولا يمكنه إظهار دينه تجب عليه الهجرة، إذا لم يكن ممن عذر الله فإن لم يهاجر فحكمه حكمهم في القتل وأخذ المال. اهـ.

    وفي هذه الأجوبة مسائل منها بيان المستضعف وأنه الذي لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا وقد تقدم ذلك.

    ومنها أن المسلم إذا لم يقدر على إظهار دينه، وجبت عليه الهجرة، وقد تقدم أيضا، ومنها صفة إظهار الدين، وهو أن يصرح للكفار بكفرهم وعداوته لهم، ولما هم عليه من الدين، وتقدم أيضاً ومنها: بيان أنه إذا فعل ذلك أعني صرح لهم بكفرهم وعداوته لهم فإنهم لا يتركونه بين أظهرهم، بل إما قتلوه وإما أخرجوه.

    قلت: وقد أخبر الله بذلك عن جميع الكفار، فقال تعالى: {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين. ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}، وقال تعالى إخبارا عن قوم شعيب: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين}.

    وقال تعالى إخبارا عن أصحاب الكهف: {إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا}، وقوله: {يرجموكم} أي: يقتلوكم بالرجم.

    وهذا الذي أخبر الله به وأشار إليه أئمة الإسلام هو الواقع في هذه الأزمان، فإن المرتدين بسبب موالاة المشركين والدخول في طاعتهم، لا يرضون إلا بمن وافقهم على ذلك، وإذا أنكر عليهم منكر آذوه أشد الأذى، وأخرجوه من بين أظهرهم، بل سعوا في قتله إن وجدوا إلى ذلك سبيلا.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •