الرد على الطبائعيين
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: الرد على الطبائعيين

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,638

    افتراضي الرد على الطبائعيين

    قال ابن القيم رحمه الله :
    وَكَأَنِّي بك ايها الْمِسْكِين تَقول هَذَا كُله من فعل الطبيعة وَفِي الطبيعة عجائب واسرار فَلَو أَرَادَ الله ان يهديك لسألت نَفسك بِنَفْسِك وَقلت اخبريني عَن هَذِه الطبيعة أهي ذَات قَائِمَة بِنَفسِهَا لَهَا علم وقدرة على هَذِه الافعال العجيبة ام لَيست كَذَلِك بل عرض وَصفَة قَائِمَة بالمطبوع تَابِعَة لَهُ مَحْمُولَة فِيهِ فَإِن قَالَت لَك بل هِيَ ذَات قَائِمَة بِنَفسِهَا لَهَا الْعلم التَّام وَالْقُدْرَة والارادة وَالْحكمَة فَقل لَهَا هَذَا هُوَ الْخَالِق البارئ المصور فَلم تسمينه طبيعية وَيَا لله من ذكر الطبائع وَمن يرغب فِيهَا فَهَلا سميته بِمَا سمى بِهِ نَفسه على السن رسله وَدخلت فِي جملَة الْعُقَلَاء والسعداء فَإِن هَذَا الَّذِي وصفت بِهِ الطبيعة صفته تَعَالَى وَإِن قَالَت تِلْكَ بل الطبيعة عرض مَحْمُول مفتقر الى حَامِل وَهَذَا كُله فعلهَا بِغَيْر علم مِنْهَا وَلَا إِرَادَة وَلَا قدرَة وَلَا شُعُور اصلا وَقد شوهد من آثارها مَا شوهد فَقل لَهَا هَذَا مَالا يصدقهُ ذُو عقل سليم كَيفَ تصدر هَذِه الافعال العجيبة وَالْحكم الدقيقة الَّتِي تعجز عقول الْعُقَلَاء عَن مَعْرفَتهَا وَعَن الْقُدْرَة عَلَيْهَا مِمَّن لَا عقل لَهُ وَلَا قدرَة وَلَا حِكْمَة وَلَا شُعُور وَهل التَّصْدِيق بِمثل هَذَا إِلَّا دُخُول فِي سلك المجانين والمبرسمين ثمَّ قل لَهَا بعد وَلَو ثَبت لَك مَا ادعيت فمعلوم ان مثل هَذِه الصّفة لَيست بخالقة لنَفسهَا وَلَا مبدعة لذاتها فَمن رَبهَا ومبدعها وخالقها وَمن طبعها وَجعلهَا تفعل ذَلِك فَهِيَ إِذا من ادل الدَّلَائِل على بارئها وفاطرها وَكَمَال قدرته وَعلمه وحكمته فَلم يجد عَلَيْك تعطيلك رب الْعَالم وجحدك لصفاته وأفعاله الا مخالفتك الْعقل والفطرة وَلَو حاكمناك الى الطبيعة لرايناك انك خَارج عَن مُوجبهَا فَلَا انت مَعَ مُوجب الْعقل وَلَا الْفطْرَة وَلَا الطبيعة وَلَا الانسانية اصلا وَكفى بذلك جهلا وضلالا فَإِن رجعت الى الْعقل وَقلت لَا يُوجد حِكْمَة الا من حَكِيم قَادر عليم وَلَا تَدْبِير

    متقن الا من صانع قَادر مُخْتَار مُدبر عليم بِمَا يُرِيد قَادر عَلَيْهِ لَا يعجزه وَلَا يؤؤده قيل لَك فَإِذا اقررت وَيحك بالخلاق الْعَظِيم الَّذِي لَا اله غَيره وَلَا رب سواهُ فدع تَسْمِيَته طبيعة اوعقلا فعالا اَوْ مُوجبا بِذَاتِهِ وَقل هَذَا هُوَ الله الْخَالِق البارئ المصور رب الْعَالمين وقيوم السَّمَوَات والارضين وَرب الْمَشَارِق والمغارب الَّذِي احسن كل شَيْء خلقه واتقن مَا صنع فمالك جحدت اسماءه وَصِفَاته وذاته اضفت صَنِيعه الى غَيره وخلقه الى سواهُ مَعَ انك مُضْطَر الى الاقرار بِهِ إِضَافَة الابداع والخلق والربوبية وَالتَّدْبِير اليه وَلَا بُد وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين على انك لَو تَأَمَّلت قَوْلك طبيعة وَمعنى هَذِه اللَّفْظَة لدلك على الْخَالِق الباريء لَفظهَا كَمَا دلّ الْعُقُول عَلَيْهِ"
    [ في مفتاح دار السعادة (1/261) ]

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,638

    افتراضي رد: الرد على الطبائعيين

    قل للطبيب الفيلسوف بزعمه ** إنّ الطبيعة علمها برهان
    أين الطبيعة عند كونك نطفة ** في البطن إذ مشجت به المآن
    أين الطبيعة حين عدت عليقة ** في أربعين و أربعين تواني
    أين الطبيعة عند كونك مضغة ** في أربعين و قد مضى العددان
    أترى الطبيعة صوّرتك مصوّرا ** بمسامع و نواظر و بنان
    أترى الطبيعة أخرجتك منكسا ** من بطن أمّك واهي الأركان
    أم فجّرت لك باللبان ثديها ** فرضعتها حتى مضى الحولان
    أم صيّرت في والديك محبّة ** فهما بما يرضيك مغتبطان
    يا فيلسوف لقد شُغِلت عن الهدى ** بالمنطق الروميّ و اليوناني
    و شريعة الإسلام أفضل شرعة ** دين النبيّ الصادق العدنان
    هو دين ربّ العالمين و شرعه ** و هو القديم و سيّد الأديان
    هو دين آدم و الملائك قبله ** هو دين نوح صاحب الطوفان
    و له دعا هود النبيّ و صالح ** و هما لدين الله معتقدان
    --------------------------------
    رحم الإله صداك يا قحطاني

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,638

    افتراضي رد: الرد على الطبائعيين

    فوائد الشيخ عبد الرحمن البراك على رسالة (أُصُولٌ عَظيمةٌ مِن قَواعدِ الإسلامِ) لابن السّعدي

    -
    القارئ: قال رحمهُ الله:وأعظمُ منه بطلانًا وأشدَّ فسادًا مذهبُ الطبائعيين في الأسبابِ الذين يرونَ الأسبابَ جاريةً على مُقتضى الطبيعةِ ونظامِ الكون، وأنها لا تعلُّقَ لها بقضاءِ الله وقدَرهِ وأنَّ الله لا يقدرُ على تغييرها ولا منعِها ولا إعانَتِها، وأهلُ هذا المذهبِ معروفونَ بالخروجِ عن دياناتِ الرُّسلِ كلِّهم.
    - الشيخ:
    هذا يُقابل مذهبَ الجبريةِ، الجبرية يغلُون في إثباتِ القدر ويغلُون في إثبات فِعْلِ الربِّ سبحانه، يقولون: "لا فاعل إلا الله، وأنه لا مشيئةَ ولا إرادة لغير الله"، فيغلونَ في هذا وهم يُقابلون القدريةَ ومن فروعِ مذهبهم نفيُ الأسبابِ كما تقدَّمَ، يُنكرون تأثيرَ الأسباب.
    الشيخ يذكرُ ما يُقابلهم في أمرِ الأسبابِ، في شأنِ الأسباب، ويقولُ: أعظمُ من ذلك وأقبحُ من مذهب الجبرية مذهبُ الطبَعِيينَ القائلينَ بأنَّ هذا الوجودَ يتفاعلُ بطبعه، لا بتأثيرِ مشيئةِ خارجٍ عنه.
    فهُمْ في حقيقةِ أمرهم، لا يُؤمنون بخالقٍ لهذا الوجودِ، ولا مُدبِّرٍ، إذًا فهذهِ الأشياءُ هكذا وُجدت، هكذا وُجدت، فتأثيرُ الأشياء بعضَها ببعضٍ تأثيرٌ طَبَعِيٌّ.
    ليس ناشئًا عن تدبيرِ شيء خارجٍ عن هذه الأشياء، ليس لها مُدبِّرٌ. فليست مخلوقةً لخالقٍ لهذا الوجود بأسْرهِ.
    هؤلاء هم الطَّبعيُّون وهم شرُّ الملاحدة، أكفرُ الكفرِ هو جحدُ وجودِ الربِّ سبحانه وتعالى، لأنهُ لا يبقى مع هذا الاعتقاد، لا يبقى معه شيءٌ من الإيمان، الإيمان بالكتب أو بالرسلِ أو باليومِ الآخرِ.
    فهؤلاء الطبعيون ماذا يقولونَ عن العالم؟ يقولون: وُجِدَ هكذا العالم، إما أن يقولوا أنه قديمٌ هكذا بحالِهِ، أو يقولونَ: أنَّهُ وُجِدَ لا بخالقٍ، قد يقولون بما يُسمُّونهُ: "الصُّدفةُ".
    وهم لا يقبلونَ أن يصدُرَ الفعل من غير فاعلٍ، فلو عُرِضَ على أحدهم شيءٌ من هذه المصنوعاتِ القديمةِ والحديثة، التي يقدِرُ عليها الآدميون، وقيلَ أنه هكذا وُجِدَ هذا البناء، أو وُجدت هذه الآلة بلا، يعني ليس لها صانعٌ وأنها هكذا وُجِدَتْ، لمَا رضُوا بذلك، وهذا من شرِّ التناقض أن يُنكروا وجود شيءٍ من هذه التي يفعلها العبادُ من غير مُدبِّرٍ، من غير مُؤثرٍ، ثم ينفونَ ذلك عن الوجود بأسرهِ علويهِ وسُفليهِ.
    فهؤلاء شرٌّ من الجبرية، الجبرية يؤمنون بوجود الله، يقولون أنه هو خالقُ هذا الوجودِ، وخالقُ الأشياء، وهو الذي يجعلُ الأسباب مُؤثِّرةً في مُسبَّباتها، بل لا تأثيرَ لها، لا تأثيرَ لها، فهو سبحانه وتعالى التأثيرُ كلُّهُ لمشيئتِهِ.
    أما هؤلاء فعلى النقيضِ، فمذهبُ هؤلاء الطبعيينَ مُضادٌّ لمذهب الجبريةِ كما قابلَ الشيخ بينهما، إذًا هي مُقابلةٌ بين الجبرية وهؤلاء في جانبِ الأسباب، في مسألةِ الأسباب.
    ويُقابلُ الجبريةَ القدريةَ نفاةُ القدرِ من المسلمين، الذين يقولون: إنَّ اللهَ تعالى هو خالقُ كلِّ شيء، لكن يُخرجون عن قدرةِ الله وعن فِعلهِ سبحانه وتعالى، يُخرجون عن ذلك أفعالَ العباد، ويقولون: أنَّ العبادَ هم الخالقونَ لأفعالهم.
    فالجبريةُ يُقابلهم في شأنِ الأسبابِ الطبعيُّون، ويُقابلهم في جانب القدرِ القدريةُ النُّفاةُ، فالجبريَّةُ يغلونَ في إثبات القدر، وفي فعل الربِّ. والقدرية يُقصِّرونَ في ذلك، فينفونَ القدرَ، لكنَّ القدريةَ يُشبهون الطَّبعيين في مسألةِ أفعالِ العباد، يقولون: أنَّ العبدَ هو الذي يخلقُ فعله، ويفعلُه بمحْضِ قدرته ومشيئتِه، دون أن يكونَ لمشيئةِ الله تأثيرًا في أفعال العباد، فهم يُشبهونَ الطبعيينَ لكن لا في كلِّ شيء، أما الطبعيُّون يعمُّون في الحكمِ، يعمُّون كلَّ الوجودِ، أما القدرية فهم يُشبهونهم في شأنِ أفعالِ العبادِ بل وربما قالوا مثلَ ذلك في أفعالِ الحيوان.

    - القارئ: وأهلُ هذا المذهبِ معروفونَ بالخروجِ عن دياناتِ الرُّسلِ كلِّهِم، لأنَّ هذا القولَ الخبيثَ مبنيٌّ على نفي الإيمانِ بالله، ونفي ربوبيتهِ والرَّبُّ..
    - الشيخ:
    النفيُ موجودٌ.

    - القارئ: والربُّ في الحقيقةِ عندَ هؤلاِء هي الطبيعةُ فهي التي تتفاعلُ وتتطوَّرُ وتُحدِثُ الأشياءَ كلَّها، فهؤلاءِ المُلحدون لا يُثبِتونَ لله أفعالًا ولا يُثبتونَ أنه يُثيبُ الطائعين بالنَّعمِ والكراماتِ في الدنيا والآخرةِ، ولا يُعاقبُ العاصي بالنِّقمِ في الدنيا والآخرةِ، وينفونَ مُعجزةَ الأنبياءِ الخارقة للعادة كلها، وكراماتِ الأولياء، ويقولون: مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا [الجاثية:14]، وهذا المذهبُ الذي هو أبطلُ المذاهبِ الذي تُنزَّهُ عنه اليهودُ والنصارى وكثيرٌ من المُشركين فضلًا عن الدِّينِ الإسلامي قد اغترَّ فيه بعضُ الكُتَّابِ العصريين، وأرادوا من سفاهتهم وجراءتِهمْ العظيمة، أنْ ينسبوهُ إلى دينِ الإسلامِ، ودينُ الإسلامِ وسائرُ الأديانِ بريئةٌ من هذا القولِ الخبيثِ، فهوَ في شِقٍّ، وأديانُ الرُّسلِ في شِقٍّ آخرَ.
    - الشيخ:
    ما أدري، دعوى نسبته الى الإسلامِ لا يستقيمُ، لا يمكنُ لأحدٍ أن ينسبَ جحْدَ وجودَ الرَّبِّ وتدبيرَهُ، لا يمكن لأحدٍ، لا يقولُ به إلا من يعتقدُه، لا يمكن، لكن يمكن أن يقولَ به بعض المُنتسبين إلى الإسلام، نعم. أمَّا أنْ ينسِبَه للإسلامِ فلا يظهرُ له وجْهُهُ، لكن يمكن أن يتكلَّمَ به بعض المُنتسبِينَ للإسلام، يعني مثل المُنافقين الذين يُغالِطونَ ويُموِّهونَ وينشرون الشُّبهات التي يُعارِضونَ بها الإيمانُ باللهِ والإيمانُ برسله والإيمان باليوم الآخر أما أنْ ينسبوهُ للإسلام لا، لا يُتصوَّر، لا يمكن.

    - طالب: أحسنَ الله إليك يا شيخ، ألا يمكنُ أنه يُشيرُ إلى من يرى أن الأسبابَ تُؤثرُ بذاتها يا شيخ؟
    - الشيخ: نعم، اقرأ اللي بعدَه

    - القارئ: الرُّسلُ والشَّرائعُ تُثبِتُ ربوبيَّةَ اللهَ وأفعالَه وقضاءَهُ وقدَرَهُ وانقيادَ العالمِ العلوي والسُّفلي، لإرادَةِ اللهُ وقدرته، وهؤلاءَ يُنكرونَ ذلكَ والرُّسلُ والشرائعُ تُثبتُ أنَّ الأسبابَ والمُسبَّباتِ محلُّ حكمةٍ الله، وأنَّ اللهَ قد جعلَها على نظامٍ حكيمٍ دالٍّ على كمالِ حكمةِ اللهِ، وانتظامِ أمرِ الدُّنيا والآخرة، وأنهُ لا يمكنُ أحدٌ أن يُغيرَ سُنَنَ اللهِ ولا يُحوِّلَهَا، ومع هذا فإنَّها تابعةٌ لمشيئةِ اللهِ وإرادتهِ، لا يستقلُّ سببٌ منها إلا بإعانتِه، وقد يمنعُ بعضَ الأسبابِ ويُغيرُ بعضَ الأسبابِ ليُرِيَ عبادهُ أنَّهُ هو المُتصرِّفُ المُطلقُ.
    - الشيخ:
    لا إلهَ إلا الله، لا إلهَ إلا الله، لا إلهَ إلا الله.
    يعني من المؤمنين بوجودِ الله وربوبيتهِ من يدَّعي في بعض الأشياء أنها مُؤثِّرةٌ بطبعِها كما يعتقدُ بعضُ الجهلة، وبعضُ أهلِ الجاهليةِ يعتقدونَ أنَّ بعض الأسبابِ تُؤثِّرُ بطبعها، يظنونَ ذلك مع إيمانهم بالله وبربوبيته وخلْقهِ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ [لقمان:25]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [العنكبوت:63]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]
    ومع ذلكَ يمكنُ أن ينسبوا بعضَ الأشياءِ للطبيعةِ، طبيعةِ الشيءِ، مثلَ ما فعلَ المُعتزلة في أفعالِ العبادِ، مثل ما فعلَ القدريةُ في أفعالِ العبادِ معَ إيمانهم بالله، وإيمانهم بخلقِ هذا الوجودِ، لكنهم لشبهاتٍ قامتْ في نفوسهم، أخرجُوا أفعالَ العباد عن قدرةِ الله ومشيئتِه. أما الصنفُ الذين ذكرهم الشيخ الطبعيُّونَ فهؤلاء لا يُقِرُّونَ بخالقٍ لهذا الوجودِ، بل الطبيعة هي كل شيء، هي المُؤثِّرةُ فيه، فكأنهم يقولون: "أنَّ هذهِ الأشياءَ خلقتْ نفسها".

    - القارئ: وقد يمنعُ بعضَ الأسبابِ، ويُغيرُ بعض الأسبابِ، ليُرِيَ عبادَهُ أنه هو المُتصرِّفُ المُطلقُ. فقد أوقعَ الله الأخَذَاتِ الخارقةِ بالمُكذِّبينَ بالرُّسلِ، وأكرمَ أنبياءَهُ وأولياءَهُ بالنجاةِ في الدنيا والآخرة، فأهلكَ قومَ نوحٍ بالطوفانِ، ونجَّى نوحًا ومن معهُ من المؤمنين، وجعلَ النار بردًا وسلامًا على ابراهيمَ، وأعطى موسى من الآياتِ كالحيَّةِ والعصا..
    - الشيخ: ا
    لحيَّةُ هي العصَا

    - طالب: يا شيخ، عندي تعليقٌ كاليدِ.
    - الشيخ:
    كاليدِ صح، جيد، تصويبٌ هذا أم تعليقٌ؟
    - طالب: تصويب من بعض الإخوة ما أدري من هو؟
    - الشيخ:
    جيد جيد، كاليدِ، لأنَّ العصا هي التي صارَتْ حيَّةً، حَيَّةٌ تَسْعَى*قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى [طه:20-21]

    - القارئ: قال: وأعطى موسَى من الآياتِ كالحيَّةِ واليدِ وفلقِ البحرِ ما..
    - الشيخ:
    ليش أنت؟ كاليدِ والعصا، اترك الحيَّةَ، العصا هي الحيَّةُ، هي التي يُصيرُها اللهُ حيَّةً.

    - القارئ: قال: وأعطى مُوسى من الآياتِ كاليدِ والعصَا، وفلْقِ البحرِ ما فيهِ أكبرُ عِبرةً بأنه المُتصرِّفُ المُطلقُ، وجعلَ عيسى يُبرئُ الأكمهَ والأبرصَ ويُحيي الموتى بإذنهِ وأعطى محمدًا صلى الله عليه وسلمَ من الكراماتِ والخوارقِ الكونيةِ ما لم يُعطِ أحدًا من الرسل فانشقَّ له القمرُ، وسلَّمَ عليه الشجرُ والحجرُ، ونبعَ الماءُ من بينِ أصابعِه، واستَقَى الخلقُ الكثيرُ من الماءِ القليلِ، وأشبعَ الخلقَ العظيمَ من الطعامِ اليسيرِ، وأبرأَ اللهُ بدعواتِهِ أمراضًا كثيرةً، وأنزل الله الغيثَ بدعوته في قضايًا كثيرة.
    - الشيخ:
    أيش؟ وأنزلَ
    - القارئ: وأنزلَ اللهُ الغيثَ بدعوتهِ في قضايًا كثيرة.
    - الشيخ:
    كلُّ هذهِ الشواهدِ الشيخُ يُوردُها ... الأنبياء، على أنه سبحانه هو المُتصرِّفُ في الأسبابِ، فهو الذي خلقَ النارَ وجعلَ فيها طبيعةَ الإحراقِ، جعلها مُحرِقةً لما تتصلُ فيه مما هو قابلٌ للإحراقِ، وهو الذي سلبَ تأثيرها في ابراهيم كوني بردًا شوف بردًا، النارُ التي تُتلِفُ ما اتصلَ بها من الأبدانِ كونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]
    العصا، هذه العصَا التي هي عصَا من شجرة، عصا موسَى عصَا، ما جاءَ أنها نزلتْ عليه من السَّماءِ، بل هي عصَا عادية، وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى*قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى [طه:17-21]
    وصارتْ هذه العصا في يدِ موسى يتصرَّفُ بها، إذا ألقاها يريدُ مثلًا أن تصيرَ ثعبانًا صارت ثعبانًا، ثعبانٌ مُبينٌ يلتهمُ، فالتهمتْ كيدَ السَّحرة من عِصيهم وحِبالهم فإذا هي: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [الأعراف:117]
    وإذا لم يُرِدْ ذلك تعودُ عصا كما خُلِقَتْ، فتنقلبُ تلقائيًا، ويدُه يدُ إنسانٍ بشرٍ عادية يُدخلها في جيبِهِ ثم يُخرجها بيضاءَ، قيلَ أنها لها شعاعٌ، بيضاءَ من غيرِ سُوءٍ ليست عن عِلَّةٍ وعن مرضٍ لا، آيتان: فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ [القصص:32]، وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه:22-24]
    مقصودُ الشيخِ أنَّ اللهَ تعالى هو المُتصرِّفُ في الأسباب يمنع تأثيرَها ويُغيرها ويُغيرُ ذواتَها إلى طبيعةٍ أخرى، ويقول "شيخ الإسلام" بما معناه في مواضعَ أنَ الأسبابَ يعني تتوقف كل سببٍ كل ما تعتبرهُ سببًا يتوقفُ تأثيرُه على سببٍ آخر أو أسبابٍ مُعينَّةٍ، وإلى صرفِ الموانع، وليس ذلكَ إلا لله تعالى، هو الذي يُحدِثُ من الأسباب ما يُعينُ على السَّببِ، ويصرف الموانع التي تمنَعُهُ، وليس في الوجود سببٌ واحدٌ مُؤثِّرٌ بمُجرَّدِه عن أسبابٍ أخرى تُعينه، وليسَ له مانعٌ يمنعُه، ليس في الوجودِ سببٌ واحدٌ ينتجُ عنه شيءٌ، إذن فالنتائجُ التي تحصلُ بالأسباب هي نتائجُ أسبابٍ ليست سببًا واحدًا مُؤثرًا. ويضربُ لهذا مثالًا بالنار، يقولُ: النارُ ليست مُؤثِّرةً في الإحراقِ وحدَها، بل لا بدَّ من شيءٍ قابلٍ، جسم قابل، النارُ لا تُؤثِّرُ في كل ما تتصلُ به، لا بدَّ أن يكون تأثيرها الإحراق في شيءٍ أو في جسمٍ قابلٍ.
    النباتُ الذي يُخرجه الله من الأرضِ، هل هو بمُجرَّدِ المطر، المطرُ جزءٌ من عِلَّةِ وجودِ المطر، ثم جميعُ الأسبابِ مُفتقرةٌ إلى مشيئةِ اللهِ.



الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •