ملك الجوارح (القلب)
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: ملك الجوارح (القلب)

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,924

    افتراضي ملك الجوارح (القلب)

    للقلب أهمية خاصة؛ حيث أمر الله تعالى بتطهيره، والحفاظ على سلامته، ومنزلته في الجسد منزلة عظيمة جدًّا، فهو الموجه والمخطط، وهو ملك الجوارح ومستقر التوحيد، وباقي الجوارح تبع له، وبصلاحه تصلح الجوارح، وبفساده تفسد.
    أنواع القلوب[1]:
    قال ابن القيم: القلوب ثلاثة: قلب خال من الإيمان وجميع الخير، فذلك قلب مظلم قد استراح الشيطان من إلقاء الوساوس إليه؛ لأنه قد اتخذ بيتًا ووطنًا وتحكم فيه بما يريد، وتمكن منه غاية التمكن.
    القلب الثاني: قلب قد استنار بنور الإيمان وأوقد فيه مصباحه، لكن عليه ظلمة الشهوات وعواصف الأهوية، فللشيطان هنالك إقبال وإدبار ومجالات ومطامع، فالحرب دُول وسجال.
    القلب الثالث: قلب محشو بالإيمان قد استنار بنور الإيمان، وانقشعت عنه حجب الشهوات، وأقلعت عنه تلك الظلمات، فلنوره في صدره إشراق، ولذلك الإشراق إيقاد لو دنا منه الوسواس احترق به، فهو كالسماء التي حرست بالنجوم، فلو دنا منها الشيطان يتخطاها رجم فاحترق.
    القلب السليم في القرآن الكريم:
    القلب السليم الذي يلقى الله عز وجل وليس فيه شيء غير الله عز وجل[2]، وهو أفضل القلوب وخص بالذكر؛ لأن بسلامته تسلم الجوارح: ﴿ وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الصافات: 83، 84].
    وإن من شيعة نوح عليه السلام، ومن هو على طريقته في النبوة والرسالة، ودعوة الخلق إلى الله، وإجابة الدعاء، إبراهيم الخليل عليه السلام: ﴿ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ من الشرك والشبه، والشهوات المانعة من تصور الحق، والعمل به، وإذا كان قلب العبد سليمًا، سلم من كل شر، وحصل له كل خير، ومن سلامته أنه سليم من غش الخلق وحسدهم، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، ولهذا نصح الخلق في الله، وبدأ بأبيه وقومه)[3].
    وقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89].
    قال الشيخ محمد بن عثيمين: (ذكر الله تَعَالَى مُبَيِّنًا أَنَّهُ لا ينفعُ الْإِنْسَانَ يومَ القيامةِ إلَّا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ، فالمالُ والبنونَ لا ينفعونَ إلَّا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ، وفي هَذَا الاستثناء دَليلٌ عَلَى أنَّ المدارَ عَلَى القَلْبِ، وَهُوَ أن يكونَ سَليمًا، وسلامتُهُ ... منْ كلِّ عملٍ أو قولٍ، وللقلبِ قولٌ وعملٌ، أمَّا قولُه فإقرارُهُ، وأمَّا عَمَلُه فهو تَحَرُّكُهُ مِن رجاءٍ، وخوفٍ، ومَحَبَّةٍ، وغيرِ ذلكَ)[4].
    من الأحاديث النبوية عن القلب:
    أخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم عن أهمية سلامة القلب باعتباره السبب في نجاة الإنسان؛ فعَن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "الحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ"[5].
    قال النووي: (المضغة القطعة من اللحم سُميت بذلك؛ لأنها تمضغ في الفم لصغرها، قالوا: المراد تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد، مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان للقلب، وفي هذا الحديث التأكيد على السعي في صلاح القلب وحمايته من الفساد، واحتج بهذا الحديث على أن العقل في القلب لا في الرأس، وفيه خلاف مشهور، مذهب أصحابنا وجماهير المتكلمين أنه في القلب، وقال أبو حنيفة: هو في الدماغ) [6].
    وعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ، أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ»[7].
    وقد علق الشيخ محمد فؤاد عبدالباقي على الحديث بقوله: أفئدتهم مثل أفئدة الطير: قيل مثلها في رقتها وضعفها؛ كالحديث الآخر: أهل اليمن أرق قلوبًا وأضعف أفئدة، وقيل: في الخوف والهيبة، والطير أكثر الحيوان خوفًا وفزعًا) [8].
    وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ، القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ»[9].
    قال ابن حجر: (ومقلِّب القلوب هو المقسم به والمراد بتقليب القلوب تقليب أعراضها وأحوالها لا تقليب ذات القلب)[10].
    من أقوال السلف عن القلب:
    عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «لَوْ فَارَقَ ذِكْرُ الْمَوْتِ قَلْبِي خَشِيتُ أَنْ يَفْسُدَ عَلَيَّ قَلْبِي»[11].
    وَعَنْ أَبِي حَفْصٍ النيسابوري قَالَ: حَرَسْتُ قَلْبِي عِشْرِيْنَ سَنَةً ثُمَّ حَرَسنِي عِشْرِيْنَ سَنَةً ثُمَّ، وَرَدتْ عَلَيَّ وَعَلَيْهِ حَالَةٌ صرنَا محروسَيْن جَمِيْعًا) [12].
    وقَالَ الْحَسَنُ لِرَجُلٍ: دَاوِ قَلْبَك فَإِنَّ حَاجَةَ اللَّهِ إلَى الْعِبَادِ صَلَاحُ قُلُوبِهِمْ، يَعْنِي أَنَّ مَطْلُوبَ الرَّبِّ مِنْ الْعِبَادِ، صَلَاحُ قُلُوبِهِمْ مِنْ الْمِحَنِ وَالْفَسَادِ، وَلَا صَلَاحَ لِلْقُلُوبِ، حَتَّى تَسْتَقِرَّ فِيهَا مَعْرِفَةُ عَلَّامِ الْغُيُوبِ، وَتَمْتَلِئَ مِنْ خَوْفِهِ وَخَشْيَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَمَهَابَتِهِ وَالِالْتِجَاءِ إلَيْهِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَعْنَى (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) فَلَا صَلَاحَ لِلْقُلُوبِ حَتَّى تُفَرِّدَ مَحَبَّةَ الْمَحْبُوبِ) [13].
    وقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِي نَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ: - يظُنُّهُ سُلَيْمَان الْخَوَّاص رَحِمَهُ اللَّهُ - الذِّكْرُ لِلْقَلْبِ بِمَنْزِلَةِ الْغِذَاءِ لِلْجَسَدِ، فَكَمَا لَا يَجِدُ الْجَسَدُ لَذَّةَ الطَّعَامِ مَعَ السَّقَمِ، فَكَذَلِكَ الْقَلْبُ لَا يَجِدُ حَلَاوَةَ الذِّكْرِ مَعَ حُبِّ الدُّنْيَا) [14].
    وقال ابن رجب: (صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه للمحرمات، واتقائه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه)[15].
    وقال ابن القيم: (ثم انفُذ من ساحة الصدر إلى مشاهدة القلب، تجد ملكًا عظيمًا جالسًا على سرير مملكته، يأمر وينهى ويولِّي ويعزل، وقد حفَّ به الأمراء والوزراء والجند كلهم في خدمته، إن استقام استقاموا، وإن زاغ زاغوا، وإن فسد فسدوا، فعليه المعول وهو محل نظر الرب تعالى، ومحل معرفته ومحبته وخشيته، والتوكل عليه والإنابة إليه، والرضا به وعنه، والعبودية عليه أولًا وعلى رعيته وجنده تبعًا)[16].
    مكانة القلب بين الجوارح:
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (العين تقصر عن القلب والأذن، وتفارقهما في شيء، وهو أنها إنما يرى صاحبها بها الأشياء الحاضرة والأمور الجسمانية مثل الصور والأشخاص، فأما القلب والأذن فيعلم الإنسان بهما ما غاب عنه، وما لا مجال للبصر فيه من الأشياء الروحانية والمعلومات المعنوية، ثم بعد ذلك يفترقان: فالقلب يعقل الأشياء بنفسه؛ إذ كان العلم هو غذاءه وخاصيته، أما الأذن فإنها تحمل الكلام المشتمل على العلم إلى القلب، فهي بنفسها إنما تحمل القول والكلام، فإذا وصل ذلك إلى القلب أخذ منه ما فيه من العلم، فصاحب العلم في حقيقة الأمر هو القلب)[17].
    من الأمور التي تعين على سلامة القلب:
    1- الدعاء: عَنْ رَجُلٍ مَنْ بَنِي حَنْظَلَةَ، قَالَ: صَحِبْتُ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: أَلاَ أُعَلِّمُكَ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا أَنْ نَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَأَسْأَلُكَ عَزِيمَةَ الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا، وَقَلْبًا سَلِيمًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُك َ مِمَّا تَعْلَمُ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ)[18].
    2- ذكر الله: فإنه يجلو صدأ القلوب، ويزيد قرب العبد من ربه؛ قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ [الحديد: 16].
    3- العمل الصالح: قيل إِنَّ لِلْحَسَنَةِ نُورًا فِي الْقَلْبِ، وَضِيَاءً فِي الْوَجْهِ، وَقُوَّةً فِي الْبَدَنِ، وَزِيَادَةً فِي الرِّزْقِ، وَمَحَبَّةً فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ[19].
    4- مجالسة الصالحين: وقد قال مالك بن أنس: كنت إذا وجدت من قلبي قسوة أتى محمد بن المنكدر، فأنظر إليه نظرة، فأتَّعظ بها أيامًا [20].
    أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا قلوبًا سليمة خاشعة ترجو رحمته وتخاف عذابه إنه هو الغفور الرحيم.
    ---------------------------
    [1] الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 24)
    [2] صفة الصفوة (2/ 359).
    [3] تفسير السعدي؛ تيسير الكريم الرحمن (ص: 705).
    [4] تفسير العثيمين - الشعراء (ص: 159).
    [5] صحيح البخاري (1/ 20)، صحيح مسلم (3/ 1219).
    [6] شرح النووي على مسلم (11/ 29).
    [7] صحيح مسلم (4/ 2183).
    [8] المصدر نفسه.
    [9] سنن الترمذي ت بشار (4/ 16).
    [10] فتح الباري لابن حجر (11/ 527).
    [11] الزهد لأحمد بن حنبل (ص: 300).
    [12] سير أعلام النبلاء، ط الحديث (10/ 145).
    [13] غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (1/ 62).
    [14] الفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/ 52).
    [15] تفسير ابن رجب الحنبلي (2/ 53).
    [16] التبيان في أقسام القرآن - (1 / 259).
    [17] مجموع الفتاوى (9/ 310).
    [18] سنن الترمذي ت شاكر (5/ 476)، قال الشيخ الألباني: ضعيف.
    [19] مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 423).
    [20] المستغيثين بالله تعالى عند المهمات والحاجات (ص: 140).

    رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/138391/#ixzz6CDvyS0d6
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,577

    افتراضي رد: ملك الجوارح (القلب)

    آمين ،، جزاكم الله خيرا
    اللهم اغفر لأبي وارحمه وعافه واعف عنه اللهم اجعل ولدي عمر ذخرا لوالديه واجعله في كفالة إبراهيم عليه السلام

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,924

    افتراضي رد: ملك الجوارح (القلب)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم علي طويلبة علم مشاهدة المشاركة
    آمين ،، جزاكم الله خيرا
    وجزاكم مثله.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •