الفرق بين قصد الفعل وقصد الكفر
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 5 من 5
5اعجابات
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By محمدعبداللطيف

الموضوع: الفرق بين قصد الفعل وقصد الكفر

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,648

    افتراضي الفرق بين قصد الفعل وقصد الكفر

    القصد وأنواعه:
    إن القصد يطلق عند العلماء ويراد به عدة معان منها :
    1 ـ القصد بمعنى الإرادة الجازمة :
    ويسمي القصد إلى الفعل والباعث إليه، فإذا انتفي هذا النوع من القصد فإن ذلك الفعل أو القول يدخل تحت باب الخطأ وسبق اللسان.
    ومنه حديث الذي أضل راحلته ثم وجدها فقال : " اللهم أنت عبدي وأنا ربك ".
    وقرائن الحال لها دخل في اعتبار هذا المانع من عدمه.
    2 ــ القصد بمعنى الاختيار والطواعية في إتيان الفعل المكفر :
    ويعبر عنه بعض الفقهاء بقوله : ( فمن أتى الكفر قاصدا مختارا طائعا ) بحيث يكون المرء غير مكره.
    3 ــ القصد بمعنى الاعتقاد والنية :
    بمعنى أن يأتي المرء العمل المكفر قاصدا به الخروج من الدين، وهذا هو الذي سنناقشه هنا .
    إذ القصد بالمعني الأول والثاني لا يكاد أحد يخالف في اشتراطه، وهما معتبران عند أهل السنة والجماعة؛ وأما القصد بالمعني الأخير فغير معتبر عندهم، خلافا لمن نسب ذلك إليهم كما فعل " عبد الله القرني " في كتابه " ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة " (وهو كتاب فيه بعض من الأخطاء الأخرى).
    انظر في الرد عليه في هذه المسألة كلا من كتاب : " عارض الجهل وأثره في أحكام الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة " ص : 126.
    وكتاب : " الجامع في طلب العلم الشريف " ص : 578 ــ 579 .
    وقد قلد القرني في هذا الخطأ الفاحش صاحب رسالة : " القول المبين في ضابط تكفير المعين " حيث يقول في مقدمة رسالته:
    ( رابعا : أن يقوم بالمعين ما هو كفر قطعا لكن يمنع من تكفيره الاحتمال في قصده، ففي هذه الحالة يفترق الحكم على الفعل عن الحكم على الفاعل، فقد يكون الفعل كفرا بالأدلة الشرعية لكن لا يكون القصد بالفعل مطابقا للفعل ) اهــ القول المبين في ضابط تكفير المعين ص : 5.
    وإنما قلت أنه قلد " القرني " في ذلك لأنه ذكر أنه لخص هذه الحالات من كتابه الضوابط .
    ــ إن اشتراط القصد بمعنى النية والاعتقاد وقصد الكفر لا يكون معتبرا في الأقوال والأفعال الظاهرة بخلاف الأقوال والأفعال المحتملة للكفر وغيره .
    فمثلا لو أنا رأينا رجلا يدعوا عند القبر فإنا نسأله من تدعوا، فإن قال أدعوا الله لصاحب هذا القبر أن يغفر له ويتجاوز عنه فإنا نقول له : أحسنت، وأما إن قال أدعوا صاحب هذا القبر أن يغفر لي وأن يكشف كربتي، قلنا له : بأن عمله هذا كفر ولا نسأله هل تقصد بذلك أن تكفر أم لا .
    وسأذكر لك أخي القارئ بعضا من الأدلة وأقوال أهل العلم؛ التي تبين فساد ما قاله صاحب رسالة " القول المبين "، ومخالفته لأقوال أهل العلم .
    1 ــ يقول الله تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ (66) }.
    فهؤلاء قوم صدر منهم قول مكفر وهو الاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة الكرام ولم يقصدوا أن يكفروا به، وإنما كان الحامل لهم هو الخوض واللعب، ولم يكذبهم الله في اعتذارهم بذلك .
    إلا أن هذا لم يمنع من الحكم عليهم بالكفر {لا تعتذروا قد كفركم بعد إيمانكم}.
    قال ابن تيمية رحمه الله : ( فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنهم كان عندهم إيمان ضعيف، فعلوا هذا المحرم، الذي عرفوا أنه محرم، ولكن لم يظنوه كفرا، وكان كفرا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه ) اهــ الفتاوى (7/273).
    2 ــ قوله تعالى : { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) }.
    فهذه الآيات وأمثالها كثيرة تدل على أن كثيرا من الكفار يظن أنه على الحق والهدي، بل وأنه أهدى من الذين ءامنوا سبيلا وأقوم طريقا.
    قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله :
    ( وهذا من أدل الدلالة على خطأ قول من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته؛ وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالا وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك ) اهــ [( ج 18 / ص 128 )].
    وانظر لزاما قوله في تفسير قوله تعالى : { إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (30) }.
    3 ــ قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ (2) }.
    ووجه الدلالة من الآية واضح، وهو أن المرء قد يقع في الكفر والشرك وهو لا يعلم ولا يشعر، أي من دون أن يقصد بعمله أن يكون كافرا .
    ـ قال الفخر الرازي :
    ( قوله تعالى : { وأنتم لا تشعرون } إشارة إلى أن الردة تتمكن من النفس بحيث لا يشعر الإنسان ) تفسير الرازي ج 1 / 4103 ومفاتح الغيب ج 28 / 98.
    وقال مثله صاحب كتاب " اللباب في علوم الكتاب " ج17 / 525.
    ـ يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ــ رحمه الله ــ في تفسير الآية المذكورة : ـ ( { وأنتم لا تشعرون } أي لا تدرون، فإذا كان هذا فيمن لا يدري دل على وجوب التعلم والتحرز وأن الإنسان لا يعذر بالجهل كثير من الأمور ) [الدرر السنية (9/ 397)].
    نصوص وأقوال العلماء في أن القصد بمعنى الاعتقاد والنية غير معتبر:
    1 ـ الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله:
    قال الإمام الطبري رحمه الله بعد أن ساق أحاديث في ذم الخوارج وأنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، قال:
    ( فيه الرد على قول من قال لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالما فإنه مبطل لقوله في الحديث يقولون الحق ويقرءون القرآن ويمرقون من الإسلام ولا يتعلقون منه بشيء ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا بخطأ منهم فيما تأولوه من آي القرآن على غير المراد منه ). [فتح الباري ( 12 / 300 )].
    2 ـ الإمام البخاري رحمه الله :
    قال الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ في صحيحه :
    ( باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر ).
    يقول الشيخ الدكتور عبد العزيز الحميدي ــ أعاده الله للحق ــ( ) في كتابه القيم الماتع " تقرير القرآن العظيم لحكم موالاة الكافرين " شارحا عبارة البخاري هذه : ـ
    ( وكيف يحبط عمله وهو لا يشعر ؟ أن يفعل فعلا ظاهرا، أو يقع في ناقض عملي وليس في قلبه قصد الكفر، أو الرضا به، أو نحو ذلك، فيكفر ويحبط عمله وهو لا يشعر ) اهــ . [تقرير القرآن العظيم لحكم موالاة الكافرين ( ص : 32 )].
    3 ــ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
    يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله :
    ( وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر بذلك و إن لم يقصد أن يكون كافرا ). [الصارم المسلول ( ج / 148 )].
    وقال أيضا :
    ( والغرض هنا أنه كما أن " الردة " تتجرد عن السبب، كذلك قد تتجرد عن قصد تبديل الدين وإرادة التكذيب بالرسالة، كما تجرد كفر إبليس عن قصد التكذيب بالربوبية، وإن كان عدم هذا القصد لا ينفعه، كما لا ينفع من قال الكفر أن لا يقصد أن يكفر ) . [الصارم المسلول ( ج 1 / 375 )].
    4 ــ الإمام شمس الدين السرخسي الحنفي رحمه الله: ـ
    قال رحمه الله:
    ( وكذلك من صلى لغير القبلة، أو بغير طهارة متعمدا يكفر، وإن وافق ذلك القبلة، وكذا لو أطلق كلمة الكفر استخفافا لا اعتقاد اهـ
    الشاهد قوله : لو أطلق كلمة الكفر استخفافا لا اعتقادا ) فالمستخف لا يقصد الكفر.
    5 ـ الإمام ابن نجيم رحمه الله:-
    قال في " البحر الرائق " :
    ( والحاصل أن من تكلم بكلمة الكفر هازلا أو لاعبا كفر عند الكل ولا اعتبار باعتقاده ) اهـ [ البحر الرائق ( ج 5 / 134 ) ].
    وقد نقل هذا الكلام وأقره ابن عابدين في حاشيته ( ج 4 / 224 ).
    6 ـ الحافظ ابن حجر رحمه الله :
    قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ عند شرحه لأحاديث الخوارج : ـ
    ( وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير قصد الخروج منه ومن غير أن يختار دينا على دين الإسلام ) اهـ [ فتح الباري ( ج 12 / 302 ) ].
    7 ـ الإمام عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله:
    قال الشيخ عبد اللطيف في رده على أحد المعترضين على دعوة الحق :
    ( وقوله : ( عبارة الفقهاء في باب حكم المرتد يقولون : " وكل مسلم ارتد وهو مكلف مختار " ) فمرادهم أن أفعاله تقع عن اختيار وقصد لا أن يختار أن يكفر وهو يعلم بأن ما فعله كفر هذا سوء فهم وعدم فقه ) اهـ [ مصباح الظلام ( ص : 318 ) ].
    8 ـ الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله:
    يقول الإمام الصنعاني ـ رحمه الله ـ :
    صرح الفقهاء في كتب الفقه في " باب الردة " أن من تكلم بكلمة الكفر كفر وإن لم يقصد معناها ) اهـ [ عقيدة الموحدين ( ص : 131 ) ].
    9 ـ الإمام محمد بن علي الشوكاني رحمه الله:
    قال محمد بن علي الشوكاني: ( وكثيرا ما يأتي هؤلاء الرعايا بألفاظ كفرية فيقول هو يهودي ليفعلن كذا وليفعلن كذا فيرتد تارة بالقول وتارة بالفعل وهو لا يشعر ) الدواء العاجل ص 14.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابوظافر حسين

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,648

    افتراضي رد: الفرق بين قصد الفعل وقصد الكفر

    أهل السنة لا يقيدون الكفر بالقصد - أي قصد الكفر - بل بقصد فعل الكفر ، إذ أنه لا يقصد أحد الكفر إلا أن يشاء الله ، فهنا لا فرق بين قصد الكفر وقصد فعل الكفر، فالذي لم يقصد الكفر معذور ، فاشتراط القصد بمعنى النية والاعتقاد أي ينوي فعل الكفر ويعتقده وهو يعلم أنه كفر أو لا يعلم.
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في عدم اشتراط القصد بمعنى الاعتقاد والنية : " وبالجملة فمن قال أو فعل الكفر ، كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافرًا إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله " .
    وعلى ذلك فإن القصد يأتي بمعان... منها :
    1- القصد بمعنى الإرادة الجازمة ويسمى القصد إلى الفعل ، والعزيمة والعمد ، فإذا تعرَّى الفعل عن القصد بهذا المعنى فإنه يدخل تحت باب الخطأ ، وصورته مثل رجل وقع منه المصحف وهو لا يدري أنه مصحف ، ففي هذه الصورة انتفت الإرادة والعزيمة والقصد والعمد - القصد إلى الفعل المكفر.
    2- القصد بمعنى اختيار الكفر وإتيان الفعل المكفر طواعية مختارًا ، وهذا لا خلاف فيه ، إذ أنه فعل الكفر وقصده وهو يعلم أنه كفر مختارًا طائعًا دون إكراه.
    3- القصد بمعنى الاعتقاد والنية ، بمعنى أنه يأتي الفعل معتقدًا أنه كفر ناويًا الوقوع في الكفر ، والقاعدة المقررة في ذلك أن الحكم بالكفر والإيمان مبناهما على الظاهر دون النظر إلى المقاصد والنيات .
    أما ما يقع من الإنسان من سبق اللسان لشدة الفرح أو دهش أو خوف شديد ، فهذا لا يكفر لعدم قصده إلى الكفر ، وهذا وضع اتفاق بين أكثر العلماء ، فهناك فرق بين قصد الكفر وقصد الفعل المكفر كما سبق.
    أما قصد فعل الكفر فهو المعتبر في الحكم ، إذ لا يكفر الإنسان حتى يقصد الكفر وينويه ويعتقده ، مثال ذلك : رجل سجد لصنم وهو يعلم أنه صنم ، وطاف حول قبر أو ضريح وهو يعلم أنه يطوف حول قبر مثل البدوي والدسوقي والحسين ، وليس الكعبة المشرفة ، ومثل رجل سبَّ الدين وشتم الله ورسوله وهو يعلم أنه سبَّ الله ورسوله ، ومثل رجل يذبح شاة عند قبر الولي وهو يعلم أنه يذبح عند القبر وليس في مكة مثلاً ناسكًا ، ففي كل هذه الحالات يكفر لأنه فعل الكفر بصرف النظر ، هل هو يعلم أن ما فعله شرك وكفر أو لا يعلم . المهم هو قصد الفعل المُكفر وفعله ، فقصد الفعل هو المقيد لا قصد الكفر ، كما سبق ، أما انتفاء القصد بمعنى النية والإرادة مثل : رجل جامع امرأة أجنبية يظنها زوجته ، أو أراد وقصد شرب ماء فوجده خمرًا ، أو طاف بقبر يظنه الكعبة ، أو أراد وقصد رمي كافر فرمى مسلمًا ، أو أراد سب كافر فسبق لسانه وسب مسلمًا ، أو رمى مصحفًا يظنه كتاب أو جريدة ، كل هذه الحالات ترفع الإثم والعقوبة وصاحبها معذور لانتفاء قصد الفعل وقصد الكفر ، ويدخل في ذلك كما سبق ، سبق اللسان من باب الخطأ والنسيان وهذا كله في الأقوال الظاهرة الغير محتملة ، أما الأقوال المشتبهة التي لا تدل دلالة صريحة على الكفر ، فهذه لا يكفر صاحبها إلا بعد معرفة مراده وقصده من الفعل لأنها أقوال محتملة ومشتبهة.
    الشاهد أن المرء قد يقع في الكفر والشرك وهو لا يشعر ولا يقصد الوقوع في ذلك ، فلا يكون عدم قصده رافعًا للإثم الشرعي عنه ، وهذا واضح بنص ومنطوق آيات التوبة والاستهزاء والحجرات .
    " فالإنسان قد يكفر بالمقالة المكفرة وإن كان عند نفسه لم يأت بمكفر ، كما حدث من المنافقين في غزوة تبوك ، فهؤلاء ظنوا أن ذلك ليس بكفر ، ولكن الآيات دليل على أن الرجل إذا فعل الكفر ولم يعلم أو لم يعتقد أنه كافر لا يعذر بذلك بل يكفر بفعله القولي والعملي ، كالذي يطوف حول القبور ويذبح لها وينذر لها ويدعو أصحابها ويستغيث بهم من دون الله ، والذي يتحاكم إلى الطاغوت ويرضى بحكمه ويبدل شرع الله ، وهو يظن عند نفسه أنه لم يأت كفرًا ولم يفعل كفرًا ولم يكفر عند نفسه ، بل يعتقد أن ما يفعله هو قربة لله تعالى وطاعة ، فهذا يكفر ظاهرًا بفعله وقوله الكفر ؛ فتقام عليه الحجة الحدية التي هي الاستتابة ليرجع عن قوله ويتوب من فعله فإن أصرَّ كفر ظاهرًا وباطنًا ، فالبيان وإقامة الحجة الحدية عليه للإعذار إليه قبل إنزال العقوبة به لا ليسمى كافرًا بعد البيان ، فإنه يسمى كافرًا بما حدث منه من سجود لغير الله أو نذره قربة أو ذبحه شاة مثلاً لغير الله ، وقد دل الكتاب والسنة على أن من مات على الشرك لا يُغفر له ويخلد في النار ويسمى مشركًا بما ظهر منه من شرك"
    من ارتكب الشرك يسمى مشركًا ، فالذي يفرق بين الفعل والفاعل ولا يسمى المشرك باسمه ، ويتأول كلام العلماء ويصرفه عن ظاهره ، وهذا خلل في تعريف القصد ، فمن طاف بالقبر ونذر له وذبح له وهو يعلم أنه قبر ولي أو نبي أو غيره ، وخرج من بيته قاصدًا القبر بطوافه أو ذبحه أو دعائه عازمًا على ذلك ، فهو كافر ، وإن لم يقصد بهذه العبادة إلا التقرب إلى الله وإن لم يقصد الكفر بهذا الفعل - - فهذا لا عذر له ، وهذا بخلاف من طاف حول قبر يظنه الكعبة ، أو قصد شرب ماءٍ فوجده خمرًا فهذا - - لا يكفر ولا يؤاخذ بهذا لانتفاء القصد ، وعدم وضوح ذلك يؤدي إلى إشكالات كثيرة فيجب مراجعة العلماء أهل العلم والتحقيق في ذلك.
    وأصل الشبهة التي دخلت على هؤلاء الذين يفرقون بين الفعل والفاعل ويتوقفون في إطلاق اسم مشرك على كل من قام به الشرك ظاهرًا .. أصل الشبهة أنهم تركوا النصوص المحكمة من القرآن والسنة وفهم الصحابة وتأولوا كلام العلماء ، فطرحوا النص ، واتبعوا التأويل ، وجعلوا بعض الكلام المشتبه الحكم على النص ، وهذا خلل عظيم يخالف مذهب أهل السنة القائلين بالتقيد بالمحكم وطرح التأويل ، وهذا راجع إلى عدم التربية الصحيحة على العقيدة وتلقي مسائل التوحيد من أهله المتحققين به الداعين إليه من أهل السنة والجماعة ، فالخلل في أصول التربية يؤدي إلى انحراف ولابد
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابوظافر حسين

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,648

    افتراضي رد: الفرق بين قصد الفعل وقصد الكفر

    قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك :
    من أظهر شيئاً مما تقدم من أنواع الردة جاداً أو هازلاً أو مداهناً أو معانداً في خصومة - أي غير مكره - كَفَرَ بذلك لقوله تعالى ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان .. الآية ) النحل : 106 .
    و من ذلك : إظهار السجود للصنم مجاملة للمشركين ، وطلباً للمنزلة لديهم ، والنيل من دنياهم ، مع دعوى أنه يقصد بذلك السجود لله أو لا يقصد السجود للصنم ، فإنه بذلك مظهرٌ لكفر من غير إكراه ، فيدخل في عموم قوله تعالى ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان .. الآية ) النحل : 106 أ.هـ (جواب في الإيمان و نواقضه ص9 بترقيم الشاملة )

    قال الشيخ عبدالعزيز الراجحي
    وكذلك أيضا يكون الكفر بالفعل كما لو سجد للصنم كفر بهذا السجود، أو داس مصحفا بقدميه، أو لطخه بالنجاسة يكفر بهذا العمل، يكفر بهذا العمل ولو لم يجحد ولو لم يعتقد بقلبه بهذا العمل بهذا السجود للصنم، كذلك يكون كافرا أ.هـ (شرح العقيدة الطحاوية ص 234 بترقيم الشاملة )
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابوظافر حسين

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,648

    افتراضي رد: الفرق بين قصد الفعل وقصد الكفر

    السؤال عن النية والإعتقاد فهذا يعود للإرجاء لأنهم يعتقدون أن الأعمال الكفرية دالة على الكفر وليست كفراً فى ذاتها ولكن عند أهل السنة هى كفر بذاتها فالسجود لصنم بإجماع العلماء فعل مكفر بذاته ولا يسأل فاعله عن إعتقاده ولا نيته ومن المعروف لدى أهل السنة أن قصد الكفر ليس شرطاً فى التكفير بل هو شرط بدعى عنهم ولكن الشرط المعتبر هو قصد العمل المكفر كما سيأتى .
    "فإن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واجماع
    الأمة قد اتفقت على أن من قال الكفر أو فعله كَفَرَ
    القول قسمان : قسم باطني قلبي وهو التصديق وقسمٌ ظاهر وهو النطق بالشهادتين.
    والعمل كذلك قسمان: قسم باطن وهو أعمال القلوب من اليقين
    والمحبة والتوكل والرجاء والإخلاص والخوف ونحوها،
    وقسمٌ ظاهر وهو عمل الجوارح من أداء الفرائض وترك النواهى والابتعاد عن النواقض.
    فاختلال أحد طرفي القسمة هو بالضرورة اختلال للآخر، ونقض أحد أطراف القسمة هو بالضرورة نقض للبقية .
    ولمّا كان نقض وزوال القسم الباطن من التصديق وأعمال القلوب لا اطلاع للخلق عليه ، كان نقض وزوال القسم الظاهر كافياً في الحكم بزوال الإيمان، لأنه لا يمكن بناءً على التلازم أن يزول أوينقض الإيمان الظاهري مع بقاء الإيمان الباطن
    وهنا يقع خطأ وضلال المرجئة عندما تصوروا أن ينقض الإيمان الظاهر مع بقاء الإيمان الباطن
    ولذلك لا يُكفرون بالمكفرات العملية إلا مشترطين لها الاستحلال أو النية
    وإعتبار قصد الكفر فى الأعمال الكفرية للحكم بالكفر شرط بدعى إذ أن المعتبر عند أهل السنة هو قصد العمل المكفر وليس قصد الكفر فلو سجد رجل لصنم وإنتفت عنه شروط وموانع التكفير ثم قال لم أقصد أن أكون كافراً بسجودى هذا قلنا لها إنك بسجودك قد كفرت وقد وضح ذلك العلامة إبن تيمية فقال في "الصارم المسلول ص177"
    "وبالجملة من قال أو فعل ما هوكفرٌ كَفَر بذلك وإن لم يقصد أن
    يكون كافراً، إذ لا يقصد الكفر أحدٌ إلا ما شاء الله"
    وقال أيضاً مجموع الفتاوى "7/220"
    في قوله تعالى"لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم" "فقد اخبر سبحانه وتعالى أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم:إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقادٍ له بل كنا نخوض ونلعب، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام"
    وقد بين ذلك الإمام البخاري رحمه الله فقال في"كتاب الإيمان"
    من الجامع الصحيح"باب: خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو
    لا يشعر"
    وكيف يحبط عمله وهو لا يشعر؟! أن يفعل فعلاً ظاهراً أو يقع في
    ناقضٍ عملي وليس في قلبه قصد الكفر أو الرضا به أونحو ذلك،
    فيكفر ويحبط عمله وهو لا يشعر.
    وقد وضح ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله فقال:"وفيه أن من
    المسلمين من يخرج من الدين من غير قصد الخروج منه،ومن غيرأن يختار ديناً على دين الإسلام"
    وقال الشيخ العلامة حمد بن عتيق رحمه الله" قالوا: أي: علماء
    السنةـ إن المرتد هو الذي يكفر بعد إسلامه إما نطقاً وإما فعلاً وإما
    اعتقاداً، فقرروا أن من قال الكفر كفر وإن لم يعتقده ولم يعمل به
    إذا لم يكن مكرهاً،وكذلك إذا فعل الكفر كفر وإن لم يعتقده ولا نطق
    به ن وكذلك إذا شرح بالكفر صدره ..." ((الدفاع عن أهل السنة
    والأتباع ص30"))
    فالقصد قصدان قصد العمل المكفِّر وقصد الكفر وكلاهما كفر فمن قصد العمل المكفر كفر وإن لم يعتقد ومن قصد الكفر كفر وإن لم يعمل
    اشترط البعض قصد الكفرللحكم بالتكفير، وأن الشخص مهما أتى من الأقوال والأفعال المكفّرة لايكفرمالم يقصدأن يكفر بهذا، وقد يبدو هذا الشرط صحيحا بادي الرأي لقوله صلى الله عليه وسلم (إنماالأعمال بالنيات وإنما لكل امريءٍ مانوى) الحديث متفق عليه
    ولكن التفريق بين نوعين من النية أو القصد ــ مع أدلة أخرى ــ يبيّن أنه شرط باطل.
    فالنوع الأول من القصد هو أن يتكلم الإنسان كلاماً مكفراً قاصداً له أي متعمداً غيرمخطيء،فهذا القصد معتبر ولابد من اشتراطه لمؤاخذة صاحبه بكلامه، والنظر في قرائن الحال المصاحبة للكلام له أثر هام في تمييز العامد من المخطيء كما في حديث الرجل الذي أضلّ راحلته ...
    والنوع الثاني من القصد هو أن يقصد الإنسان الكفر بكلامه المكفر الذي تعمّده،فهذا القصد غيرمعتبر وليس شرطاً للحكم بالكفر على صاحبه
    وقدنبّه على هذا شيخ المفسِّرين الطبري في تفسيره لقوله تعالى (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) الكهف 103 ــ 105.
    قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيرها
    (وهذا من أدلّ الدلائل على خطأ قول من زعم أنه لايكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته، وذلك أن الله تعالى ذِكْره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآيةأن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالا، وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهمذلك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات ربهم، ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنه لايكفر بالله أحدٌ إلا من حيث يعلم، لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهمالذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعه مثابين مأجورين عليه،ولكن القول بخلاف ماقالوا، فأخبر جَلَّ ثناؤه عنهم أنهم بالله كفرة وأن أعمالهم حابطة) (جامع البيان) 16/43 ــ 35.
    وأضيف إلى ماذكره من آيات:
    قوله تعالى (وقالت اليهـود والنصـارى نحـن أبنـاءُالله وأحباؤه) المائدة 18، وقوله تعالى (وقالوا لن يدخلالجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) البقرة 111
    فاعتقاد الكافر بأنه محسنٌ وأنه مُهتد ٍ أو أنه من أهلالجنة لايمنع من تكفيرهإذا ثبت كفره بالدليل،
    وأضيفإلى ذلك:
    أن اعتقاده بأنه مُحسنٌ هو في ذاته عقوبة قدريةلهمن الله ليستمر على ضلاله وغوايته كما قال تعالى
    (وقيّضنالهم قُرناء فزينوا لهم مابين أيديهم وماخلفهم، وحق عليهم القول في أمم قد خلت منقبلهم من الجن والإنس، إنهم كانوا خاسرين) فصلت 25
    وقال تعالى (ومن يَعْشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، وإنهم ليصدونهمعن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) الزخرف 36 ــ 37.
    فكيف تُعتبر هذه العقوبة القدرية مانعا من الحكم الشرعى عليهم بالكفر؟.
    والخلاصــة:
    أن القصـد المعتبر في التكفيرهو قصد العمل المكفر أي تعمّده، لاقصد الكفر به .
    وقد بيَّن ابن تيمية هذا الفرق بأوجز عبارة فقال رحمه الله :
    (وبالجملة فمن قال أو فعل ماهو كُفْر كَفَرَبذلك،وإن لم يقصد أن يكون كافراً،إذ لايقصد الكفر أحدٌ إلا ماشاء الله) (الصارم المسلول) صـ 177 ــ 178. [منقول ]
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابوظافر حسين

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,648

    افتراضي رد: الفرق بين قصد الفعل وقصد الكفر

    قصد الكفر - وقصد الفعل
    ================
    "هناك من يقول: إنَّ الكُّفر لا يكون إلا بالتكذيب والجحود"؛ وتتميمًا للفائدةِ أَحْبَبْتُ أنْ أُنَبِّه على ضلالةٍ أُخْرَى منتشرةٍ عند مَنْ يَحصُرون الكُّفر في التكذيب والجحود ألا وهيَ اشْتِراطُهم قصدَ الكفر لمن يحكم عليه بالكفر حتى إنَّ أحدَ دعاتهم قال: لا يُكَفِّر أحدًا حتى يقول: أنا أختارُ الكُفر على الإيمان.
    فأقول - والله المستعان -: من المعلوم أنَّ الكفر هو ما يضادّ الإيمان من الأقوال والأفعال والاعتقادات.
    قال أبو محمد بن حزم في "الإحكام" (1/45): "الكفر هو في الدين صفةُ مَن جحد شيئًا مما افترض الله تعالى الإيمانَ به بعد قيام الحُجَّة عليه ببلوغ الحقّ إليه بقَلْبِه دُونَ لِسانه أو بلسانه دون قلبه أوْ بِهِما معًا، أوْ عَمِلَ عَمَلاً جاء النَّصّ بأنَّهُ مُخرجٌ له بذلك عنِ اسْمِ الإيمان".
    وقال شيخُ الإسلام ابنَ تيمية - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (12/335): "الكُفْر عدم الإيمان بالله ورسله، سواءٌ كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب بَلْ شَكٌّ وَرَيْب أو إعراض عن هذا كله حسدًا أو كِبْرًا أوِ اتّباعا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة، وإن كان الكافر المكذّب أعظم كفرا وكذلك الجاحد المكذّب حسدًا مع استيقان صدق الرسل، والسور المكية كلها خطاب مع هؤلاء".
    وقال أيضا(8/348): "فالكفر عدم تصديق الرسول سواء كان معه اعتقاد تكذيب أم لا بل وعدم الإقرار بما جاء به والمحبة له". اهـ.
    وقال(20/86): "والكفر عدم الإيمان باتّفاق المسلمين سواء اعتقد نقيضه وتكلَّم به أو لم يعتقدْ شيئًا ولم يتكلَّم، ولا فرق في ذلك بين مذهب أهل السنة والجماعة؛ الذين يجعلون الإيمان قولاً وعملاً بالباطن والظاهر وقول من يجعله نفس اعتقاد القلب؛ كقول الجهميَّة وأكثر الأشعرية أو إقرار اللسان كقول الكرَّامية أو جميعها كقول فقهاء المرجئة وبعض الأشعرية فإن هؤلاء مع أهل الحديث وجمهور الفقهاء من المالكيَّة والشافعيَّة والحنبليَّة وعامَّة الصوفيَّة وطوائف من أهل الكلام من متكلّمي السنة وغير متكلمي السنة من المعتزلة والخوارج".
    وقال السبكي: "التكفير حكم شرعي سببه جَحْدُ الرُّبوبية أو الوحدانية أو الرسالة أو قول أو فعل حكم الشارع بأنَّه كفر وإن لم يكن جحدًا".
    وينقسم الكفر إلى أقسام ثلاثة: قولي – فعلي – اعتقادي:
    أما بالقول: فَكَسَبّ الله أو سب رسوله أو سب الدين أو الاستهزاء بشريعةٍ من الشرائع، قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [التوبة: 65-66]، وقال تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ} [التوبة: 74]، فمن تكلم بالكفر كفر؛ إذا توفرت فيه شرائط البلوغ والعقل والاختيار، وانتفت عنه موانع الجهل والجنون والإكراه وما شابه، حتى ولو لم يرد الكفر ولم يقصده.
    وأمَّا بالفعل: فكالسُّجودِ للصنم أو الذَّبْحِ لِغَير الله أو رَمْيِ المصحَفِ في القاذورات؛ قال تعالى: {لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ} [فُصِّلتْ: 37].
    وأما بالاعتقاد: فالكفر يقع بالاعتقاد ولو لم يصحبه قول أو فعل كمن يعتقد قِدَمَ العالم أو أن بوسعه الخروج على الشريعة الإسلامية، أو ارتاب فيما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15] والكفر قد يكون تكذيبًا بالقلب وهذا الكفر قليلٌ في الكُفَّار كما قال ابن القيم؛ لأنَّ الله تعالى أيَّد رسله وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحُجَّة وأزال به المعذرة.
    وكل أنواع الكفر تُخرج عن الإسلام بمفردها ولو لم ينضمَّ إليها نوع آخر، ما دام مرتكبها قاصدًا للفعل أو القول، متعمدًا له، ولو لم يقصد الخروج من الإسلام؛ فإنه يشترط في الحكم بالتكفير، قصد الفعل أو القول وإن لم يقصد حقيقة المعنى، فإن تكلم بالكفر عن خطأ أو نسيان أو هذيان أو كان نائمًا أو حاكيًا أو قارئًا أو مكرهًا أو جرت الكلمة على لسانه بدون اختياره بسبب الدهشة؛ كما في حديث الرجل الذي أخطأ من شدة الفرح فقال: ((اللهم أنت عبدى وأنا ربك))، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أخطأ من شدة الفرح))-: فكل هؤلاء لا يكفرون، إنما يكفر من قصد القول أو الفعل.
    قال ابن نُجيم في "البحر الرائق شرح كنز الدقائق": "إنَّ مَن تكلَّم بكلمة الكفر هازلاً أوْ لاعبًا كفر عند الكُلّ ولا اعتبار باعتقاده".
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الصارم المسلول" ص 184: "فمن قال أو فعَلَ ما هو كُفْرٌ كَفَرَ بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافرًا؛ إذ لا يكاد يقصِدُ الكفر أحد إلا ما شاء الله".
    ثم قال ص 375: "و الغرض هنا أنه كما أن الردة تتجرد عن السب كذلك قد تتجرد عن قصد تبديل الدين، و إرادة التكذيب بالرسالة، كما تجرد كفر إبليس عن قصد التكذيب بالربوبية، وإن كان عدم هذا القصد لا ينفعه كما لا ينفع من قال : الكفر أن لا يقصد أن يكفر".
    وقال في "الفتاوى": "فإنه من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدرًا... وإذا تكلَّم بكلمة الكفر طوعًا فقد شرح بالكفر صدرًا... قال تعالى: {وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل: 106] أي لاستحبابه الدنيا على الآخرة، ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرًا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل)) اهـ.
    وقال رحمه الله "منهاج السنة" 5/251: "فتكذيب الرسول كفر، وبغضه وسبّه وعداوته مع العلم بصدقه في الباطن كفر عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة أهل العلم).
    وقال رحمه الله في "مجموع الفتاوى" 7/533: "والكُفْرُ تارة يكون بالنظر إلى عدم تصديق الرسول والإيمان به، وتارة بالنظر إلى عدم الإقرار بما أخبر به، ثُمَّ مُجرَّدُ تصديقه في الخبر والعلم بثبوت ما أخبر به، إذا لم يكن معه طاعة لأَمْرِه، لا باطنًا ولا ظاهرًا، ولا محبَّة لله ولا تعظيمًا له، لم يكن ذلك إيمانًا".
    وقال في "الصارم" ص 514: "إنَّ مَن سبَّ الله أو سبَّ رسولَه كفر ظاهرًا وباطنًا، سواءً كان السابُّ يعتقد أَنَّ ذلك محرَّم، أو كان مستحلاًّّ له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنَّة القائلين بأنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ".
    وروى اللالَكائي في "اعتقاد أهل السنة" بسنده عن أبي ثور قال: "لو قال: المسيحُ هو الله وجَحَدَ أَمْرَ الإسلام وقال لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن".
    وقال ابن قدامة في "المغني" 12/ 298: "ومن سبَّ الله تعالى كفر سواء كان مازحًا أو جادًّا وكذلك مَنِ استهزأ بالله تعالى أو بآياته أو برسله أو كتبه".
    وقال القاضي عياض – المالكيّ –: "وكذلك نكفِّر بفعلٍ أجْمَعَ المسلمون على أَنَّه لا يصدُرُ إلاَّ من كافر وإنْ كان صاحبُه مصرِّحًا بالإسلام مع فِعْلِه كالسجود للصَّنم، أو الشمس والقمر، والصَّليب والنَّار، والسَّعي إلى الكنائس والبِيَع مع أهلِها، والتَّزيِّي بزيِّهم من شدِّ الزَّنانير وفحص الرُّؤوس؛ فقد أجمع المسلمون أنَّ هذا الفعل لا يوجد إلاَّ من كافرٍ وأَنَّ هذه الأفعال علامةٌ على الكفر، وإِنْ صرَّح فاعلها بالإسلام". "الشفا" 2/331.
    قال الحافظ ابن حجَر عند كلامه على أحاديث الخوارج: "فالقصد المعتبر شرعًا في التكفير: هو قصد الفعل المكفّر بالقول أو الفعل لا قصد الكفر"،
    وقال الصَّنعانيّ في " تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد": "صرح الفقهاء في كتب الفقه في باب الرِّدَّة: أَنَّ من تكلَّم بكلمة الكفر يكفر وإِنْ لم يقصد معناها".
    وقال الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمّد بن عبدالوهَّاب في رسالة "الدلائل" : "قد أجمع العلماء على أَنَّ مَنْ تكلَّم بِالكفر هازِلاً أَنَّه يكفر. فكيف بمن أظهر الكفرَ خوفًا وطمعًا في الدُّنيا".
    واستدلَّ أهْلُ السنَّة على أن من تكلَّم بكلمة الكفرِ كَفَرَ، ولو لم يقصدِ الكفرَ، بأدلَّة كثيرة.
    منها قوله تعالى: {وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً} [التوبة: 65-66].
    قال ابن الجوزيّ - الحنبلي -: "وقوله: {قَدْ كَفَرْتُمْ} أي: قد ظهر كفركم بعد إظهارِكم الإيمان، وهذا يدلُّ على أَنَّ الجدَّ واللعِبَ في إظهار كلمة الكفر سواء". "زاد المسير" 3/465.
    قال أبو بكر أحمد بن عليٍّ الجصَّاص – الحنفيّ -: "فيه الدّلالة على أنَّ اللاعبَ والجادَّ سواءٌ في إظهار كلمة الكفر على غير وجه الإكراه؛ لأَنَّ هؤلاء المنافقين ذكروا أَنَّهم قالوا ما قالوه لعِبًا فأخبر الله عن كفرِهم باللعِبِ".
    وقال أبو محمد بن حزم في "الفصل" 3/244: "فنصَّ تعالى على أَنَّ الاستهزاء بالله تعالى أو بآياته أو برسولٍ من رسله كفرٌ مخرجٌ عن الإيمان ولم يقل تعالى في ذلك إِنِّي علمت أَنَّ في قلوبكم كفرًا، بل جعلهم كفارًا بنفس الاستهزاء. ومنِ ادَّعى غير هذا فقد قوَّل الله تعالى ما لم يقُلْ وكذب على الله تعالى".
    وقال الكِيا الهرَّاسي – الشافعيّ - في "أحكام القرآن": "فيه دلالةٌ على أنَّ اللاَّعب والخائض سواءٌ في إظهار كلمة الكفر على غير وجه الإكراه، لأَنَّ المنافقين ذكروا أَنَّهم قالوا ما قالوه لَعِبًا، فأخبر الله تعالى عن كفرهم باللَّعِب بذلك، ودلَّ أنَّ الاستهزاءَ بآياتِ الله تعالى كفرٌ".
    وقال القاضي أبو بكرٍ بن العربيّ المالكيّ "أحكام القرآن" 2/976: "لا يخلو أَنْ يكونَ ما قالوه من ذلك جدًّا أو هَزْلاً، وهو - كيفما كان - كفرٌ، فإِنَّ الهزلَ بالكفرِ كفرٌ، لا خلاف فيه بين الأمَّة. فإِنَّ التَّحقيق أخو الحقّ والعلم، والهزلَ أخو الباطل والجهل. قال علماؤنا: انظر إلى قوله: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]".
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنَّ من سبَّ الله ورسولَه طوعًا بغير كَرْه، بل من تكلَّم بكلمات الكفر طائعًا غير مُكْرَهٍ، ومنِ استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافرٌ باطنًا وظاهرًا، وإِنَّ من قال: إِنَّ مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمنًا بالله وإِنَّما هو كافرٌ في الظَّاهر، فإنَّه قال قولاً معلومُ الفساد بالضَّرورة من الدِّين، وقد ذكر الله كلماتِ الكفَّار في القرآن وحكم بكفرهم واستحقاقهم الوعيد بها". "مجموع الفتاوى" 7/557.
    ومنها قوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ} [التوبة: 74].
    قال أبو محمد بن حزم في "الفصل" 3/244: "فنصَّ تعالى على أَنَّ مِنَ الكلام ما هُوَ كفرٌ وقال تعالى: {إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} [النساء: 140] فنص تعالى أن من الكلام في آيات الله تعالى ما هو كفر بعينه مسموع وقال تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً} [التوبة: 65-66] فنَصَّ تعالى على أنَّ الاستهزاءَ بالله تعالى أو بآياته أو برسول من رُسُله كُفْر مخرج عن الإيمان، ولم يقل تعالى في ذلك: إني علِمْتُ أنَّ في قلوبِكُم كُفرًا بل جعلهم كفَّارا بنفس الاستهزاء، ومن ادَّعى غير هذا فقد قوَّل الله تعالى ما لم يقل وكذب على الله تعالى، وقال عَزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَه ُ عَاماً لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} قال أبو محمد: "وبحكم اللغة التي نزل بها القرآن أن الزيادة في الشيء لا تكون البتة إلا منه لا من غيره؛ فصحَّ أنَّ النَّسيءَ كُفر، وهو عمل من الأعمال، وهو تحليل ما حرم الله تعالى فمن أحل ما حرم الله تعالى وهو عالم بأن الله تعالى حرَّمه فهو كافر بذلك الفِعْلِ نفسه، وكل مَنْ حَرَّم ما أحلَّ الله تعالى فقد أحلَّ ما حرَّم الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ الله تعالى حرَّم على النَّاس أن يحرّموا ما أحلَّ الله".
    وقال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب في "كشف الشبهات": "كفَّرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يجاهدون معه ويصلُّون معه ويزكُّون ويحجُّون ويوحِّدُون".
    ومنها قولُه تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل: 106] قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فعُلِمَ أَنَّ التَّكلُّم بالكفركفرٌ إلاَّ في حال الإكراه... فمَن تكلَّم بدون الإكراه لم يتكلَّم إلاَّ وصدرُه منشرحٌ به". "الفتاوى" 7/560-561.
    وقال في "الصارم المسلول" ص 524: "مَنْ قال بِلِسانِه كلمةَ الكُفرِ مِن غير حاجةٍ عامدًا لها عالِمًا بأَنَّها كلمةُ كفرٍ فإِنَّه يكفرُ بذلك ظاهرًا وباطنًا، ولأنَّا لا نجوِّز أَنْ يقال: إِنَّه في الباطن يجوز أَنْ يكونَ مؤمنًا، ومن قال ذلك فقد مَرَق من الإسلام ... فصار مَن تكلَّم بالكفر كافرًا إلاَّ من أُكرِه فقال بلسانه كلمةَ الكفر وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان".
    وقال أبو محمد بن حزم: "خرج من ثبت إِكراهُه عن أَنْ يكون بإظهار الكفر كافِرًا إلى رخصةِ الله تعالى والثَّبات على الإيمان، وبقي من أظهر الكفر، لا قارئًا ولا شاهدًا، ولا حاكيًا ولا مكرهًا على وجوب الكفر له بإجماع الأمَّة على الحكم له بحُكْم الكفر وبحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وبنصِّ القرآن على من قال كلمة الكفر أنَّه كافرٌ، وليس قول الله عزَّ وجل: {ولكِنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْرًا} على ما ظنُّوه منِ اعتقاد الكفر فقط، بل كلُّ مَنْ نَطَقَ بِالكلام الذي يُحكم لقائله عند أهل الإسلام بحكم الكفر لا قارئًا ولا شاهدًا ولا حاكيًا ولا مكرهًا فقد شرح بالكفر صدرًا ؛ بمعنى أَنَّه شرح صدره لقبولِ الكفر المحرَّم على أهل الإسلام وعلى أهل الكفر أَنْ يقولوه وسواءٌ اعتقدوه أو لم يعتقدوه؛ لأَنَّ هذا العمل من إعلان الكفر على غير الوجوه المباحة في إيرادِه وهو شرحُ الصدرِ به". "الفِصَل" 3/249
    ومنها قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلئِكَ بِالْمُؤْمِنِين َ * وَإِذَا دُعُوا إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِليْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَليْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْل الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 47-51] فبيَّن سبحانه أَنَّ من تولَّى عن طاعة الرَّسول، وأعرض عن حُكمِه فهو من المنافقين، وليس بمؤمنٍ، وأَنَّ المؤمن هو الذي يقول: سمعنا وأَطعنا، فإذا كان النِّفاق يثبُتُ ويزولُ الإيمان بمجرَّد الإعراض عن حكم الرَّسول وإرادة التَّحاكم إلى غيرِه، مع أنَّ هذا ترك محضٌ، وقد يكون سببه قوَّة الشَّهوة، فكيف بالتَّنَقُّص والسبِّ ونحوه!
    ويقال أيضا: لو كان قصد الكفر شرطًا في الحكم على شخصٍ ما بالكفر لم يكن لاستثناء المكره على النطق بكلمة الكفر معنًى لأنه لم يقصد الكفر وإنما أكره على الكلمة فقط فتدبر!!
    ومنها قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِين َ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 103-105].
    قال شيخ المفسرين ابن جرير في "تفسيره": "والصواب من القول في ذلك عندنا، أن يُقال: إنَّ الله - عز وجل - عنَى بقوله: {هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} كلَّ عاملٍ عملاً يحسبه فيه مصيبًا، وأنَّه لله بفعله ذلك مطيع مُرضٍ، وهو بفعله ذلك لله مسخط، وعن طريق أهل الإيمان به جائر كالرهبانيَّة والشمامسة، وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالهم، وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله كفرة، من أهل أي دين كانوا"
    وقال: "وهذا من أدل الدلائل على خَطَأِ قَوْلِ مَن زَعَم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيثُ يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته؛ وذلك أنَّ الله - تعالى ذِكْرُه - أخبر عن هؤلاء الذين وصف صِفَتَهُم في هذه الآية، أنَّ سعْيَهُم الذي سَعَوْا في الدنيا ذَهَبَ ضلالا وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات ربهم. ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنَّه لا يكفر بالله أحدٌ إلا من حيث يعلم، لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يُحْسِنون صنعه، كانوا مثابين مأجورين عليها، ولكنَّ القَوْلَ بخلاف ما قالوا، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم بالله كفرة، وأن أعمالهم حابطة". وقال ابن حجر في "الفتح" 12/315: "وفيه – يعني حديث ((يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ)) - أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يَقْصد الخروج منه، ومن غير أن يختار دينًا على دين الإسلام". ا-هـ.
    وقال الإمام محمد بن عبدا لوهاب رحمه الله - كما في "الدرر السنية" - في معرض جوابه عن بعض المسائل التي سئل فيها في باب المرتد - قال: " الرابعة: إذا نطق بكلمة الكفر، ولم يعلم معناها، صريحا واضحا أنه نطق بما لا يعرف معناه؛ وأما كونه لا يعرف أنها لا تكفّره، فيكفي فيه قوله: {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 66]، فهُم يعتذرون منَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ظانِّينَ أنَّها لا تُكَفّرهم، والعجبُ ممَّن يحملها على هذا وهو يسمع قوله {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 104].
    ومنها قوله تعالى: { فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الأعراف: 30] وقال: { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُم ْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف: 37-36].
    قال ملاّ علي القاري في "شرحه على الفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة" ما نصه: "ففي حاوي الفتاوي: "من كفر باللسان وقلبُه مطمئن بالإيمان فهو كافر وليس بمؤمن عند الله".
    وقال العلاّمة محمد بن صالح العُثَيمين في فتاوى "نور على الدرب": "...... كيف يكون مؤمنًا مَنْ سَبَّ هذا الدينَ ولو كان مازحًا إذا كان قَدْ قَصَدَ الكلام؛ فإنَّ مَنْ سب دين الإسلام جادًّا أو مازحًا فإنه كافرٌ كُفْرًا مُخْرِجًا عن المِلَّة، عليه أن يتوب إلى الله - عزَّ وجلَّ - وسبُّ الدين مازحًا أشدُّ من سبه جادًّا وأعظم؛ ذلك لأنَّ من سب شيئًا جادًّا وكان هذا السَّبّ واقعًا على هذا .... أمَّا شئٌ سبق على لسانه بأن كان يريد أن يمدح الدين فقال كلمة سبٍّ بدون قصد بل سبقًا على اللسان فهذا لا يُكفَّر لأنه ما قصد السبَّ، بخلاف الذي يقصده وهو يمزح فإن هنا قصدًا وقع في قلبه، فصار له حكم الجادّ، أمَّا هذا الذي ما قصد ولكن سبق على اللسان فإنَّ هذا لا يضرُّ، ولهذا ثبت في الصحيح في قِصَّة الرَّجُل الذي ((كان في فلاةٍ فأضاع راحِلَته وعليها .... وقال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" أخطأ من شدة الفرح)) فلم يؤاخذ؛ لأنَّ هذا القول الذي صَدَرَ منه غيرُ مقصودٍ له بل سبق على لسانه فأخطأ من شدة الفرح، فمثل هذا لا يَضُرّ الإنسانَ، لا يضر الإنسانَ لأنه ما قصده، فَيَجِبُ أن نَعْرِفَ الفَرْقَ بين القصد وعدمِه، يجب أن نعرف الفرق بين قَصْدِ الكلام وعدم قصد الكلام، ليس بين قَصْدِ السب وعدم قصده لأنَّ هنا ثلاث مراتب: المرتبة الأولى أن يقصد الكلام والسَّبّ، وهذا فعل الجادّ كما يصنع أعداء الإسلام بسبّ الإسلام. الثانية أن يقصد الكلام دون السَّبّ؛ بمعنى يقصد ما يدل على السَّبّ لكنَّه مازحٌ غير جاد فهذا حكمه كالأوَّل يكون كافرًا؛ لأنه استهزاء وسخرية. المرتبة الثالثة: أن لا يقصد الكلام ولا السَّبَّ وإنَّما يسبق لسانُه فيتكلَّمُ بما يدل على السب دون قصدٍ إطلاقًا، لا قَصَدَ الكلامَ ولا قَصَدَ السَّبَّ فهذا هو الذي لا يؤاخذ به وعليه يتنزل قولُه تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [المائدة: 89].
    ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم – (( إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالا، يرفع الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا، يهوي بها فى جهنم))؛ رواه البخاري من حديث أبى هريرة، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "أي لا يتأملها بخاطره، ولا يتفكر في عاقبتها، ولا يظن أنها تؤثر شيئا، وهو من نحو قوله تعالى وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ، وقد وقع في حديث بلال بن الحارث المزني الذي أخرجه مالك وأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم بلفظ " إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة ".
    هذا؛ ولعلنا بهذه النقول الموجزة قد بينا معنى "القصد" الذي يعد من شروط التّكفير بعد وقوعه من المكلف، وأن مقصوده عند أهل السنة: هو "قصد الفعل" وليس "قصد الكفر" فمن فعل فعلاً مكفّراً وهو قاصد له، كفر سواء قصد الكفر أو لم يقصده.
    وهذه المسألة وإن كانت بدهية دينية وعقلية إلا أن شيوع لوثة التجهم جعل طلاب العلم يختلفون في البديهيات[الخليفى]
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابوظافر حسين

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •