مقاصد الشارع في تحريم التبني ورعاية اللقيط
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2
1اعجابات
  • 1 Post By أم علي طويلبة علم

الموضوع: مقاصد الشارع في تحريم التبني ورعاية اللقيط

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,569

    افتراضي مقاصد الشارع في تحريم التبني ورعاية اللقيط

    مقاصد الشارع في تحريم التبني ورعاية اللقيط
    د/ فريدة صادق زوزو
    توطئة:
    تشاء الإرادة الإلهية أن ينشأ صبي ما يتيما من غير أبوين يكفلانه، أو أن يكون قدر مولود ما الرمي في الشارع خوفا من فضيحة الزنا أو الاغتصاب، وحتى خوفا من الفقر والجوع؛ غير أن هذه الحالات لا يشاء الله لها أن تموت أو ترمى على قارعة الطريق بلا مأوى أو كفيل، إذ شرعت الرعاية لهما بما سمي "الالتقاط" والطفل المنبوذ "لقيطا"، وقد قال تعالى في هذا الشأن على اعتبار أن اللقيط نفس حية يجب أن تُحترم إنسانيتها:{ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} (المائدة: 32)، حفاظا على حياة الإنسان التي أُكرم بها في هذه الدنيا؛ غير أن لهذه الرعاية شروطا خاصة وضوابط محددة بغرض الحفاظ على حقوق اللقيط ابتداءً وحقوق الملتقط تبعا، ومنه جاء تحريم مبدأ "التبني" الذي ينسب به اللقيط إلى الملتقط لأن في هذا الانتساب هدرا لحقوق عائلة الملتقط بإدخال غريب على رابطة الدم والنسب والرضاع، ووارث جديد غريب عن العائلة، وعنصر لا يعد محرما لنساء أو بنات الملتقط وغيرها مما يثيره هذا المبدأ مما سنلقي عليه الضوء لاحقا.
    مقاصد تحريم التبني.
    حرم الله التبني تحريما أبديا وفي آية واحدة، لا متدرجا ولا منجما في تحريمه؛ فقد قال تعالى:{وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل، أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم، فإخوانكم في الدين ومواليك} (الأحزاب: 4-5).
    تبين الآية القرآنية حقيقة لا مفر منها، وهي أن المتبنى ليس ابنا صلبيا، ولا حقيقيا؛ بل هو دعيّ فقط؛ "فالأدعياء جمع الدعيّ، وهو الذي يدعى ابنا لغير أبيه، أو يدّعي غير أبيه، والمصدر الدِّعوة بالكسر، فأمر الله تعالى بدعاء الأدعياء إلى آبائهم الصُلُب"[1]. أما القول بأنه ابن مجرد قول بالفم عارٍ عن الحقيقة؛ فلا ينشئ التبني علاقة دم أو قرابة أو مصاهرة أو رضاع، هذه العلاقات التي لها دور في تحريم بعض الأنكحة، وفي نشوء وثبوت بعض الحقوق. بل على العكس من ذلك فالتبني يشوه ويخرب هذه العلاقات التي تنشئها آصرة النسب، وعلى أساس عقد الزواج بين رجل وامرأة، حيث إن ضوابط عقد النكاح في الشريعة الإسلامية أساس نشوء أواصر القرابة والمصاهرة والرضاع، وحفظ النسب هو قواعد البناء؛ فالأسرة بجميع شبكاتها وأواصرها من (القرابة، والمصاهرة، والرضاع) تنبني على أساس عقد الزواج، والنسب يرتفع بها بناءً متكامل البنيان[2]. وفي التبني دخول عنصر غريب وشاذ عن البناء الأسري، مما يكون سببا في هدم البناء كله، فتنحل روابط الشبكة، وتنهدم القواعد الضابطة للزواج (المحرمات بالنسب، والمصاهرة ، والرضاع).
    كما تضيع مقاصد تشريع التوارث بالتنازع بين العنصر الدخيل (الدعيّ) وبين العناصر الحقيقية للأسرة؛ حيث إن نظام التبني في الجاهلية كان لا يمانع في ميراث المتبنى من متبنيه، فجاءت الشريعة الإسلامية بتحريم هذا النظام، ولم تترك الإرث مطية لكل راكب؛ بل حددت أسبابه وضبطت موانعه، قال تعالى:{وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} (الأنفال: 75)، وأصبحت أسباب الميراث هي الزوجية والقرابة[3].
    وفي سياق تحريم بعض الأنكحة جاء تحريم نكاح زوجة الابن الصلبي، لا المتبنى؛ ففي إبطال نظام التبني أبطلت كذلك أحكامه، ومنها تحريم الزواج بزوجة الدعيّ، فجاءت حكمته تعالى بإبطال ذلك وجعلها حليلة، قال رب العزة: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} (النساء: 24).
    إذا وقفنا وقفة متأملة عند هذه النقطة، وهي تحريم العرب في الجاهلية الزواج من حليلة الابن الدعي، نصل إلى نتيجة هي غاية في الخطورة، وهي عظم المكانة التي كان يحتلها المتبنى في قلب متبنيه؛ هذا الابن الذي لا يعرف له أب، وهذه حقيقة أولى . أما الحقيقة الثانية والتي تقف مقابلة لتلك، وفي الوقت نفسه تناقضها تمام المناقضة؛ هي مدى اعتزاز العرب بالنسب آنذاك؛ بين هذا وذاك تناقض صارخ كان يعيشه المجتمع الجاهلي، مما يوحي بمدى الاهتزاز والضعف الذي كان يميز المجتمع؛ فلهذا جاء تحريم نظام التبني لغرض إعادة التماسك للمجتمع، وإعادة بناء روابط وإحكامها بضوابط لا تنخرم لأنها شرعت من قبل العلي القدير القائل:{ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل}؛ لأن القول بأن المتبنى ابن هو قول الفم فقط؛ أما قوله تبارك وتعالى فهو الحق، وما عداه باطل؛ فإنشاء علاقة أبوة أو بنوة بهذه الطريقة مما لا يمكن عقلا وشرعا؛ فليس من السهولة إنشاء علاقة بناء على قول بالفم؛ بل إن هذه العلاقات قوامها متين ودعائمها صلبة، فلا تتأسس إلا بقاعدة شرعية هي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:" الولد للفراش" [4]، فالابن هو المتولد من اختلاط الأمشاج (ماء الرجل وماء المرأة)؛ فقوله تبارك وتعالى هو القول الحق في إلغاء نظام كامل لأنه نظام بني على الغرر والزيف والكذب.والشارع الحكيم هو المبين للطريق السوي في بناء الأسرة وبشبكاتها المختلفة، فهو﴿ يهدي السبيل﴾، وسبيله هو الأحق بالاتباع.وهو المبيّن في الآية نفسها، فقد قال تعالى:" أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم".
    ومعنى الآية واضح في إرشاده تبارك وتعالى المؤمنين إلى إلحاق نسب المتبنى بوالده الذي ولد على فراشه، ففي حفظ نسبه لأبيه هو العدل والحق؛ وفي حفظ النسب عموما حفظ لحق الأب وحق الأم وحق الابن نفسه، فمن العدل إلحاق نسب الابن بأبيه لتقوم الحقوق بينهما، الحقوق الأسرية بجميع أنواعها. أما في حال تعذر معرفة الأب، فإن المتبنى يُرعى ويُكفل على اعتبار أنه أخ في الدين، ولا ندعه وشأنه لأن في هذا مضيعة له وقد كان يدعى ابنا، ودعوة الشارع الحكيم في اتخاذه أخا "هي علاقة أدبية شعورية لا تترتب عليها التزامات محددة كالتزام التوارث والتكافل في دفع الديات، ووجوب النفقات، وتحريم المحرمات، لأنها التزامات النسب بالدم"[5]. ففي إلغاء نظام التبني إلغاء لالتزاماته التي من شأنها أن تثير حفيظة باقي أفراد الأسرة على العنصر الدخيل؛ فعدّه أخا في الدين، لا يثير أية شبهة مما يمكن أن تهز روابط ومقومات البناء الأسري.
    الهداية الربانية التي جاءت مبينة في هذه الآية على إبطال حكم التبني، وإلحاق نسب المتبنى بأبيه ما أمكن معرفة ذلك؛ هذا الإرشاد الرباني لم يكن ليعرف له طريقا إلى قلوب المسلمين بيسر وسهولة، فقد يقع الحرج في قلوب الكثيرين، مما لا يمكن أن يزيله التحريم المؤبد والذي لم يأت منجما متدرجا فيه، فالفطرة الإنسانية قد تشوبها بعض الشوائب من رواسب الجاهلية. والقرآن الكريم لم يغفل هذه الحقائق الوجدانية، فالتشريع القولي للتحريم رافقه تشريع عملي، "حتى لا يبقى أدنى أثر من الحرج"[6]، في عمل سيد الخلق أجمعي الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو أقدر شخص على حمل هذه المسؤولية، وهذه سورة الأحزاب أشارت إلى كل المراحل التي مر بها التشريع العملي الفعلي للرسول صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى:{ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} (الأحزاب:21)، وقوله تبارك وتعالى:﴿ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله، وتخفي في نفسك ما الله مبديه، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه، فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم، إذا قضوا منهن وطرا، وكان أمر الله مفعولا﴾ (الأحزاب: 37). وقال أيضا:{ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا}(الأحزاب: 38). وقال رب العزة: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما} (الأحزاب: 40)[7].
    الفرق بين التبني والإقرار.
    يذهب الفقهاء إلى إمكانية إظهار نسب مجهول بأحد طرق دعوى النسب؛ مثل الاستلحاق أو الإقرار وغيرها مما أثبته الفقهاء وتوضح في أقوالهم من دون اللجوء إلى طريق التبني: اعتمادا على القاعدة الفقهية: ( الشارع متشوف لإثبات النسب)، ثم تطبيق كل الشروط المرتبطة بقواعد الإثبات. فالإقرار بنسب أُلحق بالنفس يشترط فيه أن لا يكذبه الحس ولا الشرع، ومثال الحسي أن يكون المقر في سن يمكن أن يكون منه المقر به، وأن لا يكون خصيا مثلا ويقر بنسب ما! وأما مثال الشرعي، بأن يكون المستلحق معروف النسب من غيره أو ولد على فراش صحيح. أما المنفي بوطء شبهة أو نكاح فاسد فيجوز لغيره أن يستلحقه لأن إقامة البينة على النسب عسيرة[8].
    وهذا الموضوع أخذ نصيبه من البحث عند الباحثين المعاصرين بغرض حل مشكلة اللقطاء، وعدم الاضطرار للجوء للتبني في حال عقم الزوجين؛ فالمتبني "يستطيع – إذا لم يكن للمتبنى أب معلوم- أن يدعي بنوته، أي على سبيل الإقرار بهذه البنوة، وتسري بعد ذلك أحكام أبناء الصلب على هذا الابن الذي كان دعيّا.
    والتبني يشمل الصور الآتية بالنسبة للمتبني:
    1- المتبنى الذي ليس له أب معلوم.
    2- المتبنى الذي له أب معلوم.
    3-المتبنى الذي يلحق نفسه بأسرة أو قبيلة وليس له أب معلوم.
    4-المتبنى الذي يلحق نفسه بأسرة أو قبيلة وله أب معلوم.
    أما الأول والثالث فيمكن أن يصير كل منهما بالإقرار ببنوتهما أبناء صلب لهم حقوق أبناء الصلب كافة. وأما الثاني والرابع فلا يمكن أن يتحقق لهما ذلك ولو بالإقرار لوجود آبائهم الحقيقيين والعلم بهم، ويعتبر عملهم هذا جريمة كبرى"[9].
    وإلى الرأي نفسه ذهب د/ بدران أبو العينين بدران في قوله: "الإقرار اعتراف بنسبة حقيقية لشخص مجهول.. وأنه خلق من مائه، سواء أكان صادقا في الواقع أم كاذبا، فتثبت لهذا الولد شرعا جميع أحكام البنوة، وإن كان كاذبا في الواقع فعليه إثم كذبه وادعائه"[10]!
    والسؤال الذي يطرح هنا: ما هو الإقرار، وما هي شروطه حتى يمكن إلحاق نسبٍ بهذه الكيفية؟
    وقبل ذلك: هل يمكن واقعا حل قضية الالتقاط أو التبني بالإقرار بالبنوة أو الاستلحاق أو البينة؟
    الإقرار وشروطه:
    الإقرار في الفقه الإسلامي هو: "إخبار عن ثبوت الحق"[11]، أي الاعتراف بوجود حق ما للإنسان، وهذا الحق مالي وغير مالي؛ بحيث "يثبت حق للغير على المخبر"[12]. والإقرار حجة قاصرة على المقر وحده، لا تتعداه إلى غيره[13]، وهو حجة بأصله لا يحتاج إلى بينة أخرى.
    والإقرار بالنسب هو أحد أنواع الإقرار في الفقه الإسلامي، وقال المالكية هو "الاستلحاق"، قال ابن جزي" الإقرار استلحاق الرجل ولدا، أو والدا بشرط أن لا يكون للمستلحق نسب معروف، وأن يصدقه، وأن يكون مثله في السن يولد للمستلحق"[14]. فإضافة إلى التعريف، وضّح ابن جزي أحد أنواع الإقرار، وشروطه، والتي لا يوجد فيها اختلاف بين الفقهاء سوى في أمور طفيفة وتفصيلات تفريعية.
    والإقرار قسمان:
    1- إقرار بنسب يحمله الإنسان على نفسه، كالإقرار بالأبوة، والبنوة.
    2- وإقرار بنسب يحمله الإنسان على غيره، وهو ما عدا الإقرار بالأبوة والبنوة، كالإقرار بالأخوة والعمومة. وفوائد هذا الإقرار تظهر أكثرها في إلحاق وارث جديد؛ ولذلك ترى أن الفقهاء شرطوا لصحة هذا الإقرار، إضافة إلى الشروط المشتركة بين النوعين كما سيتبين ؛ شرطا آخر هو أن يُجمع الورثة على صحة الإقرار[15].
    شروط الإقرار:
    1. أن يكون المقر بالنسب مكلفا، بالغا، وعاقلا.
    2. أن يكون المدعى به ممكن الثبوت من المدعي، كأن يولد مثله لمثله، بأن لا يكذبه حس ولا شرع . وأوجب المالكية أن يبيّن المقر وجه ثبوت النسب "كاستلحاق من ولد ببلد بعيد علم أنه لم يدخله"[16]، وكما يقول أبو زهرة: "فظواهر الحال تناقض الإقرار"[17]، وهو الأمر الذي يحدث الآن وفي أحيان بكثرة كأن يتبنى شخص لقيطا يحضره من المستشفى، أو يقر أنه ابنه وهو عاقر، أو أن اللقيط جيء به من بلد غير بلده كما يحدث مع أبناء اللاجئين (الفلسطنيين، والبوسنيين) في العصر الحاضر، والحقيقة أن شرط المالكية من الأهمية بمكان أن يعمل به، حتى لا يدعي أيا كان أن هذا ابنه، وهو في الحقيقة كاذب، فلا نقول بما قال د/ بدران" وإن كان كاذبا في الواقع فعليه إثم كذبه وادعائه"، والأولى بالقاضي أن يقلب النظر في دعوى النسب وينظر في ظواهر الحال، لأنه الأحوط لحفظ الأنساب، وللخروج من دائرة شبهة الحرام في إيقاع التبني بصورة غير صورته المعهودة .
    3. أن يكون المقر به مجهول النسب.
    4. ألا يكذب المقر في إقراره، فإذا كذّبه بطل إقراره، قال السرخسي: "متى ثبت النسب بإقراره لم يكن له أن ينفيه بعد ذلك لكون الإقرار حجة عليه. فإن قيل: أليس أن النسب يثبت من الزوج بفراش النكاح ثم يملك نفيه باللعان. قلنا: لأن ثبوته هناك بحكم الفراش على احتمال أن لا يكون منه فيتصور نفيه. أما هنا فثبوت النسب منه بتنصيصه على أنه مخلوق من مائه فلا يبقى بعده احتمال النفي"[18].
    تعقيب:
    بعدما تبينت ماهية الإقرار وشروطه، يسهل علينا التمييز بينه وبين التبني، الذي يعد إلحاق ولد بالنسب خلافا للواقع، فما التبني إلا قول بالأفواه كما قال تعالى: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم } (الأحزاب: 4-5)، والحقيقة خلاف ذلك، وبين الإقرار والتبني تشابه تجعل عملية الإقرار ببنوة زائفة هو عين الكذب والزور، وليس الابن من ينسب إلى أبٍ فقط، بل إن الواقع يثبت لنا ثمرة تربية اللقطاء واليتامى، والتي تثمر صلاحا أفضل من تربية الابن الصلبي. أليست تربية اللقيط ورعايته، وإخراجه صالحا أفضل من أن يلحق بالنسب على غير فائدة، سوى جناية عذاب الله تعالى في شهادة الزور؟
    مقاصد الشريعة في كفالة اللقيط.
    إن أبطل الشارع الحكيم إثبات نسب ابن الزنا للذي زنا، فإنه في المقابل أثبت نسبه للتي ولدته، فهي وإن كانت له كارهة فإن الشارع الحكيم أمرها برعاية ثمرة الخطيئة وحضانته حتى يقوى، من باب أولى، لأنه لا معيل له إلا أمه التي حملته تسعة أشهر وولدته، فرعايته مما يمكن أن تكفر بها عن خطيئتها، فهذا المصطفى صلى الله عليه وسلم يؤخر عن الزانية الحامل الحدّ حتى وضعت وأتمت فطام وليدها.
    وإن حدث أن الزانية أو المغتصبة حملت ولم تجهض حملها ووضعته حيا، ثم ألقت به في العراء فإن الشريعة الإسلامية حثّت على التقاطه ورعايته؛ فهو" نفس محترمة في الشرع الإسلامي، تستحق الحفظ والرعاية، وفي التقاطه إنقاذ لنفس محترمة من الهلاك أو الضياع"[19]. فالشريعة الإسلامية شرعت له أحكاماً كفيلة بحفظه وتعهده حتى يرشد؛ لأن نفسه مصونة محترمة وفي التقاطه إحياء لنفس قال فيها العلي القدير:﴿ ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا﴾ (المائدة: 32).
    وقد توسع الفقهاء الأجلاء في بيان أحكام اللقيط، وقلما يخلو كتاب فقهي من هذا الباب؛ حيث يتم الحديث عَمَّن هو اللقيط؟ ومن له حق الالتقاط، وكيف تتم النفقة عليه؟ فالتقاطه فرض عين على الذي وجده، وقيل هو من فروض الكفاية[20]، وبالإضافة إلى حكم التقاطه، فقد بيّن الفقهاء كثيرا من أحكام اللقيط، منها خاصة التي تتعلق بدينه؛ هل يحكم له بدين الإسلام مطلقا، أم إذا وجد في دار الإسلام فقط؟ وهل يصح الانتقال باللقيط والسفر به إلى مكان آخر بعيدا عن مكان الالتقاط، وغيرها من الأحكام المهمة والمفيدة، كدعوى نسب اللقيط؛ حيث يعتبر هذا المبحث من أهم أحكام اللقيط في أن يثبت نسبه من أحد ما، مسلما كان أو ذميا، والأولى بالتقاطه المسلم[21].
    غير أن الذي نشهده في الوقت الحالي وبالخصوص في الدول المنكوبة لمجاعة أو كوارث طبيعية أو حروب أن الأطفال تلتقطهم الإرساليات التبشيرية النصرانية بالخصوص، بغرض تنصيرهم؛ تحت شعار (إنجيل مقابل طعام) كما يحدث في كثير من الدول الإفريقية، وفي البوسنة والشيشان، وكوسوفا وغيرها. وفي هذا المجال لا يمكن نكران ما تقوم به بعثات الإغاثة الإسلامية، إلا أنها ليست بنفس حجم الإرساليات التبشيرية. وهذا أحد الأوجه في مشكلة اللقطاء في عصرنا، لأن اللقطاء ليسوا لقيطا واحدا، كما كان يبحث الفقهاء قديماً، ففكرة ولادة طفل غير شرعي ورميه على قارعة الطريق كان من نوادر الأمور؛ لأن عصرهم لم يشهد ما يشهده العصر الحالي من ازدياد نسبة اللقطاء بنفس التزايد للأطفال الشرعيين[22]، كما أن العصور السابقة كانت الكفة فيها للمسلمين في الحروب بنشرهم الإسلام، ولم تكن فكرة هتك عرض الحربي لتدور في ذهن المجاهد المسلم، فقد أغناه الله تعالى بإباحة التسري. أما الآن والكفار هم الذين يغزون بلاد المسلمين؛ فإن هتك العرض والاغتصاب مما لا يمكن نكرانه، فمما تتناقله وكالات الأنباء عن الاغتصاب الجماعي والفردي الشيء العظيم.
    وهذه هيئة "الأمم المتحدة" تصرح عن قرب ولادة ما يقارب سبعة آلاف طفل من سفاح في كوسوفا وحدها، فما بالك بالأرقام الخفية، ثم أضف لكوسوفا البوسنة والشيشان، وغيرها.
    أما الوجه الثاني فهو الازدياد المتعاظم للقطاء في الوقت الذي انتشرت فيه العلاقات الجنسية غير الشرعية بشكل كبير، رغم أن هؤلاء يستعملون موانع الحمل، إلا أنها لا تسلم في كل الأحوال، فيجد أصحاب الرذيلة في الدور والمستشفيات المخصصة لاستقبال الأمهات "العازبات" ما يمكن أن يريح ضميرهم في التخلص من ثمرة الفاحشة بطريقة طبيعية رحيمة غير وحشية؛ فهذه المراكز تعمل لأجل استقبال المواليد غير الشرعيين، أو الذين ترفضهم أسرهم، من أجل أن تحل مشكلة العقم عند بعض الأسر.
    وتظهر مشكلة اللقطاء بشكل واسع وعريض في المجتمعات، في الوقت الذي يقل فيه عدد الذين يقبلون على رعايتهم وكفالتهم ابتغاء وجه الله، في إحياء نفس تهددها الموت بين اللحظة والأخرى، إحياءً ماديا ومعنوياً، فلا يعيش عالة على المجتمع تأخذ به الهواجس والآلام كل مأخذ؛ مما قد يجعل من اللقيط إنسانا سلبيا يعيش تناقضا في حياته، فلا هو ينفع نفسه، ولا هو ينفع المجتمع.
    فمما نحتاجه الآن هو الاجتهاد الجماعي في الطريقة المثلى لرعاية عشرات اللقطاء، وكيف السبيل لذلك، وتحت مسؤولية من؟ والنفقة على الملايين ليست مثل النفقة على اللقيط الواحد! فمن أين الإنفاق؟ أمن مصارف الزكاة؟ أم مما تجود به يد المحسنين؟ أم بإنشاء صندوق وقف يرجع ريعه لهؤلاء المساكين؟ وهذه الأسئلة غيض من فيض مما يجب البحث فيه فقهيا، للخروج من هذه الأزمة خاصة إذا كان الأمر يتعلق بلقطاء مسلمين، ناهيك عن لقطاء العالم .
    *محاضرة بكلية الشريعة والقضاء- جامعة العلوم الإسلامية – بماليزيا.
    الهوامش والمراجع

    [1] - القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج14/ ص121.

    [2] - في تحريم التبني وبناء الأسرة على مقومات أواصر القرابة والمصاهرة والرضاع، ترى الباحثة أن هذا اتجاه جديد في دراسة الأسرة، اتجاه يختلف عما عهد عند علماء الاجتماع، وهنا يجدر الاهتمام بدراسة الشبكة التي يعقد خيوطها البناء الأسري في الشريعة الإسلامية، لا أن ندرس هذه الروابط بطريقة تجريدية لا توحي بشيء سوى أن نقول كما قال أحدهم في دراسته لطبقات المحارم في الإسلام، فقد قال: "هذه المحرمات لم يرد نص خاص أو عام في علتها، وأيا كانت العلة إن وجدت فعلينا أن نسلم بأن اختيار الله وراءه حكمة ومصلحة سواء علمناها أو جهلناها… بل علينا أن نسلم بها تسليما" ؟! الجرداوي، الإسلام وعلم الاجتماع العائلي، ص 135.

    [3] - ويضاف إليها الولاء، غير أنه لم يورد لأنه غير معمول به في الوقت الحاضر لانعدام الرق.

    [4] -

    [5] - قطب، سيد: في ظلال القرآن، ط 11، (بيروت: دار الشروق، 1985)، ج5/ص2826.

    [6] -ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج22/ ص39؛ أنظر أيضا: الرازي، تفسير الفخر الرازي، مج 13/ ج25/ ص 193-195.

    [7] - راجع تفصيل زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش رضي الله عنها زوجة وحليلة متبنيه ( قبل نزول تحريم التبني) زيد بن حارثة رضي الله عنه، عند : الرازي، تفسير الرازي، مج13/ ج 25/ ص 213-215؛ ابن العربي، أحكام القرآن، ج3/ص 1492؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج22/ ص39؛ قطب، في ظلال القرآن، ج5/ص 2864-2871.

    [8] - أنظر: النووي، المنهاج وشرحه مغني المحتاج، ج3/ 304-305؛ ابن جزي، القوانين الفقهية، ص396؛ المرغيناني، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير، ج8/ ص393.

    [9] -حمد، موضوع النسب في الشريعة والقانون، ص 219-220.

    [10] - بدران، حقوق الأولاد، ص 41.

    [11] - المرغيناني، الهداية، ج3/ 178؛ قاضي زاده، شمس الدين أحمد بن قودر: نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار (تكملة شرح فتح القدير)، ج8/ ص317.

    [12] - الموسوعة الفقهية، مادة: إقرار، ج6/ ص46.

    [13] - قاضي زاده، تكملة شرح فتح القدير، ج8/ ص321.

    [14] - ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 395.

    [15] - وزارة الأوقاف، الموسوعة الفقهية، ج6/ ص76.

    [16] - عليش، التقريرات، ج2/ ص 412.

    [17] - أبو زهرة، محمد: الأحوال الشخصية، ط3، ( دار الفكر العربي، 1957)، ص 398.

    [18] - السرخسي، المبسوط، ج17/ ص99. أنظر: قاضي زاده، تكملة شرح فتح القدير، ج8/ ص 393؛ الشربيني، مغني المحتاج، ج3/ ص304؛ ابن قدامة، المغني ، ج5/ ص200؛ الدسوقي، حاشية الدسوقي، ج3/ ص397.

    [19] - زيدان، عبد الكريم: مجموعة بحوث فقهية مقارنة، (بيروت: مؤسسة الرسالة/ بغداد: مكتبة القدس، 1986)، ص 352.

    [20] - جاء في بدائع الصنائع أن التقاطه أمر مندوب إليه، الكاساني، بدائع الصنائع، ج6/ ص 198؛ أيضا: السرخسي، المبسوط، ج10/ ص 209. والراجح عند الحنابلة أنه واجب على الكفاية لقوله تعالى:﴿ وتعاونوا على البر والتقوى﴾ ولأن فيه إحياء نفسه فكان واجبا كإطعامه إذا اضطر وإنجائه من الغرق. أنظر: ابن قدامة، المغني، ج5/ ص 747. وهو الرأي الذي رجحه الإمام أبو زهرة "فهو كفاية على كل من يعلم به، ويكون إيواؤه فرض عين على من يراه في مكان ويغلب على ظنه الهلاك إن تركه، وإن لم يخش الهلاك كان إيواؤه مندوبا إليه". أبو زهرة، الأحوال الشخصية، ص 400.

    [21] - أنظر: ابن رشد، بداية المجتهد، 2ج/ص 232؛ السرخسي، المبسوط، ج17/ ص130؛ الكاساني، بدائع الصنائع، ج6/ص 197؛ ابن قدامة، المغني، ج5/ ص747- 882.

    [22] - ففي فرنسا مثلا: جاء في تقرير المعهد الوطني الفرنسي للأبحاث الديمغرافية أن 330 ألف مولود سنويا يولدون بغير أب معروف. أنظر: الياسين، جاسم بن محمد بن مهلهل: "الفساد والمفسدون"، الوطن، العدد 8735، السنة 39، 8 ربيع الأول 1421هـ/ 10يونيو 2000، ص24.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    6,976

    افتراضي رد: مقاصد الشارع في تحريم التبني ورعاية اللقيط

    هل يكون اللقيط محرما للمرأة التي ربته؟! وهل ارضاع الكبير جائز؟! للشيخ ابن عثيمين رحمه الله
    https://safeyoutube.net/w/9y0z
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابو وليد البحيرى
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •