لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقـوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أن تَقُومَ فِيهِ
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقـوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أن تَقُومَ فِيهِ

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,634

    افتراضي لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقـوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أن تَقُومَ فِيهِ

    قال الامام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

    وقَوْلِ اللهِ تَعَالَى:
    {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقـوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أن تَقُومَ فِيهِ فيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ }[التَّوْبَة:108].
    عَنْ
    ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: (نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلاً بِبُوَانَةَ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: ((هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟)).

    قَالُوا: لاَ.
    قَالَ:
    ((فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟)).

    قَالُوا: لاَ.
    فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
    ((أَوْفِ بِنَـذْرِكَ، فَإِنَّهُ لاَ وَفَـاءَ لِنَـذْرٍ فِي مَعْصِيَـةِ اللهِ، وَلاَ فِيمَـا لاَ يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِهِمَا.

    فِيهِ مَسَائِلُ:
    الأُولَى:
    تَفْسِيرُ قَوْلِهِ:
    {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا}.

    الثَّانِيَةُ:
    أَنَّ الْمَعْصِيَةَ قَدْ تُؤَثِّرُ فِي الأَرْضِ، وَكَذَلِكَ الطَّاعَةُ.

    الثَّالِثَةُ:
    رَدُّ الْمَسْأَلَةِ الْمُشْكِلَةِ إِلَى الْمَسْأَلَةِ الْبَيِّنَةِ لِيَزُولَ الإِشْكَالُ.

    الرَّابِعَةُ:
    اسْتِفْصَالُ الْمُفْتِي إِذَا احْتَاجَ ذَلِكَ.

    الْخَامِسَةُ:
    أَنَّ تَخْصِيصَ الْبُقْعَةِ بِالنَّذْرِ لاَ بَأْسَ بِهِ إِذَا خَلاَ مِنَ الْمَوَانِعِ.

    السَّادِسَةُ:
    الْمَنْعُ مِنْهُ إِذَا كَانَ فِيهِ وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَوْ بَعْدَ زَوَالِهِ.

    السَّابِعَةُ:
    الْمَنْعُ مِنْهُ إِذَا كَانَ فِيهِ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ وَلَوْ بَعْدَ زَوَالِهِ.

    الثَّامِنَةُ:
    أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ؛ لأَِنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ.

    التَّاسِعَةُ:
    الْحَذَرُ مِنْ مُشَابَهَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي أَعْيَادِهِمْ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ.

    الْعَاشِرَةُ:
    لاَ نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ.

    الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ:
    لاَ نَذْرَ لاِبْنِ آدَمَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ.[كتاب التوحيد]

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,634

    افتراضي رد: لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقـوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أن تَقُومَ فِيهِ

    قال الشيخ سليمان بن عبدالله فى تيسيرالعزيز الحميد
    قَوْلِ اللهِ تَعَالَى:
    {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقـوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أن تَقُومَ فِيهِ فيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ
    أيْ:
    أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ لِمَا سَيَذْكُرُهُ المُصَنِّفُ.

    حَاصِلُ كَلاَمِ المُفَسِّرِينَ في الآيَةِ:
    أَنَّ اللهَ نَهَى رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يَقُومَ في مَسْجِدِ الضِّرَارِ في الصَّلاَةِ فيهِ أَبَدًا، والأُمَّةُ تَبَعٌ لهُ في ذلكَ، ثُمَّ حَثَّهُ عَلَى الصَّلاةِ في مَسْجِدِ قُبَاءَ الَّذي أُسِّسَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ بُنِيَ فيهِ عَلَى التَّقْوَى، وهيَ: طَاعَةُ اللهِ ورَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجَمْعًا لكَلِمَةِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْقِلاً ومَنْزِلاً للإسلامِ وأهلِهِ بقولِهِ: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ}[التوبة:109] ..............................
    .
    وَهَذَا بِخِلاَفِ
    مَسْجِدِ الضِّرَارِ الَّذي أُسِّسَ عَلَى مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، كمَا قالَ تعالَى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}[التوبة:107] فلهذهِ الأُمُورِ نَهَى اللهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن القيامِ فيهِ للصَّلاَةِ.
    وَكَانَ المُنَافِقُونَ الَّذينَ بَنَوْهُ جَاؤُوا إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبلَ خُرُوجِهِ إِلَى تَبُوكَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يُصَلِّيَ فيهِ ليَحْتَجُّوا بِصَلاَتِهِ فيهِ عَلَى تَقْرِيرِهِ، وذَكَرُوا أنَّهُمْ إنَّما بَنَوْهُ للضُّعَفَاءِ وأَهْلِ العِلَّةِ في اللَّيْلَةِ الشَّاتِيَةِ، فَعَصَمَهُ اللهُ مِن الصَّلاةِ فيهِ فقالَ:
    ((إِنَّا عَلَى سَفَرٍ وَلَكِن إِذَا رَجَعْنَا إِنْ شَاءَ اللهُ)).
    فلَمَّا قَفَلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ رَاجِعًا إِلَى المَدِينَةِ وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَهَا إِلاَّ يَوْمٌ أَو بَعْضُ يَوْمٍ، نَزَلَ الوَحْيُ بِخَبَرِ المَسْجِدِ، فَبَعَثَ إليهِ فَهَدَمَهُ قَبْلَ مَقْدِمِهِ إلى المَدِينةِ.

    ووجْهُ الدَّلاَلَةِ مِن الآيَةِ عَلَى التَّرْجَمَةِ:
    مِنْ جِهَةِ القِيَاسِ، لأَِنَّهُ إذا مَنَعَ اللهُ رسولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن القِيَامِ للهِ تَعَالَى في هذا المَسْجِدِ المُؤَسَّسِ عَلَى هذه المَقَاصِدِ الخَبِيثَةِ مَعَ أنَّهُ لاَ يَقُومُ فيهِ إِلاَّ للهِ، فكذلِكَ المَوَاضِعُ المُعَدَّةُ للذَّبحِ لغيرِ اللهِ لاَ يَذْبَحُ فيها المُوَحِّدُ للهِ؛ لأِنَّهَا قدْ أُسِّسَتْ عَلَى مَعْصِيَةِ اللهِ والشِّرْكِ بهِ، يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ثَابِتِ بنِ الضَّحَّاكِ الآتِي.
    وقولُهُ:
    {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا}[التوبة:109] رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ وابنُ خُزَيْمَةَ والطَّبَرَانِيّ ُ والحَاكِمُ عنْ عويمِ بنِ سَاعِدَةَ الأَنْصَارِيِّ: أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُم في مَسْجِدِ قُبَاءَ فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَّنَاءَ فِي الطُّهُورِ فِي قِصَّةِ مَسْجِدِكُمْ، فَمَا هَذَا الطُّهُورُ الَّذِي تَطَهَّرُونَ بِهِ؟)) فَقالَوا: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا نَعْلَمُ شَيْئًا إِلاَّ أنَّهُ كانَ لَنَا جِيرَانٌ مِنَ اليَهُودِ فَكانُوا يَغْسِلُونَ أَدْبَارَهُمْ مِنَ الغَائِطِ، فَغَسَلْنَا كمَا غَسَلُوا). وفي رِوَايَةٍ عنْ جَابِرٍ وأَنَسٍ مَرْفُوعًا: ((هُوَ ذَاكَ فَعَلَيكُمُوهُ)) رواهُ ابنُ ماجَه، وابنُ أَبِي حَاتِمٍ، والدَّارَقُطْنِ يُّ، والحَاكِمُ.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,634

    افتراضي رد: لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقـوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أن تَقُومَ فِيهِ

    حدَّثنَا دَاودُ بنُ رَشِيدٍ قَالَ: ثَنَا شُعَيْبُ بنُ إِسْحَاقَ، عن الأَوْزَاعِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلابةَ قالَ: حدَّثني ثابتُ بنُ الضَّحَّاكِ قالَ: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلاً ببُوانةَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: إنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلاً ببُوانةَ، فقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((هَلْ كانَ فِيهَا وَثَنٌ؟....)) الحديثَ رواه ابو داوود، وهذا إِسْنَادٌ جيِّدٌ.
    ورَوَى
    أَبُو دَاودَ أيضًا، عنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عَن أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ، أَنَّ امْرَأَةً أَتَت النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَذْبَحَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا - مَكَانٍ كانَ يَذْبَحُ فيهِ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ - قالَ: ((لِصَنَمٍ؟))، قالَتْ: لاَ، قَالَ: ((لِوَثَنٍ؟)) قَالَت: لاَ، قَالَ: ((أَوْفِ بِنَذْرِكِ)) مُخْتَصَرٌ.
    ومَعْنَى قَوْلِهِ:
    ((لِصَنمٍ؟)) إلى آخِرِهِ: هلْ يَذْبَحُونَ فيهِ لصَنَمٍ أوْ وَثَنٍ؟
    فيَكُونُ كحَدِيثِ
    ثَابِتٍ.
    قولُهُ: (عَن
    ثَابِتِ بنِ الضَّحَّاكِ): أي: ابنِ خَلِيفَةَ الأَشْهَلِيِّ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، رَوَى عنه أَبُو قِلابةَ وغيرُهُ، وماتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وسِتِّينَ.
    قولُهُ: (نَذَرَ رَجُلٌ): يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هوَ
    كَرْدَمُ بنُ سُفْيانَ والِدُ مَيْمُونَةَ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاودَ عنها، قالَتْ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي فِي حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَتْ: فَدَنَا إِلَيْهِ أَبِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ وُلِدَ لِي وَلَدٌ ذَكَرٌ أَنْ أَنْحَرَ عَلَى رَأْسِ بُوَانَةَ في عَقَبَةٍ مِن الثَّنَايَا عِدَّةً مِن النَّعَمِ - قَالَ: لاَ أَعْلَمُ إِلاَّ إنَّهَا قالَتْ: خَمْسِينَ - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((هَلْ بِهَا مِنْ هَذِهِ الأَوْثَانِ شَيْءٌ؟)) قالَ: لاَ، قالَ: ((فَأَوْفِ بِمَا نَذَرْتَ للهِ)) وذَكَرَ الحديثَ.
    قولُهُ: (أَنْ يَنْحَرَ إِبِلاً) في حديثِ
    مَيْمُونَةَ، قَالَ: ((فَأَوْفِ بِمَا نَذَرْتَ للهِ)) قالَ: فَجَمَعَهَا فَجَعَلَ يَذْبَحُهَا، فانْفَلَتَتْ منهُ شَاةٌ، فَطَلَبَها وهو يَقُولُ: اللهُمَّ أَوْفِ بِنَذْرِي، فَظَفِرَ بها فذَبَحَها).
    فيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَذَرَ إِبِلاً وغَنَمًا، ويَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذلكَ قَضِيَّتَيْنِ.
    قولُهُ: (بِبُوَانةَ) بضمِّ الباءِ،
    وقيلَ: بفتحِهَا.
    - قالَ
    البَغَوِيُّ: (مَوْضِعٌ في أَسْفَلِ مكَّةَ دونَ يَلَمْلَمَ).

    -
    وَقَالَ أبو السَّعاداتِ:(هَضْبَةٌ منْ وَرَاءِ يَنْبُعَ).
    قولُهُ: (فَقَالَ:
    ((هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟)): قَالَ في (عُرْوةِ المِفْتَاحِ): الصَّنَمُ:هوَ مَا لَهُ صُورَةٌ،والوَثَنُ:مَا لَيْسَ لهُ صُورَةٌ.

    قُلْتُ:
    هَذَا هوَ الصَّحِيحُ في الفَرْقِ بينهُمَا، وَقَدْ جَاءَ عن السَّلَفِ ما يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.

    وَفِيهِ:
    المَنْعُ مِن الوَفَاءِ بالنَّذْرِ إِذَا كَانَ في المَكَانِ وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِهِم، وَلَوْ بَعْدَ زَوَالِهِ، ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ.
    قولُهُ:
    ((فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟)) قَالَ شيخُ الإِسْلاَمِ: (العِيدُ: اسْمٌ لِمَا يَعُودُ مِن الاجْتِمَاعِ العَامِّ عَلَى وَجْهٍ مُعْتَادٍ، عَائِدٌ إمَّا بِعَوْدِ السَّنَةِ، أوْ بِعَوْدِ الأُسْبُوعِ، أو الشَّهْرِ، ونحوِ ذلكَ، والمُرَادُ بهِ هنا: الاجْتِمَاعُ المُعْتَادُ مِن اجْتِمَاعِ الجَاهِلِيَّةِ، فالعِيدُ يَجْمَعُ أُمُورًا:
    منها: يَوْمٌ عَائِدٌ كَيَوْمِ الفِطْرِ وَيَوْمِ الجُمُعَةِ.
    ومنها: اجْتِمَاعٌ فيهِ.
    ومنها: أَعْمَالٌ تَتْبَعُ ذلكَ مِن العِبَادَاتِ والعَادَاتِ، وَقَدْ يَخْتَصُّ العيدُ بمكانٍ بِعَيْنِهِ، وَقَدْ يَكُونُ مُطْلَقًا، وَكُلٌّ مِنْ هذه الأُمُورِ قَد يُسَمَّى عِيدًا.
    فالزَّمانُ: كقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في يومِ الجُمُعَةِ:
    ((إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ عِيدًا)).
    والاجْتِمَاعُ والأَعْمَالُ: كَقَوْلِ
    ابنِ عبَّاسٍ: (شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
    والمَكَانُ: كقولِهِ:
    ((لاَ تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا)).
    وقدْ يَكُونُ لَفْظُ العيدِ اسْمًا لمَجْمُوعِ اليَوْمِ والعَمَلِ فيهِ، وهو الغَالِبُ كقولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
    لأَِبِي بَكْرٍ: ((دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا)))
    انتهَى.

    وفيهِ:
    اسْتِفْصَالُ المُفْتِي، والمَنْعُ مِن الوَفَاءِ بالنَّذرِ إِذَا كَانَ في المَكَانِ عِيدٌ مِنْ أَعْيادِ الجَاهِلِيَّةِ ولوْ بَعْدَ زَوَالِهِ، والحَذَرُ مِنْ مُشَابَهِةِ المُشْرِكِينَ في أعيادِهِم ولوْ لم يَقْصِدْهُ، ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ.
    قولُهُ:
    ((فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ)): هذا يَدُلُّ عَلَى أنَّ الذَّبحَ للهِ في المَكَانِ الَّذي يَذْبَحُ فيهِ المُشْرِكُونَ لغيرِهِ، أوْ في مَحَلِّ أعيادِهِم مَعْصِيَةٌ؛ لأَِنَّ قولَهُ: ((فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ)) تَعْقِيبٌ للوَصْفِ بالحُكْمِ بحَرْفِ الفَاءِ، وذلكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الوَصْفَ سَبَبُ الحُكْمِ، فَيَكُونُ سَبَبُ الأَمْرِ بالوَفَاءِ وُجُودَ النَّذْرِ خَاليًا عنْ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، فيَكُونَانِ مَانِعَيْنِ مِن الوَفَاءِ، ولوْ لم يَكُنْ مَعْصِيَةً لجَازَ الوَفَاءُ بهِ؛ ولأَِنَّهُ عَقَّبَهُ بقولِهِ: ((فَإِنَّهُ لاَ وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ)) فَدَلَّ عَلَى أنَّ الصُّورةَ المُسْؤُولَ عنها مُنْدَرِجَةٌ في هَذَا اللَّفْظِ العَامِّ؛ لأَِنَّ العَامَّ إِذَا أُورِدَ عَلَى سَبَبٍ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ مُنْدَرِجًا فيهِ، ولأَِنَّهُ لوْ كانَ الذَّبْحُ فيما ذَكَرَ جَائِزًا لسَوَّغَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للنَّاذِرِ الوَفَاءَ بهِ، كمَا سَوَّغَ لمَنْ نَذَرَت الضَّرْبَ بالدُّفِّ أَنْ تَضْرِبَ بهِ لأِنَّهُ عليهِ السَّلامُ اسْتَفْصَلَ، فلَمَّا قالُوا: لاَ، قالَ لهُ: ((فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ))، وهذا يَقْتَضِي أنَّ كَوْنَ البُقْعَةِ مَكَانًا لعِيدِهِم، أوْ بها وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِهِم، مَانِعٌ مِن الذَّبْحِ بها وإنْ نَذَرَ، وإِلاَّ لَمَا حَسُنَ الاسْتِفْصَالُ، هذا مَعْنَى كَلاَمِ شَيْخِ الإِسْلاَمِ.

    وفيهِ:
    أَنَّ تَخْصِيصَ البُقْعَةِ بالنَّذْرِ لاَ بَأْسَ بهِ إِذَا خَلاَ مِن المَوَانِعِ.

    قولُهُ:
    ((فَإِنَّهُ لاَ وَفَاءَ لنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ)) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، لاَ يَجُوزُ الوَفَاءُ بهِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى أنَّ نَذْرَ المَعْصِيَةِ لاَ يَجُوزُ الوَفَاءُ بهِ. وَقَدْ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ لِهَذَا الحَدِيثِ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ الآتِي، وَمَا في مَعْنَاهُمَا.


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,634

    افتراضي رد: لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقـوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أن تَقُومَ فِيهِ

    قال الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ فى فتح المجيد
    قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وقولِ اللهِ تَعالى:
    {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِن أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا واللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ }[التوبة:108] الآيةَ):

    قالَ المُفَسِّرُونَ:
    (إنَّ اللهَ تَعالى نَهَى رَسُولَه عَنِ الصَّلاةِ فِي مَسْجِدِ الضِّرارِ، والأُمَّةُ تَبَعٌ لَه فِي ذلكَ، ثُمَّ إنَّه تَعالى حَثَّه عَلى الصلاةِ في مَسْجدِ قُبَاءَ الذِي أُسِّسَ مِن أوَّلِ يَوْمٍ بُنِيَ علَى التَّقْوَى، وهِيَ طاعةُ اللهِ ورَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجَمْعًا لِكَلِمةِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْقِلاً ومَنْزِلاً للإسلامِ وأهْلِه، ولِهذا جاءَ في الحَديثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((صَلاةٌ فِي مَسْجِدِ قُباءَ كَعُمْرةٍ)).
    وفي الحديثِ:
    ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَزُورُ قُباءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا)).
    وقدْ صرَّحَ أنَّ المَسْجِدَ المَذْكورَ في الآيةِ هو مسجدُ قُبَاءَ جَمَاعةٌ مِنَ السَّلَفِ، مِنهم:
    ابْنُ عَبَّاسٍ، وعُرْوَةُ، وعَطِيَّةُ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ وغَيْرُهم.
    قُلْتُ: ويُؤَيِّدُه قولُه في الآيةِ:
    {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ } الآيةَ.

    وقيلَ:
    هو مسجدُ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: (تَمَارَى رَجُلانِ في الْمَسْجدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ.
    وَقَالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
    ((هُوَ مَسْجِدِي هَذَا))
    رَوَاه مُسْلِمٌ.
    وهو قَولُ
    عُمَرَ وابْنِه وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وغَيرِهم.
    قالَ
    ابْنُ كَثِيرٍ: (وهَذا صَحِيحٌ، ولا مُنَافاةَ بَيْنَ الآيةِ والحديثِ؛ لأَنَّهُ إذا كانَ مَسْجِدُ قُبَاءَ قدْ أُسِّسَ علَى التقْوَى مِنْ أوَّلِ يَومٍ، فمَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطريقِ الأَولَى، وهذا بِخلافِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ الذِي أُسِّسَ علَى مَعْصِيَةِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}[التوْبَة:107].
    فلِهذه الأُمُورِ نَهَى اللهُ نَبِيَّه عنِ القِيامِ فِيهِ للصَّلاةِ، وكانَ الذِينَ بَنَوْه جاؤُوا إِلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ خُروجِه إِلى غَزْوَةِ تَبوكَ فسَأَلُوه أنْ يُصَلِّيَ فِيهِ.


    وأَنَّهُم إنَّما بَنَوْه للضُّعَفَاءِ
    وأهْلِ العِلَّةِ في الليْلةِ الشاتِيةِ، فَقَالَ: ((إِنَّا عَلَى سَفَرٍ، وَلَكِنْ إِذَا رَجَعْنا إِنْ شَاءَ اللهُ)) فلمَّا قَفَلَ علَيْه السَّلامُ راجِعًا إلى المَدِينةِ؛ ولمْ يَبْقَ بينَه وبينَها إلاَّ يَومٌ أوْ بَعضُه نَزَلَ الوَحْيُ بِخَبَرِ المسجدِ، فَبَعَثَ إلَيْه، فَهَدَمَه قَبْلَ قُدومِه إلَى المَدينةِ.

    ووَجْهُ مُناسَبةِ الآيةِ للترْجَمَةِ:
    أنَّ المَواضِعَ الْمُعَدَّةَ للذبْحِ لغيرِ اللهِ يَجِبُ اجْتِنَابُ الذبحِ فِيها للهِ، كمَا أنَّ هذا المسجدَ لمَّا أُعِدَّ لمَعْصِيَةِ اللهِ صَارَ مَحَلَّ غَضَبٍ لأَجْلِ ذلكَ، فلا تَجُوزُ الصَّلاةُ فيهِ للهِ.
    وهَذا قِياسٌ صَحيحٌ ويُؤَيِّدُه حَديثُ
    ثابِتِ بْنِ الضَّحَاكِ الآَتِي.
    قولُه:
    {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا} رَوَى الإمامُ أحمدُ وابْنُ خُزَيْمَةَ وغيرُهما، عنْ عُوَيْمَ بْنِ سَاعِدَةَ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتاهُمْ في مَسْجِدِ قُباءَ فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَّناءَ بِالطُّهُورِ في قِصَّةِ مَسْجِدِكُمْ، فَمَا هَذا الطُّهُورُ الَّذِي تَطَهَّرُونَ بِهِ؟))

    فَقَالُوا: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا نَعْلَمُ شَيْئًا إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ لَنا جِيرانٌ مِنَ اليَهُودِ، فَكَانُوا يَغْسِلونَ أَدبَارَهُمْ مِنَ الغَائِطِ، فَغَسَلْنَا كَمَا غَسَلُوا
    ))
    .
    وفي رِوَايةٍ عنْ
    جابِرٍ وأَنَسٍ: ((هُوَ ذاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ)) رَوَاه ابْنُ مَاجَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والدَّارَقُطْنِ يُّ والحاكِمُ.

    قولُه:
    {وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين َ} قالَ أبُو العالِيةَ:( إنَّ الطُّهُورَ بالمَاءِ لَحَسَنٌ ولَكِنَّهم المُتَطَهِّرُون َ مِنَ الذُّنوبِ).

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,634

    افتراضي رد: لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقـوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أن تَقُومَ فِيهِ

    قال الشيخ صالح آل الشيخ
    (وقول الله تعالى:
    {لا تقم فيه أبداً}) هذا النهي عن القيام في مسجد الضرار الذي بناه المنافقون: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه}.

    مسجد الضرار: أقيم إرصاداً ومحادّةً لله ورسوله، وتفريقاً بين المؤمنين؛
    فهو مكان أقيم على الخيانة، وعلى مضادة الإسلام وأهله؛ فلهذا لما كانت هذه هي غاية من أقامه، فإن مشاركتهم فيه بالصلاة لا تجوز؛ لأنه إقرار لهم، أو تكثير لسوادهم، وإغراء للناس بالصلاة فيه، فنهى الله -جل وعلا- نبيه صلى الله عليه وسلم، ونهى المؤمنين عن أن يصلوا في مسجد الضرار.
    مناسبة الآية للباب
    ظاهرة،
    وهي: أن الله -جل وعلا- نهى عن أن يصلي النبي
    -صلى الله عليه وسلم- في مسجد الضرار، ومعلوم أن صلاته عليه الصلاة والسلام، وصلاة المؤمنين معه، هي خالصة لله -جل وعلا- دون من سواه، ونهوا مع أنهم مخلصون ليس عندهم نية الإضرار، ولا التفريق، ولا الإرصاد؛ لكن نهوا لأجل هذه المشاركة والمشابهة التي تغري بإتيان ذلك المكان.
    وهذه هي الصورة الموجودة فيمن ذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله، فإنه وإن كان مخلصاً لكن دعا إلى تعظيم ذلك المكان بفعله.
    هنا إشكال، أو إيراد:
    وهو: أنه جاء الإذن عن الصحابة بالصلاة في الكنيسة، وقد صلى
    عمر - رضي الله عنه - في كنيسة بيت المقدس، والصحابة -رضوان الله عليهم- منهم من صلى في بعض كنائس البلاد، فصلاتهم في الكنائس لله -جل وعلا- أليست مشابهة للصلاة في مسجد الضرار، أو للذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله؟**!
    الجواب:
    أن هذا الإيراد ليس بوجيه؛
    ذلك أن النهي عن صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسجد الضرار، وعن الذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله، هذا لأجل أن صورة العبادة واحدة، فصورة الذبح من الموحِّد ومن المشرك واحدة، وهي إمرار السكّين آلة الذبح على الموضع، وإزهاق الدم في ذلك المكان؛ وهذا يحصل من الموحِّد ومن المشرك غير الموحِّد، الصورة واحدة، ولهذا لا يُميز بين هذا وهذا.
    كذلك:
    صلاة النبي صلى الله عليه وسلم،
    لو صلى والصحابة في مسجد الضرار، صلاتهم مشابهة من حيث الصورة لصلاة المنافقين، فرجع الاختلاف إلى اختلاف ما في القلب، والنيات ومقاصد القلوب لا تُشرح للناس؛ لهذا تقع المفسدة ولا تحصل المصلحة.
    وأما الصلاة في الكنيسة:
    فإن صورة الفعل مختلفة؛ لأن صلاة النصارى ليست على هيئة وصورة صلاة المسلمين، فيعلم من رأى المسلم يصلي، أنه لا يصلي صلاة النصارى، وليس فيه إغراء بصلاة النصارى ومشاركتهم فيها، فهذا الفرق بين المسألتين.
    قال: (وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((هل كان فيها وثنٌ من أوثان الجاهلية يعبد؟))
    قالوا: لا.
    قال:((فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟))
    قالوا: لا.
    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((أوفِ بنذرك فإنه لا وفاء لنذرٍ في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم)) رواهأبو داود، وإسناده على شرطهما، هذا الحديث فيه أن رجلاً نذر أن ينحر إبلاً ببُوانة، و(بُوانة) اسم موضع، نذر أن ينحر في هذا الموضع، والنبي -عليه الصلاة والسلام- استفصله؛ لأن المقام يقتضي الاستفصال، يتبادر إلى الذهن لم خصّ هذا الرجل بوانة بأن ينحر فيها الإبل؟ لِمَ؟
    قد يكون
    لأن فيها عيداً من أعيادهم.
    أو لأن فيها وثناً من أوثان الجاهلية يعبد.
    - أو كان في ذلك الموضع؛ لأن التخصيص في الغالب يكون لغرض العبادة؛ لهذا استفصله النبي -عليه الصلاة والسلام - فقال: ((هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟))

    ((قالوا: لا)) هذا السؤال يدل على أنه لو وُجِدَ هذا الوصف، وهو أنه كان ثَمَّ وثن من أوثان الجاهلية يعبد، لم يجز النحر في ذلك الموضع، وهو المراد من إيراد هذا الحديث في الباب ((هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟))
    ((قالوا: لا)).
    نستفيد من ذلك:
    أنه لو كان فيها وثن؛ لمنع ذلك الرجل من النحر، وهو دلالة الترجمة.
    قال: ((فهل كان فيها عيدمن أعيادهم؟))
    العيد: هو:
    المكان، أو الزمان الذي يعود أو يُعاد إليه.
    فالعيد قد يكون مكانياً؛
    لأنه اسم للمكان الذي يُعتاد المجيء إليه، ويرجع إليه في وقت معتاد؛ ولهذا قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: في المكان: ((لا تجعلوا قبري عيداً)) يعني هذا المكان لا تجعلوه مكاناً تعتادون المجيء إليه.
    وكذلك:
    الأزمنة تكون أعياداً؛ لأنها تعود في وقت معين، فقوله: ((هل كان فيها عيدٌ من أعيادهم؟)) يعني: عيداً مكانياً؛ لأنه قال: ((هل كان فيها عيد من أعيادهم))ويحتمل أيضاً أن يكون عيداً زمانياً.

    وأعياد المشركين من جهة الأمكنة، أو الأزمنة: معلومٌ أنها راجعة إلى أديانهم، ودينهم شركي، فإذاً: يكون المعنى: أنهم يتعبدون في تلك الأعياد بعباداتهم الشركية، مما يُفعل في أعياد المشركين وأعظم ما يفعل: التقرب بالذبح، وإراقة الدماء، فدل على أن مشاركة المشركين في مكان يتقربون فيه لغير الله بصورةٍ مشابهةٍ لفعلهم ظاهراً، أن هذا لا يجوز؛ لأنه مشاركة لهم في الفعل الظاهر، ولو كان مخلصاً لا يذبح إلا لله، أو لا يصلي إلا لله جل وعلا.

    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أوفِ بنذرك فإنه لا وفاء لنذرٍ في معصية الله)).
    قال العلماء:
    قوله هنا: ((فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله))ترتيب ما بعد الفاء على ما قبلها بالفاء، يدل على أن سبب الإذن بالوفاء بالنذر، أن ما قبله ليس بمعصية؛ والاستفصال يدل على أن الذبح لله في مكان فيه وثنٌ يعبد، أو في عيد من أعياد المشركين، يدل ذلك على أنه معصية لله جل وعلا، وبهذا يستقيم ما أراده الشيخ - رحمه الله - من الاستدلال والاستشهاد بهذا الحديث تحت ذلك الباب.





  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,634

    افتراضي رد: لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقـوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أن تَقُومَ فِيهِ

    قال الشيخ صالح بن آل الشيخ
    (لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله)
    وقوله هنا: (لا يذبح لله) هذا على جهة النفي المشتمل على النهي؛ لأن من أساليب اللغة العربية أنه يُترك صراحة النهي إلى صريح النفي؛ ليدل بدلالة أبلغ على أن النفي والنهي جميعاً مقصودان، فكأنه لا يصح أن يقع أصلاً، ولهذا أتى بصيغة النفي: (باب لا يذبح لله).

    وقال بعض أهل العلم:

    (يحتمل أن تكون على وجه النهي: (باب لا يذبحْ لله بمكان يذبح فيه لغير الله).

    وقوله: (لله) (لا يذبح لله) يعني: أن تكون النسيكة، أو أن تكون الذبيحة مراداً بها وجه الله جلّ وعلا.

    (بمكان يذبح فيه لغير الله)

    قال الإمام: (بمكان) والباء هنا: لها معنىً زائد على كلمة (في) وهذا المعنى الزائد: أنها أفهمت معنى الظرفية ومعنى المجاورة جميعاً؛ لأن الباء تكون للمجاورة أيضاً؛ كما تقول: (مررتُ بزيد) يعني: بمكان قريب من مكان
    زيد، أو بمكان مجاور لمكان زيد.

    والظرفية بـ (في) تفيد أنه في نفس المكان، واستعمال حرف الباء: يفيد أنه مجاور لذلك المكان، وهذان المعنيان جميعاً مقصودان، وهو أنه لا يذبح لله بمجاورة المكان الذي يذبح فيه لغير الله، ولا في نفس المكان الذي يذبح فيه لغير الله؛ لأن الجميع فيها اشتراك مع الذين يذبحون لغير الله جل وعلا.

    قال هنا: (باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله)
    صورة المسألة:
    أن مكاناً ما يذبح فيه لغير الله،
    مثلاً:
    عند قبر.
    أو عند مشهد.
    أو عند مكان معظم،
    المشركون أو الخرافيون اعتادوا أن يكون هذا المكان مما يتقربون فيه بالذبح لهذا الصنم، أو الوثن، أو القبر، أو البقعة... إلى آخره، فإذا كانوا يتقربون لهذا المكان: للقبر أو نحوه، ويذبحون لصاحب هذا القبر -يعني: من أجله- فإنه لا يحل أن يذبح المسلم الموحد في هذا المكان، ولو كانت ذبيحته مخلصاً فيها لله جل وعلا؛ لأنه يكون قد شابه أولئك المشركين في تعظيم الأمكنة التي يتعبدون فيها بأنواع العبادات، ويصرفونها لغير الله جل وعلا؛ فالذبح لله وحده دون ما سواه، بإخلاص، في المكان الذي يُتقرب فيه لغير الله: لا يحل ولا يجوز، بل هو من وسائل الشرك، ومما يغري بتعظيم ذلك المكان.

    وحُكْمُه:
    أنه محرَّم ووسيلة من وسائل الشرك

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,634

    افتراضي رد: لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقـوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أن تَقُومَ فِيهِ

    -قال ابن القيم في زاد المعاد 3/571:
    حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار وأمر بهدمه وهو مسجد يصلى فيه ويذكر اسم الله فيه لما كان بناؤه ضرارا وتفريقا بين المؤمنين ومأوى للمنافقين وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله إما بهدم وتحريق وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له . وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادا من دون الله أحق بالهدم [ زاد المعاد 3/571: ] ----------------------- من زمن بعيد وجدت بعض من يدعى الدين بل يدعى اتباع منهج السلف يتردد على مسجد به ضريح يعبد من دون الله ويحافظ على صلاة الجماعة به ويأتم بامام المسجد وهو من سدنة هذا الضريح وحجته فى الصلاه وراءه العذر بالجهل- فأنكرت عليه الصلاة فى هذا المسجد وقلت له ان هذا من مساجد الضرار لأن الدعوة فيه لغير الله- فاحتج بخلاف العلماء فى الصلاة فى المساجد التى بنيت على القبور أو التى فيها قبر [ والحجج كثيرة]- ولم يفرق المسكين بين المساجد التى فيها قبور فقط وبين المساجد التى فيها مشاهد الشرك والاضرحة تعبد من دون الله - ولم يفهم المسكين الفرق بين علة النهى عن اتخاذ القبور مساجد التى هى وسيلة الى الشرك -و بين مشاهد الشرك التى تعبد من دون الله - وقلت له ما أعظم التمسك بملة إبراهيم عليه السلام من اعتزال الشرك وأهله -وقلت له السلفية ليست الاهتمام بعلوم الآلة كعلم مصطلح الحديث وبعض العلوم الشرعية بدون الاهتمام بأهم المهمات- كالاهتمام بأصل الدين من البراءة والاعتزال للشرك وأهله - لم يفهم المسكين حقيقة النفى الذى تضمنته لا اله الا الله من الكفر بالطاغوت وسوغ لنفسه الصلاة بحجج باطلة -فتبين بذلك خطأ المغرورين وبطلان حجة المبطلين، فإن لا إله إلا الله ومعناها النفي والإثبات، وحقيقتها الموالاة والمعاداة، ثم لابد مع ذلك من البغض والاعتزال للداعي والمدعو، والعابد والمعبود، مع الكفر بهم، كما ذكر الله ذلك في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيَ إِبْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَءآؤاْ مّنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتّىَ تُؤْمِنُواْ بِاللّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:4]. والحمد لله على نعمة التوحيد

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •