كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد] - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 42

الموضوع: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    قال الشيخ صالح آل الشيخ

    [قال: (فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئا حاشا وكلا، ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك)] فهذا الكلام الذي سمعناه جواب على شبهة أدلى بها طائفة أخرى، وهذه الشُبه التي ذكرها الشيخ -رحمه الله- تجد فيها تكريراً؛ وذلك لأنه أورد ما أورده الناس من الشبه على التوحيد، وقد يكون ما قاله فلان يدخل بعضه فيما قاله الآخر؛ ولهذا ترى أن فيها نوع تكرير ونوع إعادة؛ لأن الشبه متداخلة.
    وهذا يدل على أن القوم يتواردون على شُبهٍ أصلها واحد،فإذا أحكم طالب العلم المقدمات التي ذكرناها في أول هذا الشرح وجواب الشبه الثلاث التي هي أكبر ما عندهم، سهل عليه الجواب عن الشبه الأخرى، مهما اختلفت وتلونت.
    وهذا الذي ذُكر هنا جواب الشبهة التي يمكن أن تُعنْون بقولهم:الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك، وأن الشرك مخصوص بعبادة الأصنام.
    وفي الحقيقة أن الذين عبدوا غير الله -جل وعلا- لا يعرفون معنى الشرك، كجهلهم بعلوم الشريعة وبأصول الدين، فإنهم لا يعرفون معنى العبادة ولا يعلمون معنى الشرك، ولا يعلمون معنى التوحيد؛ لهذا قد ينكرون شيئاً وهم واقعون فيه.
    وقد ذكر الشوكاني -رحمه الله- في رسالته (الدر النضيد): أن عباد القبور عندهم تغيير للأسماء، فيسمونها بغير اسمها، فيسمون الشرك توسلاً، ويسمون طلب الشفاعة من الأولياء توسلاً، ويسمون إنزال الحاجات بالأولياء والأنبياء التجاءً إلى الصالحين؛ لأنهم عند الله -جل وعلا- لهم المقامات العالية وأشباه ذلك.

    قال الشوكاني: (وهذا لا يغير من الحقائق شيئاً، إذ العبرة بالحقائق لا بالأسماء، العبرة بالمسميات لا بالأسماء) فلو سميت الخمر ماء -هذه تتمة من عندي- فلو سميت الخمر ماءً فإنها خمر، ولو سمي سرقة الأموال هدايا فإنه سرقة، فالأسماء لا تغير في الأحكام الشرعية، إذ الأحكام مرتبطة بحقائق الأمور، فإذا وجدت حقيقة الأمر الذي حرمه الشرع، أو أمر به الشرع، فإنه هو المقصود بالتحريم، وهو المقصود بالأمر، وإن اختلفت الأسماء، إذ لا عبرة باختلاف الأسماء.

    هنا تفريعاً على ذلك،قال الإمام رحمه الله تعالى ورفع درجته في الجنة: (فإن قال - يعني: المدلي بالشبهة - أنا لا أشرك بالله شيئاً، حاشا وكلا) وهذا صنيع كل من يعبد غير الله، يعبد الأولياء والأنبياء ويتقرب إليهم، أو يتقرب إلى المشاهد، أو إلى الجن، أو إلى ما شابه ذلك من أنواع المعبودات من دون الله، كلهم يقولون: نحن لا نشرك؛ إذ لا أحد يقر على نفسه بالشرك والكفر.

    قال: (فإن قال - يعني: بعد ما ذكرنا من مسألة الشفاعة أو من أدلى بهذه الشبهة - أنا لا أشرك بالله شيئاً حاشا وكلا) يعني: أنا لست من المشركين، وعندي إباء أن أكون من أهل الشرك، أو أن أفعل الشرك، فحاشا وكلا أن أشرك بالله شيئاً، لِمَ؟

    قال: (لأن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك).

    إذاً: رجع أمر هذه الطائفة إلى أنهم يتبرؤون من شيء يفعلونه،وإذا كان هذا المُتبَرأُ منه من أصول الدين، من التوحيد، فإن فعله يدل على أنهم لم يعلموا معنى الشرك ومعنى التوحيد، فلا بد لهم إذاً من إقامة الحجة؛ لأنه ينفي عن نفسه أن يكون من المشركين، ويكره الشرك، ويكره الكفر، لكنه واقع فيه، فلابد من البيان له والتعليم وإقامة الحجة عليه في أن ما يفعله داخل فيما نفاه عن نفسه.

    قال رحمه الله: (فقل له) هذا ابتداء جواب الشبهة.(إذا كنت تقر أن الله حرم الشرك أعظم من الزنى، وتقرُّ أن الله لا يغفره) إلى آخر الكلام.

    هذا الجواب للشبهة مبني على مراتب:
    الأولى: هذه المرتبة التي سمعت، وهي: أن يطلب منه تفسير الشرك، ما هو هذا الشرك الذي لا يغفره الله وأنت تنفيه عن نفسك؟ هات معنى الشرك.
    المرتبة الثانية: أن يفسِّر الشرك بعبادة الأصنام، فيُسأل ما معنى عبادة الأصنام؟
    الثالثة: هل الشرك مخصوص بعبادة الأصنام، أم لا؟
    فهذه ثلاث مراتب لجواب هذا الإشكال، فمن قال: إن التوسل بالصالحين ليس بشرك، يعني التوسل الشركي الذي يفعله عباد القبور والخرافيون، ويعدونه توسلاً، وهو دعاء غير الله -جل وعلا- وطلب الشفاعة من الأموات، هذا مبني على هذه الثلاث مراتب، فنأتيها واحدة واحدة.

    فالأولى: قال الشيخ رحمه الله: (إذا كنت تقر أن الله حرم الشرك أعظم من الزنى، وتقر أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذي عظمه الله وذكر أنه لا يغفره؟ فإنه لا يدري) هذا تنزيل لطائفة، إذا قلت له: ما هذا الشرك الذي حرمه الله وعظمه، وبين أنه لا يغفره، وأنه أعظم من الزنى ومن شرب الخمر، ومن إتيان المحارم، إلى غير ذلك؟.
    فطائفة منهم يقولون:لا ندري، ما هذا الشرك؟ لا نعلم ما هذا الشرك!
    فإذاً: هذه الطائفة يقال لها: (كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟) إذا كنت لا تعرف حقيقة الشرك، فكيف تقول: أنا لا أشرك بالله شيئاً؟
    ومعلوم أن المشركين الذين بعث فيهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينفون عن أنفسهم الكفر، وينفون عن أنفسهم الشرك بالله جل وعلا؛ لأن هذا الشريك الذي دعوه مع الله -جل وعلا- هو لله جل وعلا، فنفوا أن يكونوا مشركين على الحقيقة، مثل ما قال قائلهم وهو يلبي: (إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك).
    فإذا كان الشريك لله، فإن سؤاله لا يعد سؤالاً لأحد غير الله جل وعلا، مثل اعتقاد النصارى، والاعتقاد في الملائكة، أي: أنها بنات الله، وكذلك الاعتقاد في الأصنام والأوثان.
    فهم إذاً لا أحد يقرّ على نفسه بأنه مشرك مطلقاً، إذ يلزم من ذلك أن الشرك المطلق يعني أنه يقر بأن ثمة مصرفاً للأمور غير الرب جل وعلا؛ والمشركون مقرّون بأن المصرف للأمور هو الله -جل وعلا- وحده، إذ يلزم لازماً عقلياً واضحاً وأيضاً شرعياً؛ أن من اعتقد بأن مع الله إلهاً آخر يلزمه أن يعتقد أنه رب، وأنه يعطي ويمنع، وأنه هو الذي يدبر الأمر، وهو الذي يسخر السحاب وينزل المطر.
    ولهذا تجد أن في القرآن كثيراً ما يُحتج على المشركين بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية،
    فهم خروجاً من هذا الإلزام، قالوا: إن هذه الآلهة لله -جل وعلا- فهو يملكها وهي تحت تصرفه، وهم ينقلون ما يحتاجه خلقه إلى الله جل وعلا، مثل ما فعل غلاة المتصوفة، حيث قالوا: إن العالم له أقطاب أربعة، فوض الله إليهم رفع حاجات أهل الأرض، فالقطب الفلاني في مصر، والقطب الثاني في الهند، والقطب الثالث في الشمال، والقطب الرابع في الجنوب، يعني: أن هؤلاء فوض الله إليهم أمر رفع الحاجات.
    فنخلص من ذلك: أن من وقع في الشرك فإنه قد يقول: أنا لم أقع في الشرك، وحاشاي أن أشرك، فإذا طلب منه تفسير الشرك لم يعرف تفسيره، وهذه مرتبة العوام، فهؤلاء جوابهم أن يقال: كيف تبرئ نفسك من شيء وأنت لا تعرفه؟ (كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟).
    لا شك أن هذا يدل على عدم رغبة في الخير، بل يدل على عدم معرفة وعلم بما خلق الله -جل وعلا- العباد له، فإنه إذا علم أن الشرك محرم، وأنه لا يغفره الله، وأن أهله مخلدون في النار إن لم يتوبوا، فكيف يقول: أنا لا أعرف هذا الشرك؟

    فهذا إعراض عن الدين؛ كما قال الله جل وعلا: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ}

    فإذاً:كيف لا تسأل عنه؟ كيف لا تتعرفه؟ (أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا؟) وهذا في الحقيقة جواب يصلح للعوام؛ لأن العامي لا يصلح له ما يصلح لمن يجادل ببعض الشبه العلمية.
    فهذا يقول:أنا لا أشرك، فتسأله عن الشرك، فيقول:أنا لا أعرفه.
    فيقال له:كيف تنفي عن نفسك شيئاً وأنت لا تعرفه؟.
    فهذا يكفي في جواب هذا العامي أن يجعلك معلماً له، وكما ذكرنا لك في السابق: إذا استطعت في مجادلة عوام المشركين، في أن تجعلهم في مرتبة أدنى منك، فتكون معلماً بحسن عبارة، في أن تجره إلى أن يعترف على نفسه بالجهل، ثم تنتقل من مناظر إلى معلم، فهذا من أعظم الوسائل للإقناع ولإحداث الخير وإقامة الحجة وبيان المحجة.
    فلا يُنزل العامي منزلة العالم،لا ينزل من هو خال من الحجة أصلاً، جاهل، منزلة من هو عنده شبه، فإذا عاملت هذا معاملة هذا فإنك تخسر، بل ينبغي أن تسلك ما ذكره الشيخ -رحمه الله- هنا في أن تطلب منه تفسير الشيء، فإذا كان عنده علم ناقِشه برد تفسيره، وإذا لم يكن عنده علم؛ فتقول له: كيف تكون على هذه الحال، تنفي عن نفسك شيئاً وأنت واقع فيه، وأنت جاهل بمعناه؟
    فإذاً:تنتقل معه إلى التعليم، لهذا تقول له كما قال الشيخ رحمه الله: (أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا؟)
    فلا شك أنه سيقول: لا، بل إن الله إذا حرم علينا هذا فهو سيبينه لنا، فتبدأ معه في بيان التوحيد، ومعنى (لا إله إلا الله) والشرك، والكفر بالطاغوت، والعبادة، إلى غير ذلك.





  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    كشف الشبهة الثامنة وهي قولهم: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام

    قال الامام محمد بن عبد الوهاب فى رسالة كشف الشبهات

    فَإِنْ قَالَ: الشِّرْكُ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ، وَنَحْنُ لا نَعْبُدُ الأَصْنَامَ.
    فَقُلْ لَهُ: ما مَعْنَى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ؟
    أَتَظُنُّ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ تِلْكَ الأَحْجَارَ وَالأَخْشَابَ والأشجارَ تَخْلُقُ وَتَرْزُقُ وَتُدَبِّرُ أَمْرَ مَنْ دَعَاها؟ فَهَذَا يُكَذِّبُهُ القُرْآنُ.
    فَإِنْ قالَ: إنهم يَقْصِدونَ خَشَبةً، أَوْ حَجَراً، أَوْ بُنْيَةً على قَبْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، يَدْعُونَ ذَلِكَ وَيَذْبَحُونَ لَهُ يَقُولُونَ: إِنَّهُ يُقَرِّبُنا إِلى اللهِ زُلْفَى، وَيَدْفَعُ عَنَّا اللهُ بِبَرَكَتِهِ ويُعْطِينا بِبَرَكَتِهِ.
    فَقُلْ: صَدَقْتَ، وَهَذا هُوَ فِعْلُكُمْ عِنْدَ الأَحْجَارِ والبِنَا الَّذِي عَلى القُبُورِ وَغَيْرِها، فَهَذا أَقَرَّ أَنَّ فِعْلَهُم هَذَا هُوَ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ، وهو المطْلُوبُ.
    وأَيْضاً: قَوْلُكَ: الشِّرْكُ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ، هَلْ مُرَادُكَ أَنَّ الشِّرْكَ مخصُوصٌ بِهَذا، وَأَنَّ الاعْتِمَادَ عَلى الصَّالِحِينَ وَدُعَاءَهُمْ لا يَدْخُلُ في ذَلِكَ؟
    فَهَذا يَرُدُّهُ ما ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى في كِتَابِهِ مِنْ كُفْرِ مَنْ تَعَلَّقَ على الملائِكَةِ أَوْ عِيسَى أَوِ الصَّالِحينَ.
    فَلابُدَّ أَنْ يُقِرَّ لَكَ أَنَّ مَنْ أَشْرَكَ فِي عِبَادَةِ اللهِ أَحَداً مِن الصَّالِحِينَ فهُوَ الشِّرْكُ المَذْكُورُ في القُرْآنِ، وَهَذَا هُوَ المَطْلُوبُ.

    وَسِرُّ المَسْأَلَةِ:أنَّهُ إِذا قالَ: أَنَا لا أُشْرِكُ بِاللهِ شيئاً.
    فَقُلْ لَهُ:وَمَا الشِّرْكُ بِاللهِ؟ فَسِّرْهُ لِي.
    فَإِنْ قالَ: هُوَ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ.
    فَقُلْ له: ومَا عِبَادَةُ الأَصْنَامِ؟ فَسِّرْهَا لِي.
    وإِنْ قَال: أَنا لا أَعْبُدُ إِلاَّ اللهَ.
    فَقُلْ: ما مَعْنَى عِبَادَةِ اللهِ وحده لا شريك له؟ فَسِّرْهَا لِي.
    - فَإِنْ فَسَّرَها بِمَا بَيَّنْتَهُ فَهُوَ المَطْلُوبُ.
    - وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَكَيْفَ يَدَّعِي شَيْئاً وَهُوَ لاَ يَعْرِفُهُ؟
    -وَإِنْ فَسَّرَها بِغَيْرِ مَعْنَاهَا بَيَّنْتَ لَهُ الآيَاتِ الوَاضِحَاتِ في مَعْنَى الشِّركِ بِاللهِ وَعِبادَةِ الأَوْثانِ أَنَّهُ الَّذِي يَفْعَلُونَ في هذا الزَّمَانِ بِعَيْنِهِ، وَأَنَّ عِبَادَةَ اللهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ هِيَ الَّتِي يُنْكِرُونَ عَلَيْنَا وَيصِيحُونَ منه كَمَا صَاحَ إِخْوَانُهُم حَيْثُ قَالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}[ص: 5].


  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ
    (فَإِنْ قَالَ: الشِّرْكُ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ وَنَحْنُ لاَ نَعْبُدُ الأَصْنَامَ) فَإِن انْتَقَلَ إِلَى هَذِه الشُّبْهَةِ؛ زَعَمَ أَنَّ الشِّرْكَ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ بِخُصُوصِهِ، وهو في زَعْمِهِ أَنَّه لاَ يَعْبُدُ الأَصْنَامَ بل وَلِيٌّ، فَجَاوِبْهُ بالاسْتِفْسَارِ والتَّحَدِّي فبه يَنْدَحِضُ وتَنْكَشِفُ شُبْهَتُهُ، وَيَظْهَرُ جَهْلُهُ وضَلاَلُهُ، وَأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِمَّا عَلَيْهِ المُرْسَلُونَ وَمَا هو دِينُ المُشْرِكِينَ.(فَقُلْ لَهُ: مَا مَعْنَى عِبَادَةِ الأصْنَامِ؟) الَّتِي حَصَرْتَ الشِّرْكَ فِيهَا (أَتَظُنُّ أَنَّهُم يَعْتَقِدُونَ أَنَّ تِلْكَ الأَخْشَابَ والأَحْجَارَ تَخْلُقُ وتَرْزُقُ وَتُدَبِّرُ أَمْرَ مَنْ دَعَاهَا؟)
    فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ (فَهَذَا يُكَذِّبُهُ القُرْآنُ) وَيَرُدُّهُ؛ فَإِنَّ القُرْآنَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُم لاَ يَعْتَقِدُونَ فيها ذلك أصلاً.(وَإِنْ قَالَ: هو مَنْ قَصَدَ خَشَبَةً أو حَجَرًا أَوْ بِنْيَةً عَلَى قَبْرٍ أو غَيْرِهِ، يَدْعُونَ ذَلِكَ ويَذْبَحُونَ لَهُ، ويَقُولُونَ: إِنَّهُ يُقَرِّبُنَا إِلَى اللهِ زُلْفَى، وَيَدْفَعُ اللهُ عَنَّا بِبَرَكَتِهِ أو يُعْطِينَا بِبَرَكَتِهِ) فَهَذَا تَفْسِيرٌ لعِبَادَةِ الأَصْنَامِ صَحِيحٌ. (فَقُلْ: صَدَقْتَ و) لَكِنْ (هَذَا هو) بِعَيْنِهِ (فِعْلُكُمْ) الَّذِي وَقَعْتُمْ فيه (عِنْدَ الأَحْجَارِ والأَبْنِيَةِ الَّتِي عَلَى القُبُورِ وَغَيْرِهَا)، وهَذَا المُطَابِقُ هو حَقِيقَةُ تَفْسِيرِهَا. (فَهَذَا أَقَرَّ أَنَّ فِعْلَهُم هَذَا هو عِبَادَةُ الأَصْنَامِ، فَهُو المَطْلُوبُ) المَطْلُوبُ إِقْرَارُهُ بالْحَقِّ وكَشْفُ شُبْهَتِهِ، وَقَدِ انْكَشَفَتْ شُبْهَتُهُ وانْدَحَضَتْ حُجَّتُهُ، وَتَبَيَّنَتْ جَهَالَتُهُ وضَلاَلَتُهُ.
    وحَاصِلُهُ أَنَّكَ تَقُولُ: هَلْ هُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا تَخْلُقُ؟
    - فَإِنْ قَالَ:نَعَمْ، فَبَيِّنْ لَهُم الآيَاتِ الوَارِدَةَ. إلخ.
    - وَإِنْ قَالَ:هو مَن قَصَدَ.. إلخ؛ فَقُلْ: نَعَمْ، وهَذَا هو فِعْلُكُم.
    فهو إِمَّا أَنْ يُفَسِّرَهُ بِبَاطِلٍ؛ فَيُبَيَّنَ له باطِلَهُ، وإِمَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّ فِعْلَهُم مُوَافِقٌ له.

    (وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا) هَذَا جَوَابٌ ثَانٍ لَهُ: (قَوْلُكَ: الشِّرْكُ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ، هَلْ مُرَادُكَ أَنَّ الشِّرْكَ مَخْصُوصٌ بِهَذا؟) مَحْصُورٌ دونَ عِبَادَةِ مَن سِوَاهُم (وَأَنَّ الاعْتِمَادَ عَلَى الصَّالِحِينَ) والأَنْبِياءِ والأَوْلِيَاءِ والمَلاَئِكَةِ (ودَعَاءَهُم لاَ يَدْخُلُ في ذَلِكَ) لاَ يَكُونُ شِرْكًا (فهَذَا) أَمْرٌ بَاطِلٌ (يَرُدُّهُ مَا ذَكَرَهُ اللهُ في كِتَابِهِ) ويُبْطِلُهُ (مِن كُفْرِ مَن تَعَلَّقَ عَلَى المَلاَئِكَةِ أو عِيسَى أو الصَّالِحِينَ) فَإِنَّ القُرْآنَ العَزِيزَ بَيَّنَ كُفْرَ مَن تَعَلَّقَ عَلَى هَؤُلاَءِ، وكُفْرَ مَن تَعَلَّقَ عَلَى هَؤُلاَءِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَنَّ عِبَادَةَ الأَصْنَامَ قِسْمٌ مِن أَقْسَامِ الشِّرْكِ (فَلاَبُدَّ) حِينَئذٍ (أَنْ يُقِرَّ لَكَ أَنَّ مَن أَشْرَكَ في عِبَادَةِ اللهِ أَحَدًا مِن الصَّالِحِينَ فَهَذَا هو الشِّرْكُ المَذْكُورُ في القُرْآنِ، وَهَذَا هو المَطْلُوبُ) وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَن عَبَدَ صَنَمًا أو وَثَنًا أو غَيْرَ ذَلِكَ فهو مُشْرِكٌ، وبِهَذَا تَنْكَشِفُ شُبْهَتُهُ وتَنْدَحِضُ حُجَّتُهُ.

    (وَسِرُّ المَسْأَلَةِ) يَعْنِي: خَالِصَ وَحَاصِلَ الأَجْوِبَةِ عَن الشُّبَهِ الثَّلاَثِ: ذَكَرَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ أَوَّلاً جَوَابَ الشُّبَهِ؛ خَصَّ كُلَّ شُبْهَةٍ بِجَوَابٍ وبَعْضَهَا بِجَوَابَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ جَوَابَهَا هنا عَلَى سَبِيلِ اللَّفِّ بَعْدَ النَّشْرِ.

    (أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَنَا لاَ أُشْرِكَ باللهِ، فَقُلْ لَهُ: مَا مَعْنَى الشِّرْكِ باللهِ؟ فَسِّرْهُ لي. فَإِنْ قَالَ: هو عِبَادَةُ الأَصْنَامِ، فَقُلْ: وَمَا مَعْنَى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ؟ فَسِّرْهَا لِي. فَإِنْ قَالَ: أَنَا لاَ أَعْبُدُ إِلاَّ اللهَ وَحْدَهُ، فَقُلْ: مَا مَعْنَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ؟ فَسِّرْهَا لِي. فَإِنْ فَسَّرَهَا بِمَا بَيَّنَهُ القُرْآنُ فهو المَطْلُوبُ، وإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَكَيْفَ يَدَّعِي شَيْئًا وهو لاَ يَعْرِفُهُ وإِنْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِغَيْرِ مَعْنَاهُ بَيَّنْتَ لَهُ الآيَاتِ الوَاضِحَاتِ في مَعْنَى الشِّرْكِ باللهِ وعِبَادَةِ الأَوْثَانِ أَنَّهُ الذي يَفْعَلُونَه في هَذَا الزَّمَانِ بِعَيْنِهِ).
    يَعْنِي: وَحَاصِلُ الجَوَابِ عَنِ الشُّبَهِ الثَّلاَثِ أَنَّكَ تَتَحَدَّاهُ؛ فَلَهُ ثَلاَثَةُ أَحْوَالٍ:
    أَحَدُهَا: أَنْ يَتَوَقَّفَ، فَقُلْ لَهُ: أَنْتَ لاَ تَعْرِفُ الحَقَّ مِن البَاطِلِ، فَإِذَا حَادَ وَلاَ دَرَى وَوَقَفَ؛ فهو كَافٍ في ردِّ شُبَهِهِ، وحِينَئذٍ كَفَانَا مَؤُونَةَ جَوَابِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا حَالُ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَعْبُدُ الأَصْنَامَ؛ لاَ يَدْرِي عن الشِّرْكِ وَلاَ أَهْلِهِ، وَلاَ دَرَى عن عِبَادَةِ الأَصْنَامِ، وَلاَ مَيَّزَ عِبَادَةَ الأَصْنَامِ من غَيْرِهَا.
    2-وَإِنْ فَسَّرَهَا بِمَا فَسَّرَهُ القُرْآنُ، فَهَذَا أَيْضًا كَفَانَا مَؤُونَتَهُ وَهَدَمَ أَصْلَهُ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ.
    3-وإِنْ فَسَّرَهُ بالبَاطِلِ المُخَالِفِ لتَفْسِيرِ القُرْآنِ بَيَّنْتَ لَهُ الآيَاتِ الوَاضِحَاتِ في مَعْنَى الشِّرْكِ باللهِ وعِبَادَةِ الأَوْثَانِ.
    فالحَاصِلُ أَنَّهُ يَتَحَصَّلُ مِنْهُ تِسْعُ صُوَرٍ مِن ضَرْبِ ثَلاَثِ الشُّبَهِ في جَوَابِهِ.(وَأَنَّ عِبَادَةَ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ) وهو تَوْحِيدُه (هي الَّتِي يُنْكِرُونَ عَلَيْنَا وَيَصِيحُونَ فيه كَمَا صَاحَ إِخْوَانُهُم حَيْثُ قَالُوا) في إِنْكَارِهِم التَّوْحِيدَ عَلَى الرَّسُولِ لَمَّا دَعَاهُم: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَـهًا وَاحِدًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} اسْتَنْكَرُوا أَنْ يَجْعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا.
    وبه تَعْرِفُ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَى الإِسْلاَمِ مِن هذه الأُمَّةِ لَيْسُوا عَلَى الدِّينِ، إِنَّمَا مَعَهُم اسْمُه فَقَطْ، وَلاَ يَعْرِفُونَ مَا هو شِرْكُ الأَوَّلِينَ.
    فَلَوْ عَرَفَ أَحَدُهُم شِرْكَ الأَوَّلِينَ وَشِرْكَ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ لَوَجَدَهُ هو، بل مُشْرِكُو هَذِه الأَزْمِنَةِ أَعْظَمُ مِن شَرْكِ أولئك بكَثِيرٍ؛ لِمَا يَأْتِيكَ مِن كَلاَمِ المُصَنِّفِ.
    شِرْكُ الأَوَّلِينَ لَيْسَ أَكْثَرَ مِن اعْتِقَادِهِم أَنَّ أَحَدَهُم يَطْلُبُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ فيه أَنْ يَطْلُبَ لَهُ مِن اللهِ، وَأَنَّهُ بَابُ وَسَائِطِهِم وَحَوَائِجِهِم إِلَى اللهِ كَمَا قَالَ اللهُ عَنْهُم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى}.---------------------------- قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين
    يَعْنِي: إذا قالَ لكَ المُشرِكُ المُشَبِّهُ: الشِّركُ عبادةُ الأصنامِ، ونحنُ لا نَعْبُدُ الأصنامَ، فأَجِبْهُ بجوابَيْنِ:
    الأوَّلُ:قُلْ لهُ: ما هيَ عبادةُ الأصنامِ؟ أتَظُنُّ أنَّ مَنْ عبَدَها يَعْتَقِدُ أنَّها تَخْلُقُ وتَرْزُقُ وتُدَبِّرُ أمْرَ مَنْ دَعاها؟ فإنْ زَعَمَ ذلكَ فقدْ كَذَّبَ القرآنَ.

    قولُهُ: (وإنْ قالَ...) إلخ، هذا مُقابِلُ قَوْلِنَا: (إنْ زَعَمَ ذلكَ فقدْ كَذَّبَ القُرآنَ) يَعْنِي: إنْ قالَ: عِبادةُ الأصنامِ أنْ يَقْصِدَ خَشَبةً أوْ حَجَرًا أوْ بِنْيَةً على قبْرٍ أوْ غيرِهِ، يَدْعونَ ذلكَ، ويَذْبَحونَ لهُ، ويَقولونَ: إنَّهُ يُقَرِّبُنا إلى اللهِ زُلْفَى.
    قُلْنا: صَدَقْتَ، وهذا هوَ فِعْلُكَ سَواءً بسَواءٍ، وعليهِ فتَكونُ مُشرِكًا بإقْرارِكَ على نفْسِكَ، وهذا هوَ المَطْلوبُ.

    قولُهُ: (ويُقالُ لهُ أيضًا: قولُكَ: الشِّركُ عبادةُ الأصنامِ) إلى قولِهِ: (وهذا هوَ المُطلوبُ) هذا هوَ الجوابُ الثَّاني؛ أنْ يُقالَ: هلْ مُرادُكَ أنَّ الشِّركَ مَخْصوصٌ بهذا، وأنَّ الاعْتِمَادَ على الصَّالحينَ ودُعاءَ الصَّالحينَ لا يَدْخُلُ في ذلكَ؟
    فهذا يَرُدُّهُ القرآنُ؛فلا بُدَّ أنْ يُقِرَّ لكَ بأنَّ مَنْ أَشْرَكَ في عبادةِ أحدٍ مِن الصَّالحينَ فهوَ الشِّركُ المَذْكورُ في القرآنِ، وهذا هوَ المطلوبُ.

    قولُهُ: (وسِرُّ المسألةِ) يَعْنِي: لُبُّهَا، أنَّهُ إذا قالَ: أنا لا أُشْرِكُ باللهِ؛ فاسْأَلْهُ: ما معْنى الشِّركِ؟ فإنْ قالَ: هوَ عبادةُ الأصنامِ؛ فاسْأَلْهُ: ما معنى عبادةِ الأصنامِ؟ ثمَّ جَادِلْهُ على ما سبَقَ بَيانُهُ.

    قولُهُ: (فإنْ قالَ...) إلخ، يَعْنِي: إذا ادَّعَى هذا المشركُ أنَّهُ لا يَعْبُدُ إلاَّ اللهَ وحْدَهُ فاسْأَلْهُ: ما معنى عبادةِ اللهِ وحْدَهُ؟
    وحينَئِذٍ لا يَخْلو مِنْ ثلاثِ حالاتٍ:
    الأولى: أنْ يُفَسِّرَها بما دَلَّ عليهِ القرآنُ؛ فهذا هوَ المطلوبُ والمقبولُ، وبهِ يَتَبَيَّنُ أنَّهُ لم يُحَقِّقْ عبادةَ اللهِ وحْدَهُ حيثُ أَشْرَكَ بهِ.
    الثَّانيةُ: أنْ لا يَعْرِفَ معناها، فيُقالُ: كيفَ تَدَّعِي شَيئًا وأنتَ لا تَعْرِفُهُ؟ أمْ كيفَ تَحْكُمُ بهِ لنفسِكَ، والحُكْمُ على الشَّيءِ فَرعٌ عنْ تَصَوُّرِهِ؟
    الثَّالثةُ: أن يُفَسِّرَ عبادةَ اللهِ بغيرِ معناها، وحينَئذٍ يُبَيَّنُ لهُ خَطَؤُهُ بِبَيانِ المعنى الشَّرعيِّ للشِّركِ وعبادةِ الأوثانِ، وأنَّهُ الَّذي يَفْعَلُونَهُ بعينِهِ ويَدَّعُونَ أنَّهم مُوَحِّدونَ غيرُ مُشرِكِينَ(1).

    يَعْنِي: ويُبَيَّنُ لهُ أيضًا: أنَّ عبادةَ اللهِ وحْدَهُ هيَ الَّتي يُنْكِرُونَها علينا، ويَصْرُخونَ بها علينا كما فَعَلَ ذلكَ أَسْلافُهم حينَ قالوا للرَّسولِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلأَُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ}------------------------- قال الشيخ صالح الفوزان
    يُبَيِّنُ الشَّيْخُ -رَحِمَهُ اللهُ- أَنَّ الشِّرْكَ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ؛ لأَِنَّ المُشْرِكِينَ الأَوَّلِينَ مِنْهُم مَن يَعْبُدُ المَلاَئِكَةَ، والمَلاَئِكَةُ أَصْلَحُ الصَّالِحِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
    {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (26) لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}.
    ومنهم مَنْ يَعْبُدُ الصَّالِحِينَ،وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ يَعْبُدُ عُزَيْرًا والمَسِيحَ مِن الأَنْبِيَاءِ.
    وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ فَأَسْلَمَ الجِنُّ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَن يَعْبُدُهُم مِن الإِنْسِ أنَّهُم أَسْلَمُوا.

    والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ أنَّ اللهَ ذَكَرَ أنَّ المُشْرِكِينَ الأَوَّلِينَ منهم مَن يَعْبُدُ الأَصْنَامَ والأَشْجَارَ والأَحْجَارَ، ومنهم مَن يَعْبُدُ الأَنْبِيَاءَ والصَّالِحِينَ، وسَوَّى بَيْنَهُم في الحُكْمِ، وحَكَمَ عَلَيْهِم بالكُفْرِ والشِّرْكِ.
    وأَنْتَ أيُّها المُشَبِّهُ تُرِيدُ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ مَن عَبَدَ الأَصْنَامَ ومَن عَبَدَ الصَّالِحِينَ، فَتُفَرِّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللهُ، وهَذَا مِن المُحَادَّةِ للهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى.

    هَذَا وَجْهُ رَدِّ الشُّبْهَةِ،حَيْثُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ شِرْكِ الأَوَّلِينَ وشِرْكِ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الإِسْلاَمَ وهُمْ يَعْبُدُونَ القُبُورَ والأَوْلِيَاءَ والصَّالِحِينَ؛ لأَِنَّهُم لاَ يَعْرِفُونَ مَعْنَى العِبَادَةِ، ومَعْنَى الشِّرْكِ، فَصَارُوا يَخْلِطُونَ ويَهْرِفُونَ بِمَا لاَ يَعْرِفُونَ، وهَذِه نَتِيجَةُ الجَهْلِ بعَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ الصَّحِيحَةِ، والجَهْلِ بِمَا يُضَادُّهَا مِن الشِّرْكِ، فإنَّ مَن لاَ يَعْرِفِ الشَّيْءَ يَقَعْ فيه وهو لاَ يَدْرِي.
    وَمِنْ هنا تَتَّضِحُ ضَرُورَةُ العِنَايَةِ بِدِرَاسَةِ العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ ومَا يُضَادُّهَا.




  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    قال الشيخ صالح آل الشيخ
    [قال: (فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئا حاشا وكلا، ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك)] فهذا الكلام الذي سمعناه جواب على شبهة أدلى بها طائفة أخرى، وهذه الشُبه التي ذكرها الشيخ -رحمه الله- تجد فيها تكريراً؛ وذلك لأنه أورد ما أورده الناس من الشبه على التوحيد، وقد يكون ما قاله فلان يدخل بعضه فيما قاله الآخر؛ ولهذا ترى أن فيها نوع تكرير ونوع إعادة؛ لأن الشبه متداخلة.
    وهذا يدل على أن القوم يتواردون على شُبهٍ أصلها واحد،فإذا أحكم طالب العلم المقدمات التي ذكرناها في أول هذا الشرح وجواب الشبه الثلاث التي هي أكبر ما عندهم، سهل عليه الجواب عن الشبه الأخرى، مهما اختلفت وتلونت.
    وهذا الذي ذُكر هنا جواب الشبهة التي يمكن أن تُعنْون بقولهم:الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك، وأن الشرك مخصوص بعبادة الأصنام.
    وفي الحقيقة أن الذين عبدوا غير الله -جل وعلا- لا يعرفون معنى الشرك، كجهلهم بعلوم الشريعة وبأصول الدين، فإنهم لا يعرفون معنى العبادة ولا يعلمون معنى الشرك، ولا يعلمون معنى التوحيد؛ لهذا قد ينكرون شيئاً وهم واقعون فيه.
    وقد ذكر الشوكاني -رحمه الله- في رسالته (الدر النضيد): أن عباد القبور عندهم تغيير للأسماء، فيسمونها بغير اسمها، فيسمون الشرك توسلاً، ويسمون طلب الشفاعة من الأولياء توسلاً، ويسمون إنزال الحاجات بالأولياء والأنبياء التجاءً إلى الصالحين؛ لأنهم عند الله -جل وعلا- لهم المقامات العالية وأشباه ذلك.
    قال الشوكاني: (وهذا لا يغير من الحقائق شيئاً، إذ العبرة بالحقائق لا بالأسماء، العبرة بالمسميات لا بالأسماء) فلو سميت الخمر ماء -هذه تتمة من عندي- فلو سميت الخمر ماءً فإنها خمر، ولو سمي سرقة الأموال هدايا فإنه سرقة، فالأسماء لا تغير في الأحكام الشرعية، إذ الأحكام مرتبطة بحقائق الأمور، فإذا وجدت حقيقة الأمر الذي حرمه الشرع، أو أمر به الشرع، فإنه هو المقصود بالتحريم، وهو المقصود بالأمر، وإن اختلفت الأسماء، إذ لا عبرة باختلاف الأسماء.
    هنا تفريعاً على ذلك،قال الإمام رحمه الله تعالى ورفع درجته في الجنة: (فإن قال - يعني: المدلي بالشبهة - أنا لا أشرك بالله شيئاً، حاشا وكلا) وهذا صنيع كل من يعبد غير الله، يعبد الأولياء والأنبياء ويتقرب إليهم، أو يتقرب إلى المشاهد، أو إلى الجن، أو إلى ما شابه ذلك من أنواع المعبودات من دون الله، كلهم يقولون: نحن لا نشرك؛ إذ لا أحد يقر على نفسه بالشرك والكفر.
    قال: (فإن قال - يعني: بعد ما ذكرنا من مسألة الشفاعة أو من أدلى بهذه الشبهة - أنا لا أشرك بالله شيئاً حاشا وكلا) يعني: أنا لست من المشركين، وعندي إباء أن أكون من أهل الشرك، أو أن أفعل الشرك، فحاشا وكلا أن أشرك بالله شيئاً، لِمَ؟
    قال: (لأن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك).
    إذاً: رجع أمر هذه الطائفة إلى أنهم يتبرؤون من شيء يفعلونه،وإذا كان هذا المُتبَرأُ منه من أصول الدين، من التوحيد، فإن فعله يدل على أنهم لم يعلموا معنى الشرك ومعنى التوحيد، فلا بد لهم إذاً من إقامة الحجة؛ لأنه ينفي عن نفسه أن يكون من المشركين، ويكره الشرك، ويكره الكفر، لكنه واقع فيه، فلابد من البيان له والتعليم وإقامة الحجة عليه في أن ما يفعله داخل فيما نفاه عن نفسه.
    قال رحمه الله: (فقل له) هذا ابتداء جواب الشبهة.(إذا كنت تقر أن الله حرم الشرك أعظم من الزنى، وتقرُّ أن الله لا يغفره) إلى آخر الكلام. هذا الجواب للشبهة مبني على مراتب:
    الأولى: هذه المرتبة التي سمعت، وهي: أن يطلب منه تفسير الشرك، ما هو هذا الشرك الذي لا يغفره الله وأنت تنفيه عن نفسك؟ هات معنى الشرك.
    المرتبة الثانية: أن يفسِّر الشرك بعبادة الأصنام، فيُسأل ما معنى عبادة الأصنام؟
    الثالثة: هل الشرك مخصوص بعبادة الأصنام، أم لا؟
    فهذه ثلاث مراتب لجواب هذا الإشكال، فمن قال: إن التوسل بالصالحين ليس بشرك، يعني التوسل الشركي الذي يفعله عباد القبور والخرافيون، ويعدونه توسلاً، وهو دعاء غير الله -جل وعلا- وطلب الشفاعة من الأموات، هذا مبني على هذه الثلاث مراتب، فنأتيها واحدة واحدة.
    فالأولى: قال الشيخ رحمه الله: (إذا كنت تقر أن الله حرم الشرك أعظم من الزنى، وتقر أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذي عظمه الله وذكر أنه لا يغفره؟ فإنه لا يدري) هذا تنزيل لطائفة، إذا قلت له: ما هذا الشرك الذي حرمه الله وعظمه، وبين أنه لا يغفره، وأنه أعظم من الزنى ومن شرب الخمر، ومن إتيان المحارم، إلى غير ذلك؟.
    فطائفة منهم يقولون: لا ندري، ما هذا الشرك؟ لا نعلم ما هذا الشرك!
    فإذاً: هذه الطائفة يقال لها: (كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟) إذا كنت لا تعرف حقيقة الشرك، فكيف تقول: أنا لا أشرك بالله شيئاً؟
    ومعلوم أن المشركين الذين بعث فيهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينفون عن أنفسهم الكفر، وينفون عن أنفسهم الشرك بالله جل وعلا؛ لأن هذا الشريك الذي دعوه مع الله -جل وعلا- هو لله جل وعلا، فنفوا أن يكونوا مشركين على الحقيقة، مثل ما قال قائلهم وهو يلبي: (إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك).
    فإذا كان الشريك لله، فإن سؤاله لا يعد سؤالاً لأحد غير الله جل وعلا، مثل اعتقاد النصارى، والاعتقاد في الملائكة، أي: أنها بنات الله، وكذلك الاعتقاد في الأصنام والأوثان.
    فهم إذاً لا أحد يقرّ على نفسه بأنه مشرك مطلقاً، إذ يلزم من ذلك أن الشرك المطلق يعني أنه يقر بأن ثمة مصرفاً للأمور غير الرب جل وعلا؛ والمشركون مقرّون بأن المصرف للأمور هو الله -جل وعلا- وحده، إذ يلزم لازماً عقلياً واضحاً وأيضاً شرعياً؛ أن من اعتقد بأن مع الله إلهاً آخر يلزمه أن يعتقد أنه رب، وأنه يعطي ويمنع، وأنه هو الذي يدبر الأمر، وهو الذي يسخر السحاب وينزل المطر.
    ولهذا تجد أن في القرآن كثيراً ما يُحتج على المشركين بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية،
    فهم خروجاً من هذا الإلزام، قالوا: إن هذه الآلهة لله -جل وعلا- فهو يملكها وهي تحت تصرفه، وهم ينقلون ما يحتاجه خلقه إلى الله جل وعلا، مثل ما فعل غلاة المتصوفة، حيث قالوا: إن العالم له أقطاب أربعة، فوض الله إليهم رفع حاجات أهل الأرض، فالقطب الفلاني في مصر، والقطب الثاني في الهند، والقطب الثالث في الشمال، والقطب الرابع في الجنوب، يعني: أن هؤلاء فوض الله إليهم أمر رفع الحاجات.
    فنخلص من ذلك: أن من وقع في الشرك فإنه قد يقول: أنا لم أقع في الشرك، وحاشاي أن أشرك، فإذا طلب منه تفسير الشرك لم يعرف تفسيره، وهذه مرتبة العوام، فهؤلاء جوابهم أن يقال: كيف تبرئ نفسك من شيء وأنت لا تعرفه؟ (كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟).
    لا شك أن هذا يدل على عدم رغبة في الخير، بل يدل على عدم معرفة وعلم بما خلق الله -جل وعلا- العباد له، فإنه إذا علم أن الشرك محرم، وأنه لا يغفره الله، وأن أهله مخلدون في النار إن لم يتوبوا، فكيف يقول: أنا لا أعرف هذا الشرك؟
    فهذا إعراض عن الدين؛ كما قال الله جل وعلا: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ}
    فإذاً:كيف لا تسأل عنه؟ كيف لا تتعرفه؟ (أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا؟) وهذا في الحقيقة جواب يصلح للعوام؛ لأن العامي لا يصلح له ما يصلح لمن يجادل ببعض الشبه العلمية.
    فهذا يقول:أنا لا أشرك، فتسأله عن الشرك، فيقول:أنا لا أعرفه.
    فيقال له:كيف تنفي عن نفسك شيئاً وأنت لا تعرفه؟.
    فهذا يكفي في جواب هذا العامي أن يجعلك معلماً له، وكما ذكرنا لك في السابق: إذا استطعت في مجادلة عوام المشركين، في أن تجعلهم في مرتبة أدنى منك، فتكون معلماً بحسن عبارة، في أن تجره إلى أن يعترف على نفسه بالجهل، ثم تنتقل من مناظر إلى معلم، فهذا من أعظم الوسائل للإقناع ولإحداث الخير وإقامة الحجة وبيان المحجة.
    فلا يُنزل العامي منزلة العالم،لا ينزل من هو خال من الحجة أصلاً، جاهل، منزلة من هو عنده شبه، فإذا عاملت هذا معاملة هذا فإنك تخسر، بل ينبغي أن تسلك ما ذكره الشيخ -رحمه الله- هنا في أن تطلب منه تفسير الشيء، فإذا كان عنده علم ناقِشه برد تفسيره، وإذا لم يكن عنده علم؛ فتقول له: كيف تكون على هذه الحال، تنفي عن نفسك شيئاً وأنت واقع فيه، وأنت جاهل بمعناه؟
    فإذاً:تنتقل معه إلى التعليم، لهذا تقول له كما قال الشيخ رحمه الله: (أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا؟)
    فلا شك أنه سيقول: لا، بل إن الله إذا حرم علينا هذا فهو سيبينه لنا، فتبدأ معه في بيان التوحيد، ومعنى (لا إله إلا الله) والشرك، والكفر بالطاغوت، والعبادة، إلى غير ذلك.


    ثم قال - وهي المرتبة الثانية - في أناس من أهل هذه الشبهة، وهم الذين يقولون نحن لسنا مشركين، وحاشانا من ذلك، والالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك، أهل المرتبة الثانية من هذه الطائفة هم الذين يقولون: (الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام).
    تلحظ أن هذه الكلمة مرت معنا في شبهة قبل ذلك، لكنها مرتبة لطائفة ممن يقولون: (الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك) والشيخ -رحمه الله- كرر؛ لأن المقام يحتاج إلى هذا؛ لأن هؤلاء يدخلون تحت مظلة من يقول: (الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك) وأولئك يدخلون تحت مظلة الشفاعة، يعني: طلب الشفاعة من الأموات، وآخرون يدخلون تحت مظلة أخرى.
    إذاً: أصول الشبهات مختلفة،وقد يشترك أهلها في الإيراد في طوائف منهم؛ كما يمر معنا هنا.
    إذاً: فهؤلاء طائفة ثانية، مرتبة ثانية من أهل هذه الشبهة.
    قال الشيخ رحمه الله: (فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام).
    قد يكون لُقن هذه الحجة، فيكون عامياً، وقد يكون عنده شبهة في هذه المسألة، في أن الشرك إنما هو عبادة الأصنام، ولذلك احتاج إلى التفصيل.(فقل: وما معنى عبادة الأصنام؟) تسأله عن معنى عبادة الأصنام.
    إما أن يقول: لا أعرف معنى عبادة الأصنام،وإما أن يقول: عبادة الأصنام كذا وكذا.
    فإن قال: لا أعلم معنى عبادة الأصنام.
    فنقول له: كيف تفسر شيئاً بشيء وتحتج عليه، وأنت لا تعلمه؟
    فإذا سكت فإنك تدلي عليه معنى عبادة الأصنام.
    فإن قال: معنى عبادة الأصنام أنهم يتوجهون إلى هذا الحجر بسؤاله، فهم يعتقدون في الأحجار لأنها أحجار.
    فتقول له مثل ما قال الشيخ هنا: (أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؟).
    فتسأله: هؤلاء الذين عبدوا الأصنام، كيف عبدوها؟وكيف سُمُّو عبدة للأصنام؟.
    فإما أن يقول:لأنهم اعتقدوا فيها الخلق والرزق والإحياء والإماتة.
    فتقول له:هذا يكذبه القرآن، وتسرد له الآيات - مثل ما قال الشيخ - كما في قوله تعالى الآية في يونس: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} يعني: إذا كنتم مقرين بتوحيد الربوبية أفلا تتقون الله في إشراككم معه آلهة أخرى؟ فهذا نوع.
    إذا قال: يعني اعتقدوا فيها أنها تخلق وترزق وتنفع وتضر وتنزل المطر، إلى آخر ذلك.
    فقل:هذا يكذبه القرآن، وتسرد له الأدلة.
    وإن قال:- هذا احتمال ثاني - هو من قصد (خشبة أو حجراً أو بِنْية على قبر أو غيره يدعون ذلك، ويذبحون له) فإنه قد يقول هذا نتيجة لعلم له بحال المشركين، بأنه يقصد الخشبة، يقصد الحجر، يقصد البنية على القبر؛ على أنواع مَن أُشرك بهم في الجاهلية، يدعون ذلك، مثل ما أخبر الله -جل وعلا- في كتابه بقوله: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}.
    فإذاً: صار الشرك في الدعاء؛ لأنه قال: {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ} ثم قال: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} يعني: الشرك في الدعاء.
    فإذا فسره بهذا التفسير، بأنه قَصْد الخشبة أو الحجر أو البنية على قبر، يعني قصد هذه الأشياء، لم يقصد من في القبر، قصد الخشب، قصد الحجر، قصد نفس البناء، يدعون ذلك، ويذبحون له، ويقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى، ويدفع عنا ببركته ويعطينا ببركته.(فقل: صدقت) هذا هو الشرك، وهم ما قصدوا خشبة يدعونها لاعتقاد في الخشبة، بل لاعتقاد في الروح التي تحل في الخشب حين السؤال، فالمشركون يعتقدون أنه إذا سُئلت الخشبة التي هي ممثلة على صورة كوكب من الكواكب المؤثرة في اعتقادهم، أو على صورة ملك، أو على صورة نبي، أو على صورة ولي، أو على صورة صالح، أو على صورة من يعتقدون فيه، فإن هذا الصنم أو الوثن إذا سئل تكلم، وهذا الكلام منه إنما هو من شيطان.
    فهم يعتقدون أنهم إذا خاطبوه ودعوه فإن روحانية هذا الكوكب تتكلم، أو روحانية الملك تتكلم، أو روحانية الولي والنبي تتكلم، حتى ربما إنه ينطق الجني على لسان الميت وهم يعرفون أن هذا هو كلامه، فيقولون: سمعنا من القبر كذا وكذا وكذا، بصوت الولي فلان الذي نعرفه، ويكونون قد صدقوا فيما سمعوا؛ لأنهم سمعوا صوت الولي نفسه، ولكنهم لم يسمعوا الولي نفسه، وإنما سمعوا صوته الذي قلده الشيطان والجني.
    ومعلوم أن شياطين الجن عندها قدرة على التشكل في الصور،وعندها قدرة على التشكل في الأصوات، وعندها قدرة أيضاً على أن تُري الأشياء على غير حقيقتها، وهذا مما أقدرهم الله -جل وعلا- عليه ليحصل الابتلاء وتحصل الفتنة.
    فإبليس - عليه لعنة الله - حصل منه ما حصل من التشكل في صورة رجل وصورة شيخ نجدي عند المشركين، إلى آخره، وفي يوم بدر كذلك، والجن يتشكلون، ربما أتاك جني في صورة آدمي وأنت لا تعلم، ربما تكلم من تكلم بصوت وهو شيطان.
    فإذاً: ما يذكرونه من أنهم حين يسألون الأخشاب أو الأحجار أو الغرف التي على القبور أو المشاهد؛ أو يأتون إلى القبر، وأن هناك من تكلم وقال: سألبي حاجتكم، أو أمرهم بأشياء، فهم صادقون، لكن هذا من الجن، ودخولهم في هذا الأمر إنما هو من جراء الشرك بالله جل وعلا.
    كما قال -سبحانه- في آخر سورة سبأ: {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ}يعني في الحقيقة، مع أنهم إنما دعوا الملائكة {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} لأنهم كانوا يطلبون من الملائكة، فقالت الملائكة: {سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ} يعني: في الحقيقة أنهم كانوا يعبدون الجن؛ لأن الذي تكلم وخاطب هو الجني، وهم تقربوا لمن خاطبهم وهو الجني، ففي الحقيقة العبادة توجهت للجن لا إلى الملائكة؛ كما قال جل وعلا: {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ}.
    وكما قال سبحانه في سورة الأنعام:{وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} جعلوا له شركاء الجن، فالجن اتخذت شركاء وإن لم يعتقدوا ذلك هم أنهم عبدوا الصنم، يعني عبدوا الجن، لكن في الحقيقة هم عبدوا ذلك واتخذوهم شركاء.

    إذاً: فتقول له: صدقت في أنهم قصدوها يدعونها ويذبحون لها ويقولون: إنها تقربنا إلى الله زلفى، ويُدفع عنا ببركتها، ويعطينا الله ببركتها، مثل ما قال بعضهم لبعض الموحدين من نحو أكثر من مائة سنة؛ قابل رجلاً من المشركين فقال له الموحد: كثير من أهل الطائف لا يعرفون الله، إنما يعرفون قبر ابن عباس؛ فأجابه المشرك بقوله: معرفة ابن عباس تكفيه.
    لِمَ؟ لهذا الأمر؛ لأنهم إذا توجهوا إلى ابن عباس بمعنى توجهوا إلى الله -جل وعلا- مثل ما قال هذا القائل.(فقل له: صدقت، وهذا هو فعلكم عند الأحجار والبنايات التي على القبور وغيرها) إذا أتوا إلى البنايات التي على القبور، أكثر القبور الآن التي بنيت عليها بنايات لا يوصل إلى القبر ولا يخلص إليه، وإنما هم يدعون ويعتقدون ويتمسحون ويطلبون بركة هذه البنية، وفي قلبهم مَن في هذا القبر، وقد لا يكون في القبر أحد أصلاً، أو يكون فيه مشرك، أو يكون فيه حيوان ونحو ذلك، يكون قد دفن في هذا واعتقد فيه.
    فإذاً: الذي فعله أولئك الأولون عند الأصنام والأوثان والخشب والحجر والبنا التي على القبور، هو الذي فعله أهل هذه الأزمان عند البنايات التي على القبور.(فقل له صدقت، وهذا هو فعلكم عند الأحجار والبنايات التي على القبور، فهذا أقرّ أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام، وهو المطلوب) وهذه حجة واضحة بينة.
    إن كابر وقال: لسنا معتقدين فيهم الاستقلال، بل نعتقد فيهم الأسباب، مثل ما يقول طائفة، يقولون: نحن لا نعتقد أنهم يعطوننا استقلالاً ولا يغفرون لنا، ولا يشفون مرضانا ولا يدفعون عنا الضر بأنفسهم، وإنما هم أسباب؛ فكما أن الله -جل وعلا- جعل أسباباً تقينا الحر وأسباباً تقينا البرد، وأسباباً تقينا كذا وأسباباً تجلب لنا كذا، فإن الله -جل وعلا- جعل هؤلاء أسباباً.
    فيجاب بما أجبته لك مفصلاً من قبل ومطولاً، فيجاب بأن هذا السبب هو عينه الذي تعلق به المشركون، فإنهم قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} وهذا هو معنى السببية بنفسها، وهذا هو معنى طلب الوساطة وطلب الجاه.(ويقال له أيضاً) وهذه الفئة الثالثة من أهل هذه الشبهة.
    (قولك) واضح التعلق بين هذا القول وبين قوله: الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك؛ لأن الالتجاء معناه عندهم الدعاء، دعاء الصالحين، طلب بركة الصالحين، بسؤالهم، بطلب الشفاعة عندهم، الالتجاء إليهم، بالذبح لهم، مثل ما فسره هنا.
    فإذاً قوله: (الالتجاء) مساو لقوله: (يدعون ذلك ويذبحون له ويقولون إنه يقربنا إلى الله زلفى، ويُدْفع عنا ببركته، ويعطينا ببركته) هذا هو الالتجاء إلى الصالحين، وهذا هو عين ما يفعل عند الأصنام والأوثان والآلهة المختلفة. (ويقال له أيضاً: قولك: الشرك عبادة الأصنام) هذا تتمة لهذا الجواب، لكنه في طائفة ثالثة، فيمن يقول: الشرك مخصوص بعبادة الأصنام.(هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في ذلك؟) فإذا قال: نعم، الشرك مخصوص بعبادة الأصنام.(فهذا يرده ما ذكره الله في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة، أو عيسى، أو الصالحين) وهذا قد قدمناه بوضوح في أن أنواع الشرك عند أهل الجاهلية متنوعة، ليست نوعاً واحداً، فمنها الأصنام وفيها أدلة في القرآن كثيرة، ومنها الأوثان المصورة للأنبياء والأولياء وما شابه ذلك، ومنها الاعتقاد في الأحجار والأشجار المصورة على صور الكواكب، وأشباه ذلك.
    قال: (فهذا يرده ما ذكره الله في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصالحين، فلابد أن يقرّ لك أن من أشرك في عبادة الله أحداً من الصالحين، فهو الشرك المذكور في القرآن، وهذا هو المطلوب) يعني: تقول لهذا الذي قال: الشرك مخصوص بعبادة الأصنام: هل عيسى -عليه السلام- أُشرك به، أم لا؟فإن قال: لا.
    فقل: بل أشرك به؛ كما قال الله -جل وعلا- في القرآن: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} وكذلك كقوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً} والآيات في هذا الباب كثيرة.
    فإذاً: قل له:هل عيسى عُبِدَ - عليه السلام- واتخذ إلهاً أم لا؟
    فإن قال:لا، بين له الآيات.
    وإن قال: نعم، فهو المقصود - أيضاً - وعلى كل من الاحتمالين مع الجواب فإنه يرد هذا تخصيصه الشرك بعبادة الأصنام.
    وهذه الكلمة: (الشرك عبادة الأصنام) تراها في كثير من تفاسير المتأخرين، فقلَّ أن ترى تفسيراً من تفاسير المتأخرين إلا وإذا ذكر الشرك بالله في القرآن وعبادة غير الله فسروها بأنها عبادة الأصنام.
    والمفسرون الأولون؛ كالإمام ابن جرير - رحمه الله تعالى - وكغيره من الأئمة، يفسرون الشرك حيث ورد، وعبادة غير الله بأنواع ما ورد، فيكثر أن يقول ابن جرير رحمه الله تعالى: (نهى الله عن الشرك به ودعوة غيره من الأصنام والأوثان والأنداد) ابن جرير يكثر من هذه الثلاثة؛ الأصنام والأوثان والأنداد؛ لأنها أنواع ما جاء في القرآن.
    قال: (فلابد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحداً من الصالحين فهو الشرك) لأنه إذاً يكون قوله: الشرك مخصوص بعبادة الأصنام، يكون غلطاً.
    فتقول له: إذاً (لابد أن تقر أن من أشرك في عبادة الله أحداً من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن، وهذا هو المطلوب).
    قال رحمه الله: (وسر المسألة أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله.فقل له: وما الشرك بالله؟ فسره لي؟فإن قال: هو عبادة الأصنام.فقل له: وما معنى عبادة الأصنام؟ فسرها لي.فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وحده.فقل: ما معنى عبادة الله وحده؟ فسرها لي.فإن فسرها بما بينه القرآن فهو المطلوب، فإن لم يعرفه فكيف يدعي شيئاً وهو لا يعرفه؟وإن فسر ذلك بغير معناه بينت له الآيات الواضحة).
    يبين لك الشيخ -رحمه الله- أن سر إقامة الحجة وكشف الشبهة في هذه المسألة مبني على هذه المراتب التي ذكر.(سر المسألة) يعني سر مسألة جواب هذه الشبهة أن تقول إذا قال: أنا لا أشرك بالله.
    قل له:وما الشرك بالله؟
    دائماً تسأله: ما هذا الذي نفيته؟
    إن قال:هو عبادة الأصنام.
    فقل:ما عبادة الأصنام؟
    إن قال: أنا لا أعبد إلا الله؟
    فقل: ما عبادة الله وحده؟
    فدائماً تجعله جاهلاً، بمعنى تجره إلى ميدان الجهل، حتى يقول: أنا جاهل.
    فإن قال: أنا جاهل، فتنتقل معه من الحجاج إلى التعليم.
    إن فسرها - هذا نوع ثان من الناس- إن فسرها بما في القرآن لكنه جهل أو اشتبه عليه دخول المعاصرين وعبادة غير الله في هذه الأزمنة بما جاء في القرآن، ففسرها بما في القرآن، فتقول: هذا هو المطلوب، فتبين له وجه الشبه.
    إن فسر ذلك- هذه الحال الثالثة، وهذه خاصة بأهل العلم ومن يدلون الشبه من المنتسبين إلى العلم وعلمهم غير نافع - إن فسر ذلك بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله، إن فسَّر الشرك بغير معناه الصحيح تذكر له الآيات الواضحة في معنى الشرك، وأن الشرك يكون بأنواع؛ كما جاء في القرآن؛ وكما بينه الشيخ -رحمه الله- في (كتاب التوحيد).
    بين له معنى عبادة الأوثان، فإذا بينت له ذلك يتضح أنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرونها علينا، ويصيحون فيه كما صاح إخوانهم، حيث قالوا:{أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}.

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    كشف الشبهة التاسعة وهي زعمهم أن المشركين إنما كفروا لأنهم قالوا: إن الملائكة بنات الله...

    قال الامام محمد بن عبد الوهاب فى رسالة كشف الشبهات

    فَإِنْ قَالَ:
    إِنَّهُمْ لَمْ يَكْفُروا بِدُعَاءِ المَلائِكَةِ وَالأنْبِياءِ، وَإنَّمَا كَفَروا لَمَّا قَالُوا: (المَلائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ) وَنَحْنُ لَمْ نَقُلْ: إِنَّ عَبْدَ القَادِرِ وَلا غَيرَهُ ابنُ اللهِ.
    فَالجَوابُ:
    أَنَّ نِسْبَةَ الوَلَدِ إِلَى اللهِ تَعَالى كُفرٌ مُسْتَقِلٌّ؛ قَالَ اللهُ تَعالَى: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1) اللهُ الصَّمَدُ}[الإخلاص: 1-2]وَالأَحَدُ: الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ، وَالصَّمَدُ: المَقْصُودُ فِي الحَوائِجِ، فَمَنْ جَحَدَ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ، وَلَوْ لَمْ يَجْحَدْ آخِرَ السُّورَةِ.
    ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}[الإخلاص: 3]، فَمَنْ جَحَدَ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ، وَلَوْ لَمْ يَجْحَدْ أَوَّلَ السُّورَةِ.
    وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ} الآيةَ [المؤمنون: 91]، فَفَرَّقَ بَيْنَ النَّوعَيْنِ، وَجَعَلَ كُلاًّ مِنْهُمَا كُفْراً مُسْتَقِلاًّ.
    وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ} الآيةَ [الأنعام: 100]، فَفَرَّقَ بَيْنَ الكُفْرَيْنِ.

    وَالدَّلِيلُ عَلى هَذَا أَيْضاً:
    أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِدُعَاءِ اللاَّتِّ - مَعَ كَونِهِ رَجُلاً صَالِحاً - لَمْ يَجْعَلُوهُ ابنَ اللهِ، وَالَّذينَ كَفَروا بِعِبَادَةِ الجِنِّ لَمْ يَجْعَلُوهُمْ كَذَلِكَ.
    وَكَذَلكَ الْعُلَمَاءُ - أَيْضاً - فِي جَميعِ المَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ يَذْكُرُونَ فِي بَابِ حُكْمِ المُرْتَدِّ أَنَّ المُسْلِمَ إِذَا زَعَمَ أَنَّ للهِ وَلَداً فَهُوَ مُرْتَدٌّ، وَإِنْ أَشْرَكَ بِاللهِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ، فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الوُضُوحِ.


  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    قال الشيخ صالح آل الشيخ
    الشبهة التاسعة:
    [قال: (فإن قال: إنهم لا يكفرون بدعاء الملائكة والأنبياء، وإنما يكفرون لما قالوا: الملائكة بنات الله فإنا لم نقل: عبد القادر ابن الله ولا غيره) ]قال -رحمه الله- بعد ذلك: (فإن قال) هذا دخول في شبهة جديدة.(فإن قال) يعني: نوع من موردي الشبه (إنهم لا يكفرون بدعاء الملائكة والأنبياء) هذا نوع من الناس يقول: لا، كفرهم كان بشيء آخر، ليس بالشرك بالله ولا بالتوجه إلى الصالحين ولا التوجه للأنبياء، وهذه الأمور جائزة، لكن كفرهم كان بشيء آخر، ما هذا الشيء؟
    قال: (وإنما يكفرون لما قالوا: الملائكة بنات الله، فإنا لم نقل عبد القادر ابن الله ولا غيره) وهذه كثيراً ما يوردها الصوفية في أن الأولين كفروا باعتقادهم أن الملائكة بنات الله جل وعلا، وهذا الاعتقاد مبين في القرآن في سور كثيرة؛ كسورة النحل، وسورة الصافات، وسورة الزخرف، وغيرذلك من السور.
    يقول: (لم نقل عبد القادر) يعني: الجيلاني وهو معظم ومؤلَّه في العراق، وفي الباكستان، والهند، وفي غيرها أيضاً.
    إن قال:أنا لم أعتقد في عبد القادر أنه ابن لله، ولا في النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه ابن لله، ولا في عيسى أنه ابن لله، ولا في كذا أنه ابن لله، ولا في البدوي أنه ابن لله، ولا في علي -رضي الله عنه- أنه ابن لله، إلى آخر ذلك، وهؤلاء إنما كفروا في أن الملائكة بنات الله، يعني اعتقاد البنوة مثل ما قال البوصيري في قصيدته الميمية المعروفة قال:


    دع ما ادعته النصارى في نبيهِمِ = واحكم بما شئت فيه واحتكمِ

    أو كما قال.
    وقال أيضاً: لو ناسبت قدره يعني: النبي صلى الله عليه وسلم:


    لو ناسبت قَدْرَه آياته عظـما = أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم

    فيقول:قل ما شئت في النبي -صلى الله عليه وسلم- من وصفه بما شئت، إلا في شيء واحد، وهو أن لا تقول كما قالت النصارى في عيسى إنه ابن الله جل وعلا، ويفهمون هذا على الحديث الذي رواه البخاري وغيره، في قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، وإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله)).قالوا: فمعنى الحديث: أنه لا تبلغوا بي مبلغ النصارى في قولهم إن عيسى ابن الله، وما هو غير ذلك فجائز لكم، هكذا يفهمونه، وهذه حجة طائفة كثيرة من غلاة الصوفية، وأصحاب الطرق، في قولهم: إن المحرم والشرك هو ادعاء البنوة، أما غير ذلك فليس من الشرك بالله، كما قال:

    دع ما ادعته النصارى في نبيهِمِ = واحكم بما شئت فيه واحتكمِ


    أو كما قال.قال: (فالجواب) هذا جواب هذه الشبهة.(أن نسبة الولد إلى الله كفر مستقل) بين أن نسبة الولد إلى الله كفر، لكنها ليست كل الكفر، فقال جل وعلا: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}.
    و(الأحد) الذي لا نظير له {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}(أحد) يعني: لا نظير له في ذاته، ولا نظير له في أسمائه، ولا نظير له في صفاته جل وعلا، واحد في ألوهيته لا شريك له، واحد في ربوبيته لا شريك له، واحد في أسمائه وصفاته، لا سمي له.
    {اللَّهُ الصَّمَدُ}والصمد: المقصود في الحوائج.(فمن جحد هذا كفر، ولو لم يجحد السورة)
    دلت الآية على نوعين:
    النوع الأول:هو من لم يجعل الله واحداً، وجعله اثنين؛ كاعتقاد طائفة من النصارى، أو اعتقده ثلاثة؛ كاعتقاد طائفة أخرى أيضاً من النصارى وغيرهم.
    فقوله جل وعلا: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} هذا فيه رد على من اعتقد البنوة.
    -وقوله:{اللَّهُ الصَّمَدُ} رد على من اعتقد أنه يُصْمد في الحوائج إلى غيره.
    فإذاً: سورة الإخلاص دلت على كفر نوعين من الناس:
    -وهم: من لم يجعل الله مختصاً بالأَحَدية.
    -ومن لم يجعل الله مختصاً بالصمدية.
    والصمد:هو الذي يُصمد إليه في الحوائج، يعني: يقصد وحده دون ما سواه.
    قال: (فمن جحد هذا فقد كفر ولو لم يجحد السورة) هذا برهان على أن الشرك في القرآن، وأن المشركين - مشركي العرب وغيرهم - ليسوا معتقدين في البُنُوَّة وحدها؛ بل معتقدين في البنوة، ومعتقدين أيضاً في الشريك مع الله -جل وعلا- في العبادة.(وقال تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ}) قال الشيخ رحمه الله: (ففرق بين النوعين وجعل كلاً منهما كفراً مستقلاً) وهذا استدلال واضح قوي، إذ قال الله جل وعلا: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ} يعني: قبل أن يخلق الخلق، ولا بعد أن خلق الخلق، ولو اتخذ الرحمن ولداً لعبدنا ذلك الولد طاعة لله -جل وعلا- وامتثالاً لأمره؛ كما قال -سبحانه- في سورة الزخرف:{قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} على الصحيح في تفسيرها أنها على ظاهرها، يعني: أنا أول من يعبد هذا الولد لو اتخذه الرحمن، امتثالاً لأمر الله وطاعة له جل وعلا.
    والواقع أن هذا لا يكون ولا يمكن، إذ الله -جل وعلا- ما اتخذ مما يخلق بنات، ولم يتخذ سبحانه ولداً؛ لأنه لم يلد ولم يولد، ولو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء؛ لتنزهه -سبحانه وتعالى- عن الولادة بدءاً وأصلاً وفرعاً.فإذاً: قوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ} هذا نفي للولادة ولاتخاذ الولد.قال: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} وهذا نفي لنوع آخر، وكما هو مقرر في العربية والأصول: أن واو العطف هذه تفيد التغاير، تغاير الذات وتغاير الصفات، فتغاير الذات، كما تقول: دخل محمد وخالد، فذات محمد غير ذات خالد، وتغاير الصفات، كما في قوله جل وعلا: {تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} فهنا القرآن هو الكتاب، ولكن الواو دلت على تغاير الصفة فهو كتاب وهو قرآن.
    فقوله -جل وعلا- هنا: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} كما قال الشيخ: (فرق بين النوعين) ودلت الواو على تغاير ذات (الإله) عن ذات الولد باعتبار اعتقاد المشركين، وعلى تغاير صفة (الإله) عن صفة الولد؛ وهذا هو الواقع في اعتقادهم، فإنهم إذا توجهوا للولد إنما يتوجهون إلى الله؛ كما يقول النصارى: أب وابن وروح القدس إله واحد، يجعلون الإله واحد له ثلاثة أقانيم، أو كما يقول طائفة أخرى من النصارى: إنه أب وابن، فيجعلونه أقنومين فقط، فهذا توجه لشيء واحد باختلاف الأقانيم، وهذا داخل في الولادة، حيث قال جل وعلا: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ} الشيء الثاني: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ}. فالآلهة:في الواقع هذه مغايرة في الذات للولد، ومغايرة في الصفات، لا يقال: إن الولد متَّخَذ إلهاً؛ لأن قول العلماء: مغايرة في الذات يصدق عليه اختلاف الجمع والمفرد والعام والخاص، فإذا عطف عام على خاص فيعتبر عندهم تغايراً في الذات، مثل ما قال جل وعلا: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} فعطف جبريل وميكال على الملائكة، وهذا تغاير في الذات؛ لأن الثاني بعض الأول، فالعام إذا جاء بعده خاص يعتبر تغايراً في الذوات {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}هذا تغاير في الصفات.
    المقصود:أن استدلال الشيخ في محله، بل حجة واضحة، حيث قال: (ففرق بين النوعين وجعل كلاً منهما كفراً مستقلاً)
    (وقال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ}) {وَخَلَقَهُمْ} يعني: مع خلقه لهم جعلوا له شركاء الجن.
    {وَخَرَقُوا لَهُ} وفي القراءة الأخرى: {وَخَرَّقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ}.(ففرق بين كفرين) فجعل الشرك بالجن هذا نوع، وجعل خرق البنين والبنات له سبحانه نوعاً آخر.
    قال: (ففرق بين كفرين).
    (والدليل على هذا أيضاً: أن الذين كفروا بدعاء اللات) إلى آخره.
    المقصود من هذه الأدلة:أن قول القائل: ما كفرت العرب ولا النصارى ولا اليهود، إلى آخره، إلا باعتقاد البنوة، فهذا الكلام باطل، وهذه الشبهة مردودة على أصحابها بالأدلة التي ذكر.
    وتوسع الشيخ -رحمه الله- فقال: (والدليل على هذا أيضاً: أن الذين كفروا بدعاء اللات مع كونه رجلاً صالحاً لم يجعلوه ابناً لله، والذين كفروا بعبادة الجن لم يجعلوهم كذلك، وكذلك أيضاً العلماء في جميع المذاهب الأربعة، يذكرون في باب حكم المرتد: أن المسلم إذا زعم أن لله ولداً فهو مرتد، ويفرقون بين النوعين، وهذا في غاية الوضوح)
    الأمة مجمعة والفقهاء والأئمة مجمعون على أن الردة ليست مخصوصة باعتقاد الولد لله جل وعلا، فدل هذا على بطلان هذه الشبهة، وهذا إيراد أو استدلال واضح بين والحمد لله؛ كما قال الشيخ في آخره: (وهذا في غاية الوضوح).وأكرر في أنَّ الانتفاع بما نذكر يعظم عندما تعرف (كتاب التوحيد) وشرحه، وخاصة ما ذكرناه من الأدلة وأوجه الاستدلال في شرحي على (كتاب التوحيد) لأن فهم (كشف الشبهات) مبني على فهم (كتاب التوحيد) لأنك إذا قلت: ما معنى عبادة الأصنام؟ الشفاعة؟ كل هذه تفصيلها هناك، وليس تفصيلها في هذا الكتاب.المغايرة:الواو تقتضي في اللغة مطلق الجمع والمغايرة، وإذا قلنا: مطلق الجمع فالمراد بلا ترتيب في الزمان ولا في المكان ولا في الفضل، وتفيد أيضاً المغايرة، والمغايرة تعني: أن ما بعد الواو غير ما قبل الواو، وقد يكون ما بعد الواو - يعني المعطوف - والمعطوف عليه - ما قبل الواو - قد يكون هذا وهذا من الذوات.
    - فإذاً: الثاني غير الأول،مثل ما مثلت لكم، دخل محمد وخالد{مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ} كل شيء مختلف عن الثاني، هذا تغاير في الذوات.
    الثاني:التغاير في الصفات.وذكرت لك أن التغاير في الذوات لا يَسقط بأن يكون الأول بعض الثاني، ولا أن يكون الثاني بعض الأول، يعني: إذا جاء عام بعد خاص معطوفاً بالواو فيصدق عليه أنه تغاير ذوات؛ لأن الذات الثانية أعظم وأكثر من الذات الأولى في عطف العام على الخاص، أو الأولى أكثر ذواتاً من الثانية.فإذاً: تغايرٌ في الذوات، يعني: هذا ليس هو هذا من جهة الذات.
    والثاني:تغاير في الصفات، والتغاير في الصفات يكون في المعاني، مثل ما ذكرت لكم {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}الإيمان والعمل الصالح ليس ذاتاً وإنما هو معنى، أليس كذلك؟ الإيمان هل هو ذات ترى؟ العمل الصالح ذات ترى؟ ليس عيناً ولا ذاتاً وإنما هو معنى.
    فإذاً: العطف بالواو بين المعاني يدل على تغاير الصفات،يكون الأول غير الثاني من جهة الصفة، ولهذا نقول: إنه إذا قيل: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} على تعريف أهل السنة للإيمان ودخول العمل في مسماه، هذا يُفهم من وجهين:
    الأول: أن العمل خاص بعد عام، فالإيمان عام والعمل خاص، فحصل تغاير في الصفة من جهة الشمول.
    والثاني: أن الإيمان إذا قرن به العمل الصالح، فيُعنى بالإيمان: التصديق الجازم بالأشياء، والعمل الصالح هو العمل، فهذا يغاير ذاك في الحيثية.
    والثاني اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}{إ ِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} يُعنى: بالإيمان الأصل اللغوي ومعناه، وهو أيضاً الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، إلى آخره، يعني: ما هو قسيم للإسلام، الإسلام العمل الظاهر، الإيمان الاعتقاد الباطن، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}تغاير في الصفة إذ الأول يدل على العمل الباطن، والثاني يدل على العمل الظاهر، مثل قوله جل وعلا: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ}.
    بعض المعاصرين الجهلة قال:هذا يدل على أن القرآن غير الكتاب؛ لأن الواو تقتضي المغايرة، فالقرآن شيء والكتاب شيء، والقرآن هو مالا يقبل التغيير، وأما الكتاب فيقبل التغيير، في مؤلف ألفه، باطل معروف، هذا ناتج من الجهل باللغة، فقوله: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ}{تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} في سورتين، هذا يدل - العطف بالواو ـ على تغاير صفة الكتاب عن صفة القرآن، لا على تغاير القرآن عن الكتاب.
    والصفة التي حصل بها التغاير:أن القرآن فيه صفة القراءة، والكتاب فيه صفة الكتابة، فإذاً هذا دليل على أنه مكتوب وأنه سيقرأ حيث كان مكتوباً، وهذا البحث يُبحث في الأصول وأيضاً في النحو وفي كتب حروف المعاني، والبحث معروف، ومهم؛ لأن فهم الاستدلال مبني عليه.
    الآية في قوله جل وعلا: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} ما وجه المغايرة في الصفات؟
    الجواب: أن الإلهية غير صفة اتخاذ الولد {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} فالاتخاذ - اتخاذ الولد - شيء غير كون إله معه، فاتخاذ الولد من الله، كما يقول أولئك: اتخذ الله عيسى ولداً، أو اتخذ الله العزير ولداً، فإذا جعلوا عيسى ولداً ليس بدعواهم ولكن باتخاذ الله له، وأما وجود الإله {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} فهذا وجود لإلهٍ حق مع الله جل وعلا، فمِن هذه الجهة كان غير متخذ، فالأولى فيها الاتخاذ والثانية فيها وجود الإله، فهذا كفر وهذا كفر.

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    كشف الشبهة العاشرة وهي احتجاجهم بقول الله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم} على جواز دعائهم

    قال الامام محمد بن عبد الوهاب فى رسالة كشف الشبهات

    وَإِنْ قَالَ:
    {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}[يونس: 62].
    فَقُلْ: هَذَا هُوَ الحَقُّ، وَلَكِنْ لا يُعْبَدُونَ، وَنَحْنُ لا نُنْكِرُ إِلاَّ عِبَادَتَهُمْ مَعَ اللهِ، وَإِشْرَاكَهُمْ مَعَهُ، وَإِلاَّ فَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ حُبُّهُمْ وَاتِّبَاعُهُمْ وَالإِقْرَارُ بِكَرَامَاتِهِم ْ، وَلا يَجْحَدُ كَرَامَاتِ الأَوْلِياءِ إِلاَّ أَهْلُ البِدَعِ وَالضَّلالاتِ، وَدِينُ اللهِ وَسَطٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، وَهُدىً بَيْنَ ضَلالَتَيْنِ، وَحَقٌّ بَيْنَ بَاطِلَيْنِ.


  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    قال الشيخ صالح آل الشيخ
    [(وإن قال: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} فقل هذا هو الحق،...) ]
    ذكر الإمام رحمه الله تعالى مسألة جديدة، يوردها المشركون، ويُلقَّنها من يُلقَّنها من عوام المشركين، ومن المتعلمين عندهم، وهذه المسألة: هي مسألة كرامات الأولياء، فإن عُبَّاد الأموات، وعباد غير الله -جل وعلا- في الأعصر المتأخرة يُروِّجون كرامات الأولياء ليدلّوا الناس بذلك على أن هذا الولي الذي صار له من الكرامات كذا وكذا، أنه يستحق أن يدعى، وأن يستشفع به، وأن يستنصر به، وأن يستعاذ به، وأن يتوكل عليه، إلى آخر أنواع العبادة.فجعلوا حصول الكرامات ورؤية من رأى هذه الكرامات، والإقرار بذلك، وأن أهل السنة يقرون بكرامات الأولياء، جعلوا ذلك سلماً لدعوة الناس لعبادة غير الله جل وعلا، وهذه حجة كثيراً ما يرددها الخرافيون؛ فينبغي لأهل التوحيد وللدعاة إليه أن يقفوا عند هذه الشبهة كثيراً، وهذا الوقوف بينه الشيخ -رحمه الله تعالى- أتم بيان، فقال: (وإن قال: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} فقل: هذا هو الحق، ولكن لا يُعبدون) يعني: أن قوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} رُتِّب آخره على أوله فجعل الأولياء لهم كرامة، وهذه الكرامة هي أنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.فالولي - ولي الله جل وعلا - الذي حقق الولاية بالإيمان والتقوى لا خوف عليه ولا يحزن، وهذا ظاهر الآية، ودل ذلك على أن هؤلاء لهم منزلة خاصة عند أهل الإيمان بل عند الله جل وعلا، وهذه المنزلة إنما هي لأجل إيمانهم ولأجل تقواهم، لهذا قال بعدها في وصف الأولياء: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}.ففي الآية التي ساقها الشيخ ذِكْر الأولياء، وذكْر أنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وهذه يحتج بها كل من يعبد غير الله جل وعلا، ويحتجون بها على أن الولي له ما ليس لغيره، فماذا يصنع الموحد لجواب هذه الشبهة؟
    قد ينساق إلى أن يقول: إن هذا الذي تقول إنه ولي ليس بولي أصلاً، وهذا يجعل الموحد في زاوية ضيقة، ويحرج نفسه كثيراً؛ لأنه يخرج عن ميدان الحجة إلى ميدانٍ الحجةُ فيه متوهمة.
    فميدان الحجة:أن الولي يَعبد ولا يُعبد، وهو من جهة غيرته يخطئ، فيقول: هذا أصلاً ليس بولي، فمثلاً لو ناقش أحداً عن عبادة البدوي وما يحصل عند قبره من الاستغاثة بغير الله ومن النذور للبدوي، ومن الاستعانة به، ومن طلب كشفه للضر، وأشباه ذلك، لو جاء وناقش من يقول: هذا ولي، والله -جل وعلا- يقول: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}.قد يبتدئ بعض أهل التوحيد فيقول: من قال لك أن هذا ولي، فتنصرف الحجة إلى مسألة يصعب معها الإثبات أو النفي، فيكون ذاك يستدل بما يورده أصحاب الكرامات أنه كان له كذا وكذا وكذا، ونذهب عن أصل المسألة وهي أنه لا يُعبد، سواء كان ولياً أو غير ولي، إلى هل هو ولي أم لا؟
    وبعض الموحدين في بعض الأقطار الإسلامية يسلكون هذه الطريقة، وهي غلط،وليست على طريقة أهل العلم وأئمة الدعوة رحمهم الله، وليس كذلك أيضاً ما جاء في القرآن من تقرير التوحيد ومناقشة المشركين في آلهتهم، فإن الذي في القرآن أن الآلهة التي عُبدت أنها لا تستحق العبادة، قال جل وعلا: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} إلى آخره.بين أنها لا تستحق العبادة، وكذلك فيما هو غير ذلك من عبادة من يُعبد، بين أنه لا يستحق العبادة، أما الكلام في ذاته وأحواله فهذا ليس من الدعوة الحقة بل يُترك هذا؛ لأن الغرض هو تقرير التوحيد.
    فإذا قال لك: (هذا ولي من أولياء الله) فلو كان عندك ليس بولي بل نقل عنه العلماء ونُقل في التراجم أنه كان يترك الصلاة، وأنه كان يقول كلمات كفرية، أو لم يكن صالحاً، أو كان كافراً إلى آخره، فلا تذهب إلى هذا؛ لأن مصير هذا الرجل عند الله جل وعلا، ولكن اذهب إلى الحق المطلق وهو أن الولي يَعبد ولا يُعبد، وأن الكرامات التي أعطيها الولي له وليست لغيره، وهذا هو الذي بينه الإمام -رحمه الله- هنا.
    فقال: (فقل هذا هو الحق) يعني: أن الأولياء لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.(ولكن لا يعبدون) يعني: أن الأولياء في الآية لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأنهم الذين آمنوا وكانوا يتقون، وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لم يذكر أنهم يُعبدون، بل في آيات أخر بين أن من اتخذ ولياً من دون الله فقد ضل وخسر خسراناً مبيناً؛ كما قال جل وعلا: {قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم ْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا} وكقوله جل وعلا: {وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً} يعني: أن المردَّ ليس هو إلى كونه ولياً أو غير ولي، المردُّ أن العبادة لله -جل وعلا- وحده.
    قال سبحانه: {قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم ْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ}فهذه الآية قد تنفع أهل التوحيد في الاحتجاج على أهل الشرك في أن الله -جل وعلا- ذكر أن الأولياء لا يُتخذون من دونه {قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم ْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} يعني: فيكون {مِنْ دُونِهِ} يعني: من دونه في العبادة أولياء فجعلتم الأولياء معبودين، وهذا وإن كان ليس هو من تفسيرها الصحيح ولكنها حجة في رد الاحتجاج بلفظ الأولياء على العبادة، وإلا فمن المعلوم أن قوله تعالى: {قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم ْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} لا يقصد به فلان الولي وإنما يقصد به الوَلاية يعني النصرة والمودة وأشباه ذلك، لكن هذه الآية وأشباهها في القرآن يحتج بها على إبطال التعلق بلفظ الأولياء.
    والشيخ رحمه الله هنا قال: (فقل هذا هو الحق، ولكن لا يعبدون) يعني: أن الآية دلت على أن هؤلاء الأولياء لهم الكرامة، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكن ليس في الآية أنهم يُعبدون ولا أنهم يستغاث بهم، ولا أنهم يدعون من دون الله جل وعلا.
    قال بعد ذلك: (ونحن لم نذكر إلا عبادتهم مع الله وشركهم معه) جل وعلا.يعني: أننا لم نتكلم معك في أن هذا ليس بولي، وليس بصالح، وليس له كرامات، بل له كرامات وهو ولي وهو كذا وكذا، لكن ليس معبوداً مع الله جل وعلا.ونحن لم نناقشك في شأنه بل شأنه وكرامته إن حصلت له - والأمر غيـبي - فهو عند الله جل وعلا، ولا يُدرى بماذا خُتم له؟ لكن إن كان مات على الولاية فهو عند الله -جل وعلا- له مقام الأولياء، ونحن لم نتكلم معك في شأن وَلايته هل هو ولي أو ليس بولي؟ إنما الكلام في أنه هل يستحق أن يعبد، هل هو يشرك به مع الله بهذه الأفعال التي تفعلونها أم لا؟فهذا يجعل الموحد منصفاً ويجعله صاحب برهان جيد وواضح، ويجعله أيضاً حاذقاً بألاَّ يجره الخصم إلى ميدان معركة يصرفه فيها عن الحق.مثل مرة أتاني بعض الإخوة وقال: هناك رجل من بعض البلاد الأفريقية يريد أن يبحث بعض الأمور، وأنا ذكرت له أن يأتيك، فجاءني وذكرت له بعض المسائل في التوحيد وتعريف التوحيد، والعبادة وكلام أهل العلم في الشرك، إلى آخره بكلام مطول.فقال: الذي كرَّه الذين يدعون إلى التوحيد في بلادنا، هو أنهم ينشرون في الناس أن هؤلاء الذين يتعلقون بهم أنهم ليسوا بصالحين، وليسوا بأولياء بل هؤلاء الأموات منهم المشرك ومنهم الكافر ومنهم الذي كان يفعل كذا ويفعل الموبقات، فينشرون أشياء عنهم لا يمكن أن نقبل حمية لهم ولهؤلاء الأولياء لا نقبل أن يتكلم أحد فيهم، فأخذتنا الحمية لهم عن سماع ما عند هؤلاء من الكلام في التوحيد.

    وهذه في الحقيقة أفادت كثيراً مع أنها واضحة في (كشف الشبهات) لكن أفادت من حيث التطبيق، فإن الذي ينبغي على طالب العلم أن يكون صبوراً في دعوته، وألا يستجره الخصوم إلى ميدان ليس هو ميدان الدعوة، بل يركز على الأصل الذي دعا الناس إليه.أما الكلام في فلان وهل هذا كان ولياً أو ليس بولي، صالح أوليس بصالح ليس الكلام في هذا، أولياء الله -جل وعلا- عندنا لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولهم الكرامات، ولكن الكلام أنه هل يجعل الولي معبوداً مع الله؟ هل يدعى الولي؟ هل يستغاث بالولي؟ هل يذبح للولي؟وإلا فلا شك أن الولي له المقام عند الله -جل وعلا- إذا ختم له بخير.وهذا يجعل الموحد يحتج بحجة واضحة ولا ينساق بعاطفته إلى إثبات شيء أو إبطاله لا صلة له بمحض الحق، أو ربما يكون هذا متأخراً من حيث الاحتجاج.
    قال: (فقل هذا هو الحق ولكن لا يعبدون ونحن لم نذكر إلا عبادتهم مع الله وشركهم معه).وهنا لو قال: كيف أُشرك بهم؟ هل عُبدوا؟ لم يُعبدوا، ترجع إلى المسائل التي مرت في الدرس الماضي بتفصيلاتها.
    قال: (وإلا فالواجب عليك حبهم واتباعهم والإقرار بكراماتهم) الواجب علينا جميعاً حب أولياء الله -جل وعلا- إجمالاً وتفصيلاً، فيمن علمنا أنه من أهل الإيمان والتقوى، واتباعهم على ما هم عليه من العمل، ولأنهم لم يكونوا أولياء إلا باتباع محمد عليه الصلاة والسلام، فلهذا نتبعهم فيما به صاروا أولياء، فنحب نبينا عليه الصلاة والسلام، ونتبع سنته، ونحكم ما جاء فيها على مرادات القلب وعلى الظاهر وعلى المقامات والأحوال التي تعرض.(والإقرار بكراماتهم) يعني: الواجب أن نقر بكرامات الأولياء؛ لأنه لا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال.
    وذكرنا لك في الكلام على (الواسطية) معنى كرامات الأولياء، ومن هو الولي؟، وما شروط الولاية؟ ومذهب أهل السنة في كرامات الأولياء، والمذاهب في ذلك.فقول الشيخ رحمه الله: (ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال).يعني بهم الخوارج والمعتزلة، فإنهم الذين ينكرون كرامات الأولياء، كما سبق.
    قال: (ودين الله وسط بين طرفين) هذا بعامة، دين الله وسط بين الغالي والجاف، الإسلام وسط ما بين غلو النصارى وما بين جفاء اليهود، وأهل السنة وسط ما بين الفرق، ما بين الخوارج والمرجئة، وما بين المجسمة والمعطلة، وما بين الطوائف المختلفة في هذا الباب، في الإيمان وفي أسماء الله -جل وعلا- وصفاته، وفي الأسماء والأحكام، وفي الصحابة، وفي أمهات المؤمنين وفي الفتن، إلى آخره، أهل السنة أيضاً وسط؛ لأن دين الله جل وعلا وسط.قال: (وهدى بين ضلالتين وحق بين باطلين) أشار بذلك إلى أن مسألة الأولياء منهم من غلا فيها فجعل الولي ينازع الله في الألوهية أو له نصيب من الألوهية، كقول غلاة الصوفية والباطنية وطوائف جعلوا الولي له شيء من خصائص الألوهية، بل جعلوا الولي يفوض إليه شيء من الربوبية والعياذ بالله، فهذا الجهة الغالية.والجهة الجافية كالخوارج والمعتزلة الذين أنكروا كرامات الأولياء، وذكرنا لكم أنهم أنكروا كرامات الأولياء حتى لا تشتبه حجج الأنبياء والآيات والبراهين والمعجزات التي أعطيها الأنبياء بكرامات الأولياء.


    -أهل السنة يقرون بأن الأولياء لهم كرامات.


    - وأنهم مُكرَّمون عند الله.
    - وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، كما أخبر الله -جل وعلا- بذلك عنهم، لكن لا نغلو في ذلك فنجعل لهم صفات ليست في البشر، ولا نجفوا عنهم وننكر كراماتهم، بل نحن وسط بين الجافين والغالين.فهم يَعبدون ولا يُعبدون، ويُرزقون ولا يرَزقون،ويدعونه جل وعلا رغباً ورهباً وكانوا له -جل وعلا- خاشعين، ويدعون الناس إلى محبته جل وعلا، وإلى توحيده، وإلى نصرته، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن نفسه أن أصحابه وقعوا مرة في دمشق ومرة في خارجها في شدة فظهر لهم الشيطان في صورة شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: أتحتاجون شيئاً ؟ أأنصركم؟ فمنهم من طلب منه، فلما ذكروا ذلك لشيخ الإسلام ظن بعضهم أنه كان في دمشق وأنه جاءهم فقال: لا، أنا لم أبرح مكاني وهذا شيطان عرض لكم ليوقعكم في الشرك.وإذا تأملت إلى سيرة الأولياء الصالحين من الصحابة فمن بعدهم ومن آل البيت وجدتهم جميعاً ينكرون الشرك بالله جل وعلا، ويأمرون أتباعهم بالإخلاص - إخلاص الدين- لله، واتباع السنة، وعدم مخالفة الكتاب والسنة، والرغب فيما عند الله وحده، وأن لا يعظم البشر كتعظيم الله -جل وعلا- التعظيم الذي لا يجوز له.فمن جمع كلام الأولياء في التوحيد وجد أنهم أقاموا الحجة على من اقتدى بهم أو من اتبعهم.
    ومعلوم أن الفرق الصوفية والطرق المختلفة بَنَت كل طريقة على أقوال شيخ لها اعتقدوه ولياً، فأخذوا كلامه، فيناسب الموحد في البلد الذي يكون فيها طائفة من هذه الطوائف الصوفية أو الطريقة أن يجمع كلمات هذا في مؤلف وينشرها بينهم؛ لتكون حجة على من أخذ بطريقة هذا الشيخ، فمثلاً: في البلاد التي فيها عبد القادر الجيلاني، عبد القادر له كتب طيبة، (الغُنية) وغيرها و(الفتوحات) كتب فيها التوحيد وفيها الأمر بعبادة الله وحده، فلو استخرجت لكان في ذلك حجة على أقوامهم.شيخ الإسلام ابن تيمية هو الذي لفت النظر إلى هذه الطريقة حيث كتب (الرسالة السُّنية) المعروفة المسماة (بالوصية الكبرى لأتباع عدي بن مسافر)وعدي بن مسافر يغلو أصحابه فيه، وطائفته يقال لهم: العدوية في الشام، كذلك نقل عن أحمد الرفاعي كلمات في الأمر بالسنة والنهي عن البدع والنهي عن الشرك.فيحسن أن تكون طريقة الداعية في البلد أن يجمع كلام هؤلاء الأولياء - إذا كانوا بحق أولياء - ويقول للناس: هذا كلام الأولياء في التوحيد، فهذا فيه حجة في هذه المسألة، ويعطي الحقيقةَ المخالف أننا نحب أولياء الله بعامة، وأننا نتولاهم ولا نرد كل ما يقولون، وإنما نرد ما خالفوا فيه الحق فقط.

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    كشف الشبهة الحادية عشرة وهي احتجاجهم بأنهم يصلون ويصومون ولا ينكرون البعث ولا يكذبون الرسل...

    قال الامام محمد بن عبد الوهاب فى رسالة كشف الشبهات
    إِذَا تَحَقَّقْتَ أَنَّ الَّذينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَحُّ عُقُولاً، وَأَخَفُّ شِرْكاً مِنْ هَؤُلاءِ، فَاعْلَمْ أَنَّ لِهَؤُلاءِ شُبْهةً يُورِدُونَها على ما ذَكَرْنا وَهِيَ مِنْ أعْظَمِ شُبَهِهِمْ، فَأَصْغِ سَمْعَكَ لِجَوابِهَا.
    وَهِيَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ:
    (إِنَّ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِم القُرْآنُ لا يَشْهَدونَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، ويُكَذِّبُونَ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيُنْكِرونَ البَعْثَ، وَيُكَذِّبُونَ القُرْآنَ وَيَجْعَلُونَهُ سِحْراً، وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَنُصَدِّقُ القُرْآنَ، وَنُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ، وَنُصَلِّي وَنَصُومُ، فَكَيْفَ تَجْعَلونَنا مِثْلَ أُولَئِكَ؟).

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ
    (إِذَا تَحَقَّقْتَ) مِمَّا تَقَدَّمَ (أَنَّ الَّذِينَ قَاتَلَهُم رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَحُّ عُقُولاً وَأَخَفُّ شِرْكًا مِنْ هَؤُلاَءِ) يَعْنِي: مِن شِرْكِ مُشْرِكِي زَمَانِنَا (فَاعْلَمْ أَنَّ لِهَؤُلاَءِ شُبْهَةً يُورِدُونَهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا) يُدْلِي بِهَا بَعْضُ مَنْ في زَمَنِ المُؤَلِّفِ مِن كَوْنِ مَا عَلَيْهِ مُشْرِكُو زَمَانِنَا مِن الشِّرْكِ كشِرْكِ الأَوَّلِينَ؛ بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّكُم مَا اقْتَصَرْتُمْ عَلَى أَنْ جَعَلْتُمُونَا مِثْلَهُم بل زِدْتُمْ، يُرِيدُ صَاحِبُ هَذِه الشُّبْهَةِ مِمَّا اعْتَرَضَ بِهِ مِن الفُرُوقِ نَفْيَ مَا قَرَّرَهُ المُصَنِّفُ في هَذِه التَّرْجَمَةِ (وهي مِنْ أَعْظَمِ شُبَهِهِمْ فَأْصْغِ سَمْعَكَ لِجَوَابِهَا) وَقَدْ أَجَابَ عَنْهَا المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ بِتِسْعَةِ أَجْوِبَةٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا كَافٍ شَافٍ في رَدِّهَا، لَكِنْ كَثَّرَهَا لِمَزِيدِ كَشْفٍ وَإِيضَاحٍ.
    (وَهِيَ أَنَّهُم يَقُولُونَ: إِنَّ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ لاَ يَشْهَدُونَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) يَعْنِي: لاَ يَنْطِقُونَ بالشَّهَادَتَيْ نِ (وَيُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ) وَيَمْتَنِعُونَ عَنْ طَاعَتِهِ (وَيُنْكِرُونَ البَعْثَ) وَلاَ يُصَدِّقُونَ بِهِ (وَيُكَذِّبُونَ القُرْآنَ ويَجْعَلُونَهُ سِحْرًا) وَلاَ يُصَلُّونَ وَلاَ يَصُومُونَ (وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَنُصَدِّقُ القُرْآنَ، ونُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، ونُصَلِّي وَنَصُومُ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَنَا مِثْلَ أُولَئِكَ؟) فَكَيْفَ تُسَوُّونَ مَن يُقِرُّ بِهَذِهِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ وبَيْنَ مَن يَجْهَلُهَا؛ يَعْنِي وأَنَّكُمْ سَوَّيْتُم بَيْنَ المُتَفَارِقَيْ نِ وَجَمَعْتُمْ بَيْنَ المُخْتَلِفَيْن ِ؛ بل مَا اقْتَصَرْتُمْ، بل جَعَلْتُمُونَا أَعْظَمَ جَهْلاً وَضَلاَلاً منهم.
    فَعَرَفْتَ أَنَّهُم يُعَارِضُونَ مَا قَرَّرَهُ المُصَنِّفُ ويَقُولُونَ لَسْنَا منهم، وَأَنْتُم جَعَلْتُمُونَا أَعْظَمَ مِنْهُم، كَيْفَ تَجْعَلُونَ مَن كَانَتْ فيه هَذِه الخِصَالُ والفُرُوقُ كَمَنْ لَيْسَ فِيهِ مِنْهَا شَيْءٌ؟
    ويَأْتِيكَ جَوَابُ المُؤَلِّفِ لَهُم وَأَنَّ هَذِهِ الفُرُوقَ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ والإِجْمَاعِ، بَلْ هَذِه الفُرُوقُ مِمَّا يَتَغَلَّظُ كُفْرُهُم بِهَا؛ فَإِنَّ الكَافِرَ الأَصْلِيَّ الذي مَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ أَهْونُ كُفْرًا مِمَّنْ أَقَرَّ بالحَقِّ وجَحَدَهُ، ولذلك المُرْتَدُّ أَعْظَمُ كُفْرًا مِن الكَافِرِ الأَصْلِيِّ في أَحْكَامِهِ.----------------------------
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين
    في هذه الجملةِ يُبَيِّنُ رَحِمَهُ اللهُ شُبْهَةً مِنْ أَعْظَمِ شُبَهِهم، ويُجِيبُ عنها فيَقولُ: (إذا تَحَقَّقْتَ أنَّ المشركينَ في عهدِهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أصَحُّ عُقولاً وأخَفُّ شركًا مِنْ هؤلاءِ، فاعْلَمْ أنَّهم يُورِدونَ شُبْهةً) حيثُ يَقولونَ: (إنَّ المشركينَ في عهدِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَشْهَدونَ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ، وأنَّ
    مُحمَّدًا رسولُ اللهِ، ولا يُؤْمِنونَ بالبعثِ ولا الحسابِ ويُكَذِّبونَ القرآنَ، ونحنُ - يَعْنِي مُشْرِكِي زَمَانِهِ - نَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، ونُصَدِّقُ القرآنَ، ونُؤْمِنُ بالبعثِ، ونُقِيمُ الصَّلاةَ ونُؤْتِي الزَّكاةَ، ونَصومُ رَمضانَ، فكيفَ تَجْعَلُوننا مِثلَهم، وهذهِ شُبْهَةٌ عظيمةٌ).--------------------------- قال الشيخ صالح الفوزان
    مَازَالَ الشَّيْخُ -رَحِمَهُ اللهُ- يُوَاصِلُ الرَّدَّ عَلَى شُبُهَاتِ المُشَبِّهِينَ في مَسْأَلَةِ الشِّرْكِ والتَّوْحِيدِ، فانْتَهَى إِلَى هَذِه الشُّبْهَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي هي مِن أَعْظَمِ شُبَهِهِم وأَخْطَرِهَا، أَلاَ وهي قَوْلُهُم: (إنَّ مَن شَهِدَ أَن لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ وأنَّ
    مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وصَلَّى وَصَامَ وحَجَّ وأَدَّى الأَعْمَالَ أَنَّه لاَ يَكْفُرُ ولو فَعَلَ مَا فَعَلَ مِن أَنْوَاعِ الرِّدَّةِ.
    أَمَّا الَّذِينَ نَزَلَ فيهم القُرْآنُ وهم المُشْرِكُونَ الأَوَّلُونَ فإنَّهم لَيْسُوا مِثْلَ هَؤُلاَءِ، فَهُم لَمْ يَشْهَدُوا أَن لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ولَمْ يَدْخُلُوا فِي الإِسْلاَمِ، فَهُم لاَ يُؤْمِنُونَ باللهِ ولاَ بالرَّسُولِ ولاَ بالإِسْلاَمِ ولاَ بالقُرْآنِ.

    أَمَّا هَؤُلاَءِ فأَظْهَرُوا الإِيمَانَ بالبَعْثِ ويُصَلُّونَ ويَصُومُونَ ويَحُجُّونَ ويُزَكُّونَ ويَذْكُرُونَ اللهَ كَثِيرًا، فالشَّيْخُ -رَحِمَهُ اللهُ- عِنْدَ هذه الشُّبْهَةِ خَاصَّةً قَالَ: أَصْغِ سَمْعَكَ لِجَوَابِهَا؛ فإِنَّها مِن أَعْظَمِ شُبَهِهِم.
    فالشَّيْخُ رَدَّ عَلَى هَذِه الشُّبْهَةِ مِن سِتَّةِ وُجُوهٍ مُهِمَّةٍ:
    الوَجْهُ الأَوَّلُ:أَنَّه مَن آمَنَ بِبَعْضِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وكَفَرَ بِبَعْضِهَا الآخَرِ فهو كَافِرٌ بالجَمِيعِ؛ لأَِنَّهُم أَنْكَرُوا التَّوْحِيدَ الَّذي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وهو إِفْرَادُ اللهِ بالعِبَادَةِ، فَهَؤُلاَءِ لَمْ يُفْرِدُوا اللهَ بالعِبَادَةِ، وإِنَّمَا أَشْرَكُوا مَعَهُ غَيْرَه مِن الأَوْلِيَاءِ والصَّالِحِين.

    فالإِسْلاَمُ لاَ يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ ولاَ التَّفْرِقَةَ،وأَعْظَمُ الإِسْلاَمِ التَّوْحِيدُ وهو دَعْوَةُ جَمِيعِ الرُّسُلِ، وهَؤُلاَءِ جَحَدُوا أَعْظَمَ شَيْءٍ وهو تَوْحِيدُ العِبَادَةِ، وقَالُوا: لاَ بَأْسَ أَنْ يَنْذُرَ الإِنْسَانُ لِفُلاَنٍ، ويَذْبَحَ لِفُلاَنٍ؛ لأَِنَّهُ وَلِيٌّ، والوَلِيُّ يَنْفَعُ ويَضُرُّ، مِمَّا هو مِثْلُ فِعْلِ المُشْرِكِينَ الأَوَّلِينَ.




  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    قال الشيخ صالح آل الشيخ
    قال: (وإذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصح عقولاً وأخف شركاً من هؤلاء، فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا وهي من أعظم شبههم فأصغ سمعك لجوابها، وهي أنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم، وينكرون البعث، ويكذبون القرآن ويجعلونه سحراً، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ونصدق القرآن ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟)
    فهذه شبهة جديدة ذكرها إمام الدعوة -رحمه الله تعالى- مما يورده الخصوم، وهذه الشبهة شبهة العلماء؛ لأن الذي يوردها من أهل العلم، فإن الشبه التي ذكرنا فيما سبق وإن جوابها الذي ذكره الشيخ، أقر بحسنه جمع كثير من أهل العلم في الأمصار؛ كما قال إمام الدعوة رحمه الله تعالى: (وقد عرضت ما عندي على علماء الأمصار فوافقوني في التوحيد وخالفوني في التكفير والقتال).
    يعني: وافقوه في معنى العبادة، وفي معنى التوحيد، وفي معنى الشرك بالله جل وعلا، لكن خالفوا في أن عُبّاد القبور، عبَّاد الأضرحة والأوثان والأشجار والأحجار، إلى آخره، خالفوا في أن هؤلاء مشركون تقام عليهم الحجة فإن استجابوا وإلا قوتلوا.

    خالفوا لشبهة وهي أن هؤلاء ليسوا كالأولين؛ لأن الأولين الذي بُعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبُعثت إليهم الأنبياء، هؤلاء يقرون بأنهم اتخذوا آلهة مع الله -جل وعلا- ولم ينقادوا للرسل، بل قالوا: إن هناك آلهة مع الله؛ كما قال سبحانه مخبراً عن قولهم: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ}.
    وكقول الله جل وعلا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ}.

    وكقوله -جل وعلا- في سورة هود: {إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} إلى آخر الآيات في هذا الباب التي فيها اعتقاد أولئك بأن هناك آلهة مع الله جل وعلا.

    قال طائفة من الناس من المنتسبين للعلم: إن المشركين من هذه الأمة من عباد القبور هؤلاء وقعوا في الشرك، ولكن هذا الشرك ليس كفراً منهم؛ لأنهم يشهدون (أن لا إله إلا الله) فإذا سألت الواحد منهم هل هناك إله مع الله؟ قال: لا، فحين يفعل، يفعل الشيء مع عدم اعتقاد أنه تأليه لغير الله جل وعلا، فخالف صنيع أولئك المتقدمين الذين اعتقدوا بإلهين، بل اعتقدوا بآلهة مع الله جل جلاله.


    كذلك قالوا: هؤلاء إن وقعوا في هذه الأشياء، فهي كفر عملي لا يخرج من الملة، ككفر من قاتل مسلماً، وكفر من أتى حائضاً، وكفر من أتى امرأة في دبرها، وكفر كذا وكذا مما جاء في النصوص تسميته كفراً وليس بالكفر الأكبر بل هو كفر أصغر، وأشباه ذلك.
    وقالوا أيضاً: إن هؤلاء الذين من هذه الأمة فعلوا تلك الشركيات هؤلاء لا يكذِّبون الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا ينكرون البعث، ولا يكذبون القرآن ويجعلونه سحراً، ولا يقولون بإنكار الزكاة والصلاة، أو بعدم تحريم الخمر، أو بعدم تحريم الزنى؛ كفعل المشركين في الزمن الأول، بل هم مقرون بكل هذه التفاصيل لكنهم فعلوا ما فعلوا، وهذا يعني أنه لا يخرجهم من الملة، وليسوا بمشركين الشرك الأكبر.
    وإذا تقرر هذا:فإن هذه الشبهة كما ذكر الإمام رحمه الله تعالى - وما أعرفه بشبه القوم - قال: (فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا، وهي من أعظم شبههم، فأصغ سمعك لجوابها).
    في هذه الجملة ذكر أن هذه الشبهة يوردونها على ما ذكر الإمام، يعني ما ذكره في المحاجة ورد الشبه في التوحيد، في معنى التوحيد، ومعنى الشرك، ومعنى عبادة غير الله، ومعنى الالتجاء إلى الصالحين، وهل الالتجاء إلى الصالحين شرك أم لا؟ ومعنى التوسل، وأشباه ذلك، وتفاصيله مما ذُكر من أول الرسالة إلى هذا الموضع.
    فإذا تبين ذلك قال: (لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا) يعني من كل جواب الشبه السالفة، فإن مُحصلة الشبه السالفة أن يقال: أنت محقٌ في هذا الجواب، وأنّ هذا الذي يفعل شرك، وأن الالتجاء إلى الصالحين شرك، وأن طلب الشفاعة من الأموات شرك، إلى آخر ذلك، وأن صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله شرك، فأنت محق، وهؤلاء الذين أدلوا بالشبه في استحسان هذه الأفعال مبطلون، وما ذكرته صواب في أن هذه الأشياء شرك، لكن هذه الأشياء شرك ولكنها لا تخرج من الملة من فعلها، وهذا هو جواب هذه الشبهة فيما يأتي من كلام الإمام رحمه الله تعالى.
    قال الشيخ رحمه الله: (وهي من أعظم شبههم).
    لم صارت من أعظم الشبه؟

    لأنها كما ذكرت شبهة العلماء التي يذكرونها ويروجون على العامة هذا الأمر، فكثيرون من الذين ردوا على الشيخ نقلوا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام ابن القيم وقالوا: (أنت محق فيما تقول، لكن كون هؤلاء يكفرون الكفر الأكبر هذا ليس بصحيح، بل هؤلاء على كفر أصغر، هؤلاء على شرك أصغر؛ وليسوا بمشركين الشرك الأكبر).
    هذا تقرير الشبهة على حسب ما يوردونها، وهذه الشبهة أجاب عنها الإمام رحمه الله تعالى هنا إجابة مختصرة، وفي ردود أئمة الدعوة ابتداءً من الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في كتابه (إفادة المستفيد في كفر تارك التوحيد) وكتب تلامذته وأبنائه وتلاميذهم إلى هذا الزمن ما يبين رد هذه الشبهة، فإن هذه الشبهة من أعظم هذه الشبه، فتفصيل رد هذه الشبهة في ردود أئمة الدعوة المختلفة من وقت الشيخ محمد -رحمه الله- إلى زماننا هذا، فيها تفصيل الرد على هذه الشبهة، ولا يتسع المقام لإيراد كل ما ذكروه، لكن نذكر تقرير ما ذكره الإمام رحمه الله تعالى، وهو أصل هذه الردود، وبه كفاية.

    قال: (وهي أنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن - يعني من المشركين - لا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم، وينكرون البعث، ويكذبون القرآن ويجعلونه سحراً، ونحن - يعني: نفارق أولئك - ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟).

    وهذه لاشك أنه إذا أُتي إليها من جهة عاطفية فإنها تروج؛ لأن الناظر نظراً عاطفياً مجرداً عـن الحجة والبرهان قد يروج عليه ذلك فيقول: هؤلاء يصلون ويصومون، وقد يكون بعضهم في جبهته أثر السجود، وبعضهم يصوم يوماً ويفطر يوماً، وبعضهم تصدَّق بكل ماله، وبعضهم مجاهد في سبيل الله وحارب الكفار وفعل ما فعل من أنواع الجهاد، وبعضهم كذا وكذا، فيذكر جملة الأعمال الصالحة التي عملها، فيقول: كيف تجعله مثل أبي جهل؟ وكيف تجعله مثل أبي لهب؟ كيف تجعله مثل فلان وفلان؟ كيف تجعله مثل المشركين؟
    وهذه حجة عاطفية، ومعلوم أن الديانة قامت على البرهان، والبرهان العاطفي أو القضية العاطفية ليست برهاناً باتفاق العقلاء؛ لأن العاطفة للهوى مدخل عليها، والبراهين خارجة عن مقتضى الهوى، البرهان يقام بالحجة المتفق على الاحتجاج بها، شرعية سمعية أو عقلية، في كلام العقلاء وكلام النُظّار من جميع الفرق، يعني في كون الحجة تمضي والحجة العاطفية ليست بحجة؛ لأنها ناشئة عن رغبة وهوى.
    فلذلك نقول: هذه الشبهة ينبغي أن يتخلص صاحبها أولاً من العاطفة، والعاطفة لا مدخل لها في الدين؛ لأنها ليست أحد الأدلة، وإنما الأدلة على المسائل التي يحتج بها في هذه الشريعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح والعقل الصريح وأقوال الصحابة، إلى آخر الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها، يعني: أن الحجج في الشريعة ليست فيها الحجة العاطفية: كيف نجعل هذا مثل هذا؟ هذا أمره عظيم، هذا فيه كذا وفيه كذا، فكيف يجعل على شبه بأولئك؟

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    كشف الشبهة الثانية عشرة وهي احتجاجهم بحديث: (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟)

    قال الامام محمد بن عبد الوهاب فى رسالة كشف الشبهات
    وَلِلْمُشْرِكين َ شُبْهَةٌ أُخْرَى:
    وهي أنهم يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْكَرَ عَلَى أُسَامَةَ رضي الله عنه قَتْلَ مَنْ قال: (لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ) وقالَ: ((أَقَتلْتَهُ بعدَما قال لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ)) وَكَذَلِكَ قَولُهُ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)) وَكَذَلِكَ أَحَادِيثُ أُخْرَى في الْكَفِّ عَمَّنْ قالَها.وَمُرَادُ هَؤلاءِ الجَهَلَةِ:أَنَّ مَنْ قَالَها لا يَكْفُرُ، وَلا يُقْتَلُ، وَلَوْ فَعَل مَا فَعَلَ.فَيُقَالُ لِهَؤُلاءِ الجَهَلَةِ المشركينَ: مَعْلُومٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاتَلَ اليَهُودَ وَسَبَاهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: (لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) وَأَنَّ أَصْحَابَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاتَلُوا بَنِي حَنِيفَةَ، وَهُمْ يَشْهَدُونَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَيُصَلُّونَ ويَدَّعُونَ الإِسْلامَ، وَكَذَلِكَ الَّذينَ حَرَّقَهُم عَليُّ بنُ أَبي طالبٍ رضي الله عنه بِالنَّارِ.وَهَؤُلاءِ الجَهَلةُ مُقِرُّونَ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ البَعْثَ كَفَرَ وَقُتِلَ وَلَوْ قَالَ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) وَأَنَّ مَنْ أنكرَ شَيْئاً مِنْ أَرْكَانِ الإِسلامِ كَفَرَ وَقُتِلَ وَلَوْ قالهاَ، فَكَيْفَ لا تَنْفَعُهُ إِذا جَحَدَ شيئاً من هذه الفُرُوعِ، وتَنْفَعُهُ إِذا جَحَدَ التَّوْحِيدَ الَّذِي هُوَ أسَاسُ دِينِ الرُّسُلِ وَرَأْسُهُ؟. وَلَكِنْ أَعْدَاءُ اللهِ ما فَهِمُوا مَعْنَى الأَحَادِيثِ:

    فَأَمَّا حَدِيثُ أُسَامَةَ رضي الله عنه فَإِنَّهُ قَتَلَ رَجُلاً ادَّعَى الإِسْلامَ بِسَبَبِ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ ما ادَّعَاه إِلاَّ خَوْفاً على دَمِهِ وَمَالِهِ.وَالرَّجُلُ إِذا أَظْهَرَ الإِسْلامَ وَجَبَ الكَفُّ عَنْهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَأَنْزَل اللهُ تَعالى في ذَلِكَ {يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا} الآية أَيْ: تَثَبَّتُوا، فَالآيةُ تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ يَجِبُ الكَفُّ عَنْهُ وَالتَثَبُّتُ، فَإِن تَبَيَّنَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ ما يُخَالِفُ الإِسْلامَ قُتِلَ؛ لِقولِهِ: {فَتَبَيَّنُوا} وَلَوْ كانَ لا يُقْتَلُ إِذَا قَالَها لَمْ يَكُنْ لِلتَّثَبُّتِ مَعْنىً.وَكَذَلِكَ الحدِيثُ الآخَرُ وَأَمْثَالُهُ مَعْنَاهُ ما ذكرتُ أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ الإِسْلامَ والتَّوحِيدَ وَجَبَ الكَفُّ عَنْهُ إِلا أنْ يَتَبَيَّنَ مِنْهُ ما يُنَاقِضُ ذَلِكَ.وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي قال: ((أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)) وَقَالَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)) هُوَ الَّذِي قَالَ فِي الخَوَارجِ: ((أَيْنَمَا لَقِيْتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُم؛ لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُم ْ قَتْلَ عَادٍ)) مَعَ كَوْنِهِمْ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ عِبَادَةً تكبيراً وَتَهْلِيلاً، حَتَّى إنَّ الصَّحَابَةَ يَحْقِرُونَ أَنْفُسَهُمْ عِنْدَهُمْ، وَهُمْ تَعَلَّمُوا العِلْمَ مِنَ الصَّحابَةِ، فَلَمْ تَنْفَعْهُم (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) وَلا كَثْرَةُ العِبَادَةِ، وَلا ادِّعَاءُ الإِسْلامِ لَمَّا ظَهَرَ مِنْهُمْ مُخَالَفَةُ الشَّرِيعَةِ.
    وَكَذَلِكَ: مَا ذَكَرْنَا مِن قِتَالِ اليَهُودِ، وَقِتَالِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم بَني حَنِيفَةَ.
    وَكَذَلِكَ:أَرَادَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَغْزوَ بَني الْمُصْطَلِقِ لَمَّا أَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَنَّهُمْ مَنَعُوا الزَّكَاةَ حَتَّى أَنْزَل اللهُ: {يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ} الآية وَكَانَ الرَّجُلُ كَاذِباً عَلَيْهِمْ.فَكُلُّ هَذَا يَدُلُّ عَلى أَنَّ مُرَادَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الأحَادِيثِ الواردة مَا ذَكَرْنَا.

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ
    وَلَهُم (شُبْهَةٌ أُخْرَى: يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْكَرَ عَلَى أُسَامَةَ قَتْلَ مَن قَالَ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) وَقَالَ: ((أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)) وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)) وَأَحَادِيثُ أُخْرَى في الكَفِّ عَمَّنْ قَالَهَا).( ومراد هؤلاء الجَهَلَةِ) مِن إِيرَادِ هذه الأَحَادِيثِ والتَّشْبِيهِ بِهَا (أَنَّ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ لاَ يَكْفُرُ وَلاَ يُقْتَلُ وَلَوْ فَعَلََ مَا فَعَلَ!) يَعْنِي: أَنَّ النُّطْقَ بِهَا كَافٍ في إِسْلاَمِ العَبْدِ. ومُرَادُهُم أَنَّكُم مَعْشَرَ المُوَحِّدِينَ تُكَفِّرُونَ مَنْ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ…. إلخ، وَهَذَا مِن عَظِيمِ جَهْلِهِم وعَمَايَتِهِم؛ يَرَوْنَ أَنَّ الدِّينَ رُسُومٌ فَقَطْ، مَا دَرَوْا أَنَّ لَهَا أَرْوَاحًا ومَعَانِيَ؛ لَهَا مَعْانٍ هي المُرَادَةُ، الأَلْفَاظُ قَوَالِبُ جُثَّةٍ والمَعَانِي رُوحٌ، ويَأْتِيكَ كَشْفُهَا وَمُرَادُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن هَذِه الأَحَادِيثِ وَأَنَّهُ لاَ كَمَا ظَنُّوا وزَعَمُوا.


    (فَيُقَالُ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ الجُهَّالِ) في الجَوَابِ عن ذَلِكَ: (مَعْلُومٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاتَلَ اليَهُودَ) في عِدَّةِ مَوَاطِنَ (وَسَبَاهُم) أَخَذَ نِسَاءَهُم مَمَاليِكَ وَعَبِيدًا كالصَّنِيعِ بِسَائِرِ الكُفَّارِ (وهم يَقُولُونَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) فَلاَ مَنَعَ قَوْلُ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) مِن قِتَالِهِم وسَبْيِهِم، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) لاَ يَمْنَعُ مِن التَّكْفِيرِ، بل يَقُولُها نَاسٌ كَثِيرٌ ويَكُونُونَ كُفَّارًا: إِمَّا لِعَدَمِ العِلْمِ بِهَا، أو وُجُودِ مَا يُنَافِيهَا، فَلاَبُدَّ مَعَ النُّطْقِ بِهَا مِن أَشْيَاءَ أُخَرَ؛ أَكْبَرُهَا مَعْرِفَةُ مَعْنَاهَا والعَمَلُ بِهِ.(وَأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاتَلُوا بَنِي حَنِيفَةَ وهم يَشْهَدُونَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ويُصَلُّونَ ويَدَّعُونَ الإِسْلاَمَ) وَمَعَ ذَلِكَ قَاتَلُوهُم، وَسَبَوْا حَرِيمَهُم وذَرَارِيَّهُم، مَعَ قَوْلِهِم لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ … إلخ، لأَِجْلِ مُكَفِّرَاتٍ أُخَرَ.(وَكَذَلِكَ الَّذِينَ حَرَّقَهُم عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) مَعَ صَلاَتِهِم وادِّعَائِهِمُ الإِسْلاَمَ، وَهُمْ مِن أَصْحَابِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَلَكِنْ وَقَعَ مِنْهُم الغُلُوُّ في عَلِيٍّ وتَجَاوَزُا الحَدَّ في تَعْظِيمِهِ حَتَّى ادَّعَوْا فيه الإِلَهِيَّةَ؛ فَإِنَّه لَيْسَ المُرَادُ اللَّفْظَ، بَلِ اللَّفْظُ وإِقْرَارٌ وَعَمَلٌ؛ فَإِنْ حَصَلَ فهو مَعَهُ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) وإِلاَّ فَإِنَّهُ مَا جَاءَ إِلاَّ بِلَفْظِهَا فَقَطْ؛ ورُوحُهَا وحَقِيقَتُهَا مَفْقُودٌ.
    فَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَنْقُضُهَا أَشْيَاءُ لَيْسَتْ هي مِن ذَاتِهَا؛ مِمَّا يَنْفِي (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) مَسَبَّةُ الرَّسُولِ، وَرَمْيُ أَزْوَاجِهِ بالإِفْكِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَنْقُضُ هَذِه الكَلِمَةَ العَظِيمَةَ فَكَيْفَ بِنَفْيِهَا نَفْسِهَا مِن عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ وَجَعْلِ الأَوْثَانِ قِبْلَةَ قَلْبِ صَاحِبِهَا؟! بل هَذَا أَسْوَأُ حَالاً مِمَّنْ يَمْتَنِعُ عن النُّطْقِ بِهَا؛ لأَِنَّهُ يُؤْخَذُ بِأَنَّهُ دَخَلَ الإِسْلاَمَ، ثُمَّ مَا يُوجَدُ منه يُفِيدُ أَنَّهُ انْتَكَسَ عَمَّا تُسَمَّى بِهِ؛ فَيَكُونُ مُرْتَدًّا، والمُرْتَدُّ أَعْظَمُ حُكْمًا مِن الكَافِرِ الأَصْلِيِّ: مِنْهَا أَنَّ مَالَهُ فَيْءٌ؛ إلى آخَرِ أَحْكَامِ المُرْتَدِّينَ؛ بِخِلاَفِ اليَهُودِيِّ والنَّصْرَانِيّ ِ والمَجُوسِيِّ فَإِنَّهُم يَتَوارَثُونَ بَيْنَهُم.
    هَذَا مِن تَغْلِيظِ كُفْرِهِ؛ لأَِنَّهُ عَرَفَ ثُمَّ أَنْكَرَ وأَبْصَرَ ثُمَّ عَمِيَ، فَصَارَ أَغْلَظَ مِمَّن لَمْ يُقِرَّ أَصْلاً.

    (وهَؤُلاَءِ الجَهَلَةُ) المُشْرِكُونَ (مُقِرُّونَ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ البَعْثَ كَفَرَ وَقُتِلَ وَلَوْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) وَلَمْ تَنْفَعْهُ الشَّهَادَتَانِ (و) هُمْ مُقِرُّونَ أَيْضًا (أَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلاَمِ) كَوُجُوبِ الصَّلاَةِ أو وُجُوبِ الصِّيامِ (كَفَرَ وَقُتِلَ وَلَوْ قَالَهَا، فَكَيْفَ لاَ تَنْفَعُهُ إِذَا جَحَدَ شَيْئًا مِن الفُرُوعِ وتَنْفَعُهُ إِذَا جَحَدَ التَّوْحِيدَ الَّذِي هو أَصْلُ دِينِ الرُّسُلِ ورَأْسُهُ؟!).

    (وَلَكِنَّ أَعْدَاءَ اللهِ مَا فَهِمُوا مَعْنَى الأَحَادِيثِ) وَلاَ حَامُوا حَوْلَهَا وعَشَا عَلَى أَبْصَارِهِم التَّقْلِيدُ الأَعْمَى والجُمُودُ وَإِحْسَانُ الظَّنِّ بأُنَاسٍ أَعْرَضُوا كُلَّ الإِعْرَاضِ عن التَّوْحِيدِ، وقَلَّدُوا مَن ظَنَّ أَنَّ قَوْلَ: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) في هَذِه الأَحَادِيثِ كَافٍ مَعَ الجَهْلِ بِمَدْلُولِ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ).

    والإِنْسَانُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُطَالِعَ في كَلاَمِ الفُقَهَاءِ فَإِنَّهُ يَجِدُ أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا أَتَى بِمُكَفِّرٍ قَوْلِيٍّ أو اعْتِقَادِيٍّ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ وَلاَ يَنْفَعُه جَمِيعُ مَا تَسَمَّى بِهِ وعَمِلَهُ.والمُشْرِكُونَ في هَذِه الأَزْمَانِ زَعَمُوا أَنَّه لاَ يَكْفُرُ إِلاَّ مَن تَعَلَّقَ عَلَيْهَا وَزَعَمَ أَنَّهَا تَسْتَقِلُّ بِجَلْبِ المَنَافِعِ ودَفْعِ المَضَارِّ، وهَذَا مِن كَبِيرِ جَهْلِهِم، وَهَذَا بِعَيْنِه دَينُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ مَا أُنْزِلَتْ جَمْيعُ الكُتُبِ ولاَ أُرْسِلَت الرُّسُلُ إِلاَّ لِرَدِّهِ وإِبْطَالِهِ؛ فَإِنَّ المُشْرِكِينَ الأَوَّلِينَ قَلَّ مِنْهُم مَن يَزْعُمُ أَنَّ مَن يَلْجَأْ إِلَيْهِ يَسْتَقِلَّ بِجَلْبِ المَنَافِعِ ودَفْعِ المَضَارِّ.

    (فَأَمَّا حَدِيثُ أُسَامَةَ) يَعْنِي: وَقِصَّتُهُ حِينَ قَتَلَ الرَّجُلَ الَّذِي قَالَ: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) (فَإِنَّهُ قَتَلَ رَجُلاً ادَّعَى الإِسْلاَمَ بِسَبَبِ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ مَا ادَّعَاهُ إِلاَّ خَوْفًا عَلَى دَمِهِ ومَالِهِ، والرَّجُلُ إِذَا أَظْهَرَ الإِسْلاَمَ وَجَبَ الكَفُّ عَنْهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ) يَعْنِي: والحُكْمُ الشَّرْعِيُّ أَنَّهُ لاَ يُقْتَلُ وَيَجِبُ الكَفُّ عَنْهُ مَا دَامَ في حَالَةٍ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ صَادِقًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُ ما يُخَالِفُ ذَلِكَ (وَأَنْزَلَ اللهُ في ذَلِكَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ} أي: فَتَثَبَّتُوا، فَالآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الكَفُّ عَنْهُ والتَّثَبُّتُ) وهو التَّأَنِّي والنَّظَرُ إِلَى مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ آخِرَ الأَمْرِ (فَإِنْ تَبَيَّنَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ ما يُخَالِفُ الإِسْلاَمَ قُتِلَ لِقَوْلِهِ: {فَتَبَيَّنُواْ} وَلَوْ كَانَ لاَ يُقْتَلُ إِذَا قَالَهَا لَمْ يَكُنْ للتَّثَبُّتِ مَعْنًى) وَلَيْسَ المُرَادُ أَنَّهُ يُكَفُّ عنه مُطْلَقًا. النَّاطِقُ بالإِسْلاَمِ إن قَامَتِ القَرَائِنُ أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ليَسْلَمَ مِن القَتْلِ فَإِنَّها تَدُومُ عِصْمَتُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، فَإِنْ تَبَيَّنَ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ قُتِلَ.

    (وَكَذَلِكَ الحَديثُ الآخَرُ) ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ)) (وَأَمْثَالُهُ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَاهُ) ما ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ (أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ الإِسْلاَمَ والتَّوْحِيدَ وَجَبَ الكَفُّ عَنْهُ) سَوَاءٌ احْتَمَلَ الحَالُ أَنَّهُ مُتَعَوِّذٌ حَقًّا أو يَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَادِقٌ (إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ مِنْهُ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ) فَإِنْ تَبَيَّنَ مِنْهُ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقَاتَلُ شَرْعًا حَتَّى يَدِينَ بالإِسْلاَمِ.فَصَارَ الَّذِي لاَ يَقُولُ: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) أَصْلاً يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) وَإِذَا قَالَهَا وهو قَبْلُ يَقُولُهَا وهو على ما هو عَلَيْهِ مِن عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ فَإِنَّهُ مَا غَيَّرَ شَيْئًا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ قَبْلُ، وهو قَوْلُ: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) فَيُقَالُ لَهُ: أَنْتَ تُقَاتَلُ قَبْلُ وَأَنْتَ تَقُولُ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) فهو مَا خَلَعَ ولَبِسَ، بل هو عَلَى مَا هو عَلَيْهِ، وَأَهْلُ الكِتَابِ أَيْضًا حَتَّى لَوْ قَالُوا: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) فَإِنَّهُم مَا غَيَّرُوا شَيْئًا.فَصَارَ هنا ثَلاَثُ صُوَرٍ:

    الأُولَى: أَنْ يُعْرَفَ أَنَّهُ حِينَمَا نَطَقَ بِهَا عَمِلَ بِهَا فَهَذَا لاَ يُقْتَلُ.
    الثَّانِيَةُ: أَنْ يُشَكَّ فِي حَالِهِ، وَلَوْ يُظَنُّ أَنَّهُ مُتَعَوِّذٌ فَقَطْ، فَهَذَا أَيْضًا لاَ يُقْتَلُ.
    الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَها وَلَكِنْ يَنْقُضُهَا، فَهَذَا يُقْتَلُ لقَوْلِهِ: {فَتَبَيَّنُواْ} لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ الإِسْلاَمَ، فَحَلَّ دَمُه ومَالُه. وكَذَلِكَ إِذَا كَانَ مِن قَبْلُ يَقُولُهَا ولاَ يَعْمَلُ بِهَا ومُتَكَرِّرٌ منه ذلك فَلاَ حُكْمَ لَهَا.

    (والدَّلِيلُ عَلَى هَذَا) عَلَى أَنَّ هَذَا هو مُرَادُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَالَ: ((أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)) وَقَالَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللُه)) هو الَّذِي قَالَ في الخَوَارِجِ: ((أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ. لَئِنْ أَدْرَكْتُهُم لأُقَتِّلَنَّهُ مْ قَتْلَ عَادٍ)) مَعَ كَوْنِهِم مِن أَكْثَرِ النَّاسِ عِبَادَةً وتَهِليلاً حَتَّى إِنَّ الصَّحَابَةَ يَحْقِرُونَ صَلاَتَهُم عِنْدَهُم، وَهُمْ تَعَلَّمُوا العِلْمَ مِن الصَّحَابَةِ) فالخَوَارِجُ يَقُولُونَ: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) ويَزِيدُونَ عَلَى قَوْلِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ (فَلَمْ تَنْفَعْهُم لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَلاَ كَثْرَةُ العِبَادَةِ ولاَ ادِّعَاءُ الإِسْلاَمِ لَمَّا ظَهَرَ مِنْهُم مُخَالَفَةُ الشَّرِيعَةِ).
    فَتَبَيَّنَ أَنَّ مُرَادَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ((أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ))؟ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَن قَالَ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) لاَ يَكْفُرُ ولاَ يُقْتَلُ، فَقَوْلُهُم: إِنَّ مَن قَالَ: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) لاَ يَكْفُرُ ولاَ يُقْتَلُ وَلَوْ فَعَلَ مَا فَعَلَ، مِن عَظِيمِ جَهْلِهِم؛ فَكُلُّ إِنْسَانٍ يَنْظُرُ في نُصُوصِ الشَّرْعِ فَإِنَّهُ مَوْجُودٌ كَثِيرٌ مِمَّنْ يُقْتَلُ وهو يَقُولُ: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) وَمَنْ قَالَ خِلاَفَ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِن أَهْلِ العِلْمِ بِوَجْهٍ.

    (وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِن قِتَالِ اليَهُودِ وقِتَالِ الصَّحَابَةِ بَنِي حَنِيفَةَ) فَلَوْ أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) يَعْصِمُ الدَّمَ والمَالَ لَمَا قَاتَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَاتَلَ الصَّحَابَةُ بَنِي حَنِيفَةَ.فَلَيْسَ مُرَادُه مِن: ((أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ؟)) وَقَوْلِهِ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)) وَأَحَادِيثَ أُخَرَ في الكَفِّ عَمَّنْ قَالَهَا كَمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ هُنَا؛ بل مُرَادُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ مَنْ كَانَ قَبْلُ عَلَى الكُفْرِ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يُكَفُّ عنه كَفَّ انْتِظَارٍ، وَلَوْ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ.فالحُكْمُ الشَّرْعِيُّ أَنَّه يُكَفُّ عنه ويُنْتَظَرُ؛ إِنِ اسْتَقَامَ عَلَى الإِسْلاَمِ اسْتَمَرَّ بِهِ وإِلاَّ قُتِلَ قَتْلاً أَشَدَّ مِن الأَوَّلِ وأَسْوَأَ حَالاً وَأَحْكَامًا مِن الأَصْلِيِّ كَمَا عُلِمَ مِن الكِتَابِ والسُّنَّةِ وإِجْمَاعِ الأُمَّةِ.

    (وَكَذَلِكَ أَرَادَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَغْزُوَ بَنِي المُصْطَلِقِ) وأَمَرَ بالغَزْوِ (لَمَّا أَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَنَّهُم مَنَعُوا الزَّكَاةَ حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} وَكَانَ الرَّجُلُ كَاذِبًا عَلَيْهِم، وكُلُّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الأَحَادِيثِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا مَا ذَكَرْنَاهُ)، وَكَذَلِكَ الأَمْرُ بِقَتْلِ الخَوَارِجِ.فَتَبَيَّنَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ قَوْلَ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) لاَ يَكْفِي في عِصْمَةِ الدَّمِ والمَالِ، بَلْ إِذَا تَبَيَّنَ مِنْهُ ما يُنَاقِضُ الإِسْلاَمَ قُتِلَ، وَلَوْ قَالَ: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ).
    س: مَا الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ والَّتِي قَبْلَهَا؟

    ج:أَمَّا الأُولَى: فَلَمَّا ذَكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّ مُشْرِكِي زَمَانِنَا أَغْلَظُ شِرْكًا مِن الأَوَّلِينَ بأَمْرَيْنِ، اعْتَرَضُوا عَلَيْهِ بِهَذِه الشُّبْهَةِ وهَذِهِ الفُرُوقِ، وقَالُوا: نَحْنُ نَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَنَا مِثْلَ أُولَئِكَ الذين لا يَشْهَدُونَ… إلخ، بل ما قَصَرْتُمُونا عَلَيْهِم، بل زِدْتُمُونَا بِهَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ. فَأَجَابَهُم المُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ في جَمِيعِ الشُّبَهِ:إِنَّ مَنْ وُجِدَ منه مُكَفِّرٌ بأَنْ كَانَ مُصَدِّقًا الرَّسُولَ في شَيْءٍ ومُكَذِّبَهُ في شَيْءٍ، أو وُجِدَ مِنْهُ مُكَفِّرٌ بِأَنْ رَفَعَ المَخْلُوقَ في رُتْبَةِ الخَالِقِ، أو وُجِدَ منه مُكَفِّرٌ بِأَنْ غَلاَ في أَحَدٍ مِن الصَّالِحِينَ فادَّعَى فيه الأُلُوهِيَّةَ، أو وُجِدَ منه مُخَالَفَةُ الشَّرِيعَةِ في أَشْيَاءَ مِثْلَ إِبَاحَتِهِ نِكَاحَ الأُخْتَيْنِ جَمِيعًا، أو وُجِدَ مِنْهُ مَكُفِّرٌ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِن أَنْواعِ الرِّدَّةِ، أَو وُجِدَ منه مُكَفِّرٌ بأَنِ اسْتَهْزَأَ باللهِ أو آيَاتِهِ.وحَاصِلُهَا:أَنَّ مَن وُجِدَ منه مُكَفِّرٌ فهو مِثْلُهُم وهو مَعَهُ هَذِهِ الفُرُوقُ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ؛ إِلَى آخِرِ ما ذُكِرَ.
    وأَمَّا الثَّانِيَةُ:فهي أَنَّهُم يَقُولُونَ: إِنَّ مَن قَالَ: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) فهو مُسْلِمٌ حَرَامُ الدَّمِ والمَالِ بدَلِيلِ قِصَّةِ أُسَامَةَ… إلخ.فأَجَابَهُم المُصَنِّفُ بِأَنَّ مَن أَظْهَرَ الإِسْلاَمَ والتَّوْحِيدَ وَجَبَ الكَفُّ عَنْهُ إلى أَنْ يَتَبَيَّنَ منه مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، فَإِنْ تَبَيَّنَ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ قُوتِلَ، وَلَوْ قَالَهَا، حتى يَعْمَلَ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ.

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين
    قولُهُ: (ولِلمشركينَ شُبْهةٌ أُخْرَى …) إلخ، يَعْنِي: للمشركينَ المُشَبِّهينَ شُبْهةٌ أخرى معَ ما سَبَقَ مِن الشُّبُهاتِ، وهيَ: أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْكَرَ على أُسامَةَ بنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قتْلَ الرَّجلِ بعدَ أنْ قالَ: (لا إلهَ إلاَّ اللهُ) فقالَ: ((أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)) وما زَال يُكَرِّرُها عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ على أُسامَةَ حتَّى قالَ أُسامَةُ: (تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ بَعْدُ). وكذلكَ قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)) وأمثالُ ذلكَ مِن الأحاديثِ الَّتي يَسْتَدِلُّونَ بها على أنْ مَنْ قالَ: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) لا يَكْفُرُ ولا يُقْتَلُ، وإنْ كانَ على الشِّركِ منْ جهةٍ أخرى، وهذا مِن الجهلِ العظيمِ؛ فليسَ قولُ (لا إلهَ إلاَّ اللهُ) مُنْجِيًا مِنْ عذابِ النَّارِ، ومُخَلِّصًا للإِنسانِ مِن الشِّركِ إذا كانَ يُشْرِكُ منْ جهةٍ أخرى(1).


    قولُهُ: (فيُقالُ لهؤلاءِ المشركينَ الجُهَّالِ …) إلخ، هذا جوابُ الشُّبْهةِ الَّتي أًوْرَدَهَا هؤلاءِ الجُهَّالُ فيما سَبَقَ، وجوابُها بما يلي:

    أوَّلاً: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاتَلَ اليهودَ وسَبَاهُم وهمْ يَقولونَ: لا إلهَ إلاَّ اللهُ.
    ثانيًا: أنَّ الصَّحابةَ قاتَلُوا بَنِي حَنِيفَةَ وهم يَشْهَدونَ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ ويُصَلُّونَ ويَدَّعُونَ أنَّهم مُسلِمونَ.
    ثالثًا: أنَّ الَّذينَ حَرَّقَهم عَلِيُّ بنُ أَبِي طالبٍ كانوا يَشْهَدونَ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ.

    قولُهُ: (وهؤلاءِ الجَهَلةُ مُقِرُّونَ أنَّ مَنْ أَنْكَرَ البَعْثَ …) إلخ، هذا إلْزامٌ لهؤلاءِ الجُهَّالِ واحْتِجاجٌ عليهم بِمثلِ ما قالوا بهِ، فقدْ قالوا: إنَّ مَنْ أَنْكَرَ البَعَثَ فإنَّهُ يُقْتَلُ كافرًا، ويَقولونَ: مَنْ جَحَدَ وجوبَ شيءٍ مِنْ أركانِ الإِسلامِ فإنَّهُ يُحْكَمُ بِكفرِهِ ويُقْتَلُ، وإنْ قالَ (لا إلهَ إلاَّ اللهُ) فكيفَ لا يَكْفُرُ ولا يُقْتَلُ مَنْ يَجْحَدُ التَّوحيدَ الَّذي هوَ أساسُ الدِّينِ، وإنْ قالَ: (لا إلهَ إلاَّ اللهُ؟!) أفلا يَكونُ هذا أحَقَّ بالتَّكفيرِ ممَّنْ جَحَدَ وجوبَ الصَّلاةِ أوْ وجوبَ الزَّكاةِ؟! وهذا إلزامٌ صحيحٌ لا مَحِيدَ عنهُ (2).

    قولُهُ: (ولكنَّ أعداءَ اللهِ ما فَهِموا معنى الأحاديثِ …) إلخ، يَعْنِي: الأحاديثِ الَّتي شَبَّهوا بها. ثمَّ أَخَذَ رَحِمَهُ اللهُ يُبَيِّنُ مَعْناها فقالَ: (فأمَّا حديثُ أُسامَةَ) يَعْنِي: الحديثَ الَّذي قَتَلَ فيهِ أُسامَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَنْ قالَ: (لا إلهَ إلاَّ اللهُ) حينَ لَحِقَهُ أُسامَةُ لِيَقْتُلَهُ وكانَ مشركًا، فقالَ: لا إلهَ إلاَّ اللهُ، فقَتَلَهُ أسامةُ لِظَنِّهِ أنَّهُ لمْ يَكُنْ مُخْلِصًا في قولِهِ، وإنَّما قالَهُ تَخَلُّصًا. فليسَ فيهِ دَليلٌ على أنَّ كلَّ مَنْ قالَ: (لا إلهَ إلاَّ اللهُ) فهوَ مسلمٌ ومعصومُ الدَّمِ، ولكنْ فيهِ دليلٌ على أنَّهُ يَجِبُ الكَفُّ عمَّنْ قالَ: (لا إلهَ إلاَّ اللهُ) ثمَّ بعدَ ذلكَ يُنْظَرُ في حالِهِ حتَّى يَتَبَيَّنَ، واسْتَدَلَّ المؤلِّفُ لذلكَ بقولِهِ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا} (3) الآية، فأَمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتعالى بالتَّبَيُّنِ، أي: التَّثَبُّتِ، وهذا يَدُلُّ على أنَّهُ إذا تَبَيَّنَ أنَّ الأمرَ كانَ خِلافَ ما كانَ عليهِ، فإنَّهُ يَجِبُ أن يُعامَلَ بما يُتَبَيَّنُ مِنْ حالِهِ، فإذا بانَ منهُ ما يُخالِفُ الإِسلامَ قُتِلَ، ولوْ كانَ لا يُقْتَلُ مُطْلقًا إذا قالَها لمْ يَكُنْ فائدةٌ للأمرِ بالتَّثبُّتِ.

    وعلى كلِّ حالٍ؛ فإنَّ حديثَ أُسامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ليسَ فيهِ دليلٌ على أنَّ مَنْ قالَ: (لا إلهَ إلاَّ اللهُ) وهوَ مُشْرِكٌ يَعْبُدُ الأصنامَ والأمواتَ والملائكةَ والجِنَّ وغيرَ ذلكَ يَكونُ مُسلمًا.

    قولُهُ: (وكذلكَ الحديثُ الآخَرُ وأمثالُهُ) يُرِيدُ بالحديثِ الآخَرِ قَوْلَهُ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ …)) إلخ، فبَيَّنَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنَّ معنى الحديثِ: أنَّ مَنْ أَظْهَرَ الإِسلامَ وَجَبَ الكَفُّ عنهُ حتَّى يُتَبَيَّنَ أمرُهُ؛ لِقولِهِ تعالى: {فَتَبَيَّنُوا}؛ لأنَّ الأمرَ بالتَّبَيُّنِ يُحْتاجُ إليهِ إذا كُنَّا في شكٍّ مِنْ ذلكَ، أمَّا لوْ كانَ قولُهُ: (لا إلهَ إلاَّ اللهُ) بمُجرَّدِهِ عاصِمًا مِن القتلِ فإنَّهُ لا حَاجَةَ إلى التَّبَيُّنِ.
    ثمَّ اسْتَدَلَّ المؤلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ لِمَا ذَهَبَ إليهِ بأنَّ الَّذي قالَ لأُسامَةَ: ((أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ؟)) وقالَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ …)) هوَ الَّذي أَمَرَ بِقتالِ الخوارجِ وقالَ: ((أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ)) معَ أنَّ الخوارجَ يُصَلُّونَ ويَذْكُرونَ اللهَ ويَقْرَءُونَ القرآنَ، وهمْ قدْ تَعَلَّمُوا مِن الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهم، ومعَ ذلكَ لمْ يَنْفَعْهم ذلكَ شيئًا؛ لأنَّ الإِيمانَ لمْ يَصِلْ إلى قُلُوبِهم(4)، كما قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّهُ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ)).

    وهوَ أنَّ مُجرَّدَ قولِ: (لا إلهَ إلاَّ اللهُ) ليسَ مانِعًا مِن القتلِ، بلْ يَجوزُ قِتالُ مَنْ قالَها إذا وُجِدَ سببٌ يَقْتَضِي قِتالَهُ.----------------------------- قال الشيخ صالح الفوزان
    هَذِه شُبْهَةٌ مِن شُبَهِ المُشْرِكِينَ عُبَّادِ القُبُورِ الَّذين يَدَّعُونَ الإِسْلاَمَ، ويَزْعُمُونَ أنَّ عِبَادَةَ القُبُورِ والاسْتِغَاثَةَ بالأَمْوَاتِ ودُعَاءَ الغَائِبِينَ لتَفْرِيجِ الكُرُباتِ، أنَّ هذه الأُمُورَ لاَ تَضُرُّ ولاَ تُخْرِجُ مِن الإِسْلاَمِ، مَادَامَ صَاحِبُهَا يَقُولُ: (لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ) بِدَلِيلِ أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- أَنْكَرَ عَلَى أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- لَمَّا قَتَلَ رَجُلاً مِن المُشْرِكِينَ أَظْهَرَ الإِسْلاَمَ، وقَالَ: (لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ) فَقَتَلَهُ أُسَامَةُ بعدَ ذَلِكَ ظَانًّا أَنَّه إنَّما قَالَهَا لِيَسْلَمَ مِن القَتْلِ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

    فاسْتَدَلُّوا بِهَذِه القِصَّةِ عَلَى أَنَّ مَن قَالَ: (لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ) فهو مُسْلِمٌ ولَوْ فَعَلَ مَا يُنَاقِضُهَا مِن أَنْوَاعِ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ، وكذلك اسْتَدَلُّوا أَيْضًا بقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلاَّ بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ)) قَالُوا: فهذا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَن تَلَفَّظَ بِهَذِه الكَلِمَةِ أَنَّه لاَ يُقْتَلُ، ولَوْ فَعَلَ مَا فَعَلَ مِن أَنْوَاعِ الشِّرْكِ في العِبَادَةِ مَعَ الأَمْوَاتِ والأَضْرِحَةِ، وصَرْفِ العِبَادَاتِ لغَيْرِ اللهِ مَادَامَ أنَّه يَقُولُ: (لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ).

    هَذَا حَاصِلُ شُبْهَتِهِم،وهي شُبْهَةٌ خَطِيرَةٌ إِذَا سَمِعَهَا الجَاهِلُ ربَّما تَرُوجُ عَلَيْهِ، لاَسِيَّمَا أنَّهم طَلَوْهَا بِطِلاَءٍ خَادِعٍ وهو الاسْتِدْلاَلُ بالأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، لكن في غَيْرِ مَوْضِعِها، وَقَدْ أَجَابَ الشَّيْخُ -رَحِمَهُ اللهُ- عَن هَذِه الشُّبْهَةِ بِسِتَّةِ أَجْوِبَةٍ مُجْمَلُهَا:

    الجَوَابُ الأَوَّلُ: أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- قَاتَلَ أُنَاسًا يَقُولُونَ: (لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ) فَقَاتَلَ اليَهُودَ، وهُمْ يَقُولُونَ: (لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ) وقَاتَلَ بَنِي حَنِيفَةَ وهم يَقُولُونَ: (لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ) لَمَّا ظَهَرَ مِنْهُم مَا يُنَافِي هَذِه الكَلِمَةَ، ولَمْ تَنْفَعْهُم هَذِه الكَلِمَةُ، ولَمْ تَكُنْ مَانِعَةً مِن قَتْلِهِم.

    والجَوَابُ الثَّانِي: في بَيَانِ تَنَاقُضِ هؤلاء؛ لأنَّهم يَقُولُونَ: مَن أَنْكَرَ الصَّلاَةَ أَوِ الزَّكَاةَ أَوِ الحَجَّ، أو أَنْكَرَ البَعْثَ والنُّشُورَ يَكْفُرُ عِنْدَهم، وأمَّا مَن أَنْكَرَ التَّوْحِيدَ فإنَّهُ لاَ يَكْفُرُ عِنْدَهم.

    والجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَى حَدِيثِ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ لَيْسَ هو كَمَا فَهِمُوا أَنَّ مَن قَالَ: (لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ) يَكُونُ مُسْلِمًا وَلَو فَعَلَ مَا فَعَلَ مِن الشِّرْكِ والكُفْرِ، وإنَّما مَعْنَاهُ: أَنَّ مَن قَالَ: (لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ) وَجَبَ الكَفُّ عَنْهُ حَتَّى يَظْهَرَ منه مَا يُخَالِفُ مَدْلُولَ هذه الكَلِمَةِ مِن كُفْرٍ أو شِرْكٍ.

    والجَوَابُ الرَّابِعُ: أنَّ اللهَ -سُبْحَانَه وتَعَالَى- قَالَ: {إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}.

    فَأَمَرَ -سُبْحَانَه وتَعَالَى- بالتَّبَيُّنِ -يعني: التَّثبُّتَ- بِشَأْنِ مَن قَال:َ (لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ) فَمَا فَائِدَةُ التَّثبُّتِ إِذَا كَانَ لاَ يُقْتَلُ إِذَا قَالَهَا ولو فَعَلَ مَا فَعَلَ؟!

    والجَوَابُ الخَامِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- أَمَرَ بِقَتْلِ الخَوَارِجِ، وهم مِن أَشَدِّ النَّاسِ عِبَادَةً وخَوْفًا مِن اللهِ، ووَرَعًا بل هم تَتَلْمَذُوا عَلَى الصَّحَابَةِ، ومَعَ هَذَا أَمَرَ بِقَتْلِهِم لَمَّا فَعَلُوا أَشْيَاءَ تَتَنَافَى مَعَ الإِسْلاَمِ، وهم يَقُولُونَ: (لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ) وهم أَشَدُّ النَّاسِ عِبَادَةً وصَلاَةً وتِلاَوةً للقُرْآنِ.

    والجَوَابُ السَّادِسُ: قِصَّةُ بَنِي المُصْطَلِقِ، وهم قَبِيلَةٌ دَخَلُوا في الإِسْلاَمِ، وأَرْسَلَ إِلَيْهِم النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- المُصَدِّقَ لجِبَايَةِ الزَّكَاةِ، ولَكِنَّه لَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِم، بَلْ رَجَعَ إلى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- وَقَالَ: إنَّهُم مَنَعُوا الزَّكَاةَ، فَهَمَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- بغَزْوِهِم، فَأَنْزَلَ اللهُ: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}.

    فالنَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- هَمَّ بغَزْوِهِم وقِتَالِهِم، وَهُم يَقُولُونَ: (لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ) لِمَاذَا؟ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّهُم مَنَعُوا الزَّكَاةَ، فَمَنْعُ الزَّكَاةِ يَتَنَافَى مَعَ قَوْلِ: (لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ) هَذَا مُلَخَّصُ أَجْوِبَةِ الشَّيْخِ -رَحِمَهُ اللهُ- عن هذه الشُّبْهَةِ الخَطِيرَةِ.


  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    قال الشيخ صالح آل الشيخ
    (وللمشركين شبهة أخرى، يقولون: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنكر على
    أسامة قتل من قال لا إله إلا الله، وقال له: ((أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله)) وكذلك قوله) إلى آخره.وهذا الكلام مع جوابه أفاد أن شبهة من احتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله))الجواب على هذه الشبهة مترتب في أمور:
    الأول: أن يقال: (لا إله إلا الله) تُدخِل في الإسلام، ومن دخل في الإسلام بلا إله إلا الله فإنه يُنتظر له حتى يُرى أيكون آتياً بحقوق (لا إله إلا الله) أم لا؟(فلا إله إلا الله) لها حقوق،وأعظم حقوقها التوحيد بل هي في التوحيد مُطابقة، وإذا كان كذلك، فإن قول القائل: (لا إله إلا الله)محمد رسول الله ينتظر به إذا كان قاله في معركة أو إستسلاماً أو نحو ذلك، ولا يعاقب على ما كان منه من الكفر وإنما يُنتظر به.ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)) وجاء في الحديث الآخر أيضاً قال: ((حرم دمه وماله إلا بحقها))، ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، وقاتل النفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)).وقوله: ((إلا بحقها))، ((التارك لدينه المفارق للجماعة)) وهنا: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله))كلها متفقة غير مختلفة. ولهذا نقول في جواب هذه الشبهة ما ذكره الشيخ رحمه الله: أن من قال: (لا إله إلا الله) فيما ظاهره أنه خوف فينتظر به، فإن أتى بحقوق (لا إله إلا الله) قُبلت، وإن خالف حقها من التوحيد، فإنه دل على نفاقه وعلى أنه إنما قالها تعوذاً.وأسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قَتل قبل التثبت، قتل قبل أن يستفصل وأن يرى هل هذا قالها تعوذا أو قالها على الإسلام حقيقة؟

    والجواب الثاني عن هذه الشبهة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاتل اليهود وسباهم، سواءً يهود قريظة أو بني النظير أو يهود خيبر، قاتلهم -عليه الصلاة والسلام- وهم يشهدون (أن لا إله إلا الله) أو يقولون (لا إله إلا الله) بحسب تفسيرهم (للا إله إلا الله) فعليه الصلاة والسلام قاتلهم على الشرك، قاتلهم على أنهم اتخذوا إلهاً مع الله -جل وعلا- كما قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} فدل على أن قول (لا إله إلا الله) مع عدم تطبيقها، مع عدم عمل ما دلت عليه لا ينفع صاحبه؛ لأنه خالف مقتضاها.

    كذلك بنو حنيفة الذين قاتلهم الصحابة، قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه - فيما قدمنا - وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يقولون (لا إله إلا الله) وأن محمداً رسول الله، ويصلون، ويدَّعون الإسلام، لكن لما لم يلتزموا بحكم أداء الزكاة إلى خليفة المسلمين قوتلوا، وكان قتالهم قتال ردة لا قتال بغاة؛ لأنهم ادعوا أنهم غير مخاطبين بحكم الله جل وعلا، بأداء الزكاة لخليفة المسلمين.كذلك الذين حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار - فيما تقدم - هم كانوا يقولون ظاهرا: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).
    قال: (وهؤلاء الجهلة يقولون: إن من أنكر البعث كفر وقُتل ولو قال: لا إله إلا الله، وإن من جحد شيئاً من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها) يعني: أن هؤلاء الذين احتجوا بفعل أسامة، قالوا ما قاله الفقهاء والعلماء: (بأن من جحد البعث كفر، وأن من جحد شيئاً من أركان الإسلام كفر) فكيف إذاً تقولون هنا: يكفر مع قوله (للا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) وإتيانه بالصلاة والزكاة والصيام والحج إلى غير ذلك، وفي هذه المسألة العظيمة مسألة التوحيد تقولون لا يكفر؟!لا شك أن هذا خُلف من القول وتناقض.
    والقاعدة عند أهل العلم واحدة، وهي:أنه من أتى بمكفر قولي أو عملي أو اعتقادي أو شك فيما أنزل الله -جل وعلا- على رسوله صلى الله عليه وسلم -مما كانت دلالته قطعية- فإنه يكفر ولو كان أصلح الصلحاء، بل قد قال الله -جل وعلا- لنبيه عليه الصلاة والسلام: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ}.

    قال المصنف -رحمه الله- في بيان تناقض أهل هذه الشبهة: (فكيف لا تنفعه إذا جحد فرعاً من الفروع) يعني: كيف لا تنفعه (لا إله إلا الله)محمد رسول الله إذا جحد فرعاً من الفروع، مسألة من المسائل، جحد الصلاة، جحد الزكاة، جحد الحج، جحد تحريم الربا، جحد حل البيع، إلى آخر ذلك (وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أساس الملة وأساس دين الرسل ورأسه؟). لا شك أن هذا تناقض، بل الباب باب واحد، الأصول والفروع في هذا سواء، فمن جحد التوحيد كفر، ومن جحد الصلاة كفر، ومن جحد الزكاة كفر، إلى آخر الأمور، فالباب باب واحد، ولا ينفعه قوله (لا إله إلا الله).قال: (ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث ولن يفهموا) أما كونهم ما فهموا:فهذا واضح؛ لما قدمنا.
    أما كونهم لن يفهموا؛ لأن الشبهة إذا قامت بالقلب، والبدعة إذا قامت بالروح وبالقلب؛ فإن صاحبها يصعب عليه الخلاص منها، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: (أن أهل الأهواء تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَبَ بصاحبه، لا يبقى منه مفصل ولا عرق إلا دخله ذلك).فأهل البدع استغرقت البدع في قلوبهم حتى حجبتهم عن نور فهم الكتاب والسنة، وهذه من أنواع العقوبات التي يعاقب بها من ترك الكتاب والسنة إلى غيره، فهذا ملاحظ، تجد أن طائفة منهم، من الأذكياء ومن العلماء وممن عنده علوم مختلفة في التفسير وفي الفقه وفي العقائد إلى غير ذلك، ومع ذلك يقعون في هذه المسألة، وإذا فهمتهم لن يفهموا.وهنا بحث في أنهم إذا لم يفهموا فإنهم لا يعذرون بذلك؛لأن فهم الحجة ليس بشرط، بل الشرط هو إقامة الحجة في التكفير، يعني: لا يُكفر إلا من قامت عليه الحجة الرسالية التي يَكفر من أنكرها أو ترك مقتضاها، وأما فهم الحجة فإنه لا يُشترط.لهذا قال الشيخ هنا رحمه الله: (ما فهموا... ولن يفهموا) وإذا كانوا لن يفهموا فإنه لا يعني أنه يسلب عنهم الحكم بالشرك الأكبر؛ لأن فهم الحجة ليس بشرط.وهذا مبحث بحثه علماء الدعوة والعلماء قبلهم، هل فهم الحجة شرط أم ليس بشرط؟ والله -جل وعلا- قال في كتابه: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} يعني: جعلنا على قلوبهم أكنة، أغطية وحجباً أن يفهموا هذا البلاغ وهذا الإنذار {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} فدل على أن المشرك لم يفقه الكتاب ولم يفقه السنة، يعني: لم يفهم.وتحقيق المقام هنا؛ لأن بعض الناس قال: كيف لا تشترطون فهم الحجة؟ وكيف تقام الحجة بلا فهم؟وتفصيل المقام هنا أن فهم الحجة نوعان:
    النوع الأول: فهم لسان.
    والنوع الثاني: فهم احتجاج.

    - أما فهم اللسان: فهذا ليس الكلام فيه، فإنه شرط في بلوغ الحجة؛ لأن الله -جل وعلا- قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} والله -جل وعلا- جعل هذا القرآن عربياً لتقوم الحجة به على من يفقه اللسان العربي، وإذا كان كذلك فإن فهم اللسانهذا لابد منه، يعني: إذا أتاك رجل يتكلم بغير العربية فأتيت بالحجة الرسالية باللغة العربية وذاك لا يفهم منها كلمة، فهذا لا تكون الحجة قد قامت عليه بلسانٍ لا يفهمه حتى يبلغه بما يفهمه لسانه.

    والنوع الثاني من فهم الحجة:هو فهم احتجاج، يعني: يفهم أن تكون هذه الحجة التي في الكتاب والسنة -حجة في التوحيد أو في غيره- أرجح وأقوى وأظهر وأبين، أو هي الحجة الداحضة لحجج الآخرين، وهذا النوع لا يشترط؛ لأنه -جل وعلا- بين لنا وأخبر أن المشركين لم يفقهوا الحجة:

    -فقال جل وعلا: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ}.
    -وقال سبحانه: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ}.
    -{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ}.
    فهم لا يسمعون سمع فائدة، وإن سمعوا سمع أذن، ولا يستطيعون أن يسمعوا سمع الفائدة وإن كانوا يسمعون سمع أذن.
    وقد قال جل وعلا: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} وقال سبحانه: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} حتى وصفهم بأنهم يستمعون وليس فقط يسمعون، بل يستمعون، يعني: ينصتون، ومع ذلك نفى عنهم السمع:
    -بقوله: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ}.
    -وبقوله: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ}.
    -وقوله -جل وعلا- في سورة تبارك:{وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}.
    فإذاً: هم سمعوا سمع لسان، لكن لم يسمعوا الحجة سمع قلب وسمع فهم للحجة،يعني: أنها راجحة، ولم يفهموا الحجة ولكنهم فهموها فهم لسان، فهموها لأنها أقيمت عليهم بلسانهم الذي يعلمون معه معاني الكلام، ولكن لم يفهموها بمعنى أن الحجة هذه راجحة على غيرها؛ ولهذا قال تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ}
    الوجه الثاني:

    أن الكفر والكفار أنواع:

    منهم:من كفره كفر عناد.

    ومنهم:من كفره كفر تقليد{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ}، {وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}.
    -ومن الكفار من كفره كفر إعراض، معرض عن الحق {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ}.
    وإذا اشتُرط فهم الاحتجاج للحجة، فمعنى ذلك: المصير إلى مخالفة الإجماع بالقول بأنه لا يكفر إلا المعاند، إذا قيل إنه يشترط فهم الاحتجاج، يعني: أن يفهم من أقيمت عليه الحجة أن هذه الحجة أقوى وتدحض حجة الخصوم، فمعنى ذلك: أن يصير القول إلى أنه لا يكفر إلا من كان معانداً فقط، ومعلومٌ أن الكفار ليسوا كلهم معاندين، بل منهم المعاند ومنهم غير المعاند، فمنهم من جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم، ومنهم المقلّد، ومنهم المعرض، إلى غير ذلك.فإذاً: فهم الحجة ليس شرطاً في إقامتها، ونعني بفهم الحجة: فهم الحجة من حيث كونها داحضةً لحجج الخصوم، ومن حيث كونها أوضح من حجج الخصوم.فلو قال بعد إقامة الحجة عليه، وبيان الأدلة من الكتاب والسنة، وبيان معنى العبادة، ويقيم الحجة عالم يعلم كيف يقيم الحجة ويزيل الشبهة، لهذا يقول العلماء: الحجة الرسالية، مثل ما يقول شيخ الإسلام في مواضع كثيرة: (ويكفر من قامت عليه الحجة الرسالية). الحجة الرسالية، يعني: التي يقيمها الرسل أو ورثة الرسل ممن يحسنون إقامة الحجة، سمع بالحجة وأنصت لها ثم لم يقتنع، قال: أنالم أقتنع، فعدم الاقتناع هو عدم الفهم ليس بشرط في تمام إقامة الحجة، لهذا الشيخ -رحمه الله- نبه على ذلك بقوله: (ولن يفهموا). وكونهم لن يفهموا لما أُشربت قلوبهم من حب الشرك وحب البدع ومخالفة السنة.ثم بين -رحمه الله- فقال: (فأما حديث أسامة، فإنه قتل رجلاً ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعى الإسلام إلا خوفا على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك، وأنزل الله تعالى في ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً} الآية) إلى أن قال تعالى في آخرها: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا}يعني: أن الله -جل وعلا- يمنّ، فمن قال هذه الكلمة فيُنتظر في شأنه حتى يُرى ما يأتي به من حقوق (لا إله إلا الله).قال: (فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قُتِل لقوله تعالى: {فَتَبَيَّنُوا} ولو كان لا يُقْتَلُ إذا قالها لم يكن للتثبت معنى، وكذلك الحديث الآخر وأمثاله، فمعنى ما ذكرناه أن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلا إن تبين منه ما يناقض ذلك) وهذا الذي قاله الشيخ -رحمه الله- محل إجماع بين أهل العلم في تفسير حديثأسامة بن زيد في قتله الرجل، وغير هذا الحديث من أشباهه.


    وأما الأحاديث التي عُلّق فيها قتال الناس بقول: (لا إله إلا الله)((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها)) فإن في الحديث الاستثناء بقوله: ((إلا بحقها))وأعظم حقوقها الواجبة التي تدل عليها الكلمة المطابقة: التوحيد.قال: (والدليل على هذا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي قال:((أقتلته بعد ما قال لا الله إلا الله)) قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)) وهذا واضح أيضاً، وهو الذي قال في الخوارج:((أينما لقيتموهم فاقتلوهم لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)) مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلاً وتسبيحاً) إلى آخر الكلام. وهنا تنبيه على أنه ليس ثَمَّ تلازم ما بين القتال والحكم بالكفر،فقد يحكم بالكفر ولا يقاتل، وقد يقاتل وليس بكافر، يعني: ليس كل من قوتل فإنه كافر، بل تقاتل الطائفة التي تـمتنع عن إظهار شعيرة من شعائر الإسلام، التي تمنع شعيرة من شعائر الإسلام، تقول: (أنا لا أظهر الأذان، لا أظهر الصلوات جماعة، لا ندعوا، كلٌّ يصلي - مثلاً - في بيته، لا نقيم المساجد) ونحو ذلك من شعائر الإسلام، فإنهم وإن كانوا مقرين بذلك لكن إن منعوا هذا فإنهم يقاتلون.

    وإن كان تركهم لبعض السنن؛ لأن الطائفة المانعة لشعيرة من شعائر الله تقاتل حتى تُظْهر شعائر الله، وأظهر منه الطائفة الممتنعة التي لم تلتزم حكماً من أحكام الله فإنها تقاتل قتال كفر وردة.إذاً: فمن حكم عليه بأنه يقتل أو يقاتل لا يلزم منه أنه يكفر، وكل من كفر فقد يُقتل وقد لا يقتل أيضاً.

    فإذاً:قد يكون الحال أن الكافر يقتل وقد يؤخر فلا يقتل، وكذلك حال القتال فقد يقاتَل من كان كافراً وقد يقاتل من ليس بكافر، ومن النوع الأخير هذا الخوارج، فإن الخوارج لا يحكم بكفرهم؛ لأن علياً -رضي الله- عنه سئل عنهم: أكفارٌ هم؟ فقال: (من الكفر فروا).وفي كفرهم روايتان عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، والمنصور من الروايتين أنه لا يطلق القول بتكفير الخوارج، يعني: الخوارج الذين قاتلوا علياً -رضي الله- عنه وحصل منهم ما حصل مما هو معروف.قال: (وهم تعلموا العلم من الصحابة فلم تنفعهم لا إله إلا الله) الصحابة -رضوان الله عليهم- علّموا العلم في المدينة، وفي مكة، وفي مصر، وفي الشام، وفي اليمن، والخوارج اجتمعوا من هذه الأقطار، أتى طائفة منهم من اليمن وطائفة من المدينة وطائفة من مصر وطائفة من الشام، فتجمعوا على هذا.

    فلا يُزكَّون بأنهم من تلاميذ الصحابة، فإن التلمذة شيء والثبات على الحق شيء آخر، بل إن عبد الرحمن بن مُلجَم قاتل علي - رضي الله عن علي - كان في المدينة من أكثر الناس إحساناً للقرآن، فكتب عمر -رضي الله عنه- إلى عامله على مصر عمرو بن العاص -رضي الله عنه- فقال له: (إني مرسل إليك برجل آثرتك به على نفسي - وهو عبد الرحمن بن ملجم - اجعل له داراً يعلّم الناس فيها القرآن) فلما وصل المكتوب إلى عمرو استأجر له داراً أو اكترى له داراً، فجعله يعلم الناس.وكان من أكثر الناس عبادة - عبد الرحمن بن ملجم - ومن أكثر الناس صلاحاً -في أول أمره- حتى دخلته الفتنة بالقيام على عثمان رضي الله عنه، ثم سار مع علي، إلى أن حصل آخر أمره بقتل علي رضي الله عنه، حتى إنه لما قتله وأرادوا القصاص منه، قال: (لا تقتلوني دفعة واحدة، بل قطعوني أجزاء؛ حتى أرى جسدي يُقَطَّعُ وأنا صابر في سبيل الله ولساني يلهج بذكر الله) وهذا من أعظم الفتن التي حصلت لطائفة بعده؛ حتى قال بعض أصحابه بعده ممن غرهم هذا المظهر، قال في مدح عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي:
    يا ضربة من تقي، يعني: عبد الرحمن بن ملجم، يصفه بأنه تقي صالح.

    يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ........ ليبلغ من ذي العرش رضوانا

    إني لأذكره حيناً فأحسبـه ............. أوفى البرية عند الله ميزانـاِ

    هذا من قول عمران بن حِطَّان، وقد تاب - فيما يقال - في آخر عمره من قول الخوارج.المقصود من هذا: أن قول الشيخ رحمه الله: (حتى إن الصحابة يحقرون صلاتهم عندهم وهم تعلموا العلم من الصحابة)، يدل على أن تعلم العلم ممن هو على الحق لا يعني أن يوصف صاحبه بأنه على الحق دائماً، فإن المعلم لا يكون حَكَماً على من تعلم منه دائماً، فكم خرج ممن علَّمهم أهل السنة والأئمة وأهل العلم ممن ليسوا على طريقة أهل السنة بل راحوا إلى البدع وإلى الضلالات، بل وإلى بعض الكفريات - نسأل الله جل وعلا العافية - حتى بعض من درس التوحيد في هذه المدارس والجامعات، إلى آخره، وعرف السنة وعرف العقيدة الصحيحة زاغ عنها بعد ذلك، فليست التزكية بأن شيخه فلان، وإنما التزكية بأنه ثبت على قول الأشياخ من أهل السنة، وهذا ظاهر والحمد لله، وفي قصة الخوارج عبرة لمن اعتبر.

    قال: (وهم تعلموا العلم من الصحابة فلم تنفعهم لا إله إلا الله) يعني: في الكف عنهم بألا يقاتلوا.(ولا كثرة العبادة ولا ادعاء الإسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة) فإذا ظهرت مخالفة الشريعة فإنهم يقاتلون، سواء أقلنا بكفرهم أم لم نقل بكفرهم؛ لأن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: ((أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم لمن قتلهم أجراً عند الله جل وعلا)) وقال: ((لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)).
    قال: (وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود وقتال الصحابة بني حنيفة من هذا الباب، وكذلك أراد -صلى الله عليه وسلم- أن يغزو بني المصطلق لما أخبره رجل منهم أنهم منعوا الزكاة، حتى أنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} وكان الرجل كاذباً عليهم، وكل هذا يدل أن مراد النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه).وهذا تطويل من الشيخ -رحمه الله- للإيضاح، واستطراد للبيان في أن قول (لا إله إلا الله)محمد رسول الله لا ينفع صاحبه إلا إذا أتى بحقوقه ((إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل)) فإذا لم يأت بحقها فإنه لا يقبل منه ذلك، بل إما أن يقاتل قتال كفر إذا كان الذي ترك من حقها التوحيد، وإما أن تقاتل الطائفة قتال بغاة إذا كان الذي تركوا من حقها دون التوحيد فمنعوه ولم يمتنعوا منه.





  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    كشف الشبهة الثالثة عشرة وهي احتجاجهم بأن الناس يطلبون الشفاعة من الأنبياء يوم القيامة
    قال الامام محمد بن عبد الوهاب فى رسالة كشف الشبهات

    وَلَهُمْ شُبْهَةٌ أُخْرى:
    وَهِيَ ما ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ يَسْتَغِيثُونَ بآدَمَ، ثُمَّ بِنُوحٍ، ثُمَّ بِإِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ بِمُوسى، ثُمَّ بِعِيسَى، فَكُلُّهُمْ يَعْتَذِرُون حَتَّى يَنْتَهُوا إِلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: فَهَذا يَدُلُّ عَلى أَنَّ الاسْتِغَاثَةَ بِغَيْرِ اللهِ لَيْسَتْ شِرْكاً.

    فَالجوَابُ:
    أَنْ تَقُولَ: سُبْحَانَ مَنْ طَبَعَ على قُلُوبِ أَعْدَائِهِ، فَإِنَّ الاسْتِغَاثَةَ بِالمَخْلُوقِ على ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ لا نُنْكِرُها، كَمَا قَالَ تَعالى في قِصَّةِ موسى: {فاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} وَكَمَا يَسْتَغِيثُ الإِنْسَانُ بِأَصْحَابِهِ في الحَرْبِ وغيرِه في أَشْياء يَقْدِرُ عَلَيْها المَخْلُوقُ، وَنَحْنُ أَنْكَرْنَا اسْتِغَاثَةَ العِبَادَةِ الَّتِي يَفْعَلُونَها عِنْدَ قُبُورِ الأَوْلِيَاءِ وغيرِهم أَوْ في غَيْبَتِهِم في الأَشْياء الَّتي لا يَقْدِرُ عَلَيْها المخلوق ولا يقدر عليها إلا الله تعالى.

    إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فالاستغاثةُ بِالأَنْبِيَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ يُرِيدُون مِنْهُمْ أَنْ يَدْعُوا اللهَ أَنْ يُحَاسِبَ النَّاسَ حَتَّى يَسْتَرِيحَ أَهْلُ الجَنَّةِ مِنْ كَرْبِ المَوْقِفِ،وَهَذَا جَائِزٌ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، أَنْ تَأْتِيَ عِنْدَ رَجُلٍ صَالحٍ حيٍّ يُجَالِسُكَ ويَسْمَعُ كَلامَكَ تَقُولُ لَهُ: ادْعُ اللهَ لِي، كَمَا كانَ أَصْحابُ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَهُ في حَيَاتِهِ؛ في الاستسقاء وغيره، وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَحَاشَا وَكَلاَّ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ ذَلِكَ عِنْدَ قَبْرِهِ، بَلْ أَنْكَرَ السَّلَفُ عَلَى مَنْ قَصَدَ دُعَاءَ اللهِ عِنْدَ قَبْرِهِ فَكَيْفَ دُعَاءَه نَفْسِهِ؟.

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ
    (وَلَهُم شُبْهَةٌ أُخْرَى) يَعْنِي: مُشْرِكِي هَذِهِ الأَزْمَانِ، غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ (وَهو مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَثَبَتَ (أَنَّ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ يَسْتَغِيثُونَ بآدَمَ، ثُمَّ بِنُوحٍ، ثُمَّ بِإِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِعِيسَى) إِذَا اشْتَدَّ وطَالَ بِهُم المَوْقِفُ عَمَدُوا إِلَى الاسْتِغَاثَةِ بهؤلاء (فَكُلُّهُم يَعْتَذِرُونَ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَيَقُولُ: ((أَنَا لَهَا)) (قَالُوا) قَالَ المُشَبِّهُونَ بِهَذَا الحَدِيثِ: (فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الاسْتِغَاثَةَ بِغَيْرِ اللهِ لَيْسَتْ شِرْكًا) وَهَذَا مِن جَهْلِهِم، مَا عَرَفُوا الفَرْقَ بَيْنَ الاسْتِغَاثَتَي ْنِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيَاتُه مَعَهُم في القِيَامَةِ أَكْمَلُ.وَالاسْتِغَاثَة ُ الشِّرْكِيَّةُ التي أَنْكَرْنَاهَا هي ما يَأْتِي بَيَانُه؛ وهي الاسْتِغَاثَةُ بالغَائِبِ أو المَيِّتِ أو الحَيِّ الحَاضِرِ الذي لاَ يَقْدِرُ.وأَمَّا الجَائِزَةُ فهي طَلَبُ الحَيِّ الحَاضِرِ، وجِنْسُ سُؤَالِ النَّبِيِّ مَوْجُودٌ في اليَوْمِ الآخِرِ وإِنْ كَانَ قَد انْقَطَعَ العَمَلُ، مَوْجُودٌ في النُّصُوصِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْفَعُ لِمَنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ.فَفَرْقٌ بَيْنَ مَا هو مَعْلُومُ الجَوَازِ وَبَيْنَ مَا هو مَعْلُومُ الحُرْمَةِ والشِّرْكِ.

    (فالجَوَابُ أَنَّ نَقُولَ: سُبْحَانَ مَن طَبَعَ عَلَى قُلُوبِ أَعْدَائِهِ) فَحَالَ بَيْنَهُم وبَيْنَ مَعْرِفَةِ الفَرْقِ بَيْنَ هَذِه الاسْتِغَاثَةِ وهذه الاسْتِغَاثَةِ؛ فَصَارُوا لاَ يُبْصِرُونَ الشَّمْسَ في رَابِعَةِ النَّهَارِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الشِّرْكِ والتَّوْحِيدِ فَهَذِهِ شَيْءٌ وهَذِهِ شَيْءٌ آخَرُ، وبَيْنَهُما فَرْقٌ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ وفَرْقٌ في الحُكْمِ والحَدِّ (فَإِنَّ الاسْتِغَاثَةَ بالمَخْلُوقِ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لاَ نُنْكِرُهَا) يَسْتَغِيثُ إِنْسَانٌ إِنْسَانًا في شَيْءٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ (كَمَا قَالَ تَعَالَى في قِصَّةِ مُوسَى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} وَكَمَا يَسْتَغِيثُ الإِنْسَانُ بِأَصْحَابِهِ في الَحْربِ، وغَيْرِهَا مِن الأَشْيَاءِ التي يَقْدِرُ عَلَيْهَا المَخْلُوقُ.وَنَحْنُ أَنْكَرْنَا اسْتِغَاثَةَ العِبَادَةِ التي يَفْعَلُونَها عِنْدَ قُبُورِ الأَوْلِيَاءِ) الأَمْواتِ مُطْلَقًا (أو في غَيْبَتِهِم) والغَائِبِينَ مُطْلقًا.

    وَقَوْلُه: (عِنْدَ قُبُورِ الأَوْلِيَاءِ في غَيْبَتِهِم) خَرَجَ مَخْرَجَ الوَاقِعِ والغَالِبِ؛ وإِلاَّ فالأَصْنَامُ ونَحْوُها كَذَلِكَ والحَيُّ الحَاضِرُ (في الأَشْيَاءِ التي لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلاَّ اللهُ) كَالسُّؤَالِ مِنْهُ هِدَايَةَ القُلُوبِ؛ أَوْ رَفْعَ جَبَلٍ ونَحْوَه، وَهَذَا كُلُّهُ اسْتِغَاثَةٌ شِرْكِيَّةٌ وكُلُّهَا أَنْكَرْنَاهَا؛ فَمَن سَوَّى بَيْنَهُما فَقَدْ سَوَّى بَيْنَ المُتَضَادَّيْن ِ وسَوَّى بَيْنَ المُخْتَلِفَيْن ِ، فهو نَظِيرُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ المُتَماثِلَيْن ِ؛ فإِنَّ الاسْتِغَاثَةَ بالمَيِّتِ شِرْكٌ أَصْلاً لِكَوْنِهِ فَاقِدَ الحَرَاكِ ولاَ يَدْرِي وَلاَ يَقْدِرُ.
    والاسْتِغَاثَةُ بالغَائِبِ أيضًا شِرْكٌ لِكَوْنِهِ لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَدْرِي.
    والاسْتِغَاثَةُ بالحَيِّ الحَاضِرِ فيها تَفْصيِلٌ:
    -فَإِنْ كَانَ فِيمَا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ كَرَدِّ البَصَرِ بِغَيْرِ أَمْرٍ طِبِّيٍّ، أو هِدَايَةِ القَلْبِ بِغَيْرِ الإِرْشَادِ والحُجَّةِ أو نحوِ ذلك، فَهَذَا كُلُّه شِرْكٌ أَنْ يَفْعَلَ بِسِرِّهِ -أي: بأُلُوهِيَّتِهِ- شَيْئًا مِن ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذََا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلاَّ اللهُ.

    - والاسْتِغَاثَةُ بالحَيِّ الحَاضِرِ القَادِرِ أَمْرٌ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ مَعْلُومٌ بالشَّرْعِ والحِسِّ والاسْتِعْمَالِ ؛ فَإِنَّ الإِنْسَانَ مَدَنِيٌّ مُحْتَاجٌ إلى بَنِي جِنْسِهِ ومُسَاعَدَتِهم في جَمِيعِ مَعَاشِهِ واتِّصَالاَتِهِ وهَكَذَا كُلُّ حَيَاةِ العَالَمِ عَلَى هَذَا.


    (إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ) أي: إِذَا تَقَرَّرَ مَا تَقَدَّمَ وهو الفَرْقُ بَيْنَ الاسْتِغَاثَتَي ْنِ؛ الاسْتِغَاثَةِ الشِّرْكِيَّةِ التي أَنْكَرْنَاهَا، والجَائِزَةِ، أنَّ التي أَنْكَرْنَاهَا اسْتِغَاثَةُ العِبَادَةِ …. إلخ، لا الاسْتِغَاثَةُ بالحَيِّ الحَاضِرِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ (فالاسْتِغَاثَة بالأَنْبِيَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ) مِن الثَّانِيَةِ؛ فَإِنَّهَا اسْتِغَاثَةٌ بِحَيٍّ حَاضِرٍ قَادِرٍ، هم مَعَ النَّاسِ حَاضِرِينَ قَادِرِينَ في حَيَاةٍ أَكْمَلَ مِن هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا (يُرِيدُونَ مِنْهُم أَنْ يَدْعُوا اللهَ أنْ يُحَاسِبَ النَّاسَ حَتَّى يَسْتَرِيحَ أَهْلُ الجَنَّةِ مِن كَرْبِ المَوْقِفِ) فحَقِيقَتُهَا أَنْ يَرْغَبُوا إِلَيْهِم أَنْ يَسْأَلُوا اللهَ ويَدْعُوه (وَهَذَا جَائِزٌ في الدُّنْيَا) وَلاَ مَحْذُورَ فِيهِ (و) جَائِزٌ في (الآخِرَةِ أَنْ تَأْتِيَ عِنْدَ رَجُلٍ صَالِحٍ حَيٍّ يُجَالِسُكَ ويَسْمَعُ كَلاَمَكَ) قَادِرٍ عَلَى الكَلاَمِ (وَتَقُولَ: ادْعُ اللهَ لِي)؛ لأَِنَّه مُتَمَكِّنٌ؛ وكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ مَعَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ مُتَمَكِّنُونَ أَنْ يَسْأَلُوا اللهَ وَيَدْعُوه (كَمَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَه) ذَلِكَ (في حَيَاتِهِ) كَمَا قَالَتْ أُمُّ أَنَسٍ: (يَا رَسُولَ اللهِ، خُوَيْدِمُكَ أَنَسٌ ادْعُ اللهَ لَهُ) وكَمَا قَالَ عُكَّاشَةُ بنُ مِحْصَنٍ: (ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ).(وأَمَّا بعدَ مَوْتِهِ فَحَاشَا وَكَلاَّ أَنَّهُم سَأَلُوه ذَلك عِنْدَ قَبْرِهِ) بل جَاءَتْهُمُ الكُرُوبُ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ زَمَنَ الحَرَّةِ ولاَ غَيْرِها بل يَعُدُّونَه مِن أَعْظَمِ المُنْكَرَاتِ؛ فَإِنَّ هَذَا هو الشِّرْكُ الأَكْبَرُ، ولِعِلْمِهِم أنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ في حَيَاتِهِ وَأَنَّه انْقَطَعَ بَعْدَ مَمَاتِهِ فَلاَ يَسْتَغِيثُونَه ولاَ يَسْأَلُونَه أَنْ يَدْعُوَ اللهَ لَهُم أو يَدْعُوَ لَهُ (بل أَنْكَرَ السَّلَفُ عَلَى مَن قَصَدَ دُعَاءَ اللهِ) وَحْدَه مُخْلِصًا (عِنْدَ قَبْرِهِ) قَبْرِ النَّبِيِّ يَظُنُّهُ أَجْوَبَ كَمَا أَنْكَرَ عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ، وهو أَعْلَمُ أَهْلِ البَيْتِ في زَمَانِهِ، عَلَى مَن أَتَى قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو اللهَ فَنَهَاهُ وقَالَ: أَلاَ أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِن أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((لاَ تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَلاَ بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ)).
    (فَكَيْفَ دُعَاؤُهُ) النَّبِيَّ (نَفْسَهُ) إِذَا كَانَ هَذَا إِنْكَارَ السَّلَفِ عَلَى مَن قَصَدَ دُعَاءَ اللهِ وَحْدَه لاَ شَرِيكَ له عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ فَكَيْفَ دُعَاؤُه نَفْسِه؟ كَيْفَ لَوْ وجَدُوهُ يَدْعُو النَّبِيَّ نَفْسَهُ؟ فَإِنَّهُم يَكُونُونَ أَشَدَّ إِنْكَارًا؛ فَإِنَّ الأَوَّلَ بِدْعَةٌ ولاَ يَجُوزُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَهُو الشِّرْكُ الأَكْبَرُ؛ لأَِنَّهُ صَدَرَ مِنْهُ مُخُّ العِبَادَةِ وهو دُعَاءُ غَيْرِ اللهِ، فَمَا ظَنُّكَ لَوْ سَمِعُوا مَن يَقُولُ: انْصُرْنِي أَوْ ارْزُقْنِي؟



    ------------------------ قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين
    قولُهُ: (ولهم شُبْهةٌ أخرى) يَعْنِي: في أنَّ الاستغاثةَ بغيرِ اللهِ لَيْسَتْ شركًا.
    وقدْ أَجابَ عنها بِجوابيْنِ:

    الأوَّلُ: أنَّ هذهِ استغاثةٌ بمخلوقٍ فيما يَقْدِرُ عليهِ، وهذا لا يُنْكَرُ؛ لِقولِهِ تعالى في قِصَّةِ مُوسَى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ}.
    الجوابُ الثَّاني: أنَّ النَّاسَ لمْ يَسْتَغِيثوا بهؤلاءِ الأنبياءِ الكرامِ لِيُزِيلوا عنهم الشِّدَّةَ، ولكنَّهم يَسْتَشْفِعونَ بهم عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ لِيُزِيلَ هذهِ الشِّدَّةَ.
    وهناكَ فرقٌ بينَ مَنْ يَسْتَغِيثُ بالمخلوقِ لِيَكْشِفَ عنه الضَّرَرَ والسُّوءَ، ومَنْ يَسْتَشْفِعُ بالمخلوقِ إلى اللهِ لِيُزِيلَ اللهُ عنهُ ذلكَ.

    قولُهُ: (إذا ثَبَتَ ذلكَ فاسْتِغاثَتُهم بالأنبياءِ...) إلخ، هذا هوَ الجوابُ الثَّاني، وهوَ: أنَّ استغاثتَهم بالأنبياءِ مِنْ بابِ طلَبِ دعائِهم إلى اللهِ عزَّ وجلَّ أنْ يُرِيحَ الخلْقَ مِنْ هذا المَوْقِفِ العظيمِ، وليسَ دُعاءً لهم، بلْ طلبَ دعائِهم لربِّهم عزَّ وجلَّ، وهذا أمرٌ جائزٌ كما أنَّ الصَّحابةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهم يَسْأَلونَ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يَدْعُوَ اللهَ لهم، فَفِي الصَّحيحَيْنِ مِنْ حديثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّ رَجُلاً دَخَلَ المسجدَ يومَ الجُمُعةِ والنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَقالَ: (يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَت الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَت السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُغِيثُنَا) - ولمْ يَقُلْ: فأَغِثْنا يا رسولَ اللهِ، بلْ قالَ: (فَادْعُ اللهَ يُغِيثُنَا) - فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ وَقَالَ: ((اللهُمَّ أَغِثْنَا)) ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَأَنْشَأَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَحَابَةً فَأَمْطَرَتْ، وَلَمْ يَرَوا الشَّمْسَ أُسْبُوعًا كَامِلاً وَالمَطَرُ يَنْهَمِرُ.
    وَفِي الجُمُعَةِ التَّالِيَةِ دَخَلَ رَجُلٌ، أَو الرَّجُلُ الأَوَّلُ، فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللهِ، غَرِقَ المَالُ وَتَهَدَّمَ البِنَاءُ، فَادْعُ اللهَ تَعَالَى يُمْسِكُهَا عَنَّا) فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ وَقَالَ: ((اللهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا، اللهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ)) فَانْفَرَجَت السَّمَاءُ وَخَرَجَ الصَّحَابَةُ يَمْشُونَ فِي الشَّمْسِ. فهذا طلَبُ دُعاءٍ مِنْ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ للهِ عزَّ وجلَّ، وليسَ دُعَاءً لِرسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، ولا اسْتِغَاثةً بهِ. وبِهذا يُعْرَفُ أنَّ هذهِ الشُّبْهةَ الَّتي لَبَّسَ بها هؤلاءِ شُبْهةٌ لا تَنْفَعُهم، بلْ هيَ حُجَّةٌ داحِضةٌ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ.

    ثمَّ ذَكَرَ المؤلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ أنَّهُ لا بَأْسَ أنْ تَأْتِيَ لِرَجُلٍ صالحٍ تَعْرِفُهُ وتَعْرِفُ صلاحَهُ، فتَسْأَلَهُ أنْ يَدْعُوَ اللهَ لكَ، وهذا حقٌّ، إلاَّ أنَّهُ لا يَنْبَغِي للإِنسانِ أنْ يَتَّخِذَ ذلكَ دَيْدَنًا لهُ، كُلَّما رَأَى رجلاً صالِحًا قالَ: ادْعُ اللهَ لي، فإنَّ هذا ليسَ مِنْ عادةِ السَّلَفِ رَضِيَ اللهُ عَنْهم، وفيهِ اتِّكالٌ على دُعاءِ الغيرِ، ومِن المَعلومِ أنَّ الإنسانَ إذا دَعا ربَّهُ بِنفسِهِ كانَ خيرًا لهُ؛ لأنَّهُ يَفْعَلُ عِبادةً يَتَقَرَّبُ بِها إلى اللهِ عزَّ وجلَّ؛ فإنَّ الدُّعاءَ مِن العبادةِ كما قالَ اللهُ تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} الآيةَ.والإِنسانُ إذا دَعا ربَّهُ بنفسِهِ فإنَّهُ يَنالُ أجْرَ العِبادةِ، ثمَّ يَعْتَمِدُ على اللهِ عزَّ وجلَّ في حُصولِ المَنْفَعَةِ ودَفْعِ المَضَرَّةِ، بِخلافِ ما إذا طَلَب مِنْ غيرِهِ أنْ يَدْعُوَ اللهَ لهُ؛ فإنَّهُ يَعْتَمِدُ على ذلكَ الغيرِ، ورُبَّما يَكونُ تَعَلُّقُهُ بهذا الغيرِ أَكْثَرَ مِنْ تَعَلُّقِهِ ب اللهِ عزَّ وجلَّ، وهذا الأمرُ فيهِ خُطورةٌ. وقدْ قالَ شيخُ الإِسلامِ رَحِمَهُ اللهُ: (إذا طَلَبَ الإِنسانُ مِنْ شخصٍِ أنْ يَدْعُوَ لهُ فإنَّ هذا مِن المسألةِ المذمومةِ) فيَنْبَغِي للإِنسانِ إذا طَلَبَ مِنْ شخصٍ أنْ يَدْعُوَ لهُ أنْ يَنْوِيَ بذلكَ نفْعَ ذلكَ الغيرِ بِدعائِهِ لهُ، فإنَّهُ يُؤْجَرُ على هذا، وربَّما يَنالُ ما جاءَ بهِ الحديثُ أنَّ الرَّجلَ إذا دَعا لأخيهِ بِظَهْرِ الغيبِ قَالَت الملائكةُ: ((آمِينَ، ولكَ بِمثلِها)).--------------------------- قال الشيخ صالح الفوزان
    هذه شُبْهَةٌ أُخْرَى مِن شُبَهِهِم وهي أنَّهم يَقُولُونَ: إِنَّه ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ -حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ العُظْمَى- أنَّ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِذَا طَالَ عَلَيْهِم الوُقُوفُ والقِيَامُ عَلَى أَقْدَامِهِم خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، والشَّمْسُ قَدْ دَنَتْ مِنْهُم، فالخَلاَئِقُ كلُّهُم مَجْمُوعُونَ مِن أَوَّلِهِم إلى آخِرِهِم في زِحَامٍ شَدِيدٍ، والشَّمْسُ عَلَى رُؤُوسِهِم قَرِيبَةٌ مِنْهُم، وهُم واقِفُونَ عَلَى أَقْدَامِهِم، فَعِنْدَمَا يَحْصُلُ لَهُم هذا الكَرْبُ يَتَذَاكَرُونَ الشَّفَاعَةَ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَرَوْنَ أنَّ الأنْبِيَاءَ هم أَوَّلُ الَّذِينَ يَشْفَعُونَ عِنْدَ اللهِ.

    فَيَأْتُونَ إِلَى آدَمَ يَطْلُبُونَ منه أَنْ يَشْفَعَ عِنْدَ اللهِ لَهُم لِيُرِيحَهُم مِن المَوْقِفِ فيَعْتَذِرُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- بِسَبَبِ مَا حَصَلَ مِنْهُ مِن الخَطِيئَةِ، مَعَ أنَّه تَابَ مِنْهَا وتَابَ اللهُ عَلَيْهِ، ولَكِنْ يَسْتَحِي مِن اللهِ -عزَّ وجلَّ- ثُمَّ يَأْتُونَ إلَى نُوحٍ أوَّلِ الرُّسُلِ فَيَعْتَذِرُ، ثُمَّ يَأْتُونَ إِلَى مُوسَى فيَطْلُبُونَ منه فيَعْتَذِرُ، ثُمَّ يَأْتُونَ إلى عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلامُ- آخِرِ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فيَعْتَذِرُ؛ لأَِنَّ المَوْقِفَ مَوْقِفٌ عَظِيمٌ أَمَامَ اللهِ -سُبْحَانَه وتَعَالَى- ثُمَّ يَأْتُونَ إِلَى مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- فيَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((أَنَا لَهَا أَنَا لَهَا)) ثُمَّ يَأْتِي ويَسْجُدُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، ويَحْمَدُ اللهَ ويُثْنِي عَلَيْهِ، ويَدْعُوه ويَسْتَمِرُّ سَاجِدًا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ حَتَّى يُقَالَ لَهُ: ((يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ)) لأَِنَّه لاَ أَحَدَ يَشْفَعُ عِنْدَ اللهِ إلاَّ بإذْنِهِ.
    والرَّسُولُ ما ذَهَبَ إِلَى اللهِ وشَفَعَ ابْتِدَاءً، بل اسْتَأْذَنَ مِن رَبِّهِ وسَجَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ حتَّى أَذِنَ له، وهذا كقولِهِ تَعَالَى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إلاَّ بِإِذْنِهِ} فَيَطْلُبُ مِن اللهِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ عِبَادِهِ، ويُرِيحَهُم مِن المَوْقِفِ، فَيَسْتَجِيبُ اللهُ شَفَاعَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهذه تُسَمَّى الشَّفَاعَةَ العُظْمَى والمَقَامَ المَحْمُودَ، وهي قولُه تَعَالَى: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} بِمَعْنَى أنَّه يَحْمَدُهُ عَلَيْهِ الأَوَّلُونَ والآخِرُونَ.

    قَالَ القُبُورِيُّونَ :فهذا فيه جَوَازُ الاسْتِغَاثَةِ بالأَنْبِيَاءِ والأَوْلِيَاءِ والصَّالِحِينَ، وأَنْتُم تَقُولُونَ: لاَ يُسْتَغَاثُ إلاَّ باللهِ وقَالُوا: فهذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ طَلَبَ الشَّفَاعَةِ مِن الرَّسُولِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- جَائِزٌ حيًّا وميِّتًا، وكذلك غيرُه.

    والجَوَابُ عن هذا كَمَا يَقُولُ الشَّيْخُ:إنَّ هذا طَلَبٌ مِن إِنْسَانٍ حَيٍّ قَادِرٍ عَلَى الدُّعَاءِ، وعَلَى الاسْتِئْذَانِ بالشَّفَاعَةِ، والطَلَبُ مِن الإنسانِ في حَالِ حَيَاتِهِ وقُدْرَتِهِ لَيْسَ هو مِن المَمْنُوعِ، كَمَا في قِصَّةِ مُوسَى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} وكَمَا يَسْتَغِيثُ الإِنسانُ بإخْوَانِهِ في الحَرْبِ وغَيْرِهَا.

    فهذا فيه دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الاسْتِغَاثَةَ بالحَيِّ فيما يَقْدِرُ عَلَيْهِ جَائِزَةٌ،والَّذِي يَقَعُ مِن الأُمَمِ يَوْمَ القِيَامَةِ هو اسْتِغَاثَةٌ بالحَيِّ وطَلَبُ الدُّعَاءِ مِنْهُ، فيَجُوزُ أَنْ تَذْهَبَ إلى إِنْسَانٍ حَيٍّ قَادِرٍ يَسْمَعُ كَلاَمَكَ، وتَقُولَ: يا فُلاَنُ، ادْعُ اللهَ لِي بِكَذَا وكَذَا، والصَّحَابَةُ كَانُوا يَعْمَلُونَ هَذَا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- في حَيَاتِهِ، ولَيْسَ هَذَا مِن الشِّرْكِ، إنَّما الَّذي يَكُونُ شِرْكًا، وأَنْكَرْنَاهُ هو الاسْتِغَاثَةُ بالمَيِّتِ، وهذا لاَ عَلاَقَةَ لَهُ بِحَدِيثِ الشَّفَاعَةِ؛ لأَِنَّكم تَسْتَغِيثُونَ بِأَمْوَاتٍ وتَطْلُبُونَ الشَّفَاعَةَ مِنْهُم، والأَمْواتُ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ إلى قَبْرٍ يَسْتَنْجِدُ به، يَدْعُوه أَو يَطْلُبُ منه الدُّعاءَ أو الشَّفَاعَةَ أو غيرَ ذلك.
    ففيه فَرْقٌ بَيْنَ عَمَلِ هؤلاءِ المُشْرِكِينَ وبَيْنَ مَا في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وفي قِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، فبهذا التَّفْصِيلِ زَالَتْ هذه الشُّبْهَةُ والحَمْدُ للهِ.





  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    قال الشيخ صالح آل الشيخ
    نذكر أصلاً في جواب شبه المشبهين من المشركين، وذلك أن توحيد العبادة أدلته كثيرة محكمة، والمجيب على الشبه إذا أشتبه عليه جوابٌ فإنه يعود إلى الأصل، وهو تقرير الأدلة التي جاءت في توحيد العبادة، ثم يُدخل الصورة هذه التي أوردها المشبه في تلك الأدلة حتى يُبطل الاستدلال من وجهٍ إجمالي، وهذه طريقة نافعة.ثم بعد ذلك يأتي إلى الجواب الذي يكون فيه تخصيص لتلك المسألة التي احتجوا عليها ببعض الأدلة.

    ومسألة الاستغاثة راجعة إلى الدعاء،فإن الاستغاثة طلبٌ ودعاء؛ لأن الأصل في فعل (استفعل) أي: طلب الشيء، وقد يكون لغير الطلب في مواضع متعددة، فإذا أُتي بـ(استَفعَل) فإنها تحمل على الطلب؛ لأنها تدل عليه في مواضعه، فاستسقى: طلب السقيا، واستغاث: طلب الغوث، واستعان: طلب العون، إلى آخر أمثال ذلك.فإذا كانت طلباً فإنها سؤال وإنها دعاء، ولهذا الأدلة العامة في الكتاب والسنة تمنع السؤال بغير الله جل وعلا، تمنع دعاء غير الله، تمنع الطلب من غير الله جل وعلا؛ كما في قوله سبحانه: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً} وكما في قوله جل وعلا: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}

    وفي خصوص الاستغاثة، قال جل وعلا: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ}وكما في قوله: {إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ}ونحو ذلك من الآيات التي فيها إفراد الله- جل وعلا- بالطلب.وإذا كان كذلك في القرآن، فهذا عام يشمل ما يقدر عليه المطلوب منه، وما لا يقدر عليه. وكذلك ما جاء في السنة من قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله)) فالسؤال والطلب من مخلوق لا يجوز، بل يجب إفراد الله بالطلب.هذه أدلة الكتاب والسنة في هذا بخصوصه،لكن هذا العموم أو هذا الإطلاق ورد ما يقيده في النصوص، فالنصوص العامة - كما ذكرنا لك - أو المطلقة تمنع السؤال مطلقاً ((إذا سألت فاسأل الله)) مطلقاً بلا تفصيل، هل يقدر أولا يقدر؟ هل هو حي أم ليس بحي؟ هل هو حاضر أم ليس بحاضر؟ ((إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله)) وكذلك: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً}لكن جاء في القرآن وفي السنة تقييدات جعلتنا نقيد هذا الإطلاق، أو نخص هذا العموم ببعض الصور.
    ولهذا: القيود في الأدلة ظاهرة،فجعلوا تلك المطلقات مشروطة بشروط؛ فلهذا قال العلماء: (تلك المطلقات يُنظر في النصوص هل قيدت أم لا؟) كشأن العام، فإنه يبقى على عمومه حتى يرد مخصص، كشأن المطلق، فإنه يبقى على إطلاقه حتى يرد ما يقيده، فنظرنا في القرآن فوجدنا أن الرب -جل وعلا- ذكر عن نبيه موسى -عليه السلام- في أول سورة القصص، ذكر قوله جل وعلا: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}فعلمنا بذلك أن موسى -عليه السلام- وهو نبي الله، كليم الله - وإن كان هذا قبل أن يوحى إليه - فهو ليس إذ قال ذلك بمشرك الشرك الأكبر؛ لأن الأنبياء منزهون عن الشرك الأكبر قبل النبوة وبعدها من باب أولى، كما هو واضح ظاهر.فإذاً قوله: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}هنا الله -جل وعلا- ذكر الاستغاثة، فدل على أن هذا النوع من الطلب خارج عن الإطلاق، فننظر في بساط الحال لهذه الآية، فنقول: هذا طلبَ الغوث من موسى وهو حي أمامه وهو قادر؛ لأنه وكزه فقضى عليه، أو أنه في محل القدرة، يعني: في حكم القادر، وكذلك أنه يسمع خطابه، فظهر لنا من هذا الدليل قيودات، وكذلك نعلم أن الصحابة -رضوان الله عليهم- استغاثوا بالنبي-صلى الله عليه وسلم- في حياته في مواضع، وإذا كان كذلك فإنههم استغاثوا بمن يسمع وهو حي ويقدر على أن يغيثهم. وكذلك إجازة طلب الغوث فيما يستغيث المرء بمن هو يقدر على إزالة ما به من كرب، يعني بشروطه.فدلنا ذلك على أن تلك العمومات ((إذا سألت فاسأل الله))، {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً} مقيدة، فلهذا قيد العلماء بهذه النصوص المقيدة: العموم، فقالوا: إذا كان المستغاث به - المسؤول، المطلوب - إذا كان حياً - يُخرج الميت - إذا كان قادراً على الإنفاذ أو في حكم القادر، إذا كان حاضراً يسمع، فإن الأدلة دلت على جواز الطلب منه، وعلى جواز الاستغاثة به، وعلى جواز الاستعانة، فإن كان غائباً فإنه يبقى العموم على بابه، تبقى المطلقات على بابها، فإن كان غير حي فيبقى.

    فإذاً: هنا العمومات بالإجماع يُعمل بها، والمطلقات بالإجماع يعمل بها، العموم مثل قوله:{وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ} ومثل قوله: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً} وأشباه ذلك، فيُعمل بالعموم حتى يرد المخصص، وهنا المخصصات المنفصلة - كما هو مقرر في الأصول - دلتنا على اعتبار الشروط.فإذاً:من منع هذا، منع الاستغاثة بغير الله -جل وعلا- فيما لا يقدر عليه ذلك المستغاث به، مستمسك بالأصل، مستمسك بالعمومات، مستمسك بالأدلة المحكمة في هذا الباب، فمن أجاز صورة من الصور فهو الذي عليه الدليل.فهذه شبهة أخرى جديدة ذكرها الإمام المجدد رحمه الله تعالى؛لأن أهل الشرك في زمانه من العلماء وأشباههم كانوا يوردونها على الشيخ رحمه الله، مستدلين بهذه الشبهة على إبطال توحيد الله -جل وعلا- بعبادة الاستغاثة.والمشركون حين احتجوا بهذه الشبهة وجادلوا بها يريدون إبطال الأصل الذي يعتمد عليه الموحدون، وهو أن صرف العبادة لغير الله -جل وعلا- شرك أكبر، فهم استدلوا ببعض ما ورد لإبطال توحيد العبادة، ويريدون بعد هذا أن يقصروا الشرك في عبادة الأصنام، وفي عبادةالأوثان التي كان عليها أهل الجاهلية في الزمن الأول على ما فهموه من عبادة الأصنام والأوثان.
    وهذا الإيراد الذي ذكره الشيخ -رحمه الله- من العجب أنه تتابع عليه الذين ردوا على الشيخ قبله، يعني في زمانه وبعده رحمه الله تعالى، فالذين كتبوا في تجويز الاستغاثة بالقبور وبالمقبورين وبالأولياء الصالحين وغير الصالحين، هؤلاء احتجوا بهذا الدليل، وهو أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، وهذا النوع من الاستغاثة هي استغاثة بعد الممات، فيقولون الممات حلّ والاستغاثة هذه بعد الممات، وحياتهم في قبورهم كحياتهم في الموقف، ولا فرق، إذ هذا وهذا حياة لهم. فيستدلون بالاستغاثة بآدم، وبنوح، وبإبراهيم، وبموسى، ثم بعيسى، ثم بالنبي صلى الله عليه وسلم، يستدلون بذلك على أن الاستغاثة بغير الله -جل وعلا- ممن ليس في الحياة الدنيا جائزة، وهذا هو الذي ذكره الشيخ -رحمه الله- هنا، حيث ساق ما ساق.

    قال في آخر كلامه: (قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً) ولهذا نقول: هذا الدليل الذي أوردتموه لا يخرج عن القيود التي ذكرناها، هذه الشبهة بالاستدلال بهذا الدليل لا يخرج عما ذكرناه، بل هو مؤيِّد ودليل من السنة على ما ذكرناه من القيود، واستدلالكم به على أن الحياة التي بعد الموت لا تسمى حياة وإنما هي حياة الدنيا ثم بعده موت، ويوم القيامة والبعث له حكم ما قبل الموت؛ لأن هؤلاء أحياء في قبورهم ثم بعد ذلك هم أحياء، فلا فرق.

    نقول: هذا لا يستقيم مع الأدلة الكثيرة في القرآن في أن الناس أُحيوا حياتين وأُميتوا مِيتتين قال جل وعلا: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} يعني: في بطون الأمهات كنتم أمواتاً {فَأَحْيَاكُمْ}بنفخ الروح {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ}بذهاب الروح {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} بعود الروح.

    وكذلك قوله -جل وعلا- في سورة غافر:{رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ}.

    فدل على أن النصوص فيها حياتان وفيها ميتتان، فمن جعل الموت والحياة حالة واحدة -كحال هؤلاء المشبهة الذين أوردوا هذه الشبهة- فإن النصوص تبطل هذا الإيراد.

    هذه الشبهة مبطلة كما ذكرنا من هاتين الجهتين:

    أولاً: من حيث إن هذا الدليل هو لنا وليس علينا؛ لأن فيه القيود، لأن هؤلاء أحياء يتكلمون قادرون، آدم قادر على الدعاء، نوح قادر على الدعاء، وموسى قادر على الدعاء، ومحمد -عليه الصلاة والسلام- قادر على الدعاء، وعيسى -عليه السلام- قادر على الدعاء.ثم نقول:إن هؤلاء كانوا في حياة ثم صاروا إلى موت، وهم مع موتهم في حياة برزخية أكمل من حياة الشهداء - لكن فرق بين أحكام الموت وأحكام الحياة - ثم يصيرون إلى حياة، فدل على تنوع الأحوال، فلكل حال دليلها الذي يخصها.
    أولاً:جواب الشبهة هذه، العمومات باقية، ادعاء أن هذا الدليل يصلح لجواز الاستغاثة بغير الله -جل وعلا- باطل؛ لأنهم استدلوا بدليل في الحياة والكلام معهم في الممات.
    فإذا قالوا:الممات وما بعده من يوم القيامة، كل هذا يعتبر نوعاً واحداً من الحياة.
    - نقول: النصوص دلت على أن ثمة حياتين وثمة موتين، فإذاً: يحتاجون إلى دليل آخر ولا دليل عندهم. هذا تقرير لهذه المسألة، ولك أن تُنَظِّرَ مثلها في كل أنواع الطلب التي استدلوا بها في أنواع الطلب، تستدل بمثل هذا؛ لأنهم يوردون بعض الأدلة والآثار والإسرائيليات في مثل هذا، فلك أن تطرد هذا في أمثاله.

    قال الإمام رحمه الله تعالى وأجزل له المثوبة: (والجواب أن تقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه) وهذا تنزيه لله -جل وعلا- في مسألة عظيمة وهي مسألة القدر؛ لأنهم طُبع على قلوبهم فلا يفقهون إلا قليلاً.(فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها) تستدلون بشيء ليس هو في المسألة التي فيها البحث، المسألة التي فيها البحث الاستغاثة بالأموات، الاستغاثة بمن لا يقدر، وأنتم تستدلون بدليل ليس في محل الدعوى، ولا شك أن هذا باطل عند جميع العقلاء، الاستدلال بدليل ليس في محل الدعوى استدلال باطل.
    (فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها). وتلحظ هنا قوله: (فيما يقدر عليه) وفي آخرها قال: (في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله) وبين العبارتين فرق، هنا: (فيما يقدر عليه) وهناك: (فيما لا يقدر عليه إلا الله).والجواب عن هذا الإيراد:أن ضابط الاستغاثة كما ذكره في أول الكلام، أن الاستغاثة بالمخلوق جائزة فيما يقدر عليه، والاستغاثة الشركية: هو أن يستغيث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه المخلوق، أو فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ لأن بين العبارتين فرقاً، قد لا يقدر هو ولكن الآخر يقدر، وهذه من حيث الاستغاثة بغير الله -جل وعلا- فيما لا يقدر عليه ذلك الغير تحتاج إلى تفصيل، وقد ذكرنا شيئاً من تفصيلها في شرح (كتاب التوحيد) كما هو موجود في شروح (كتاب التوحيد).

    وخلاصة الأمر: أن الضابط الأيسر أن تقول: فيما لا يقدر عليه إلا الله، وأما: (فيما يقدر عليه المخلوق فأنه جائز) و(فيما لا يقدر عليه المخلوق بأنه شرك) هذه تحتاج إلى ضوابط. فمثال ذلك: لو استغاث بمهندس للعمارة فيما يتعلق بأمر طبي - هو لا يقدر على ذلك، إنما يقدر عليه الطبيب - لكن هنا الاستغاثة لا نقول إنها شرك أكبر؛ لأن هذا جنسه يقدر، وليست القدرة على ما يقدر عليه الطبيب بخصوصه، بل القدر متنوعة، يأخذه يذهب به إلى طبيب، يكون معه، إلى آخر الأنواع.ولهذا بعض أهل العلم يعبر بقوله: إن الاستغاثة بالميت فيما لا يقدر عليه، أو الاستغاثة بالغائب فيما لا يقدر عليه؛ إنها شرك أكبر، وهذه لا تنضبط عند أكثر الناس هي صحيحة لكن تحتاج إلى عالم يضبطها؛ لأن المسائل متشابهة. فالذي يضبط المسألة هو قول الشيخ في آخر الكلام: (أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله) يعني إذا طلب من المخلوق الميت أو الغائب شيئاً لا يقدر عليه إلا الله فإنه يكون شركاً أكبر.أما فيما يقدر عليه المخلوق لكن هذا المخلوق المعين لا يقدر عليه، قد تكون وقعت شبهة عند المستغيث، وحال الاستغاثة يكون هناك ضعف، وقد يكون هناك ظن أن هذا يقدر أن يغيث، إلى آخر ما يتصل بهذا مما ذكرنا شرحه. المقصود من هذا: أن الضابط الأخير الذي ذكره الشيخ في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله، هذا ضابط صحيح كما ذكره الشيخ في الحكم بالشرك، والأول في الحكم بالجواز؛ لهذا الشيخ نوّع العبارة؛ فقال: (الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه جائز، والاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك أكبر) وهذا ضابط صحيح، وهو أحسن من أن نقول في المقامين: فيما يقدر عليه المخلوق أو فيما لا يقدر عليه؛ لما يحصل معها من الاشتباه.قال رحمه الله: (وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليه المخلوق)ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم،استغاثة العبادة يعني طلب الغوث من الغائبين مع اعتقاد أن لهم تأثيراً في غيبتهم، هذه استغاثة العبادة، ويكون معها رجاء وخوف أو رجاء ومحبة، أو خوف ومحبة، أو الثلاثة معاً.فإذاً الاستغاثة منها ما هو عبادة ومنها ما ليس بعبادة،وما أنكرناه هو استغاثة العبادة، وهو أن يستغيث بغائب إما ميت أو حي غائب فيما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا، يستغيث به في شفاء مرضه، يستغيث به في أن يخلَّص من المدلهمات التي أصابته في كشف الكربات، في إزالة المصائب التي أصابته، في مغفرة الذنب، في إتيانه بولد، في تأمينه مما يخاف، إلى آخر ذلك. قال: (إذا ثبت ذلك) يعني: الجواب الأول الذي ذكره الشيخ وجَّه الاستدلال لصالحه، قال: هذا الدليل لنا وليس علينا، ثم قال: (إذا ثبت ذلك، فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة):
    -جوازه في الدنيا: لأنه يجوز أن تطلب من أحد في الدنيا أن يدعو لك؛ لأنه يقدر على هذا الشيء.

    - وكذلك في الآخرة: يجوز أن تطلب منه أن يدعو لك؛ لأنه يقدر على ذلك، وهاتان حياتان، والكلام في الموت أو حين الغيبة هو محل النزاع.

    قال: (وذلك أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك وتقول له: ادع الله لي، كما كان أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- يسألونه ذلك في حياته، وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوا ذلك عند قبره) يعني: أن الصحابة لم يرد عنهم شيء البتة - وحاشاهم وكلا - أنهم أتوا قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فاستغاثوا به، أو أتوا قبره فاستشفعوا به، طلبوا منه الدعاء، فهذا لم يكن يفعله الصحابة -رضوان الله عليهم- بعد موته البتة. قال: (بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره فكيف بدعائه -عليه الصلاة والسلام- نفسه) يعني: السلف الصالح؛ كما في قضية علي بن الحسين وعدة حوادث في هذا عن السلف، أنهم أنكروا من يأتي إلى القبر للدعاء، وإنما من دخل المسجد فسلم كفى، أو من أتى من سفر كما كان يفعل ابن عمر -رضي الله عنهما- وغيره، يأتي فيسلم على النبي -عليه الصلاة والسلام- سلاماً.أما أن يتخذ القبر محلاً للدعاء، يعني: ما حول القبر أو أنه يدعى النبي -عليه الصلاة والسلام- نفسه؛ فهذا لم يكن عند السلف، بل بعضهم غلط ودعا الله -جل وعلا- وحده عند القبر، فأنكر عليه بعض السلف كما ذكرت لك.إذا أنكروا على من قصد القبر لدعاء الله -جل وعلا- فكيف لا ينكرون من قصد القبر لدعاء المقبور نفسه؟! لا شك أن هذا أولى بالإنكار.المقصود من هذا أن الشبهة هذه ليست بمستقيمة، بل هي داحضة كما هي شبه أهل الشرك.

    ولله الحمد، أهل السنة وأهل التوحيد ليس لهم غرض في هذا الأمر، لم يأتوه عن هوى، لم يأتوه عن شهوة، وإنما أتوه تطبيقاً لما جاء في الكتاب والسنة، ورعاية لما ورد، وتعظيماً لحق الله جل وعلا، فلو أجاز الله -جل وعلا- ذلك لاتبعناه؛ كما قال سبحانه: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} لو أجاز الرب -جل وعلا- ذلك لاتبعناه، ولكن لا دليل البتة يجيز هذا؛ لأن هذا هو الشرك الأكبر بعينه، وهذا عند أهل التوحيد بوضوح وظهور.

    ولهذا قال كما في القصة المعروفة أن رجلاً حاج بعض أهل الشرك فيما هم عليه من الشرك، فقالوا له: أنتم تقولون هذا لأجل أن محمد بن عبد الوهاب قاله، تعصباً له، فقال هذا الموحد لكلمة التوحيد الصحيحة الخالصة التي هي عن بينة لا عن تقليد، قال: (لو قام محمد بن عبد الوهاب من قبره فقال: (ما قلت لكم غلط) لما اتبعناه) لم؟ لأنهم أخذوه بالحجة - ليس بالحجة من قول محمد بن عبد الوهاب - إنما بالحجة من قول الله -جل وعلا- وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع سلف الأمة، والإمام محمد بن عبد الوهاب إمام مصلح مجدد، دل الناس على معاني النصوص، وهذه وظيفة أهل العلم.

    أهل العلم الراسخون منهم يؤخذ قولهم ؛ لأنهم دلوا الناس على معاني النصوص، وفي فقههم للنصوص وفهمهم لها قالوا: هذا معنى الآية، وهذا ما دل عليه القرآن، هذا ما دلت عليه السنة، أو تارة يجتهدون ويذكرون من القواعد ما يكون في نفوسهم من دلالات النصوص، فيفهمون من الشريعة بمجموع أدلتها وبروح الشريعة أن الشريعة أتت بكذا، فيقولون هذا ويُقبل كلامهم لأنهم هم الفقهاء بالكتاب والسنة.والإمام المصلح -رحمه الله- إنما قال للأمة معنى الآيات كذا، ومعنى الأحاديث كذا، ودلت على هذا، فإذاً: هو ناقل للكتاب والسنة وموضِح لمعناهما؛ لما آتاه الله -جل وعلا- من متابعة السلف الصالح ومن الرسوخ في العلم وفهم الأدلة.فإذاً ليست المسألة عن تقليد، وإنما هي عن وضوح حجة ووضوح برهان، ولله الحمد والمنة.

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    كشف الشبهة الرابعة عشرة وهي احتجاجهم بقصة جبريل وإبراهيم عليهما السلام

    قال الامام محمد بن عبد الوهاب فى رسالة كشف الشبهات

    وَلَهُمْ شُبْهَةٌ أُخْرَى وَهِيَ: قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَمَّا أُلْقِيَ في النَّارِ فاعْتَرَضَ لَهُ جِبْرائيلُ في الهواءِ فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ فَقالَ إِبْرَاهيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلا.

    قَالُوا:فَلَوْ كَانَتِ الاسْتِغَاثَةُ بجِبرائيل شِرْكاً لَمْ يَعْرِضْها عَلى إِبْرَاهِيمَ؟
    فَالجَوَابُ:أَنَّ هَذا مِنْ جِنْسِ الشُّبْهَةِ الأُوْلى فَإِنَّ جبْرائيلَ عليه السلام عَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْفَعَهُ بِأَمْرٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَمَا قالَ اللهُ تَعالى فِيهِ: {شَدِيدُ القُوَى} ، فَلَوْ أَذِنَ اللهُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نَارَ إِبْرَاهِيمَ وَمَا حَوْلَها مِن الأَرْضِ وَالجِبَالِ وَيُلْقِيها في المَشْرِقِ أَو المَغْرِبِ لَفَعَلَ، وَلَوْ أَمَرَهُ الله أَنْ يَضَعَ إِبْرَاهيمَ عنهم في مَكَانٍ بَعِيدٍ لَفَعَلَ، وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَرفَعَهُ إِلى السَّمَاءِ لَفَعَلَ.وَهَذَا كَرَجُلٍ غَنيٍّ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ يَرى رَجُلاً مُحتاجاً فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ أَنْ يُقْرِضَهُ، أَوْ يَهَبَه شَيْئاً يَقْضي بِهِ حَاجَتَهُ، فَيَأْبَى ذَلِكَ الرَّجُلُ المُحْتَاجُ أَنْ يَأخُذَ، ويَصْبِرُ حتى يَأتِيَهُ اللهُ بِرِزقٍ مِنْه لا مِنَّةَ فِيهِ لأَحَدٍ. فَأَيْنَ هَذَا مِن اسْتِغَاثَةِ العِبَادَةِ وَالشِّرْكِ لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ؟!.


  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,020

    افتراضي رد: كشف شبهات وحجج ومعارضات المشركين التى يتوصلون بها إلى تزيين الشرك وهدم التوحيد [متجدد]

    قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ
    (وَلَهُم شُبْهَةٌ أُخْرَى وهي قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَمَّا أُلْقِيَ في النَّارِ) حِينَمَا أَمَرَ عَدَوُّ اللهِ النُّمْرُودُ بِجَمْعِ حَطَبٍ عَظِيمٍ ثُمَّ أَضْرَمَ فيه النَّارَ وَأَمَرَ بإِلْقَاءِ إِبْرَاهِيمَ فِيهَا (اعْتَرَضَ لَهُ جِبْرِيلُ في الْهَوَاءِ) حِينَ أُلْقِيَ مِن المَنْجَنِيقِ (فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟) في هَذِه الضِّيقَةِ والشِّدَّةِ أَنْفَعُكَ بِهَا (فَقَالَ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلاَ) فَصَبَرَ في شِدَّةِ هذِه الحَاجَةِ، ثُمَّ قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: (حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ) أي: كَافِينَا اللهُ وَحْدَه ونِعْمَ المَوْكُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ عِبَادِهِ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى للنَّارِ: {كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} فَكَانَتْ بَرْدًا وسَلاَمًا عَلَيْهِ.
    فالمَقْصُودُ أَنَّ هؤلاء المُشْرِكِينَ شَبَّهُوا بِهَذِهِ القِصَّةِ (قَالُوا: فَلَوْ كَانَت الاسْتِغَاثَةُ بِجِبْرِيلَ شِرْكًا لَمْ يَعْرِضْهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) وَأَصْلُ ضَلاَلِهِم في هَذِهِ الشُّبْهَةِ عَدَمُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الجَائِزِ والحَرَامِ، وعَدَمُ العِلْمِ والاطِّلاَعِ عَلَى مَا في الكِتَابِ والسُّنَّةِ والإِجْمَاعِ مِن بَيَانِ ذَلِكَ.(5) (فَالجَوَابُ أَنَّ هَذَا مِن جِنْسِ الشُّبْهَةِ الأُولَى؛ فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْفَعَهُ بأَمْرٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ) وهو حَيٌّ حَاضِرٌ قَادِرٌ؛ فَإِنَّ هَذَا مِن جِنْسِ الاسْتِغَاثَةِ بالحَيِّ الحَاضِرِ القَادِرِ (فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فيه: {شَدِيدُ الْقُوَى} فَلَوْ أَذِنَ اللهُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نَارَ إِبْرَاهِيمَ وَمَا حَوْلَهَا مِن الأَرْضِ والجِبَالِ ويُلْقِيَهَا في المَشْرِقِ أو المَغْرِبِ لَفَعَلَ) كَمَا صَنَعَ حِينَ أُمِرَ بِقَلْعِ دِيارِ قَوْمِ لَوْطٍ وَمَا حَوْلَهَا مِن القُرَى حَتَّى بَلَغَ بِهَا عَنَانَ السَّمَاءِ (وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَضَعَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ في مَكَانٍ بَعِيدٍ عَنْهُم لَفَعَلَ، وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ لَفَعَلَ).
    ثُمَّ مَثَّلَ المُصَنِّفُ بِحَالَةِ إِبْرَاهِيمَ وَجِبْرِيلَ فَقَالَ: (وَهَذَا كَرَجُلٍ غَنِيٍّ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ يَرَى رَجُلاً مُحْتَاجًا فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ أَنْ يُقْرِضَهُ أَوْ أَنْ يَهَبَ لَهُ شَيْئًا يَقْضِي بِهِ حَاجَتَهُ) هَذَا مِثْلُ جِبْرِيلَ (فَيَأْبِى ذَلِكَ الرَّجُلُ المُحْتَاجُ أَنْ يَأْخُذَ، ويَصْبِرُ حَتَّى يَأْتِيَهُ اللهُ بِرِزْقٍ لاَ مِنَّةَ فِيهِ لأَِحَدٍ) هَذَا مِْثلُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَكَمَا أَنَّ الفَقِيرَ لو قَبِلَ مِن الغَنِيِّ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا فَكَذَلِكَ هَذِه. (فَأيْنَ هَذَا مِن اسْتِغَاثَةِ العِبَادَةِ والشِّرْكِ) التي يَفْعَلُونَها مَعَ الأَمْوَاتِ والغَائِبِينَ وهي عَيْنُ شِرْكِ المُشْرِكِينَ الأَوَّلِينَ مِن هَذِهِ الاسْتِغَاثَةِ المَذْكُورَةِ في قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ (لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) فَهَذَا جِنْسٌ وَهَذَا جِنْسٌ، فَمَنْ سَوَّى بَيْنَهُما فَقَدْ سَوَّى بَيْنَ المُتَبَايِنَيْ نِ مِن كُلِّ وَجْهٍ. وفي الحَقِيقَةِ أَنَّ مَن قَالَ هَذَا أَوْلَى ما له مُرَاجَعَةُ عَقْلِهِ؛ فَمَنْ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ مِثْلُ هَذِهِ أَوْ تَوَقَّفَ فِيهَا فهو مُصَابٌ في عَقْلِهِ.


صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •