اعْلَمْ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ مِنْ حِكْمَتِهِ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً بِهَذا التَّوحِيدِ إِلاَّ جَعَلَ لَهُ أَعْدَاءً
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: اعْلَمْ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ مِنْ حِكْمَتِهِ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً بِهَذا التَّوحِيدِ إِلاَّ جَعَلَ لَهُ أَعْدَاءً

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,054

    افتراضي اعْلَمْ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ مِنْ حِكْمَتِهِ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً بِهَذا التَّوحِيدِ إِلاَّ جَعَلَ لَهُ أَعْدَاءً

    قال الامام محمد بن عبد الوهاب فى رسالة كشف الشبهات
    وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ مِنْ حِكْمَتِهِ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً بِهَذا التَّوحِيدِ إِلاَّ جَعَلَ لَهُ أَعْدَاءً
    كَما قالَ تَعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنّ} الآية [الأنعام: 112].
    وَقَدْ يَكُونُ لأَعْدَاءِ التَّوحِيدِ عُلُومٌ كَثيرةٌ وكُتُبٌ وحُجَجٌ كَما قالَ تَعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُم مِنَ العِلْمِ وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}[غافر: 83].-----------------------------
    -
    قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ فى شرحه لكشف الشبهات
    (وَاعْلَمْ) أَيُّهَا الطَّالِبُ (أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ مِنْ حِكْمَتِهِ) البَالِغَةِ (لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا) مِن الأَنْبِيَاءِ (بِهَذَا التَّوْحِيدِ) مِن لَدُنْ نُوحٍ إِلَى أَنْ خَتَمَهُم بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِلاَّ جَعَلَ لَهُ أَعْدَاءً) إلاَّ قَيَّضَ لَهُ أَعْدَاءً قَصْدُهُم الإِغْوَاءُ والصَّدْفُ عن دِينِ اللهِ؛ هَذَا الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ.
    وهَذِه حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ؛ ابْتِلاَءُ الأَخْيَارِ بالأَشْرَارِ لِيَكْمُلَ للأَخْيَارِ مَرَاتِبُ الجِهَادِ، وإِلاَّ لو شَاءَ لَمَا جَعَلَ للأَشْرَارِ شَيْئًا مِن السُّلْطَةِ {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لاَنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} الآيةَ.
    سُنَّتُهُ البَالِغَةُ أَنْ يُسَلِّطَ الأَشْرَارَ عَلَى الأَخْيَارِ؛ سَلَّطَ الأَشْرَارَ عَلَى الرُّسُلِ فَمَا دُونَهِم، وَلَيْسَ هَوَانًا بالأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ وأَتْبَاعِهِم، ولَكِنْ ليَقُومَ الأَخْيَارُ بالجِهَادِ، فَتَعْظُمَ الدَّرَجَةُ، ويَعْظُمَ الأَجْرُ، ويَنَالُوا المَرَاتِبَ العَالِيَةَ؛ لأَِنَّ الجَنَّةَ غَالِيَةٌ لاَ تُنَالُ إِلاَّ بالصَّبْرِ عَلَى المَصَاعِبِ والمَشَاقِّ.

    واعْلَمْ أَنَّ أتْبَاعَهُم كَذَلِكَ، مَنْ صَدَّقَ اللهَ في اتِّبَاعِهِ للرُّسُلِ كَانُوا أَعْظَمَ أَعْدَائِهِ (كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا} يَشْمَلُ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ بَيَّنَ العَدُوَّ فَقَالَ: {شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ} يَعْنِي مِن هَؤُلاَءِ وهَؤُلاَءِ.
    والشَّيَاطِينُ هُم الذين فيهم تَمَرُّدٌ وعُلُوٌّ،قَالَ بَعْضُهُم: إِنَّه بَدَأَ بِشَيَاطِينِ الإِنْسِ؛ لأَِنَّهُم أَعْظَمُ فِي هَذَا المَقَامِ مِن شَيَاطِينِ الجِنِّ؛ لأَِنَّ شَيْطَانَ الإِنْسِ يَأْتِي في صُورَةِ نَاصِحٍ مُحِبٍّ لَيِّنِ الجَانِبِ واللِّسَانِ، ثُمَّ بَيَّنَ الذي بِهِ يَصْدِفُونَ عَن الحَقِّ فَقَالَ: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} فَتَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ تَزْيِيفَ القَوْلِ باللعِبَارَةِ لَهُ تَأْثِيرٌ، وَأَنَّ الحَقَّ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ مَن يَجْعَلُهُ في صُورَةِ البَاطِلِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

    في زُخْرُفِ القَوْلِ تَحْسينٌ لِبَاطِلِـهِ =وَالحَقُّ قَدْ يَعْتَرِيهِ سُوءُ تَعْبـــِيـرِ
    تَقُولُ هَذَا مُجَاجُ النَّحْلِ تَمْدَحُـهُ = وَإِنْ تَشَا قُلْتَ ذَا قَيْءُ الزَّنَــابِيرِ
    مَدْحًا وَذَمًّا وَمَا جَاوَزْتَ وَصْفَهُمَا = وَالحَقُّ قـَدْ يَعْتَرِيهِ سُوءُ تَعْبِيرِ

    {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} لَكِنَّهُ جَعَلَهُم ابْتِلاَءً وامْتِحَانًا لِيَتَبَيَّنَ المُجَاهِدُ مِن القَاعِدِ والصَّابِرُ مِن غَيْرِ الصَّابِرِ وَالمُجِدُّ مِن المُخْلِدِ {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}، وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ وتَغْلِيظٌ.(2) (وَقَدْ يَكُونُ لأَعْدَاءِ التَّوحِيدِ عُلُومٌ كَثيرةٌ) لُغَوِيَّةٌ (وَكُتُبٌ) يَرْجِعُونَ إِلَيْهَا (وَحُجُجٌ) لَكِنَّهَا عِنْدَ التَّحْقِيقِ مِثْلَ السَّرَابِ عِنْدَ المُنَاظَرَةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّها لاَ شَيْءَ {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} عِنْدَ الحَاجَةِ إِلَيْهِ.
    وَمِن تِلْكَ الحُجَجِ مَا تَقَدَّمَ، ومِنْهَا مَا يَأْتِي الجَوَابُ عَنْهُ.
    والعِلْمُ: هو المَوْرُوثُ عن الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
    وأَمَّا عِلْمُهُم فهو إِمَّا مَنَامَاتٌ - أَحْلاَمٌ- أَو تُرَّهَاتٌ بَاطِلَةٌ لاَ أَصْلَ لَهَا، ومِنْهَا شَيْءٌ صَحِيحٌ في نَفْسِهِ لَكِنْ لاَ يَفْهَمُونَهُ، وهو في الحَقِيقَةِ لاَ يَدُلُّ عَلَى بَاطِلِهِم بل هو رَدٌّ عَلَيْهِم، والدَّلِيلُ أَنَّ عِنْدَهُم عُلُومًا كَثِيرَةً وكُتُبًا وحُجَجًا قَوْلُه تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }.____________________
    قال الشيخ صالح الفوزان
    هذه حِكْمَةُ اللهِ عَزَّ وعَلاَ، وهي تَتَلَخَّصُ في أَمْرَيْنِ:
    الأَمْرُ الأَوَّلُ:
    أَنَّه مَا بَعَثَ نَبِيًّا مِن أَنْبِيَائِهِ إلاَّ جَعَلَ له أَعْدَاءً مِن المُشْرِكِينَ، كَمَا في الآيةِ الَّتِي ذَكَرَها المُؤَلِّفُ، وكَمَا في الآيةِ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ المُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} وللهِ في ذَلِكَ الحِكْمَةُ مِن أَجْلِ أَنْ يَتَبَيَّنَ الصَّادِقُ مِن الكَاذِبِ، ويَتَبَيَّنَ المُطِيعُ مِن العَاصِي.
    إِذَا بَعَثَ الأَنْبِياءَ يَدْعُونَ إِلَى الهُدَى صَارَ هناك دُعَاةٌ للضَّلاَلِ مِن أَجْلِ أَنْ يَمْتَحِنَ النَّاسَ أَيُّهم يَتَّبِعُ الأَنْبِيَاءَ، وأَيُّهُم يَتَّبِعُ دُعَاةَ الضَّلاَلِ، ولَوْلاَ ذَلِكَ لَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُم يَتَّبِعُونَ الأَنْبِيَاءَ ولو بالظَّاهِرِ، ولاَ يَتَمَيَّزُ الصَّادِقُ في اتِّبَاعِهِ مِن المُنَافِقِ؛ لأَِنَّ الأَنْبِيَاءَ يَتَّبِعُهُم المُؤْمِنُ الصَّادِقُ ويَتَّبِعُهُم المُنَافِقُ الكَاذِبُ، والَّذي يُمَيِّزُ هَذَا مِن هَذَا هو الابْتِلاَءُ والامْتِحَانُ، فالشَّدَائِدُ هي الَّتِي تُبَيِّنُ الصَّادِقِينَ مِن المُنَافِقِينَ، فاللهُ جَعَلَ أَعْدَاءً للأَنْبِيَاءِ لِحِكْمَةٍ مِن أَجْلِ الابْتِلاَءِ والامْتِحَانِ {لِيَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ} هذه هي الحِكْمَةُ بأَنَّ اللهَ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإِنْسِ والْجِنِّ، والشَّيْطَانُ هو المَارِدُ العَاصِي، فَكُلُّ مَن تَمَرَّدَ عن طَاعَةِ اللهِ فإنَّه شَيْطَانٌ، سَوَاءٌ كَانَ مِن الجِنِّ أو مِن الإِنْسِ حَتَّى الدَّوابُّ المُتَمَرِّدَةُ تُسَمَّى شَيْطَانًا، وهو مِن: شَاطَ الشَّيْءُ إِذَا اشْتَدَّ، أَوْ مِن: شَطَنَ إِذَا ابْتَعَدَ، فالشَّيْطَانُ يَكُونُ مِن عَالَمِ الجِنِّ ويَكُونُ مِن عَالَمِ الإِنْسِ.
    وقَوْلُه تَعَالَى: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ}الزُّخْرُفُ: في الأَصْلِ الذَّهَبُ، وزُخْرُفُ القَوْلِ: هو القَوْلُ المُمَوَّهُ المُزَوَّرُ؛ لأَِجْلِ أَنْ يُغَرَّ النَّاسُ، فالقَوْلُ المُزَخْرَفُ: هو البَاطِلُ المُغَلَّفُ بِشَيْءٍ مِن الحَقِّ، وهَذَا مِن أَعْظَمِ الفِتْنَةِ؛ لأَِنَّ البَاطِلَ لو كَانَ مَكْشُوفًا مَا قَبِلَهُ أَحَدٌ، لَكِنْ إِذَا غُطِّيَ بِشَيْءٍ مِن الحَقِّ فَإِنَّهُ يَقْبَلُهُ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ، ويَنْخَدِعُونَ بِهَذِه الزَّخْرَفَةِ، فهو بَاطِلٌ في صُورَةِ الحَقِّ {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} اللهُ قَادِرٌ عَلَى مَنْعِهِم مِن ذَلِكَ، لَكِنَّه شَاءَ أَنْ يَفْعَلُوهُ مِن أَجْلِ الابْتِلاَءِ والامْتِحَانِ، وإِذَا كَانَ هَذَا مَعَ الأنْبِيَاءِ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِم مِن الدُّعاةِ إِلَى اللهِ وعُلَمَاءِ التَّوْحِيدِ، فَأَتْبَاعُ الأَنْبِيَاءِ أيْضًا يَكُونُ لَهُمْ أَعْدَاءٌ مِن دُعَاةِ البَاطِلِ في كلِّ زَمانٍ وفي كلِّ مَكَانٍ، هَذَا مُسْتَمِرٌّ في الخَلْقِ، وُجُودُ دُعَاةِ الحَقِّ وإلى جَانِبِهِم دُعَاةُ البَاطِلِ في كُلِّ زَمَانٍ ومَكَانٍ.
    الأَمْرُ الثَّانِي: وهو العَجِيبُ: أنَّ دُعَاةَ البَاطِلِ يَكُونُ عِنْدَهُم عُلُومٌ، وعندَهُم كُتُبٌ، وعندَهم حُجَجٌ يُجَادِلُونَ بِهَا أَهْلَ الحَقِّ، (كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ} يعني: الكُفَّارَ {بِالبَيِّنَاتِ} الحَقَائِقِ البَيِّنَةِ والعِلْمِ النَّافِعِ {فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُم مِن العِلْمِ} الَّذي تَوَارَثُوهُ عن أَجْدَادِهِم وآبَائِهِم، والَّذي هو عِبَارَةٌ عن كُتُبِهِم وعن حُجَجِهِم الَّتِي تَوَارَثُوها، وهذا واقِعٌ الآنَ، كم في السَّاحَةِ مِن كُتُبِ أَهْلِ البَاطِلِ ككُتُبِ الجَهْمِيَّةِ، وكُتُبِ المُعْتَزِلَةِ، وكُتُبِ الأَشَاعِرَةِ، وكُتُبِ الشِّيعَةِ، كم في السَّاحَةِ مِن كُتُبِ هَؤُلاَءِ! وعندَهم حُجَجٌ مُرَكَّبَةٌ ومُزَيَّفَةٌ تَغُرُّ الإِنْسَانَ الَّذي لَيْسَ عندَه تَمَكُّنٌ مِن العِلْمِ، فَعِلْمُ الكَلاَمِ وعِلْمُ المَنْطِقِ اعْتَمَدُوهُ وجَعَلُوهُ هو العِلْمَ الصَّحِيحَ الَّذي يُفِيدُ اليَقِينَ. أمَّا أَدِلَّةُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ فهي حُجَجٌ ظَنِّيَّةٌ بِزَعْمِهِم.



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,054

    افتراضي رد: اعْلَمْ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ مِنْ حِكْمَتِهِ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً بِهَذا التَّوحِيدِ إِلاَّ جَعَلَ لَهُ أَعْدَا

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين فى شرحه لكشف الشبهات
    نَبَّهَ المُؤلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في هذهِ الجُملةِ على فائِدةٍ عظيمةٍ، حيثُ بَيَّنَ أنَّ مِنْ حِكْمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ أنَّهُ لم يَبْعَثْ نَبِيًّا إلاَّ جَعَلَ لهُ أعْداءً مِن الإِنْسِ والجِنِّ، وذلكَ أنَّ وجودَ العَدُوِّ يُمَحِّصُ الحقَّ ويُبَيِّنُهُ، فإنَّهُ كُلَّما وُجِدَ المُعارِضُ قَوِيَتْ حُجَّةُ الآخَرِ، وهذا الَّذي جَعَلَهُ اللهُ تعالى للأنبياءِ جَعَلَهُ أيْضًا لأتْباعِهم، فكلُّ أتَباعِ الأنبياءِ يَحْصُلُ لهم مِثْلُ ما يَحْصُلُ للأنبياءِ، قالَ اللهُ تعالى:
    {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا}، وقالَ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا}[الفرقانُ: 31].
    فإنَّ هؤلاءِ المُجْرِمِينَ يَعْتَدُونَ على الرُّسلِ وأَتْباعِهم وعلى ما جاءُوا بهِ بأمرَيْنِ:

    الأوَّلُ: التَّشْكِيكُ.
    الثَّاني: العُدْوانُ.
    أمَّا التَّشكيكُ: فقالَ اللهُ تعالى في مُقَابَلَتِهِ:{كَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا} لِمَنْ أَرَادَ أنْ يُضِلَّهُ أعْداءُ الأنبياءِ.
    وأمَّا العُدْوانُ: فقالَ اللهُ تعالى في مُقابَلَتِهِ: {وَنَصِيرًا} لِمَنْ أَرَادَ أنْ يَرْدَعَهُ أعداءُ الأنبياءِ (1).
    فاللهُ تعالى يَهْدِي الرُّسلَ وأَتْباعَهم ويَنْصُرُهم على أعدائِهم ولوْ كانوا مِنْ أَقْوَى الأعْداءِ، فَعَلَيْنَا أنْ لا نَيْأَسَ لِكَثْرةِ الأعداءِ وقُوَّةِ مَنْ يُقَاوِمُ الحقَّ؛ فإنَّ الحَقَّ كما قالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ:

    والْحَقُّ مَنْصُورٌ ومُمْتَحَنٌ = فلا تَعْجَبْ فَهَذِي سُنَّةُ الرَّحْمنِ

    فلا يَجوزُ لنا أنْ نَيْأَسَ بلْ علينا أنْ نُطِيلَ النَّفَسَ، وأنْ نَنْتَظِرَ وستَكونُ العاقِبةُ لِلمُتَّقِينَ، فالأمَلُ دافِعٌ قَوِيٌّ لِلمُضِيِّ فِي الدَّعوةِ والسَّعْيِ في إنْجاحِها، كما أنَّ اليَأْسَ سَبَبٌ لِلفَشَلِ والتَّأَخُّرِ في الدَّعوةِ.
    يَعْنِي: أنَّ أعداءَ الرُّسلِ الَّذين يُجَادِلُونَهُم ويُكَذِّبُونهم قدْ يَكونُ عندَهم عُلومٌ كثيرةٌ وكُتُبٌ وشُبُهَاتٌ يُسَمُّونَها (حُجَجًا)، يُلَبِّسونَ بِها على النَّاسِ، فَيَلْبِسُونَ الحقَّ بالباطِلِ، كما قالَ تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }وهذا الفرحُ مَذْمومٌ؛ لأنَّهُ فَرِحٌ بغيرِ ما يُرْضِي اللهَ، فيَكونُ مِن الفرحِ المَذْمومِ.
    وأَشَارَ المُؤلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى بهذهِ الجملةِ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ نَعْرِفَ ما عندَ هؤلاءِ مِن العُلومِ والشُّبُهاتِ مِنْ أجْلِ أنْ نَرُدَّ عليهم بِسلاحِهم، وهذا مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ ولهذا لمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلى اليَمَنِ قالَ لهُ: ((إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ)) وذلكَ مِنْ أجْلِ أنْ يَسْتَعِدَّ لهم، ويَعْرِفَ ما عندَهم مِن الكِتابِ حتَّى يَرُدَّ عليهم بِما جاءُوا بهِ.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,054

    افتراضي رد: اعْلَمْ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ مِنْ حِكْمَتِهِ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً بِهَذا التَّوحِيدِ إِلاَّ جَعَلَ لَهُ أَعْدَا

    قال الشيخ صالح آل الشيخ فى شرحه لرسالة كشف الشبهات
    قال رحمه الله بعد أن ذكر المقدمات التي سلفت: (واعلم أنه سبحانه من حكمته لم يبعث نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء؛ كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} ).
    قد يأتي الشيطان للعبد بشبهةِ أن التوحيد والدين إذا كانا من عند الله حقاً، وإذا كان ذلك فيه مرضاة الله جلّ وعلا، والله ينصر أولياءه ويعز أولياءه، ويخذل أعداءه، فالمفترض أن يكون - يعني: في إلقاء الشيطان في النفوس ـ أن يكون أهل التوحيد هم الغالبين، وأن يكون الرسل ليس لهم أعداء؛ لأنهم من عند الله جل وعلا.
    وهذا الظن قد ظنه طائفة من المشركين، فرغبوا في إنزال مَلَك حتى يُتفق عليه، ورغبوا في أن يكون للنبي كذا وكذا من الأشياء التي يكون معها الاتفاق وعدم المعاداة له، وعدم الجحود لما جاء به؛ كما قال جلّ وعلا: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً} الآيات في سورة الإسراء.
    - وكذلك الآيات في سورة الفرقان: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً}.
    فمن حكمة الله جل جلاله: أنه بعث الرسل، وجعل لكل رسول أعداء ، وأعداء الرسل من الإنس والجن؛ لأن بعثة الرسل لإنس أقوامهم وللجن الذين يسمعون حديثهم، إلا محمداً عليه الصلاة والسلام، فإن بَعثته للعالمين جميعاً، للإنس كافة وللجن كافة. فلكل رسول أعداء،وهؤلاء الأعداء جعلهم الله -جلّ وعلا- أعداءً لحكمة؛ لأن أمر التوحيد عظيم، فلهذا قال سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ}.وقال جل وعلا في الآية الأخرى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً}.فحكمة الله -جلّ وعلا- اقتضت أن يجعل لكل نبي أعداءً ، وهكذا لكل أتباع الرسل والأنبياء جعل لهم أعداءً؛ لأن حكمة الله سبحانه وتعالى اقتضت أن يفرق بين حزب الله وحزب الشيطان، وهذا الفرق بين حزب الله وحزب الشيطان قد يكون فرقاً بالعلوم، وقد يكون فرقاً بالسيف والسنان.ولهذا القرآن فرقان، فرق الله -جل وعلا- فيه بين علوم الحق وبين علوم المشركين.
    المقصود: أن حكمة الله اقتضت أن يكون لكل نبي عدوٌ، فلا ينظر الموحد في زمن ما:
    -إلى أن أهل التوحيد قلة.
    -أو إلى أنهم مزدرون.
    -أو إلى أنهم لا يؤبه لهم.
    -أو إلى أنهم مكثوا زمنا طويلاً لم يُنصروا.
    -أو نحو ذلك من الأشياء، لا ينظر إلى ذلك، أو أنهم يعذبون، أو أنهم يطردون، أو ما يفعله الأعداء بأهل التوحيد، لا ينظر إلى ذلك، وإنما ينظر إلى الحق في نفسه.
    وحكمة الله عرفها أهل السنة بأنها: وضع الأشياء في مواضعها الموافقة للغايات المحمودة منها. والله -جل وعلا- أذن بالشر في ملكه - والشر ليس إليه - ليظهر طيب الطيب، وليظهر طيب أهل الحق على خبْث غيرهم، فأذن به جلّ وعلا، أذن بالشر فداءً للخير حتى يظهر، فلولا هذه العداوة ما ظهر المستمسك بالتوحيد من غيره، ما ظهر الذي على قناعة تامة من توحيد الله -جل وعلا- من الذين هم في ريبهم يترددون، ونحو ذلك من الحكم العظيمة. فالله -جل وعلا- أنزل العداوة في موضعها،وهذه العداوة موافقة لغاية محمودة منها. بعض الجن والإنس بل الأكثر من شياطين الإنس والجن أعداء للرسل، هذا فيه غايات محمودة، ومن هذه الغايات المحمودة التي هي حكمة الله جل وعلا:
    - أن يظهر أنصار الله -جل وعلا- الذين يستحقون فضله ومنته ودار كرامته.
    ومنها: أن يظهر الفرقان بين أهل الحق وأهل الباطل، بشيء بشري وليس بسماوي، وربما ينعم الله -جل وعلا- بشيء من عنده من السماء، كتأييدٍ بملائكةٍ، أو نحو ذلك.
    ومنها:أن يظهر أن هؤلاء الذين نصروا دينه ليس عندهم شك ولا شبهة، مع كثرة المعادين ومع كثرة الشبه ومع كثرة ما يرد، فإن استمساكهم بالحق دليل على صحة التوحيد، فالرسل مع قلة من استجاب لهم استمسكوا بالحق، وبعضهم مكث مُدداً طويلة، فظهر أن هؤلاء الذين استمسكوا بالحق وثبتوا عليه، حتى إن أحدهم ليؤخذ فينشر بالمنشار نصفين ما يرده ذلك عن دينه، هذا شهادة عظيمة بأن هذا الذي حملوه حق؛ لأن الله -جل جلاله- جعلهم مكرمين بهذا الأمر، ومكرمين باتباع الرسل - يعني: باتباع الحق - في حِكَم شتى.
    والشيخ -رحمه الله- هنا قال: (لم يبعث نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء) وهذا الحصر مأخوذ من الآية: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا}فلفظ (كل) ظاهر في العموم، وهو بمعنى: لم يبعث نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداءً. وأعداء التوحيد - أعداء الأنبياء والرسل - على قسمين:
    1-أعداء رؤساء.
    2- وأعداء تبع.
    الرؤساء:إما أهل الرياسة والتدبير في أمور الدنيا، وإما أهل الرياسة في أمور الفكر والدين، هؤلاء هم الذين تزعموا العداوة وصدوا الناس عن الدين، هذا صنف من أصناف الأعداء. والصنف الثاني منهم: الأتباع الرعاع الذين أعرضوا عن الحق.
    - أو الذين أخذتهم الحمية والعصبية في ألا يقبلوا التوحيد، وأن ينصروا رؤساءهم.
    فلا يوصف بالعداوة العلماء فقط، أوالرؤساء فقط، بل أعداء التوحيد العامة والرؤساء جميعاً؛ لأن من لم يستجب للتوحيد فقد سب الله جلّ جلاله.
    كل مشرك بالله فهو متنقص للرب -جل وعلا- ساب له، فمن ادعى أن مع الله إلها آخر، يتوسط به ويُزدلف إلى الله -جلّ وعلا- عن طريقه، بوساطته وشفاعته، سواء كان ذلك عالماً أولم يكن عالماً، وإنما كان تبعاً لرؤسائه، فإنه عدو للتوحيد، وربما كان هؤلاء من جهة انتشارهم في الناس أبلغ في إحياء عداوة التوحيد وبثها من الخاصة، وهذا ظاهر بين؛ لأن العامة ينشرون من الأقوال والأكاذيب أعظم مما يبثه الخاصة.
    وإذا نظرت إلى دعوة محمد بن عبد الله -عليه الصلاة والسلام- فإن الذي نشر أنه صابئ، والذي نشر أنه ساحر، والذي نشر أنه مجنون أتباع الكبار، أتباع الرؤساء والملأ في العرب. وكذلك إذا نظرت في دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فإن الذي نشر في الناس مقالة أعداء الشيخ من علماء زمانه إنما هم العامة. فالعامة عداوتهم تأتي من جهة التعصب ، ومن جهة نصرة الباطل بقناعتهم بمن قال لهم ذلك، فعندهم علماء معظمون ورؤساء معظمون فيقتدون بهم، ويستجيبون لمقالهم دون نظر وتدبر، فهؤلاء أعداء لتوحيد الله جلّ وعلا. وكل من هذين الصنفين يجب الحذر منه، ويجب على الموحد أن يعاديه، فليست عداوة الموحد لعلماء المشركين خاصة، أو الذين أعلنوا الحرب على التوحيد خاصة، هؤلاء لهم نصيب من العداوة أكبر، وكل من لم يوحد الله -جلّ وعلا- وانغمس في براثن الشرك، وأشرك بالله فهو عدو لله جلّ وعلا، فكل مشرك عدو لله جلّ وعلا؛ كما قال سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} قال جل وعلا: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} و(شياطين الإنس) جمع شيطان، والشيطان: هو البعيد عن الخير، مأخوذ من (شَطَن) إذا بعد، فالشاطن هو البعيد، والشيطان النون فيه أصلية، وهو البعيد من الخير، والخير بما يناسبه، ولهذا قيل لبعض الحيوانات شيطان لما يناسبه من بعده عن الخير وما يلائمه، وقيل للحمامة في الحديث: شيطانة، في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي رواه أبو داود وغيره ((شيطان يتبع شيطانة)) .
    فالشيطان: هو البعيد عن الخير، والخير في كلٍ بما يناسبه، وقد قال الشاعر في ذلك:
    أيام كن يدعونني الشيطان من غزل ............. وكن يهوينني إذ كنت شيطانا
    يعني: إذْ كنت بعيدا عن الخير، مع بقاء اسم الإسلام عليه.
    لكن يكمل البعد عن الخير بالكفر، فالكافر والمشرك شيطان من شياطين الإنس، ولا بد أن يمده شيطان من شياطين الجن؛ لأنه ما من أحد إلا وكل به القرين.
    قال: {عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ} شياطين الإنس يُرون، وشياطين الجن لا يرون، وهم الذين يلقون أيضاً بعض الشبه في نفوس شياطين الإنس من جهة الوسواس والقرين.
    قال: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً}في قوله: {زُخْرُفَ الْقَوْلِ} ما ينبىء على أن علوم المشركين وشبه المشركين فيها رونق ولها زخرف، والزخرف: هو الشيء الناصع البين الجيد، ومنه قيل للذهب زخرف؛ لأنه ناصع واضح.

    فزخرف القول:هو القول الذي له نصوع وضياء يبصره ببصيرته المتأمل له فيخدعه، فقال -جلّ وعلا- هنا: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ} في هذا: أن ما عند المشركين من العلوم لها زخرف، فليحذر منها.
    لا يتصور في هذا المقام - وهو مقام كشف الشبهات - أن شبهة المشرك ليس لها وجه البتة، لا تتصور هذا، فإن المشرك يوحي بعضهم، يوحي بعض المشركين إلى بعض بزخرف القول حتى تُزين الشبهة، فلا يقال هذه الشبهة فيها نصيب من الحق فتكون حقاً.أو أن يظن أن شبهة المشرك ليس لها نصيب من النظر البتة،بل يكون لها زخرف ويكون لها نظر، فإذا تأملها أهل العلم وجدوها داحضة؛ كما قال جلّ وعلا: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}
    فالحجج التي يدلي بها أهل الشرك:
    - فيها:زخرف.
    - وفيها:تدليس.
    - وفيها:تلبيس.
    والشبه لها بعض ما يجعلها ملتبسة بالحق، فلهذا لا تتصور أن الشبه التي ستأتي التي أدلى بها أعداء التوحيد أن كل واحدة لا تدخل العقل أصلاً، بل منها أشياء خدع بها الشياطين - هؤلاء - من خدعوا من أمم الإنس والجن، ولكن هذا القول غرور، يعني: أنه يزهر وينصع ويتزخرف عند سماعه أو عند رؤيته، ولكنه عند التحصيل غرور ليس بشيء، وهذا لأنه إذا تُدبر وفحص وجد أن حججهم داحضة.
    قال: (وقد يكون لأعداءِ التوحيدِ علوم كثيرة وكتب وحجج) وهذه مقدمة مهمة أيضاً في سبيل كشف الشبهات، التي أدلى بها علماء المشركين.
    -قد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج. العدو للتوحيد، لا تتصور - خاصة من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- من العلماء الذين جاءوا في هذه الأمة - لا يتصور أن عدو التوحيد لا يكون عنده علم البتة، لا يتصور أن عدو التوحيد لا يكون فقيهاً، لا يكون محدثاً، لا يكون مفسراً، لا يكون مؤرخاً، بل قد يكون مبرزاً في فن من هذه، أو في فنون كثيرة، كحال الذين ردوا على إمام هذه الدعوة، فإنهم كان يشار إليهم بالبنان فيما اختصوا فيه من العلوم، منهم من كان فقيهاً، ومنهم من كان مؤرخاً، وهذا حال أيضاً من رد عليهم أئمة الدعوة. فلا تتصور أن عدو التوحيد لا يكون عالماً، وهذه شبهة ألقاها الضُّلالُ في رؤوس الناس، فجعلوا اعتراض العالم على العالم دالاً على صحة كلٍ من المذهبين هذا وهذا والأمر واسع، ولهذا بعضهم يقول في مسائل التوحيد: (هذا أصح من القول الثاني) أو: (في أصح قولي العلماء هو كذا وكذا). وهذا لا يسوغ أن يقال في مسائل التوحيد؛لأن من خالف في مسائل التوحيد فإنه ليس من علماء التوحيد، ولا علماء السنة الذين يصح أن تنسب لهم مقالة، أو أن يؤخذ بقولهم في الخلاف، بل التوحيد دلت عليه الدلائل الكثيرة، من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وبينه الأئمة، فمن خالف ولو كان من العلماء الكبار في الفقه، أو في التاريخ، أو في الحديث، أو غيره فإن مخالفته لنفسه، ولا يقال: إن في المسألة خلافاً. لهذا لا بد أن تنتبه إلى أن عدو التوحيد من علماء المشركين ليس من صفته أن يكون غير عالم،بل قد يكون عالماً وإماماً في فن من الفنون، إمام في التفسير، إمام في الفقه، مرجع في القضاء، ونحو ذلك، مثل أعداء الدعوة الذين عارضوا الشيخ -رحمه الله- وعارضوا الدعوة. -كحال - مثلاً من المتأخرين - داود بن جرجيس، فإنه كان على علم واسع، ولكن من علماء المشركين. -وكحال محمد بن حميد الشرقي، صاحب كتاب (السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة) أيضاً كان من أعداء التوحيد، وصنّف رداً على المشايخ فيما تكلموا فيه على منظومة البوصيري المعروفة بـالميمية، وأبطل أن يكون ذلك شركاً، وقرر ما قاله البوصيري، إلى آخر ذلك. والشيخ عبد الرحمن بن حسن، صاحب كتاب (فتح المجيد) - المجدد الثاني رحمه الله - له في ذلك رسالة، رد بها على صاحب هذا الكتاب، فهو بارز في الفقه، وأشير إليه في التفسير، وفي التراجم، إلى آخره، ولكنه من علماء أعداء التوحيد، من علماء المشركين:
    -لأنهم نافحوا عن الشرك.
    -وردوا على أهل التوحيد.
    -وردوا التوحيد، وأضلوا الناس في تعريف التوحيد والشرك، وبيان ما به يكون المسلم مشركاً مرتداً، فأضلوا الناس في ذلك.
    فإذاً: المقدمة المهمة بين يدي هذه الرسالة: ألا تظن أن العلماء الذين يشار إليهم بالبنان؛ أن هؤلاء لا يكونون مشركين، بل في زمن الشيخ -رحمه الله- وما بعده كان هناك علماء يشار إليهم؛ ولكنهم كانوا مشركين، مثل مفتي الشافعية أيضاً في مكة أحمد بن زيني دحلان، وأشباه هؤلاء. فالناس يرجعون إليهم، ويستفتونهم، فيصدرون عنهم، فلا يتصور أن الشرك ليس له علماء تحميه. فإذاً:كمقدمةٍ: لا تقل في مسألة من المسائل التي يأتي كشف الشبهة فيها: قالها العالم الفلاني، وقالها الإمام الفلاني، وكيف يفعلها الإمام الفلاني؟
    -فهذا إما أن يكون جاهلاً ما حرر المسألة، كبعض العلماء المشهورين المذكورين بالخير.
    -وإما أن يكون قد علم فعادى وعارض، وصنف في تحسين الشرك، مثل ما فعل - مثلاً - الرازي - فخر الدين الرازي - صاحب التفسير المسمى بـ(مفاتيح الغيب) حيث صنف في تحسين دين الصابئة ومخاطبتهم للنجوم كتاباً، سماه: (السر المكتوم في أسرار الطِّلَّسْمات ومخاطبة النجوم) وبه كفَّره طائفة من أهل العلم، فيحسِنُ كيف تُخَاطَب النجوم، وكيف يستغاث بها، وكيف تستمطر؛ إلى آخره، وصنف في ذلك ليدل صابئة حران على ذلك، وهذا لا شك أنه من الضلال البعيد. فلا يقال في أي شبهة يأتي ردها، أو رد عليها أئمة السنة والتوحيد، لا يقال: كيف العالم الفلاني قالها؟كيف راجت على العالم الفلاني؟******وهؤلاء إما أن يكونوا جهالاً فلا يُصنفون في أعداء التوحيد، وإما أن يكونوا صنفوا في الشرك وتحسينه، فهؤلاء هم الذين عناهم الشيخ بقوله: (وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج). إذا رأيت نقولهم قد تكون عن شيخ الإسلام وعن ابن القيم، مثل ما فعل داود بن جرجيس -مثلاً- صنف كتاباً سماه: (صلح الإخوان) نقل فيه عن شيخ الإسلام وابن القيم نقولاً، ونقل عن أقوال المفسرين وأقوال كثير من العلماء؛ مثل في هذا العصر ما صنف مثلاً محمد بن علوي المالكي، كتاباً حشد فيه أقوال نحو من مائتين أو ثلاثمائة من العلماء الذين أقروا بعض الشركيات، وبعض التوسلات ونحو ذلك في كتبهم، هذا ليس هو العبرة.
    فإذاً: القاعدة التي يجب أن تكون عليها قدما الموحد: أن علماء المشركين قد يكون لهم علم كبير وحجج؛لأنه ليس الشرك سبباً في انسلاخهم من العلم؛ كما قال -جل وعلا- عن أوائلهم: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} .
    -وقد يكون هذا العلم في الإلهيات؛ كما قالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً} هذا اعتراض، شبهة، وقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} .
    -وقد يكون في الفقهيات؛ كما قالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا}ونحو ذلك. فجنس العلوم التي وجدت في هذه الأمة موجودة عند أعداء الرسل، إما من جهة الإلهيات، وإما من جهة الشرعيات، فعارضوا الرسل بما عندهم من العلم، بل إن الله -جل جلاله- سمى قولهم حجة فقال - وذلك تعظيماً له من جهة قوة الشبهة فيه - قال: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} (وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج) هل هذه الكتب الكثيرة التي له، والفقهيات والتراجم والتفسير وما أشبه ذلك، يجعله ليس عدواً للتوحيد إذا صنف في عداوة التوحيد، وصنف في تحسين الشرك ودعا الناس إلى ذلك؟ لا، فإنه يكون عدواً للتوحيد ناصراً للشرك - ولا كرامة - ولو كان أثر السجود في جبهته، ولو كان عنده من المؤلفات أكثر مما عند المكثرين ، كـالسيوطي وغيره، فهذا ليس بعبرة، وكلامه بالتالي ليس بعبرة؛ لأنه ليس من علماء التوحيد، فعلومه ضارة وليست نافعة.
    قال بعد ذلك رحمه الله: (إذا عرفت ذلك) يعني: ما تقدم من أن أعداء الرسل قد يكون لهم علوم وكتب يصنفونها، وحجج يدلون بها، قد يكون يحتجون بالكتاب، قد يكون يحتجون بالسنة وأشباه ذلك، وبأقوال المحققين من أهل العلم، مثل ما ينقلون عن أحمد بعض الأشياء، ينقلون عن شيخ الإسلام، ينقلون عن ابن القيم، ينقلون عن ابن حجر، ينقلون وينقلون، هذا كله من العلوم الضارة وليست من العلوم النافعة.
    قال: (إذا عرفت ذلك وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج) انتبه لهذه الكلمة (لابد له) لا بد لطريق التوحيد - الطريق إلى الله - من أعداء، كما ذكرنا، وهؤلاء الأعداء قد يكونون علماء، وهؤلاء العلماء أهل فصاحة وعلم وحجج، لا بد أن تكوِّن حاجزاً من أن يصدوك عن الهدى ويدخلوك في الضلال، أو أن يلبسّوا عليك الدين.
    فليست الفصاحة هي المعيار،فإبليس كان فصيحاً، وليس العلم في نفسه هو المعيار، بل لا بد أن يكون العلم هو العلم النافع، وليست الحجج وجود حجج وإيرادات وجواب هو المعيار. فإذا كان هذا موجودا فانتبه إلى وصية الشيخ -رحمه الله- في مقدمة هذه الرسالة العظيمة (كشف الشبهات).

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •