قواعد الفتوى الشرعية وضوابط التيسير فيها
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: قواعد الفتوى الشرعية وضوابط التيسير فيها

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    21,441

    افتراضي قواعد الفتوى الشرعية وضوابط التيسير فيها

    قواعد الفتوى الشرعية وضوابط التيسير فيها
    الدكتور: عبد الكريم عبد الحميد الخلف

    المقدمة
    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وإمام المتقين ، ومرشد الأمة إلى الهداية والطريق المستقيم ، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين .
    أما بعد
    أنزل الله كتابه الكريم مشتملاً على ما يصلح حال البشر ، من أصول الدين ، وقواعد العمل الصالح ، وأمر رسوله ببيانه للناس من حيث الحلال والحرام ، والجواز وعدمه ، وغير ذلك من الأحكام الشرعية ، لقوله تعالى :{ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } ، وبهذا التكليف الرباني قام المصطفى - صلى الله عليه وسلم- ببيان معاني القرآن وأحكامه ، و أعلى مناره ، وقوًى دعائمه ،وانتظم من الكتاب والسنة أعظم مرجع لمن يبحث عن أسباب الهداية ، ويلتمس طريق الاستقامة ، فتسابقت همم العلماء إلى الارتشاف من معينه ، والاغتراف من فيضه ، وتعددت اتجاهاتهم في الأخذ منه .
    ومن هنا نجد أن أول مفتٍ هو المصطفى - صلى الله عليه وسلم- ، ومن بعده علماء الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم العلماء المجتهدون ، فالإفتاء إذن من عمل الأنبياء ، ومن ثم ورثتهم العلماء الضالعون في علوم الشريعة ، وفروعها وملحقاتها , وعلى ضوء ذلك لا يصح الإفتاء من العوام ، أو الذين لم يصلوا إلى أغوار العلوم الشرعية ، وهذا ما دعاني إلى أن أبحث في هذا المجال عندما وجدت على أرض الواقع أن كثيراً من الذين لا يفقهون من الدين إلا ظواهره يقومون بالإفتاء بغير علم ، ويتجرؤون على الله ورسوله ، بحجة التيسير ، ويطلقون الأحكام الخاطئة ، فهؤلاء يشكلون على الدين خطراً كبيراً ، ويغررون بالمسلمين أشد تغرير ، وعلى هذا قمت بالبحث في هذا المجال لأبيًن قواعد الفتوى ، وضوابط التيسير فيها ومدى دقتها ، سائلاً المولى عز وجل أن يوفقني لهذا إنه سميع مجيب .
    أولاً – مفهوم الإفتاء :
    والإفتاء لغة : مأخوذ من الإبانة . يقال : أفتاه في الأمر أبانه له ، وهو : إبانة الحكم في المسائل المطروحة على رجل الإفتاء ، ويقال : أفتى الرجل في المسألة . أي : أبان الحكم فيها ، وذهب القوم إلى المفتي . أي : تحاكموا إليه .
    والفتوى هي : الجواب عما يُشكل من المسائل الشرعية ، أو القانونية ، والمفتي هو : من يتصدى للفتوى بين الناس ، ويتم تعينه من قبل الدولة ليجيب عمّا يُشكل من المسائل الشرعية ، أو القانونية .
    واصطلاحاً : هو إظهار الأحكام الشرعية بالانتزاع والاستنباط من الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، والمصادر الشرعية الأخرى ، وعلى هذا يكون المفتي هو : المظهر للأحكام الشرعية بانتزاعها من مصادرها الشرعية ، وهو : من اتصف بالعلم الشامل ، والعدالة : وملكة الاقتدار على استنباط أحكام الفروع المتجددة .
    وعرف الشوكاني المفتي بأنه هو : المجتهد ، وهذا ما عليه علماء الأصول ، وأما المفتي المقلد هو : من لم يبلغ رتبة الاجتهاد ، ولكنه درس وفهم مذهباً من مذاهب الفقهاء المعروفين كمذهب الإمام أبو حنيفة ، أو الشافعي ، أو المالكي ، أو الحنبلي ، وأخذ على عاتقه تقليده معتقداً بصحته ، فيجوز له الإفتاء على المذهب فقط شريطة ألا يكون هناك مجتهد يرجع الناس إليه لأن العامي إذا وجد مجتهداً عدلاً فليس له أن يلجأ إلى غيره ، بل أقول : أن المفتي المقلد في حقيقة الأمر ليس مفتياً ، ولكنه ناقل لفتوى من يقلد ، ولهذا لا يُعدُّ من أهل الإفتاء لذلك قال أهل العلم : إذا أفتى برأي إمام من الأئمة المعروفين يجب عليه أن ينسب الفتوى إلى صاحب الرأي
    ثانياً – أنواع الفتوى :
    من خلال البحث في موضوع الفتوى تبين أنها تحصل بالقول ، أو الفعل ، أو الإقرار ، وإلى هذه الأنواع الثلاثة بالتفصيل :
    الفتوى بالقول - وهذا النوع من الفتوى مشهور ومعروف فلا حاجة للكلام فيه .
    الفتوى بالفعل - ولها وجهان :
    - الوجه الأول : الفعل الذي يقصد به الإفهام عن طريق استعمال الإشارة المفهومة في عرف المفتي والناس ، وهذا الوجه قائم مقام القول المصرح به كقول الرسول- صلى الله عليه وسلم- : " الشهر هكذا وهكذا ، وعقّد بين الإبهام في ثلاثة ثم قال : الشهر هكذا وهكذا "، يعني تمام الثلاثين ، وسُئل عليه الصلاة والسلام في حجته فقال :" ذبحت قبل أن أرمي ، فأوما بيده وقال له : لا حرج"
    - الوجه الثاني : الفعل الذي يقتضي التأسي والإقتداء وأصل ذلك قوله تعالى :{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}، وقوله سبحانه وتعالى :{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ} ، وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم- : " صلوا كما رأيتموني أصلي" ، وحج النبي - صلى الله عليه وسلم- وقال :"خذوا عني مناسككم " ، وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم- لأم سلمة : "ألا أخبرتيه أني أُقبًل وأنا صائم" ، وإذا كان كذلك ، وثبت للمفتي أنه قائم مقام النبي ، ونائب منابه في التبليغ لزم من ذلك أن أفعاله محل للإقتداء والتأسي أيضاً.
    - الفتوى بالإقرار : وهذا النوع من الفتوى يرجع إلى الفعل ، لأن الكفّ فعل ، وكفّ المفتي عن الإنكار إذا رأى فعلاً من الأفعال كتصريحه بجوازه ، وقد أثبت الأصوليون ذلك دليلاً شرعياً بالنسبة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- ، وكذلك يكون بالنسبة إلى المنتصب للفتوى ، لذلك مُدحت هذه الأمة لقيامها بواجبها من أمر بالمعروف ، ونهي عن المنكر فقال تعالى :{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } ، وما تقدم من الأدلة في الفتوى الفعلية متفق عليه بين الفقهاء ، ومن هنا ثابر السلف الصالح على القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولم يبالوا في ذلك بما ينشأ عنه من عود المضرات عليهم بالقتل وما دونه ، ومن أخذ بالرخصة أي اعتزل الناس حتى لا يترتب على إنكاره آذىً شديداً قد يصبه ، يكون قد ضرَّ بدينه ، واستخفى بنفسه ، هذا ما لم يكن ذلك سبباً بالإخلال بما هو أعظم من ترك الإنكار ، فإنّ ارتكاب أخف الضررين أو الشرين أولى ، وهذا في الحقيقة راجع إلى إعمال القاعدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
    ثالثاً – الفرق بين القضاء والإفتاء :
    ومن خلال إطلاعي على هذه المسألة وجدت أن القضاء والإفتاء يتفقان في بعض الأمور ، ويختلفان في البعض الآخر على النحو الآتي :
    (أ) - يتفق القضاء والإفتاء في أنه لا بد لكل من المفتي والقاضي من فقهين :
    الأول : فقه الحادثة التي يراد الإفتاء أو القضاء فيها ، ولا بد في هذا من براعة وحنكة في استخلاص الحقيقة المأخوذة من أقوال الخصوم وشهودهم ، أو من أسئلة المستفتين من العامة ، لذلك كان كثيراً من العلماء والقضاة ذو قريحة وقادة ، وذكاء حاد ، وفطنة بارعة في الاحتيال لمعرفة الحق من خلال أحوال المتخاصمين ، وأحوال المستفتين.
    الثاني : فهم الحكم الشرعي لهذه الحادثة ، والذي يبدو لي : أن هناك فقه ثالث يراد به فض النزاع بين المتخاصمين بأي طريقة من الطرق التي تنقدح في ذهن القاضي ، والمستفتي ، ومن هذا النوع ما روي أن رجلاً شكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- جاراً يؤذيه فقال له : انطلق فأخرج متاعك إلى قارعة الطريق فلما فعل ذلك اجتمع إليه الناس وسألوه ما شأنك ؟ فذكر لهم خبر جاره ، فجعلوا يلعنونه ويذمونه ، فأقبل الجار إلى صاحبه يعتذر إليه ، ويعده بعدم العودة إلى أذيته (16)وكذلك ما روي أن ثلاثة من أهل اليمن اختصموا إلى علي رضي الله عنه في غلام ، فزعم كل منهم أنه ابنه ولا بينة لواحد منهم فأقرع رضي الله عنه بينهم ، وجعل الولد للقارع ، وألزمه أن يدفع لكل من الرجلين ثلث الدية ، وبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ، فضحك حتى بدت نواجذه.
    (ب) – ويفترقان في الأمور الآتية :
    1- الإفتاء أوسع مجالاً من القضاء ، لذلك يصح الإفتاء من الحر والعبد ، والذكر والمرأة ، والبعيد والقريب ، والأجنبي والصديق ، بخلاف القضاء فإنه يشترط في القاضي أن يكون مسلماً ذكراً حراً لا يقضي في أصوله وفروعه .
    2- القضاء ملزم للخصوم ، ونافذ فيهم ، بخلاف الإفتاء ، فالمستفتي مخير دنيوياً بين العمل بالفتوى ، أو إهمالها .
    3- قضاء القاضي إذا خالف فتوى المفتي فإنه نافذ ، ويُعَدُّ نقضاً لقضاء سابق ، أما قضاء القاضي إذا خالف قضاءً سابقاً فإنه لا ينفذ .
    4- المفتي لا يقضي إلا إذا تعين له ، بخلاف القاضي فإنه يجب عليه أن يقضي سواء تعين له أم لم يتعين .
    رابعاً – صفات المفتي :
    لا ينبغي للرجل أن يرشح نفسه لمنصب الفتيا إلا إذا توافرت فيه خمس خصال لما روى عن الإمام أحمد رحمة الله أنه قال : " لا ينبغي للرجل أن ينصّب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال " .
    أولها : أن يكون له نية ، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ، ولا على كلامه نور ، بمعنى أن يبتغي بفتواه وجه الله تعالى ، فلا يفتي طمعاً في مال أو جاه ، أو خوفاً من سلطان ، ومن المعروف أن الله يلبس المخلص من المهابة والنور ومحبة الخلق ما يناسب إخلاصه ، ويلبس المرائي من المهانة والذل والبغض ما يلائم رياءه .
    وثانيها : أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة ، أما العلم فالحاجة إليه واضحة ظاهرة ، وعلى هذا فمن أفتى بغير علم فقد تعرض لعقاب الله ، ودخل في حكم قوله تعالى { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، وقوله تعالى بشأن الشيطان :{ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، وقوله عز وجل : { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }، والحديث المشهور : "أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النار" ، وأما الحلم فإنه كسوة العلم وجماله ، فالعلم يُعَرِِّفُ المرء رشده ، والحلم يثبته ، والوقار والسكينة من ثمار الحلم .
    وثالثها : أن يكون المفتي قوياً على ما هو فيه ، وعلى معرفته . أي : متمكناً من العلم غير ضعيف فيه ، فإذا كان قليل البضاعة أحجم عن الحق في موضع الإقدام ، أو أقدم في موضع الإحجام .
    ورابعها : الكفاية : وإلا مضغه الناس ، والمراد بالكفاية الغنى عن الناس وعدم الحاجة إلى ما في أيديهم ، فإن هذا يُعين العالم على إحياء علمه ، ومن امتدت يده إلى الناس زهد الناس في علمه ، وتناولته ألسنتهم بالذم.
    وخامسها : ( معرفة الناس ) . أي أن يكون عالماً بأحوالهم ، فإن الجاهل بأحوالهم يُفسد بالفتوى أكثر مما يصلح ، إذ يروّج عنده مكرهم وخداعهم حيث يتمثل له الظالم أنه مظلوم ، والمبطل بأنه محق ، وهذه صفات خمس لابد أن يتحلى بها الرجل المفتي .
    خامساً : ما يجب على المفتي إتباعه :
    يجب عليه إذا ما رُفعت إليه مسألة الأمور الآتية :
    1 – ألا يُقدم على الإفتاء وهو في غضب شديد ، أو خوف حقيقي ومزعج ، أو إذا كان في حالة نفسية يشوبها الحزن والقلق ، أو جوع مفرط ، أو نعاس غالب أو شغل قلب مستحكم، أو مدافعة للأخبثين ، لأن كل ذلك يخرجه عن حال الاعتدال وكمال التثبت .
    2 - أن يُشعر قلبه على أنه بحاجة إلى ربه ، ويستمد منه المعونة ويطلب السداد ليوفقه إلى الصواب ، ويفتح له سبيل الرشاد ، ثم يتجه إلى نصوص الكتاب والسنة النبوية ، وآثار الصحابة الكرام ، ويطلع على ما أُثر من أقوال العلماء ، ويبذل جهده في معرفة الحكم من أصوله ، مستعيناً بآثار من سبقه ، فإن ظفر به ، وإلا بادر إلى التوبة والاستغفار ، وألح في استمداد المعونة من معلم الخير وملهم الصواب ،فإن العلم نور يقذفه الله في قلب عبده ، والهوى والمعاصي رياح عاصفة تطفئ ذلك النور ،وتنشر الظلمة في أرجاء الصدور .
    3 - أن يتحرى الحكم بما يرضي ربه ،ويجعل نصب عينيه قوله تعالى :{ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}
    إذن فلا يصح له أن يعتمد في فتواه على مجرد وجود الحكم بين أقوال العلماء ، بل يجب عليه أن يتحرى ما هو أرجح منها تبعاً لقوة الدليل ، وإلا كان متبّعاً هواه ،وقائلاً في دين الله بالتشهي ، كما لا يصح له أن يفتي بالحيل المحرمة أو المكروهة ، أما الحيل التي ُتخرج المستفتي من الحرج من غير مفسدة فإنها مستحبة ولا شيء فيها ،ولا يصح له أيضاً أن يحابي في فتواه ، فيفتي بالرخص لمن أراد نفعه من أهله وأقاربه وأصدقائه ، أو من طمع في بره وجزواه من ذوي السلطان والجاه دون غيرهم من عامة الناس ،كأن يفتي بالطلاق من قريب ، أو ذي جاه بعدم وقوع الطلاق بالحنث ، ويفتي من حلف به من غيرهم بوقوعه ، أو يفتي من طلّق منهم بلفظ الكتابة ، بوقوع الطلاق رجعياً، ويفتي من طلق به من غيرهم بوقوعه بائناً ، أو يفتي من طلّق منهم ثلاثاً بلفظ واحد بوقوع طلقة واحدة ، ويفتي من فعل ذلك من غيرهم بوقوعه ثلاثاً ، وهكذا .
    سابعاً - ما يجب على المفتي الذي يتخير من المذاهب :
    ويجب على من يتخير من المذاهب أن يراعي الأمور الثلاثة الآتية :
    أولها : يُتبع القول لدليله ، فلا يختار من المذاهب أضعفها دليلاً ، بل يختار أقواها دليلاً ، ولا يتبع شواذ الفتيا ، وأن يكون عالماً بأسس وقواعد ومناهج المذهب الذي يقع الاختيار فيه ، وهذا يقتضي أن يكون المفتي مجتهداً لا يتخلف اجتهاده إلى مرتبة التقليد ، ومن هذا النوع العلامة ( أبن تيميه ) رحمه الله في اختياراته ، فإن لم تكن عنده هذه المقدرة ، فأولى أن يقتصر على مذهبه فقط إن كان قد بلغ درجة الإفتاء فيه .
    وثانيها : أن يجتهد ما أمكنه الاجتهاد في ألا يترك المجُمع عليه إلى المختلف فيه ، فمثلاً إذا سئل المفتي الذي أحيط خبراً بالمذاهب الإسلامية عن تولي المرأة عقد زواجها بنفسها , لا يفتي بقول أبي حنيفة النعمان الذي انفرد به عن الجمهور ، بل يفتي بقول الجمهور ، ولا مانع من أن يبين له قول الأحناف ويترك له الاختيار مع بيان وجه اختياره لرأي الجمهور فيذكر مثلاً أنها مسألة دقيقة في الحلال والحرام، وأنه لا يؤخذ فيها إلا بالاحتياط وغير ذلك ، أما إذا كانت المسألة خلافية احتاط للشرع ، واحتاط للمستفتي من غير خروج ولا شذوذ فمثلاً : إذا سأله رجل يريد الزواج بامرأة رضعت من أمه رضعة واحدة أفتاه بمذهب أبي حنيفة ومالك اللذين يعتبران قليل الرضاع محرماً ولو كان مصة أو مصتين ، أما إذا كان السائل قد وقع في البلوى وتزوج امرأة كانت بينهما رضاعة ، ولم يصل إلى خمس رضعات ، ولم يعلم تلك الواقعة إلا بعد أن أعقب منها أطفالاً ، فإن الاحتياط للأولاد يسوغ له الإفتاء بالحل شريطة أن تكون الأدلة قد تراجعت لدية ، ولا يرى واحداً منها قاطعاً في الموضوع .
    وثالثها : أن لا يتبع أهواء الناس ، بل يتبع المصلحة والدليل ، والمصلحة المعتبرة هي مصلحة الكافة ، وما تؤدي إليه الفتيا من تحليل وتحريم
    ثامناً – على المفتي الأخذ بقاعدة الوسط بين الشدة والتخفيف :
    المفتي البارع ، البالغ ذروة الدرجة والناجح في فتواه ، و الذي يحمل الناس على المعهود الوسطي فيما يليق ويتلاءم مع الجمهور ، فلا يذهب بهم مذهب الشدة المطلق ، ولا يميل بهم إلى التحقيق المطلق المؤدي إلى طرف الانحلال ، والدليل على صحة مبدأ الوسطية هو أن مقصد الشارع الحكيم من المكلف هو الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط ، فإذا خرج المفتي بالمستفتي عن مبدأ التوسط فإن هذا الخروج خروجاً على مقاصد الشرع ، لذلك فإن مثل هذا الخروج مذموماً عند العلماء الراسخين في العلم ، وإذا تتبعنا مسار النبي - صلى الله عليه وسلم- وسيرته نجد أنه - صلى الله عليه وسلم- أخذ بالمبدأ الوسطي، وسار على نهجه صحابته الكرام رضوان الله عليهم ، وقد تمثل هذا المبدأ عندما رد عليه الصلاة والسلام ( التبتل ) حين طلبه بعض الصحابة رضوان الله عليهم ، وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل لما أطال بالناس في الصلاة : " أفتان أنت يا معاذ " وقوله عليه الصلاة والسلام :" إن منكم منفرين " ، وقال أيضاً : " سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدَّلجة ، والقصد القصد تبلغوا " ، وقال عليه الصلاة والسلام : "عليكم من العمل ما تطيقون فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا" والأدلة كثيرة في هذه المسألة أقف عند هذا الحد خشية الإطالة .
    إذاً الخروج إلى أطراف الانحلال خروجاً عن العدل والتوسط وبالتالي لا تقوم به مصلحة الخلق ، والميل المطلق إلى أطراف التشديد فيه مهلكة للناس لأن المستفتي إذا ذُهب به مذهب الشدة والحرج بُغِّض إليه الدين وأدى به إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة ، وإذا ذُهب به مذهب التخفيف المطلق كان مظنة للمشي خلف الهوى والشهوة ، وهذا خلاف ما جاء به الشرع الإسلامي الذي نهى عن الهوى لأنه مُهلك ، فعلى هذا فالأخذ بالرخص بصورة مطلقة يخالف قاعدة التوسط ، وكذلك الأخذ بالعزائم بشكل مطلق يخالف أيضاً مبدأ التوسط ، وهنا لا بد من التنبيه على أمر هام ألا وهو أن بعض الناس يفهمون أن ترك الرخص تشديد عليهم ، وليس بين التشديد والترخيص وسطاً ، وهذا المفهوم مغلوط وغير صحيح لأن الشرع الإسلامي مبني على قاعدة التوسط ، ومن تأمل مصادر الأحكام الشرعية تبين له ذلك ، فمن يقول ليس بين التشديد والتخفيف واسطة فيكون هذا القول قلباً للمقصود في الشريعة الإسلامية الغراء .
    إذاً فعلى رجل الإفتاء الأخذ بمبدأ الوسطية في جميع فتاواه ، فلا يشدد على المستفتين إلى درجة الإحراج وعدم الطاقة ، أو يخفف إلى حد الانحلال وتمميّع الأمور ، لذلك عليه أن يوازن الأمور فيأخذ بالتشديد عندما يرى ضرورته ، ويميل إلى التخفيف ويأخذ بالرخص عندما يرى ذلك مناسباً ، ومطابقاً لمقاصد الشرع الإسلامي .
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    21,441

    افتراضي رد: قواعد الفتوى الشرعية وضوابط التيسير فيها

    قواعد الفتوى الشرعية وضوابط التيسير فيها
    الدكتور: عبد الكريم عبد الحميد الخلف


    تاسعاً – التأني في الإفتاء :
    ويجب على المفتى أن يتأنى ولا يتسرع ، وأن يتفكر ويتدبر ويتحرى الحق في الأمر ، وفي نتائج الفتوى ، وفي حال المستفتي ، ولا عيب عليه في هذا التأني ما لم يكن متثبتاً من الحق ، والأمر لا يحتاج إلى التأجيل والتسويف .
    فمثلاً كان إمام الهجرة مالك رضي الله عنه يتأنى في فتواه حتى أنه يمكث أياماً في دراسة مسألة من المسائل ولقد قال في ذلك : [ ربما وردت عليَّ مسألة من المسائل تمنعني من الطعام والشراب والنوم ، فقيل له يا أبا عبد الله ، والله ما كلامك عند الناس إلا نقر على الحجر ، وما تقول شيئا إلا تلقوه منك قال : فمن أحق أن يكون هكذا إلا من كان هكذا. أي : ما تلقى الناس كلامه بالقبول إلا لما رأوه من التأني وعدم الخبط العشوائي .
    عاشراً - التيسير في الفتوى وضوابطه :
    تحت هذا المسمى نرى كثيراً ممن يدعي العلم والفتوى يحلون أشياء محرمة ويأتون من الدين ما ليس منه ، ويفتون بآراء ما أنزل الله بها من سلطان ، كل هذا بحجة التيسير على الناس بالفتوى ، وهذا ما نشاهده على الفضائيات ومواقع الإنترنت ، وفي الصحف ، والمجلات ، والكتب الحديثة . أن العلماء المعاصرين ، قد تصدوا للإفتاء في أمور خطيرة ، وأفتوا الناس في أنحاء العالم ، سواء على الهواء مباشرة ، أو بفتاوى مكتوبة ، وبدون تأني ولا تمحيص ، , ولا مراجعة ، ولا دليل .
    إذاً أمثال هؤلاء يبيحون أشياء محظورة تحت شعار التيسير ، والتسهيل في الفتوى ، معتمدين على أن الدين الإسلامي دين التيسير ، ورفع الحرج عن العباد، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم- قد بعثه الله بالحنفية السمحة ، وما خُيرّ بين أمرين إلا أختار أيسرهما ، كل هذا حق إذا روعيت ضوابط هذه القواعد ، أما الإخلال بها فيه خطر على الأمة ، فالتيسير في كثير من الفتاوى المعاصرة مخل في الأصول الشرعية ، وسوف أسوق بعض الفتاوى المعاصرة المبنية على التيسير المخل لقواعد الشرع ، وهي :
    1 _ الإفتاء بجواز إجراء عقد الزواج عن طريق الوسائل الحديثة :
    نجد هناك بعض الفقهاء المعاصرين يفتون بجواز إجراء عقد الزواج مشافهة، وعن طريق وسائل الاتصال الحديثة المباشرة كالهاتف ، والحاسب الآلي عن طريق شبكة الإنترنت تسهيلاً على من أراد الزواج ، وعدم تعقيد الأمور عليهم ، وعلى رأس هؤلاء المعاصرين د. مصطفى الزرقة ،د. وهبة الزحيلي ، وإبراهيم فاضل الدبو ،ومحمد عقلة ، وبدران أبو العينين .
    ولقد قامت بالرد على هذا الفتوى المعاصرة المبنية على التيسير ، اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية ، وأكثر فقهاء مجمع الفقه الإسلامي بجدة ، بمنع إجراء هذا العقد ، مستدلين بأن هذا الطريق قد يدخله خداع أحد الطرفين الطرف الآخر ، وأن عقد الزواج يجب أن ُيحتاطُ فيه مالا ُيحتاط في غيره حفظاً للفروج ، وإلى القارئ الكريم نص فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء : ( نظراً إلى ما كثر في هذه الأيام من التغرير والخداع والمهارة في تقليد بعض الناس بعضاً في الكلام ، وإحكام محاكاة غيرهم في الأصوات حتى أن أحدهم يقوى على أن يمثل جماعة من الذكور والإناث صغاراً وكباراً يحاكيهم في أصواتهم ، وفي لغاتهم المختلفة محاكاة تلقي في نفس السامع أن المتكلمين أشخاص ، وما هو إلا شخص واحد .
    ونظراً إلى عناية الشريعة الإسلامية يحفظ الفروج والأعراض ، والاحتياط لذلك أكثر من الاحتياط لغيرة من عقود المعاملات – رأت اللجنة أنه ينبغي ألا يعتمد في عقود النكاح في الإيجاب والقبول والتوكيل على المحادثات الهاتفية تحقيقاً لمقاصد الشريعة ، ومزيد عناية في حفظ الفروج والإعراض ).
    2– الإفتاء بجواز إقامة مكاتب تتولى عقد الزواج عبر شبكات الإنترنت :
    مما تم ملاحظته أيضاُ أن هناك فتوى بجواز إقامة مكاتب تجارية عبر شبكات الإنترنت تتولى عقد الزواج للراغبين فيه ، تيسيراً وتسهيلاُ على الناس ، ولكن هذا التيسير والتسهيل مخل بقواعد الشرع ، وفيه تقليل وتهوين لشأن عقد الزواج ، وخاصة إذا تم فتح المجال أمام المخادعين والمتلاعبين والعابثين من أصحاب المكاتب هذه ، أو المستخدمين وغيرهم .
    3– الإفتاء بجواز الزواج بنية الطلاق :
    هناك أبعاد مستجدة للزواج بنية الطلاق ، وهذا ما تم ملاحظته بأنه في الآونة الأخيرة تشكلت أبعاد مستجدة في أوساط المغتربين عن بلادهم ، وفي أوساط الأقليّات المسلمة التي تعيش في الدول الغربية في صور عديدة ، منها زواج الطلبة المبتعثين من الدول الإسلامية إلى الدول الأوروبية الغربية والشرقية منها ، ولمدة بقائهم في تلك الدول ، أو بصورة أخرى الزواج من نساء تلك الدول مدة تسمح لهم بالحصول على الجنسية من إحدى هذه الدول ، ورافقت مثل تلك الحالات العديد من الفتاوى ، التي فُهم منها صحة مثل تلك الممارسات ، وأصبح هناك قطاع واسع لا يرى في هذا النوع من الزواج بأساً.
    نقول وبالله التوفيق : بأن هذه الأبعاد المستجدة تمس ولا شك بشكل مباشر أصلاُ فقهياُ قديماُ . هو الزواج بنية الطلاق ، ولكن يجب إظهار أهمية شرط التأييد ، ولقد أبطل الإسلام العديد من الأنكحة التي تفتقر إليه ، ولقد ظهر في عصرنا هذا بما لا يدع مجالاُ للشك بعض الصور التي تمثل مخالفة واضحة لعنصر التأييد ، وتحولت الثروة الفقهية في هذه المسألة في أصل وضعها الفقهي في بيان أحكام بعض الوقائع النادرة في مجتمعات المسلمين القديمة لتشكل دعوة ورخصة للشباب المسلم المعاصر في مثل هذه الصور كأسلوب للزواج ،وإذا كان الاعتناء بشرط التأييد كل هذا الاعتناء كان لزاماُ علينا أن نضع بعض فتاوى علمائنا المعاصرين تحت المجهر ، وإعطاء القضية مزيد عناية ودرس ، لتوجيه أقوال أئمتنا وعلمائنا ، وفهمها الفهم السليم ، والذي يتفق مع مجموع نصوص الشريعة ومقاصد الشارع الحكيم ، ويتناسب مع الأبعاد المستجدة لظروف الواقع المعاصر ، وإليكم بدايةً إحدى هذه الفتاوى الحديثة المعاصرة لشيخنا الأستاذ علي الطنطاوي حفظه الله ، والتي ترد على استفتاء بعض الطلبة المبعوثين في الخارج ، والذين لا يستطيعون الزواج في بلادهم ، ومضطرون للسفر إلى بلاد تجتمع عليهم فيها قوة الغريزة ، وسهولة الفاحشة ، تقول الفتوى ما نصه .
    (الذي قلته هو : أن الطالب المبتعث إلى تلك البلاد عند الاضطرار وعند غلبة الشهوة وخوف الوقوع في الحرام يختار بنتاً يجتهد أن تكون ذات خلق ، وأن تكون قدر الإمكان نظيفة السيرة ، فيعرض عليها وعلى وليها أن يتزوجها على حكم الإسلام ويُفهمها بصراحة أن الإسلام يجعل للرجل حق الطلاق متى شاء ، ولو بلا سبب ، ويبين لها ذلك بوضوح من غير أن يخفي شيئاً فيتزوجها على شريعة الله ويتخذ بموافقتها وهي توافق غالباً فيما سمعناه ، ويتخذ أسباب منع الحمل غير الضارة ، ثم إذا عزم على العودة إلى بلده طلقها ، وهذا هو الذي استشكله الناس ، واعترضوا به عليً، وأكثروا الكلام في ذلك ، وحجتي أنني أخلصهم من ورطة هم أوقعوا أنفسهم فيها ، وأن الذي قلته وأقوله الآن : من باب ارتكاب أخف الشرين ، وأن نية الطلاق . أي : مجرد النية من غير أن يعبر عنها بلفظ أو بكتابة ، فمجرد نية الطلاق لا تؤثر في صحة الزواج ولا تفسده ، لكنه يأثم عند الله إذا خدعهم فأظهر أنه يريد الزواج الدائم ، وهو ينوي في الحقيقة الطلاق بعد مدة ، يأثم ولكن العقد صحيح ، ثم إن النية من عمل القلب ، والقلوب بيد الله ، فربما تزوج ليبقى مع الزوجة دائماً فيقع له ما يبدّل نيته فيطلًق ، أو كان ينوي طلاقها بعد شهر ، أو سنة فيرى منها ما يرغبه فيها فيعدل عن طلاقها.
    إذاً نقوا : بعد كل هذا ما مستند مثل هذه الفتاوى المعاصرة ؟ وما الأصل الذي قامت عليه ؟ وهل يُسلّم القول بمثل هذه الفتاوى ؟ وإذا كانت الإجابة بنعم فما هي الضوابط والأٍسس التي قامت عليها ؟نريد الإجابة على كل ذلك .
    وعلى كل حال لنا أن نتصور طبيعة مثل هذه الزيجات التي تقوم على خداع وغش ومداراة من قبل الزوج ، بل أقول : أين هذه الزيجات من قوله تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }
    ولنا أن نتصور أيضاً الآثار السلبية الضارة المترتبة على الأسرة من خلال هذا النوع من الزواج ، وقبل هذا وذاك فإن الرأي والفتوى بجواز الزواج على هذه الصورة في الوقت المعاصر ، ووفق الظروف الاجتماعية الحالية لا يتواءم مع مقاصد الشارع الحكيم من الزواج القائم على حفظ النسل ودوام العشرة وإنشاء الرحمة والمودة ، والقاعدة الشرعية المشهورة التي تحكم تصرفات بني البشر ، والتي تقول : " لا ضرر ولا ضرار " لا شك أنها دليل على أن الشريعة لا تقبل بأي حال أن يتسبب بالضرر للآخرين فكيف إذا كان الضرر سينتج عنه آثار سلبية على الأسرة وأفرادها ، والتي هي لبنة المجتمع وسياجه المنيع .
    ثم أقول : هل يسلّم بالقول : بأن الزوج يحق له أن يطلّق بدون سبب ؟ إن حرية الطلاق تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة ، فقد يكون الطلاق حراماً ، وقد يكون مكروهاً ، وقد يكون ضرورياً ، أو يكون واجباً ، هذا بالنظر إلى كل حالة بانفرادها ، أما الأصل العام فيه هو الحظر فلا يباح عند أكثر أهل العلم إلا لسبب مشروع : يقول ابن الهمام : "ولنا أن الأصل في الطلاق وهو الحظر ، لما فيه من قطع النكاح ، الذي تعلقت به المصالح الدنيوية ، والإباحة بالحاجة إلى الإخلاص"
    4 – استحسان مسألة الفحص الطبي من قبل بعض العلماء :
    أما مسألة الفحص الطبي قبل الزواج ، والتي أخذت حيزاً كبيراً لدى الشباب المعاصر ، وهناك بعض العلماء المعاصرين يستحسنون ذلك . ولكن لا أرى مبرراً لإصدار شرط أو قانون إلزامي بضرورة إجراء الفحص الطبي قبل الزواج ، إلا في حالة وجود وباء مرضي أو شيوع أمراض سارية ومعدية في بعض الأقطار لكون الزواج من الأسباب الرئيسية لانتشار هذه الأمراض .
    5 – الإفتاء بجواز التعويض عن الضرر نتيجة العدول عن الخطبة :
    فيما يتعلق بموضوع التعويض عن الضرر المادي أو المعنوي حين العدول عن الخطبة ، تم الإفتاء من البعض بجوازه ، وهذا مخالفاً لما عليه المسلمون الأوائل لعدم ترتيب أي مسئولية تعاقدية ، أو تقصيرية بسبب العدول نفسه أو ما صاحبه من أفعال خاطئة وضارة ، وقد حدثت نتيجة الخروج عما ألفناه من تكييف الخطبة الفقهي عند أهل العلم ، وهذا تساهل في الفتوى ، لأن هذه المسألة في نظرنا لم تكن لتفرض نفسها على ساحة النقاش الفقهي لدينا نحن المسلمين إلا نتيجة عوامل خارجة عن إطار الدائرة الإسلامية ، من تأثر الناس بأساليب ونمط الحياة الغربية إلى درجة الاتباع والتقليد ، بل إلى درجة تأثر بعض رجال القانون في بلادنا ، ولأسباب مختلفة لفرض المفهوم الغربي للخطبة في حياة المسلمين ، أو على الأقل كان هذا التأثر نتيجة محاولة مجاراة القوانين الغربية وإثبات أن الفقه الإسلامي تعامل معها بنفس الطريقة من خلال تطبيق ( إساءة استعمال الحق أو التعسف على قضيتنا هذه ) ، وهكذا كانت الدوافع مختلفة والمؤدى واحد ، ولذا وجد لهذا الاتجاه القائل بالتعويض العديد من الأنصار ، وقد قام من أفتى في ذلك بجهد كبير في الاستدلال عليه .
    ومن منطلق ما ذكرناه نرى بأن لا مبرر للقول بالتعويض ، ولا نرى ذلك الاتجاه القائل بالتعويض إلا نتيجة التأثر بأنماط مختلفة بعيدة كل البعد عن أنماط وطبيعة الحياة الإسلامية، وهذه بعض الأمثلة على التيسير والتسهيل في الفتوى ، وهناك الكثير منها اكتفيت بهذا القدر خشية الإطالة ، وبناءً على ذلك فلابد من بيان مجال التيسير في الفتوى وضوابطه المميزة حتى لا نخرج عن مسار التيسير المنضبط ، وبالتالي نتجنب الوقوع في المحظور ، وإلى تفصيل ذلك .
    – مجال التيسير :
    التيسير مقصد من مقاصد الشرع ، بل هو أصل من أصول الشريعة الإسلامية ومخرج من مخارج الإحراج ، وفيه مصلحة للأمة الإسلامية ، وبه تميزت الشريعة بالوسطية والاعتدال ، كل هذا لا يمنع أن يكون للتيسير مجالاً محدداً ومنضبطاً يُعمل فيه ، ومجالاً لا يُعمل فيه .
    فالتيسير عند علماء الأصول لا يدخل في أصول وقواعد الدين ، ولا بكليات الشريعة والتي بها يتم بقاء الدين ودوامه إلى يوم القيامة ، وهذا ما قال به الإمام الشافعي رحمه الله : ( كل ما أقام الله به الحجة في كتابه ، أو على لسان نبيه منصوصاً بيناً لم ُيحل الاختلاف فيه لمن علمه )
    فأصول الدين ، وكليات الشريعة وقواعدها وثوابتها ، وأصول الحلال والحرام ، وأصول الأخلاق والآداب كل هذا لا يمكن أن يكون مجالاً للتيسير فيه ، إلا لعارض الضرورة بالمعنى الأصولي للكلمة .
    أما الفروع والجزئيات والمتغيرات ، وكل ما لم يقم عليه دليل قطعي وصحيح وصريح يمكن أن يكون مجالاً للتيسير سواء وجدت الضرورة أم لم توجد شريطة ألا يتعارض ذلك مع أصول وقواعد الشرع .
    ومما يؤكد هذا التقسيم قول الإمام ابن القيم رحمه الله : الأحكام نوعان هما :
    - النوع الأول : لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمة . كوجوب الواجبات ، وتحريم المحرمات ، والحدود المقدرة من الشارع الحكيم ونحو ذلك ،فهذا لا يتطرق إليه تغير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه .
    - النوع الثاني : ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زماناً ومكاناً وحالاً كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها ، فإن الشارع ينوَّع فيها بحسب المصلحة .
    ومن هنا يتبين أن التيسير له مجاله الذي يُعمل فيه ، ولا يكون في أي مجال في الشريعة ، بل له مجال لا يتخطاه ، ومدى لا يتعداه ، والواجب على العلماء أصحاب الفتوى أن يكونوا مع الأصول في صلابة الحديد ، ومع الفروع في ليونة الحرير بما لا يتعارض مع النصوص الشرعية .
    – قواعد وضوابط التيسير المعتبرة :
    إن التيسير له ضوابطه وقواعده المعتبرة ، والتي تحكمه حتى يكون تيسيراً متطابقاً متوافقاً مع روح ومقاصد الشريعة الإسلامية وهي على النحو الآتي :
    1 - أن يكون التيسير مضبوطاً بالدليل ، وهو من أهم الضوابط وأخطرها للتيسير في الفتوى ، فالعمل بالتيسير لا بد له من دليل ، يسنده ويؤيده ، أما أن يُعمل بالتيسير دون ضابط من دليل قرآني أو سنة نبوية ، أو اجتهاد ، فهذا لا يقره الشرع ، وهذا هو الذي يقع فيه كثير من المفتين ، أو بالأحرى نقلة الفتوى في عصرنا .
    ومثال التيسر الذي يسانده الدليل : زكاة الفطر هل نخرجها حبوباً أم نخرجها بالقيمة وفيها رأيان ، ولكل دليله ووجهة نظر ، فعلى المفتي هنا أن يراعي الأيسر على الناس ، وأن يراعي أيضاً الأنفع ما دام في المسألة رأيان ، لكل رأي دليله المعتبر شرعاً .
    2- عدم تتبع الرخص : وهذا من الشروط والضوابط الهامة أيضاً ، لأن المفتي لو أفتى الناس بالرخص في كل شيء ، وفي كل حال ولكل شخص لذاب الدين بين الناس وأصبح الأصل هو الرخصة لا العزيمة ، فالشارع الحكيم لا يرضى من المفتي أن يتتبع الرخص من كل مذهب ، ويفتي الناس بها لأنه بذلك يمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، وحذر الفقهاء من هذا الأمر وشددوا النكير على فاعله حيث قال الزركشي: { فلو اختار من كل مذهب ما هو الأهون عليه ففي تفسيقه وجهان : قال أبو إسحاق المروزي : يفسق ، وقال آخرون : لا يفسق }
    3- ألا يتتبع الحالات الخاصة بوقائع معينة ، أو كان استثناء من الأصل لبيان معنى معين ، فلا يجوز للمفتي أن يعمم وقائع خاصة بأشخاص معينين إلى غيرهم من أفراد الأمة كشهادة خزيمة المنفردة للنبي - صلى الله عليه وسلم- كدليل مع أن الأصل شهادة رجل وامرأتين ، فهذه خاصة به رضي الله عنه لا تتعدى إلى غيره من المسلمين .
    4- أن يكون هناك ما يدعو للتيسير في الفتوى ، وعلى كل حال هناك كثير من الضوابط والقواعد للتيسير في الفتوى اكتفيت بهذا القدر خشية الإطالة .
    – مبادئ لها أثرها في التيسير في الفتوى .
    ذكر الفقهاء أسباباً كثيرة لها أثرها القوي في التحول من التشدد إلى التيسير ، ومن العزيمة إلى الرخصة كالسفر والمرض ، والإكراه والنسيان ، والجهل والعسر ، وعموم البلوى ، كما أن هناك مبادئ أصولية استخلصها العلماء والأصوليون لها أثرها في ذلك وهي على النحو الآتي .
    1 - المشقة : فإن المشقة توجب التيسير وتجلبه ، والأمر إذا ضاق اتسع ، وقد ضبط السيوطي رحمه الله المشقة التي تجلب التيسير فقال : المشاق على قسمين :
    مشقة لا تنفك عنها العبادة غالباً : كمشقة البرد في الوضوء ،ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار ، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها ، ومشقة ألم الحدود ، والرجم في الزنا ، وقتل الجناة ، فلا أثر لهذا في إسقاط العبادات في كل الأوقات ، والمشقة التي لا تنفك عنها العبادات غالباً هي على مراتب .
    المرتبة الأولى - مشقة عظيمة وفادحة : كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأعضاء فهي موجبة للتخفيف والترخيص قطعاً .
    المرتبة الثانية - مشقة خفيفة لا وقع لها كأدنى وجع في إصبع اليد والرجل ، وأدنى صداع في الرأس ، أو سوء مزاج خفيف . فهذا لا أثر له في التيسير في الأحكام .
    المرتبة الثالثة - مشقة متوسطة بين هاتين المرتبتين : فما دنا وقرب من المرتبة الأولى أوجب التخفيف ، أو من الثانية لم يوجب التخفيف ، ولا ضابط لهذه المراتب إلا بالتقريب.
    2- ارتكاب أخف الضررين : فإذا ما كان هناك خياران أمام المكلف أحدهما فيه ضرر والآخر أشد ضرراً كان ذلك موجباً لارتكاب أخف الضررين ، كالحاكم المسلم الذي يتحالف مع عدو لدفع خطر عدو أشد خطراً وضرراً منه فهو يرتكب أخف الضررين ، ويدفع أعظم الشرين .
    3- تغير الفتوى بمقتضياتها :من تغير للزمان والمكان والأشخاص والأحوال والنيات والعوائد ، وهذا ما قرره ابن القيم وغيره ، ومشهور ما فعله الإمام الشافعي رضي الله عنه من تغير في مذهبة بعد مجيئه إلى مصر ، وصار له مذهبان مذهب قديم وآخر جديد ، وتغير هذه المتغيرات يقتضي الإفتاء بما يوائمها بما لا يتناقض مع الأصول الكلية والمبادئ الكبرى في الإسلام .
    4- مآل الفتوى : بمعنى أن ينظر المفتي في مآل وعواقب فتواه ، فإن أيقن أن مآلها ضرر وتعسير ، وتحقيق لمصالح غير شرعية امتنع عن هذه الفتوى ، وبذلك يكون قد يسر على الناس ، ومن ذلك امتناع الرسول - صلى الله عليه وسلم- عن إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ، مخافة أن تقع فتنة أكبر جراء حداثة القوم بالإسلام ، وهذا ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت يا رسول الله :"ألم تر أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم أفلا تردها على قواعد إبراهيم فقال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت"
    فهذه كلها مبادئ لها أثرها في التيسير في الفتوى على الناس في مجال الفتوى بما استخلصه فقهاؤنا من قواعد وضوابط تؤثر بقوة في عملية التيسير .
    وخلاصة القول
    من خلال هذا البحث تبين أن الفتوى لها مراتب ، ولكل مرتبة لها خواصها وضوابطها ، والفتوى على نوعين قولية ، وفعلية ، ورجل الإفتاء لا يحق له ذلك إلا إذا توافرت فيه صفات وشروط ، وأن يكون عادلاً مستقيماً وعفيفاً تقياً آخذاً بقاعدة الوسطية بعيداً عن التشديد ، وأن يتأنى بفتواه ، وألا يتجرأ فيها ، وأن يأخذ بالتيسير المنضبط ، وأن يسير على وفق قواعده وأسسه ، وأن يبتعد عن الأخذ بالتيسير العشوائي حتى لا يفتي بالهوى وبالتالي يقع في الخطأ .
    والتيسير في الفتوى من روح الشريعة الإسلامية ، وهو مخرج من مخارج الحرج والضيق ، إذا ما روعيت شروطه وقواعده وضوابطه هذا والله ولي الهداية والتوفيق .
    ---------
    *أستاذ أصوله المشارك في كلية التربية، جامعة ذمار، الجمهورية اليمنية.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2019
    الدولة
    casablanca
    المشاركات
    5

    افتراضي رد: قواعد الفتوى الشرعية وضوابط التيسير فيها

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بارك الله فيكم
    ما معنى قضية مهملة كقولهم قاعدة الأمور بمقاصدها قضية مهملة؟
    أنتظر إجاباتكم بفارغ الصبر

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •