أرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى قوم يتعبدون ولكنهم يتخذون وسائط بينهم وبين الله
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: أرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى قوم يتعبدون ولكنهم يتخذون وسائط بينهم وبين الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,036

    افتراضي أرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى قوم يتعبدون ولكنهم يتخذون وسائط بينهم وبين الله

    قال الشيخ صالح آل الشيخ على شرح كشف الشبهات قول الامام محمد بن عبد الوهاب - أَرْسَلَهُ اللهُ إِلى أُنَاسٍ يَتَعَبَّدُونَ وَيَحُجُّونَ وَيَتَصَدَّقُون َ وَيذكُرُونَ اللهَ كَثِيراً، وَلكنَّهُم يَجْعَلُونَ بَعْضَ المَخلوقين وَسَائط بَيْنَهم وبَيْنَ اللهِ عزوجل، يَقُولونَ: نُرِيدُ مِنْهُمُ التَّقَرُّبَ إِلى اللهِ تعالى، ونُرِيدُ شَفَاعَتَهُم عِنْدَهُ مِثْلَ المَلائكةِ وعِيْسَى ومَرْيَمَ وأُنَاسٍ غَيْرهم مِنَ الصَّالحِينَ.
    (أرسله الله إلى أناس يتعبدون) نعم، كان أهل الجاهلية يتعبدون، كان منهم أهل الصيام، ومنهم أهل الصلاة، ومنهم أهل الدعاء، منهم أهل الحج، منهم أهل الزكاة، منهم أهل الصدقة، منهم أهل الصلة، منهم أهل الذبح، ومنهم أهل التقرب إلى الله بالطواف والتحنث والاعتكاف والطهارة الكبرى، وما أشبه ذلك.
    فأولئك لم يكونوا يقرون بأن الله -جل وعلا- هو الخالق وحده وأفراد الربوبية فحسب، بل كانوا مع ذلك يتعبدون، لهم صلاة ولهم زكاة ولهم حج ولهم صيام، وهذا ذكره الشيخ بعد ذلك بقوله: (و يحجون ويتصدقون).
    أما الطهارة:
    فقد ذكر من صنّف في أديان العرب أن العرب كانت عندهم طهارة من الحدث، فكانوا يتطهرون من الجنابة، وإذا أجنب المرء - بمعنى أنزل الماء - فإنه يبعد عن مواقع العبادة، ولهذا سموه جنباً: أي بعيداً {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} يعني: البعيد.

    فسموا من أخرج الماء - يعني من أنزل - سموه جنبًا؛ لأنهم كانوا يأمرونه بالابتعاد عن مواطن العبادة حتى يتطهر، وتطهرهم من الجنابة شائع معروف.

    أما التطهر من الحدث الأصغر:
    فهذا إنما هو عند طائفة قليلة منهم، حتّى النساء كنّ يغتسلن من الحيض، وهذا معروف عنهم في عدة أحوال وعدة أبيات.

    منها قصة امرأة كانت مع زوجها في سفر، وكان معهما ماء قليل، فلما كانت في السفر انقطع عنها الحيض، فأرادت أن تغتسل، فأخذت الماء فاغتسلت به، وكان قليلاً فلم يبلغ أن يعمّمها و بقيا عطاشًا ليس معهما ماء.

    قيل إنهما هلكا في ذلك، فضرب بهما مثل في هذا، وقد قال في ذلك الفرزدق في بعض أبيات نسبت إليه، قال يذم رجلاً:


    وكنت كذات الحيض لم تبقِ ماءها = ولا هي من ماء العُذابةِ طاهرُ


    فكان العرب يعتنون بمسألة الطهارة، طهارةِ الجنبِ وطهارة الحائض، فهذا النوع تعبد منهم بذلك.

    كذلك الصيام، كان منهم من يصوم، وصيامهم مختلف، منهم من يصوم يومًا؛ كما كان أهل الجاهلية يصومون عاشوراء؛ كما جاء في الصحيح: (إن عاشوراء يوم كانت تصومه العرب في الجاهلية) فكان لهم صيام من الفجر إلى غروب الشمس، أو من طلوع الشمس إلى غروبها، ومنهم من كان يصوم أكثر من ذلك، وهذه كلها ميراث مما ورثوه من الأديان الصحيحة قبلهم.

    وكان منهم أيضاً من يصلي،وصلاته تكون بركوع وذكر ودعاء، ويسمونها صلاة؛ معروفة عندهم في ذلك، لكن هذه الهيئة والسجود لم يكن عندهم في ذلك.

    كذلك كانوا يعتكفون تعبدًا، ومنه حديث عمر المعروف: (إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النبي عَليْهِ الصَّلاةُ والسلام: ((أوفِ بنذرِك)) ).

    وكان طائفة منهم يتحنثون، ويتخلون في الخلاء، يتأملون ويذكرون الله جلّ وعلا، والنبي -عليه الصلاة والسلام- كان يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد، والتحنث- يعني العزلة عن الناس والتعبد بذلك والخلوة- كانت معروفةً عندهم.

    كذلك الصدقة مثل ما ذكر الشيخ هنا (و يتصدقون) كان فيهم الصدقة كثيرة كما قالت خديجة لما جاءها النبي -عليه الصلاة والسلام- وقد فجعه الوحي بحراء، فقالت له - بعد ما قص عليها ما حصل - قالت: (كلا والله، لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتعين الملهوف، وتعين على نوائب الحق) أو كما جاء في كلامها، فكانت الصلة والصدقة -وتسمى عندهم أيضًا زكاة - كانت موجودة كثيرًا.

    وكذلك ذِكْر الله -جل وعلا- أيضًا كانوا أهل ذكر لله جل وعلا، يذكرون بأنواع من الذكر.

    وهذه محفوظة في أشعارهم، ومحفوظة في كتبهم يعني في الكتب التي ذكرت ذلك، واستقصاء ذلك يصعب في مثل هذا الشرح، لكن نذكر بعض الكتب التي ذكرت:

    - منها:كتاب (بلوغ الأرب) للألوسي.

    - ومنها:كتاب (أديان العرب) لعلي الجارم.

    - ومنها:كتاب (تاريخ العرب المفصل قبل الإسلام)، وغير هذا من الكتب التي شرحت ديانات العرب، تطهرها وصلاتها وزكاتها وحجها.

    أما الحج والعمرة فهذا معروف مشهور، حجهم للبيت وتعظيمهم إياه، وعمرتهم إليه.

    المقصود من هذا:أن العرب لم تكن بعيدة عن العبادة، يتعبدون بأشياء ورثوها من دين إبراهيم عليه السلام، ومن بعض أشياء من دين موسى عليه السلام.

    فإذاً:هم مقرون بالربوبية لله جل وعلا، وأن الله هو الخالق، وهو الرزّاق وحده، وهو الذي يحيي وهو الذي يميت، ويقولون: ما شاء الله، ويؤمنون بالله، ولكن مع ذلك لم يكونوا مسلمين، بل بعث الله -جل وعلا- إليهم محمد بن عبد الله، يدعوهم إلى أن يوحدوا الله.

    كيف يكون الحال إذاً؟

    الحال أننا لا بد أن ننظر فيم كان أولئك على الشرك، بم كان أولئك مشركين، موحِّدون في الربوبية: الله الخالق وهو الرزاق وهو الذي يحيي ويميت، ونحو ذلك، فهل هذا جعلهم مسلمين، كذلك عندهم صدقات ودعاء وذكر لله فهل هذا جعلهم مسلمين، إنما الذي جعلهم مشركين،أنهم يعبدون الله ويعبدون معه غيره، لم يفردوا الله بالعبادة، يتقربون إلى تلك الأوثان، وتلك الأوثان منها صور الصالحين فحصل من هذا برهان عظيم، ومقدمة مهمة لهذا الكتاب، وهي: أن المشرك الذي كان في زمن النبوة لم يكن بعيدًا من التعبد تمامًا، بل كان يتعبد، كان عنده نوع تعبد، نوع صلاح، من جهة أنه في الناس صاحب خير، وصاحب صدقة، وصاحب ذكر، إلى آخره.

    لكنه صار مشركاً؛ لأنه عبد مع الله -جل وعلا- غيره، فإذا كان الأمر كذلك، كان قتال النبي -عليه الصلاة والسلام- لأولئك وكان تكفيرهم لأجل أنهم أشركوا تلك الآلهة الباطلة مع الله جل جلاله، فعبدوا الله وعبدوها.

    جاء السؤال المهم، وهو:كيف عبدوا تلك الآلهة ؟هل ادعوا في اللات والعزى ومناة وهبل وود وسواع ويغوث ويعوق ونسر وإساف ونائلة، هل ادعوا أنها تخلق ؟

    الجواب: لا.

    هل ادعوا أنها ترزق استقلالاً ؟

    الجواب: لا.

    قال جلّ وعلا: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} بلاجدال، يقولون: الذي يرزق ويحيي ويميت هو الله، فإذاً حين يسألون تلك الآلهة الباطلة الرزق، حين يسألونها أن ترزقهم هل يعتقدون فيها أنها تملك الرزق استقلالاً؟

    الجواب:لا؛ لأن الله -جلّ وعلا- أخبرنا بأنهم لو سئلوا من يرزقكم من السماء والأرض لقالوا الله يرزقنا، فإذاً: لِـمَ صاروا مشركين ؟

    لأنهم جعلوا تلك الآلهة وسائط في طلب الرزق، شفعاء في طلب الرزق، ولهذا قال الشيخ -رحمه الله- بعدها: (ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله)

    هذه الوساطة لها جهات:

    الجهة الأولى: جهة التوجه، يعني نوع التقرب لها بالعبادة.

    والجهة الثانية: مكانتها عند الله حتى ترفع الحاجات.

    قال: (ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات) ما هذا البعض؟

    يأتي تفصيله إن شاء الله...(وسائط بينهم وبين الله) لفظ الوساطة هذا دقيق من الشيخ رحمه الله، وهو الموافق لما جاء في القرآن في أول سورة الزمر، حيث قال جلّ وعلا: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}.

    قال العلماء: قوله: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ}هذا حصر قلب إضافي، معلوم في علم المعاني في البلاغة، يعني: ما نعبدهم لعلةٍ من العلل أبداً فيهم، وأنهم متصفون بأشياء من صفات الإله أبداً، لكن نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى فقط، وهذا يستفاد من قوله: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}فهو حصر قلب إضافي، يعني: ما نعبدهم لعلةٍ من العلل إلا لأجل التقريب، فليس لهم شيء، وليس من صفاتهم أنهم يرزقون، أو أنهم يحيون، أو أنهم يميتون، أو أنهم يفيضون الخير، وإنما لأجل التقرب، وهذا هو معنى اتخاذ أولئك شفعاء عند الله جل وعلا.

    فإذاً:حُصرت المسألة في أن اعتقاد المشركين في أوثانهم وفي أصنامهم من جهة الأرواح الشيطانية، ومن جهة التوجه لها لأجل أن ترفع الحاجات إلى الله جلّ وعلا، فما كانوا يطلبون منها استقلالاً، فالتشفع كان هو ديدنهم، وطلب الشفاعة كان هو ديدنهم، وكان هو بغيتهم.

    كان كل واحد عنده في بيته وثن أو صنم،يزعم أنه إذا توجه له بالعبادة حلت روح صاحب هذه الصورة فيها فقبل الطلب، ورفعه إلى مكانه في الملأ الأعلى، يعني: أن فائدة وجود الصورة في البيت أنه تحل فيها الروح، روح صاحب هذه الصورة فتقبل الطلب، وليست هي عندهم أصناماً محضة؛ لأنهم أعقل من أن يعبدوا حجراً محضاً، لكن هم عبدوا حجراً معه الروح، فصار ذلك أيضاً قدحاً في عقلهم من جهة أنهم توجهوا إلى خشب، أو إلى تمر، أو إلى حجر، إلى آخره، زعماً بأن الروح تحل فيه، فهو قدح في عقلهم، لكن أخف من أن يعتقدوا في صنمٍ مجرد، يعني في حجر مجرد ليس فيه حلول الروح لتُناجى ويطلب منها التوسط.

    فإذاً:قول الإمام -رحمه الله- هنا: (ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله) هذا هو حقيقة الوضع.

    قال: (يقولون نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده) ماذا يريدون ؟

    التقرب إلى الله، ليسوا ملاحدة، إنما في ألسنتهم ذكر الله -جلّ وعلا- وعندهم صدقة وتعبد، لكن يريدون بذلك التقرب إلى الله.

    من هذا تعلم جهل طائفة ممن ظن أن تعبد المتعبد وصلاته وصيامه وزكاته يمنع من الحكم عليه بالشرك؛ لأن أولئك كانوا على دين إبراهيم، يعني: لأن المشركين في زمن النبي -عليه الصلاة والسلام- كانوا على دين إبراهيم، وقد ثبت عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: ((إنما بعثت لأتمم محاسن الأخلاق)) فهم كانوا على خلق، وكانوا على حسن في التعامل، وكانوا وكانوا...، ولكن لم يكونوا موحدين.

    فإذاً: العبرة كل العبرة في التوحيد، وليست في أنهم يحجون أو لا يحجون، يعتمرون أو لا يعتمرون، يتصدقون أو لا يتصدقون، في ألسنتهم ذكر الله، أوليس في ألسنتهم ذكر الله، ليس هذا هو البرهان.

    لهذا في هذا الزمن تجد أنه لـمّا فشا الجهل بالتوحيد، تجد أن كثيرين إذا وجدوا من يتكلم وفي لسانه ذكر الله جلّ وعلا، أو أنه يقول الحمد لله، أو يقول الله أكبر، أو يقول ما شاء الله، أو يذكر الله بلسانه، أو يتصدق، أو يحضر المسجد، أو يقرأ القرآن، يزعمون أنه مسلم ولو عبد غير الله جلّ وعلا، وهذا ليس هو المقصود، وإنما هذه الشرائع جاءت بعد التوحيد، فإذا كان التوحيد لم يقم في قلب صاحبه فلا تقبل هذه الشرائع.

    قال: (يقولون نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده) و هذه سيأتي نص الكلام عليها في أثناء الرسالة، يعني: مسألة الشفاعة.

    أنا أريد من هذه الجملة التي مرت معنا التأصيلية المهمة:

    أن يتوسع طالب العلم في معرفة أديان العرب في الجاهلية كيف كانت؛ لأن هذا من العلم المهم الذي به يتضح قيمة التوحيد، تنظر في تفاسير المفسرين حين يتكلمون عن أحوال العرب، وشرك المشركين، ونحو ذلك يتعرضون لأحوال العرب.

    كذلك في الكتب التي ذكرنا، في كتب الحديث إذا مرت مثل الأحوال التي ذكرنا: أنهم منهم من يصلي، ومنهم من يتصدق، أظن في حديثٍ رواه مسلم عن أبي ذر أنه كان في الجاهلية قبل أن يبعث النبي -عليه الصلاة والسلام- هكذا لفظه: (كنت أصلي ثلاث سنين قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم) فهذه المسائل تقعيدية، حتى إذا جاءت شبه المشبهة فيما سيأتي، يكون عند طالب العلم فرقان بيّن بما تميزت به بعثة محمد -عليه الصلاة والسلام-ودينه عن دين المشركين الذين بعث إليهم، وقاتلهم، وكفّرهم، ولم يقبل منهم صرفاً ولا عدلاً.



    مثل للمعبودين بقوله: (مثل الملائكة وعيسى ومريم) أما (الملائكة) فإن طائفة من العرب وغير العرب كانت تعتقد في الملائكة أنها بنات الله جل جلاله، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً، ويقولون: إن أرواح الملائكة منتشرة، فإذا طُلب من الملائكة أجابت.

    والملائكة عندهم لم يكن لها أوثان أو أصنام كما جعلوا للموتى أو للصالحين، وإنما أرواح الملائكة عندهم منتشرة، والاتصال بهذه الأرواح يكون بندائها وبعبادتها إذا احتاجوا، فتجيبهم الجن إذا نادوا الملائكة، وتغيثهم الجن فيما أقدرهم الله عليه، فظنوا أن ذلك من جهة الملائكة، قال جلّ جلاله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} فكانت حقيقة عبادة الملائكة هي عبادة الجن؛ لأنهم ظنوا ذلك ظناً، قال جلّ وعلا: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} وفي قوله هنا: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً}وجهان من التأويل:

    -إما أن يكون الجِـنّة - هنا - هم الملائكة، والنسب: كون الملائكة بنات الله جلّ جلاله، وسميت الملائكة جنة لما في صفتهم من الاجتنان وهو الاستتار.

    والوجه الثاني:أن يكون الجنة هنا هم الجن كما قال: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}يعني: الجن، والجن يقال لهم جنة؛ لأنهم مستترون، فيكون حقيقة قول المشركين أنهم جعلوا بين الله -جلّ جلاله- وبين الجن نسباً؛ لأنهم جعلوا بين الله وبين الملائكة نسباً، وفي الحقيقة إنما أوقَعهم في ذلك الجن، كما قال جلّ وعلا: {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ}.

    فدل ذلك على أن عبادة الملائكة كانت موجودة، وأن اعتقادهم في الملائكة لأجل أن الملائكة أرواح طاهرة، فاستغاثوا بها، وطلبوا منها فأغاثتهم الجن، فعظم تعلقهم بالملائكة، وعظم تصحيح اعتقادهم في الملائكة أنها بنات الله جلّ جلاله.

    المقصود من ذلك: أن تعلم أن سبب الشرك - شرك المشركين بالملائكة - هو التعلق بالأرواح الطاهرة، الملائكة أرواح طاهرة بالاتفاق، وذلك عند الأمم جميعاً، فجعلوا تلك الأرواح الطاهرة وسيلتهم إلى الله جلّ جلاله.

    والله -جلّ وعلا- بيّن أن حقيقة عبادة الملائكة إنما هي عبادة للجن؛ لأنهم لماّ تعلقوا بالملائكة واستغاثوا بها ليست للملائكة في الحقيقة وإنما هي للجن؛ لأن الجن هي التي أضلتهم بذلك؛ كما ذكر في سورة سبأ، في الآية التي ذكرتُـها لكم، قوله جلّ وعلا {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ} يعني: ننزهك عن جميع ما لا يليق بجلالك وعظمتك، ننزهك عن أن نُعبد معك ونعظمك -جل وعلا - بما أنت أهله {أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ}تبرؤو من أولئك.

    ثم قالت الملائكة: {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ}بل كانوا يعبدون الجن، هذه هي الحقيقة.

    وإذا نظرت في حال الذين تعلقوا بالصالحين، أو تعلقوا بالموتى، فإنهم لهم شبه من جنس شبه المشركين في عبادتهم للملائكة، وعبادتهم للات أو لود وسواع، إلى آخر أوثانهم، وذلك أنهم يخاطبون ذلك الميت، فإذا خاطبوه ظهر لهم إما في صورة، أو سمعوا صوته الذي يعلمونه، فإذا سمعوا صوته ظنوا أن هذا هو روح ذلك الآدمي، أو ظنوا أن المخاطب لهم الملائكة، أوالمجيب لهم الملائكة، فعَـظُم تعلقهم بتلك الأرواح.

    و في الحقيقة إنما كان ذلك من جهة الجن؛ لأن شياطين الجن تعهد أبوهم إبليس بأن يضل ذرية آدم، إلا القليل، قال -جلّ وعلا- مخبراً عن قول إبليس: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً}وقال جلّ وعلا: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} استثنى أهل الإخلاص الذين خَلَصوا من الشرك؛ فأخلصوا عملهم لله جلّ وعلا.

    فإذاً: حقيقة الشرك متماثلة، ليس ثَـمَّ فرق بين الشرك بالملائكة والشرك بالأموات، والشرك بروحانية الكواكب، الحقيقة واحدة، وهي أنه تعلق من بني آدم بأرواح غائبة، وهذه الأرواح الغائبة عظمت الشبهة بها لـمّا كلمتهم، وشياطين الجن لهم القدرة على التكليم وعلى أن يتشبهوا بصورة ابن آدم؛ كما جاء إبليس للمشركين في صورة رجل نجدي.

    ويسمع الآدمي صوتاً يظنه صوت آدمي؛ وهو صوت جني، يقلد صوت الآدمي، ومعلوم أن مثل هذه الغائبات إذا تعلق بها المرء وقع في إضلال نفسه؛ لأنه تعلق بشيء لا يدري ما حقيقته.

    والمعلوم المتقرر عند أهل الشرائع جميعاًوعند أهل العقول الصالحة - العقول السليمة - أن الميت لا تخاطب روحه روح الآدمي، حتى في هذا العصر فيما يسمونه تحضير الأرواح في أرواح الموتى ونحو ذلك، هذا إنما هو من جهة شياطين الجن، يخدمون ذلك الساحر المحضر للأرواح، فإذا خدموه بعد خدمته لهم وتعبده لهم فإنهم يتشكلون له بالصورة التي يريد، ويُسْمِعُونه الصوت الذي يريد.

    ومعلوم أن أعمار الجن أطول من أعمار الإنس كثيراً، بل الموت فيهم بالنسبة لابن آدم قليل، لهذا قال جماعة من الجن لأحد العرب وسمع صوتهم، قالوا له:


    لقد فضلتموا بالأكل فينا = ولكن ذاك يعقبكم سقاما


    يعني: أن حقيقة الآدمِي غير حقيقة الجني، الجني خلق من نار وابن آدم خلق مما وصف لكم.

    فالتعلق بالملائكة، التعلق بالصالحين، التعلق بالموتى كان بعد أشياء سمعوها، كان بعد أشياء أجيبت لهم، فاستغاثوا بالميت فأغاثهم، استغاثوا بالملائكة فأغاثتهم فيما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا، وكان في الحقيقة أن الذي أعطاهم: الجن، وأن الذي يسر لهم ذلك أو أغاثهم: إنما هم الجن؛ وذلك ليوقعوا الشرك والبلاء العظيم فيهم، بعد إذن الله جل جلاله.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في أكثر من موضع من كتبه: (إن الشياطين - شياطين الجن - تتشكل بصورة الآدمي) يقول: (حتى إنها تتشكل بصور الأحياء والأموات).

    (ومرة وقع بعض أصحابي في شدة) - طائفة من تلامذة ابن تيمية - يقول: (وقعوا في شدة وكانوا بعيدين عني قال: فظهرتُ لهم - فيما قالوا - فاستغاثوا بي، فلما أتوني وأخبروني الخبر، قالوا استغثنا بك فأغثتنا فقال: إني لم أبرح مكاني، ذاك شيطان تمثل في صورتي).

    وهذا يحصل أيضاً عند كثيرين، حيث يزعمون أن فلاناً رؤي في دمشق، أو رؤي في مصر، أو رؤي في بغداد، أو رؤي في المدينة، وفي الوقت نفسه رؤي حاجاً في مكة، أو رؤي معتمراً، ومن المعلوم القطعي عند أهل العقول الصحيحة: أن الجسم الواحد لا يكون في مكانين متباعدين في الزمن نفسه، ومن قال إنه رآهم هنا ورآهم هنا فهو صادق، رآهم في المدينة ورآهم في مكة في الوقت نفسه، يقول: رأيناه حاجاً، وأهل البلد الفلاني يقولون: يوم عرفة رأيناه عندنا، فيكون هؤلاء صادقون وهؤلاء صادقون، ولكن جاء الاشتباه من جهة تمثل الجني بالإنسي، فمن أخبر بالرؤية فهو صادق، ولكن لا يمكن أن يكون ابن آدم في مكانين متباعدين في وقت واحد، ولكن الجني تمثل بصورته ليضل الناس.

    إذاً: فهذا الباب - باب الشرك - يدخل منه شياطين الجن، الذين قال إمامهم ومقدمهم لله جل وعلا: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً}

    فالجن - أعني شياطين الجن - مهمتهم أن يقع بهم الابتلاء في هذا الأمر، وقد ثبت في (صحيح مسلم) أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: قال الله تعالى: ((إني خلقت عبادي حنفاء، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم)).

    قال بعده: (وعيسى ومريم) يعني: مثل عيسىومريم، عيسى -عليه السلام- ومريم أمه وقع بهما الشرك، واتُّخِذَا إلهين مع الله جل وعلا، قال سبحانه وتعالى في سورة المائدة: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وهذا تبرؤٌ من عيسى -عليه السلام- وإثبات من الله -جل وعلا- أنه عُبِد واتخذ إلهاً مع الله جل وعلا، طائفة من الأنبياء والمرسلين ضل أتباعهم، فاتخذوهم آلهة من جهة الغلو والإطراء، قال عليه الصلاة والسلام ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، وإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)).

    قال عيسى -عليه السلام- لأتباعه: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}.

    فالأنبياء والرسل تحذر من هذا الشرك وتنهى عنه، بل رسالاتهم في هذا الأمر العظيم وإخلاص القلب لله، وتوجهه لله وحده، هو زبدة الرسالات الإلهية، وهو مدار بعثة الأنبياء والمرسلين، فـعيسى ومريم اتُّخِذَا إلهين من دون الله جل وعلا، فكيف اتُّخِذَ عيسى إلهاً ؟

    الألوهية غير الربوبية،اتخذ معبوداً بأن يستغاث به، بأن يطلب منه، بأن يسأل، بأن يدعى، والله -جل وعلا- كفر النصارى باتخاذهم عيسى إلهاً، وجعلِهم عيسى ابناً لله، أو ثالث ثلاثة {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ}، {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ}، وهذا كله لأجل أنهم اتخذوا المسيح وأمه إلهين {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ}.

    فالآيات في القرآن في هذا الأمر كثيرة، الذي حصل في هذه الأمة أنهم ما نظروا في كيف صار عيسى عند أتباعه المنحرفين عن سبيله، كيف صار إلهاً، فاتخاذ عيسى إلهاً من جنس اتخاذ الأوثان آلهة.

    من جنس اتخاذ الصالحين في هذه الأمة آلهة، فالذين اتخذوا عبد القادر الجَيلاني أو الجِيلاني إلهاً أو معبودا،ً من جنس تلك الشبهة، الذين اتخذوا العيدروس إلهاً ومعبوداً هو من جنس تلك العبادات، الذين اتخذوا البدوي أو الحسين أو زينب أو سكينة أو غير هؤلاء، من جنس شرك أولئك؛ لأنه تعلق بالأرواح، واعتقاد أن هؤلاء لهم مقامات عظيمة عند الله جل وعلا، وحصل لهم ما يريدون في بعض استغاثاتهم من جهة الجن، فصارت الشبهة في الشرك في هذه الأمة من جنس الشبهة - يعني: من جهة حصول الشرك - من جنس الشبهة عند المشركين، فضل المتأخرون بما ضل به الأولون.

    والقرآن من أوله إلى آخره في رد هذا وبيان ضلال المشركين وبُعدِهم عن ما يرضي الله -جل جلاله- وما يحبه سبحانه وتعالى.

    قال: (وأناس غيرهم من الصالحين) عُبد صالحون كثير، وعبادة الصالحين من جهة أن أرواح الصالحين طاهرة، لها المقام العظيم عند الله جل جلاله، وأن الله -جلّ وعلا- لا يرد لهم طلباً، يظنون أن مقام الصالح عند الله من جنس مقام المقرب عند الملوك.

    والملوك - ملوك الأرض - إذا صار عندهم من هو مقرب ويحترمونه، ولهم فيه مصلحة يكون إجابة لطلبه إذا توسط وطلب أجابوا طلبه؛ لأنهم يرغبونه؛ لأنهم يريدون أن يبقى على صلته بهم، ولأن لهم فيه مصلحة، فاعتقاد المشركين في الصالحين من جنس هذا الاعتقاد، ظنوا أن العباد مع الله -جل وعلا- من جنس الوزراء عند الملوك، أو المقربين عند الملوك، فجعلوا هذا هو هذا، والله -جل وعلا- في سورة سبأ أبطل ذلك بقوله:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}.

    وقال -جل وعلا- في سورة الإسراء:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}.

    فالصالحون عند الله -جل وعلا- يرجون الرحمة ويخافون العذاب، والله -جل وعلا- هو مالك الملك، فإذاً: الشبهة التي من أجلها أشرك من أشرك بالصالحين من جهة التعلق بالأرواح، والظن بأن هذه الأرواح مقربة، فإذا كانت مقربة عند الله، فإنها إذا سئلت ستسأل الله -جل وعلا- فيجيب الله طلبها، ولا يرد طلبها.

    ولهذا من الأدعية البدعية أن يقول القائل:

    (أسألك بحرمة نبيك، أو بحرمة الولي الفلاني، أو بجاه أهل بدرٍ عندك، أن تعطيني كذا وكذا) والله -جل جلاله- ليس لأحدٍ عنده حق بحيث لا يرد ما سأل، حتى الأنبياء -عليهم السلام- ربما ردت أسئلتهم وردت دعواتهم في حياتهم، فالله -جل وعلا- رد دعاءً لإبراهيم، ورد دعاءً لنوح {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي}

    ورد أيضاً دعاءً للنبي عليه الصلاة والسلام: ((سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة)) ونحو ذلك.

    فدعواتهم في الحياة على رجاء الإجابة، وهم أعظم من تجاب لهم الدعوة، لكن ليس لأحدٍ المقام عند الله -جل وعلا- بحيث إنه إذا طلب فإنه لا يرد سؤاله، خلاف ما عليه كل الذين يتعلقون بالقبور والصالحين والأرواح المختلفة.

    قال: (يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم) وهذا فيه أن مشركي العرب كانوا على أثر من الرسالة، وأنهم لم يكونوا بلا رسولٍ قبل محمدٍ صلى الله عليه وسلم، بل كانت رسالة إبراهيم -عليه السلام- فيهم، لهذا كان فيهم بقايا من دين إبراهيم - كما ذكرنا - من أمور الفطرة: من الغسل من الجنابة، وغسل المرأة من الحيض، والصدقات، وبعض الأدعية والصلوات، ونحو ذلك.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,036

    افتراضي رد: أرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى قوم يتعبدون ولكنهم يتخذون وسائط بينهم وبين الله

    قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ على شرح كشف الشبهات
    (أَرْسَلَهُ اللهُ إِلى) قَوْمِهِ قُرَيْشٍ ومَنْ يَلْحَقُ بِهِم وإِلاَّ فهو بُعِثَ إلى النَّاسِ كَافَّةً أَحْمَرِهِم وأَسْوَدِهِم
    {قُلْ يأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}.
    (أُنَاسٍ يَتَعَبَّدُونَ وَيَحُجُّونَ ويَتَصَدَّقُونَ ويَذْكُرُونَ اللهَ كَثِيرًا) ويَصِلُونَ الرَّحِمَ ويُكْرِمُونَ الضَّيْف، ويَعْرِفُونَ أَنَّ اللهَ وَحْدَه هو المُتَفَرِّدُ بالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ، ويُخْلِصُونَ في الرَّخَاءِ.(ولَكِنَّهُم يَجْعَلُونَ بَعْضَ المَخْلُوقَاتِ وَسَائِطَ بَيْنَهُم وبَيْنَ اللهِ، يَقُولُونَ: نُرِيدُ مِنْهُم التَّقَرُّبَ إلى اللهِ ونُرِيدُ شَفَاعَتَهُم عِنْدَه، مِثْلَ المَلاَئِكَةِ، وعِيسَى،وَمَرْي مَ، وأُنَاسٍ غَيْرِهِم مِن الصَّالِحِينَ).
    هذه آفَتُهُم،وهي اتِّخَاذُهُم وسَائِطَ بَيْنَهُم وبَيْنَ اللهِ، فَعِبَادَتُهُم لاَ تَنْفَعُهُم إِذ جَعَلُوا للهِ شَرِيكًا في العِبَادَةِ؛ فهذا أَفْسَدَ جَمِيعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِن هذه العِبَادَاتِ وصَارُوا بذلك كُفَّارًا مُرْتَدِّينَ حَلاَلَ الدَّمِ والمَال، فهذه هي عَقِيدَةُ المُشْرِكِينَ الأَوَّلِينَ، وهَذَا دِينُهُم.
    فَأَهَمُّ شَيْءٍ مَعْرِفَةُ دِينِ المُرْسَلِينَ فيُتَّبَعُ،ومَعْرِفَةُ دِينِ المُشْرِكِينَ والشَّيَاطِينِ فيُجْتَنَبُ؛ فإِنَّ مَن لاَ يَعْرِف الجَاهِلِيَّةَ لاَ يَعْرِف الإِسْلاَمَ.
    وللشَّيْخِ -رَحِمَهُ اللهُ- مُؤَلَّفٌ في مَسَائِلِ الجَاهِلِيَّةِ، فاعْرِفْ حَقِيقَةَ دِينِ المُشْرِكِينَ كَلِمَةً كَلِمَةً وفِقْرَةً فِقْرَةً، واعْرِفْ تَفَاصِيلَهَا، ويَأْتِي بَعْضُها وبَعْضُ تَفَاصِيلِهَا بأَدِلَّةٍ مَعْرُوفَةٍ........ .........................
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين على شرح كشف الشبهات أنَّ اللهَ بعَثَ رسولَهُ محمَّدًا عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى قومٍ يَتَعَبَّدونَ، لكنَّها عِبادةٌ باطِلةٌ، ما أنْزَلَ اللهُ بها مِنْ سلطانٍ، ويَتَصَدَّقونَ ويَفْعَلونَ كَثِيرًا مِنْ أُمورِ الخيرِ، لكنَّها لا تَنْفَعُهم؛ لأنَّهم كُفَّارٌ، ومِنْ شرْطِ التَّقَرُّبِ إلى اللهِ تعالى أنْ يَكونَ المُتَقَرِّبُ إلى اللهِ مُسلمًا، وهؤلاءِ غيرُ مُسلِمِينَ.
    أيْ: أنَّهم يَعْبُدُونَ هذهِ الأصنامَ؛ لِتُقَرِّبَهم إلى اللهِ زُلْفَى، فَهُمْ مُقِرُّونَ بأنَّها دُونَ اللهِ، وأنَّها لا تَمْلِكُ لهم نَفْعًا ولا ضَرًّا، وأنَّهم شُفَعاءُ لهم عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ، ولكنَّ هذهِ الشَّفاعةَ شَفاعةٌ باطلةٌ لا تَنْفَعُ أصحابَها؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يَقولُ: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [ المُدَّثِّرُ: 48]؛ وذلكَ لأنَّ اللهَ تعالى لا يَرْضَى لهؤلاءِ المُشرِكِينَ شِرْكَهم، ولا يُمْكِنُ أن يَأْذَنَ بالشَّفاعةِ لهم؛ لأنَّهُ لا شَفاعةَ إلاَّ لِمَن ارْتَضَاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ، واللهُ لا يَرْضَى لِعِبادِهِ الكُفرَ، ولا يُحِبُّ الفَسادَ، فتَعَلُّقُ المُشرِكينَ بآلِهتِهم يَعْبُدُونَها ويَقولُونَ: {هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ} [ يُونُسَ: 18] تَعَلُّقٌ بَاطِلٌ غيرُ نافِعٍ، بلْ هذا لا يَزِيدُهم مِن اللهِ تعالى إلاَّ بُعْدًا، على أنَّ المُشرِكِينَ يَرْجُونَ شفاعةَ أصنامِهم بوَسيلةٍ باطلةٍ، وهيَ عِبادةُ هذهِ الأصنامِ، وهذا مِنْ جَهْلِهم وسَفَهِهم أنْ يُحاوِلوا التَّقرُّبَ إلى اللهِ تعالى بِما لا يَزِيدُهم مِنهُ إلاَّ بُعْدًا.


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •