فوائد من عدّة الصابرين
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: فوائد من عدّة الصابرين

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,429

    افتراضي فوائد من عدّة الصابرين

    فوائد من عدّة الصابرين (1-4)


    فهد بن عبد العزيز الشويرخ




    الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فمن علامات سعادة الإنسان: الصبر على القضاء, والشكر على العطاء, والتوبة من الذنب, كما ذكر الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في كنابه: القواعد الأربع.
    والمسلم لا غنى له عن الصبر والشكر, فهما له كالجناحين للطائر, لا يستغني عن واحد منهما, وقد صنف أهل العلم فيهما مصنفات مستقلة, منهم: العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه الجيد النافع المفيد: "عُدة الصابرين وذخيرة الشاكرين " ولأهمية الكتاب, فقد اخترت بعض الفوائد منه, والتي لا تغني عن أصل الكتاب, أسأل الله الكريم أن ينفع بها, ويبارك فيها.
    معنى الصبر
    الصبر: حبس النفس عن الجزع, واللسان عن التشكي والتسخط, والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوهما.
    حقيقة الصبر وكلام الناس فيه
    حقيقته: خلق فاضل من أخلاق النفس, تمتنع به من فعل لا يحسن ولا يجمل, وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها.
    سئل عنه الجنيد بن محمد, فقال هو: تجرع المرارة من غير تعبس.
    وقيل: الصبر: هو الوقوف مع البلاء بحُسن الأدب.
    وقيل: الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب.
    وقيل: الصبر: ثبات باعث العقل والدين في مقابلة باعث الشهوة والطبع.
    باعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال:
    أحدها: أن يكون القهر والغلبة لداعي الدين فيُردّ جيش الهوى مفلولاً, وهذا إنما يصل إليه بدوام الصبر, والواصلون إلى هذه الرتبة هم المنصورون في الدنيا والآخرة, وهم الذين قالوا: {رَبُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت:30] وهم الذين يقول لهم الملائكة عند الموت: { ألَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ } [فصلت:30-31] وهم الذين نالوا معية الله مع الصابرين, وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده, فخصهم بهدايته دون من عداهم.
    الحالة الثانية: أن يكون القهر والغلبة لداعي الهوى فتسقط منازعة باعث الدين بالكلية فيستسلم البائس للشيطان وجنده فيقودونه حيث شاءوا,وله معهم حالتان
    إحداهما: أن يكون من جندهم وأتباعهم, وهذه حال الفاجر الضعيف.
    الثانية: أن يصير الشيطان من جنده, وهذه حال الفاجر القوي المتسلط والمبتدع الداعية المتبوع.
    وهؤلاء هم الذين غلبت عليهم شقوتهم, فاشتروا الحياة الدنيا بالآخرة, وإنما صاروا إلى هذه الحال لما أفلسوا من الصبر.
    الحال الثالثة: أن تكون الحرب سجالاً ودولاً بين الجندين, فتارة له وتارة عليه, وتكثر نوبات الانتصار وتقلُّ, وهذه حال أكثر المؤمنين الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
    انقسام الصبر باعتبار تعلق الأحكام الخمسة به
    وهو ينقسم بهذا الاعتبار إلى واجب, ومندوب, ومحظور, ومكروه, ومباح.
    فالصبر الواجب ثلاثة أنواع:
    أحدها: الصبر عن المحرمات.
    والثاني: الصبر على أداء الواجبات.
    والثالث: الصبر على المصائب التي لا صنع للعبد فيها كالأمراض والفقر وغيرهما
    وأما الصبر المندوب: فهو الصبر عن المكروهات, والصبر على المستحبات, والصبر عن مقابلة الجاني بمثل فعله
    وأما الصبر المحظور فأنواع:
    أحدها: الصبر عن الطعام والشراب حتى يموت, وكذلك الصبر عن الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة حرام إذا خاف بتركه الموت.
    ومن الصبر المحظور صبر الإنسان على ما يقصد هلاكه من سبُعٍ أو حية أو حريق أو ماء أو كافر يريد قتله, بخلاف استسلامه وصبره في الفتنة وقتال المسلمين فإنه مباح له, بل يستحب الصبر كما دلت عليه النصوص الكثيرة.
    وأما الصبر المكروه: فله أمثلة:
    أحدها: أن يصبر عن الطعام والشراب واللبس وجماع أهله حتى يتضرر بذلك بدنه.
    الثاني: صبره عن جماع زوجته إذا احتاجت إلى ذلك ولم يتضرر به.
    الثالث: صبره على فعل المكروه.
    الرابع: صبره عن فعل مستحب.
    وأما الصبر المباح: فهو: الصبر عن كل فعل مستوي الطرفين خُيّر بين فعله وتركه والصبر عليه.
    تفاوت درجات الصبر
    الصبر نوعان: اختياري, واضطراري.
    والاختياري أكمل من الاضطراري, فإن الاضطراري يشترك فيه الناس ويتأتى ممن لا يتأتي منه الصبر اختياراً, ولذلك كان صبر يوسف الصديق صلى الله عليه وسلم عن مطاوعة امرأة العزيز, وصبره على ما ناله من ذلك من الحبس والمكروه, أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لما ألقوه في الجُبِّ وفرقوا بينه وبين أبيه وباعوه بيع العبيد.
    فإن قيل: فأيُّ أنواع الصبر الثلاثة أكمل: الصبر على المأمور, أم الصبر على عن المحظور, أم الصبر على المقدور ؟
    قيل: الصبر المتعلق بالتكليف – وهو الأمر والنهي – أفضل من الصبر على مجرد القدر, فإن هذا الصبر يأتي به البرّ والفاجر, والمؤمن والكافر, فلا بد لكل واحد من الصبر على القدر اختياراً أو اضطراراً, وأما الصبر على الأوامر والنواهي فصبر اتباع الرسل, وأعظمهم اتباعاً أصبرهم في ذلك.
    وكل صبر في محله وموضعه أفضل, فالصبر عن الحرام في محله أفضل, والصبر عن الطاعة في محلها أفضل.
    الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام
    كلُّ أحد لا بد أن يصبر على بعض ما يكره إما اختياراً وإما اضطراراً, فالكريم يصبر اختياراً لعلمه بحسن عاقبة الصبر, وأنه يحمد عليه ويُذم على الجزع, وأنه إن لم يصبر لم يرُدّ الجزعُ عليه فائتاً, ولم ينزع عنه مكروهاً, وأن المقدور لا حيلة في دفعه, وما لم يقدر لا حيلة في تحصيله, فالجزع خوف محض ضرُّه أقرب من نفعه.
    قال بعض العقلاء: العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعله الأحمق بعد شهر.
    وقال بعض العقلاء: من لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم.
    فالكريم ينظر إلى المصيبة, فإن رأى الجزع يردُّها ويدفعها فهذا قد ينفعه الجزع, وإن كان الجزع لا ينفعه فإنه يجعل المصيبة مصيبتين.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,429

    افتراضي رد: فوائد من عدّة الصابرين

    فوائد من عدّة الصابرين (2-4)


    فهد بن عبد العزيز الشويرخ


    أمور تعين على الصبر
    لما كان الصبر مأموراً به جعل الله سبحانه له أسباباً تعين عليه وتوصل إليه.
    فالصبر وإن كان شاقاً كريهاً على النفوس فتحصيله ممكن, وهو يتكون من مفردين: العلم والعمل, فمنهما تُركب جميع الأدوية التي تُداوى بها القلوب والأبدان, فلا بدَّ من جزء علمي وجزء عملي, فمنهما يركب هذا الدواء الذي هو أنفع الأدوية.
    فأما الجزء العلمي فهو إدراك ما في المأمور من الخير والنفع واللذة والكمال, وإدراك ما في المحظور من الشرِّ والضرِّ والنقص, فإذا أدرك هذين العلمين كما ينبغي أضاف إليهما العزيمة الصادقة والهمة العالية والنخوة والمروءة الإنسانية, وضم هذا الجزء إلى هذا الجزء, ومتى فعل ذلك حصل له الصبر وهانت عليه المشقة وحَلَت له مرارته وانقلب ألمه لذة.
    وقد تقدم أن الصبر: مصارعة باعث العقل والدين لباعث الهوى والنفس, وكل متصارعين أردنا أن يغلب أحدهما على الآخر, فالطريق فيه تقوية من أردنا أن تكون الغلبة له وتضعيف الآخر, كالحال مع القوة والمرض سواء.
    فإذا قوي باعث شهوة الوقاع المحرم وغلب بحيث لا يملك معها فرجه...فإذا عزم على التداوي ومقاومة هذا الداء فليضعفه..بأمور :
    أحدها : أن ينظر إلى مادة قوة الشهوة فيجدها من الأغذية المحركة للشهوة, إما بنوعها وإما بكميتها وكثرتها, فليحسم هذه المادة بتقليلها, فإن لم تنحسم فليبادر إلى الصوم, فإنه بُضيق مجاري الشهوة ويكسر حدتها, ولا سيما إذا كان أكله وقت الفطر معتدلاً.
    الثاني : أن يتجنب محرك الطلب وهو النظر, فليغض لجام طرفِه ما أمكنه, فإن داعي..الشهوة إنما يهيج بالنظر, والنظر يحرك القلب بالشهوة.
    الثالث: تسلية النفس بالمباح المعوض عن الحرام.
    الرابع : الفكر في المفاسد الدنيوية المتوقعة من قضاء هذا الوطر, فإنه لو لم يكن جنة ولا نار لكان في المفاسد الدنيوية ما ينهي عن إجابة هذا الداعي.
    الخامس: الفكرة في مقابح الصورة التي تدعوه نفسه...وليُعزَّ نفسه أن تشرب من حوض ترده الكلاب والذباب, كما قيل :
    إذا كثر الذباب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه
    وتجتنبُ الأسودُ ورود ماءٍ إذا كان الكلاب يلغن فيه
    الإنسان لا يستغني عن الصبر في حال من الأحوال
    ما دام قلم التكليف جاريً عليه لا يستغني عن الصبر في حال من الأحوال, فإنه بين أمر يجب امتثاله وتنفيذه, ونهي يجب عليه اجتنابه وتركه, وقدر يجب عليه الصبر عليه اتفاقاً, ونعمة يجب عليه شكر المنعم عليها, وإذا كانت هذه الأحوال لا تفارقه فالصبر لازم له إلى الممات.
    وكل ما يلقى العبد في هذه الدار لا يخلو من نوعين:
    أحدهما: يوافق هواه ومراده.
    والآخر: يخالفه, وهو يحتاج إلى الصبر في كل منهما.
    فالنوع الثاني المخالف للهوى...فثلاثة أقسام:
    أحدها: ما يرتبط باختياره, وهو جميع أفعاله التي توصف بكونها طاعة أو معصية.
    فأما الطاعة فالعبد محتاج إلى الصبر عليها, لأن النفس بطبعها تنفر عن كثير من العبودية...ويحتا العبد هاهنا إلى الصبر في ثلاثة أحوال:
    أحدها: قبل الشروع فيها بتصحيح النية والإخلاص وتجنب دواعي الرياء والسمعة
    الحالة الثانية: الصبر حال العمل فيلازم الصبر عن دواعي التقصير فيه والتفريط.
    الحالة الثالثة: الصبر بعد الفراغ من العمل, وذلك من وجوه:
    أحدها: أن يصبر نفسه عن الإتيان بما يبطله, كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ }[البقرة:264]
    الثاني: أن يصبر عن رؤيتها والعجب بها والتكبر والتعاظم بها.
    الثالث: أن يصبر عن نقلها من ديوان السر إلى ديوان العلانية.
    وأما الصبر عن المعاصي فأمره ظاهر, وأعظم ما يعين عليه قطع المألوفات.
    القسم الثاني: ما لا يدخل تحت الاختيار, وليس للعبد حيلة في دفعه..وهذا نوعان:
    أحدهما: ما لا صنع لآدمي فيه, فله أربع مقامات:
    أحدها: مقام العجز والشكوى والتسخط, وهذا لا يفعله إلا أقل الناس عقلاً وديناً
    المقام الثاني: مقام الصبر
    المقام الثالث: مقام الرضي
    المقام الرابع: مقام الشكر.
    النوع الثاني: وهو ما أصابه من قبل الناس فله فيه هذه المقامات, وتنضاف إليها أربعة أخر:
    أحدها: مقام العفو والصفح.
    المقام الثاني: مقام سلامة القلب من إرادة التشفي والانتقام, وفراغه من ألم مطالعة الجناية كل وقت وضيقه بها.
    المقام الثالث: مقام شهود القدر, وأنه كان ظالماً بإيصال هذا الأذى إليك, فالذي قدره عليك وأجراه على يد هذا الظالم ليس بظالم.
    المقام الرابع: مقام الإحسان إلى المسيء ومقابلة إساءته بإحسانك, وفي هذا المقام من الفوائد والمصالح ما لا يعلمه إلا الله.
    القسم الثالث: ما يكون ورده باختياره, فإذا تمكّن لم يكن له اختيار ولا حيلة في دفعه, وهذا كالعشق الذي أوله اختيار وآخره اضطرار.
    فهذا كان فرضه الصبر عنه في أوله, فلما فاته بقي الصبر عليه في آخره, وأن لا يطيع داعي هواه ونفسه.
    أشق الصبر على النفوس
    مشقة الصبر بحسب قوة الداعي إلى الفعل وسهولته على العبد, فإذا اجتمع في الفعل هذان الأمران كأن الصبر عنه أشق شيء على الصابر, وإن فُقدا معاً سهُل الصبر عنه, وإن وجد أحدهما وفُقد الآخر سهُل الصبر من وجه وصعُب من وجه.
    ومن اشتد عليه داعية إلى ذلك وسهل عليه فعله, فصبره عنه أشق شيء عليه, ولهذا كان صبر السلطان على الظلم, وصبر الشاب على الفاحشة, وصبر الغني عن تناول اللذات والشهوات عند الله بمكان.
    ولذلك استحق السبعة المذكورون في الحديث أن يظلهم الله في ظل عرشه لكمال صبرهم ومشقته.
    ولهذا كان عقوبة الشيخ الزاني والملك الكذاب والفقير المختال أشد العقوبة لسهولة الصبر عن هذه المحرمات عليهم لضعف دواعيها في حقهم, فكان تركهم الصبر عنها دليلاً عن تمردهم على الله وعتوهم عليه.
    ولهذا كان الصبر عن معاصي اللسان والفرج من أصعب أنواع الصبر لشدة الداعي إليهما وسهولتهما, فإن معاصي اللسان فاكهة الإنسان, كالنميمة, والغيبة, والكذب, والمراء, والثناء على النفس تعريضاً وتصريحاً, وحكاية كلام الناس, والطعن على من يبغضه, ومدح من يحبه ونحو ذلك.
    وإذا صارت المعاصي اللسانية معتادة للعبد, فإنه يعز عليه الصبر عنها, ولهذا تجد الرجل يقوم الليل ويصوم النهار...ويطلق لسانه في الغيبة, والنميمة, والتفكه بأعراض الخلق, والقول على الله ما لا يعلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,429

    افتراضي رد: فوائد من عدّة الصابرين


    فوائد من عدّة الصابرين (3-4)


    فهد بن عبد العزيز الشويرخ

    ذكر ما ورد في الصبر من نصوص الكتاب العزيز
    ونحن نذكر الأنواع التي سيق فيها الصبر, وهي عدة أنواع:
    أحدها:الأمر به, كقوله: {وَاصبِر وَما صَبرُكَ إِلّا بِاللَّـهِ} [النحل:127] {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ } [الطور:48]
    الثاني: النهي عن ضده, كقوله: {ولَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ} [القلم:48]
    الثالث: تعليق الفلاح به, كقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [ آل عمران:200]
    الرابع: الإخبار عن مضاعفة أجر الصابر على غيره, كقوله: { أُولَـئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} [القصص:54]
    قال سليمان بن القاسم: " كل عمل يُعرف ثوابه إلا الصبر " قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10] قال: كالماء المنهمر.
    الخامس: تعليق الإمامة في الدين به وباليقين, قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة:24]
    السادس: ظفرهم بمعية الله سبحانه لهم, قال تعالى: {إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصّابِرين} [الأنفال:46]
    السابع: أنه جمع للصابرين ثلاثة أمور لم يجمعها لغيرهم, وهي الصلاة منه عليهم, ورحمته لهم, وهدايته إياهم, قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّـهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة:155-157]
    الثامن: أنه سبحانه جعل الصبر عوناً وعدة وأمر بالاستعانة به, فقال: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ } [البقرة:45] فمن لا صبر له لا عون له.
    التاسع: أنه سبحانه علّق النصر بالصبر والتقوى, فقال: {بلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ } [آل عمران:125]ولهذا قال النبي صلى الله عيه وسلم: «واعلم أن النصر مع الصبر»
    العاشر: أنه سبحانه جعل الصبر والتقوى جُنة عظيمة من كيد العدو ومكره, فقال تعالى: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا }[آل عمران:120]
    الحادي عشر: أنه سبحانه أخبر أن ملائكته تُسلم عليهم في الجنة بصبرهم, كما قال تعالى: {وَالمَلائِكَةُ يَدخُلونَ عَلَيهِم مِن كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيكُم بِما صَبَرتُم فَنِعمَ عُقبَى الدّارِ} [الرعد:23-24]
    الثاني عشر: أنه سبحانه أباح لهم أن يعاقبوا بمثل ما عُوقبوا به, ثم أقسم قسماً مؤكداً غاية التوكيد أن صبرهم خير لهم, فقال: {وَإِن عاقَبتُم فَعاقِبوا بِمِثلِ ما عوقِبتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرتُم لَهُوَ خَيرٌ لِلصّابِرينَ } [النحل:126]
    الثالث عشر: أنه سبحانه رتب المغفرة والأجر الكبير على الصبر والعمل الصالح, فقال {إِلَّا الَّذينَ صَبَروا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولـئِكَ لَهُم مَغفِرَةٌ وَأَجرٌ كَبيرٌ }[هود:11]
    الرابع عشر: أنه سبحانه جعل الصبر على المصائب من عزم الأمور, فقال: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } [الشورى:43]
    الخامس عشر: أنه سبحانه وعد المؤمنين بالنصر والظفر, وهي كلمته التي سبقت لهم, فقال تعالى {وتَمَّت كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسنى عَلى بَني إِسرائيلَ بِما صَبَروا} [الأعراف:137]
    السادس عشر: أنه سبحانه علق محبته بالصبر, وجعلها لأهله, فقال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّـهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ } [آل عمران:146]
    السابع عشر: أنه أخبر عن خصال الخير أنه لا يلقاها إلا الصابرون, في سورة القصص في قصة قارون, وأن الذين أوتوا العلم قالوا للذين تمنوا مثل ما أوتى: {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّـهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} [القصص:80]
    الثامن عشر: أنه سبحانه أخبر أنه إنما ينتفع بآياته ويتعظ بها الصبار الشكور, فقال تعالى: { وَلَقَد أَرسَلنا موسى بِآياتِنا أَن أَخرِج قَومَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النّورِ وَذَكِّرهُم بِأَيّامِ اللَّـهِ إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكورٍ } [إبراهيم:5]
    التاسع عشر: أنه أثنى على عبده أيوب بأحسن الثناء على صبره, فقال: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } [ص:44] فأطلق عليه قوله: ] نِّعْمَ الْعَبْدُ [ بكونه وجده صبراً, وهذا يدل على أن من لم بصبر فإنه بئس العبد.
    العشرون: أنه سبحانه حكم بالخسران حكماً عاماً على كل من لم يكن من أهل الحق والصبر, وهذا يدل أنه لا رابح سواهم, فقال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[العصر:1-3]
    الحادي والعشرون: أنه سبحانه خص أهل الميمنة بأنهم أهل الصبر والرحمة الذين قامت بهم هاتان الخصلتان, ووصوا بهما غيرهم, فقال تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ *أُولَـئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ } [البلد:17-18]
    الثاني والعشرون: إنه قرن الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان كلها.
    فقرنه بالصلاة, كقوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ } [البقرة:45]
    وقرنه بالأعمال الصالحة عموماً, كقوله تعالى: {إلَّا الَّذينَ صَبَروا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ } [هود:11]
    وجعله قرين التقوى, كقوله تعالى: { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصبِر} [يوسف:90]
    وجعله قرين الشكر كقوله {إنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكور}[إبراهيم:5]
    وجعله قرين الحق, كقوله تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ }
    وجعله قرين الرحمة, كقوله: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَة } [البلد:17]
    وجعله قرين اليقين, كقوله: { لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة:24]
    وجعله قرين الصدق, كقوله:{وَالصَّاد ِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ } [الأحزاب:35]
    وجعله سبب محبته ومعيته وعونه ونصره وحسن جزائه, ويكفيه بعض ذلك شرفاً وفضلاً
    ما ورد فيه من نصوص السنة:
    في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أ «ن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على امرأة تبكي على صبي لها فقال لها: ( اتقِ الله واصبري ) فقالت: وما تبالي بمصيبتي ؟ فلما ذهب, قيل لها: إنه رسول الله, فأخذها مثل الموت, فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين, فقالت: يا رسول الله لم أعرفك, فقال: (إنما الصبر عند أول صدمة ) وفي لفظ: ( عند الصدمة الأولى )»
    وفي صحيح مسلم عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله علية الصلاة والسلام يقول «(ما من مسلم تصيبه مصيبة, فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون, اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها, إلا أخلف الله له خيراً منها ) قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة, أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إني قلتها, فأخلف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم»
    فانظر عاقبة الصبر والاسترجاع, ومتابعة الرسول, والرضاء عن الله إلى ما آلت وأنالت أم سلمة نكاح أكرم الخلق على الله.
    وفي جامع الترمذي ومسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان, عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولدي عبدي ؟ فيقولون: نعم, فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده ؟ فيقولون: نعم, فيقول: ماذا قال عبدي ؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد. وفي صحيح البخاري من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر عوضتُه منهما الجنة» ) يريد: عينيه.
    وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضتُ صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة»
    وفي صحيحه أيضاً عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: «ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟ قلت: بلى, قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع وأتكشف, فادع الله لي, قال: ( إن شئت صبرت ولك الجنة, وإن شئت دعوتُ الله أن يعافيك ) فقالت: أصبر, فقالت: إني أتكشف فادعُ الله أن لا أتكشف» .
    وفي الصحيح «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم مالاً, فقال بعض الناس: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله, فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: (رحم الله أخي موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر )»
    وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ما يُصيبُ المسلم من نصب, ولا وصب, ولا حزن, ولا أذى, ولا غمِّ, حتى الشوكة يُشاكها, إلا كفَّر الله بها من خطاياه »
    وفي المسند من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« لا يزال البلاء بالمؤمن أو المؤمنة, في جسده, وفي ماله, وفي ولده, حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة»
    وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ما أعطى أحد عطاءً خيراً أوسع من الصبر »
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,429

    افتراضي رد: فوائد من عدّة الصابرين

    فوائد من عدّة الصابرين (4-4)


    فهد بن عبد العزيز الشويرخ

    {بسم الله الرحمن الرحيم}
    الآثار الواردة عن الصحابة ومن بعدهم في فضيلة الصبر:
    عن عمر بن الخطاب قال: وجدنا خير عيشنا الصبر.
    وقال على بن أبي طالب : الصبر مطية لا تكبو.
    وقال الحسن: الصبر كنز من كنوز الجنة, لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده.
    وكان محمد بن شبرمة إذا نزل به بلاء قال: سحابة ثم تنقشع.
    وقيل للأحنف بن قيس: ما الحلم ؟ قال: أن تصبر على ما تكره قليلاً.
    قال ابن أبي الدنيا: حدثني الحس بن عبدلعزيز الجروي قال: مات ابن لي نفيس, فقلت لأمه: اتقي الله واحتسبيه, فقالت: مصيبتي أعظم من أن أفسدها بالجزع.
    تنازع الناس في الأفضل من الصبر والشكر:
    حكى أبو الفرج ابن الجوزي في ذلك ثلاثة أقوال:أحدها: أن الصبر أفضل. والثاني: أن الشكر أفضل.والثالث: أنهما سواء, كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت.
    الحكم بين الفريقين, والفصل بين الطائفتين:
    فنقول: كل أمرين طلبت الموازنة بينهما ومعرفة الراجح منهما على المرجوح, فإن ذلك لا يمكن إلا بعد معرفة كل واحد منهما, وقد ذكرنا حقيقية الصبر وأقسامه وأنواعه, فنذكر حقيقة الشكر وماهيته.
    قال في الصحاح: الشكر الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف, يقال: شكرته, وشكرت له, واللام أفصح.
    وشكر العبد يدور على ثلاثة أركان, لا يكون شكوراً إلا بمجموعها:
    أحداها: اعترافه بنعمة الله عليه.والثاني: الثناء عليه بها.
    والثالث: الاستعانة بها على مرضاته.
    وأما قول الناس في الشكر:
    قيل: الشكر استفراغ الطاقة في الطاعة.
    وقيل: معرفة العجز عن الشكر.
    وقيل: الشاكر الذي يشكر على العطاء, والشكور الذي يشكر على البلاء.
    وإذا عرف أن الغنى والفقر والبلاء والعافية فتنة وابتلاء من الله لعبده يمتحن بها صبره وشكره, عُلم أن الصبر والشكر مطيتان للإيمان لا يُحمل إلا عليهما, ولا بد لكل مؤمن منهما, وكل منهما في موضعه أفضل, فالصبر في موطن الصبر أفضل, والشكر في مواطن الشكر أفضل.
    أمثلة تبين حقيقة الدنيا:
    مثلت الدنيا بمنام, والعيش فيها بالحلم, والموت باليقظة.
    ومثلت بمزرعة, والعمل فيها البذر, والحصاد يوم المعاد.
    ومُثلت: بحية ناعمة الملمس, حسنة اللون, وضربتها الموت.
    ومُثلت: بطعام مسموم, لذيذ الطعم, طيب الرائحة, من تناول منه قدر حاجته كان فيه شفاؤه, ومن زاد على حاجته كان فيه حتفه.
    ومثلت بامرأة من أقبح النساء قد انتقبت على عينين ففتنت بهما الناس وهي تدعو الناس إلى منزلها, فإذا أجابوها كشفت لهم عن منظرها وذبحتهم بسكاكينها, وألقتهم في الحفر, وقد سلطت على عشاقها تفعل بهم ذلك قديماً وحديثاً, والعجب أن عشاقها يرون إخوانهم صرعى قد حلت بهم الآفات, وهم يتنازعون في مصارعهم, {وَسَكَنتُم في مَساكِنِ الَّذينَ ظَلَموا أَنفُسَهُم وَتَبَيَّنَ لَكُم كَيفَ فَعَلنا بِهِم وَضَرَبنا لَكُمُ الأَمثالَ} [إبراهيم:45]
    ويكفى في تمثيلها ما مثلها الله في كتابه فهو المثل المطبق عليها.
    فوائد الصدقة:
    في الصدقة فوائد ومنافع لا يحصيها إلا الله, فمنها: تقي مصارع السوء, تدفع البلاء حتى أنها لتدفع عن الظالم, تطفئ الخطيئة, تحفظ المال, تجلب الرزق, تفرح القلب, توجب الثقة بالله, وحسن الظن به, ترغم الشيطان, تزكى النفس وتنميها, وتُحببُ العبد إلى الله وإلى خلقه, وتستُر عليه كل عيب, تزيد في العمر, تستجلب أدعية الناس ومحبتهم, تدفع عن صاحبها عذاب القبر, تكون عليه ظلاً يوم القيامة, تشفع له عند الله, تهون عليه شدائد الدنيا والآخرة, تدعوه إلى سائر أعمال البر فلا تستعصي عليه.
    حقيقة الزهد:
    الزهد فراغ القلب من الدنيا, لا فراغ اليد منها.
    والزاهد أروح الناس بدناً وقلباً, فإن كان زهده وفراغه من الدنيا قوة له في إرادة الله والدار الآخرة, - بحيث فرغ قلبه لله, وجعل حرصه على التقرب إليه, وشحه على وقته أن يضيع منه شيء في غير ما هو أرضى لله وأحب إليه – كان من أنعم الناس عيشاً, وأقرهم عيناً, وأطيبهم نفساً, وأفرحهم قلباً, فإن الرغبة في الدنيا تشتت القلب وتبدد الشمل, وتطيل الهم والغم والحزن, فهي عذاب حاضر يؤدي إلى عذاب منتظر أشد منه, وتفوت على العبد من النعم أضعاف ما يروم تحصيله بالرغبة في الدنيا.
    وإنما تحصل الهموم والغموم والأحزان من جهتين:
    أحدهما: الرغبة في الدنيا والحرص عليها.
    الثاني: التقصير في أعمال البر والطاعة.
    الله جل جلاله صبور شكور, ولو لم يكن للصبر والشكر من الفضيلة إلا ذلك لكفى به
    أما الصبر فقد أطلقه عليه أعرف الخلق به وأعظمهم تنزيهاً له بصيغة المبالغة, ففي الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله عز وجل, يدعون له ولداً وهو يعافيهم ويرزقهم )
    وأما تسميته سبحانه بالشكور..ففي القرآن تسميته شاكراً, قال الله تعالى: {وَكَانَ اللَّـهُ شَاكِرًا عَلِيمًا } [النساء:147]
    وتسميته أيضاً شكوراً, قال الله تعالى: { وَاللَّـهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ } [التغابن:17]
    فهو الشكور على الحقيقة فإنه يعطى العبد ويوفقه لما يشكره عليه, ويشكر القليل من العمل والطاعة, ويشكر الحسنة بعشرة أمثالها إلى أضعاف مضاعفة, ويشكر عبده بأن يُثني عليه بين ملائكته وفي ملئه الأعلى, ويلقى له الشكر بين عباده ويشكره بفعله.
    ومن شكره سبحانه أنه لا يضيع أجر من أحسن عملاً, ولو أنه مثقال ذرة.
    ومن شكره: أنه يجازي عدوه بما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا, ويخفف به عنه يوم القيامة, فلا يضيع عليه ما يعمله من الإحسان وهو من أبغض خلقه إليه.
    ومن شكره أنه غفر للمرأة البغي بسقيها كلباً كان قد جهده العطش حتى أكل الثرى, وغفر لآخر بتنحية غصن شوك عن طريق المسلمين, فهو سبحانه يشكر العبد على إحسانه إلى نفسه, والمخلوق إنما يشكر من أحسن إليه.
    وأبلغ من ذلك أنه هو الذي أعطى العبد ما يحسن به إلى نفسه وشكره عليه, بل شكره على قليله بالأضعاف المضاعفة التي لا نسبة لإحسان العبد إليها, فهو المحسن بإعطاء الإحسان وإعطاء الشكر, فمن أحق باسم الشكور منه سبحانه ؟
    ومن شكره سبحانه أنه يُخرجُ العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من خير, فلا يضيع عليه هذا القدر.
    ولما كان سبحانه هو الشكور على الحقيقة كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة الشكر, كما أن أبغض خلقه إليه من عطلها واتصف بضدها, وهذا شأن أسمائه الحسنى: أحب خلقه إليه من اتصف بموجبها, وأبغضهم إليه من اتصف بأضدادها, ولهذا يبغض الكفور والظالم والجاهل والقاسي القلب والبخيل والجبان والمُهين واللئيم.
    وهو جميل يحب الجمال, عليم يحب العلماء, رحيم يحب الراحمين, محسن يحب المحسنين, شكور يحب الشاكرين, صبور يحب الصابرين, جواد يحب أهل الجود, ستير يحب أهل الستر, قادر يلوم على العجز. والمؤمن ألقوي أحب إليه من المؤمن الضعيف, عفو يحب العفو, وتر يحب الوتر, وكل ما يحبه فهو من آثار أسمائه وصفاته وموجبها, وكل ما يبغضه فهو مما يضادها وينافيها.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •