فوائد من كتاب ذم الهوى لابن الجوزي
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: فوائد من كتاب ذم الهوى لابن الجوزي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,627

    افتراضي فوائد من كتاب ذم الهوى لابن الجوزي

    فوائد من كتاب ذم الهوى لابن الجوزي (1-2)


    فهد بن عبد العزيز الشويرخ



    الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فإن الهوى ميل النفس إلى ما تحبه وتهواه, فإن كان موافقاً للشرع فهو هوى محمود, وإن كان مخالفاً له فهو هوى مذموم, قال الله سبحانه وتعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـهَهُ هَوَاهُ } [الجاثية:23] قال العلامة السعدي رحمه الله: فما هواه سلكه, سواء كان يرضى الله, أم يسخطه.
    والهوى المذموم ينبغي التنبه له والوقاية منه قبل الوقوع فيه, ومن ثم المبادرة بالعلاج إذا استزل الشيطان الإنسان فوقع في مرض من أمراضه, وأمراض الهوى المذموم قد تكون في الشبهات, وقد تكون في الشهوات.
    وقد وقع رجل في عصر الإمام ابن الجوزي رحمه الله, في مرضٍ من أمراض هذا الهوى المذموم, فطلب النصيحة من ابن الجوزي, فصنف رحمه الله كتاباً في ذلك, سماه " ذم الهوى "
    وقد جاء الكتاب في خمسين باباً, وقد يسّر الله الكريم لي فانتقيتُ منه بعض الفوائد, التي أسأل أن ينفع بها, ويبارك فيها.
    العقل والهوى:
    اعلم أن مطلق الهوى يدعو إلى اللذة الحاضرة من غير فكر في عاقبة, ويحثّ على نيل الشهوات عاجلاً, وإن كانت سبباً للألم والأذى في العاجل, ومنع لذات في الآجل, فأما العقل فإنه ينهى نفسه عن لذةٍ تُعقب ألماً, وشهوةٍ تورث ندماً, وكفى بهذا القدر مدحاً للعقل, وذماً للهوى.
    مدمن الشهوات شقي من حيث قدر السعادة, واغتم من حيث ظن الفرح:
    ليعلم العاقل أن مدمني الشهوات يصيرون إلى حالة لا يلتذونها, وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها, لأنها قد صارت عندهم كالعيش الاضطراري, ولهذا ترى مدمن الخمر والجماع لا يلتذ بذلك عشر التذاذ من لم يدمن, غير أن العادة تقتضيه ذلك, فيلقى نفسه في المهالك لنيل ما يقتضيه تعوده, ولو زال رين الهوى عن بصر بصيرته, لرأى أنه قد شقى من حيث قدر السعادة, واغتمّ من حيث ظن الفرح, وألِمَ من حيث أراد اللذة, فهو كالحيوان المخدوع بحبِّ الفخ, لا هو نال ما خُدِعَ به, ولا أطاق التخلص مما وقع فيه.
    مجاهدة النفس في مخالفة الهوى:
    فإن قال قائل: فكيف يتخلص من هذا من قد نشب فيه ؟ قيل له: بالعزم القوي في هجران مايؤذي, والتدرج في ترك ما لا يؤمن أذاه, وهذا يفتقر إلى صبر ومجاهدة.
    ...فالنفس مجبولة على حبِّ الهوى, وقد سبق بيان أذاه, فافتقرت لذلك إلى المجاهدة والمخالفة, ومتى لم تُزجر عن الهوى هجم عليها الفكر في طلب ما شغفت به, فاستأنست بالآراء الفاسدة, والأطماع الكاذبة, والأماني العجيبة, خصوصاً إن ساعد الشباب الذي هو شعبة من الجنون, وامتد ساعد القدرة إلى نيل المطلوب.
    ما يصدأ به القلب:
    قال يحي بن معاذ: سقم الجسد بالأوجاع, وسقم القلوب بالذنوب, فكما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمه, فكذلك القلب لا يجد حلاوة العبادة مع الذنوب.
    ما ينقي عن القلوب صدأها:
    قال رجل للحسن, يا أبا سعيد أشكو إليك قسوة قلبي! قال: أذبه بالذكر.
    روى أن رجلاً سأل عائشة: ما دواء قسوة القلب ؟ فأمرته بعيادة المرضى, وتشيع الجنائز, وتوقع الموت.
    وسئل ابن المبارك: ما دواء قسوة القلب؟ قال: قلة الملاقاة
    وشكا ذلك رجل إلى مالك بن دينار, فقال: أدمِن الصيام, فإن وجدت قسوة فأطل القيام, فإن وجدت قسوة فأقلّ الطعام.
    وقال إبراهيم الخواص: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر, وخلاء البطن, وقيام الليل, والتضرع عند السحر, ومجالسة الصالحين.
    الواعظ من القلب:
    عن خالد بن معدان قال: ما من عبد إلا وله عينان في وجهه, يبصر بهما أمر الدنيا, وعينان في قلبه, يبصر بهما أمر الآخرة, فإذا أراد الله بعبد خيراً فتح عينيه اللتين في قلبه, فأبصر بهما ما وعد الله بالغيب, وإذا أراد الله به غير ذلك تركه على ما فيه, ثم قرأ:{ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24]
    الأمر بغض البصر:
    لما كان إطلاق البصر سبباً لوقوع الهوى في القلب, أمر الشارع بغض البصر عما يُخاف عواقبه, فإذا تعرضت بالتخليط وقد أُمرت بالحمية فوقعت إذاً في أذى فلم تضجُّ من أليم الألم, قال الله عز وجل: {قُل لِّلْمُؤْمِنِين َ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}[النور:30] { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَات ِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } [النور:31]
    النهي عن النظر إلى المردان ومجالستهم:
    اعلم وفقك الله, أن هذا الباب من أعظم أبواب الفتن...فإن الشيطان إنما يدخل على العبد من حيث يمكنه الدخول, إلى أن يُدرجه إلى غاية ما يمكنه من الفتن, فإنه لا يأتي إلى العابد فيحسن له الزنا في الأول, وإنما يزين له النظر, والعابد والعالم قد أغلقا على أنفسهما باب النظر إلى النساء الأجانب, لبعد مصاحبتهن وامتناع مخالطتهن, والصبي مخالط لهما, فليحذر من فتنته.
    نظر...إلى غلام في بعض الأسواق, فبلي به...وطال به البلاء...ولما سئل عن قصته, قال: رب ذنب استصغره الإنسان هو أعظم عند الله من ثبير, وحقيق لمن تعرض للنظر الحرام أن تطول به الأسقام ثم بكى وقال: أخاف أن يطول في النار شقائي.
    معالجة الهم والفكر المتولد عن النظر:
    فتفهم يا أخي ما أوصيك به, إنما بصرك نعمة من الله عليك, فلا تعصيه بنعمه, وعامله بغضه عن الحرام تربح, واحذر أن تكون العقوبة سلب تلك النعمة, وكل زمن الجهاد في الغضِّ لحظة, فإن فعلت ذلك نلت الخير الجزيل, وسلمت من الشر الطويل...واعلم وفقك الله, أنك إذا امتثلت المأمور به, من غض البصر عند أول نظرة, سلمت من آفات لا تحصى, فإذا كررت النظر لم تأمن أن تزرع في قلبك زرعاً يصعب قلعه, فإن كان قد حصل ذلك فعلاجه الحِمية بالغضِّ فيما بعد, وقطع مراد الفكر بسد باب النظر, فحينئذ يسهل علاج الحاصل في القلب, لأنه إذا اجتمع سيل فسُدَّ مجراه, سهُل نزف الحاصل, ولا علاج للحاصل في القلب أقوى من قطع أسبابه, ثم زجر الاهتمام به خوفاً من عقوبة الله عز وجل, فمتى شرعت في استعمال هذا الدواء رجي لك قرب السلامة, وإن ساكنت الهم ترقى إلى درجة العزم, ثم حرك الجوارح.
    التحذير من المعاصي وقبح أثرها
    يا صاحب الذنب لا تأمنن سوء عاقبته ولما يتبع الذنب من الذنب إذا علمته
    ضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظم من الذنب
    وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب
    وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب, ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك, أعظم من الذنب إذا عملته.
    كتبت عائشة إلى معاوية: أما بعد: فإن العبد إذا عمل بمعصية الله عاد حامده من الناس ذاماً.
    قال المحارب بن ديثار: أن الرجل ليذنب الذنب فيجد له في قلبه وهناً.
    قال بشر: إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل
    قيل لوهب بن الورد: أيجد طعم العبادة من يعصي ؟ قال: لا, ولا من يهم.
    اعلم وفقك الله, أن المعاصي قبيحة العواقب سيئة المنتهى, وهي وإن سرّ عاجلها ضرَّ آجلها, ولربما تعجل ضرها, فمن أراد أن طيب عيشه فليزم التقوى
    فمتى رأيت وفقك الله تكديراً في حال, فتذكر ذنباً قد وقع, قال الفيضل بن عياض: إني لأعصى الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي.
    وقال أبو سليمان الدارني: من صفّى صُفيّ له, ومن كدّر كُدِّر عليه, ومن أحسن في ليله كُوفئ في نهاره, ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله.
    فتفكر وفقك الله, في أن الذنوب تنقضى لذتها وتبقى تبعتها
    تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الإثم والعار
    تبقى عواقب سوء في مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار
    التحذير من العقوبات
    اعلم أن العقوبة تختلف, فتارة تتعجل, وتارة تتأخر, وتارة يظهر أثرها, وتارة يخفى.
    وأطرف العقوبات ما لا يحس بها المعاقب, وأشدها العقوبة بسلب الإيمان...ودون ذلك موت القلوب, ومحو لذة المناجاة منه, وقوة الحرص على الذنب, ونسيان القرآن, وإهمال الاستغفار, ونحوه مما ضرره في الدِّين.
    وربما دبّت العقوبة في الباطن دبيب الظلمة, إلى أن يمتلئ أفق القلب فتعمى البصيرة
    وأهون العقوبة ما كان واقعاً بالبدن في الدنيا.
    قال أبو علي الروذباري: من الاغترار أن تسيء فيحسن إليك, فتترك الإنابة والتوبة توهماً أنك تسامح في الهفوات
    الصبر على المعصية:
    الطاعة مفتقرة إلى الصبر عليها, والمعصية مفتقرة إلى الصبر عليها, ولما كانت النفس مجبولة على حب الهوى..افتقرت إلى حبسها عما تؤذى عاقبته, ولا يقدر على استعمال الصبر إلا من عرف عيب الهوى, وتلمح عقبى الصبر, فحينئذ يهون عليه ما صبر عليه وعنه.

    وبيان ذلك بمثل: وهو أن امرأة مستحسنة مرت على رجلين, فلما عرضت لهما اشتهيا النظر إليها, فجاهد أحدهما نفسه وغض بصره, فما كانت إلا لحظة ونسى ما كان, وأوغل الآخر في النظر فعلقت بقلبه, فكان ذلك سبب فتنته, وذهاب دينه
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,627

    افتراضي رد: فوائد من كتاب ذم الهوى لابن الجوزي

    فوائد من كتاب ذم الهوى لابن الجوزي (2-2)


    فهد بن عبد العزيز الشويرخ


    بسم الله الرحمن الرحيم
    فوائد من كتاب ذم الهوى لابن الجوزي
    محاسبة النفس:
    قال عمر بن الخطاب: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا, وزينوا أنفسكم قبل أن توزنوا, فإنه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم يوم القيامة.
    وقال الحسن: أيسر الناس حساباً يوم القيامة الذين يحاسبون أنفسهم لله عز وجل في الدنيا, فوقفوا عند همومهم وأعمالهم, فإن كان الذي هموا به لله عز وجل مضوا فيه, وإن كان عليهم أمسكوا.
    وقال ميمون بن مهران: لا يكون الرجل تقياً حتى يكون لنفسه أشدَّ محاسبة من الشريك لشريكه.
    أسباب العشق:
    من أسباب العشق: سماع الغزل والغناء...وإدامة النظر
    ويتأكد بكثرة اللقاء, وطول الحديث.
    ضرر العشق في الدين:
    العشق بيّن الضرر في الدين والدنيا, أما في الدين فإن العشق أولاً يشغل القلب عن الفكر فيما خلق له, من معرفة الإله والخوف منه والقرب إليه, ثم بقدر ما ينال من موافقة غرضه المحرم يكون خسران آخرته, وتعرضه لعقوبة خالقه, فكلما قرُبَ من هواه بَعُدَ من مولاه, ولا يكاد يقع العشق في الحلال المقدور عليه, فإن وقع, فيا سرعان زواله. قال الحكماء: كل مملوك مملول.
    ضرر العشق في الدنيا:
    وأما ضرر العشق في الدنيا فإنه يورث الهمَّ الدائم, والفكر اللازم, والواسواس, والأرق, وقلة المطعم, وكثرة السهر, ثم يتسلط على الجوارح, فتنشأ الصفرة في البدن, والرعدة في الأطراف, واللجلجة في اللسان, والتحول في الجسد, فالرأي عاطل, والقلب غائب عن تدبير مصلحته, والدموع هواطل, والحسرات تتابع, والزفرات تتوالى, والأحشاء تضطرم, فإذا غشي على القلب إغشاء تاماً أخرجت إلى الجنون, وما أقربه حينئذ من التلف, هذا وكم يجني من جناية على العرض.
    أدوية العشق:
    الحِمية اللازمة في زمان الصحة لا ينبغي أن تُترك, ومتى علمت أسباب مرض وجب اجتنابها, ومعلوم أن الطباع تتساوى في الميل إلى الهوى, فينبغي للحازم اجتناب أسبابه. فمتى أصابه شيء من ذلك المرض وجب عليه أن يبادر إلى الطبيب, قبل أن يصعب التلافي أو يحل التلف.
    وأمراض العشق تختلف..وإنما يعالج من هذا المرض من لم يرتقِ إلى غايته, فإنه إذا بلغ الغاية أحدث الجنون والذهول, وتلك حالة لا تقبل العلاج.
    اعلم أن بداية العشق في الأغلب تكون عند النظر إلى المحاسن...والواج على من وقع بصره على مستحسن, فوجد لذة تلك النظرة في قلبه أن يصرف بصره, فمتى تثبت تلك النظرة, أو عاود وقع في اللوم شرعاً وعقلاً.
    فإن جرى تفريط بإتباع نظرة لنظرة, فإن الثانية هي التي تُخاف وتُحذر, فلا ينبغي أن تحقر هذه النظرة, فربما أورثت صبابة صبّت دمَ الصِّبّ.
    وعلاج هذه النظرة,..بغضِّ البصر,..وخوف العقوبة من الله سبحانه عاجلاً وآجلاً, والحذر من سوء عاقبتها وما تجرُّ وتجني.
    فإن كان تكرار النظر قد نقش صورة المحبوب في القلب نقشاً متمكناً,..فعلاج هذا المرض: العزم القوي على البعد عن المحبوب, والقطع الجازم على غضِّ البصر عنه, وهجران الطمع فيه, وتوطين النفس على اليأس منه,..والفكر في خوف العواقب في الدنيا, والعقوبة في الأخرى...وكرر على النفس ما سبق من ذم الهوى, وما فعل بأربابه فأضناهم وأمرضهم, وأذهب دينهم ودنياهم, وجاههم بين الناس, فاستغاثوا بعد الفوت.
    وتفكر في خطواتك إلى لقاء محبوبك, فاعلم...أنها مكتوبة عليك وأنت مطالب بها
    وتفكر في مكالمتك محبوبك, فإنك مسؤول عما تقول, مع إلهاب الكلام نار الحب.
    فإن قويت أسباب الهوى فحملتك على الخلوة بحبيبك, فقد تعرضت بالأسد في خيسه, وبعيد سلامة مثلك, فالهرب الهرب, فلا نجاة في غيره.
    فإن أمسك الهوى فاجتذب نفسك من يده, بخوف من يراك حيت تقوم, واسحيي من نظره إليك, وأدِر في تلذذك ذكر مرارة الموت الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هادم اللذات» وتذكر شدة النزع وتفكر في الموتى الذين حبسوا على أعمالهم ليُجازوا بها, فليس فيهم من يقدر على محو خطيئة, ولا على زيادة حسنة, فلا تعِث يا مُطلق.
    وصور لنفسك حين اعتراض الهوى عرضك على ربك, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه تبارك وتعالى ليس بينه وبينه ترجمان» [أخرجاه في الصحيحين] .
    وتخايل شهادة المكان الذي تعصي فيه عليك يوم القيامة.
    ومثّل في نفسك عند بعض زللك, كيف يؤمر بك إلى النار, التي لا طاقة لمخلوق بها, وتصور نفاد اللذة وبقاء النار والعذاب.عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( « ناركم هذه مما يوقد بنو آدم, جزء واحد من سبعين جزءاً من حرِّ جنهم ) قالوا: والله إن كانت لكافية, قال: ( إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً)»
    ومن المعالجات السفر, فإنه بالسفر يتحقق البعد عن المحبوب, وكل بعيد عن البدن يؤثر بعده في القلب, فليصبر على مضض الشوق في بداية السفر صبر المصاب في بداية مصيبته, ثم إن مَرََ الأيام يهوّن الأمر.
    وكذلك كل ما يشغل القلب من المعاش والصناعة, فإنه يسلي, لأن العشق شغل الفارغ...فإذا تشاغل بما يوجب اشتغال القلب بغير المحبوب دَرَس الحبُّ, ودثر العشقُ, وحصل التناسي.
    ومن ذلك استعراض النساء للتزويج, والجواري للتسري, وليطلب الفائق فإنه يسلي.
    ومن الأدوية: عيادة المرضى, وتشييع الجنائز, وزيارة القبور, والنظر إلى الموتى, والتفكر في الموت وما بعده, فإن ذلك يطفئ نيران الهوى, كما أن سماع الغناء واللهو يقويه, فما هو كالضد يضعفه, وكذلك مواصلة مجالس الذكر, وسماع أخبار الصالحين والمواعظ.
    ومن ذلك زجر الهمة الأبية عن مواقف الذل, واكتساب الرذائل, وحرمان الفضائل, فمن لم تكن له همة أبية لم يكد يتخلص من هذه البلية, فإن ذا الهمة يأنفُ أن يملك رقه شيء, ومازال الهوى يذل أهل العزِّ.
    ومما يُداوى به الباطن أن تفكر, فتعلم أن محبوبك ليس كما في نفسك, فأعمل فكرك في عيوبه...فإن الآدمي محشو بالأنجاس والأقذار, وإنما يرى العاشق معشوقه في حال الكمال, ولا يصور له الهوى عيباً, لأن الحقائق لا تنكشف إلا مع الاعتدال, وسلطان الهوى حاكم جائر يغطي المعايب, فيرى العاشقُ القبيح من معشوقه حَسَناً.
    ومما يداوى به الباطن تصوير فقد المحبوب, إما بموته أو بفراق يحدث عن غير اختيار, أو بنوع ملل, أو بتغير حليته.
    ومتى صوّر الإنسان مثل هذه الأشياء وتلمح عواقبها بفكره, سهل عليه علاج ما في قلبه.
    متفرقات:
    * قال معاوية: المروءة ترك اللذة وعصيان الهوى.
    * قال عمر بن عبدالعزيز لميمون بن مهران: يا ميمون لا تخلُ بامرأة لا تحلُّ لك, وإن أقرأتها القرآن.
    * قال مالك بن دينار: من غلب شهوات الدنيا, فذلك الذي يَفرَقُ الشيطان من ظله...بئس العبد عبد همه هواه وبطنه.

    * قال يحي بن معاذ: من أرضى الجوارح في اللذات, فقد غرس لنفسه شجر الندامات.
    * قال بشر بن الحارث: لا تجد حلاوة العبادة حتى تجعل بينك وبين الشهوات حائطاً من حديد.
    * قال ميمون بن مهران: لا تصغين سمعك لذي هوى, فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك منه.
    * قال بعض الحكماء: ظاهر التقوى شرف الدنيا, وباطنها شرف الآخرة.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •