رد شبهة طلوع قرن الشيطان من بيت عائشة رضي الله عنها
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: رد شبهة طلوع قرن الشيطان من بيت عائشة رضي الله عنها

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2019
    المشاركات
    1

    افتراضي رد شبهة طلوع قرن الشيطان من بيت عائشة رضي الله عنها

    رِسَالَةٌ فِي الرَّدِّ عَلى

    شُبْهَةِ طُلُوعِ قَرْنِ الشَّيطَانِ مِنْ بَيتِ أُمِّ المُؤمِنينَ عَائِشَةَ رَضي الله عَنها
    أَبو مَالِك عِمَادُ بنُ عَبْدِ الحَمِيدِ السِّيوطيُّ الحنبلي
    (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِين َ عَذَابٌ مُهِينٌ) [المجادلة :5]
    المُقَدِمَةُ
    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده و رسوله.
    أما بعد:
    فإنَّ من أوجب الواجبات أن يقوم المسلم بالدفاع عن دينه، ونبيه صلى الله عليه وسلم، وصحبه الكرام رضي الله عنهم؛ لِما في ذلك من حماية أصول الإسلام والشريعة من عدوان الفرق المارقة التي لا تكل ليل نهار عن إثارة الشبهات، وبثها بين عوام المسلمين، مستغلين في ذلك بعد المسلمين عن دينهم وطاعة ربهم عز وجل، وانغماس أجيال كاملة في أتون الفتن والشهوات المبثوثة ليل نهار،
    وإن ترك الشبهات التي يلقيها الروافض والمنافقون على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى كتب التراث الشرعي، خاصةً كتب السنة النبوية؛ ليكاد يثمر عما قريب عن انتشار الكفر بالسنة وأحكامها، ويثمر أيضاً عن إزدراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم نقلة ذلك الدين في أوساط الأمة المختلفة.
    فالجدَ الجدَ، قبل أن يسري سُمُّ الشبهات الزعاف في عقول السُذج من شباب الأمة وشيوخها، ومعنا في هذه الرسالة شبهة داحضة، لكنها تساق على ألسنة أعداء الأمة بأسلوب ماكر خبيث، يقصد به الطعن في كتب السنة المباركة، لا سيما صحيح البخاري الذي شهد له أهل العلم بالسبق والتقدم على غيره، وفيها طعن على أم المؤمنين عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما، زاعمين أن البخاري يطعن عليها، فإن كنت تُجِلُّ عائشة رضي الله عنها؛ فهَلُمَّ كَذِّب البخاري، وإن كنت تُصدِّق البخاري، فلن تسلم لك محبتك لأم المؤمنين رضي الله عنها، وقد ساقوا تلك الشبهة في بعض جرائدهم.
    أسلوب ماكر خبيث، لكنه سرعان ما يُدمغ تحت ضربات الحق والعلم، وهذه الرسالة هي إجابة علمية على هذه الشبهة المفتراة، وقد ذكرت قبل جواب الشبهة ترجمة مختصرة لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أذكر فيها بعض فضائلها، ليترسخ في القلب حبها وتقديسها رضي الله عنها، ثم ذكرت بعض عقائد الرافضة الطاعنين على الإسلام والسنة والصحابة الكرام، بل وعلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لمعرفة شدة عدائهم لهذا الدين الحنيف، وحبهم لنقيضه من الشرك والكفر، وكذا ذكرت شيئاً عن العلمانيين المنافقين الخبثاء قاتلهم الله، وهم أحد مروجة هذه الشبهات.
    فسائلٌ الله عز وجل أن يجعل هذا في موازين الأعمال يوم لقائه، خالصاً لوجهه الكريم، وأن يحيينا ويميتنا على الإسلام والسنة، آمين.

    وكتب
    م/عماد عبد الحميد أحمد حسين
    القاهرة
    abomalik11956@gmail.com

    ٭٭٭٭٭٭٭٭٭
    ترجمةٌ مختصرةٌ لأم المؤمنين عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما
    اسمها ونسبها رضي الله عنها:
    هي الصِّدِّيقةُ عائشة بنت الصِّدِّيق أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر القرشية التيمية رضي الله عنها، زوجُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، الحَصَانُ الرَّزان المطهرة المُبرأة من فوق سبع سموات في كتاب يتلى إلى يوم القيامة، حبيبةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، العالمةُ الفقيهة الراوية علمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُّنَّته.
    وأمها أمُّ رُومان وكانت من المسلمات المهاجرات، بخلاف اختها أسماء رضي الله عنها؛ فإن أمَّ أسماء كانت كافرة، بخلاف أم عائشة كانت مؤمنة.

    محبة النبي صلى الله عليه وسلم لها:
    وقد تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في مكة قبل الهجرة، وهي بنت ست سنين، ثم دخل بها في المدينة بعد بدر، وهي بنت تسع سنين، ولم يتزوج بِكراً غيرها صلى الله عليه وسلم، وكانت بيضاء جميلة، ولذا قيل لها الحُميراء، وقد بلغ من حب النبي صلى الله عليه وسلم لها أنه كان قد سُئِل صلى الله عليه وسلم عن أحبِّ الناس إليه، فانظر، ماذا قال؟
    روى الترمذي في سننه (3886، وقال:حسن غريب)عن عمرو بن العاص أنه، قال:" يا رسول الله من أحب الناس إليك؟ قال: "عائشة". قال: من الرجال؟ قال: "أبوها"، وقد علق عليه الإمام الذهبي في السير(2/142)، فقال:" وهذا خبر ثابت على رغم أنوف الروافض، وما كان عليه السلام ليحب إلا طيبا".
    وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد رآها في منامه، وقيل هذه زوجتك، ففي صحيح البخاري(3895)، عنها رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم، قال لها: "أُريتك في المنام مرتين، أرى أنك في سَرَقة من حرير، ويقول: هذه امرأتك، فاكشف عنها، فإذا هي أنت، فأقول: إن يك هذا من عند الله يمضه"، ومما يُبَين شدة حب النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها، ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده(25076) أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"إنه ليهون علي أني رأيت بياض كف عائشة في الجنة"(وفي إسناده مصعب بن إسحاق، وثقه ابن حِبان، وقال ابن كثير في البداية والنهاية 8/67: إسناده لا بأس به)، يقول ابن كثير معلقاً:" وهذا دليل على شدة محبته عليه الصلاة والسلام، لعائشة رضي الله عنها. وقد ذكر الناس معاني كثيرة في كثرة المحبة، ولم يبلغ أحدهم هذا المبلغ، وما ذاك إلا لأنهم يبالغون كلاما لا حقيقة له، وهذا كلام حق لا محالة ولا شك فيه"(البداية والنهاية 8/67).
    ومما يدل على شدة محبته صلى الله عليه وسلم لها، ما رواه البخاري في صحيحه(3775) عن عروة بن الزبير، قال:"كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث ما كان، أو حيث ما دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم، قالت: فأعرض عني، فلما عاد إلي ذكرت له ذاك فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له، فقال: "يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها"، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل لها يومين من دون نسائه، وذلك لمحبته صلى الله عليه وسلم لها، وانظر إلى هذا الحديث؛ لتعلم كيف كانت نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم تسكُن في بيت عائشة، ولذا أحبَّ في مرضه أن يُمَرَض عندها، روى البخاري في صحيحه(3774) عن عروة، قال:" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما كان في مرضه، جعل يدور في نسائه، ويقول: "أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟" حرصا على بيت عائشة قالت عائشة: فلما كان يومي سكن".
    وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه، قال:" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:"فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام"(صحيح البخاري:3770، وصحيح مسلم:2446)، والمقصود أن شدة محبة النبي صلى الله عليه وسلم لها هو دليل عظيم فضلها رضي الله عنها، ولا أدلَّ من أنه صلى الله عليه وسلم مات بين سَحْرها ونَحْرها، والمعنى بين صدرها وعنقها، قال ابن عقيل:" انظر كيف اختار لمرضه بيت البنت واختار لموضعه من الصلاة الأب، فما هذه الغفلة المستحوذة على قلوب الرافضة، عن هذا الفضل والمنزلة التي لاتكاد تخفى عن البهيم فضلًا عن الناطق"(الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة للزركشي، ص:54).

    ثباتها في محنة الإفك:
    وقد ابتُليت رضي الله عنها في حادثة الإفك، واتهمها المنافقون في أشرف ما تملكه المرأة، وهو عرضها وعفتها، ورموها بصفوان بن المعطل السُّلمي رضي الله عنه، فثبتت على طاعة الله عز وجل ورضيت بقضائه، وقد أكثر الناس في شأنها، واهتم لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت محنة عظيمة.
    وقد روى الإمام البخاري في صحيحه(4750) قصة الإفك، وفيها قالت رضي الله عنها:"قالت: فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم، ولا يرقأ لي دمع، يظنان أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي فاستأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك، دخل علينا رسول اللهصلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني، قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: "أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه" قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول اللهصلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن: إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث، حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم: إني بريئة، والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني، والله ما أجد لكم مثلا إلا قول أبي يوسف، قال: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) [يوسف:18]، قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يُتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها، قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أُنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجُمَّان من العرق، وهو في يوم شات، من ثقل القول الذي ينزل عليه، قالت: فلما سُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُرِّي عنه وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها: "يا عائشة، أما الله عز وجل فقد برأك"".

    وقد أنزل الله عز وجل براءتها في كتابه في قوله جلَّ وعزَّ:
    (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيم) [النور :11].
    فكانت مِنحَةً بعد مِحنَة، وقد أجمع أهل العلم على أن من رماها بالإفك، فهو كافر مرتد؛ لتكذيبه القرآن الكريم في تبرئتها، وقد أنشد حسان بن ثابت رضي الله عنها أبياتاً يمدح فيها عائشة على ما ذكره ابن إسحاق(سيرة ابن هشام 2/306)، فقال:

    حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ........ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
    عَقِيلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ .......كِرَامِ الْمَسَاعِي مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ
    مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللَّهُ خِيمَهَا ...............وَطَهر ها من كُلِّ سُوءٍ وَبَاطِلِ
    فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي قَدْ زَعَمْتُمْ ... فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيَّ أَنَامِلِي
    وَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَتِي .... لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ زَيْنُ الْمَحَافِلِ
    لَهُ رَتَبٌ عَالٍ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ ...........تَقَاصَرَ عَنْهُ سَوْرَةُ الْمُتَطَاوِلِ
    فَإِنَّ الَّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِطٍ ......... وَلَكِنَّهُ قَوْلُ امْرِئٍ بِي مَاحِلِ(*)

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــ
    (*) قال المحقق لكتاب ابن هشام(2/306):

    الحصان: العفيفة. والرزان: الْمُلَازمَة موضعهَا، الَّتِي لَا تتصرف كثيرا. وَمَا تزن: أَي مَا تتهم. وغرثى: جائعة. والغوافل: جمع غافلة، ويعنى بهَا الغافلة الْقلب عَن الشَّرّ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِنات، جَعلهنَّ غافلات لِأَن الّذي رمين بِهِ من الشَّرّ لم يهممن بِهِ قطّ، وَلَا خطر على قلوبهن، فهن فِي غَفلَة عَنهُ، وَهَذَا أبلغ مَا يكون من الْوَصْف بالعفاف. وَيُرِيد بقوله «وتصبح غرثى من لُحُوم الغوافل» : أَي خميصة الْبَطن من لُحُوم النَّاس، أَي اغتيابهم.
    العقيلة: الْكَرِيمَة. والمساعي: جمع مسعاة، وَهُوَ مَا يسْعَى فِيهِ من طلب الْمجد والمكارم.
    الخيم: الطَّبْع.
    الأنامل: الْأَصَابِع.
    الرتب: مَا ارْتَفع من الأَرْض وَعلا. وَيُرِيد بِهِ هُنَا الشّرف وَالْمجد. وَالسورَة (بِفَتْح السِّين) :الوثبة. (وبضم السِّين) : الْمنزلَة.
    لائط: لاصق. والماحل: الْمَاشِي بالنميمة.
    علمها رضي الله عنها:
    قال عروة بن أختها: لقد صحبت عائشة، فما رأيت أحدا قط كان أعلم بآية أنزلت، ولا بفريضة، ولا بسنة، ولا بشعر، ولا أروى له، ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب، ولا بكذا، ولا بكذا، ولا بقضاء، ولا طب منها، فقلت لها: يا خالة، الطب من أين علمته؟! فقالت: كنت أمرض، فيُنعت لي الشيء، ويمرض المريض، فيُنعت له، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض، فأحفظه(سير أعلام النبلاء 2/183).
    وكانت من أعظم من روى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد بلغ ما اتفق البخاري ومسلم من حديثها مائةً وأربعة وسبعين حديثاً، وبلغ مجموع ما روته في داووين السُّنَّة ألفين ومائتين وعشرة أحاديث على ما يذكره الذهبي رحمه الله(السير 2/139).

    عبادتها وزهدها رضي الله عنها:
    وكانت رضي الله عنها عابدة زاهدة، فقد ذكر أبو نعيم في عن القاسم بن محمد، قال:"كانت عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها تصوم حتى يُذْلِقَها الصوم"، ومعنى يذلقها أي يضعفها، وعن أبي الضحى، قال:حدثني من سمع عائشة تقرأ في الصلاة: (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُوم)[الطور :27]، فتقول:"مِنَّ علي وقِني عذاب السموم"، قال: "وحدثني من، سمع عائشة، رضي الله تعالى عنها تقرأ: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) فتبكي حتى تبل خمارها" (حلية الأولياء 2/47-49).
    وقد ذكر هنَّاد بن السَّري في كتاب الزهد(1/337)عن أم ذَرَّة , وكانت تغشى عائشة قالت: بعث إليها ابن الزبير بمال في غرارتين، قالت: أراه ثمانين ومائة ألف، فدعت بطبق وهي يومئذ صائمة, فجعلت تقسمه بين الناس, فأمست وما عندها من ذلك درهم, فلما أمست قالت:"يا جارية هلمي فطري, فجاءتها بخبز وزيت, فقالت لها أم ذرة: أما استطعت مما قسمت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحما نفطر عليه؟ قالت: "لا تعنفيني لو كنت ذكرتيني لفعلت".

    وفاتها رضي الله عنها:
    وقد توفيت رضي الله عنها في سنة سبع وخمسين أو ثمان وخمسين عليها رحمة الله تعالى.

    ٭٭٭٭٭٭٭٭
    فصل
    في التعريف بالشيعة الرافضة عليهم لعائن الله
    معنى كلمة التشيع:
    قال الأزهري:"والشيعة أنصار الرجل وأتباعه وكل قوم اجتمعوا على أمرهم شيعة... والشيعة التي يتبع بعضهم بعضاً، والشيع الفرق الذي يتبع بعضهم بعضاً وليس كلهم متفقين"(تهذيب اللغة 3/40-41)، ومنه قول الله تعالى:(فَاسْتَغَ اثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ )[القصص :15]، يعنى من أنصاره واتباعه، ومنه قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ) [الصافات :83]، يعني من أنصاره واتباعه على طريقته، وقال عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء) [الأنعام :159]، يعني فرقاً وأحزاباَ.
    والشيعة الأوائل: هم قوم كانوا يقدمون علياَ رضي الله عنه على عثمان رضي الله عنه ، وهذا كان موجوداً بين السلف رضي الله عنهم، ولم يكن شيئاً يمس أصل المعتقد، وكانوا من أهل السنة والجماعة، ومنهم فضلاء كثيرون، ولكن شَابَ هذا الأمر تطور أدى إلى دخول معتقدات باطلة منها الغلو في شأن علي رضي الله عنه ، وتقديمه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وهكذا تطور الأمر إلى القول بتكفير الشيخين، والطعن في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    يقول الدكتور ناصر القفاري:"ولكن لم يظل التشيع بهذا النقاء والصفاء، والسلامة والسمو.. بل إن مبدأ التشيع تغير، فأصبحت الشيعة شيعاً، وصار التشيع قناعاً يتستر به كل من أراد الكيد للإسلام والمسلمين من الأعداء الموتورين الحاسدين.. ولهذا نرى بعض الأئمة لا يسمون الطاعنين بالشيخين بالشيعة، بل يسمونهم الرافضة، لأنهم لا يستحقون وصف التشيع"(أصول مذهب الشيعة الاثنى عشرية 1/55).

    فالحديث إذن ليس عن الشيعة الأوائل، بل عن الروافض الإمامية الاثنى عشرية أصحاب المعتقدات الهادمة للإسلام جملة وتفصيلاً، والذين رفضوا إمامة الشيخين الجليلين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقالوا بأن الإمامة بالنص على علي رضي الله عنه وآله، وجعلوا الأئمة اثني عشر إماماً.

    نشأة الشيعة:
    أول من أظهر التشيع لعلي رضي الله عنه ، وقال بأنه وصي رسول اللهصلى الله عليه وسلم ، هو الملعون ابن السوداء عبد الله بن سبأ، وقال بأن إمامة علي أولى من إمامة الشيخين، وأنهما استلباه الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قاوم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه هذا القول الباطل، وأحرق جماعة من السبئية الذين وصل الأمر بهم أن يدعوا ألوهية علي رضي الله عنه ، وهم في الغالب الزنادقة الذين أحرقهم علي ومعهم كتبهم كما ورد الخبر في صحيح البخاري(6922).
    ولقد ساعدت الأحداث التي وقعت منذ فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه على تطور معتقدات الشيعة لتصير إلى هذا المستنقع الآسن الذي تراه في قُمّ عاصمة الرفض والكفر، فصار خليطا من معتقدات الوثنيين والفلاسفة واليهود والنصارى وغيرها، نسأل الله العافية.

    بعض أصولهم ومعتقداتهم:
    1- في القرآن الكريم:
    يقول شيخ الشيعة ومن يسمونه بـ"ثقة الإسلام" (الكُليني) يروي في كتابه: أصول الكافي والذي هو عندهم كصحيح البخاري عند أهل السنة. يروي ما نصه: " ... أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم: وأن علياً كان قيم القرآن وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجة على الناس بعد رسول الله"(أصول الكافي 1/188، وانظر أصول مذهب الشيعة للقفاري 1/127).
    ومعنى هذا أن القرآن لا حجة له إلا من وراء علي رضي الله عنه ، وهذا القول يعلم بطلانه كل من عرف دين الإسلام، أضف إلى ذلك قولهم بأن القرآن ناقص، وأن الصحابة رضي الله عنهم قد أخفوا أكثره مما فيه النص على إمامة علي وآله، ويطلقون على هذا القرآن الكامل-زعموا- مصحف فاطمة عليها السلام.

    2- في السنة النبوية:
    يعتبر الروافض أن السنة النبوية هي ما نقله الأئمة المعصومون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أنه ما من أحد منهم عاصر النبي صلى الله عليه وسلم إلا عليٌ رضي الله عنه مميزاً، ومن ثَمَّ فهل يقدر على نقل كل سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهل كان ملازماً له في كل الأوقات؟
    قطعاَ، الإجابة بالنفي، ومن ثَمَّ فقد أهدروا الكثير من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفسحوا المجال لأهوائهم وحيل شياطينهم.

    3- الصحابة الكرام رضي الله عنهم:
    قال الشيعة بتكفير أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهم بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان وتركوا علياً وهو أولى وأحق، وخالفوا بذلك وصية رسول اللهصلى الله عليه وسلم، وينقل الدكتور القفاري من كتبهم، فيقول:"جاء في تفسير القُمي والصافي: "عن الصادق: لما أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خُمٍّ كان بحذائه سبعة نفر من المنافقين وهم: أبو بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة، وسالم مولى أبي حذيفة، والمغيرة بن شعبة. قال عمر: أما ترون عينه كأنما عين مجنون يعني النبي، الساعة يقوم ويقول: قال لي ربي. فلما قام قال: أيها الناس من أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: الله ورسوله. قال: اللهم فاشهد، ثم قال: ألا من كنت مولاه فعلي مولاه، وسلموا عليه بإمرة أمير المؤمنين فنزل جبرائيل وأعلم رسول الله"(تفسير الصافي 2/359، وانظر أصول مذهب الشيعة للقفاري 2/727).

    4- اعتقادهم في التوحيد:
    تدور الآيات المتعلقة بوجوب توحيد العبادة لله عز وجل عندهم على ربطها بلزوم إمامة علي رضي الله عنه ، فقد جاء في تفسير القمي:"عن أبي جعفر في قوله عز وجل:( ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ)بأن لعلي ولاية (وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ) من ليست له ولاية (تُؤْمِنُوا فالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ)[غافر :12]"(تفسير القمي 2/256، وانظر أصول الشيعة للقفاري 2/430)، فانظر إلى هذا التفسير الباطني الخبيث.
    ويجعلون الأئمة وسائط بين الله وخلقه، وهذا مبثوث في كتبهم، يقول المجلسي:" "فإنهم حجب الرب، والوسائط بينه وبين الخلق"(بحار الأنوار 23/97، وانظر أصول مذهب الشيعة للقفاري 2/441)، وهكذا يجعلون التوحيد شركاً ينافس شرك أهل الجاهلية، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    5- عقائد أخرى:
    فيجعلون القول بولاية علي رضي الله عنه وإمامة الأئمة من أركان الإيمان، وكذا يعتقدون القول برجعة علي رضي الله عنه في آخر الزمان، وعقيدة الطينة أن الله تعالى خلقهم من طينة طيبة زكية، وخلق أعدائهم من طينة خبيثة، وأن سيئات الشيعي تضاف إلى سيئات أعدائه وحسنات أعدائه تضاف إلى سيئاتهم، فيدخل هو الجنة حتماً بحبه لآل البيت، ويدخل أعدائه النار ببغضهم آل البيت عليهم السلام، وعقيدة البُداء التي ينصون فيها على أن الله عز وجل بدت له أمور كانت خافية عنه تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، يقول ابن بابويه عن جعفر الصادق كاذباً عليه:"ما بدا لله بداء كما بدا له في إسماعيل ابني.. إذ اخترمه قبلي ليعلم بذلك أنّه ليس بإمام بعدي"(التوحيد لابن بابويه:336، وانظر أصول مذهب الشيعة للقفاري2/941)، وذلك أنهم نسبوا روايات لجعفر الصادق رحمه الله في أن الإمامة من بعده لولده إسماعيل، فحدث أن مات إسماعيل في حياة أبيه، فاخترعوا هذه العقيدة حيلة لدفع توهم كذبهم في نسبة أمور يفترون بها على الله عز وجل.
    هذا بالإضافة إلى عقائد أخرى كثيرة يلزم من اعتقادها الخروج من دائرة الإسلام بالكلية، وليس هذا مقام تفصيل، ومن أراد المزيد فعليه بكتاب أصول مذهب الشيعة الإثني عشرية عرض ونقد للدكتور ناصر بن عبد الله القفاري.

    ٭٭٭٭٭٭٭٭
    فصل
    في سر عداوتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
    اعلم أن الصحابة رضي الله عنهم هم نقلة هذا الدين، قرآناً وسنةً، أصولاً وفروعاً، فيلزم من الطعن عليهم، والقول بتكفيرهم، الطعن في نقولات الإسلام برُمَّتِها، فإنَّ هؤلاء الفجرة لما رأوا أنه لا حيلة في الطعن على شخص النبي صلى الله عليه وسلم أمام أمته، أرادوا أن يطعنوا في أصحابه بحجة الخلاف المزعوم بينهم وبين أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، واعتمدوا على الفتن التي حدثت منذ مقتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ؛ ليقسموا الأمة إلى أحزاب متناحرة، فصار الطعن على الصحابة الكرام مع الغلو في حب آل البيت عليهم السلام، فيه هدر لما نقله الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال السيوطي رحمه الله:" أخرج الدينوري في المجالسة عن عبد الرحمن بن عبد الله الخرقي قال: "كان بدء الرافضة أن قوما من الزنادقة اجتمعوا فقالوا: نشتم نبيهم، فقال كبيرهم: إذا نقتل، فقالوا: نشتم أحباءه، فإنه يقال إذا أردت أن تؤذي جارك فاضرب كلبه، ثم نعتزل فنكفرهم. فقالوا: الصحابة كلهم في النار إلا علي، ثم قال: كان علي هو النبي فأخطأ جبريل"(مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي، ص:74).
    ويقول أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي رحمه الله:" إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح أولى بهم، وهم زنادقة"(مختصر تاريخ دمشق لابن منظور15/338).

    وهذه قاعدة يذكرها أهل العلم، وهي أن الطعن في الناقل طعن في منقول؛ لأن من شروط قبول الروايات عدالة الرواة، فإذا كان الرواة كفاراً أو فساقا، فكيف يقبل المرء الذي يريد السلامة في دينه روايات من كانت حالهم على وفق ما يذكره الرافضة؟!
    وكيف يقبل كلام نبي أو رسول كان أكثر أصحابه منافقين؟!
    وكيف يقبل دين الله، وقد ارتضى لرسوله أمثال هؤلاء الكفار الفساق صحابةً له على حد زعم الروافض لعنهم الله؟!
    وكيف يصدق معتقد ذلك كتاب الله تعالى الذي أكثر من مدح الصحابة رضي الله عنهم، وأشاع عدالتهم، وأثنى عليهم في غير ما موضع منه:

    يقول الله تعالى:
    (وَالسَّابِقُون الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[التوبة :100].

    ويقول تعالى:
    (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)[الفتح :18]

    في آيات كثيرة يضيق المقام عن حصرها.
    فأنت ترى أن اعتقاد الرافضة في الصحابة رضي الله عنهم يفضي إلى هدم الشرع برمته، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
    ومن أخص من نالوا قسطاً وافراً من الطعن، الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وذلك لأسباب، منها:
    1- التعريض بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم يطعنون في زوجته الحَصَان الرَّزَان، وأي شيء ينال الرجل أكبر من التعرض لشرفه وعرضه بسوء؟، فلعنة الله على الرافضة وأشياعهم.
    2- التوصل إلى الشك في كتاب الله عز وجل الذي أكد على براءة عائشة وعلو قدرها.
    3- التوصل إلى الطعن في كتب السنة النبوية التي روت كثيراً من الأخبار عن أم المؤمنين رضي الله عنها، فإن لها في دواوين السنة ما يزيد على ألفي حديث.
    4- التوصل إلى إبطال كثير من الأحكام الشرعية التي بُنِيت على ما روته أم المؤمنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى اجتهادتها رضي الله عنها.

    ٭٭٭٭٭٭٭٭
    فصل
    في ذكر مقصود العلمانيين من التعرض لبعض هذه الشبهات
    اعلم أن من العلمانيين قوم أرادوا تنحية الشريعة المطهرة عن هذه الدنيا، وحصرها داخل الزوايا والمساجد، بحيث لا يجدون أمامهم شيئاً يعرقل سيرهم الحثيث في اتباع الشهوات والتمتع بالمحرمات، وإن كان المدقق في كلامهم وكتابتهم يعلم أنهم ما يريدون للشريعة بقاءً حتى في المساجد، فهم أعداء الشريعة أينما كانوا وحلّوا، وللتوصل إلى مقصودهم؛ عملوا على إضعاف هيبة السنة النبوية في قلوب المسلمين، فأَجْلَبوا على كتب السنة بخيلهم ورجلهم وقنواتهم وجرائدهم، حتى تبعهم في ذلك قوم ممن لا علم عندهم، بل ولا عقل، فتشبعوا بشبهاتهم، وصاروا أبواقاً تنعق بمثل هذا الضلال ليل نهار.
    فيتلقفون كلام الرافضة ليشيعونه بين المسلمين، زاعمين أن كتب السنة تتنقص من أقدار الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم، فيجعلون الغافل الساذج بين سبيلين لا ثالث لهما، إما أن يصدق بزعمهم ذلك الطعن، وإما أن يُكذب هذه الكتب التي نقلت هذه الروايات، والسبيلان ليس لهما إلا مخرج واحد، وهو هدم الشريعة برمتهما كما أسلفنا.
    وسَيَبِين هذا من خلال عرضنا للشبهة المفتراة التي يروجون لها، والرد عليه بإذن الله عز وجل.
    ٭٭٭٭٭٭٭٭٭
    عرض الشبهة
    زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أشار إلى بيت عائشة رضي الله عنها، وقال من هنا يطلع قرن الشيطان، يريد بذلك ذم عائشة رضي الله عنها، وأنها من أهل الشر والفساد، وهم يشيرون إلى الرواية الصحيحة التي أخرجها البخاري في صحيحه باب ما جاء في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وما نسب من البيوت إليهن (3104)، قال البخاري رحمه الله: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا جويرية، عن نافع، عن عبد الله رضي الله عنه، قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا، فأشار نحو مسكن عائشة، فقال:"هنا الفتنة - ثلاثاً - من حيث يطلع قرن الشيطان".
    فيلتبس الأمر عند من لا علم له، فلا يجد غير سبيلين، إما أن يصدق الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وإما أن يصدق كذب ما نقله البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، وبطريق الأولى تكذيب ما دونه في الرتبة من كتب السنة المباركة.
    الرد على هذه الشبهة المفتراة
    أقول بتوفيق الله تعالى:
    أولاً: جمع الروايات في الواقعة:
    قد تقرر عند أهل العلم أنه لابد من جمع النصوص الواردة في الواقعة الواحدة، وذلك حتى يتسنى فهم النص جيداً، ولا يُساء فهمه، ومن ثَمَّ فإنا نورد هذه النصوص أو أكثرها حتى يتسنى فهمها:

    1- روى البخاري في صحيحه أيضاً في باب ما قيل في الزلازل(1037)، قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا حسين بن الحسن، قال: حدثنا ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم بارك لنا في شامنا، وفي يمننا" قال: قالوا: وفي نجدنا؟ قال: قال: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا" قال: قالوا: وفي نجدنا؟ قال: قال: "هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان". وفي رواية الطبراني في المعجم الكبير(13422):وفي عراقنا بدلاً من نجدنا.

    2- ورواه أيضاً في باب صفة إبليس و جنوده(3279)، قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى المشرق فقال: "ها إن الفتنة ها هنا، إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان".

    3- ورواه أيضاً في باب-هكذا دون ذكر اسمه-(3511)، قال: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: حدثني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: وهو على المنبر: "ألا إن الفتنة ها هنا يشير إلى المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان".

    4- ورواه أيضاً في باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن(4389)، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني أخي، عن سليمان، عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"الإيمان يمان، والفتنة ها هنا، ها هنا يطلع قرن الشيطان".

    5- ورواه أيضاً في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الفتنة من قبل المشرق"(7092 )، قال: حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قام إلى جنب المنبر فقال:"الفتنة ها هنا الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان، - أو قال: قرن الشمس - ".

    6- ورواه أيضاً في نفس الباب(7093)، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن نافع، عن ابن عمر، رضي الله عنهما: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مستقبل المشرق يقول:"ألا إن الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان".

    7- ونفس الباب أيضاً حديث (7094)، وقد سبق في رقم (1).

    8- ورواه مسلم في صحيحه باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان(2905)، قال: وحدثني عبيد الله بن عمر القواريري، ومحمد بن المثنى، ح وحدثنا عبيد الله بن سعيد، كلهم عن يحيى القطان، قال القواريري: حدثني يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، حدثني نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قام عند باب حفصة، فقال: بيده نحو المشرق "الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان"، قالها مرتين أو ثلاثا، وقال عبيد الله بن سعيد في روايته: قام رسول الله صلى الله عليه وسلمعند باب عائشة.

    9- ورواه مسلم أيضاً في نفس الباب(2905)، قال:حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن عكرمة بن عمار، عن سالم، عن ابن عمر، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيت عائشة، فقال: "رأس الكفر من هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان"يعني المشرق.

    وكذا أخرجه عن عكرمة منفرداً بهذا اللفظ أحمد في المسند(4751)، وابن أبي شيبة في مصنفه(33107)، وأبو بكر المقرئ في معجمه(728)، وأبو طاهر المُخَلِّص في المخلصيات(2611)، وفيهما رواية سنوردها في وقتها إن شاء الله تعالى.

    10- ورواه الترمذي أيضا في سننه(2268)، قال: حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلمعلى المنبر فقال: "هاهنا أرض الفتن"، وأشار إلى المشرق، يعني "حيث يطلع قرن الشيطان"، أو قال: "قرن الشمس"، قال الترمذي:هذا حديث حسن صحيح.

    11- ورواه أحمد في المسند(5642)، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا سعيد، حدثنا عبد الرحمن بن عطاء، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا" مرتين، فقال رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من هنالك يطلع قرن الشيطان وبها تسعة أعشار الشر".

    12- وأخرجه أحمد(6302)، قال: حدثنا ابن نمير، حدثنا حنظلة، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بيده يؤم العراق:" ها، إن الفتنة هاهنا، ها، إن الفتنة هاهنا"، ثلاث مرات، "من حيث يطلع قرن الشيطان".

    13- وأخرجه أحمد أيضاً، قال: حدثنا أبو معاوية، ويعلى، قالا: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أتاكم أهل اليمن، هم ألين قلوبا، وأرق أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية " قال أبو معاوية، يعني في حديثه: " رأس الكفر قبل المشرق".

    فهذه جملة من روايات الحديث، وقد جاءت روايات أخرى أعرضت عنها لتشابه كثير منها، ولأن ما أوردته يكفي في مقام الرد على الشبهة، ويتبين من مجموع الروايات أن خروج قرن الشيطان يكون من المشرق، وفي الروايات الأخرى من نجد، وفي رواية من العراق، وفي الرواية التي ذكروها - ليعتمدوا عليها في نقض كتب السنة، أو الطعن في أم المؤمنين رضي الله عنها – نحو بيت عائشة رضي الله عنها، وكل هذه الروايات تتفق جميعاً ولا تتعارض بفضل الله عز وجل.

    ثانياً: وجه الجمع بين هذه الروايات، وبيان أن المراد بها أهل المشرق، وهي العراق:

    1- بينت أكثر الروايات أن خروج قرن الشيطان الذي فيه دلالة على الشر العظيم، وأصل مادة الفتن والباطل، إنما يكون من قِبَل المشرق، كما ذكرت الروايات المتقدمة.

    قال أبو الوليد الباجي:"وقوله صلى الله عليه وسلم"من حيث يطلع قرن الشيطان"يحتمل - والله أعلم - أنه يريد حزبه وأهل وقته وزمنه والقرن من الناس أهل زمان ويحتمل أن يريد به قوته وسلاحه وعونه على الفتنة، والله أعلم وأحكم"(المنتقى شرح الموطأ 7/299).

    المراد بالعراق:

    وليُعلم أن المراد بالعراق ليس فقط الدولة المعروفة الآن، بل أوسع من ذلك، قال ياقوت الحموي:" إنما سمي العراق عراقا لأنه دنا من البحر وفيه سباخ وشجر... وقال الخليل: العراق شاطئ البحر، وسمي العراق عراقا لأنه على شاطئ دجلة والفرات مدّا حتى يتصل بالبحر على طوله... قال أبو عمرو سميت العراق عراقا لقربها من البحر، قال: وأهل الحجاز يسمون ما كان قريبا من البحر عراقا... وقال حمزة: الساحل بالفارسية اسمه إيراه الملك... فعرّبت العرب لفظ إيراه بالحاق القاف فقالوا إيراق... وقال حمزة في الموازنة: وواسطة مملكة الفرس العراق، والعراق تعريب إيراف، بالفاء، ومعناه مغيض الماء وحدور المياه، وذلك أن دجلة والفرات وتامرّا تنصبّ من نواحي أرمينية وبند من بنود الروم إلى أرض العراق... وقال ابن عياش: البحرين من أرض العراق، وقال المدائني: عمل العراق من هِيت إلى الصين والسند والهند والريّ وخراسان وسجستان وطبرستان إلى الديلم والجبال..."(معجم البلدان 4/93-94)، فظاهر أن المراد بالعراق في الأحاديث: العراق وإيران، وأفغانستان، وباكستان، وغيرها من بلاد هذه المنطقة، والله أعلم.

    أهل المشرق والفتن:

    قال الحافظ ابن حجر:"قال المُهلب: إنما ترك صلى الله عليه وسلم الدعاء لأهل المشرق؛ ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم لاستيلاء الشيطان بالفتن.." (فتح الباري شرح صحيح البخاري 13/46).

    وقال أيضاً بعد أن ذكر كلاما لأبي سليمان الخطابي: " وقال غيره كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الفتنة تكون من تلك الناحية فكان كما أخبر، وأول الفتن كان من قبل المشرق فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة.." (الفتح 13/47).

    ومن المعلوم أن البدع إنما نشأت من قِبَل المشرق والعراق كبدع الرافضة والجهمية والخوارج والمعتزلة والصوفية الحلولية، وأكثر الفتن والحروب إنما وقعت بالمشرق، ومن درس التاريخ، علم صدق هذا؛ فإن مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب العدوي رضي الله عنه كان على يد أبي لؤلؤة المجوسي لعنه الله، وكان مقتل عمر رضي الله عنه بداية انسياح الفتن والشر على يد المجوس الفرس في المشرق والعراق، وكان مبتدأ فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه من قبل البصرة والكوفة بالعراق، ثم الأحداث التي تلته كوقعة الجمل وصفين، وانشقاق جيش علي رضي الله عنه ، وخروج الخوارج عليه، وقتالهم في النهروان، وفتنة مقتل الحسين بن علي رضي الله عنه ، وفتنة المختار الذي ادعى النبوة، وكذا قتال ابن الأشعث وجملة من التابعين للحجاج الذي سفك الدماء في المشرق، واستمرار خروج الخوارج أيام الأمويين، وكثرة ثوارتهم أيام العباسيين، وخروج القرامطة وانتهابهم الحجر الأسود، وفي المشرق أيضاً كان غلو الشيعة الروافض في علي رضي الله عنه ، ثُمَّ تفرعُ هذه البدع إلى بدع أخرى بعضها أظلم من بعض، وقد ذُكِر أن منشأ هذا كان أن الأعراب الأجلاف الذين ليس لهم سابقة في الفتوحات هاجروا من بلادهم إلى العراق؛ ليجاوروا الصحابة والتابعين، ويقتسموا معهم غنائم الفتوحات، ثم تطلعوا بعدُ إلى الرئاسة والصدارة، فحصل الحقد والبغضاء، مع اشتعال نار الحقد في قلوب المجوس الذين قهرهم المسلمون، فصار هذان مزيجاً واحداً وأصلاً لمادة الشر والفتن والفساد.

    وكان في المشرق خروج التتار للقضاء على العباسيين، بل وعلى سائر أمة الإسلام، وكذلك أكثر مدعي النبوة كانوا في جهة المشرق، وكذا ظهور الدولة الصفوية الرافضية، وظهور الدولة الإيرانية الخمينية الرافضية، وقد عُلِم ما أحدثوه من شرور وفساد، ولم يكن لهم أي يد في نفع الإسلام والمسلمين، وسل التاريخ: هل من بلد فتحوه فأدخلوا فيه دين الله تعالى؟ أم كانوا معقل الشر والفساد،ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

    ثم يكون انحسار الفرات عن جبل من الذهب، واقتتال الناس عنده مقتلة عظيمة، وخروج الدجال من قبل المشرق، وكذا أمر يأجوج ومأجوج، فمن الواضح أن أكثر الفتن إنما تكون من جهة المشرق لاستيلاء الشر على كثير من أهلها، والله أعلم.


    2- وأما ذكر نجد فلا يقصد بها أقليم نجد تحديدا؛ لإن نجد كل شيء ما ارتفع منه. قال ابن حجر في الفتح(13/47): "وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة، وأصل النجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور فإنه ما انخفض منها وتهامة كلها من الغور ومكة من تهامة انتهى، وعرف بهذا وهاء ما قاله الداودي أن نجدا من ناحية العراق فإنه توهم أن نجدا موضع مخصوص، وليس كذلك بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجدا والمنخفض غورا.".

    وبهذا يتبين أن المراد بالنجد في الأحاديث هو المشرق الذي هو أرض العراق التي تكلمنا عنها، والله أعلم.

    3- وأما ذكر بيت عائشة رضي الله عنها، فإن بيتها ومسكنها رضي الله عنها هو الذي بين جدرانه قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو موجود في جهة الشرق، كما يعرفه كل من زار مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية(5/272)، وذكر أنه متواتر.

    وبهذا تتفق الروايات أن الجهة المشار إليه هي جهة الشرق لا مسكن عائشة بخصوصه.

    ثالثاَ: قول الراوي:"نحو بيت عائشة":

    لا يفهم منه ذم عائشة رضي الله عنها؛ لأن الإشارة إلى البيت أو المسكن، وليست إلى عائشة بذاتها رضي الله عنها، ومن تأمل التعبير بـ "نحو"؛ عَلِم أنه يستعمل في ذكر الجهة لا أنه يقصد بيت عائشة، بخلاف حرف الجر "إلى"؛ فإنه يفيد انتهاء الغاية، فقول الراوي"نحو بيت عائشة":أي في جهة بيتها ومسكنها، وهذه الجهة في المشرق، كما هو معلوم.

    كما أنه لا يجوز أن يقر النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه السُكنى مع امرأة مذمومة، هي سبب الكفر ورأسه، كما يقول هؤلاء المارقة، وكيف ذلك، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقطع بعض أوقاته في هذا البيت الشريف، ويصلي فيه، ويخرج منه إلى المسجد، بل قبضه الله عز وجل فيه، ودُفن في هذا البيت، فهل يقول مسلمٌ قط على وجه الأرض أن النبي صلى الله عليه وسلم دُفن حيث يطلع قرن الشيطان، نعوذ بالله من خبث النية وسوء الطوية.

    رابعاً: رواية عكرمة بن عمار عند مسلم:

    وعكرمة هو ابن عمار أبو عمار العجلي، يُعدُّ من صغار التابعين؛ لأنه لقي الهرماس بن زياد الصحابي، قال فيه أبو حاتم:"صدوق، ربما وهم في أحاديثه، وربما دلس"، وقال الذهبي:"استشهد به البخاري، ولم يحتج به، واحتج به مسلم يسيراً، وأكثر له من الشواهد"، ولذلك فمثل عكرمة إذا تفرد برواية تطرق إليها الضعف، وهذا معلوم عند أصحاب الصناعة الحديثية(انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء 7/134-139).

    وقد حاول بعضهم أن يربط بين مسكن عائشة رضي الله عنها، وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم :"رأس الكفر"، في الرواية التي ذكرتها آنفاً، وهي التي رواها مسلم في صحيحه(2905)، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن عكرمة بن عمار، عن سالم، عن ابن عمر، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيت عائشة، فقال:"رأس الكفر من هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان"يعني المشرق.

    فهذه الرواية مستند لنا، ولا شيء فيها يشين عائشة رضي الله عنها؛ لإنه لم يرد فيها ما يحاولون إشاعته بين الناس أن رأس الكفر يقصد به عائشة، ومع هذا فالرواية لا تصح؛ لإنها من طريق عكرمة بن عمار، وهو غير مقبول الرواية إذا تفرد، لذا يروي له مسلم مقروناً بغيره، وقد ذكر مسلم رحمه الله روايات أخرى قبله وبعده، ومن علم طريقة تصنيف مسلم لكتابه يفهم هذا جيدا، وأما الجهلة فليتقوا الله عز وجل.

    ومما يؤيد أن المراد برأس الكفر المشرق، ما رواه ابن المقرئ في معجمه(726) عن عكرمة بن عمار نفسه، قال:"جاء رجل يقال له جابر الجعفي إلى سالم بن عبد الله، فقال: إن رجلا مسح وجهه وهو محرم، فوقعت من لحيته شعرة، فقال له سالم: أعراقي أنت؟ اخرج عني، قال له: إنما أسألك عافاك الله، وجعل يتبعه ولا يفارقه، فقال له سالم: نشدتك بالله، هل خرجت مع ابن المهلب؟ قال: لا. قال له سالم: إن أبي عبد الله بن عمر حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم من حجر عائشة، فقال لهم: "رأس الكفر من هاهنا، من قبل المشرق، من حيث يطلع قرن الشيطان، وأشار بيده إلى المشرق" قال: قد سمعت هذا عافاك الله، كيف كانت صلاة ابن عمر؟ قال: كان ابن عمر يصلي قبلها أربعا وبعدها أربعا، وقال: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت أن يفضحك الله، فأوتر بركعة".

    فانظر رحمك الله كيف أن ذكر حجر عائشة رضي الله عنها، إنما هو ذكر للمكان الذي خرج منه صلى الله عليه وسلم، ولا علاقة له بعائشة من قريب أو بعيد.، والله أعلم.

    ٭٭٭٭٭٭٭٭٭

    خاتمة

    بهذا يتضح أن الإمام البخاري لم يفترِ على أم المؤمنين رضي الله عنها، كما يزعم أمثال هؤلاء المنافقين الذين سرعان ما يكبتهم الله عز وجل تحت قذائف الحق والعلم، ويكفيهم في هذا ما أورده البخاري في مناقب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

    (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِين َ عَذَابٌ مُهِينٌ)[المجادلة :5]

    وظهر أن هذه الشبهة شبهة داحضة لا وزن لها، يظهر عوارها بعد اتباع قواعد أهل العلم في البحث والتنقيب، وتوجيه الروايات وجمعها.

    أسأل الله عز وجل أن يتقبل منا هذا العمل ابتغاء وجهه الكريم، وأن يحشرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام رضي الله عنهم.

    وكتب

    م/عماد عبد الحميدأحمد

    (أبو مالك السيوطي)

    القاهرة

    21 ربيع الأول 1439 هـ

    9/12/2017م.

    المراجع

    القرآن الكريم

    كتب متون الأحاديث:

    1- الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه = صحيح البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري(ت:256هـ)، محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة(مصورة عن السلطانية، مع ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة الأولى 1422هـ.

    2- الجامع الكبير = سنن الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك، الترمذي(ت:279هـ)، د.بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي 1998م.

    3- الزهد، أبو السَّرِي هَنَّاد بن السَّرِي بن مصعب بن أبي بكر بن شبر بن صعفوق بن عمرو بن زرارة بن عدس بن زيد التميمي الدارمي الكوفي (ت: 243هـ)، ت:عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي – الكويت، الطبعة: الأولى، 1406.

    4- المُخَلِّصيات وأجزاء أخرى لأبي طاهر المخلص، محمد بن عبد الرحمن بن العباس بن عبد الرحمن بن زكريا البغدادي المخَلِّص (ت: 393هـ)، نبيل سعد الدين جرار، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لدولة قطر، الطبعة: الأولى، 1429 هـ - 2008 م.

    5- مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (ت:241هـ)، شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف د.عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1421هـ،2001م.

    6- المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم=صحيح مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت:261هـ)، محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي-بيروت.

    7- المصنف، أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (ت:211ه)، حبيب الرحمن الأعظمي، المجلس العلمي- الهند، المكتب الإسلامي – بيروت، الطبعة الثانية، 1403ه.

    8- المعجم الكبير، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي الطبراني (ت:360هـ)، حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية – القاهرة، الطبعة الثانية.

    9- المعجم لابن المقرئ، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم بن زاذان الأصبهاني الخازن، المشهور بابن المقرئ (ت: 381هـ)، أبو عبد الحمن عادل بن سعد، مكتبة الرشد، الرياض، شركة الرياض للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، 1419 هـ - 1998 م.

    كتب التخريج والرجال والتواريخ:

    1- البداية والنهاية، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (ت: 774هـ)، ت: عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة: الأولى، 1418 هـ - 1997 م، سنة النشر: 1424هـ / 2003م.

    2- الثقات، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (ت: 354هـ)، طبع بإعانة: وزارة المعارف للحكومة العالية الهندية، تحت مراقبة: الدكتور محمد عبد المعيد خان مدير دائرة المعارف العثمانية، الناشر: دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند، الطبعة: الأولى، 1393 ه* = 1973.

    3- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (ت: 430هـ)، السعادة - بجوار محافظة مصر، 1394هـ - 1974م.

    4- سير أعلام النبلاء، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي (ت:748هـ)، مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة ، 1405 هـ - 1985 م.

    5- السيرة النبوية لابن هشام، عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (ت: 213هـ)، ت:مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، شركة مكتبة مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة: الثانية، 1375هـ - 1955 م.

    6- مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الانصاري الرويفعى الإفريقى (ت: 711هـ)، روحية النحاس، رياض عبد الحميد مراد، محمد مطيع، دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر، دمشق – سوريا، الطبعة: الأولى، 1402 هـ - 1984م.

    7- معجم البلدان، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي (ت: 626هـ)، دار صادر، بيروت، الطبعة: الثانية، 1995 م.

    كتب الشروح واللغة:

    1- تهذيب اللغة، محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (ت: 370هـ)، محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الأولى، 2001م.

    2- فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي(ت:852هـ)، دار المعرفة - بيروت، ه_1379، محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، عليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز.

    3- المنتقى شرح الموطأ، أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي القرطبي الباجي الأندلسي (ت: 474هـ)، مطبعة السعادة - بجوار محافظة مصر، الطبعة: الأولى، 1332 هـ.

    كتب العقائد والفرق والردود:

    1- الإجابة لما استدركت عائشة على الصحابة، أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي الشافعي (ت: 794هـ)، د. رفعت فوزي عبد المطلب، أستاذ الشريعة بجامعة القاهرة، مكتبة الخانجي – القاهرة، الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2001 م.

    2- أصول وتاريخ الفرق الإسلامية، فضيلة الشيخ مصطفى بن محمد بن مصطفى، دار الكوثر، الطبعة الثانية، 2011م.

    3- أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية - عرض ونقد -، ناصر بن عبد الله بن علي القفاري، الطبعة: الأولى، 1414 هـ.

    4- الفصل في الملل والأهواء والنحل، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (ت:456هـ)، مكتبة الخانجي – القاهرة.

    5- مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت:911هـ)، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الثالثة، 1409هـ-1989م.

    ٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭

    الفهرس

    المقدمة................ .............................. .............................. .............................. ..3

    ترجمة مختصرة لأم المؤمنين رضي الله عنها...................... .............................. .....7

    فصل في التعريف بالشيعة الرافضة................ .............................. ..................14

    سر عدواتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم...................... .............................. .........19

    ذكر مقصود العلمانيين من التعرض لبعض هذه الشبهات................ ...............22

    عرض الشبهة.................. .............................. .............................. ....................23

    الرد على هذه الشبهة المفتراة.............. .............................. .............................. .24

    خاتمة.................... .............................. .............................. .............................. 33

    المراجع................ .............................. .............................. .............................. .34

    الفهرس.................. .............................. .............................. ............................38

    تمت بحمد الله

    ٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,733

    افتراضي رد: رد شبهة طلوع قرن الشيطان من بيت عائشة رضي الله عنها

    جزاكم الله خيرًا يا شيخ عماد
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •