الدعوة والرسالة المحمدية
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الدعوة والرسالة المحمدية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,857

    افتراضي الدعوة والرسالة المحمدية

    الدعوة والرسالة المحمدية


    إيهاب كمال أحمد



    قد يتساءل البعض: لماذا أرسل الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم؟
    وإلى أيِّ شيء كان يدعو نبيُّ الرحمة محمد - صلى الله عليه وسلم؟ وما هي رسالته؟
    وما موقف نبي الرحمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ممَّن سبقه من الأنبياء والرسل؟
    وللإجابة على هذه الأسئلة نقول:
    إن نبي الرحمة محمدًا - صلى الله عليه وسلم - هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وقد جاء يدعو إلى ما كان يدعو إليه كل نبي أرسله الله، وهو توحيد الله - تعالى - وعبادته وحده لا شريك له، ونبذ كل أشكال الشرك والكفْر والعُبودية لغير الله.
    قال الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25].
    وقال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36].
    وقال: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الزمر: 65].
    وقال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110].
    فدعوة النبي الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - لم تكن دعوة مُبتدِعة لشيء لم يُسبَق إليه؛ وإنما جاءت تلكم الدعوة المباركة امتدادًا وتقريرًا لكل الرسالات الربانية السابقة الداعية للتوحيد؛ لكن دعوته ورسالته - صلى الله عليه وسلم - هي آخر الرسالات وخاتمتها، والكتاب الذي أُنزل عليه هو مصدق لكل الكتب السابقة له، وهو آخرها والمهيمن عليها؛ قال الله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ [المائدة: 48].
    والنبيُّ الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - هو المُصدِّق لكل الأنبياء، والمُتمِّم والمُكمِّل لكل الرسالات الربانية، بَيْدَ أنه خاتم النبيين الذي ليس بعده رسول ولا نبي.
    قال الله تعالى: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 40].
    ولقد دعا النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى الإيمان بالأنبياء والرسل جميعًا، وتصديق ما جاؤوا به من رسالات، والإيمان بما أُنزل عليهم من الكتب، مع توقيرهم وتعظيمهم، وبيان أنهم جميعًا إخوة؛ قال الله تعالى: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُون َ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [البقرة: 285]، وقال: ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 136].
    وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتَّى، ودينُهم واحد))[1].
    ومعنى ذلك أن الأنبياء أصلُ دينِهم واحد، وهو التوحيد، وإنما يَختلِفون في فروع الشرائع؛ فأصل دعوة النبي الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - تتلخَّص في بناء مُعتَقدات صحيحة على أسس شرعيَّة وعقلية سليمة، فهي دعوة إلى الإيمان بالله وتوحيده في إلهيته وربوبيته، فلا يستحق العبادة إلا إله واحد، وهو الله سبحانه؛ لأنه رب هذا الكون وخالقه ومالكه ومدبِّر شؤونه ومُصرِّف أموره والحاكم فيه بأمره، والذي يَملِك الضرَّ والنفع، والذي يَملِك رزق كل المخلوقات، والذي له كل صفات الكمال، والمقدَّس عن كل عيب أو نقص أو خلل، ولا يُشارِكه في ذلك أحد، ولا يُكافئه أو يُماثِله أحد، فهو منزَّه - سبحانه - عن الشركاء والأنداد والأقران والأكفاء؛ قال الله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1 - 4]، وقال الله تعالى: ﴿ فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الشورى: 11، 12].
    ودعوة النبي الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - دعوة تَهدِم الشركَ بكل أشكاله، فلا عبادة للأحجار والأشجار والأبقار، والبشر والشمس والقمر والنجوم والنار، ولا عبادة كذلك للمال والشهوات والأهواء والسلاطين وطواغيت الأرض؛ قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ ﴾ [الرعد: 36].
    وقال: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ [الحج: 30 - 31]، وقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 48]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 21، 22].
    إنها دعوة جاءت لتحرِّر البشرية من عبادة العباد، وتُخرِجها من ذلِّ الوثنيات وظلم الطواغيت، وتُخلِّصها من أَسرِ الشهوات الفاجِرة، والأهواء الجائرة.
    ومن هذا المُنطلَق السامي جاءت دعوة النبي الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - لتُكمِل مكارم الأخلاق وتُتمِّم صالحها؛ ولذلك تجد أن هذه الرسالة العظيمة قد اشتملت على الدعوة إلى كل خُلُق صالح كريم؛ كالصدق، والأمانة، والبرِّ، والإحسان، والكرم، وصلة الرحم، والوفاء، والإيثار، والحلم، والعدل، والتواضُع، والرحمة، والحبُّ، والحياء.
    وفي ذات الوقت نَهى النبي الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - عن كل الأخلاق الذميمة، والصفات القبيحة، وخِصال الجاهلية المَقيتة؛ مثل الظلم، والغشِّ، والخيانة، والخداع، والغدر، والكذب، والبُخل، والشحِّ، والجُبنِ، والفُحش، والفُجور، والتعصُّب، والعُنصرية، واحتقار الآخرين، والتفاخر بالأنساب، واحتقار المرأة، ووأد البنات، وقتل الأبناء خشيةَ الفقر؛ قال الله تعالى: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 151، 153].
    وبلَغ اعتِناء هذه الدعوة الكريمة بالأخلاق درجة النصِّ على أن سبب البعثة وعِلَّة الرسالة هو تقويم الأخلاق وإشاعة مَكارِمها في صورة كاملة تامَّة، مع العمل على إصلاح ما أفسدتْه الجاهلية منها، وقد جاء هذا التعليل صريحًا على لسان النبيِّ الكريم - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: ((إنما بُعِثتُ لأُتمِّم صالح الأخلاق))[2].
    لقد بُعثَ النبي - صلى الله عليه وسلم - في فترة لم يكن فيها رسل ولا أنبياء، وانطمسَت فيها سبُل الحقِّ عن كثير من الناس، فانتشرت فيهم الوثنيات والشِّركيات والعادات الجاهلية، وتلاعَبَ الشيطان بعقول الناس فأوقعَهم في شَرَك الإيمان بالخرافات والخزعبلات؛ حتى ارتكبوا من الجرائم والحماقات ما تَرفُضه العقول السليمة، وتأباه الفِطرة السويَّة، وتَستنكِف منه الطبيعة الإنسانية الطاهِرة.
    لقد عاشت البشرية قبل بَعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - عصورًا مُظلِمة تَفتقِر إلى بصيص من نور؛ حيث ضُيِّعت رسالات الأنبياء، وحُرِّفت الكتُب التي أنزلها الله على رسلِه؛ مثل كتب اليهود والنصارى التوراة والإنجيل، وأثَّرت الفلسفات الوثنيَّة والأديان الشِّركية القديمة في عقائد أهل الكتاب؛ حتى صارت صورةً مُشابِهةً لهذه الوثنيات.
    وانتشر في مقابل ذلك الشِّركُ بكل صوره، والوثنية بكل أشكالها، وتردَّت أخلاق الأكثرين إلى أقصى دَركاتِ السفول.
    في هذا الوقت جاءت بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - مشكاةً مُضيئة وسراجًا منيرًا يُبدِّد دياجير الظلمة، ويهدي إلى الحق، ويُنقِذ البشرية جمعاء من التردِّي في أوحال الشرك والكفر والفَساد الخلُقي.
    قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا * وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِي نَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [الأحزاب: 45 - 48].
    جاءت هذه الدعوة لتكون رحمةً للناس جميعًا من ذلِّ العبودية ومَهانة الخُضوع لغير الله، فمَن استجاب لهذه الدعوة، فقد أَكرم نفسه وخلَّصها من المهانة، ومن أعرض عنها واستسلمَ لهوى نفسه، فقد كتب على نفسه ذلَّ الدنيا والآخرة.
    قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ * قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ * إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ * وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [الأنبياء: 107- 112].
    وعلى هذا كان نبيُّ الرحمة محمد - صلى الله عليه وسلم - يبايع أصحابه - رِضوان الله عليهم - ويأخُذ عليهم العهد والميثاق؛ فعن عُبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه: ((بايعوني على ألا تُشرِكوا بالله شيئًا، ولا تسرِقوا، ولا تَزنوا، ولا تَقتُلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تَعصوا في معروف؛ فمَن وفَّى منكم، فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا، فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله، فهو إلى الله؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه)) فبايَعوه على ذلك[3].
    وقد كانت مفردات تلك الدعوة العظيمة واضحةً في خطابات المسلمين إلى غير المسلمين حين يشرحون دعوتهم ويُجَلُّون للناس حقيقتها.
    فقد وقف جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - ممثِّلاً للمسلمين يُخاطب النجاشي وأساقفته حين سألهم النجاشي فقال لهم: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به في ديني، ولا في دين أحد من هذه المِلَل؟
    فقال جعفر: "أيها الملك، كُنا قومًا أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونُسيء الجوار، ويأكل القوي مِنا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعَث الله إلينا رسولاً مِنا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنُوحِّده ونَعبُده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمَرَنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحُسنِ الجوار والكفِّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمَرَنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمَرَنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدَّقناه وآمَنا به، واتَّبعناه على ما جاء به من الله، فعبَدْنا الله وحده فلم نُشرِك به شيئًا، وحرَّمنا ما حرَّم علينا، وأحلَلْنا ما أحلَّ لنا، فعدا علينا قومُنا، فعذَّبونا، وفتَنونا عن دينِنا؛ ليَردُّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نَستحلَّ ما كنا نستحلُّ من الخبائث، فلما قهَرونا وظلَمونا وضيَّقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبْنا في جوارك؛ ورجونا ألا نُظلَم عندك أيها الملك"[4].
    وحين تعجَّب رُستم ملك الفرس من مجيء المسلمين لغزو الفرس وفتح بلاد العراق، ووجَّه سؤاله في دهشة للصحابي الجليل رِبعي بن عامر قائلاً: ما جاء بكم؟
    قال ربعي: "إن الله ابتعَثنا لنُخرِج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومِن ضيقِ الدنيا إلى سَعتها، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلَنا بدينه إلى خلقِه لندعوهم إليه، فمَن قَبلَ ذلك، قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أَبَى، قاتَلناه أبدًا؛ حتى نفضيَ إلى موعود الله".
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,857

    افتراضي رد: الدعوة والرسالة المحمدية

    الدعوة والرسالة المحمدية


    إيهاب كمال أحمد


    قالوا: وما موعود الله؟
    قال: "الجنة لمن مات على قتال مَن أَبى، والظفر لمَن بقي"[5].
    وعندما سأل هرقل أبا سفيان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ماذا يأمركم؟
    قال أبو سفيان: "يقول: ((اعبدوا الله وحده ولا تُشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم))، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعَفاف والصِّلَة"[6].
    وعندما سأل كسرى ملكُ الفرس المُغيرةَ بن شُعبة: من أنتم؟

    قال المغيرة بن شعبة "نحن أناس من العرب كنا في شَقاء شديد، وبلاء شديد، نمصُّ الجِلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونَعبُد الشجر والحجر، فبَينا نحن كذلك إذ بعَث رب السموات ورب الأرضين - تعالى ذكره وجلت عظمته - إلينا نبيًّا من أنفسِنا، نَعرِف أباه وأمه، فأمَرَنا نبيُّنا رسول ربنا - صلى الله عليه وسلم - أن نُقاتِلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدُّوا الجِزية، وأخبرنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - عن رسالة ربنا أنه مَن قُتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم يَرَ مثلها قط، ومن بقي منا ملَكَ رقابَكم"[7].
    وانطِلاقًا من قاعدة التوحيد ونَبذِ الشرك، نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تعظيم الأشخاص، وتأليه البشَر أو الغُلوِّ فيهم مهما كانت منزلتهم ومكانتهم وعِلمهم، حتى إنه نهى المسلمين عن الغُلوِّ فيه كما غلا النصارى في المسيح - عليه السلام - واتَّخذوه إلهًا؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تُطروني كما أَطرتِ النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله))[8].
    بل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَنهى عن أي شُبهة أو ذريعة للغلوِّ فيه، ولو كانت باللفظ دون الاعتقاد.
    فقد جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُكلِّمه في بعض الأمور، فقال: ما شاء الله وشئتَ، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((أجعلتني لله عَدلاً - أي شريكًا ومكافئًا؟! قل: ما شاء الله وحده))[9].
    وعن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - أن رجلاً خطب عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: مَن يُطِع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِهما فقد غوى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((بئس الخطيب أنت؛ قل: ومن يعصِ الله ورسوله، فقد غوى))[10].
    ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن اتخاذ قبره مسجدًا وجعله وثنًا يَعبُده الناس ويُمارِسون عنده الشعائر الشِّركية.
    فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: ((اللهمَّ لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))[11].
    وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليَّ[12]؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنُتم))[13]، ((لا تجعلوا قبري عيدًا)) معناه النهيُ عن الاجتماع لزيارته اجتماعهم للعيد؛ كراهية أن يتجاوَزوا حدَّ التعظيم، وغلقًا لباب الغُلوِّ[14].
    فلم يكن النبي الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - داعيًا لمصلحة خاصة، أو مُحارِبًا من أجل مجد شخصي، وإنما كانت دعوته كلها لتوحيد الله، وتخليص الناس من ذلِّ كل عبودية لغَيرِه، وحرب كل أشكال الشِّرك والكفر والانحراف الخلُقي.
    وقد كان النبي الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - يُعلِن دائمًا أنه لا يملك للناس شيئًا، وأن ما عليه هو البلاغ فقط، والأمر كله لله من قبل ومن بعد.
    قال الله تعالى: ï´؟ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا * قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا * حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا * قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا * عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ï´¾ [الجن: 20 - 28].
    وقال: ï´؟ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ï´¾ [الأعراف: 187 - 188].
    وحين أنزل الله - عز وجل - قوله: ï´؟ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ï´¾ [الشعراء: 214]، قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَخطُب في الناس قائلاً: ((يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف، لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبدالمُطَّلب، لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفيَّة عمَّة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئتِ من مالي، لا أُغني عنك من الله شيئًا))[15].
    وقد نجَح النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - في إبلاغ رسالته وأداء وظيفته، ونجحت تلك الدعوة المباركة في تحقيق هدفِها حين قدَّمت المثال العملي الواقعي في تلك الأمة الإسلامية التي توحِّد ربَّها، وتدعو للفضائل، وتأمر بالمعروف وتَنهى عن المنكر، فاستحقَّت أن تكون خير أمة أُخرِجت للناس.
    قال الله تعالى: ï´؟ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ï´¾ [آل عمران: 110].
    [1] البخاري (3187)، ومسلم (4360).
    [2] أخرجه أحمد (8595) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وسنده صحيح، قال الهيثمي في المجمع: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وصحَّح العجلوني سنده في كشف الخفا، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع (2349).
    [3] البخاري (17)، مسلم (3223).
    [4] سيرة ابن هشام (1: 337)، والروض الأنف؛ للسهيلي (2: 111).
    [5] البداية والنهاية؛ لابن كثير (5: 107، 108).
    [6] البخاري (6)، مسلم (3322).
    [7] البخاري (2925).
    [8] البخاري (3298)، مسلم (4284).
    [9] أحمد (1742)، وصحَّحه أحمد شاكر.
    [10] مسلم (1438).
    [11] أحمد (7054) وصحَّحه الألباني في فقه السيرة (53).
    [12] معنى ((وصلوا عليَّ))؛ أي: ادعوا الله أن يُصلي عليَّ، وصلاة الله على النبي معناها ثناء الله على النبي عند الملائكة ومباركته، وإظهار شرفه وفضله وحرمته، انظر: جلاء الأفهام؛ لابن القيم (ص: 161).
    [13] أحمد (8449)، وأبو داود (1746) وصحَّحه النووي في الأذكار (154)، والألباني في صحيح أبي داود (2042)، وحسَّن ابن تيمية إسناده في اقتضاء الصراط المستقيم (2: 169).
    [14] انظر: اقتضاء الصراط المستقيم؛ لابن تيمية (2: 169)، وفيض القدير؛ للمناوي (4: 263).
    [15] البخاري (2548)، مسلم (303).

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •