الأحكام الفقهية من القصص القرآنية
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 13 من 13
1اعجابات
  • 1 Post By ابو وليد البحيرى

الموضوع: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,617

    افتراضي الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (1)

    د.وليد خالد الربيع






    القرآن الكريم كتاب هداية، يرشد الناس إلى مصالح الدنيا والآخرة، كما قال -عز وجل-:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}(الإسرا ء:9)؛ فالقرآن الحكيم يهدي للعقائد الصحيحة، والأخلاق القويمة، والعبادات المستقيمة، والمعاملات العادلة.
    ودلالة القرآن العظيم على الأحكام متنوعة؛ فقد ترد تكاليف بطريقة صريحة من خلال الأوامر والنواهي المباشرة، كقوله -سبحانه-:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}(ا لبقرة:43)، وقوله -تعالى-:{لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}(الان عام:151)، وقد ترد التكاليف بطريقة غير صريحة، كمدح الفعل، أو الفاعلين كقوله -تعالى-:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}( البقرة:195)، أو ذم الفعل، أو الفاعلين، كقوله -سبحانه-: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}(البق رة:205)، وقوله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}( القصص:77).
    أساليب الهداية القرآنية
    ومن أساليب الهداية القرآنية (القصص)، وهي القصص التي أخبر بها الله -سبحانه- في القرآن عن أحوال الأمم الماضية، والنبوات السابقة، ولها فوائد عديدة وثمرات كثيرة، ومن ذلك ما اشتملت عليه من أحكام فقهية عملية، تتعلق بأفعال المكلفين، وقد نبه الفقهاء والمفسرون إلى دلالة بعض القصص القرآنية على تلك الأحكام لخفائها ودقة مآخذها، مع أهميتها ولزوم معرفتها.
    الأحكام الفقهية
    وهذه السلسلة من المقالات تتناول -إن شاء الله- بعض الأحكام الفقهية التي جاءت في بعض القصص القرآنية، لتنبيه الأذهان إلى تدبر القرآن، وتقريب الأحكام إلى يد المتفقهين، وسيتم بيان الأحكام بحسب ورود الآيات في المصحف الشريف، مع الإفادة من تفاسير آيات الأحكام، كالجامع للقرطبي، وأحكام القرآن للجصاص، وأحكام القرآن لابن العربي، ونحوها؛ فلا غنى لطالب العلم عن جهود السابقين؛ لما فيها من حسن القصد، وقوة الاستدلال، وجمال العبارة، ودقة النظر، وعميق الفكر. أسأل الله -تعالى- أن يجعل هذا الجمع خالصا لوجهه الكريم، نافعا للمسلمين.
    قال -تعالى-: {وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون}(البقرة:50) ، قال ابن كثير: معناه : وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون، وخرجتم مع موسى -عليه السلام-، خرج فرعون في طلبكم ، ففرقنا بكم البحر (فأنجيناكم) أي: خلصناكم منهم، وحجزنا بينكم وبينهم، وأغرقناهم وأنتم تنظرون؛ ليكون ذلك أشفى لصدوركم ، وأبلغ في إهانة عدوكم.
    وفي هذه الآية بعض المسائل:
    المسألة الأولى
    في تعيين يوم إغراق فرعون وإنجاء موسى -عليه السلام- ومن معه، ذكر بعض المفسرين أن ذلك الغرق والإنجاء كان في يوم عاشوراء، قال القرطبي: ذكر الله -تعالى- الإنجاء والإغراق، ولم يذكر اليوم الذي كان ذلك فيه؛ فروى مسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة؛ فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء؛ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟»؛ فقالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا فنحن نصومه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «فنحن أحق وأولى بموسى منكم»؛ فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه، وأخرجه البخاري أيضا عن ابن عباس، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «أنتم أحق بموسى منهم فصوموا».
    المسألة الثانية
    اختلف في يوم عاشوراء هل هو التاسع من المحرم أو العاشر؟
    المذهب الأول
    يوم عاشوراء هو التاسع من المحرم، وهو قول ابن عباس، أخرج مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَج قال: انْتَهَيْت إِلَى ابن عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ يَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ وَأَصْبِحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا. قُلْتُ: أَهَكَذَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
    قال النووي: هذا تصريح من ابن عَبَّاسٍ بِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ عَاشُورَاءَ هُوَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنَ الْمُحَرَّمٍ، وَيَتَأَوَّلُهُ عَلَى أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ إِظْمَاءِ الْإِبِلِ؛ فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْيَوْمَ الْخَامِسَ مِنْ أَيَّامِ الْوِرْدِ رَبْعًا، وَكَذَا بَاقِي الْأَيَّامِ عَلَى هَذِهِ النِّسْبَةِ؛ فَيَكُونُ التَّاسِعُ عَشْرًا».
    وقال ابن حجر:» وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ يَوْمُ التَّاسِعِ عَاشُورَاءَ أَخْذًا مِنْ أَوْرَادِ الْإِبِلِ، كَانُوا إِذَا رَعَوُا الْإِبِلَ ثَمَانِيَّةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَوْرَدُوهَا فِي التَّاسِعِ قَالُوا: وَرَدْنَا عِشْرًا بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَكَذَلِكَ إِلَى الثَّلَاثَةِ.
    ونوقش هذا الاستدلال بما نقله ابن حجر عن الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِأنه قال: قَوْلُهُ: «إِذَا أَصْبَحْتَ مِنْ تَاسِعِه»؛ فَأَصْبِحْ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ أَرَادَ الْعَاشِرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصْبِحُ صَائِمًا بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ مِنْ تَاسِعِهِ، إِلَّا إِذَا نَوَى الصَّوْمَ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ وَهُوَ اللَّيْلَةُ الْعَاشِرَةُ.
    قال ابن حجر: وَيُقَوِّي هَذَا الِاحْتِمَالَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ»؛ فَمَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَصُومُ الْعَاشِرَ وَهَـمَّ بِصَوْمِ التَّاسِعِ فَمَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ».
    المذهب الثاني
    يوم عاشوراء هو العاشر من المحرم، وهو قول الجمهور، قال النووي: وَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى أَنَّ عَاشُورَاءَ هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيّ، وَمَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاق،ُ وَخَلَائِقُ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ وَمُقْتَضَى اللَّفْظِ.
    قال ابن حجر: قَالَ الْأَكْثَرُ: هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: عَاشُورَاءُ مَعْدُولٌ عَنْ عَاشِرَةٍ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ صِفَةٌ لِلَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَشْرِ الَّذِي هُوَ اسْمُ الْعَقْدِ وَالْيَوْمُ مُضَافٌ إِلَيْهَا؛ فَإِذا قِيلَ: يَوْمُ عَاشُورَاءَ؛ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: يَوْمُ اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمَّا عَدَلُوا بِهِ عَنِ الصِّفَةِ، غَلَبَتْ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ؛ فَاسْتَغْنَوْا عَنِ الْمَوْصُوفِ؛ فَحَذَفُوا اللَّيْلَةَ فَصَارَ هَذَا اللَّفْظُ عَلَمًا عَلَى الْيَوْمِ الْعَاشِرِ، وهو المذهب الأظهر لقوة أدلتهم وسلامتها من المناقشة.
    المسألة الثالثة
    ما حكم صوم عاشوراء؟ قال النووي: اتَّفَقَ العلماء على أن صوم يوم عاشوراء اليوم سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وأشار -رحمه الله- إلى الخلاف في وجوبه في أول الإسلام ثم استقر الأمر على استحباب صومه؛ فقال: وَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ فَهُوَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ الْآنَ مِنْ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَذَا الْكَلَامَ -يقصد قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ»، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ: كَانَ صوم عاشوراء فرض وَهُوَ بَاقٍ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ لَمْ يُنْسَخْ، قَالَ: وَانْقَرَضَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا، وَحَصَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَرُوِيَ عَنِ ابن عُمَرَ كَرَاهَةُ قَصْدِ صَوْمِهِ وَتَعْيِينِهِ بِالصَّوْمِ، وَالْعُلَمَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَتَعْيِينِهِ لِلْأَحَادِيثِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابن مَسْعُودٍ: كُنَّا نَصُومُهُ ثُمَّ تُرِكَ؛ فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ كَمَا كَانَ مِنَ الْوُجُوبِ وَتَأَكَّدَ النَّدْبُ.
    المسألة الرابعة
    ما فضل صيام عاشوراء؟ أخرج مسلم عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله»، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صيام يوم عرفة يكفر سنتين، وصيام يوم عاشوراء يكفر سنة»، لكن إطلاق القول بأنه يكفِّر، لا يوجب أن يكفر الكبائر بلا توبة؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قال في الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان: «كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»، ومعلوم أن الصلاة هي أفضل من الصيام، وصيام رمضان أعظم من صيام يوم عرفة، ولا يكفر السيئات إلا باجتناب الكبائر، كما قيده النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكيف يظن أن صوم يوم أو يومين تطوعا يكفر الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والميسر، والسحر، ونحوه؟؛ فهذا لا يكون»، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم عاشوراء،لما له من المكانة؛ فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : مَا رَأَيْتُ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلا هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرَ -يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ- ومعنى يتحرى: أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه .
    المسألة الخامسة

    ما الأفضل في صيام عاشوراء، جاء في صحيح مسلم أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لئن بقيت إلى قابل، لأصومنَّ التاسع»؛ ولذا استحب جمهور العلماء الجمع بالصيام بين التاسع والعاشر، قال ابن حجر: «وَعَلَى هَذَا فَصِيَامُ عَاشُورَاءَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ، أَدْنَاهَا أَنْ يُصَامَ وَحْدَهُ، وَفَوْقَهُ أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ مَعَهُ، وَفَوْقَهُ أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ وَالْحَادِي عَشَرَ».

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,617

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (2)

    حكم صلاة الاستسقاء (1)


    د.وليد خالد الربيع




    قال الله -سبحانه-: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}، قال ابن كثير: «يقول -تعالى-: واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى -عليه السلام- حين استسقاني لكم، وتيسيري لكم الماء، وإخراجه لكم من حجر يحمل معكم، وتفجيري الماء لكم منه من ثنتي عشرة عينا لكل سبط من أسباطكم عين قد عرفوها، فكلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم بلا سعي منكم ولا كد، واعبدوا الذي سخر لكم ذلك(ولا تعثوا في الأرض مفسدين) ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتسلبوها».
    دلت هذه الآية الكريمة على مشروعية الاستسقاء كما قال الشيخ ابن عثيمين: «من فوائد الآية: مشروعية الاستسقاء عند الحاجة إلى الماء؛ لأن موسى استسقى لقومه، وشرع من قبلنا شرع لنا إن لم يرد شرعنا بخلافه، فكيف وقد أتى بوفاقه؟ فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستسقي في خطبة الجمعة، ويستسقي في الصحراء على وجه معلوم، ومنها أن السقيا كما تكون بالمطر النازل من السماء تكون في النابع من الأرض».
    الاستسقاء عند عدم الماء
    قال القرطبي في ذكر مسائل الآية: «الثانية: الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس القطر، وإذا كان كذلك فالحكم حينئذ إظهار العبودية والفقر والمسكنة والذلة مع التوبة النصوح، وقد استسقى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فخرج إلى المصلى متواضعا متذللا متخشعا مترسلا متضرعا وحسبك به».، وفي هذا المقال الموجز عرض لبعض أهم أحكام الاستسقاء بما يتسع له المقام، وهناك تفاصيل أخرى تطلب من كتب الفقه وشروح أحاديث الأحكام.
    المسألة الأولى: تعريف صلاة الاستسقاء
    وهو طلب السقيا سواء أكان من الله -تعالى- أم من المخلوق مثل أن تقول: يا فلان اسقني ماء، قال في لسان العرب: «استسقى الرجل واستسقاه: طلب منه السقي، والسقي: إشراب الشيء الماء وما أشبهه، وهو استفعال من طلب السقيا، أي: إنزال الغيث على البلاد والعباد».
    وفي الاصطلاح: هو الدعاء بطلب السقي على صفة مخصوصة، وقال ابن حجر: «طلبه من الله عند حصول الجدب على وجه مخصوص»، وصلاة الاستسقاء: الصلاة التي سببها استسقاء الناس.
    المسألة الثانية: أنواع الاستسقاء
    الاستسقاء أعم من الصلاة، قال الشوكاني موضحا معنى الاستسقاء على جهة العموم بأنه: «ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صفته من الصلاة والدعاء». وقد ذكر العلماء أن الاستسقاء: طلب السقيا من الله -تعالى-، وله طرائق عديدة؛ منها:
    الدعاء بلا صلاة
    - الأولى: الدعاء بلا صلاة ولا بعد الصلاة فرادى ومجتمعين، قال ابن القاسم: «ولا نزاع في جواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة»، ودليل ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - كان في غزوة ونقص عليهم الماء؛ فاستغاث الله -تعالى- فأنشأ مزنا فأمطرت، وسقاهم الله وارتووا».
    الدعاء في خطبة الجمعة
    - الثانية: الدعاء في خطبة الجمعة، قال ابن القاسم: «كما فعل - صلى الله عليه وسلم - واستفاض عنه من غير وجه، وهذا الضرب مستحب وفاقا»؛ لِمَا روى أنس أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّه- صلى الله عليه وسلم- قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّه يُغِثْنَا. فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدَيْهِ، فَقَالَ: “اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا” قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاَللَّهِ مَا يُرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ وَلَا شَيْءٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ، فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ، انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، فَلَا وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا، ثُمَّ دَخَلَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ رَجُلٌ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الْمَوَاشِي، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَهَا عَنَّا. قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدَيْهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ وَالْآكَامِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ». قَالَ: فَانْقَطَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ».
    الخروج وصلاة ركعتين
    - الثالثة: الخروج وصلاة ركعتين وخطبة وتأهب لها قبل ذلك، وهو أَكْمَلُهَا، قال الشيخ ابن عثيمين: «وهناك أيضا صفات أخرى، وليس لازما أن تكون على الصفة التي وردت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أي: طلب السقيا فللناس أن يستسقوا في صلواتهم؛ فإذا سجد الإنسان دعا الله، وإذا قام من الليل دعا الله -عزوجل-».
    المسألة الثالثة: حكم صلاة الاستسقاء
    اختلف الفقهاء في مشروعية صلاة الاستسقاء؛ فقَالَ الإمام أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُسَنُّ الصَّلَاةُ لِلِاسْتِسْقَاء ِ، وَلَا الْخُرُوجُ لَهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَسْقَى عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يُصَلِّ لَهَا، وَاسْتَسْقَى عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يُصَلِّ. ونوقش هذا: بأنَ مَا ذَكَرُوهُ لَا يُعَارِضُ مَا ثبت في السنة؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِغَيْرِ صَلَاةٍ، وَفِعْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِمَا ذَكَرُوهُ لَا يَمْنَعُ صلاة الاستسقاء، بَلْ قَدْ فَعَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْأَمْرَيْنِ كما تقدم.
    سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ
    وقد ذهب عامة الفقهاء إلى أن صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، ثَابِتَةٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَخُلَفَائِهِ، قال ابن حجر: «وقد اتفق فقهاء الأمصار على مشروعية صلاة الاستسقاء وأنها ركعتان»، وقال ابن قدامة: «لَا نَعْلَمُ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ خِلَافًا فِي أَنَّهَا رَكْعَتَانِ». وقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: «ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ ، وَخَطَبَ. وَبِهِ قَالَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ، وَخَالَفَهُ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، فَوَافَقَا سَائِرَ الْعُلَمَاءِ، وَالسُّنَّةُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ كُلِّ قَوْلٍ»، وهو المذهب الأظهر لقوة أدلتهم وسلامتها من المناقشة.
    المسألة الرابعة: مكان صلاة الاستسقاء
    يجوز الاستسقاء في المسجد بالاتفاق، قال البخاري: (باب الاستسقاء في المسجد الجامع) ثم ذكر حديث أنس في الرجل الذي دخل يوم الجمعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب...الحديث، قال ابن حجر: «أشار بهذه الترجمة إلى أن الخروج إلى المصلى ليس بشرط في الاستسقاء؛ لأن الملحوظ في الخروج المبالغة في اجتماع الناس، وذلك حاصل في المسجد الأعظم».
    الخروج إلى المصلى
    ويستحب الخروج إلى المصلى لحديث ابن عباس الآتي، قال ابن قدامة: «وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ الْخُرُوجُ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ، مُتَوَاضِعًا لِلَّهِ -تَعَالَى-، مُتَبَذِّلًا، أَيْ فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ، أَيْ لَا يَلْبَسُ ثِيَابَ الزِّينَةِ، وَلَا يَتَطَيَّبُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ كَمَالِ الزِّينَةِ، وَهَذَا يَوْمُ تَوَاضُعٍ وَاسْتِكَانَةٍ، وَيَكُونُ مُتَخَشَّعًا فِي مَشْيِهِ وَجُلُوسِهِ، فِي خُضُوعٍ، مُتَضَرِّعًا لِلَّهِ -تَعَالَى-، مُتَذَلِّلًا لَهُ، رَاغِبًا إلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلِاسْتِسْقَاء ِ مُتَبَذِّلًا، مُتَوَاضِعًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَضَرِّعًا، حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى، فَلَمْ يَخْطُبْ كَخُطْبَتِكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ».
    استثناء أهل مكة
    يستثنى أهل مكة؛ حيث إن استسقاءهم يكون في المسجد الحرام: قال الشافعي: «إلا أهل مكة فإنه لم يبلغنا أن أحدا من السلف صلى بهم عيدا إلا في مسجدهم؛ لأن المسجد الحرام خير بقاع الدنيا فلم يحبوا أن يكون لهم صلاة إلا فيه ما أمكنهم، وليست لهم هذه السعة في أطراف البيوت بمكة سعة كبيرة، ولم أعلمهم صلوا عيدا قط، ولا استسقاء إلا فيه».
    المسألة الخامسة: وقت صلاة الاستسقاء:
    قال ابن قدامة: «وَلَيْسَ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، إلَّا أَنَّهَا لَا تُفْعَلُ فِي وَقْتِ النَّهْيِ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا مُتَّسِعٌ، فَلَا حَاجَةَ إلَى فِعْلِهَا فِي وَقْتِ النَّهْيِ، وَالْأَوْلَى فِعْلُهَا فِي وَقْتِ الْعِيدِ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، وَلِأَنَّهَا تُشْبِهُهَا فِي الْمَوْضِعِ وَالصِّفَةِ، فَكَذَلِكَ فِي الْوَقْتِ، لِأَنَّ وَقْتَهَا لَا يَفُوتُ بِزَوَالِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا يَوْمٌ مُعَيَّنٌ، فَلَا يَكُونُ لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ.”، قال ابن حجر: «الراجح أنه لا وقت لها معين، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، لكنها تخالفه بأنها لا تختص بيوم معين.». يتبع إن شاء الله

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,617

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (3)

    - حكم صلاة الاستسقاء (2)




    للكاتب: د.وليد خالد الربيع

    ما زلنا في الحديث عن حكم صلاة الاستسقاء من قول الله -سبحانه-: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}، قال ابن كثير: «يقول -تعالى-: واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى -عليه السلام- حين استسقاني لكم، وتيسيري لكم الماء، وإخراجه لكم من حجر يحمل معكم، وتفجيري الماء لكم منه من ثنتي عشرة عينا، لكل سبط من أسباطكم عين قد عرفوها، فكلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم بلا سعي منكم ولا كد، واعبدوا الذي سخر لكم ذلك {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتسلبوها»، وقد ذكرنا خمس مسائل في فقه صلاة الاستسقاء واليوم نستكمل تلك المسائل.

    المسألة السادسة: كيفية صلاة الاستسقاء
    1- قال ابن قدامة: «وَلَا يُسَنُّ لَهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ نَافِلَةٍ، فَلَمْ يُؤَذَّنْ لَهَا كَسَائِرِ النَّوَافِلِ».
    2- ويصلي ركعتين: لَا خِلَاف فِي أَنَّ صلاة الاستسقاء رَكْعَتَانِ، وَاخْتَلَفَوا فِي صِفَتِهَا، فذهب قوم إلى أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِيهِمَا كَتَكْبِيرِ الْعِيدِ سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ. وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَدَاوُد، وَالشَّافِعِيِّ ورواية عن أحمد، وَذَلِكَ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ».
    وَذهب قوم إلى أَنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِي ِّ، وَإِسْحَقَ وهو رواية عن أحمد؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ قَالَ: اسْتَسْقَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ التَّكْبِيرَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يُكَبِّرْ، والأظهر أنه َكَيْفَمَا فَعَلَ كَانَ جَائِزًا حَسَنًا لورود ذلك في أحاديث صحيحة متنوعة.
    3- وَيُسَنُّ أَنْ يَجْهَرَ بِالْقِرَاءَةِ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» .
    4- وَإِنْ قَرَأَ فِيهِمَا بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} فَحَسَنٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ».
    5- ومن صفة صلاة الاستسقاء أن يخطب خطبة وقد اخْتَلَفوا فِي وَقْتِهَا:

    المذهب الأول

    أَنَّ فِيهَا خُطْبَةً بَعْدَ الصَّلَاةِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ. والصحيح من مذهب أحمد قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ؛ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَطَبَنَا». وَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «صَنَعَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ ، كَمَا صَنَعَ فِي الْعِيدَيْنِ»، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ تَكْبِيرٍ، فَأَشْبَهَتْ صَلَاةَ الْعِيدِ.

    المذهب الثاني

    أَنَّهُ يُخْطَبُ قَبْلَ الصَّلَاةِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِوَذَ هَبَ إلَيْهِ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وهو رواية عن أحمد؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ وَعَائِشَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - خَطَبَ وَصَلَّى، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: «رَأَيْت النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَحَوَّلَ ظَهْرَهُ إلَى النَّاسِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» .

    مُخَيَّرٌ فِي الْخُطْبَةِ

    والأظهر أنه هو مُخَيَّرٌ فِي الْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا؛ لِوُرُودِ الْأَخْبَارِ بِكِلَا الْأَمْرَيْنِ، وَدَلَالَتِهَا عَلَى كِلْتَا الصِّفَتَيْنِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ، قال الشيخ ابن عثيمين: «خطبة الاستسقاء قبل الصلاة وبعدها، ولكن إذا خطب قبل الصلاة لا يخطب بعدها، فلا يجمع بين الأمرين».

    اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ

    6- ويُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي أَثْنَاءِ الدعاء؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، وَفِي لَفْظٍ: «فَحَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو».

    تحويل الرداء

    7- وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحَوِّلَ رِدَاءَهُ فِي حَالِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ؛لِأ َنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَحَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَفْظٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ: «فَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ». وَفِي لَفْظٍ: «وَقَلَبَ رِدَاءَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ تَحْوِيلُ الرِّدَاءِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قال الشيخ ابن باز -رحمه الله-: «الظاهر من الأحاديث الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الاستسقاء أن الرداء يكون على حالته المعتادة، وإنما يقلب في أثناء الخطبة عندما يحول الإمام رداءه، أما أن يحول الرداء أو العباءة عن حالها قبل ذلك فالأظهر أن ذلك غير مشروع ومخالف للسنة».
    المسألة السابعة: قسم الماء بين الناس
    قال الشيخ ابن عثيمين: «ومن فوائد هذه الآية أنه ينبغي قسم الماء بين الناس عند الكثرة وتوزيعه عليهم حتى لا يحصل الازدحام والاقتتال والعداوة والبغضاء بينهم؛لأن النفوس مجبولة على محبة الاستئثار بالشيء، فإذا توزع الشيء صار كل طائفة لهم جهة معينة مخصوصة كان ذلك أقرب إلى السلامة مما يترتب من الآثار السيئة على اجتماعهم على مشرب واحد».

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,617

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (4)


    - أحكام فقهية في الأطعمة


    د.وليد خالد الربيع

    قال -تعالى-: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُو نَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ}، قال ابن كثير: «يقول -تعالى-: واذكروا نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى، طعاما طيبا نافعا هنيئا سهلا، واذكروا دبركم وضجركم مما رزقتكم وسؤالكم موسى استبدال ذلك بالأطعمة الدنية من البقول ونحوها مما سألتم، وقال الحسن البصري -رحمه الله-: فبطروا ذلك ولم يصبروا عليه، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه، وكانوا قوما أهل أعداس وبصل وبقل وفوم، وقوله -تعالى-: {أَتَسْتَبْدِلُ نَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} فيه تقريع لهم وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنية مع ما هم فيه من العيش الرغيد، والطعام الهنيء الطيب النافع».
    هذه الآية الكريمة فيها جملة من المسائل الفقهية:
    المسألة الأولى
    جواز أكل الطيبات، قال القرطبي: «في هذه الآية دليل على جواز أكل الطيبات والمطاعم المستلذات، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحب الحلوى والعسل، ويشرب الماء البارد العذب»، قال الشيخ ابن عثيمين:لا «ومن فوائدها أنه لا يلام الإنسان إذا اختار الأطيب من الطعام، ولا يعد ذلك من باب الإسراف، فقد أقرت الشريعة هذا؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - جيء إليه بتمر طيب فسأل: «أكل تمر خيبر هكذا؟ قالوا: لا والله يا رسول الله... الحديث، ولم ينههم عن اختيار التمر الطيب ليقدموه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا اختار الإنسان من الطعام أطيب الأنواع وكانت حاله تتحمل هذا ولا يعد ذلك سرفا بالنسبة إليه فإنه لابأس به، ولا يلام الإنسان عليه، بل هذا من باب التمتع بنعم الله، والله -سبحانه- يحب من عباده أن يتمتعوا بنعمه، وينهاهم أن يحرموا شيئا من الطيبات على أنفسهم كما قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا}».
    المسألة الثانية
    جواز تفضيل بعض الأطعمة على بعض: قال ابن عثيمين: «من فوائدها: جواز تفضيل الأطعمة بعضها على بعض، وأنه يجوز للإنسان أن يقول: هذا أدنى من هذا، أو هذا أعلى من هذا، أو هذا أردأ من هذا، أو هذا أطيب من هذا».
    المسألة الثالثة
    حكم أكل البصل والثوم وما له رائحة كريهة: اختلف العلماء في أكل البصل والثوم وما له رائحة كريهة من سائر البقول:
    المذهب الأول
    حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ تَحْرِيمَهَا: لِأَنَّهَا تَمْنَعُ عَنْ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ وَهِيَ عِنْدَهُمْ فَرْضُ عَيْنٍ، ولا تتم إلا بترك أكلها، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فترك أكل هذا واجب، فيكون أكله حراما، واحتجوا بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سماها خبيثة، والله -عز وجل- قد وصف نبيه -عليه السلام- بأنه يحرم الخبائث، وخالفهم ابن حزم وهو إمام الظاهرية فقال: «لَيْسَ حَرَامًا لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَبَاحَهُ فِي الْأَخْبَارِ الْمَذْكُورَةِ» ، وأجاب الحافظ ابن حجر عن اللزوم في دليل المانعين: «بأن المنع من أكلها مختص بمن علم بخروج الوقت قبل زوال الرائحة، ونظيره أن صلاة الجمعة فرض عين بشروطها، ومع ذلك تسقط بالسفر وهو في أصله مباح، لكن يحرم على من أنشأه بعد سمع النداء»، أما وصفها بالخبيثة فليس المراد به المحرمة بل المكروهة، قال النووي: «سَمَّاهَا خَبِيثَةً لِقُبْحِ رَائِحَتِهَا، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْخَبِيثُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْمَكْرُوهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ مَالٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ شَخْصٍ».
    المذهب الثاني
    ذهب جمهور العلماء إلى إباحة أكلها، قال النووي: «هَذِهِ الْبُقُولُ حَلَالٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ»، للأحاديث الثابتة ومنها: عن جَابِرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْن َا أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ»، وَإِنَّهُ أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ، فَقَالَ: «قَرِّبُوهَا» إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ: «كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي»، قال القرطبي: «فهذا بيّـن في الخصوص له والإباحة لغيره».
    الثَّوْمَ لَيْسَ بِحَرَامٍ
    عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: لَمْ نَعْدُ أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ فَوَقَعْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي تِلْكَ الْبَقْلَةِ الثُّومِ وَالنَّاسُ جِيَاعٌ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا أَكْلًا شَدِيدًا، ثُمَّ رُحْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الرِّيحَ فَقَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ شَيْئًا، فَلَا يَقْرَبَنَّا فِي الْمَسْجِدِ» فَقَالَ النَّاسُ: حُرِّمَتْ، حُرِّمَتْ، فَبَلَغَ ذَاكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَيْسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لِي، وَلَكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكْرَهُ رِيحَهَا»، قال النووي: «فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّوْمَ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَهُوَ إِجْمَاعُ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ كَمَا سَبَقَ»، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى زَرَّاعَةِ بَصَلٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَنَزَلَ نَاسٌ مِنْهُمْ فَأَكَلُوا مِنْهُ وَلَمْ يَأْكُلْ آخَرُونَ، فَرُحْنَا إِلَيْهِ، فَدَعَا الَّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا الْبَصَلَ وَأَخَّرَ الْآخَرِينَ، حَتَّى ذَهَبَ رِيحُهَا»، قوله: «زرّاعة: هي الأرض المزروعة».
    نص على عدم التحريم
    عن أبي أيوب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نزل عليه، فصنع للنبي -صلى الله عليه وسلم- طعاما فيه ثوم، فلما رد إليه سأل عن موضع أصابع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقيل له: لم يأكل، ففزع وصعد إليه فقال: أحرام هو؟ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا ولكني أكرهه» قال: فإني أكره ما تكره أو ما كرهت، قال: وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يؤتى (يعني يأتيه الوحي)، قال القرطبي: «فهذا نص على عدم التحريم»، وقال النووي: «هذا تصريح بإباحة الثوم، وهو مجمع عليه، ولكن يكره لمن أراد حضور المسجد أو حضور جمع في غير المسجد أو مخاطبة الكبار»، قال عمر: «أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ لَا أَرَاهُمَا إِلَّا خَبِيثَتَيْنِ، هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ، أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا»، قال ابن عثيمين: «من فوائد الآية: حل البقول والقثاء والفوم والعدس والبصل لقولهم:{فادع لنا ربك يخرج لنا...} إلى قوله: {اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم} أي: من الأصناف المذكورة، وهذه الأصناف مباحة في شريعة موسى، وكذلك في شريعتنا»، وبهذا يظهر رجحان قول الجمهور بحل أكل هذه الأطعمة لقوة أدلتهم.
    المسألة الخامسة
    حكم أكل البصل والثوم ونحوهما لمن أراد حضور صلاة الجماعة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
    المذهب الأول: كراهة أكلها
    قال ابن قدامة: «وَإِنَّمَا مُنِعَ أَكْلُهَا لِئَلَّا يُؤْذِيَ النَّاسَ بِرَائِحَتِهِ؛ وَلِذَلِكَ نُهِيَ عَنْ قُرْبَانِ الْمَسَاجِدِ، فَإِنْ أَتَى الْمَسَاجِدَ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ». واستدل بأحاديث النهي عن قربان المساجد لمن أكلها وحمل النهي على الكراهة، ومن تلك الأحاديث: عنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يَعْنِي الثُّومَ - فَلَا يَأْتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ»، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا، حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا» يَعْنِي الثُّومَ، وعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ عَنِ الثُّومِ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَكَلَ مَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّا، وَلَا يُصَلِّي مَعَنَا»، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، وَلَا يُؤْذِيَنَّا بِرِيحِ الثُّومِ»، وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ، فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا، فَقَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى، مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ»، وحملوا النهي على الكراهة لأن أكلها ليس محرما مطلقا كما تقدم.
    المذهب الثاني: يحرم أكلها
    وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَأْثَمُ؛ ونقل عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَشُرَيْكِ بْنِ حَنْبَلٍ مِنْ التَّابِعِينَ تَحْرِيمَ الثُّومِ النِّيءِ»، قال ابن حزم: «وَمَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ كُرَّاثًا فَفُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَذْهَبَ الرَّائِحَةُ، وَفُرِضَ إخْرَاجُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ إنْ دَخَلَهُ قَبْلَ انْقِطَاعِ الرَّائِحَةِ، فَإِنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ كَذَلِكَ فَلَا صَلَاةَ لَهُ، واستدل هذا المذهب بأَنَّ ظَاهِرَ النَّهْيِ المتقدم في الأحاديث يدل على التَّحْرِيمُ، وَلِأَنَّ أَذَى الْمُسْلِمِينَ حَرَامٌ، وَهَذَا فِيهِ أَذَاهُمْ، فيكون محرمًا، ونوقش هذا الاستدلال بما قاله القاضي عياض: «إن النهى عن حضور المساجد لمن أكلها ليس بتحريم لها، بدليل إباحة النبى - صلى الله عليه وسلم- إياها لمن حضره من أصحابه، وتخصيصه نفسه بالعلة التى ذكرها من قوله: «فإنى أناجى من لا تناجى»، وبقوله: «ليس لى تحريم ما أحل الله، ولكنى أكرهها»، وذهب الشيخ ابن عثيمين رحمه الله إلى مذهب جمع فيه بين الأدلة والمذهبين فقال: «إن قصد بأكل البصل ألا يصلي مع الجماعة فهذا حرام ويأثم بترك الجمعة والجماعة، أما إذا قصد بأكله البصل التمتع به وأنه يشتهيه فليس بحرام، قال: وأما بالنسبة لحضوره المسجد فلا يحضر؛ لا لأنه معذور، بل دفعا لأذيته؛ لأنه يؤذي الملائكة وبني آدم».
    المسألة السادسة
    هل النهي خاص بمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
    المذهب الأول: النهي عام عن دخول المساجد جميعها، وَهَذَا مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً، قال النووي: «قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يَعْنِي الثَّوْمَ فَلَا يَقْرَبَنَّ الْمَسَاجِدَ» هَذَا تَصْرِيحٌ يَنْهَى مَنْ أَكَلَ الثَّوْمَ وَنَحْوَهُ عَنْ دُخُولِ كُلِّ مَسْجِدٍ وقاسوا على هذا مجامع الصلاة فى غير المساجد، كمصلى العيدين والجنائز ونحوها من مجامع العبادات، وقد ذكر بعض فقهائنا: أن حكم مجامع المسلمين فيها هذا الحكم كمجالس العلم والولائم وحلق الذكر».
    المذهب الثاني: أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ: «فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا»، ونوقش هذا بما قاله ابن حجر: «قوله في الحديث: «فلا يقربن مسجدنا» لأن الظاهر أن المراد به مسجد المدينة...، لكن حديث أبي سعيد عند مسلم دال على أن القول المذكور صدر منه - صلى الله عليه وسلم - عقب فتح خيبر، فعلى هذا فقوله: «مسجدنا» يريد به المكان الذي أعد ليصلي فيه مدة إقامته هناك، أو المراد بالمسجد الجنس والإضافة للمسلمين، أي: فلا يقربن مسجد المسلمين، يؤيده رواية أحمد عن يحيى القطان فيه بلفظ: «فلا يقربن المساجد» ونحوه لمسلم، وهذا يدفع قول من خص النهي بمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -». وبهذا يظهر رجحان المذهب الأول.
    المسألة السابعة
    هل الحكم خاص بالأكل منها أم يلحق بها غيرها؟ قال النووي: «قَالَ الْعُلَمَاءُ: ويلحق بالثوم والبصل والكراث كل ماله رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ وَغَيْرِهَا»، رد ذلك ابن حجر فقال: «وألحق بعضهم بذلك من بفيه بخر أو به جرح له رائحة، وزاد بعضهم فألحق أصحاب الصنائع كالسماك والعاهات كالمجذوم ومن يؤذي الناس بلسانه، وأشار ابن دقيق العيد إلى أن ذلك كله توسع غير مرضي»، وأيده ابن حزم فقال: «وَلَا يُمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ الْمَسْجِدِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْنَا، وَلَا أَبْخَرُ، وَلَا مَجْذُومٌ، وَلَا ذُو عَاهَةٍ».

    عقوبة لآكله
    تنبيه: قال الخطابي: «توهم بعضهم أن أكل الثوم عذر في التخلف عن الجماعة، وإنما هو عقوبة لآكله على فعله إذ حرم فضل الجماعة»، قال ابن حجر: «لكن لا يلزم من ذلك أن يكون أكلها حراما، ولا أن الجماعة فرض عين»، وفرق الشيخ ابن عثيمين بيـن من له عذر يمنع من حضور الجماعة كالبرد الشديد والريح الباردة في الليلة المظلمة ومن أكل البصل فقال: «هي أعذار تسوغ للإنسان أن يدع الجمعة والجماعة؛لأنه متصف بما يعذر به أمام الله، أما من أكل بصلا أو ثوما فلا نقول إنه معذور بترك الجمعة والجماعة، ولكن لا يحضر دفعا لأذيته، فهنا فرق بين هذا وهذا؛ لأن هذا المعذور يكتب له أجر الجماعة كاملا إذا كان من عادته أن يصلي مع الجماعة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل صحيحا مقيما»، أما آكل البصل والثوم فلا يكتب له أجر الجماعة؛لأننا إنما قلنا له لا تحضر دفعا للأذية».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,617

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (5)

    - مسائل فقهية في ميثاق الله لبني إسرائيل


    د.وليد خالد الربيع

    قال الله -سبحانه-:{وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْ نِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ}(الب قرة:83)، قال ابن كثير: يُذكّر -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الْأَوَامِرِ، وَأَخَذَ مِيثَاقَهَمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ تَوَلَّوْا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَعْرَضُوا قَصْدًا وَعَمْدًا، وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ وَيَذْكُرُونَهُ .

    قال الشيخ ابن سعدي: «وهذه الشرائع من أصول الدين، التي أمر الله بها في كل شريعة، لاشتمالها على المصالح العامة في كل زمان ومكان؛ فلا يدخلها نسخ، كأصل الدين»؛ فهذه الآية الكريمة فيها مسائل فقهية، منها على سبيل الإجمال:

    المسألة الأولى

    وجوب توحيد الله -تعالى- في العبادة

    لاشك أن أعظم المطلوبات، وأفضل الواجبات توحيد الله -تعالى- وإفراده بالعبادة، والتوحيد أساس صحة الأعمال، وشرط قبول الطاعات؛ ولهذا قدمه الله -تعالى- على بقية الواجبات في هذه الآية الكريمة، وأمثالها من الآيات الجامعة، قال البقاعي مبينا المناسبة بين هذه المطلوبات العظيمة: ولما كان الدين إنما هو الأدب مع الخالق والخلق، ذكر المعاهد عليه من ذلك مرتباً له على الأحق فالأحق؛ فقال ذاكراً له في صيغة الخبر مريداً به النهي والأمر، وهو أبلغ؛ من حيث إنه كأنه وقع امتثاله ومضى ودل على إرادة ذلك بعطف {وقولوا} عليه: {لا تعبدون إلا الله} المنعم الأول الذي له الأمر كله لتكونوا محسنين بذلك إحساناً هو الإحسان كله».

    وقال ابن كثير: فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَبِهَذَا أَمَرَ جَمِيعَ خَلْقِهِ؛ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ كَمَا قَالَ -تَعَالَى-: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الْأَنْبِيَاءِ: 25)، وَقَالَ -تَعَالَى-:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}(الن َّحْلِ: 36)، وَهَذَا هُوَ أَعْلَى الْحُقُوقِ وَأَعْظَمُهَا، وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ -تَعَالَى-، أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ».

    وجوب الإحسان إلى الوالدين

    بعد أن أمر الله -تعالى- بأعظم الحقوق، وهو حق الخالق، ذكر أعظم حقوق الخلق وهو حق الوالدين، كَمَا قَالَ -تَعَالَى-: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (لُقْمَانَ: 14)، وَقَالَ -تَعَالَى-: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا} (الْإِسْرَاءِ: 23)، قال القرطبي: وَقَرَنَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي هَذِهِ الْآيَةِ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ بِالتَّوْحِيدِ؛ لِأَنَّ النَّشْأَةَ الْأُولَى مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَالنَّشْءَ الثَّانِيَ- وَهُوَ التَّرْبِيَةُ- مِنْ جِهَةِ الْوَالِدَيْنِ؛ وَلِهَذَا قَرَنَ -تَعَالَى- الشُّكْرَ لَهُمَا بِشُكْرِهِ؛ فَقَالَ:{أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ}.

    والوجوب مأخوذ من الفعل المضمر في المصدر كما قال القرطبي: قَوْلُهُ -تَعَالَى-: {وَبِالْوالِدَي نِ إِحْساناً}أَيْ: وَأَمَرْنَاهُمْ بِالْوَالِدَيْن ِ إِحْسَانًا»، والإحسان كلمة عامة تشمل إيصال كل خير، وكف كل أذى بحسب الإمكان، كما قال القرطبي: وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْوَالِدَيْنِ: مُعَاشَرَتُهُمَ ا بِالْمَعْرُوفِ، وَالتَّوَاضُعُ لَهُمَا، وَامْتِثَالُ أَمْرِهِمَا، وَالدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ بَعْدَ مَمَاتِهِمَا، وَصِلَةُ أَهْلِ وُدِّهِمَا.

    وقال الشيخ ابن عثيمين: والإحسان يكون بالقول ويكون بالفعل؛ فالإحسان بالقول معناه: أن يلين الإنسان لهما قوله، وأن يكون قولا كريما طيبا سمحا، والإحسان بالفعل: يكون ببذل المال، وبخدمة البدن، وغير ذلك مما يكون إحسانا، وقال مبينا ضد الإحسان: وضده أمران: أحدهما: أن يسيء إليهما، والثاني: ألا يحسن ولا يسيء، وكلاهما تقصير في حق الوالدين مناف لبرهما، وفي الإساءة زيادة الاعتداء».


    الإحسان إلى ذوي القربى

    الأقربون: هم أقرباء المكلف على اختلاف طبقاتهم، الأقرب؛ فالأقرب، قال القرطبي: أَيْ: وَأَمَرْنَاهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْقَرَابَاتِ بِصِلَةِ أَرْحَامِهِمْ، أما كيفية الإحسان إليهم؛ فيكون بإيصال الخير، وكف الأذى، كما قال الشيخ ابن عثيمين: والإحسان إليهم يكون كالإحسان إلى الوالدين أي: بالقول وبالفعل، ولكن الإحسان إلى الوالدين أوكد وأعظم؛ لأنهم أقربى إليك، وقال: يجب أن نعلم أن الإحسان يتفاوت؛ فكل من من كان أقرب فهو أولى بالإحسان؛ لأن الحكم إذا علق بوصف قوي بحسب قوة ذلك الوصف؛ فمثلا يجب عليك من صلة العم أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد العم.

    الإحسان إلى اليتامى

    اليتامى: هم الصغار الذين لا كاسب لهم فهم مظنة الحاجة، جمع يتيم وهو كل من فقد أباه قبل الحلم؛ فإذا بلغه خرج عن اليتم، لقوله صلى الله عليه وسلم : «لا يتم بعد احتلام»، وقد وردت نصوص تحث على الإحسان إلى اليتامى وتنهى عن الإساءة إليهم، منها قوله -تعالى-: {فأما اليتيم فلا تقهر}(الضحى :9)، وقال -تعالى-: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا}(النساء :10)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن هذا المال خضرة حلوة ؛ فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل« (أخرجه البخاري كتاب الزكاة باب الصدقة على اليتامى حديث: 1465)، وقال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى، (أخرجه البخاري كتاب الأدب باب فضل من يعول يتيما حديث: 6005)، ومن الإحسان إلى اليتيم، حسن تربيته، وتعاهده بالأخلاق الكريمة، وإن كان لليتيم مال؛ فعلى الولي أن يحفظ ماله، وينفق عليه من ماله بالمعروف، ويخرج زكاته إن وجبت، وينمي ماله بآمن طريقة استحبابا، ولا يتصرف الولي بمال اليتيم، إلا بما فيه مصلحته، فلا يجوز التصرف الضار، كالتبرعات بلا عوض، أو الإقراض؛ فإن فعل ضمن.

    الإحسان إلى المساكين

    المساكين: هم المحاويج من ذوي الحاجات، وأرباب الضرورات الذين أسكنتهم الحاجة، ولا يجدون من يقوم بكفايتهم؛ فأمر الله -تعالى- بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم، قال القرطبي: أَيْ وَأَمَرْنَاهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْمَسَاكِينِ، وَهُمُ الَّذِينَ أَسْكَنَتْهُمُ الْحَاجَةُ وَأَذَلَّتْهُمْ ، وَهَذَا يَتَضَمَّنُ الْحَضَّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْمُؤَاسَاةِ وَتَفَقُّدِ أَحْوَالِ الْمَسَاكِينِ وَالضُّعَفَاءِ، رَوَى مُسْلِمٌ أن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ».

    القول الحسن

    لما كان حسن الخلق قسمين؛ خلق مع الله -تعالى-، وخلق مع الناس، والناس على نوعين، أقارب للإنسان وأباعد؛ فبعد أن بيّن الله -تعالى- الخلق مع الأقارب بيّن أن حسن الخلق مع عامة الناس -وإن تعذر بالمال-؛ فهو متيسر بالمقال؛ وذلك ببذل المعروف، وكف الأذى، وأن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك كما قال صلى الله عليه وسلم : «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة؛ فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت الناس الذي يحب أن يؤتى إليه»، وقال السعدي: ثم أمر بالإحسان إلى الناس عموما؛ فقال: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}، ومن القول الحسن، أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذل السلام، والبشاشة، وغير ذلك من كل كلام طيب.

    من أدب الإنسان


    ومن أدب الإنسان الذي أدب الله به عباده، أن يكون الإنسان نزيها في أقواله وأفعاله، غير فاحش ولا بذيء، ولا شاتم، ولا مخاصم، بل يكون حسن الخلق، واسع الحلم، مجاملا لكل أحد، صبورا على ما يناله من أذى الخلق، امتثالا لأمر الله، ورجاء لثوابه»، ثم أمرهم الله -تعالى- بأعظم العبادات وهي الصلاة، وأمرهم بإيتاء الزكاة؛ لما فيها من نفع الخلق بمواساة المحتاجين؛ فهذه الآية الكريمة اشتملت على مكارم الأخلاق الربانية، ومحاسن الأفعال الإيمانية بما فيها من عبودية للخالق، وإحسان للخلق.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,617

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية


    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (6)



    - مسائل فقهية في ابتلاء الله تعالى لإبراهيم عليه السلام


    للكاتب: د.وليد خالد الربيع



    قال الله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}، قال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله -: «يخبر -تعالى- عن عبده وخليله إبراهيم -عليه السلام- المتفق على إمامته وجلالته، الذي كل من طوائف أهل الكتاب تدعيه، بل وكذلك المشركون: أن الله ابتلاه وامتحنه بكلمات, أي: بأوامر ونواهٍ, كما هي عادة الله في ابتلائه لعباده, ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء والامتحان من الصادق, الذي ترتفع درجته, ويزيد قدره, ويزكو عمله، وكان من أجلِّهم في هذا المقام, الخليل عليه السلام، فأتم ما ابتلاه الله به, وأكمله ووفاه, فشكر الله له ذلك, ولم يزل الله شكورا»، وهذه الآية الكريمة فيها جملة من المسائل الفقهية، منها:

    المسألة الأولى

    ما المراد بالكلمات المذكورة في الآية؟ اختلف العلماء في المراد بالكلمات على أقوال، منها: أنها شرائع الإسلام، قال ابن عباس: ما ابتلى الله أحدًا بهن فقام بها كلها إلا إبراهيم عليه السلام، ابتلي بالإسلام فأتمه فكتب الله له البراءة فقال: {وإبراهيم الذي وفى} وقال بعضهم: بالأمر والنهي، وقال بعضهم: بذبح ابنه، وقال بعضهم: بأداء الرسالة، والمعنى متقارب. وعلى هذا القول فالله -تعالى- هو الذي أتم.

    قال القرطبي: «وأصح من هذا ما ذكره عبد الرزاق عن ابن عباس قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الشعر، وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والاختتان، ونتف الإبط، وغسل مكان الغائط والبول بالماء، وعلى هذا القول فالذي أتم هو إبراهيم، وهو ظاهر القرآن.

    قال القرطبي: «وهذه أحكام يجب بيانها والوقوف عليها والكلام فيها»، والمقصود بهذه الأحكام (خصال الفطرة) إجمالا وتفصيلها فيما يأتي:

    المسألة الثانية

    ما الختان؟ وما حكمه؟ الختان في اللغة: اسم مصدر من الفعل (ختن) يختن ختنا بمعنى (قطع)، والمراد به قطع القلفة من الذكر، وفي الاصطلاح: الختن قطع مخصوص من عضو مخصوص. ويطلق الختان على موضع القطع كما في حديث عائشة مرفوعا: «إذا التقى الختانان», والأول هو المراد هنا»، قال القرطبي: «أجمع العلماء على أن إبراهيم عليه السلام أول من اختتن»، وذلك لما جاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام بَعْدَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ»، و(الْقَدُوم) هو آلة النجار. وقيل: هو مكان بالشام قال الحافظ ابن حجر: وَالرَّاجِح أَنَّ الْمُرَاد فِي الْحَدِيث الآلَة».

    حكم الختان

    وقد اختلف العلماء في حكم الختان:

    المذهب الأول

    الختان مستحب للذكور والإناث، وهو قول الحنفية والمالكية ورواية عن أحمد وهو اختيار الشوكاني، ومما استدلوا به:

    حديث ابن عباس - رضي الله عنه

    حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الختان سنة للرجال مكرمة للنساء». ودلالته ظاهرة حيث وصف الختان بأنه سنة، وهي غير واجبة فدل على أن الختان غير واجب.

    ونوقش هذا الاستدلال بأن الحديث ضعيف، قال الشوكاني: «ومع كون الحديث لا يصلح للاحتجاج، لا حجة فيه على المطلوب؛ لأن لفظة (السنة) في لسان الشرع أعم من السنة في اصطلاح الأصوليين»، أي: أنهما تشمل ما سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الواجبات والمستحبات.

    حديث أبي هريرة - رضي الله عنه

    عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «خمس من الفطرة؛ الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأطفار، وقص الشارب»، قال ابن حجر: «واحتجوا بأن الخصال المنتظمة (أي: المذكورة) مع الختان ليست واجبة إلا عند بعض من شذ، فلا يكون الختان واجبا، ونوقش بأن الاستدلال بالحديث قائم على دلالة الاقتران وهي ضعيفة، قال الزركشي: «دلالة الاقتران أنكرها الجمهور، فيقولون: القرآن في النظم لا يوجب القران في الحكم، كقوله -تعالى-: {كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}». فإيتاء الحق واجب، والأكل مباح.

    المذهب الثاني

    الختان واجب على الرجال والنساء، وهو قول الشافعية والحنابلة، ومما استدلوا به: قوله -تعالى-: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} وقد جاء فى الحديث: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالقَدُّوم». وقد أمرنا باتباع إبراهيم عليه السلام، وفعل تلك الأمور فكانت من شرعنا، وتعقب بأنه لا يلزم وجوب الختان إلا إن كان إبراهيم عليه السلام فعله على سبيل الوجوب، فإنه من الجائز أن يكون فعله على سبيل الندب، وقد تقرر أن الأفعال لا تدل على الوجوب.

    وأجيب: بأن إبراهيم عليه السلام لا يفعل ذلك في مثل سنه إلا عن أمر من الله.

    حديث عُثَيْمِ بْنِ كُلَيْبٍ

    حديث عُثَيْمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ جَاءَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: قَدْ أَسْلَمْتُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم -: «أَلْقِ عَنْكَ شِعْرَ الْكُفْرِ، وَاخْتَتِنْ»، قال في عون المعبود: «فيه دليل على أن الاختتان على من أسلم واجب، وأنه علامة للإسلام، لكن الحديث ضعيف»، حديث عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ»، قالوا: فيه دليل على أن النساء كن يختتن، وتعقب بأن المراد بالحديث (موضع الختان) وليس وجوب الختان.

    المذهب الثالث

    الختان واجب على الرجال، مكرمة في حق النساء، وهو قول الجمهور، ودليل الوجوب على الرجال عندهم فهي أدلة المذهب الثاني، أما دليل عدم الوجوب على النساء فأشار إليه الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- بقوله: «ووجه التفريق بينهما: أنه في حق الرجال فيه مصلحة تعود إلى شرط من شروط الصلاة وهي الطهارة؛ لأنه إذا بقيت هذه الجلدة: فإن البول إذا خرج من ثقب الحشفة بقي وتجمع، وصار سبباً في الاحتراق والالتهاب كلما تحرك، أو عصر هذه الجلدة خرج البول وتنجس بذلك، وأما في حق المرأة: فغاية فائدته: أنه يقلل من غلمتها، أي: شهوتها، وهذا طلب كمال، وليس من باب إزالة الأذى»، وهو المذهب الأظهر؛ لقوة أدلتهم ولأن الختان شعار الدين، وبه يعرف المسلم من الكافر؛ فلو وجد المختون ميتا بين غير مختونين حكمنا بإسلامه فيصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.

    المسألة الثالثة

    وقت الختان، للختان وقتان: وقت وجوب: وهو عند البلوغ حيث تجب الطهارة والصلاة، قال شيخ الإسلام: «ويجب الختان إذا وجبت الطهارة والصلاة»، أما وقت الاستحباب فهو في الصغر إلى سن التمييز؛ وكلما كان في الصغر فهو أولى لأنه أرفق بالطفل وأسرع في البرء.

    المسألة الرابعة

    مسقطات الختان:

    1- أن يولد مختونا

    قال ابن القيم: «فهذا مستغن عن الختان؛ إذ لم يخلق له ما يجب ختانه، وهذا متفق عليه»، ورد على من قال: يستحب إمرار الموسى على موضع الختان: «والصواب أن هذا مكروه، لا يتقرب إلى الله ولا يتعبد بمثله، وتنزه عنه الشريعة؛ فإنه عبث لافائدة منه».

    2- الموت قبل الختان

    قال النووي: «ولو مات إنسان غير مختون فالصحيح المشهور: أنه لا يختن؛ صغيرا كان أم كبيرا؛ لأن المعنى الذي لأجله شرع في الحياة قد زال بالموت، فلا مصلحة في ختانه».

    3- إذا أسلم الرجل كبيرًا


    فيستحب له الختان ولا يجب: قال ابن قدامة: «لأن الغسل والوضوء وغيرهما يسقط إذا خاف على نفسه منه فهذا أولى». ونقل أن الحسن يرخص فيه ويقول: أسلم الناس؛ الأسود والأبيض لم يفتش أحد منهم ولم يختنوا»، وقال ابن عبد البر: «وعامة أهل العلم على هذا».

    4- ضعف المولود

    إذا ضعف المولود عن احتمال الختان بحيث يخاف عليه من التلف ويستمر به الضعف على ذلك؛ فهذا يعذر في تركه، إذ غايته أنه واجب فيسقط بالعجز عنه كسائر الواجبات.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,617

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (7)

    - مسائل فقهية في ابتلاء الله تعالى لإبراهيم عليه السلام


    د.وليد خالد الربيع


    قال الله -تعالى-: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}.

    قال ابن كثير: «إن الله -تعالى- يذكر شرف البيت وما جعله موصوفا به شرعا وقدرا من كونه مثابة للناس، أي: جعله محلا تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه، ولو ترددت إليه كل عام، استجابة من الله -تعالى- لدعاء خليله إبراهيم عليه السلام في قوله: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} إلى أن قال: {ربنا وتقبل دعاء} ويصفه -تعالى- بأنه جعله أمنا، من دخله أمن، ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمنا.

    وفي هذه الآية الكريمة نبه على مقام إبراهيم مع الأمر بالصلاة عنده. وبيّن أن المراد بأمر إبراهيم وإسماعيل- عليهما السلام -بتطهير البيت: هو تطهيره من الأصنام وعبادة الأوثان فيه ومن الشرك».

    وفي هذه الآية الكريمة العديد من المسائل الفقهية، منها:
    المسألة الأولى: هل يقتص ممن لجأ إلى الحرم؟

    - أولا: اتفق الفقهاء على أن من انتهك حرمة الحرم بجناية فيه توجب حدا أو قصاصا فإنه يقام عليه حدها، قال القرطبي: «وقد أجمعوا على أنه لو قتل في الحرم قتل به، ولو أتى حدا أقيد منه به، ولو حارب فيه حورب وقتل مكانه». وذلك لما يلي:

    1-أن الله -تعالى- قد أمر بقتال من قاتل في الحرم فقال -عز وجل-: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} فأباح قتلهم عند قتالهم؛ حيث أخبر بجواز وقوع القتل فيه، وأمرنا بقتل المشركين فيه إذا قاتلونا.

    2- قال ابن عباس: «من أحدث في الحرم أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء».

    3- ولأن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عن ارتكاب المعاصي كغيرهم حفظا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فلو لم يشرع الحد في حق من ارتكبه في الحرم لتعطلت حدود الله في حقهم، وفاتت هذه المصالح التي لابد منها.

    ثانيا: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من استوجب قصاصا في جناية على ما دون النفس ثم لجأ إلى الحرم فإنه يستوفى منه في الحرم، قال الجصاص: «أما ما دون النفس فإنه يؤخذ به؛ لأنه لو كان عليه دين فلجأ إلى الحرم حبس به لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته»، والحبس في الدين عقوبة، فجعل الحبس عقوبة وهو فيما دون النفس، فكل حق وجب فيما دون النفس أخذ به وإن لجأ إلى الحرم قياسا على الحبس في الدين.
    ثالثا: اختلف الفقهاء في حكم من وجب عليه قصاص فلجأ إلى الحرم،على مذهبين:

    المذهب الأول: أن من جنى جناية توجب القصاص ثم لجأ إلى الحرم لم يستوف منه ولكن يضيق عليه ولا يطعم ولا يبايع ولا يؤوى، ويقال له: اتق الله اخرج إلى الحل ليستوفى منك الحق الذي قبلك.وهو قول ابن عباس، وهو مذهب الحنفية ورواية عن أحمد، ودليلهم:

    1-قوله -تعالى-: {ومن دخله كان آمنا} والمقصود الحرم، والخبر أريد به الأمر لأنه لو أريد به الخبر لأفضى إلى وقوع الخبر خلاف المخبر.

    2-قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد بها شجرة».

    قال ابن حجر: «وظاهره أن حكم الله -تعالى- في مكة ألا يقاتل أهلها ويؤمن من استجار بها ولا يتعرض له».

    المذهب الثاني: يستوفى من الجاني ولو لجأ إلى الحرم. وهو مذهب مالك والشافعي، ودليلهم:

    1-عموم النصوص الآمرة باستيفاء القصاص، كقوله -تعالى-: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} ونحوها، مما يدل على وجوب استيفاء القصاص من الجاني دون تخصيص الحكم بمكان دون آخر، وسواء جنى الجاني في الحرم أم كان خارجه ثم لجأ إليه.

    2- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة.

    3- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل الفواسق الخمس في الحل والحرم فقال: «خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحرم، الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور»، فنبه بقتلهن في الحل والحرم على العلة وهي (فسقهن) ولم يجعل التجاءهن إلى الحرم مانعا من قتلهن، وكذلك فاسق بني آدم الذي استوجب القتل يقتل في الحرم دون تفريق بين كونه قتل في الحرم أم قتل خارجه ثم لجأ إليه.
    وقد نوقش هذا الاستدلال بما يلي:

    1-أما العمومات الدالة على استيفاء القصاص في كل مكان، فلا تعرض فيها لزمان الاستيفاء ولا لمكانه، كما لا تعرض فيها لشروطه وانتفاء موانعه، وحيث إنها عامة لكل زمان ومكان فينبغي تخصيصها بالأدلة الدالة على منع الاستيفاء ممن لجأ إلى الحرم، كما أنها قد خصصت بالحامل والمرضع والمريض الذي يرجى برؤه.

    2-أما قتل ابن خطل، فقد وقع في الساعة التي أحل فيها القتال بمكة، وقد صرح النبي بأن ذلك من خصوصياته، فقال: «فإن أحد ترخص لقتال رسول الله فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب».

    3-أما القول بأن الجاني حيوان مفسد فأبيح قتله في الحل والحرم كالكلب العقور، فلا يصح القياس؛ لأن الكلب العقور طبعه الأذى فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه عن أهله، وأما الآدمي فالأصل فيه الحرمة وحرمته عظيمة، وإنما أبيح لعارض فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة فإن الحرم يعصمها.وأيضا فإن حاجة أهل الحرم إلى قتل الكلب العقور والحية ونحوها كحاجة أهل الحل سواء، فلو أعاذها الحرم لعظم عليهم الضرر بها.
    والذي يظهر هو رجحان المذهب الأول لأمور:

    - الأول: أن تحريم مكة تحريم قدري شرعي سبق به قدر الله يوم خلق السماوات والأرض، ثم ظهر به على لسان إبراهيم الخليل ومحمد -عليهما صلوات الله وسلامه-، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرما، وإني أحرم المدينة».

    وقد كانت العرب في جاهليتها تعظم الحرم ولا تأخذ من لجأ إليه، فقد كان الرجل يرى قاتل أبيه أو ابنه في الحرم فلا يهيجه، فلما جاء الإسلام أكد ذلك وقواه.

    - الثاني: ما نقل عن سلف الأمة من الصحابة الكرام في تأكيد هذا الحكم: فعن عمر بن الخطاب قال: لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. وعن ابن عمر قال: لو لقيت فيه قاتل عمر ما ندهته أي ما زجرته.وعن ابن عباس: لو لقيت قاتل أبي في الحرم ما هجته حتى يخرج منه.قال ابن القيم: «وهذا قول جمهور التابعين ومن بعدهم بل لا يحفظ عن تابعي ولا صحابي خلافه».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,617

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (8)

    مسائل فقهية في اتخاذ مقام إبراهيم مصلى




    د.وليد خالد الربيع



    لا نزال مع الأحكام الفقهية المستفادة من قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} البقرة:125، ومع المسألة الثانية مع قوله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} ما المراد بمقام إبراهيم؟

    المقام في اللغة: موضع القدمين، ومكان القيام، قال النحاس: مقام من قام يقوم، ويكون مصدرا واسما للموضع، واختلف في تعيين المقام على أقوال:

    فعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء أنه الحج كله، وهو اختيار الشيخ ابن سعدي حيث قال: « لعل هذا المعنى أولى لدخول المعنى الأول فيه واحتمال اللفظ له».، وعن عطاء والشعبي أنه عرفة ومزدلفة والجمار، وقال النخعي ومجاهد: الحرم كله مقام إبراهيم، وأصح الأقوال أنه الحجر الذي تعرفه الناس اليوم الذي يصلون عنده ركعتي الطواف، وهذا قول جابر وابن عباس وقتادة وغيرهم وهو اختيار الطبري وابن العربي والشوكاني والشيخ ابن عثيمين للأحاديث الصحيحة في ذلك، منها ما أخرجه مسلم من حديث جابر الطويل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى البيت استلم الركن فرمل ثلاثا، ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}، فصلى ركعتين قرأ فيهما بـ:{قل هو الله أحد}، و:{قل يا أيها الكافرون}.

    مقام إبراهيم هو (الحجر)

    وفي البخاري: أن مقام إبراهيم الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم -عليه السلام- حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل يناولها إياه في بناء البيت، وغرقت قدماه فيه، قال الطبري: «ولو لم يكن على صحة ما اخترنا في تأويل ذلك خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكان الواجب فيه من القول ما قلنا، وذلك أن الكلام محمول معناه على ظاهره المعروف، دون باطنه المجهول، حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك، مما يجب التسليم له. ولا شك أن المعروف في الناس بـ (مقام إبراهيم) هو المصلى الذي قال الله -تعالى- ذكره: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}».

    المراد بقوله تعالى: {مصلى}

    واختلفوا في المراد بقوله -تعالى-: {مصلى}:

    فمن فسر المقام بمشاهد الحج ومشاعره قال: مصلى (مدعى) أي: مكان دعاء؛ من الصلاة التي هي الدعاء، وهو قول مجاهد ومن وافقه، ومن فسر المقام بالحجر قال: معناه اتخذوا من مقام إبراهيم قبلة لصلاتكم، فأمروا بالصلاة عنده، وهو قول قتادة ومن وافقه، قال ابن العربي: «إنَّه (أي حديث جابر) بَيَّنَ الصَّلَاةَ وَأَنَّهَا الْمُتَضَمِّنَة ُ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا مُطْلَقِ الدُّعَاءِ». وهو الأظهر لدلالة الأحاديث.

    المسألة الثالثة

    ما حكم ركعتي الطواف؟

    اتفق الفقهاء على أنه يسن للطائف أن يصلي بعد فراغه ركعتين، ويستحب أن يركعهما خلف المقام لقوله تعالى‏:‏ ‏{وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى‏}‏، ويستحب أن يقرأ فيهما: ‏{‏قل يا أيها الكافرون‏}‏ في الأولى، و: ‏{‏قل هو الله أحد‏}‏ في الثانية‏، لحديث جابر المتقدم في صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر أنه صلى ركعتين بعد الطواف، قال النووي: «هذا دليل لما أجمع عليه العلماء أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلي ركعتي الطواف»، وقد اختلف الفقهاء في وجوب ركعتي الطواف بعد الاتفاق على مشروعيتهما:

    المذهب الأول

    ركعتا الطواف واجبتان، وهو مذهب الحنفية والمالكية وقول للشافعية؛ لأن الله أمر بهما، وبينهما النبي - صلى الله عليه وسلم - بفعله وواظب عليهما، والأصل في الأمر الوجوب، ولأنهما تابعتان للطواف فكانتا واجبتين‏، كالسعي.

    المذهب الثاني

    ركعتا الطواف مستحبتان، وهو مذهب الشافعية والحنابلة وهو قول ابن حزم واختيار ابن باز وابن عثيمين، لقوله -عليه السلام-‏: «‏خمس صلوات كتبهن الله على العبد من حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة‏» ‏ وركعتا الطواف ليستا منها، ‏‏ولما سأل الأعرابي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الفرائض‏، ذكر الصلوات الخمس قال‏:‏ فهل علي غيرها‏؟‏ قال‏:‏ «لا، إلا أن تطوع‏».

    قياسهما على السعي

    وأما قياسهما على السعي فالجواب: أن السعي لم يجب لكونه تابعا‏، ولا هو مشروع مع كل طواف، ولو طاف الحاج طوافا كثيرا لم يجب عليه إلا سعي واحد فإذا أتى به مع طواف القدوم‏، لم يأت به بعد ذلك بخلاف الركعتين فإنهما يشرعان عقيب كل طواف‏، قال النووي: «وسواء قلنا: واجبتان، أو سنتان لو تركهما لم يبطل طوافه».

    المسألة الرابعة

    هل تجزئ المكتوبة عن ركعتي الطواف؟

    قال ابن قدامة: «وإذا صلى المكتوبة بعد طوافه‏‏ أجزأته عن ركعتي الطواف، روي نحو ذلك عن ابن عباس وعطاء وجابر بن زيد‏‏ والحسن وسعيد بن جبير وإسحق، وعن أحمد أنه يصلي ركعتي الطواف بعد المكتوبة، قال أبو بكر عبد العزيز‏:‏ هو أقيس. وبه قال الزهري‏‏ ومالك وأصحاب الرأي؛ لأنه سنة فلم تجزئ عنها المكتوبة‏ كركعتي الفجر.

    ذكر الشوكاني أن الزهري لما قيل له: إن عطاء يقول: تجزئ المكتوبة من ركعتي الطواف. فقال الزهري: «السنة أفضل، لم يطف النبي - صلى الله عليه وسلم - أسبوعا إلا صلى ركعتين».

    قال الشوكاني: «استدل به من قال: لا تجزئ المكتوبة عن ركعتي الطواف، وتعقب بأن قوله: «إلا صلى ركعتين» أعم من أن يكون ذلك نفلا أو فرضا؛لأن الصبح ركعتان».

    ورجح ابن قدامة الأول؛ لأنهما ركعتان شرعتا للنسك، فأجزأت عنهما المكتوبة‏ كركعتي الإحرام‏».


    المسألة الخامسة

    هل تجزئ ركعتا الطواف في مكان آخر؟

    إذا لم يتيَسَّرْ للطَّائِفِ أداءُ ركعتي الطَّوافِ خَلْفَ المقامِ بسبب الزِّحامِ أو غيره، فإنه يُصَلِّيها في أي مكانٍ تيسَّرَ في المسجِدِ باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقْهيَّةِ الأربَعةِ، قال ابن قدامة: «وحيث ركعهما ومهما قرأ فيهما‏ جاز، فإن عمر ركعهما بذي طوى».

    قال النووي: «والسنة أن يصليهما خلف المقام، فإن لم يفعل ففي الحجر، وإلا في المسجد، وإلا في مكة وسائر الحرم، ولو صلاهما في وطنه وغيره من أقاصي الأرض جاز وفاتته الفضيلة».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,617

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (9)

    - المسائل الفقهية في تطهير بيت الله لِلطَّائِفِينَ




    د.وليد خالد الربيع


    لا نزال مع الأحكام الفقهية في قصة بناء إبراهيم -عليه السلام- وابنه إسماعيل بيت الله الحرام، واليوم نقف مع المسائل الفقهية المستفادة من قوله -تعالى-: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}، قال ابن سعدي: أي: أوحينا إليهما، وأمرناهما بتطهير بيت الله من الشرك والكفر والمعاصي، ومن الرجس والنجاسات والأقذار قدم الطواف لاختصاصه بالمسجد الحرام، ثم الاعتكاف؛ لأن من شرطه المسجد مطلقا.ثم الصلاة، مع أنها أفضل لهذا المعنى.


    وأضاف الباري البيت إليه لفوائد منها ما يلي: أن ذلك يقتضي شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره لكونه بيت الله؛ فيبذلان جهدهما ويستفرغان وسعهما في ذلك. ومنها: أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام؛ ففي ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه.

    ومنها: أن هذه الإضافة، هي السبب الجالب للقلوب إليه.

    الطواف أفضل أم الصلاة؟

    المسألة السادسة: الطواف أفضل أم الصلاة عند الكعبة؟

    اِخْتَلَفَ الْفُقَهَاء في هذه المسألة:


    المذهب الأول

    الطَّوَاف لِأَهْلِ الْأَمْصَار أَفْضَل، وَالصَّلَاة لِأَهْلِ مَكَّة أَفْضَل، وَذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَطَاء وَمُجَاهِد، وهو قول مَالِك؛ لأن الله -تعالى- قدم الطواف في الآية على غيره، فهو أفضل؛ ولأن الصلاة يمكن فعلها في كل مكان، أما الطواف فلا يمكن إلا بالكعبة فهو مختص بها؛ فهو أفضل.

    المذهب الثاني

    الصَّلَاة أَفْضَل، وهو قول الجمهور للْأَخْبَار الكثيرة فِي فَضْل الصَّلَاة وَالسُّجُود، قال الشيخ ابن باز : «فقد ذكر جمع من أهل العلم أن الغريب الأفضل له أن يكثر من الطواف؛ لأنه ليس بمقيم، ولا يحصل له الطواف إلا بمكة، أما المقيم بمكة فهو نازل مقيم، والصلاة أفضل له؛ لأن جنس الصلاة أفضل من جنس الطواف؛ فإذا أكثر من الصلاة كان أفضل، أما الغريب الذي ليس بمقيم؛ فهذا يستحب له الإكثار من الطواف؛ لأنه ليس بمقيم، بل سوف ينزح ويخرج عن مكة؛ فاغتنامه الطواف أولى؛ لأن الصلاة يمكنه الإتيان بها في كل مكان، يعني كل هذا في النافلة، أعني: طواف النافلة، وصلاة النافلة».

    المسألة السابعة

    وجوب تطهير المساجد

    دلت الآية الكريمة على وجوب العناية بالمساجد وتنظيفها واحترامها؛ فعَنْ عَائِشَةَ -رضِيَ اللهُ عَنْها- قَالَتْ: «أَمَرَ رَسُولُ الله صلى لله عليه وسلم بِبِنَاءِ المسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ».

    ذكر الشيخ ابن عثيمين أن تطهير البيت ينقسم إلى قسمين:

    تطهير معنوي

    أن يطهر من الشرك والمعاصي؛ وذلك لأن الشرك نجاسة كما قال -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}.

    التطهير الحسي

    بأن يطهر من الأقذار، وهذا الحكم ثابت للمسجد الحرام ولغيره من المساجد؛ ولهذا لما بال الأعرابي في مسجد النبي صلى لله عليه وسلم أمر النبي صلى لله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه، قال القرطبي: «لَمَّا قَالَ اللَّه -تَعَالَى-:{أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي} دَخَلَ فِيهِ بِالْمَعْنَى جَمِيع بُيُوته -تَعَالَى-؛ فَيَكُون حُكْمهَا حُكْمه فِي التَّطْهِير وَالنَّظَافَة، وَإِنَّمَا خُصَّ الْكَعْبَة بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرهَا، أَوْ لِكَوْنِهَا أَعْظَم حُرْمَة».

    المسألة الثامنة

    حكم الصلاة داخل الكعبة

    قال القرطبي: «لَا نَعْلَم خِلَافًا بَيْن الْعُلَمَاء فِي صِحَّة النَّافِلَة فِي الْكَعْبَة»، واختلفوا في صلاة الفرض على مذهبين:

    المذهب الأول

    تجوز الصلاة في داخل الكعبة مطلقا، وهو قول الحنفية والشافعية، واِسْتَدَلوا بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى جَوَاز الصَّلَاة الْفَرْض وَالنَّفْل دَاخِل الْبَيْت؛ فقوله -تعالى-: {والركع السجود} يشمل المصلين عموما، وبما رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ: دَخَلَ رَسُول اللَّه صلى لله عليه وسلم هُوَ وَأُسَامَة بْن زَيْد وَبِلَال وَعُثْمَان بْن طَلْحَة الْبَيْت فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ الْبَاب، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْت أَوَّل مَنْ وَلَجَ فَلَقِيت بِلَالًا فَسَأَلْته: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُول اللَّه صلى لله عليه وسلم ؟ قَالَ: نَعَمْ بَيْن الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْن ِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَفِيهِ قَالَ: جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَاره وَعَمُودًا عَنْ يَمِينه وَثَلَاثَة أَعْمِدَة وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْت يَوْمئِذٍ عَلَى سِتَّة أَعْمِدَة.

    المذهب الثاني

    تجوز صلاة النافلة لا الفريضة، وهو قول المالكية والحنابلة، لِمَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَة بْن زَيْد أَنَّ النَّبِيّ صلى لله عليه وسلم مَّا دَخَلَ الْبَيْت دَعَا فِي نَوَاحِيه كُلّهَا وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ؛ فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ فِي قُبُل الْكَعْبَة رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ: «هَذِهِ الْقِبْلَة» وَهَذَا نَصّ، ولاشك أن رواية ابن عمر مقدمة؛ لأنه أثبت فعل الصلاة والمثبت مقدم على النافي، كما أن رواية ابن عباس لها احتمالات ذكرها شراح الحديث.

    قول ابن باز

    قال الشيخ ابن باز: «الصلاة في الكعبة جائزةٌ، بل مشروعة؛ فالنبيُّ صلى لله عليه وسلم صلَّى في الكعبة لَمَّا فتَح مكة، دخَلَها وصلَّى فيها ركعتين، وكبَّر ودعا في نواحيها -عليه الصَّلاة والسَّلام-، وجعل بينه وبين الجدار القريب منها حين صلَّى ثلاثةَ أذرع -عليه الصلاة والسلام-، وقال لعائشة في حجَّة الوداع لَمَّا أرادت الصلاة في الكعبة: «صلِّي في الحِجر؛ فإنه من البيت»، لكن ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنه لا يُصلي فيها الفريضة، بل تُصلى في خارجها؛ لأنَّها هي القبلة فتُصلي الفريضة في خارجها، وأما النافلة فلا بأس؛ لأنَّ الرسول صلى لله عليه وسلم صلَّى فيها النافلة، ولم يصلِّ فيها الفريضة.

    والصواب: أنه لو صلَّى فيها الفريضة أجزأه وصحَّت، لكن الأفضل والأَوْلى أن تكون الفريضة خارجَ الكعبة، خروجًا من الخلاف، وتأسيًا بالنبي صلى لله عليه وسلم ؛ فإنَّه صلَّى بالناس الفريضةَ خارج الكعبة».

    قول ابن عثيمين

    وقال الشيخ ابن عثيمين: «الصحيح أن الصلاة في الكعبة صحيحة فرضا ونفلا، واستدل بأن الأصل تساوي الفرض والنفل في جميع الأحكام إلا بدليل، ويستدل لهذا الأصل بأن الصحابة لما ذكروا أن النبي صلى لله عليه وسلم كان يصلي على راحلته حيثما توجهت به، قالوا: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة، وهذا يدل على أنهم لو لم يستثنوا لكانت المكتوبة كالنافلة تصلى الراحلة؛ ولأن الله -عز وجل- يقول: {فول وجهك شطر المسجد الحرام}، وشطره بمعنى جهته، وهذا يشمل استقبال جميع الكعبة أو جزء منها، كما فسرت ذلك السنة بصلاة الرسول صلى لله عليه وسلم في الكعبة».

    فوائد الآية

    قال ابن عثيمين مبينا بقية فوائد الآية:

    1- فضيلة الطواف لقوله: {طهرا بيتي للطائفين}، ولا شك أن الطواف من الأعمال الجليلة الفاضلة؛ ولهذا كان ركنا في الحج والعمرة.

    2- الإشارة إلى أن المشروع للطائف أن يكون متطهرا؛ لأنه إذا أمر بتطهير البيت من أجله -أي الطائف-؛ فتطهيره بنفسه وتطهير ما لبسه من الثياب أولى؛ فالمشروع للطائف أن يكون طاهرا من الأنجاس والأحداث.

    3- مشروعية الاعتكاف عموما، وفضيلة الاعتكاف في المسجد الحرام.

    4- أن الطواف لا يكون إلا حول الكعبة، لقوله -تعالى-: {طهرا بيتي للطائفين}؛ ولهذا قال العلماء: يشترط لصحة الطواف أن يكون في المسجد الحرام، وأنه لو طاف خارج المسجد ما أجزأه؛ لأنه يكون حينئذ طائفا بالمسجد لا بالكعبة، أما الذين يطوفون في المسجد نفسه، سواء فوق أو تحت؛ فهؤلاء يجزئهم الطواف، ويجب الحذر من الطواف في المسعى أو فوقه؛ لأن المسعى ليس من المسجد».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,617

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (10)

    - حكم الدخول إلى أرض الطاعون أو الفرار منها


    د.وليد خالد الربيع



    قال الله -تعالى-: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ علَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ}(الب قرة: 243)، قال ابن سعدي:” يقص -تعالى- علينا قصة الذين خرجوا من ديارهم على كثرتهم واتفاق مقاصدهم، بأن الذي أخرجهم منها حذر الموت من وباء أو غيره، يقصدون بهذا الخروج السلامة من الموت، ولكن لا يغني حذر عن قدر؛ فقال الله لهم: موتوا؛ فماتوا، ثم إن الله -تعالى- أحياهم بدعوة نبي أو بغير ذلك، رحمة بهم ولطفا وحلما، وبيانا لآياته لخلقه بإحياء الموتى»، قال ابن العربي: «الْأَصَحُّ أَنَّ خُرُوجَهُمْ إنَّمَا كَانَ فِرَارًا مِنْ الطَّاعُونِ، وَهَذَا حُكْمٌ بَاقٍ فِي مِلَّتِنَا لَمْ يَتَغَيَّرْ».

    وقد اختلف العلماء في مسألتي الدخول إلى أرض الطاعون والفرار منها، وخلاصته:

    المسألة الأولى: حكم الدخول إلى بلد وقع فيها الطاعون:

    المذهب الأول

    النهي عن الدخول إلى بلد فيها الطاعون للتنزيه، ويجوز الإقدام عليه لمن قوي توكله وصح يقينه، دليلهم عن ابن عمر قال: جئت عمر حين قدم فوجدته قائلا في خبائه؛ فانتظرته في ظل الخباء؛ فسمعته يقول حين تضور: «اللهم اغفر لي رجوعي من سرغ». أخرجه ابن أبي شيبة بسند جيد كما قال ابن حجر؛ فتمسكوا بندم عمر على رجوعه مع علمه بالنهي مما يدل على أن النهي للتنزيه وأن القدوم عليه جائز لمن غلب عليه التوكل، ونوقش بأنه لا يصح عن عمر.

    وأجيب بأن سنده قوي، فعلى هذا يحتمل أن يكون سبب ندمه أنه خرج لأمر مهم من أمور المسلمين، فلما وصل إلى قرب البلد المقصود رجع، مع أنه كان يمكنه أن يقيم بالقرب من البلد المقصود إلى أن يرتفع الطاعون فيدخل إليها ويقضي حاجة المسلمين، ويؤيد ذلك أن الطاعون ارتفع عنها عن قرب؛ فلعله بلغه ذلك فندم على رجوعه إلى المدينة، لا على مطلق رجوعه.

    المذهب الثاني

    جواز رجوع من أراد دخول بلد فعلم أن بها الطاعون، وأن ذلك ليس من الطيرة، وإنما هي من منع الإلقاء إلى التهلكة. وهو مذهب الجمهور كما ذكر النووي وغيره لما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن عامر أن عمر رضي الله عنه خرج إلى الشأم فلما جاء بسرغ بلغه أن الوباء وقع بالشأم؛ فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه» فرجع عمر من سرغ .

    الطاعون رجز أو عذاب

    وأخرج الشيخان عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون فقال أسامة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطاعون رجز أو عذاب أرسل على بني إسرائيل أو على من كان قبلكم؛ فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه».

    عَلَى الْمَرْءِ تَوَقِّي الْمَكَارِهِ

    وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: «فِي حَدِيثِ سَعْدٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْءِ تَوَقِّي الْمَكَارِهِ قَبْلَ نُزُولِهَا، وَتَجَنُّبَ الْأَشْيَاءِ الْمَخُوفَةِ قَبْلَ هُجُومِهَا، وَأَنَّ عَلَيْهِ الصَّبْرَ وَتَرْكَ الجزع بعد نزولها، وذلك أنه -عليه السَّلَامُ- نَهَى مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَرْضِ الْوَبَاءِ عَنْ دُخُولِهَا إِذَا وَقَعَ فِيهَا، وَنَهَى مَنْ هُوَ فِيهَا عَنِ الْخُرُوجِ مِنْهَا بَعْدَ وُقُوعِهِ فِيهَا فِرَارًا مِنْهُ، فَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ كُلِّ مُتَّقٍ مِنَ الْأُمُورِ غَوَائِلَهَا، سَبِيلُهُ فِي ذَلِكَ سَبِيلُ الطَّاعُونِ»، وقال القرطبي: «قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْبَابِ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الرَّسُولِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَصْحَابِهِ الْبَرَرَةِ الْكِرَامِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- وَقَدْ قَالَ عُمَرُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ مُحْتَجًّا عَلَيْهِ لَمَّا قَالَ لَهُ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟! فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ» نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ.

    مَحِيصَ لِلْإِنْسَانِ عَمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ

    الْمَعْنَى: أَيْ: لَا مَحِيصَ لِلْإِنْسَانِ عَمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَلَكِنْ أَمَرَنَا اللَّهُ -تَعَالَى- بِالتَّحَرُّزِ مِنَ الْمَخَاوِفِ وَالْمُهْلِكَات ِ، وَبِاسْتِفْرَاغ ِ الْوُسْعِ فِي التَّوَقِّي مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خِصْبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخِصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؟؛ فَرَجَعَ عُمَرُ مِنْ مَوْضِعِهِ ذَلِكَ إِلَى الْمَدِينَةِ».

    حكم الخروج من أرض الطاعون

    المسألة الثانية: حكم الخروج من الأرض التي وقع فيها الطاعون:

    جواز الخروج

    المذهب الأول: جواز الخروج من الأرض التي يقع بها الطاعون، وهو قول جماعة من الصحابة، منهم أبو موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين الأسود بن هلال ومسروق، واستدلوا بما أخرج أحمد بسند صحيح إلى أبي منيب:أن عمرو بن العاص قال في الطاعون: إن هذا رجز مثل السيل، من تنكبه أخطأه. ومثل النار، من أقام أحرقته؛ فقال شرحبيل بن حسنة: إن هذا رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وقبض الصالحين قبلكم.

    قال ابن حجر: «وأخرج أحمد من طريق أخرى أن المراجعة في ذلك أيضا وقعت من عمرو بن العاص ومعاذ، وفي معظم الطرق أن عمرو بن العاص صدق شرحبيل وغيره على ذلك».

    قال الطحاوي: «استدل من أجاز الخروج بالنهي الوارد عن الدخول إلى الأرض التي يقع بها، قالوا: وإنما نهى عن ذلك خشية أن يعدي من دخل عليه.

    قال: وهو مردود؛ لأنه لو كان النهي لهذا لجاز لأهل الموضع الذي وقع فيه الخروج، وقد ثبت النهي أيضا عن ذلك فعرف أن المعنى الذي لأجله منعوا من القدوم عليه غير معنى العدوى، والذي يظهر - والله أعلم - أن حكمة النهي عن القدوم عليه لئلا يصيب من قدم عليه بتقدير الله فيقول: لولا أني قدمت هذه الأرض لما أصابني، ولعله لو أقام في الموضع الذي كان فيه لأصابه؛ فأمر ألا يقدم عليه حسما للمادة، ونهى من وقع وهو بها أن يخرج من الأرض التي نزل بها لئلا يسلم فيقول مثلا: لو أقمت في تلك الأرض لأصابني ما أصاب أهلها، ولعله لو كان أقام بها ما أصابه من ذلك شيء».

    يحرم الخروج

    المذهب الثاني: يحرم الخروج منها لظاهر النهي الثابت في الأحاديث الماضية .

    وهو مذهب الجمهور كما ذكره النووي وغيره مستدلين بالأحاديث المتقدمة في النهي عن الدخول عليه أو الفرار منه، ويؤيد هذا الوعيد الثابت في حق من فر منه فقد أخرج أحمد وابن خزيمة من حديث عائشة: قلت يا رسول الله فما الطاعون؟ قال: «غدة كغدة الإبل، المقيم فيها كالشهيد، والفار منها كالفارِّ من الزحف»، وقد حسن ابن حجر سنده

    وأخرج أحمد من حديث جابر رفعه: «الفارُّ من الطاعون كالفار من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف» وصححه الألباني، قال ابن حجر:»الصور ثلاث:


    من خرج لقصد الفرار محضا فهذا يتناوله النهي لا محالة.

    ومن خرج لحاجة متمحضة لا لقصد الفرار أصلا، ويتصور ذلك فيمن تهيأ للرحيل من بلد كان بها إلى بلد إقامته مثلا ولم يكن الطاعون وقع؛ فاتفق وقوعه في أثناء تجهيزه؛ فهذا لم يقصد الفرار أصلا فلا يدخل في النهي.

    والثالث من عرضت له حاجة فأراد الخروج إليها وانضم إلى ذلك أنه قصد الراحة من الإقامة بالبلد التي وقع بها الطاعون؛ فهذا محل النزاع».

    وبهذا يترجح مذهب الجمهور في منع دخول الأرض التي فيها الطاعون، وكذلك منع الفرار منها.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,617

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (11)

    - أحكام فقهية في قصة الملأ من بني إسرائيل


    د.وليد خالد الربيع



    قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } سورة البقرة:246.



    قال الشيخ ابن سعدي: «يقص الله -تعالى- على نبيه قصة الملأ من بني إسرائيل وهم الأشراف والرؤساء، وخص الملأ بالذكر؛ لأنهم في العادة هم الذين يبحثون عن مصالحهم ليتفقوا؛ فيتبعهم غيرهم على ما يرونه، وذلك أنهم أتوا إلى نبي لهم بعد موسى -عليه السلام- فقالوا له: {ابعث لنا ملكا} أي: عيِّن لنا ملكا {نقاتل في سبيل الله} ليجتمع متفرقنا ويقاوم بنا عدونا، ولعلهم في ذلك الوقت ليس لهم رئيس يجمعهم، كما جرت عادة القبائل -أصحاب البيوت-، كل بيت لا يرضى أن يكون من البيت الآخر رئيس، فالتمسوا من نبيهم تعيين ملك يرضي الطرفين ويكون تعيينه خاصا لعوائدهم.

    أنبياء بني إسرائيل

    وكانت أنبياء بني إسرائيل تسوسهم، كلما مات نبي خلفه نبي آخر، فلما قالوا لنبيهم تلك المقالة قال لهم نبيهم: {هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا} أي: لعلكم تطلبون شيئا وهو إذا كتب عليكم لا تقومون به، فعرض عليهم العافية فلم يقبلوها، واعتمدوا على عزمهم ونيتهم، فقالوا: {وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} أي: أي شيء يمنعنا من القتال وقد ألجأنا إليه، بأن أخرجنا من أوطاننا وسبيت ذرارينا، فهذا موجب لكوننا نقاتل ولو لم يكتب علينا، فكيف مع أنه فرض علينا وقد حصل ما حصل؟ ولهذا لما لم تكن نياتهم حسنة ولم يقوَ توكلهم على ربهم {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا} فجبنوا عن قتال الأعداء وضعفوا عن المصادمة، وزال ما كانوا عزموا عليه، واستولى على أكثرهم الخور والجبن { إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ} فعصمهم الله وثبتهم وقوى قلوبهم فالتزموا أمر الله، ووطنوا أنفسهم على مقارعة أعدائه، فحازوا شرف الدنيا والآخرة، وأما أكثرهم فظلموا أنفسهم وتركوا أمر الله؛ فلهذا قال: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ }».


    تمني لقاء العدو

    من المسائل الفقهية المستفادة من هذه الآية الكريمة مسألة (تمني لقاء العدو): قال القرطبي: «أخبر -تعالى- أنه لما فرض عليهم القتال ورأوا الحقيقة، ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب وأن نفوسهم ربما قد تذهب تولوا أي: اضطربت نياتهم وفترت عزائمهم، وهذا شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدعة تتمنى الحرب أوقات الأنفة فإذا حضرت الحرب كعت وانقادت لطبعها، وعن هذا المعنى نهى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا» متفق عليه.

    المنع من طلب لقاء العدو

    فظاهر الحديث يدل على المنع من طلب لقاء العدو، وقد اجتهد العلماء في بيان الحكمة من ذلك، فقال النووي: «إِنَّمَا نَهَى عَنْ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ لِمَا فِيهِ مِنْ صُورَةِ الْإِعْجَابِ وَالِاتِّكَالِ عَلَى النَّفْسِ وَالْوُثُوقِ بِالْقُوَّةِ وَهُوَ نَوْعُ بَغْيٍ، وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْصُرَهُ، وَلِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ قِلَّةَ الِاهْتِمَامِ بِالْعَدُوِّ وَاحْتِقَارَهُ وَهَذَا يُخَالِفُ الِاحْتِيَاطَ وَالْحَزْمَ».

    صُورَةٍ خَاصَّة

    وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى النَّهْيِ عَنِ التَّمَنِّي فِي صُورَةٍ خَاصَّةٍ وَهِيَ إِذَا شَكَّ فِي الْمَصْلَحَةِ فِيهِ وَحُصُولِ ضَرَرٍ وَإِلَّا فَالْقِتَالُ كُلُّهُ فَضِيلَةٌ وَطَاعَةٌ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَلِهَذَا تَمَّمَهُ - صلى الله عليه وسلم- بِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: «وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ»، وَقَدْ كَثُرَتِ الْأَحَادِيثُ فِي الْأَمْرِ بِسُؤَالِ الْعَافِيَةِ وَهِيَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ الْمُتَنَاوِلَة ِ لِدَفْعِ جَمِيعِ الْمَكْرُوهَاتِ فِي الْبَدَنِ وَالْبَاطِنِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».

    ونقل ابن حجر عن ابن بَطَّالٍ أن حِكْمَةُ النَّهْيِ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَعْلَمُ مَا يؤول إِلَيْهِ الْأَمْرُ وَهُوَ نَظِيرُ سُؤَالِ الْعَافِيَةِ مِنَ الْفِتَنِ وَقَدْ قَالَ الصِّدِّيقُ: لَأَنْ أُعَافَى فَأَشْكُرَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُبْتَلَى فَأَصْبِرَ.

    مِنْ أَشَقِّ الْأَشْيَاءِ

    وَقَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيد: «لَمَّا كَانَ لِقَاءُ الْمَوْتِ مِنْ أَشَقِّ الْأَشْيَاءِ عَلَى النَّفْسِ وَكَانَتِ الْأُمُورُ الْغَائِبَةُ لَيْسَتْ كَالْأُمُورِ الْمُحَقَّقَةِ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْوُقُوعِ كَمَا يَنْبَغِي فَيُكْرَهُ التَّمَنِّي لِذَلِكَ، وَلِمَا فِيهِ لَوْ وَقَعَ مِنَ احْتِمَالِ أَنْ يُخَالِفَ الْإِنْسَانُ مَا وَعَدَ مِنْ نَفْسِهِ ثُمَّ أُمِرَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ وُقُوعِ الْحَقِيقَةِ».

    ظاهر الحديث

    وأورد الحافظ ابن حجر إشكالا حول تعارض ظاهر هذا الحديث مَعَ الأدلة التي تدل على جَوَازِ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ كحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « والذي نفسي بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل» متفق عليه.

    حُصُولَ الشَّهَادَةِ

    وجمع بينهما بقوله: «وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ حُصُولَ الشَّهَادَةِ أَخَصُّ مِنَ اللِّقَاء لَإمَكَان تَحْصِيلِ الشَّهَادَةِ مَعَ نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ وَدَوَامِ عِزِّهِ بِكَسْرَةِ الْكُفَّارِ، وَاللِّقَاءُ قَدْ يُفْضِي إِلَى عَكْسِ ذَلِكَ فَنَهَى عَنْ تَمَنِّيهِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ تَمَنِّيَ الشَّهَادَةِ، أَوْ لَعَلَّ الْكَرَاهِيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ يَثِقُ بِقُوَّتِهِ وَيُعْجَبُ بِنَفْسِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ».

    وذكر المازري في شرح مسلم جوابا آخر فقال: «قيل: قد يكون المراد بهذا أنّ التمنّيَ ربّما أثار فتنة أو أدخل مضرة إذا تُسُهِّل في ذلك واستُخف به، ومن استخف بعدوّه فقد أضاع الحزم، فيكون المراد بهذا أي: لا تَستهينوا بالعدوّ فتتركوا الحذر والتحفّظ على أنفسكم وعلى المسلمين، أو يكون لا تتمنّوا لقاءه على حالة يشكّ في غلبته لكم أو يخاف منه أن يستبيح الحريم أو يُذهب الأنفس والأموال أو يدرك منه ضرر».

    فوائد الآية الكريمة


    ومن فوائد الآية الكريمة أيضا ما ذكره الشيخ ابن عثيمين: «أن الإنسان قد يظن أنه يستطيع الصبر على ترك المحظور أو القيام بالمأمور، فإذا ابتلي نكص، لقوله -تعالى-: {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم}.

    ومنها الإشارة إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم : «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية»، وقوله صلى الله عليه وسلم : «من سمع بالدجال فلينأ عنه»، ويشبه هذا أن بعض الناس ينذرون النذر وهم يظنون أنهم يوفون به ثم لا يوفون به».



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,617

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية



    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (12)

    - حكـم النـذر

    د.وليد خالد الربيع



    قال -تعالى-: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(آل عمران:35)، قال الشيخ ابن سعدي: «ولما ذكر فضائل هذه البيوت الكريمة ذكر ما جرى لمريم والدة عيسى، وكيف لطف الله بها في تربيتها ونشأتها؛ فقال: { إذ قالت امرأة عمران} أي: والدة مريم لما حملت {رب إني نذرت لك ما في بطني محررًا}. أي: جعلت ما في بطني خالصا لوجهك، محررا لخدمتك وخدمة بيتك؛ فتقبل مني هذا العمل المبارك إنك أنت السميع العليم، أي تسمع دعائي، وتعلم نيتي وقصدي، هذا وهي في البطن قبل وضعها»، هذه الآية الكريمة تدل على حكم شرعي وهو(النذر) وفيه مسائل عديدة منها:
    المسألة الأولى: ما النذر؟
    النذر في الاصطلاح: إلْزَامُ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ نَفْسَهُ لِلَّهِ -تَعَالَى- بِالْقَوْلِ شَيْئًا غَيْرَ لَازِمٍ بِأَصْلِ الشَّرع.
    المسألة الثانية: ما حكم النذر؟
    النذر مشروع كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ -تَعَالَى-: {يُوفُونَ بِالنَّذر} وَقَالَ: {وَلْيُوفُوا نُذورَهُمْ}؛ فمدح الناذرين مما يدل على مشروعيته.
    وَأَمَّا السُّنَّةُ فعن عَائِشَةُ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِه» (أخرجه البخاري)، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صِحَّةِ النَّذْرِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ .

    النذر مكروه
    ومع أن النذر مشروع، إلا أنه مكروه وَلَا يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّذرِ، وَأَنَّهُ قَالَ: «لا تنذروا». قال ابن قدامة: وَهَذَا نَهْيُ كَرَاهَةٍ، لَا نَهْيُ تَحْرِيمٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَا مَدَحَ الْمُوفِينَ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَنْبَهُمْ فِي ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ أَشَدُّ مِنْ طَاعَتِهِمْ فِي وَفَائِهِ؛ وَلِأَنَّ النَّذْرَ لَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا، لَفَعَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَفَاضِلُ أَصْحَابِهِ.
    المَسْأَلَةٌ الثالثة: ما أنواع النذر؟ وما حكم كل نوع منها؟
    ذكر العلماء للنذر أنواعا عديدة منها:
    الأول: نَذرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَب.
    وَهُوَ الَّذِي يُخْرِجُهُ الناذر مَخْرَجَ الْيَمِينِ، لِيحَثِّ نفسه أو غيره عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ الْمَنْعِ مِنْهُ غَيْرَ قَاصِدٍ بِهِ لِلنَّذرِ وَلا الْقُرْبَةِ كأن يقول: إن فعلت كذا فعلي صوم أو حج أو صدقة؛ فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ المنعقدة؛ فيخير بين ما التزمه أو كفارة اليمين، ودليل ذلك ما ثبت عن الصحابة الكرام؛ فعن عائشة أنها سئلت عن رجل جعل كل مال له في رتاج الكعبة في شيء كان بينه وبين عمة له، قالت عائشة: «يكفره ما يكفر اليمين».
    وقيل لابن عباس: ما تقول في امرأة جعلت بردها عليها هديا إن لبسته؟ فقال ابن عباس: في غضب أم في رضا؟ قالوا: في غضب قال: إن الله لا يتقرب إليه بالغضب، لتكفر عن يمينها، ومثله عن عمر وابن عمر وغيرهم، ووجه الدلالة أن الصحابة سموا نذر اللجاج والغضب (يمينا)؛ لما فيه من معنى اليمين، ثم أوجبوا فيه كفارة اليمين ولم يلزموا الحالف ما التزمه من الحج والصيام والصدقة؛ لأنه لم يلتزمه على وجه القربة، بل كان في الغضب بقصد الحض أو المنع.
    الثَّانِي : نَذرُ الطَاعَةٍ وَالتُبَرَّرُ
    وَهو أن يلتزم الناذر ما يعد طاعة لله كالصَّلَاة، وَالصِّيَام وَالْحَج وَالْعُمْرَة وَالصَّدَقَة وَالِاعْتِكَاف، سَوَاء نَذَرَهُ مُطْلَقًا بِأَنْ يَقُولَ ابْتِدَاءً: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ؛ فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَوْ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: إنْ شَفَانِي اللَّهُ مِنْ عِلَّتِي، أَوْ شَفَى فُلَانًا، أَوْ سَلِمَ مَالِي الْغَائِبُ ونحوه؛ فَأجاب الله رجاءه؛ فَهَذَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِه لقَوْلُ النبي صلى الله عليه وسلم : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ»، وَذَم الَّذِينَ يَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ. وذكر ابن قدامة والنووي الإجماع على ذلك.
    الثَّالِثُ: نَذرُ الْمَعْصِيَةِ
    كأَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنَّ أَشْرَبَ الْخَمْرَ، أَوْ أَقْتُلَ النَّفْسَ الْمُحَرَّمَةَ وَمَا أَشْبَهَهُ ، قال ابن قدامة : فَلا يَحِلُّ الْوَفَاءُ بِهِ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ[ قَالَ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ»؛ وَلِأَنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ -تَعَالَى- لَا تَحِلُّ فِي حَالٍ .
    وهل َيَجِبُ عَلَى النَّاذِرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؟ فيه مذهبان:
    المذهب الأول : يجب فيه كفارة يمين وَبِهِ قَال الحنفية والحنابلة ومن أدلتهم:
    (1) مَا رَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «لَا نَذرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
    (2) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الَّتِي نَذَرَتْ ذَبْحَ ابْنِهَا : كَفِّرِي يَمِينَك .
    المذهب الثاني: لا كفارة فيه، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَرُوِايَة عَنْ أَحْمَد، ومن أدلتهم :
    (1) قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْد».
    (2) وَلِأَنَّهُ نَذْرٌ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ، فَلَمْ يُوجِبْ شَيْئًا ، كَالْيَمِينِ غَيْرِ الْمُنْعَقِدَةِ .
    ونوقش هذا الاستدلال بما قاله ابن قدامة: أما أحاديثهم فمعناها لا وفاء بالنذر في معصية الله، وهذا لا خلاف فيه، ولو لم يبين الكفارة في أحاديثهم؛ فقد بينها في أحاديثنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عين فيه الكفارة، ونهى عن فعل المعصية.أهـ باختصار .
    وبهذا يظهر رجحان المذهب الأول لقوة أدلتهم.
    الرابع : نذر المباح
    وهو نذر ما لم يرد فيه ترغيب من جهة الشارع، كما لو قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَرْكَبَ دَابَّتِي، أَوْ أَسْكُنَ دَارِي، أَوْ أَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِي وَمَا أَشْبَهَهُ، لَمْ يَكُنْ هَذَا نَذْرَ طَاعَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ؛ فهنا اختلف الفقهاء في انعقاد هذا النذر على مذهبين :
    المذهب الأول: ينعقد ويَتَخَيَّرُ النَّاذِرُ بَيْنَ فِعْلِهِ فَيَبَرُّ بِذَلِكَ، أو يكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وهو مذهب الحنابلة وبعض المالكية، لِمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ؛ فَقَالَتْ: إنِّي نَذَرْت أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِك بِالدُّفِّ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «أَوْفِ بِنَذرِك» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
    المذهب الثاني: لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ ولا يلزمه الوفاء به، وَبه قَالَ الحنفية والمَالِكية وَالشَّافِعِية، ومن أدلتهم قَوْلِ النَّبِيِّ: «لَا نَذرَ إلَّا فِيمَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ» (أخرجه أبو داود قال في مجمع الزوائد: فيه عبدالله بن نافع المدني وهو ضعيف)، وبهذا يظهر رجحان المذهب الأول لقوة أدلتهم وسلامتها من المناقشة .

    الخامس: النَّذْرُ الْمُبْهَمُ أو المطلق
    وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَى نَذرٌ دون أن يبين ما التزمه من أعمال؛ فَهَذَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَما روى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «كَفَّارَةُ النَّذرِ إذَا لَمْ يُسَمِّهِ كَفَّارَةُ الْيَمِين» (أخرجه الترمذي).






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    16,617

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (13)

    - أحكام فقهية في دعاء زكريا ربه



    د.وليد خالد الربيع


    قال -تعالى-: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} (آل عمران:38)، أخرج الطبري عن ابن عباس قال: فلما رأى ذلك زكريا - يعني فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف - عند مريم قال: إنّ الذي يأتي بهذا مريمَ في غير زمانه، قادرٌ أن يرزقني ولدًا، قال الله -عز وجل-: {هنالك دعا زكريا ربه} قال: فذلك حين دعا.

    قال ابن كثير: لما رأى زكريا -عليه السلام- أن الله -تعالى- يرزق مريم -عليها السلام- فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذ في الولد، وإن كان شيخا كبيرا قد ضعف ووهن منه العظم، واشتعل رأسه شيبا، وإن كانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرا، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خفيا، وقال: {رب هب لي من لدنك} أي: من عندك ذرية طيبة، أي: ولدا صالحا {إنك سميع الدعاء}. في الآية الكريمة مسائل عديدة منها:

    المسألة الأولى

    طلب الذرية الصالحة من مقاصد النكاح

    لا خلاف بين الفقهاء أن تحصيل النسل من مقاصد عقد النكاح؛ وذلك لما دلت عليه النصوص الكثيرة ومنها هذه الآية الكريمة، قال القرطبي: دلت هذه الآية على طلب الولد، وهي سنة المرسلين والصديقين، قال الله -تعالى-: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية}، وعن سعد بن أبي وقاص قال: أراد عثمان أن يتبتل، فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو أجاز له ذلك لاختصينا. (متفق عليه).

    الحكمة في منعهم من الاختصاء

    قال ابن حجر: والحكمة في منعهم من الاختصاء، إرادة تكثير النسل ليستمر جهاد الكفار، وإلا لو أذن في ذلك لأوشك تواردهم عليه؛ فينقطع النسل؛ فيقل المسلمون بانقطاعه، ويكثر الكفار، فهو خلاف المقصود من البعثة المحمدية، وقال القرطبي: وفي هذا رد على بعض جهال المتصوفة؛ حيث قال: الذي يطلب الولد أحمق، وما عرف أنه هو الغبي الأخرق؛ قال الله -تعالى- مخبرا عن إبراهيم الخليل: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين}، نقل القرطبي عن مكي أنه قال: وقيل معناه سؤاله أن يكون من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق; فأجيبت الدعوة في محمد صلى الله عليه وسلم.

    جواز الدعاء بالولد

    وقال- تعالى-: {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين}، قال القرطبي: وفيه جواز الدعاء بالولد، قال البخاري:» باب (طلب الولد) وساق بإسناده عن جابر قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فلما قفلنا تعجلت على بعير قطوف، فلحقني راكب من خلفي فالتفت؛ فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما يعجلك؟» قلت: إني حديث عهد بعرس قال: «فبكرا تزوجت أم ثيبا؟» قلت: بل ثيبا قال: «فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك»، قال: فلما قدمنا ذهبنا لندخل فقال: «أمهلوا حتى تدخلوا ليلا أي عشاء لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة»، قال البخاري: وحدثني الثقة أنه قال في هذا الحديث الكيس الكيس يا جابر، يعني الولد.

    باب طلب الولد

    قال ابن حجر: قوله (باب طلب الولد) أي: بالاستكثار من جماع الزوجة، أو المراد الحث على قصد الاستيلاد بالجماع، لا الاقتصار على مجرد اللذة، وليس ذلك في حديث الباب صريحا، لكن البخاري أشار إلى تفسير الكيس، ونقل الحافظ عن عياض أنه قال: فسر البخاري وغيره الكيس بطلب الولد والنسل، وهو صحيح، قال صاحب (الأفعال): كاس الرجل في عمله حذق، وكاس ولد ولدا كيسا، وقال الكسائي: كاس الرجل ولد له ولد كيس اهـ. (فتح الباري9/342)، وترجم البخاري أيضا (باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة) وساق حديث أنس بن مالك، قال: قالت أم سليم: يا رسول الله، خادمك أنس ادع الله له، فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته».

    النهي عن زواج العاقر

    ونهى عن زواج العاقر، وأمر بزواج الودود الولود، كما أخرج أبو داود عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ، وَإِنَّهَا لا تَلِدُ أَفَأَتَزَوَّجُ هَا؟ قَالَ: «لا»، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ؛ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ؛ فَقَالَ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الأُمَمَ». (صححه الألباني)، وهذا النهي للكراهة وليس للتحريم، قال المناوي: تزوج غير الولود مكروه تنزيهاً، والأمر للاستحباب قال ابن قدامة: ويستحب أن تكون من نساء يعرفن بكثرة الولادة.

    والأخبار في هذا المعنى كثيرة تحث على طلب الولد وتندب إليه: لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد موته، كما قال صلى الله عليه وسلم:» إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث فذكر: أو ولد صالح يدعو له « قال القرطبي:» ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية.

    المسألة الثانية

    سؤال الله -تعالى- الهداية للزوجة والولد

    لا تكمل نعمة الأزواج والأولاد إلا باهتدائهم واستقامتهم، وإلا كانوا عائقا في طريق الهداية؛ ولهذا فعلى المكلفين سؤال الله- تعالى- الهداية لأسرته، قال القرطبي: فالواجب على الإنسان أن يتضرع إلى خالقه في هداية ولده وزوجه بالتوفيق لهما والهداية والصلاح والعفاف والرعاية، وأن يكونا معينين له على دينه ودنياه حتى تعظم منفعته بهما في أولاه وأخراه، ألا ترى قول زكريا: {واجعله رب رضيا} وقال: {ذرية طيبة}».

    سؤال الذرية الطيبة


    قال الشيخ ابن عثيمين مبينا فوائد الآية: لا ينبغي للإنسان أن يسأل مطلق الذرية؛ لأن الذرية قد يكونون نكدا وفتنة، وإنما يسأل الذرية الطيبة.

    أسباب الذرية الطيبة

    وأنه ينبغي للإنسان أن يبذل الأسباب التي تكون بها ذريته طيبة، ومنها الدعاء، وهو من أكبر الأسباب، وقد ذكر الله -تعالى- عن الرجل يبلغ أشده أنه يقول: {وأصلح لي في ذريتي}(الحجر:36)، ولاشك أن صلاح الذرية أمر مطلوب؛ لأن الذرية الصالحة تنفعك في الحياة وفي الممات؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» أخرجه الترمذي والنسائي.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة اسماعيل حمدتو
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •