الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - الصفحة 3
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 60 من 64
1اعجابات

الموضوع: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (41)
    - من المسائل المستفادة من قصة يوسف
    -عليه السلام (مسألة القضاء بالقرائن)

    د.وليد خالد الربيع




    من المسائل المستفادة من آيات سورة يوسف -عليه السلام- (مسألة القضاء بالقرائن)، فمعلوم أن القاضي يستند في حكمه إلى البينات والحجج القضائية كالشهود والأيمان والنكول، كما جاء عن ابن عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى رِجَالٌ أموالَ قَوْمٍ ودِماءَهُمْ، لَكِنِ البَيِّنَةُ على المُدَّعِي والْيَمينُ على من أَنْكَرَ». حديث حسَنٌ رَوَاهُ الْبَيْهقي وغيرُهُ هكذا، وبَعْضُهُ في الصحِيحَين.

    حديث عظيم القدر

    قال الشيخ ابن سعدي: «هذا الحديث عظيم القدر، وهو أصل من أصول القضايا والأحكام، فإن القضاء بين الناس إنما يكون عند التنازع، هذا يدعي على هذا حقًّا من الحقوق فينكره، وهذا يدعي براءته من الحق الذي كان ثابتًا عليه، فبيَّن - صلى الله عليه وسلم - أصلًا بفض نزاعهم، ويتضح به المحق من المبطل، فمن ادعى عينًا من الأعيان، أو دينًا، أو حقًّا من الحقوق وتوابعها على غيره، وأنكره ذلك الغير، فالأصل مع المنكر. فهذا المدعي إن أتى ببينة تُثبت ذلك الحق، ثبت له، وحُكمَ له به، وإن لم يأت ببينة، فليس له على الآخر إلا اليمين».

    ويأتي هنا البحث في قوة القرائن في إثبات الأحكام القضائية والدلالة على الأحكام الشرعية:

    أولا: تعريف القرينة

    - القرينة في اللغة: من الفعل قرن الشيء بالشيء إذا ضمه إليه، قال ابن فارس: «القاف والراء والنون أصلان صحيحان أحدهما: يدل على جمع شيء إلى شيء».

    - وفي الاصطلاح: القرائن :هي الأمارات والعلامات التي يستدل بها على وجود شيء أو نفيه.

    قال ابن القيم موضحا أمثلة القرينة الدالة على المراد من غير أن تكون صريحة فيه: «ولم يزل الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المال المسروق مع المتهم، وهذه القرينة أقوى من البينة والإقرار.

    وهل يشك أحد رأى قتيلًا يتشحط في دمه، وآخر قائم على رأسه بالسكين: أنه قتله؟ ولاسيما إذا عرف بعداوته.

    وكذلك إذا رأينا رجلًا مكشوف الرأس -وليس ذلك عادته- وآخر هارب قدامه بيده عمامة، وعلى رأسه عمامة: حكمنا له بالعمامة التي بيد الهارب قطعًا، ولا نحكم بها لصاحب اليد التي قطعنا وجزمنا بأنها يد ظالمة غاصبة بالقرينة الظاهرة التي هي أقوى بكثير من البينة والاعتراف».

    ثانيا: حكم العمل بالقرائن في القضاء

    ذهب الجمهور إلى جواز القضاء بالقرائن في الجملة؛ حيث إن الشارع اعتبر القرائن ولم يهدرها، قال ابن القيم في كتابه النفيس (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية): «فالشارع لم يلغ القرائن والأمارات ودلائل الأحوال، بل من استقرأ الشرع في مصادره وموارده وجد شاهداً لها بالاعتبار مرتباً عليها الأحكام».

    وقال: «ولم يزل حذاق الحكام والولاة يستخرجون الحقوق بالفراسة والأمارات».

    وقال أيضاً: «والحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات ودلائل الحال ومعرفة شواهده والقرائن الحالية والمقالية أضاع حقوقاً كثيرة على أصحابها وحكم بما يعلم الناس بطلانه».

    مشروعية القضاء بالقرائن

    فمن الأدلة على مشروعية القضاء بالقرائن عند تعذر البينات الأقوى منها والأوضح: قوله -تعالى-: {وَجَاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ} (سورة يوسف:18)، فعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ: كَذَبْتُمْ، لَوْ كَانَ الذِّئْبُ أَكَلَهُ لَخَرَقَ الْقَمِيصَ».

    قال ابن سعدي: «زعموا أنه دم يوسف حين أكله الذئب، فلم يصدقهم أبوهم بذلك، و{قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} أي: زينت لكم أنفسكم أمرا قبيحا في التفريق بيني وبينه؛ لأنه رأى من القرائن والأحوال ومن رؤيا يوسف التي قصَّها عليه ما دلّه على ما قال».

    إِعْمَالِ الْأَمَارَاتِ

    قال القرطبي مبينا وجه الدلالة من الآية على المراد: «اسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي إِعْمَالِ الْأَمَارَاتِ فِي مَسَائِلَ مِنَ الْفِقْهِ كَالْقَسَامَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ يَعْقُوبَ -عليه السلام- اسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِمْ بِصِحَّةِ الْقَمِيصِ، وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ أَنْ يَلْحَظَ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ إِذَا تَعَارَضَتْ، فَمَا تَرَجَّحَ مِنْهَا قَضَى بِجَانِبِ التَّرْجِيحِ، وَهِيَ قُوَّةُ التُّهْمَةِ، وَلَا خِلَافَ بِالْحُكْمِ بِهَا».

    ومن الأدلة أيضا قوله -تعالى-:{وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ} (سورة يوسف: 26، 27).

    قال الشنقيطي: «يفهم من الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة».

    فوائد القصة

    قال ابن سعدي في فوائد القصة: «إن القرائن يعمل بها عند الاشتباه، فلو تخاصم رجل وامرأته في شيء من أواني الدار، فما يصلح للرجل فإنه للرجل، وما يصلح للمرأة فهو لها، إذا لم يكن بينة، وكذا لو تنازع نجار وحداد في آلة حرفتهما من غير بينة، والعمل بالقافة في الأشباه والأثر، من هذا الباب، فإن شاهد يوسف شهد بالقرينة، وحكم بها في قدّ القميص، واستدل بقدِّه من دبره على صدق يوسف وكذبها».

    وقائع من السنة المطهرة

    ومن السنة المطهرة هناك الكثير من الوقائع تدل على القضاء بالقرائن:

    فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذِّئب، فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنَّما ذهب بابنك أنت. وقالت الأخرى: إنَّما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود -عليهما السَّلام- فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسِّكِّين أشقُّه بينكما. فقالت الصُّغرى: لا، يرحمك الله هو ابنها. فقضى به للصُّغرى». متفق عليه.

    قال النووي: «فاستدل سليمان بشفقة الصغرى على أنها أمه، وأما الكبرى فما كرهت ذلك، بل أرادته لتشاركها صاحبتها في المصيبة بفقد ولدها».

    قال ابن حجر: «فظهر له من قرينة شفقة الصغرى وعدمها في الكبرى مع من انضاف إلى ذلك من القرينة الدالة على صدقها ما هجم به على الحكم للصغرى».

    قال ابن القيم: «ومن ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الملتقط أن يدفع اللقطة إلى واصفها، وأمره أن يعرف عِفاصها ووِعاءها وَوِكاءها لذلك، فجعل وصفه لها قائمًا مقام البينة، بل ربما يكون وصفه لها أظهر وأصدق من البينة.

    ومن ذلك أن ابني عفراء لما تداعيا قتل أبي جهل، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «هل مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ «قالا: لا، قال: «فأَرِيَانِي سَيْفَيْكُمَا». فلما نظر فيهما، قال لأحدهما: «هذا قَتَلَهُ». وقضى له بسلبه. متفق عليه، قال ابن القيم: «وهذا من أحسن الأحكام، وأحقها بالاتباع، فالدم في النصل شاهد عجيب».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (42)
    - من المسائل المستفادة من قصة يوسف -عليه السلام
    - حكم الإكراه على الفاحشة

    د.وليد خالد الربيع




    قال -تعالى-: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} (سورة يوسف:33-35).

    قال الشيخ ابن سعدي: «هذا يدل على أن النسوة جعلن يشرن على يوسف في مطاوعة سيدته، وجعلن يكدنه في ذلك؛ فاستحب السجن والعذاب الدنيوي على لذة حاضرة توجب العذاب الشديد، {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} أي: أمل إليهن، فإني ضعيف عاجز، إن لم تدفع عني السوء، {وَأَكُنْ} إن صبوت إليهن {مِنَ الْجَاهِلِينَ} فإن هذا جهل؛ لأنه آثر لذة قليلة منغصة، على لذات متتابعات وشهوات متنوعات في جنات النعيم، ومن آثر هذا على ذاك، فمن أجهل منه؟ فإن العلم والعقل يدعو إلى تقديم أعظم المصلحتين وأعظم اللذتين، ويؤثر ما كان محمود العاقبة»، فمن المسائل المستفادة من الآيات الكريمة مسألة الإكراه على الزنا، وهل للمكرَه أن يقدم على الزنا؟ وإذا أكره شخص على الزنا فهل يأثم ويقام عليه الحد أم أن الإكراه يؤثر في إسقاط الإثم والحد؟

    وقبل بيان مذاهب العلماء في هذه المسألة لابد من تعريف الإكراه وبيان حكمه:

    أولا: تعريف الإكراه

    الإكراه هو حمل الآخَر على أمر يمتنع منه بتخويف يقدر الحامل على إيقاعه، ويصير الآخَر خائفا به فائت الرضا بالمباشرة. أي: أن في الإكراه إلزاماً للآخر قهراً على فعل أمر لا يريده ولا يحبه.

    ثانيا: حكم الإكراه

    الإكراه بغير حق: هو الإكراه المحرم شرعًا لتحريم وسيلته أو لتحريم المطلوب به، وهو الذي وردت بشأنه النصوص الشرعية الدالة على عدم اعتبار ما يصدر من المكرَه بغير حق من تصرفات، ومن هذه الأدلة:

    1- قوله -تعالى-: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (سورة النحل:106)، قال القرطبي: «لما سمح الله -تعالى- بالكفر به وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتب عليه حكم».

    2- قوله -تعالى-: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (سورة النور:33) والشاهد في قوله -تعالى-: {فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}؛ حيث استثنى الإكراه على الزنا من الإثم والعقوبة.

    3- عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» أخرجه ابن ماجه و صححه الألباني.

    قال ابن حجر الهيتمي: «فجعل فعل المكره الذي وجدت فيه شروط الإكراه في كتب الفقهاء فعلا، فكل ما كان الحكم فيه مرتبا على فعل المكلف يكون بسبب الإكراه لغواً بمنزلة المعدوم».

    ثالثا: حكم الإقدام على الزنى تحت تأثير الإكراه

    اختلف الفقهاء في هذه المسألة على مذهبين:

    المذهب الأول

    لا يحل للرجل الإقدام على الزنى تحت تأثير الإكراه فإن فعل فهو آثم، وهو قول الحنفية في الإكراه الملجئ والشافعية وقول بعض المالكية وأبي ثور والحسن، ودليلهم:

    أن حرمة الزنا لا ترتفع بحال، فكما لا يرخص فيه في حالة الاختيار فكذلك لا يرخص فيه عند الإكراه.

    المذهب الثاني

    يجوز للمكرَه الإقدام على الزنى تحت تأثير الإكراه الملجئ، وهو قول ابن العربي من المالكية وقال: الصحيح أنه يجوز الإقدام على الزنى ولا حدّ عليه، خلافا لمن ألزمه ذلك؛ لأنه رأى أنها شهوة خلقية لا يتصور الإكراه عليها، وغفل عن السبب في باعث الشهوة وهو الإلجاء إلى ذلك وهو الذي أسقط حكمه، وإنما يجب الحد على شهوة بعث عليها سبب اختياري.

    رابعا: أثر الإكراه في سقوط حدّ الزنى

    (1) أثر الإكراه في سقوط حدّ الزنى عن المرأة: قال القرطبي: إذا استكرهت المرأة على الزنى فلا حدّ عليها لقوله -تعالى-: {إلا من أكره} وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، وقوله -تعالى-: {فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وبهذا المعنى حكم عمر في الوليدة التي استكرهها العبد فلم يحدّها، والعلماء متفقون على أنه لا حدّ على امرأة مستكرهة.

    (2) أثر الإكراه في سقوط حدّ الزنى عن الرجل: اختلف الفقهاء على مذهبين:

    المذهب الأول

    يجب الحدّ على الرجل إذا أكره على الزنى

    وهو قول أبي حنيفة والمالكية في المشهور والشافعية في قول والحنابلة على الصحيح من مذهبهم، ودليلهم: أن الوطء لا يكون إلا بالانتشار الحادث بالاختيار؛ إذ إن الإكراه ينافي الانتشار الذي هو علامة الشهوة التي لا تحصل إلا بالطواعية والاختيار، فأصبح المكرَه على الوطء كالمختار لا فرق بينهما، فالشبهة عندهم هي عدم تصور الإكراه على الزنى.

    المذهب الثاني

    لا يجب الحد على الرجل إذا أكره على الزنى

    وهو قول الصاحبين والمالكية في المختار والشافعية في الأظهر والحنابلة في قول، ودليلهم: عموم النصوص الدالة على إلغاء أثر التصرفات الواقعة تحت تأثير الإكراه، وأن الحدود تدرأ بالشبهات، والإكراه شبهة؛ لأن الظاهر أن المكرَه غير راض بالزنى ولا مختار له، ولا فارق بين الرجل والمرأة في ذلك؛ لأن الرجل في الخوف على حياته كالمرأة في ذلك؛ وحيث سقط الحدّ عن المستكرهة فينبغي أن يسقط عن المكرَه كذلك.

    ومعلوم أن الإكراه المؤثر له شروط دقيقة وضوابط محكمة للتأكد من تحقق الإكراه الموجب لرفع أثر التصرفات، فإذا توفرت تلك الشروط فالنصوص الشرعية تدل على عذر المكرَه.


    قال القرطبي: «أكره يوسف -عليه السلام- على الفاحشة بالسجن، وأقام خمسة أعوام، وما رضي بذلك لعظيم منزلته وشريف قدره، ولو أكره رجل بالسجن على الزنا ما جاز له إجماعا، فإن أكره بالضرب فقد اختلف فيه العلماء، والصحيح أنه إذا كان فادحا فإنه يسقط عنه إثم الزنا وحـدّه. وقد قال بعض علمائنا: إنه لا يسقط عنه الحد، وهو ضعيف؛ فإن الله -تعالى- لا يجمع على عبده العذابين، ولا يصرفه بين بلاءين؛ فإنه من أعظم الحرج في الدين، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}.

    وقال الشيخ ابن عثيمين: «فالصواب بلا شك أن الإكراه في حق الرجل ممكن، وأنه لا حد عليه، ولكن المكرِه يعزر، ولا يحد حد الزنا لأنه ما زنا».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (43)
    - من الأحكام المستفادة من قصة يوسف -عليه السلام
    - مشروعية الكفالة بالنفس

    د.وليد خالد الربيع




    قال -تعالى-: {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} (سورة يوسف:66)، قال الطبري: «يقول -تعالى- ذكره: قال يعقوب لبنيه: لن أرسل أخاكم معكم إلى ملك مصر، (حتى تؤتون موثقًا من الله)، يقول: حتى تعطون موثقًا من الله، بمعنى «الميثاق»، وهو ما يوثق به من يمينٍ وعهد (لتأتنني به) يقول لتأتنني بأخيكم، (إلا أن يحاط بكم)، يقول: إلا أن يُحيط بجميعكم ما لا تقدرون معه على أن تأتوني به».

    من المسائل المستفادة من هذه الآية الكريمة (مشروعية الكفالة بالنفس) وهي كالتالي:

    أولا: تعريف الكفالة بالنفس

    عرف الفقهاء الكفالة بالنفس: بأنها التزام جائز التصرف في إحضار بدن من عليه الحق، وهناك فرق بين كفالة المال والكفالة بالنفس، قال الشيخ ابن سعدي: «فالضمان: الكفالة بالمال يكون للدين، والكفالة بالنفس لإحضار بدن الغريم».

    ثانيا: حكم الكفالة بالنفس

    دل الكتاب والسنة على مشروعية الكفالة بالنفس:

    فأما الكتاب فقوله -تعالى-: {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ} (سورة يوسف:66)

    قال القرطبي: «هذه الآية أصل في جواز الحمالة بالعين والوثيقة بالنفس».

    وأما السنة فعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الزعيم غارمٌ «أخرجه أبو داود والترمذي وصححه الألباني، قال في عون المعبود: أي: يلزم نفسه ما ضمنه، والغرم أداء شيء يلزمه، والمعنى أنه ضامن، ومن ضمن دينا لزمه أداؤه».

    وذكر البخاري في صحيحه في باب (الكفالة في القرض والديون والأبدان وغيرها) تعليقا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، فَوَقَعَ رَجُلٌ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَأَخَذَ حَمْزَةُ مِنَ الرَّجُلِ كَفِيلًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ جَلَدَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَصَدَّقَهُمْ وَعَذَرَهُ بِالْجَهَالَةِ» .

    وَقَالَ جَرِيرٌ، وَالأَشْعَثُ، لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «فِي المُرْتَدِّينَ اسْتَتِبْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ، فَتَابُوا، وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ».

    قال ابن حجر في الفتح: «وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ (خبر حمزة) مَشْرُوعِيَّةَ الْكَفَالَةِ بِالْأَبْدَانِ» .

    وأما أثر ابن مسعود ومشورة جرير والأشعث فقد قَالَ ابن الْمُنِيرِ: «أَخَذَ الْبُخَارِيُّ الْكَفَالَةَ بِالْأَبْدَانِ فِي الدُّيُونِ مِنَ الْكَفَالَةِ بِالْأَبْدَانِ فِي الْحُدُودِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى».

    وَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ قَالَ بِهَا الْجُمْهُورُ قال ابن قدامة: «الكفالة بالنفس صحيحة في قول أكثر أهل العلم».

    قال الشيخ ابن عثيمين: «الكفالة سنة، أي: مندوبة للكفيل؛ لما فيها من المساعدة وتفريج الكرب، بشرط أن يعلم أنه قادر على إحضار بدن المكفول أو إيفاء الدين، فإذا عرف أنه غير قادر فلا ينبغي أن يكفل».

    ثالثا: شروط الكفالة بالنفس

    ويشترط أهلية الكفيل ورضاه؛ لأنه سوف يلتزم بحق وإذا لم يرض لا يلزمه كالتبرع بالأعيان، قال ابن قدامة: «ولا يعتبر رضى المكفول له؛ لأنها وثيقة له لا قبض فيها فصحت من غير رضاه فيها كالشهادة، ولأنها التزام حق له من غير عوض فلم يعتبر رضاه كالنذر».

    رابعا: ما يمكن الكفالة بالنفس فيه

    قال ابن قدامة: «وتصح الكفالة ببدن كل من يلزم حضوره في مجلس الحكم بدين لازم، سواء كان الدين معلوما أو مجهولا، لأن الكفالة بالبدن والبدن معلوم فلا تبطل الكفالة بالجهالة».

    وقال: «ولا تصح الكفالة ببدن من عليه حد، سواء كان حقا لله -تعالى- كحد الزنا والسرقة أو لآدمي كحد القذف والقصاص، وهذا قول أكثر أهل العلم» ثم علل ذلك بأن الكفالة استيثاق، والحدود مبناها على الإسقاط والدرء بالشبهات، فلا يدخل فيها الاستيثاق، ولأنه حق لا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر عليه إحضار المكفول به فلم تصح الكفالة بمن هو عليه كحد الزنا».

    وقال ابن حجر: «وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَنْ قَالَ بِهَا أَنَّ الْمَكْفُولَ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ إِذَا غَابَ أَوْ مَاتَ أَنْ لَا حَدَّ عَلَى الْكَفِيلِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ؛ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَمَا أَنَّ الْكَفِيلَ إِذَا أَدَّى الْمَالَ وَجَبَ لَهُ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ مِثْلُهُ».

    قال الشيخ ابن عثيمين: «القاعدة أنه متى تعذر الاستيفاء من الكفيل فإن الكفالة لا تصح لعدم الفائدة».

    قال ابن قدامة: «متى تعذر على الكفيل إحضار المكفول به مع حياته أو امتنع من إحضاره لزمه ما عليه» وعلل ذلك بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الزعيم غارم»، ولأن الكفالة بالنفس أحد نوعي الكفالة فوجب بها الغرم كالكفالة بالمال.

    خامسا: انتهاء الكفالة بالنفس وبراءة ذمة الكفيل

    1- إذا سلم الكفيل المكفول للمكفول له برئ، سواء استوفى منه صاحب الحق أم لا، فإن عجز عن إحضاره صار ضامنا.

    2- موت المكفول: إذا اشترط الكفيل ألا شيء عليه إذا مات المكفول، فمات برئ الكفيل بناء على الشرط، أما إذا لم يشترط ومات المكفول فهنا اختلف الفقهاء على مذهبين:

    المذهب الأول: براءة الكفيل

    إذا مات المكفول برئ الكفيل؛ لأنه التزم إحضاره وقد تعذر ذلك لموته، كما لو برئ من الدين. وهو مذهب الجمهور.

    المذهب الثاني: ضمان الكفيل

    يضمن الكفيل؛ لأن الكفالة بالنفس وثيقة بحق، فإذا تعذرت من جهة من عليه الدين، استوفي من الوثيقة كالرهن، ولأنه تعذر إحضاره فلزم كفيله ما عليه كما لو غاب. وهو قول الحكم والليث واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية كما نقله عنه المرداوي في الإنصاف.

    3- إذا سلم المكفول نفسه برئ الكفيل، لحصول المطلوب من الكفيل، كما لو قضى مضمون عنه الدين.

    3- إذا أبرئ المكفول برئ الكفيل؛ لأنه إذا برئ الأصل برئ الفرع.


    4- إذا أبرئ المكفول له الكفيل انتهت الكفالة؛ لأنه حقه فيسقط بإسقاطه كالدين، ولم يبرأ المكفول؛ لأنه لا يبرأ الأصل ببراءة الفرع.

    5- اختلف الفقهاء في انتهاء الكفالة بالنفس إذا مات الكفيل قبل تسليم المكفول على مذهبين:

    - المذهب الأول: تنتهي الكفالة لتعذر إحضار المكفول، ولا شيء للمكفول له في تركته، وهو قول الحنفية والشافعية، لأنه لم يبق قادرا على تسليم المكفول بنفسه، وماله لا يصلح لإيفاء هذا الواجب وهو إحضار النفس.

    - المذهب الثاني: لا تنتهي الكفالة بموت الكفيل، فيطالب ورثته بإحضار المكفول به فإن لم يقدروا أخذ من التركة قدر الدين المطلوب، وهو مذهب المالكية والحنابلة.

    أما إذا مات المكفول له فلا تسقط الكفالة بالنفس، ويبقى الحق للورثة كسائر الحقوق المالية التي تورث، فيقوموا مقامه في المطالبة وبتسلم المكفول وإبراء الكفيل.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية



    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (44)
    - من الأحكام المستفادة من قصة يوسف -عليه السلام
    مشروعية الجعالة


    د.وليد خالد الربيع




    قال -تعالى-: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} (سورة يوسف:72)، من المسائل المستفادة من الآية الكريمة: (مشروعية الجعالة).

    أولا: تعريف الجعالة

    - الجعالة في اللغة: مصدر الفعل جعل الذي له معاني عدة، منها: جعل بمعنى وضع، وصنع، وصار، وبين قدر الأجرة كقولهم: جعلت له مبلغ كذا، أي: بينته له، قال ابن فارس:» وَالْجُعْلُ وَالْجَعَالَةُ وَالْجَعِيلَةُ: مَا يُجْعَلُ لِلْإِنْسَانِ عَلَى الْأَمْرِ يَفْعَلُهُ».

    - والجعالة في الاصطلاح: هي تسمية مال معلوم لمن يعمل له عملا مباحا، ولو كان مجهولا أو لمدة مجهولة، كأن يقول: من فعل كذا؛ فله كذا من المال، فالجعالة بمنزلة وعد بعوض معين لمن يقوم بعمل مباح.

    ثانيا: مشروعية الجعالة

    دل الكتاب والسنة على مشروعية عقد الجعالة: فمن الكتاب الكريم قوله -تعالى-: {ولمن جاءَ بِهِ حِمل بعيرٍ وأنا به زعيم}.

    أي: لمن دل على سارق صواع الملك حمل بعير، وهذا جعل فدلت الآية على جواز الجعالة، قال القرطبي:» في هذه الآية دليلان: أحدهما: جواز الجعل وقد أجيز للضرورة؛ فإنه يجوز فيه من الجهالة ما لا يجوز في غيره».

    ومن السنة المطهرة حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - أن ناسا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أتوا على حي من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينا هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنكم لم تقرونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلا، فجعلوا لهم قطيعا من الشاة فجعل يقرأ بأم القرآن ويتفل فبرأ فجاء بالشاة فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألوه فضحك وقال: «وما أدراكم أنها رقية؟ خذوها واضربوا لي بسهم». متفق عليه.

    قال الزركشي: «ويستنبط من هذا الحديث جواز الجعالة على ما ينتفع به المريض من دواء أو رقية».

    قال ابن قدامة مبينا حكمة مشروعية الجعالة مع ما قد تشتمل عليه من الجهالة: «لأن الحاجة تدعو إلى ذلك؛ فإن العمل قد يكون مجهولا كرد الآبق والضالة ونحو ذلك ولا تنعقد الإجارة فيه والحاجة داعية إلى ردهما، وقد لا يجد من يتبرع به، فدعت الحاجة إلى إباحة بذل الجعل فيه مع جهالة العمل؛ لأنها غير لازمة بخلاف الإجارة، ألا ترى أن الإجارة لما كانت لازمة افتقرت إلى تقدير مدة، والعقود الجائزة كالشركة والوكالة لا يجب تقدير مدتها، ولأن الجائزة لكل واحد منهما تركها فلا يؤدي إلى أن يلزمه مجهول عنده بخلاف اللازمة».

    ثالثا: الفرق بين الإجارة والجعالة

    يظهر من كلام ابن قدامة المتقدم أن هناك فروقا بين الإجارة والجعالة، وأثر ذلك يظهر فيما يترتب على تلك الفروق من أحكام تخالف فيها الجعالة الإجارة، فيجوز فيها ما لا يجوز في الإجارة، ولأهمية هذا التفريق ذكر العلماء السابقون والباحثون المعاصرون أوجها للاتفاق بين الإجارة والجعالة، وأوجها للاختلاف بينهما خلاصتها فيما يأتي:

    أوجه الاتفاق بين الإجارة والجعالة

    1- يشترك كل منهما بأنه عقد يبذل فيه عمل منفعة مقابل عوض مالي.

    2- يشترط في العوض المالي في الإجارة والجعالة أن يكون معلوما، فكل ما صح عوضاً في الإجارة صح أن يكون عوضاً في الجعالة، وما لا فلا.

    فإن جعل له عوضًا مجهولا كقوله: من رد ضالتي فله ثلثها، أو جعل له عوضا محرما كالخمر، فلا تصح الجعالة فإن عمل العمال فله في ذلك أجرة المثل؛ لأنه عمل بعوض لم يسلم له.

    أوجه الاختلاف بين الإجارة والجعالة

    قال الشيخ ابن سعدي مبينا الفرق بين طبيعة كل منهما: «الإجارة عقد لازم على عمل معلوم مع معين، والجعالة عقد جائز، والعمل قد يكون معلوما وقد يكون مجهولا، وتكون مع معين ومع غير معين، والجعالة تجوز على أعمال القرب، بخلاف الإجارة.

    ولا يستحق العوض في الجعالة حتى يعمل جميع العمل، وأما الإجارة ففيها تفصيل: إن كان المانع لتكميل العمل من جهة المؤجر فلا شيء له، وإن كان من جهة المستأجر فعليه كل الأجرة، وإن كان بغير ذلك وجب من الأجرة بقدر ما استوفى».

    الفروق بين الأجرة والجعالة

    وهناك فروق أخرى ملخصها:

    1- أن الجعالة لا يشترط لصحتها العلم بالعمل، فتصح الجعالة ولو كان العمل المباح مجهولا، كخياطة ثوب لم يصفه، ورد لقطة لم يعين موضع، بخلاف الإجارة فإنه يشترط أن يكون العمل فيها معلوماً.

    2- أن الجعالة لا يشترط لصحتها العلم بمدة العمل كمن قال: من حرس زرعي فله كل يوم كذا بخلاف الإجارة فإنها يشترط فيها أن تكون مدة العمل معلومة.

    3- في الجعالة لا يستحق العامل الجعل إلا بإتمام العمل، بخلاف الإجارة فيستحق الأجير العوض في الإجارة مقابل ما قدمه من عمل.

    4- الإجارة قد تكون على منافع الأعيان، كالدور والدواب أو على منافع الإنسان أي على عمله كاستئجار عامل للحراسة، أما الجعالة فلا تكون إلا على منافع الإنسان وعمله.

    5- تصح الجعالة سواء كان العامل معلوما أم مجهولا، فلا يشترط في العامل أن يكون معلوما؛ لأن الجعالة التزام من جانب واحد، فتنعقد بالإرادة المنفردة من طرف واحد، كأن يقول لزيد: إن رددت جملي الضائع فلك كذا، فيستحقه إن رده، ولا يستحق غيره أن رده غير زيد، أو يقول: من رد جملي الضائع فله كذا، فيصح بخلاف الإجارة فإنه لابد فيها من تعيين العاقدين.


    6- إجارة الأجير الخاص تتعلق بعينه فلا يستنيب غيره، أما في الجعالة فيصح أن يستنيب العامل غيره في العمل.

    7- الجعالة عقد جائز لكل من الطرفين، وفسخه يكون دون إذن الآخر، لأنها من جهة الجاعل تعليق استحقاق العامل للجعل بشرط، أما من جهة العامل فلأن العمل مجهول، وما كان كذلك لا يلزم بالعقد بخلاف الإجارة فإنها عقد لازم، فإذا فسخ العامل قبل تمام العمل فلا يستحق شيئا؛ لأنه أسقط حق نفسه؛ حيث لم يأت بما شرط عليه، وإذا فسخ الجاعل قبل الشروع في العمل فلا شيء للعامل؛ لأنه عمل غير مأذون فيه فلم يستحق شيئا، وإذا فسخ بعد الشروع في العمل فللعامل أجرة مثل عمله عوضا عما عمل قبل الفسخ.






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (45)
    - الأحكام المستفادة من قصة يوسف -عليه السلام -
    مشروعية الكفالة المالية أو الضمان المالي

    د.وليد خالد الربيع




    لا نزال مع قوله -تعالى-: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} (سورة يوسف:72)، قال الطبري: «قوله، (وأنا به زعيم)، يقول: وأنا بأن أوفيّه حملَ بعير من الطعام إذا جاءني بصواع الملك كفيلٌ.وذكره بإسناده عن ابن عباس أن قوله: (وأنا به زعيم)، يقول: كفيل.

    يستفاد من الآية الكريمة (مشروعية الكفالة المالية أو الضمان المالي)، قال القرطبي مبينًا فوائد الآية الكريمة: «جواز الكفالة على الرجل؛ لأن المؤذن الضامن هو غير يوسف -عليه السلام- قال علماؤنا: إذا قال الرجل: تحملت أو تكفلت أو ضمنت أو أنا حميل لك أو زعيم أو كفيل أو ضامن أو قبيل، أو هو لك عندي أو عليّ أو إليّ أو قبلي فذلك كله حمالة لازمة».

    أولا: تعريف الضمان والكفالة

    الضمان في اللغة: الكفالة والالتزام، وهو مصدر الفعل (ضمن) يقال: ضمن الرجل ضمانا: كفله والتزم أن يؤدي عنه ما قد يقصر في أدائه، قال ابن فارس: «الضاد والميم والنون أصل صحيح، وهو جعل الشيء في شيء يحويه»، والضامن: الكفيل أو الملتزم أو الغارم.

    والكفالة مصدر الفعل (كفل) بمعنى ضمن، يقال: كفل المال والرجل كفالة: ضمنه، والكفيل: الكافل والضامن، قال ابن فارس: «الكاف والفاء واللام أصل صحيح يدل على تضمن الشيء للشيء، ومن الباب: الكفيل: وهو الضامن، والكفالة تسمى ضمانا لأنه إذا ضمنه فقد استوعب ذمته».

    وفي الاصطلاح الفقهي: لا يفرق الحنفية بين الكفالة والضمان؛ فكلاهما ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في المطالبة بنفس أو دين أو عين، ويفرق الجمهور بينهما، فالكفالة تطلق على كفالة النفس وقد تقدم في مقالة سابقة ذكر بعض أحكامها، والضمان عندهم التزام حق في ذمة شخص آخر، قال ابن قدامة: «الضمان ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق، فيثبت في ذمتهما جميعا ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما».

    قال الشيخ ابن سعدي في بيان الفرق بين الكفالة والضمان: «الضمان يكون للدين، والكفالة لإحضار بدن الغريم، وفائدتهما: إلزام الضامن بالوفاء مع إلزام صاحب الحق، فيتعلق الحق بذمة كل منهما».

    ثانيا: حكم الضمان

    الضمان نوع من أنواع توثيق الحقوق كالكتابة والإشهاد والرهن، وكفالة المال والضمان مشروع في الكتاب والسنة والإجماع:

    (1) فمن الكتاب قـوله -تعالى-: {قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} قال ابن عباس: «الزعيم: الكفيل». قال ابن كثير: «(وأنا به زعيم) وهذا من باب الضمان والكفالة».

    (2) عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن النبي كان لا يصلي على رجل مات وعليه دين، فأتى بميت فسأل: أعليه دينٌ؟ فقالوا: نعم، ديناران، فقال: «صلوا على صاحبكم»، فقال أبو قتادة: هما عليَّ يا رسول الله، فصلى عليه» أخرجه أبو داود والنسائي. قال في تحفة الأحوذي: «فيه دليل على جواز الضمان عن الميت سواء ترك وفاء أو لم يترك وهو قول أكثر أهل العلم»، وقال مبينا وجه الدلالة من الحديث: «فإنه لو لم تصح الكفالة لما صلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم ».

    (3) عن أبي أمامة قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «العارية مؤداة، والزعيم غارمٌ، والدين مقضي» أخرجه الترمذي وأبو داود، ومعنى قوله: (الزعيم غارم) أي: الكفيل ضامنٌ، ومن ضمن دينا لزمه أداؤه.

    وقال ابن قدامة: «أجمع المسلمون على جواز الضمان في الجملة».

    قال الشيخ ابن عثيمين: «الضمان في حق المضمون عنه جائز، وفي حق الضامن مستحب؛ لأنه من الإحسان، والله يحب المحسنين، بشرط قدرة الضامن على الوفاء، فإن لم يكن قادرا فلا ينبغي أن يضر نفسه لمصلحة غيره».

    ثالثا: شروط الضمان

    (1) يشترط في الضامن أن يكون جائز التصرف أي: عنده أهلية الأداء، قال ابن قدامة: «يصح ضمان كل جائز التصرف في ماله، سواء كان رجلا أم امرأة؛ لأنه عقد يقصد به المال فصح من المرأة كالبيع، ولا يصح من المجنون والمبرسم ولا من صبي غير مميز بغير خلاف، لأنه إيجاب مال بعقد فلم يصح منهم كالنذر والإقرار».

    (2) يشترط رضا الضامن، فلا يصح ضمان المكره، قال ابن قدامة: «ولابد من رضى الضامن، فإن أكره لم يصح، ولا يعتبر رضا من المضمون عنه لا نعلم فيه خلافا؛ لأنه لو قضى الدين عنه بغير إذنه ورضاه صح، فكذلك إذا ضمن عنه، ولا يعتبر رضى المضمون له، لأنه أبا قتادة ضمن من غير رضى المضمون له ولا المضمون عنه فأجازه النبي - صلى الله عليه وسلم -».

    قال الشيخ ابن عثيمين: «لا يشترط معرفة المضمون عنه ولا المضمون له؛ لأنه ليس عليه ضرر، ولا الدين المضمون والعلم أحسن، فيصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم؛ لأن الضمان عقد تبرع، فيتسامح فيه ما لا يتسامح بالمعاوضة كهبة المجهول والجعالة».

    رابعا: أحكام الضمان

    إذا ثبت الضمان لزم الضامن أداء ما ضمنه، وللمضمون له مطالبته، قال ابن قدامة: «لا نعلم في هذا خلافا، وهو فائدة الضمان»، وهنا تفصيل:

    - إذا شرط الضامن ألا يطالبه المضمون له إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه، فالشرط صحيح وليس له المطالبة حتى يتعذر الاستيفاء من المضمون عنه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «المسلمون على شروطهم».

    أما إذا أطلق الضمان ولم يشترط، فللعلماء مذهبان:

    - الأول: لصاحب الحق أن يطالب من شاء منهما، وهو قول الجمهور، قال ابن قدامة: «لأن الحق ثابت في ذمة الضامن فملك مطالبته كالأصيل».


    - الثاني: أنه لا يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه، وهو قول مالك، قياسا على الرهن، فكلاهما وثيقة فلا يستوفى الحق منها إلا عند تعذر استيفائه من الأصل.

    قال الشيخ ابن سعدي: «الصحيح أن صاحب الحق لا يملك مطالبة الضامن حتى يعجز عن الاستيفاء من الغريم؛ لأن الضمان من التوثقات كالرهن لا يباع إلا إذا تعذر الوفاء، ولأن العرف هكذا؛ يستقبح الناس طلب الضامن قبل تعذر الوفاء من الغريم إلا إذا شرط».

    وقال ابن القيم في إعلام الموقعين مبينا ترجيح هذا المذهب: «إن الضامن فرع، والمضمون عنه أصل، وقاعدة الشريعة أن الفروع والأبدال لا يصار إليها إلا عند تعذر الأصول كالتراب في الطهارة والصوم في كفارة اليمين، وشاهد الفرع مع شاهد الأصل. وقد اطرد هذا في ولاية النكاح واستحقاق الميراث، لا يلي فرع مع أصله ولا يرث معه».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (46)
    من الأحكام المستفادة من قصة يوسف -عليه السلام -
    الحيل والمخارج الشرعية

    د.وليد خالد الربيع




    قال الله -تعالى-: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِم ْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} (سورة يوسف: 76)، قال الشيخ ابن سعدي: «{فَبَدَأَ} المفتش {بِأَوعيتهم قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ} وذلك لتزول الريبة التي يظن أنها فعلت بالقصد، فلما لم يجد في أوعيتهم شيئا {اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ} ولم يقل: «وجدها، أو سرقها أخوه» مراعاة للحقيقة الواقع، فحينئذ تم ليوسف ما أراد من بقاء أخيه عنده، على وجه لا يشعر به إخوته، قال -تعالى-: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} أي: يسرنا له هذا الكيد، الذي توصل به إلى أمر غير مذموم {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} لأنه ليس من دينه أن يتملك السارق، وإنما له عندهم، جزاء آخر، فلو ردت الحكومة إلى دين الملك، لم يتمكن يوسف من إبقاء أخيه عنده، ولكنه جعل الحكم منهم، ليتم له ما أراد»، يستفاد من الآية الكريمة مسألة (الحيل والمخارج الشرعية)، قال القرطبي: «وفيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعة، ولا هدمت أصلا».

    أولا: تعريف الحيلة

    الحيلة في اللغة: الحذق في تدبير الأمور، وهي ما يتوصل به إلى حالة ما في خفية.

    أما في الاصطلاح فلا يبعد التعريف الاصطلاحي عن التعريف اللغوي، قال ابن حجر: «هي ما يتوصل به إلى مقصود بطريق خفي»، وقال ابن القيم عن التحيل بأنه: «سلوك الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى حصول الغرض بحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة».

    ثانيا: أنواع الحيل

    الحيلة نوع من التصرف الخفي للوصول إلى المقاصد والغايات، وغلب إطلاقها في عرف الناس على التوصل إلى المقاصد الممنوعة شرعا أو قانونا أو عادة، فالمتبادر من لفظ (الحيلة) أنها مذمومة وممنوعة، لكن باستقراء أدلة الشرع اتضح أن الحيلة نوعان؛ مشروعة وممنوعة، قال ابن القيم: «ليس كل ما يسمى حيلة (حراما)».

    وقال ابن حجر: «وهي عند العلماء على أقسام بحسب الحامل عليها؛ فإن توصل بها بطريق مباح إلى إبطال حق أو إثبات باطل فهي حرام، أو إلى إثبات حق أو دفع باطل فهي واجبة أو مستحبة، وإن توصل بها بطريق مباح إلى سلامة من وقوع في مكروه فهي مستحبة أو مباحة، أو إلى ترك مندوب فهي مكروهة».

    فيستفاد من هذا أن الحيلة نوعان:

    - النوع الأول: الحيلة المشروعة: وهو ما يسمى بالمخارج الشرعية:

    قال ابن القيم مبينا هذا النوع: «نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله -تعالى- به، وترك ما نهى الله عنه، وتخليص الحق من الظالم المانع له، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغي، فهذا النوع محمود يثاب فاعله ومعلمه».

    الأدلة على مشروعية هذا النوع من الحيل

    (1) قوله -تعالى-: {كذلك كدنا ليوسف} قال ابن كثير: «وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه الله ويرضاه، لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة»، قال ابن القيم: «وفى ذلك تنبيه على أن العلم الدقيق بلطيف الحيل الموصلة إلى المقصود الشرعي الذي يحبه الله -تعالى- ورسوله، من نصر دينه وكسر أعدائه، ونصر المحق وقمع المبطل: صفة مدح يرفع الله -تعالى- بها درجة العبد».

    (2) قوله -تعالى-: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِ ينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} (النساء: 98) قال ابن القيم: «أي: التحيل على التخلص من الكفار وهذه حيلة محمودة يثاب عليها فاعلها».

    (3) عن أبي سعيد قال: أنَّ رَسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا علَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: أكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ قالَ: لا واللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِن هذا بالصَّاعَيْنِ، والصَّاعَيْنِ بالثَّلَاثَةِ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: لا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا».أخرجه البخاري، قال ابن القيم: «فأرشده إلى طريقة يتوصل بها إلى المقصود دون الوقوع في الربا المحرم».

    (4) عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: كانَ بينَ أبياتِنا رجلٌ مُخدَجٌ ضَعيفٌ، فلَم يُرَعْ إلَّا وَهوَ علَى أمةٍ من إماءِ الدَّارِ يخبُثُ بِها فرفعَ شأنَهُ سعدُ بنُ عُبادةَ إلى رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ- فقالَ: اجلِدوهُ ضَربَ مائةِ سوطٍ قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ هوَ أضعَفُ من ذلِكَ، لو ضرَبناهُ مائةَ سوطٍ ماتَ، قالَ فخُذوا لَهُ عِثكالًا فيهِ مائةُ شِمراخٍ فاضرِبوهُ ضَربةً واحدةً» أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني، قال الطيبي: «العثكال الغصن الكبير الذي يكون عليه أغصان صغار ويسمى كل واحد من تلك الأغصان شمراخا»، «والحديث دليل على أن المريض إذا لم يحتمل الجلد ضرب بعثكال فيه مائة شمراخ أو ما يشابهه ويشترط أن تباشره جميع الشماريخ، وقيل يكفي الاعتماد، وهذا العمل من الحيل الجائزة شرعا، وقد جوز الله مثله في قوله: {وخذ بيدك ضغثا} الآية» قاله الشوكاني.

    النوع الثاني: الحيل الممنوعة

    عرفها ابن القيم بقوله: «ونوع يتضمن إسقاط الواجبات، وتحليل المحرمات، وقلب المظلوم ظالما، والظالم مظلوما، والحق باطلا، والباطل حقا، فهذا النوع الذي اتفق السلف على ذمه وصاحوا بأهله من أقطار الأرض، قال الإمام أحمد: «لا يجوز شيء من الحيل في إبطال حق مسلم».

    أدلة تحريم الحيل المحرمة

    (1) قوله -تعالى-: {يخادعون الله وهو خادعهم} فالله -تعالى- ذم المنافقين لأنهم يخادعون الله والمؤمنين، مما يدل على أن مخادعة الله -تعالى- حرام، والحيل في حقيقتها مخادعة لله -تعالى- فهي حرام.

    (2) أخبر -تعالى- عن أهل السبت من اليهود أنه مسخهم قردة وخنازير لما احتالوا على إباحة ما حرم الله -تعالى- عليهم من الصيد بأن نصبوا الشباك يوم الجمعة ورفعوا يوم الأحد.

    (3) وأخبر -تعالى- عن أهل الجنة في سورة القلم أنهم لما تحيلوا على إسقاط نصيب المساكين، فعاقبهم الله -تعالى- فكان في ذلك عبرة لكل محتال على إسقاط حقوق الله -تعالى.

    (4) عن أبي هُرَيرَة قال: قال رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «لا تَرْتكِبوا ما ارتكبَتِ اليهودُ، فتستحلُّوا محارِمَ اللهِ بأدْنَى الحِيَلِ»رواه ابن بطة وجود إسناده الألباني.


    (5) وروى ابن ماجه عن عقبة بن عامر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَار؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «هُوَ الْمُحَلِّلُ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ، وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» وحسنه الألباني قال ابن القيم: «لأن فيه استحلال الزنا باسم النكاح».

    (6) وقال - صلى الله عليه وسلم -: «قاتل الله اليهود؛ عن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه»متفق عليه قال الخطابي: «في هذا الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوصل إلى الحرام، وأنه لا يتغير حكمه بتغير هيئاته وتبديل اسمه».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (47)
    من الأحكام المستفادة من قصة يوسف -عليه السلام -
    مشروعية الشهادة وبعض شروط الشاهد



    د.وليد خالد الربيع



    قال الله -تعالى-: {ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} (سورة يوسف:81)، هذه الآية الكريمة في سياق قصة يوسف -عليه السلام-، وتقدم ذكر الوسيلة التي توصل بها يوسف لإبقاء أخيه عنده، فلما استيأس إخوة يوسف من يوسف أن يسمح لهم بأخيهم {خَلَصُوا نَجِيًّا} أي: اجتمعوا وحدهم، ليس معهم غيرهم، وجعلوا يتناجون فيما بينهم، فـ{قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ} في حفظه، وأنكم تأتون به إلا أن يحاط بكم {وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ}، فاجتمع عليكم الأمران، تفريطكم في يوسف السابق، وعدم إتيانكم بأخيه باللاحق، فليس لي وجه أواجه به أبي».

    قال الشيخ ابن سعدي: «ثم وصَّاهم بما يقولون لأبيهم، فقال: {ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ} أي: وأخذ بسرقته، ولم يحصل لنا أن نأتيك به، مع ما بذلنا من الجهد في ذلك، والحال أنَّا ما شهدنا بشيء لم نعلمه، وإنما شهدنا بما علمنا، لأننا رأينا الصواع استخرج من رحله، {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} أي: لو كنا نعلم الغيب لما حرصنا وبذلنا المجهود في ذهابه معنا، ولما أعطيناك عهودنا ومواثيقنا، فلم نظن أن الأمر سيبلغ ما بلغ»، وقد دلت الآية الكريمة على مسألة (مشروعية الشهادة، وبعض شروط الشاهد)، ومن المعلوم أن الشهادة من طرق الإثبات للحقوق ومن الحجج القضائية التي يدلي بها المدعي أمام القضاء لإثبات حقه ويلزم القاضي الأخذ بها إذا توفرت شروطها ولم يطعن بها المدعى عليه.

    أولا: تعريف الشهادة

    الشهادة لغة: مصدر الفعل (شهد)، وله معان:

    1- المعاينة: فشهد بمعنى: عاين كقوله -تعالى-: {مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ}.

    2- الحضور: كقوله -تعالى-: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} أي: من حضر رمضان.

    3- القسم: كقوله -تعالى-: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ} أي: يحلف أربع مرات.

    4- شهد بمعنى أخبر خبرا قاطعا كقوله -تعالى-: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا}.

    وأما الشهادة في الاصطلاح: فهي إخبار صادق في مجلس الحكم لإثبات حق للغير على الغير.

    ثانيا: مشروعية الشهادة

    ثبتت مشروعية الشهادة بوصفها دليلا قضائيا بالكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب الكريم قوله -تعالى-: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ}، وقوله سبحانه: {وَاسْتشهدوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ}. فأمر -سبحانه- بالإشهاد في مواضع مختلفة مما يدل على مشروعية الشهادة لإثبات الحقوق والدعاوى.

    ومن السنة المطهرة قال الأشعث بن قيس: كَانَتْ بَيْنِي وبيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ في بئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إلى رَسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ: «شَاهِدَاكَ أوْ يَمِينُهُ» الحديث أخرجه البخاري، وانعقد الإجماع على مشروعية العمل بالشهادة كما نقله ابن قدامة وغيره.

    ثالثا: شروط الشاهد

    الشهادة حجة قضائية يلزم القاضي الأخذ بها متى تحققت شروطها وخلت من الموانع، ولا يجوز إهمالها أو كتمانها، وقد اشترط الفقهاء في الشاهد شروطا عديدة للتأكد من صدق خبره الذي يعتمد عليه القاضي في بناء الحكم، ومن تلك الشروط:

    أولا: أن يكون الشاهد بالغا عاقلا

    فلا تقبل شهادة المجنون باتفاق لأنه لا يعقل، ولا تقبل شهادة غير البالغ إلا في جناية الصغار وعدم وجود شاهد بالغ إلا صبيان مميزين فتقبل شهادتهم بشروط مشددة.

    ثانيا: أن يكون عالما بما يشهد به

    لقوله -سبحانه-: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، وقوله -تعالى-: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} مما يدل على أن الشهادة يجب أن تستند إلى العلم، قال القرطبي: «تضمنت هذه الآية جواز الشهادة بأي وجه حصل العلم بها؛ فإن الشهادة مرتبطة بالعلم عقلا وشرعا، فلا تسمع إلا ممن علم، ولا تقبل إلا منهم، وهذا هو الأصل في الشهادات، فكل من حصل له العلم بشيء جاز أن يشهد به وإن لم يشهده المشهود عليه قال الله -تعالى-:{إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (الزخرف: 86).

    ثالثا الإسلام

    فإذا كان المشهود عليه مسلما فيشترط أن يكون الشاهد مسلما اتفاقا لقوله -تعالى-: {وَاسْتشهدوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ} والكافر ليس من رجالنا، وقوله سبحانه: {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} والشهادة فيها نوع ولاية ولا ولاية لكافر على مسلم، وذهب الحنابلة وابن تيمية وابن عثيمين إلى أنه تقبل شهادة الكافر على المسلم استثناء من هذا الأصل في حالة المسلم تحضره الوفاة، ويريد أن يوصي وهو في السفر ولم يحضره مسلم فيجوز أن يشهد على وصيته من حضره من غير المسلمين لقوله -تعالى-: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ} الآية.

    رابعًا: أن يكون الشاهد عدلا

    لقوله -تعالى- {وأشهدوا ذوي عدل منكم}، قال ابن قدامة:» والعدل هو الذي تعتدل أحواله في دينه وأفعاله، قال القاضي: يكون ذلك في الدين والمروءة والأحكام، أما الدين فلا يرتكب كبيرة ولا يداوم على صغيرة، فإن الله أمر ألا تقبل شهادة القاذف فيقاس عليه كل مرتكب كبيرة، وأما المروءة فاجتناب الأمور الدنيئة المزرية».

    خامسًا: عدم التهمة

    أي: ألا يكون الشاهد متهمًا في شهادته؛ بحيث يقع الشك في صحة شهادته على وجه يرجح كذبه، وللتهمة المانعة من قبول الشهادة صور منها:

    1- العداوة الدنيوية

    فلا تقبل شهادة العدو على عدوه عند الجمهور لحديث: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولا ذي غمر على أخيه» أخرجه أبو داود وحسنه الألباني، والغمر هو الحقد، قال الشوكاني:» وهذا يدل على أن العداوة تمنع من قبول الشهادة لأنها تورث التهمة».

    2- جلب منفعة

    بأن يجلب الشاهد لنفسه منفعة أو يدفع ضررا مثل شهادة الدائنين لمدينهم المفلس بأن له دينا على غيره، وشهادة الدائنين لمدينهم الميت بدين أو مال على غيره.

    3- الشركة والوكالة

    لا تقبل شهادة الشريك لشريكه ولا الوكيل لموكله في موضوع الشركة أو الوكالة، قال ابن قدامة: «لا نعلم فيه مخالفا»، وتقبل فيما سواهما لانتفاء التهمة.

    4- القرابة

    لا تقبل شهادة الوالدين وإن علوا للولد وإن سفل، ولا شهادة الولد وإن سفل لهما وإن علوا، وهو مذهب الجمهور؛ لأنه متهم كتهمة العدو في الشهادة على عدوه، وتقبل شهادة أحدهما على صاحبه عند عامة أهل العلم.

    وقال ابن المنذر:» أجمع أهل العلم على أن شهادة الأخ لأخيه جائزة». وذك للفرق بين الوالد والأخ؛ لأن بين الوالد والولد بعضية وقرابة قوية بخلاف الأخ.

    5- الزوجية
    فلا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر عند الجمهور لانتفاع كل منهما بشهادته للآخر.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (48)
    من الأحكام المستفادة من قصة يوسف -عليه السلام -
    لزوم صيانة الإنسان نفسه وعرضه

    د.وليد خالد الربيع


    قال الله -تعالى-: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} سورة يوسف:(82)، قال القرطبي: «قوله -تعالى-: {واسأل القرية التي كنا فيها والعير} حققوا بها شهادتهم عنده، ورفعوا التهمة عن أنفسهم لئلا يتهمهم. فقولهم: واسأل القرية أي أهلها؛ فحذف، ويريدون بالقرية مصر»، فيستفاد من الآية الكريمة (لزوم صيانة الإنسان نفسه وعرضه)، بالبعد عن أماكن التهم، ورد الاتهامات الباطلة التي تقدح في دينه وعرضه.



    قال القرطبي: «في هذه الآية من الفقه أن كل من كان على حق، وعلم أنه قد يظن به أنه على خلاف ما هو عليه أو يتوهم أن يرفع التهمة وكل ريبة عن نفسه، ويصرح بالحق الذي هو عليه، حتى لا يبقى لأحد متكلم»، وفي الحديث المشهور عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الْحَلال بَيِّنٌ، وَإن الْحَرَام بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أمور مُشتبهَاتٌ لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام». الحديث متفق عليه.

    قال ابن رجب: «وَمَعْنَى اسْتَبْرَأَ: طَلَبَ الْبَرَاءَةَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ مِنَ النَّقْصِ وَالشَّيْنِ، وَالْعِرْضُ: هُوَ مَوْضِعُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَمَا يَحْصُلُ لَهُ بِذِكْرِهِ بِالْجَمِيلِ مَدْحٌ، وَبِذِكْرِهِ بِالْقَبِيحِ قَدْحٌ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ تَارَةً فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ، وَتَارَةً فِي سَلَفِهِ، أَوْ فِي أَهْلِهِ.

    اجتناب المشتبهات

    فمَنِ اتَّقَى الْأُمُورَ الْمُشْتَبِهَةَ وَاجْتَنَبَهَا، فَقَدْ حَصَّنَ عِرْضَهُ مِنَ الْقَدْحِ وَالشَّيْنِ الدَّاخِلِ عَلَى مَنْ لَا يَجْتَنِبُهَا، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ الشُّبُهَاتِ، فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْقَدْحِ فِيهِ وَالْطَّعْنِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتُّهَمِ، فَلَا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ طَلَبَ الْبَرَاءَةِ لِلْعِرْضِ مَمْدُوحٌ كَطَلَبِ الْبَرَاءَةِ لِلدِّينِ».

    موقف نبوي حكيم

    وتأمل هذا الموقف النبوي الحكيم في دفع التهم وتربية الصحابة الكرام والأمة على حسن الظن بالمسلمين وسلامة الصدر لهم، عن صفية بنت حيي -رضي الله عنها-، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا، فحدَّثته، ثم قمتُ لأنقلب، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في بيت أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأَيَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسرَعا في المشي، فقال: «على رِسلكما إنما هي صفية بنت حيي»، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! فقال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خفتُ أن يقذف في قلوبكما شرًّا، أو قال: شيئًا». متفق عليه.

    فوائد الحديث

    قال النووي مبينا فوائد الحديث: «فيه استحباب التحرز من التعرض لسوء ظن الناس في الإنسان وطلب السلامة والاعتذار بالأعذار الصحيحة، وأنه متى فعل ما قد ينكر ظاهره مما هو حق وقد يخفى أن يبين حاله ليدفع ظن السوء، وفيه الاستعداد للتحفظ من مكايد الشيطان فإنه يجرى من الإنسان مجرى الدم فيتأهب الإنسان للاحتراز من وساوسه وشره».

    حماية السمعة والعرض

    وأمر - صلى الله عليه وسلم - بحماية السمعة والعرض ولو ببذل المال فقال -عليه الصلاة والسلام-: «ذبوا (أي: ادفعوا) عن أعراضكم بأموالكم» أخرجه الخطيب البغدادي عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، وفيه زيادة: قالوا: وكيف؟ قال: «تعطون الشاعر ومن تخافون لسانه». وصححه الألباني، وإذا تساهل الإنسان بهذا الأمر فقد عرض نفسه لسوء الظن به وللغيبة والقدح، وأسقط حقه بالاحترام وكف اللسان عنه، فعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: «من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء الظن به».

    وَقَالَ الْحَسَنُ: «مَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ التُّهَمَةِ لَمْ يَكُنْ أَجْرُ لِلْغِيبَةِ».

    قال ابن مفلح: «وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمَّا فَعَلَ مَا لَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ سَقَطَ حَقُّهُ وَحَرَّمْتُهُ».

    وقال محمد بن حزم الباهلي:

    ومن دعا الناس إلى ذمه

    ذموه بالحق وبالباطل

    اجتناب سوء الظن

    ومعلوم أن الله -تعالى- أمر باجتناب سوء الظن في قوله -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن}، قال ابن كثير: «يَقُول -تعالى- نَاهِيًا عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ عَنْ كَثِير مِنْ الظَّنّ وَهُوَ التُّهْمَة وَالتَّخَوُّن لِلْأَهْلِ وَالْأَقَارِب وَالنَّاس فِي غَيْر مَحَلِّهِ ، لِأَنَّ بَعْض ذَلِكَ يَكُون إِثْمًا مَحْضًا فَلْيُجْتَنَبْ كَثِيرٌ مِنْهُ اِحْتِيَاطًا».

    الظن أنواع

    إلا أن النصوص دلت على أن الظن أنواع:

    الظن الواجب

    فمنه الظن الواجب كحسن الظن بالله -تعالى- وحسن الظن بالمسلم المستقيم، ومنه الظن المحرم كسوء الظن بالله -تعالى- وكذلك سوء الظن بالمسلمين، قال القرطبي: «وَأَكْثَر الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الظَّنّ الْقَبِيح بِمَنْ ظَاهِره الْخَيْر لَا يَجُوز».

    الظن المباح

    ومنه الظن المباح: وهو الذي يعرض في القلب بسبب يوجب الريبة، قال القرطبي: «وأكثر العلماء على أَنَّهُ لَا حَرَج فِي الظَّنّ الْقَبِيح بِمَنْ ظَاهِره الْقبح»، فقد عقد البخاري في صحيحه في كتاب الأدب ترجمة بعنوان (باب ما يجوز من الظن) ثم ذكر حديث عائشة قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا» وفي رواية: «ما أظن فلانا وفلانا يعرفان ديننا الذي نحن عليه «. قال الليث: كانا رجلين من المنافقين .

    قال ابن حجر: «وحاصل الترجمة أن مثل هذا الذي وقع في الحديث ليس من الظن المنهي عنه؛ لأنه في مقام التحذير من مثل من كان حاله كحال الرجلين، والنهي إنما هو عن ظن السوء بالمسلم السالم في دينه وعرضه».

    من الضروريات التي يجب الحرص عليها

    فالحاصل أن حماية العرض والسمعة من الضروريات التي يلزم المسلم الحرص عليها باكتساب الفضائل من جهة، وبالعلم النافع والعمل الصالح والخلق القويم، وباجتناب الرذائل من جهة أخرى، بالبعد عن الفواحش والكبائر، والبعد عن مواطن التهم وأماكن الشبهة، ولو حصل لبس فيلزمه التوضيح وإزالة الريب، فلا يعطي الناس مسوغا لسوء الظن به ولا الجرأة على غيبته واستحلال عرضه بما قدمت يداه.

    قال الشيخ ابن عثيمين في فوائد قوله -تعالى-: {وأدنى ألا ترتابوا} من آية الدين: «أنه ينبغي للإنسان إذا وقع في محل قد يستراب منه أن ينفي عن نفسه ذلك. لا تقل: إن الناس يحسنون الظن بي، ولن يرتابوا في أمري، لا تقل هكذا، لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فربما لا يزال يوسوس في صدور الناس حتى يتهموك بما أنت منه بريء».




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (49)
    من الأحكام المستفادة من قصة يوسف -عليه السلام -
    بعض الأحكام الفقهية المستفادة من سورة الكهف



    د.وليد خالد الربيع



    قال -تعالى-: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} (سورة الكهف:18)، هذه الآية الكريمة في سياق قصة أصحاب الكهف واعتزالهم لقومهم بأبدانهم وأديانهم، ولجوئهم للكهف وبيان حفظ الله سبحانه لهم.

    قال ابن سعدي: «{وَتَحْسبهمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} أي: تحسبهم أيها الناظر إليهم كأنهم أيقاظ، والحال أنهم نيام، قال المفسرون: وذلك لأن أعينهم منفتحة، لئلا تفسد، فالناظر إليهم يحسبهم أيقاظا، وهم رقود، {وَنُقلبهم ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} وهذا أيضا من حفظه لأبدانهم، لأن الأرض من طبيعتها، أكل الأجسام المتصلة بها، فكان من قدر الله، أن قلبهم على جنوبهم يمينا وشمالا، بقدر ما لا تفسد الأرض أجسامهم، والله -تعالى- قادر على حفظهم من الأرض، من غير تقليب، ولكنه -تعالى- حكيم، أراد أن تجري سنته في الكون، ويربط الأسباب بمسبباتها.


    {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} أي: الكلب الذي كان مع أصحاب الكهف، أصابه ما أصابهم من النوم وقت حراسته، فكان باسطا ذراعيه بالوصيد، أي: الباب، أو فنائه، هذا حفظهم من الأرض. وأما حفظهم من الآدميين، فأخبر أنه حماهم بالرعب، الذي نشره الله عليهم، فلو اطلع عليهم أحد، لامتلأ قلبه رعبا».

    حكم اقتناء الكلاب

    ذكر الله -تعالى- أن مع أصحاب الكهف كلبا، وأضافه إليهم مما يقتضي ملكيتهم له، ولم يعقب على ذلك بعدم الجواز، مما قد يفهم منه جواز اقتناء الكلب، استنادا إلى أنه شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا: هو الأحكام التي شرعها الله -تعالى- للأمم السابقة وجاء بها الأنبياء السابقون، كشريعة إبراهيم وموسى وعيسى -عليهم الصلاة والسلام.

    شرع من قبلنا

    ومعلوم أنه إذا ثبت شرع من قبلنا بطريق صحيح، وثبت أنه شرع لنا فهو شرع لنا إجماعا، وما نسخته شريعتنا فليس شرعا لنا إجماعا، وما لم يرد به كتاب ولا سنة فليس شرعا لنا أيضا بالإجماع، بقي إذا محل الخلاف بين العلماء، وهو ما صح من شرعِ من قبلنا من طريق الوحي من كتاب أو سنة، وليس من كتبهم المحرفة، من غير إنكار ولا إقرار لها، فهل هذا شرع لنا أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك، وأظهر الأقوال هو قول الجمهور وهو أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ، ويكون قد ورد من طريق وحي لا من طريق كتبهم المحرفة.

    الاحتجاج بالآية

    وعلى هذا فلا يصح الاحتجاج بهذه الآية الكريمة على جواز اقتناء الكلاب مطلقا لورود النهي الصحيح الصريح عن ذلك:

    فعن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان». أخرجه مسلم، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط». متفق عليه، وعن ابن عمر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَيُّما أهْلِ دارٍ اتَّخَذُوا كَلْبًا، إلَّا كَلْبَ ماشِيَةٍ، أوْ كَلْبَ صائِدٍ، نَقَصَ مِن عَمَلِهِمْ كُلَّ يَومٍ قِيراطانِ». أخرجه مسلم.

    قال القرطبي: «وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يسرح معها، لا الذي يحفظها في الدار من السراق. وكلب الزرع هو الذي يحفظها من الوحوش بالليل أو بالنهار لا من السراق. وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسراق الماشية والزرع».

    اختلاف الفقهاء

    وقد اختلف الفقهاء في حكم اقتناء الكلب على مذهبين:

    المذهب الأول

    حرمة الاقتناء لغير حاجة، وجواز اقتنائه للصيد أو الزرع أو الماشية: وهو مذهب الجمهور، استدلالا بظاهر الأحاديث المتقدمة في ترتيب الوعيد على الاتخاذ مما يدل على الحرمة، لأن التوعد بنقصان الأجر يكون على ترك واجب أو ارتكاب محرم، فدل على حرمة اقتناء الكلب بلا حاجة.

    المذهب الثاني

    كراهة اتخاذ الكلاب لغير حاجة: وهو مذهب المالكية، قَالَ ابن عَبْدِ الْبَرِّ: «فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ اتِّخَاذِ الْكِلَابِ لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ حَافِظٍ، وَكَرَاهَةُ اتِّخَاذِهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ»، واستدل على ذلك بقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: «نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ» أَيْ: مِنْ أَجْرِ عَمَلِهِ مَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ اتِّخَاذَهَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ اتِّخَاذُهُ مُحَرَّمًا امْتَنَعَ اتِّخَاذُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ نَقَصَ الْأَجْرُ أَوْ لَمْ يَنْقُصْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اتِّخَاذَهَا مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ».

    ولم يرتض الحافظ ابن حجر هذا الاستدلال فقال: «وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ عَدَمِ التَّحْرِيمِ وَاسْتَنَدَ لَهُ بِمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْعُقُوبَةُ تَقَعُ بِعَدَمِ التَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ بِمِقْدَارِ قِيرَاطٍ مِمَّا كَانَ يَعْمَلُهُ مِنَ الْخَيْرِ لَوْ لَمْ يَتَّخِذِ الْكَلْبَ.

    وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الِاتِّخَاذُ حَرَامًا وَالْمُرَادُ بِالنَّقْصِ أَنَّ الإثم الْحَاصِلَ بِاتِّخَاذِهِ يُوَازِي قَدْرَ قِيرَاطٍ أَوْ قِيرَاطَيْنِ مِنْ أَجْرٍ فَيَنْقُصُ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِ الْمُتَّخِذِ قدر مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الْإِثْم باتخاذ وَهُوَ قِيرَاطٌ أَوْ قِيرَاطَانِ».

    حرمة اقتناء الكلب

    وبهذا يترجح مذهب الجمهور بحرمة اقتناء الكلب بغير حاجة لظاهر الأحاديث المتقدمة، وكذلك لما في اقتناء الكلب من تبعات مؤسفة؛ فمن ذلك حرمان البيت من دخول الملائكة فعن أبي طلحةَ الأنصاري أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تدخلُ الملائكةُ بيتًا؛ فيه كلبٌ، ولا تماثيل».أخرجه مسلم.

    قال النووي: «الملائكة الذين لا يدخلون بيتا فيه كلب أو صورة فهم ملائكة يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار، وأما الحفظة فيدخلون كل بيت ولا يفارقون بني آدم في كل حال».

    ومن التبعات التعرض لنجاسة الكلب المغلظة كما ثبت عن أبي هريرة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «طَهورُ إناءِ أحدِكم، إذا ولَغ فيه الكلبُ، أن يغسِلَه سبعَ مرَّاتٍ أُولاهنَّ بالتُّرابِ».
    أخرجه مسلم.


    قال النووي: «لا فرق عندنا بين ولوغ الكلب وغيره من أجزائه، فإذا أصاب بوله أو روثه أو دمه أو عرقه أو شعره أو لعابه أو عضو من أعضائه شيئا طاهرا في حال رطوبة أحدهما وجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب».

    لا يجوز بيع الكلب ولا شراؤه


    ومع القول بجواز اتخاذ الكلب للحاجة كما تقدم إلا أنه لا يجوز بيع الكلب ولا شراؤه، فعنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ أنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

    وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب، وقال: «إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا».
    فقد دلت هذه الأحاديث على تحريم بيع الكلب مطلقا وهو قول الجمهور، ويجوز اقتناؤه بالهبة.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (50)
    - الأحكام المستفادة من قصة أهل الكهف
    - أحكام بناء المساجد على القبور


    د.وليد خالد الربيع





    قال -سبحانه-: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا (سورة الكهف: 21).

    قال ابن سعدي -رحمه الله-: «يخبر الله -تعالى-، أن الناس قد اطلعوا على حال أهل الكهف، وذلك -والله أعلم- بعدما استيقظوا، وبعثوا أحدهم يشتري لهم طعامًا، وأمروه بالاستخفاء والإخفاء، فأراد الله أمرًا فيه صلاح للناس، وزيادة أجر لهم، وهو أن الناس رأوا منهم آية من آيات الله، المشاهدة بالعيان، على أن وعد الله حق لا شك فيه ولا مرية ولا بعد، بعدما كانوا يتنازعون بينهم أمرهم، فمن مثبت للوعد والجزاء، ومن ناف لذلك، فجعل قصتهم زيادة بصيرة ويقين للمؤمنين، وحجة على الجاحدين، وصار لهم أجر هذه القضية، وشهر الله أمرهم، ورفع قدرهم حتى عظمهم الذين اطلعوا عليهم. و{فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا} الله أعلم بحالهم ومآلهم، وقال من غلب على أمرهم، وهم الذين لهم الأمر: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} أي: نعبد الله -تعالى- فيه، ونتذكر به أحوالهم، وما جرى لهم».

    الأخذ بظاهر الآية

    وقد أخذ بظاهر هذه الآية الكريمة بعض العلماء، وقال بجواز بناء المساجد على القبور، وجواز الصلاة فيها تبركا بالصالحين؛ منهم الشهاب الخفاجي؛ حيث قال في حاشيته على تفسير البيضاوي: «وكونه مسجداً يدل على جواز البناء على قبور الصلحاء ونحوهم»، ومنهم الزمخشري حيث قال في الكشاف: «{قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ} من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم {لَنَتَّخِذَنَّ} على باب الكهف {مَسْجِداً} يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم».

    دعوى مخالفة

    وقد رد كثير من العلماء على هذه الدعوى المخالفة للأحاديث الصحيحة الصريحة قديما وحديثا، فقال الألوسي: «هذا واستدل بالآية على جواز البناء على قبور الصلحاء واتخاذ مسجد عليها وجواز الصلاة في ذلك، وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في حواشيه على البيضاوي وهو قول باطل عاطل فاسد كاسد».

    ومن قبله قال القرطبي: «اتخاذ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها، إلى غير ذلك مما تضمنته السنة من النهي عنه ممنوع لا يجوز»، وقال أيضا: «قال علماؤنا: وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد».

    هذه الحالة محظورة

    وقال ابن سعدي في الرد على الاستدلال بظاهر الآية: «وهذه الحالة محظورة، نهى عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذم فاعليها، ولا يدل ذكرها هنا على عدم ذمها، فإن السياق في شأن تعظيم أهل الكهف والثناء عليهم، وأن هؤلاء وصلت بهم الحال إلى أن قالوا: ابنوا عليهم مسجدا، بعد خوف أهل الكهف الشديد من قومهم، وحذرهم من الاطلاع عليهم، فوصلت الحال إلى ما ترى».

    شرع من قبلنا

    فلو قيل: إن الآية في سياق شرع من قبلنا وهو شرع لنا؛ إذ لم ينكر الله -تعالى- ذلك في القرآن، فالجواب: أن شرع من قبلنا شرع لنا بشروط منها أن يثبت بشرعنا وألا يخالف شرعنا، وقد ورد في السنة من الأحاديث الصريحة الصحيحة ما يدل على نسخ ذلك والنهي عنه والتحذير منه أشد التحذير، وإنكار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إنكار الله -سبحانه-، وقد جمع هذه الأحاديث ونقل اتفاق المذاهب الأربعة على تحريم ذلك الشيخ الألباني -رحمه الله- في كتابه النفيس (تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد)، وذكر شبهات المجيزين وأجاب عنها، فمن تلك الأحاديث:

    1 - عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت: فلولا ذاك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا «متفق عليه. أي: كشف قبره ولم يتخذ عليه الحائل. والمراد دفن خارج بيته كذا في فتح الباري.

    2- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» متفق عليه.

    3- عن عائشة وابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة له فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو يقول: «لعنة الله على اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». تقول عائشة: «يحذر مثل الذي صنعوا «متفق عليه.

    4- عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: لما كان مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها: مارية، وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة، فذكرن من حسنها وتصاويرها قالت: فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - رأسه فقال: «أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» متفق عليه.

    5- عن جندب بن عبد الله البجلي أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «قد كان لي فيكم إخوة وأصدقاء، وإني أبرأ إلى الله أن يكون لي فيكم خليل، وإن الله -عز وجل- قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» أخرجه مسلم.

    حرمة اتخاذ القبور مساجد

    فظاهر الأحاديث يدل على حرمة اتخاذ القبور مساجد، وقد بيّـن الشيخ الألباني -رحمه الله ومن قبله الشافعي وشراح الحديث- أن الاتخاذ المذكور في الأحاديث يشمل الصلاة على القبورـ بمعنى السجود عليها، واستقبالها بالصلاة والدعاء، وبناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها، وهذا من جوامع كله - صلى الله عليه وسلم -، ونقل عن الشافعي أنه قال في كتابه الأم: «وأكره أن يبنى على القبر مسجد، وأن يسوى، وأن يصلى عليه وهو غير مسوي، أو يصلى إليه»، والكراهة هنا للتحريم وليس المقصود الكراهة التنزيهية؛ لأن الشافعي يقول بمقتضى الأحاديث، وهي تدل على التحريم ولا صارف للكراهة.


    وأختم بما قاله ابن القيم -رحمه الله- في زاد المعاد: «نص الإمام أحمد وغيره على أنه إذا دفن الميت في المسجد نبش». وقال ابن القيم أيضًا: «لا يجتمع في دين الإسلام قبر ومسجد، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه وكان الحكم للسابق».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (51)
    - الأحكام المستفادة من سورة الكهف
    - قصة الرجلين



    د.وليد خالد الربيع




    قال الله -تعالى-: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا} (سورة الكهف: 39)، لا نزال مع المسائل المستفادة من آيات سورة الكهف، وقد ذكر الله -تعالى- فيها قصة رجلين أحدهما مؤمن والآخر كافر، جرى بينهما حوار أثبته القرآن الكريم لما فيه من الفوائد والعظات.

    قال الشيخ ابن سعدي: « يقول -تعالى- لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: اضرب للناس مثل هذين الرجلين، الشاكر لنعمة الله، والكافر لها، وما صدر من كل منهما، من الأقوال والأفعال، وما حصل بسبب ذلك من العقاب العاجل والآجل، والثواب، ليعتبروا بحالهما، ويتعظوا بما حصل عليهما، وليس معرفة أعيان الرجلين، وفي أي: زمان أو مكان هما فيه فائدة أو نتيجة، فالنتيجة تحصل من قصتهما فقط، والتعرض لما سوى ذلك من التكلف».

    مشروعية الذكر عند دخول البيت

    من المسائل الفقهية المستفادة من الآية الكريمة (مشروعية الذكر عند دخول البيت): قال ابن العربي: «الذِّكْرُ مَشْرُوعٌ لِلْعَبْدِ فِي كُلِّ حَالٍ عَلَى النَّدْبِ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: « كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَذْكُرُ اللَّهَ كُلَّ أَحْيَانِهِ». وَمِنْ جُمْلَةِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ إذَا دَخَلَ أَحَدُنَا مَنْزِلَهُ أَوْ مَسْجِدَهُ» ثم بيّن الذكر المطلوب كما جاء في الآية فقال: «أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ اللَّهُ: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ} أَيْ: مَنْزِلَك {قُلْت مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ}. قَالَ أَشْهَبُ: قَالَ مَالِكٌ: يَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ أَنْ يَقُولَ هَذَا».

    السنة المطهرة

    وقد جاء في السنة المطهرة ما يؤكد ذلك ويوضحه فمن ذلك فعن جابرٍ - رضي الله عنه -؛ أنَّه سمع النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «إذا دَخَل الرجل بيتَه فذكر الله عندَ دُخوله، وعند طعامه؛ قال الشيطان: لا مَبيتَ لكم ولا عشاء، وإذا دخل فَلَمْ يذكر الله عندَ دُخوله؛ قال الشيطانُ: أَدْركتم المبيتَ، وإذا لمْ يذْكرِ الله عندَ طعامه؛ قال الشيطانُ: أدركتم المبيت والعشاء».رواه مسلم، قال النووي: «وفي هذا استحباب ذكر الله عند دخول البيت وعند الطعام».

    السلام على أهل البيت

    ومن الذكر المطلوب أيضا (السلام على أهل البيت)، فعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا بُنيَّ إذا دخلت على أهلك فسلِّم، فتكون بركة عليك وعلى أهل بيتِكَ».رواه الترمذي وحسنه الألباني، ولهذا الذكر فضل عظيم فعن أبي أمامة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثلاثة كلُّهُمْ ضامِنٌ على الله عزَّ وجلَّ: رجُل خرج غازيًا في سبيل الله عزَّ وجلَّ، فهو ضامنٌ على الله حتَّى يتوفَّاه فيُدخله الجنَّة بما نال مِنْ أجْرٍ أو غنيمةٍ، ورجلٌ راحَ إلى المسْجد، فهو ضامنٌ على الله حتى يتوَفَّاه فيُدْخله الجنَّة أو يَرُدَّهُ بما نال من أَجْرٍ أو غنيمةٍ، ورجلٌ دخل بيْته بسلامٍ، فهوَ ضامِنٌ على الله -عزَّ وجلَّ». رواه أبو داود.وصححه الألباني، ورواه ابن حبان ولفظه: قال: «ثلاثةٌ كُلُّهُمْ ضامن على الله، إنْ عاش رُزِقَ وكفِيَ، وإن ماتَ أدخله الله الجنة: مَنْ دَخَل بيته فسلَّم فهو ضامنٌ على الله» فذكر الحديث، قال الخطابي: «معناه: مضمون على الله، فاعل بمعنى مفعول، كقوله -تعالى-: {في عيشة راضية} أي: مرضية».

    الدعاء بالبركة

    ومن المسائل المستفادة من الآية الكريمة أيضا (أن يدعو الشخص بالبركة إذا رأى ما يعجبه في ماله وحاله أو في غيره):

    قال ابن كثير: « هذا تحضيض وحث على ذلك، أي: هلا إذا أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها حمدت الله على ما أنعم به عليك، وأعطاك من المال والولد ما لم يعطه غيرك، وقلت: «ما شاء الله لا قوة إلا بالله»؛ ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده أو ماله، فليقل: «ما شاء الله لا قوة إلا بالله» وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة».

    التوجيه النبوي لهذا الأدب

    وقد جاء في السنة المطهرة التوجيه النبوي لهذا الأدب فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة؛ فٍان العين حق» رواه ابن السني في (عمل اليوم والليلة). وصححه الألباني في (الكلم الطيب).

    وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: مر عامر بن ربيعة بسهل بن حنيف وهو يغتسل فقال: لم أر كاليوم ولا جلد مخبأة، فما لبث أن لُبِط به فأتي به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقيل له: أدرك سهلاً صريعاً قال: « مَن تتهمون به؟» قالوا: عامر بن ربيعة، قال: «علام يقتل أحدكم أخاه؟ إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة»، ثم دعا بماء فأمر عامراً أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وداخلة إزاره، وأمره أن يصب عليه. رواه ابن ماجه وأحمد ومالك.

    ألا برّكت؟!

    قال السيوطي في تنوير الحوالك شرح موطأ مالك: «قوله: «ألا برّكت؟!» قال الباجي: هو أن يقول: بارك الله فيه، فإن ذلك يبطل المعنى الذي يخاف من العين ويذهب تأثيره». وقال ابن عبد البر: «يقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه، فإذا دعا بالركة صرف المحذور لا محالة».

    وقال ابن القيم في الزاد: «ومما يدفع به إصابة العين قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، روي عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان إذا رأى شيئا يعجبه أو دخل حائطا من حيطانه قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله».

    قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: «فإذا رأى الإنسان ما يعجبه وخاف من حسد العين فإنه يقول: ما شاء الله تبارك الله، حتى لا يصاب المشهود بالعين، وكذلك إذا رأى الإنسان ما يعجبه في ماله فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله؛ لِئَلاَّ يعجب بنفسه وتزهو به نفسه في هذا المال الذي أعجبه، فإذا قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فقد وكل الأمر إلى الله -تبارك وتعالى».


    تبارك الله عليك

    وقال أيضا: «الأحسن إذا كان الإنسان يخاف أن تصيب عينه أحداً لإعجابه به أن يقول: تبارك الله عليك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للرجل الذي أصاب أخاه بعين: «هلا برَّكت عليه»، أما ما شاء الله لا قوة إلا بالله فهذه يقولها: من أعجبه ملكه، كما قال صاحب الجنة لصاحبه قال: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} وفي الأثر: «من رأى ما يعجبه في ماله فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يصبه في ماله أذىً» أو كلمة نحوها».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (52)
    - الأحكام المستفادة من سورة الكهف
    - قصة موسى -عليه السلام- والخضر



    د.وليد خالد الربيع





    قال الله -تعالى-: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} (سورة الكهف:60)، قال الشيخ ابن سعدي: «يخبر -تعالى- عن نبيه موسى -عليه السلام-، وشدة رغبته في الخير وطلب العلم، أنه قال لفتاه - أي: خادمه الذي يلازمه في حضره وسفره، وهو «يوشع بن نون {لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} أي: لا أزال مسافرًا وإن طالت عليّ الشقة، ولحقتني المشقة، حتى أصل إلى مجمع البحرين، وهو المكان الذي أوحي إليه أنك ستجد فيه عبدا من عباد الله العالمين، عنده من العلم، ما ليس عندك، {أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًاْ} أي: مسافة طويلة».

    وقد ذكر لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - سبب هذه القصة، فقال: «إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك. فقال موسى: يا رب، وكيف لي به؟» الحديث أخرجه البخاري، وفي هذه القصة القرآنية فوائد عديدة وأحكام كثيرة، نذكر منها ما يلي:

    فضيلة العلم والرحلة في طلبه

    فمنها فضيلة العلم، والرحلة في طلبه، كما قال ابن العربي والقرطبي وغيرهما: «في هذا من الفقه رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب، واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم، وذلك كان في دأب السلف الصالح»، فمن المسائل المستفادة من الآية الكريمة:

    المسألة الأولى حكم الرحلة في طلب العلم الشرعي

    دلت الأدلة الشرعية والآثار السلفية على مشروعية الرحلة في طلب العلم الشرعي، كما تقدم في الآية الكريمة، وأخرج البخاري عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ أنه رَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ عن مسألة متعلقة بالزواج ودعوى الرضاع.

    وأخرج البخاري عن أنس أنَّ ضِمامَ بنَ ثعلبةَ - وكان سَيِّدَ قَومِه بني سَعدِ بنِ بكرٍ- جاء إلى المدينةِ لمُقابَلةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ ليَسأَلَه عن أركانِ الإسلامِ؛ ليرشد قَومِه بعْدَ رُجوعِه.

    وقال ابن حجر: «أَخْرَجَ البخاري فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عن جَابِر قال: «بَلَغَنِي عَنْ رَجُلٍ حَدِيثٌ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَاشْتَرَيْتُ بَعِيرًا ثُمَّ شَدَدْتُ رَحْلِي فَسِرْتُ إِلَيْهِ شَهْرًا حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ»، وقال ابن مَسْعُودٍ: «لَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ».

    وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ قَالَ: «كُنَّا نَسْمَعُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلَا نَرْضَى حَتَّى خَرَجْنَا إِلَيْهِمْ فَسَمِعْنَا مِنْهُمْ». ورَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ رَحَلَ إِلَى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَهُوَ بِمِصْرَ فِي حَدِيثٍ.

    وعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: «بَلَغَنِي حَدِيثٌ عِنْدَ عَلِيٍّ فَخِفْتُ إِنْ مَاتَ أَنْ لَا أَجِدَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ فَرَحَلْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَيْهِ الْعِرَاقَ».

    وقال سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: «إِنْ كُنْتُ لَأَرْحَلُ الْأَيَّامَ وَاللَّيَالِيَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ».

    وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: رَجُلٌ يَطْلُبُ الْعِلْمَ يَلْزَمُ رَجُلًا عِنْدَهُ عِلْمٌ كَثِيرٌ أَوْ يَرْحَلُ؟ قَالَ: يَرْحَلُ يَكْتُبُ عَنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ فَيُشَافِهُ النَّاسَ وَيَتَعَلَّمُ مِنْهُمْ».

    طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ

    ومن المعلوم أن طلب العلم الشرعي منه ما هو فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية، ومنه ما هو مستحب، وحكم الرحلة في طلب العلم يختلف بحسب نوع العلم المطلوب وحال الطالب، فإن كان العلم المطلوب فرض عين ولا يمكن تحصيله إلا بالرحلة فطلبه واجب، والرحلة إليه واجبة بشروط، لقوله -تعالى-: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُو اْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ} (التوبة: 122)، فَطَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ الرِّحْلَةَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وشرط ذلك خلو بلده ممن يعلمه ما يحتاج إليه، قال الخطيب البغدادي في الجامع: «الْمَقْصُودُ فِي الرِّحْلَةِ فِي الْحَدِيثِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا تَحْصِيلُ عُلُوِّ الْإِسْنَادِ وَقِدَمِ السَّمَاعِ، وَالثَّانِي لِقَاءُ الْحُفَّاظِ وَالْمُذَاكَرَة ُ لَهُمْ وَالِاسْتِفَادَ ةُ عَنْهُمْ. فَإِذَا كَانَ الْأَمْرَانِ مَوْجُودَيْنِ فِي بَلَدِ الطَّالِبِ وَمَعْدُومَيْنِ فِي غَيْرِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الرِّحْلَةِ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا فِي الْبَلَدِ أَوْلَى».

    قالَ أَبُو مُسْهِرٍ: «يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى عِلْمِ بَلَدِهِ وَعِلْمِ عَالِمِهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَقْتَصِرُ عَلَى عِلْمِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَمَا أَفْتَقِرُ مَعَهُ إِلَى أَحَدٍ».

    متى تكون الرحلة لطلب العلم مستحبة؟

    وتكون الرحلة مستحبة، إذا كانت لزيادة علم شرعي ليس بفرض عين وليس موجودًا في بلده، قال الخطيب البغدادي: «وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْأَمْرَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا مَوْجُودَيْنِ فِي بَلَدِ الطَّالِبِ وَفِي غَيْرِهِ إِلَّا أَنَّ مَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَلَدَيْنِ يَخْتَصُّ بِهِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ عِرَاقِيًّا وَفِي بَلَدِهِ عَالِي أَسَانِيدِ الْعِرَاقِيِّين َ وَحُفَّاظُ رُوَايَاتِهَا، وَالْعُلَمَاءُ بِاخْتِلَافِهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ وَبِالشَّامِ مِنْ عُلُوِّ أَسَانِيدِ الشَّامِيِّينَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِأَحَادِيثِهِم ْ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ فَالْمُسْتَحَبّ ُ لِلطَّالِبِ الرِّحْلَةُ لِجَمْعِ الْفَائِدَتَيْن ِ مِنْ عُلُوِّ الْإِسْنَادَيْن ِ وَعِلْمِ الطَّائِفَتَيْن ِ لَكِنْ بَعْدَ تَحْصِيلِهِ حَدِيثَ بَلَدِهِ وَتَمَهُّرِهِ فِي الْمَعْرِفَةِ بِهِ».

    قَالَ أَبُو الْفَضْلِ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ التَّمِيمِيُّ: «وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْحَدِيثِ وَمَنْ عُنِيَ بِهِ أَنْ يَبْدَأَ بِكَتْبِ حَدِيثِ بَلَدِهِ وَمَعْرِفَةِ أَهْلِهِ مِنْهُمْ وَتَفَهُّمِهِ وَضَبْطِهِ حَتَّى يَعْلَمَ صَحِيحَهَا وَسَقِيمَهَا وَيَعْرِفَ أَهْلَ التَّحْدِيثِ بِهَا وَأَحْوَالِهِمْ مَعْرِفَةً تَامَّةً إِذَا كَانَ فِي بَلَدِهِ عِلْمٌ وَعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ثُمَّ يَشْتَغِلُ بَعْدُ بِحَدِيثِ الْبُلْدَانِ، وَالرِّحْلَةِ فِيهِ».

    وينبغي لمن أراد الرحلة في طلب العلم ألا يضيع من يقوت ويعول من والدين وزوجة وأولاد إن لم يكن لهم كفاية ولا من يقوم عليهم غيره، فعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» رواه أبو داود وفي لفظ: «من يعول» وحسنه الألباني.

    المسألة الثانية حكم استئذان الوالدين في الرحلة لطلب العلم

    لا شك أن طاعة الوالدين بالمعروف واجبة، وقد تكون الرحلة في طلب العلم واجبة كما تقدم، فهل يشترط إذنهما لذلك؟ ذكر العلماء لذلك تفصيلا ملخصه: إن كان في سفره خطر يخاف عليه من الهلاك فيجب أن يستأذن الوالدين؛ لأنه بمنزلة خروجه للجهاد، فقد روى الإمام أحمد عن أبي سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رد رجلا هاجر من اليمن لوالديه وقال له: أذنا لك؟ قال: لا، قال: «ارجع إليهما فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما».

    وإن لم يكن في سفره خطر يخاف عليه من الهلاك، وخيف على والديه الضيعة؛ بأن كانا معسرين ونفقتهما عليه، وماله لا يفي بنفقتهما ونفقة سفره فإنه لا يخرج إلا بإذنهما.


    وإن كانا موسرين فله أن يخرج بغير إذنهما إذا كان لطلب علم شرعي فرض عليه ولم يكن في بلده من يفيده، بشرط أن يكون طالب العلم أهلا لذلك ويرجى انتفاعه بسفره.

    قَالَ الخطيب: «وَالطَّلَبُ الْمَفْرُوضُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِنَّمَا هُوَ طَلَبُ الْعِلْمِ الَّذِي لَا يَسَعُ جَهْلُهُ فَتَجُوزُ الرِّحْلَةُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْأَبَوَيْنِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِبَلَدِ الطَّالِبِ مَنْ يُعَرِّفُهُ وَاجِبَاتِ الْأَحْكَامِ وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ قَدْ عَرَفَ عِلْمَ الْمُفْتَرَضِ عَلَيْهِ فَتُكْرَهُ لَهُ الرِّحْلَةُ إِلَّا بِإِذْنِ أَبَوَيْهِ».

    قَالَ الخطيب: «وَإِذَا مَنَعَ الطَّالِبَ أَبَوَاهُ عَنْ تَعَلُّمِ الْعِلْمِ الْمُفْتَرَضِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مُدَارَاتُهُمَا وَالرِّفْقُ بِهِمَا حَتَّى تَطِيبَ لَهُ أَنْفُسُهُمَا وَيَسْهُلَ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمَا.

    سئل رجل الإمام أحمد فقال: «إِنِّي أَطْلُبُ الْحَدِيثَ وَإِنَّ أُمِّي تَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ تُرِيدُ مِنِّي أَنْ أَشْتَغِلَ فِي التِّجَارَةِ» فَقَالَ: «دَارِهَا وَأَرْضِهَا وَلَا تَدَعِ الطَّلَبَ».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (53)
    - الأحكام المستفادة من سورة الكهف
    - مشروعية الاستعانة بالخادم


    د.وليد خالد الربيع




    لا نزال مع قوله -تعالى-: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} (سورة الكهف:60)، ومن الفوائد المستفادة من الآية الكريمة: (مشروعية الاستعانة بالخادم).

    قال الشيخ ابن سعدي مبينا فوائد الآية: «جواز أخذ الخادم في الحضر والسفر لكفاية المؤن، وطلب الراحة، كما فعل موسى -عليه السلام»، وذلك أخذا من قوله -تعالى-: {وإذ قال موسى لفتاه}، قال القرطبي: «والفتى في كلام العرب: الشاب، ولما كان الخدمة أكثر ما يكونون فتيانا قيل للخادم: فتى على جهة حسن الأدب، وندبت الشريعة إلى ذلك في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقل أحدكم: عبدي ولا أمتي، وليقل: فتاي وفتاتي» فهذا ندب إلى التواضع»، والفتى في الآية هو الخادم، وهو يوشع بن نون كما ورد في الحديث المتفق عليه.

    مشروعية طلب العمل

    قال ابن العربي مبينًا وجه الدلالة: «بَيَّنَ ذَلِكَ جَوَازَ الِاسْتِخْدَامِ لِلْأَصْحَابِ أَوْ الْعَبِيدِ فِي أُمُورِ الْمَعَاشِ وَحَاجَةِ الْمَنَافِعِ، لِفَضْلِ الْمَنْزِلَةِ، أَوْ لِحَقِّ السَّيِّدِيَّةِ »، فالآية الكريمة تدل على مشروعية طلب العمل من الآخر، سواء أكان ذلك بعوض أم بغير عوض.

    الإحسان إلى العمالة المنزلية

    وفي السنة المطهرة أحاديث عديدة ترشد إلى الإحسان إلى العمالة المنزلية، سواء أكان العامل رقيقا، أم كان أجيرا خاصا كما هو الواقع اليوم، فمن ذلك تكليفه بما يقدر عليه، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يُكَلَّفُ من العمل إلا ما يُطيق» أخرجه مسلم.

    وعن أبي ذر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إخوانُكم خَوَلُكم، جعلَهم اللهُ تحتَ أيديكم، فمَن كان أخوه تحتَ يدِه، فلْيُطعِمْه ممَّا يأكُلُ، ولْيُلْبِسْه ممَّا يَلبَسُ، ولا تُكلِّفوهم ما يَغلِبُهم، فإن كلَّفتُموهم فأعينُوهم» متفق عليه.

    الإحسان إلى الأجير الخاص

    وهذه الأحاديث وإن كانت في سياق الإحسان إلى المملوك فإنها تتناول الأجير الخاص كذلك؛ لأن وصف الإنسانية يشمل الاثنين، وعموم أدلة الإحسان لم تفرق بين حر ورقيق، بل إنها تناولت حتى الحيوان كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبْحة، ولْيُحِدَّ أحدُكم شفرته، ولْيُرِحْ ذبيحته» رواه مسلم، قال النووي: «وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يكلفه من العمل ما لا يطيقه، فإن كان ذلك لزمه إعانته بنفسه أو بغيره». ويتناول الأمر الأجير الخاص كما تقدم.

    دفع أجرة الخادم بغير تأخير

    ومن الإحسان إلى الخادم دفع أجرته إليه بغير تأخير ولا مماطلة، وهذا واجب شرعي تركه يستجلب الوعيد من الله -تعالى-، فعن أبي هُرَيرةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «قال اللهُ: ثلاثةٌ أنا خَصمُهم يومَ القيامةِ: رجلٌ أعطى بي ثمَّ غدرَ، ورجلٌ باع حرًّا فأكَلَ ثمنَه، ورجُلٌ استأجرَ أجيرًا فاستوفى منهُ ولم يُعْطِه أجْرَه». أخرجه البخاري.

    قال ابن التين: «هو -سبحانه وتعالى- خصم لجميع الظالمين إلا أنه أراد التشديد على هؤلاء بالتصريح»، وقال ابن حجر: «قوله: «ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره» هو في معنى من باع حرا وأكل ثمنه؛ لأنه استوفى منفعته بغير عوض وكأنه أكلها، ولأنه استخدمه بغير أجرة وكأنه استعبده».

    العفو عن زلة الخادم وخطئه

    ومن الإحسان للخادم العفو عن زلته وخطئه وتوجيهه باللطف والرفق فعن ابْن عُمَرَ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمْ نَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَصَمَتَ، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الْكَلَامَ، فَصَمَتَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ، قَالَ: «اعْفُوا عَنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً». أخرجه أبو داود وصححه الألباني.

    أسوة حسنة

    ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة في طيب المعاملة لمن خدمه، فعن أنسٍ - رضي الله عنه - قال: «خَدَمْتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَشْرَ سِنينَ، فما قال لي: أُفٍّ، ولا: لمَ صَنَعْتَ؟ ولا: ألا صَنَعْت». متفق عليه، قال ابن حجر: «ويستفاد من هذا ترك العتاب على ما فات؛ لأن هناك مندوحة عنه باستئناف الأمر به إذا احتيج إليه، وفائدة تنزيه اللسان عن الزجر والذم واستئلاف خاطر الخادم بترك معاتبته، وكل ذلك في الأمور التي تتعلق بحظ الإنسان، وأما الأمور اللازمة شرعا فلا يتسامح فيها لأنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».

    أمور محرمة شرعًا

    وبعض أرباب البيوت قد يتجرأ على ضرب العمالة المنزلية وإهانتهم، بل قد يصل الأمر إلى تعذيبهم وقتلهم، وهذا أمر محرم شرعا؛ لأن هؤلاء أجراء عند رب البيت وليسوا عبيده، والعقوبة بالضرب لابد أن تكون على يد من له ولاية شرعية على المضروب كالقاضي والزوج عند تأديب الزوجة والأولاد مثلا، أما عموم الناس فليس لأحدهم أن يضرب غيره بغير حق فقد أخرج البخاري عن أبي بكرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبة الوداع: «فإنَّ دِمَاءَكُمْ، وأَمْوَالَكُمْ، وأَعْرَاضَكُمْ، وأَبْشَارَكُمْ، علَيْكُم حَرَامٌ» فقوله: «وأبشاركم» جمع بشرة، وهو ظاهر جلد الإنسان»، وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ، إِلا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلا ضَرَبَ خَادِمًا وِلا امْرَأَةً». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وفي الحديث: «أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين». رواه أحمد، وصححه الألباني.

    التحذير من ضرب المسلم بغير حق

    وقد حذرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - من ضرب المسلم بغير حق، فقال: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَىَ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، قَبْلَ أَنْ يُقْضَىَ مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمّ طُرِحَ فِي النّارِ». رواه مسلم.

    إطعام الخادم من الطعام الطيب

    ومن الإحسان إلى الخادم أن يطعم من الطعام الطيب وليس من فضلات الطعام وبقايا الأكل، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا صنعَ لأحدِكم خادمُهُ طعامًا ثمَّ جاءَهُ بِهِ وقد وليَ حرَّهُ ودخانَهُ فليُقعدْهُ معَهُ ليأْكلَ، فإن كانَ الطَّعامُ مشفوهًا (أي:قليلا) فليضع في يدِهِ منْهُ، أَكلةً أو أَكلتينِ». متفق عليه، قال النووي: «فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْمُوَاسَاةِ فِي الطَّعَامِ، لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ مَنْ صَنَعَهُ أَوْ حَمَلَهُ، لِأَنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ، وَتَعَلَّقَتْ بِهِ نَفْسُهُ وَشَمَّ رَائِحَتَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ».


    قال ابن حجر: «ويؤخذ من هذا أن في معنى (الطباخ) حامل الطعام لوجود المعنى فيه وهو تعلق نفسه به، بل يؤخذ منه الاستحباب في مطلق خدم المرء ممن يعاني ذلك، وفي هذا تعليل الأمر المذكور، وإشارة إلى أن للعين حظا في المأكول، فينبغي صرفها بإطعام صاحبها من ذلك الطعام لتسكن نفسه فيكون أكف لشره، وقد نقل ابن المنذر عن جميع أهل العلم أن الواجب إطعام الخادم من غالب القوت الذي يأكل منه مثله في تلك البلد، وكذلك القول في الأدم والكسوة، وأن للسيد أن يستأثر بالنفيس من ذلك وإن كان الأفضل أن يشرك معه الخادم في ذلك والله أعلم».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #54
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (54)
    - الأحكام المستفادة من سورة الكهف
    - وجوب اتخاذ الزاد في الأسفار

    د.وليد خالد الربيع




    قال -تعالى-: {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} (سورة الكهف:62)، في هذه الآية الكريمة مسائل فقهية منها: مسألة: وجوب اتخاذ الزاد في الأسفار، وذلك أخذا من قوله -تعالى-: {آتنا غداءنا}، قال ابن عاشور: «الْغَدَاءُ: طَعَامُ النَّهَارِ مُشْتَقٌّ مِنْ كَلِمَةِ الْغُدْوَةِ؛ لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ فِي وَقْتِ الْغُدْوَةِ، وَضِدُّهُ الْعَشَاءُ، وَهُوَ طَعَامُ الْعَشِيِّ».

    فدل بذلك على مشروعية التزود للأسفار، والاستعداد لكل مهم يقبل عليه الإنسان، وأن ذلك جائز لا ينافي الإيمان بالقدر، ولا يضاد التوكل على الله -تعالى-، بل قد يكون واجبا في بعض الأحيان، وذلك فيما لو ترتب على إهمال التزود إلحاق ضرر ببدن الإنسان أو أهله أو ماله.

    رد على الصوفية

    بين القرطبي أن الآية فيها رد على سوء فهم بعض الناس للتوكل فقال: «وهو رد على الصوفية الجهلة الأغمار، الذين يقتحمون المهامة والقفار، زعما منهم أن ذلك هو التوكل على الله الواحد القهار، هذا موسى (نبي الله وكليمه) من أهل الأرض، قد اتخذ الزاد مع معرفته بربه، وتوكله على رب العباد».

    التزود عند العزم على الحج

    وقد أمر الله -تعالى- بالتزود عند العزم على الحج، ويلحق به كل سفر فقال -سبحانه-: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} (سورة البقرة:197)، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: «إن ناسا من أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا سألوا الناس، فأنزل الله -تعالى- {وتزودوا}»، ونقل ابن كثير عن ابن عمر أنه قال: إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر.

    تلبيس إبليس

    قال ابن الجوزي: «وقد لبَّس إبليس على قوم يدعون التوكل، فخرجوا بلا زاد، وظنوا أن هذا هو التوكل، وهم على غاية الخطأ»، قال ابن رجب: «وَاعْلَمْ أَنَّ تَحْقِيقَ التَّوَكُّلِ لَا يُنَافِي السَّعْيَ فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ -سبحانه- الْمَقْدُورَاتِ بِهَا، وَجَرَتْ سُنَّتُهُ فِي خَلْقِهِ بِذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ -تعالى- أَمَرَ بِتَعَاطِي الْأَسْبَابِ مَعَ أَمْرِهِ بِالتَّوَكُّلِ، فَالسَّعْيُ فِي الْأَسْبَابِ بِالْجَوَارِحِ طَاعَةٌ لَهُ، وَالتَّوَكُّلُ بِالْقَلْبِ عَلَيْهِ إِيمَانٌ بِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} (النساء: 71)،وَقَالَ -تعالى-: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} (الأنفال: 60)، وَقَالَ: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشَرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} (الجمعة: 10).

    مَنْ طَعَنَ في السعي فقد طعن في السنة

    وَقَالَ سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ: مَنْ طَعَنَ فِي الْحَرَكَةِ - يَعْنِي فِي السَّعْيِ وَالْكَسْبِ - فَقَدْ طَعَنَ فِي السُّنَّةِ، وَمَنْ طَعَنَ فِي التَّوَكُّلِ، فَقَدْ طَعَنَ فِي الْإِيمَانِ، فَالتَّوَكُّلُ حَالُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْكَسْبُ سُنَّتُهُ، فَمَنْ عَمِلَ عَلَى حَالِهِ، فَلَا يَتْرُكَنَّ سُنَّتَهُ».

    وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» وحسنه الألباني، قال المناوي: «أي: شد ركبة ناقتك مع ذراعيها بحبل وتوكل على الله، أي: اعتمد على الله، وذلك لأن عقلها لا ينافي التوكل».

    وعن مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ أن عُمَر بْن الْخَطَّابِ لَقِيَ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُو نَ، قَالَ: بَلْ أَنْتُمُ الْمُتَأَكِّلُو نَ، إِنَّمَا الْمُتَوَكِّلُ الَّذِي يُلْقِي حَبَّهُ فِي الْأَرْضِ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ».

    المسألة الثانية:

    جواز حكاية الحال على غير وجه التسخط

    ففي الآية الكريمة ذكر موسى -عليه السلام- ما عاناه في سفره من التعب والمشقة، وفي هذا دليل على أن حكاية الحال، وما عليه الإنسان من التعب أو المرض ونحوها على غير وجه التسخط أو الاعتراض على قدر الله -تعالى- فإنه جائز.

    قال الجصاص: «قَوْله -تعالى-: {لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً} يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ إظْهَارِ مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ عند ما يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ نَصَبٌ أَوْ تَعَبٌ فِي سَعْيٍ فِي قُرْبَةٍ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشِكَايَةٍ مَكْرُوهَةٍ».

    فوائد الآية

    وقال ابن سعدي مبينا فوائد الآية: «ومنها: جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس، من نصب أو جوع، أو عطش، إذا لم يكن على وجه التسخط وكان صدقا، لقول موسى: {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا}».

    ومن فقه البخاري أنه عقد بابا في كتاب المرضى في صحيحه وهو (مَا رُخِّصَ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي وَجِعٌ أَوْ وَارَأْسَاهُ أَوِ اشْتَدَّ بِي الْوَجَعُ وَقَوْلِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}).

    قال ابن حجر: «فَكَأَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الَّذِي يَجُوزُ مِنْ شَكْوَى الْمَرِيضِ مَا كَانَ عَلَى طَرِيقِ الطَّلَبِ مِنَ اللَّهِ أَوْ عَلَى غَيْرِ طَرِيقِ التَّسَخُّطِ لِلْقَدْرِ وَالتَّضَجُّرِ» .

    وذكر البخاري في الباب أحاديث يؤخذ منها هذا الحكم؛ منها حديث كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قال: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ» الحديث، ومنها حديث القاسم بن محمد قال: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَا رَأْسَاهْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «بَلْ أَنَا وَا رَأْسَاهْ» الحديث.

    وحديث ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُوعَكُ، فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي فَقُلْتُ: إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قَالَ: «أَجَلْ، كَمَا يُوعَكُ رَجُلاَنِ مِنْكُمْ» قَالَ: لَكَ أَجْرَانِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا».

    وحديث سعد قَالَ: جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، زَمَنَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقُلْتُ: بَلَغَ بِي مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلاَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لاَ» الحديث.

    قال ابن حجر: «لَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مُطْلَقَ الشَّكْوَى لَا يُمْنَعُ، رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الدُّعَاءَ بِكَشْفِ الْبَلَاءِ يَقْدَحُ فِي الرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ، فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الطَّلَبَ مِنَ اللَّهِ لَيْسَ مَمْنُوعًا بَلْ فِيهِ زِيَادَةُ عِبَادَةٍ لِمَا ثَبَتَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ الْمَعْصُومِ وَأَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَأَثْبَتَ لَهُ اسْمَ الصَّبْرِ مَعَ ذَلِكَ».


    هل أَنِين الْمَرِيض شكوى؟

    وأما ما نقل عن طاوس أَنَّهُ قَالَ: أَنِين الْمَرِيض شكوى. وقال بعض الشافعية: إنه مكروه، فرد عليه النَّوَوِيُّ فَقَالَ: «هَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْمَكْرُوهَ مَا ثَبَتَ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ، وَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ ذَلِكَ، ثُمَّ احْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ المتقدم ثُمَّ قَالَ: فَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِالْكَرَاهَةِ خِلَافَ الْأَوْلَى، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالذِّكْرِ أَوْلَى».

    قال ابن حجر: «وَأَمَّا إِخْبَارُ الْمَرِيضِ صَدِيقَهُ أَوْ طَبِيبَهُ عَنْ حَالِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ اتِّفَاقًا».

    وقال: «إنَّ ذِكْرَ الْوَجَعِ لَيْسَ بِشِكَايَةٍ، فَكَمْ مِنْ سَاكِتٍ وَهُوَ سَاخِطٌ، وَكَمْ مِنْ شَاكٍّ وَهُوَ رَاضٍ، فَالْمُعَوَّلُ فِي ذَلِكَ عَلَى عَمَلِ الْقَلْبِ لَا على نطق اللِّسَان وَالله أعلم».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #55
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية



    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (55)
    - الأحكام المستفادة من قصة يوسف -عليه السلام-
    مشروعية الشهادة وبعض شروط الشاهد





    د.وليد خالد الربيع




    قال الله -تعالى-: {ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} (سورة يوسف:81)، هذه الآية الكريمة في سياق قصة يوسف -عليه السلام-، وتقدم ذكر الوسيلة التي توصل بها يوسف لإبقاء أخيه عنده، فلما استيأس إخوة يوسف من يوسف أن يسمح لهم بأخيهم {خَلَصُوا نَجِيًّا} أي: اجتمعوا وحدهم، ليس معهم غيرهم، وجعلوا يتناجون فيما بينهم، فـ{قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ} في حفظه، وأنكم تأتون به إلا أن يحاط بكم {وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ}، فاجتمع عليكم الأمران، تفريطكم في يوسف السابق، وعدم إتيانكم بأخيه باللاحق، فليس لي وجه أواجه به أبي».

    قال الشيخ ابن سعدي: «ثم وصَّاهم بما يقولون لأبيهم، فقال: {ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ} أي: وأخذ بسرقته، ولم يحصل لنا أن نأتيك به، مع ما بذلنا من الجهد في ذلك، والحال أنَّا ما شهدنا بشيء لم نعلمه، وإنما شهدنا بما علمنا، لأننا رأينا الصواع استخرج من رحله، {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} أي: لو كنا نعلم الغيب لما حرصنا وبذلنا المجهود في ذهابه معنا، ولما أعطيناك عهودنا ومواثيقنا، فلم نظن أن الأمر سيبلغ ما بلغ»، وقد دلت الآية الكريمة على مسألة (مشروعية الشهادة، وبعض شروط الشاهد)، ومن المعلوم أن الشهادة من طرق الإثبات للحقوق ومن الحجج القضائية التي يدلي بها المدعي أمام القضاء لإثبات حقه ويلزم القاضي الأخذ بها إذا توفرت شروطها ولم يطعن بها المدعى عليه.

    أولا: تعريف الشهادة

    الشهادة لغة: مصدر الفعل (شهد)، وله معان:

    1- المعاينة: فشهد بمعنى: عاين كقوله -تعالى-: {مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ}.

    2- الحضور: كقوله -تعالى-: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} أي: من حضر رمضان.

    3- القسم: كقوله -تعالى-: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ} أي: يحلف أربع مرات.

    4- شهد بمعنى أخبر خبرا قاطعا كقوله -تعالى-: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا}.

    وأما الشهادة في الاصطلاح: فهي إخبار صادق في مجلس الحكم لإثبات حق للغير على الغير.

    ثانيا: مشروعية الشهادة

    ثبتت مشروعية الشهادة بوصفها دليلا قضائيا بالكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب الكريم قوله -تعالى-: {وَأَشْهدوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ}، وقوله سبحانه: {وَاسْتَشهدوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ}. فأمر -سبحانه- بالإشهاد في مواضع مختلفة مما يدل على مشروعية الشهادة لإثبات الحقوق والدعاوى.

    ومن السنة المطهرة قال الأشعث بن قيس: كَانَتْ بَيْنِي وبيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ في بئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إلى رَسولِ اللَّهِ -[-، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ: «شَاهِدَاكَ أوْ يَمِينُهُ» الحديث أخرجه البخاري، وانعقد الإجماع على مشروعية العمل بالشهادة كما نقله ابن قدامة وغيره.

    ثالثا: شروط الشاهد

    الشهادة حجة قضائية يلزم القاضي الأخذ بها متى تحققت شروطها وخلت من الموانع، ولا يجوز إهمالها أو كتمانها، وقد اشترط الفقهاء في الشاهد شروطا عديدة للتأكد من صدق خبره الذي يعتمد عليه القاضي في بناء الحكم، ومن تلك الشروط:

    أولا: أن يكون الشاهد بالغا عاقلا

    فلا تقبل شهادة المجنون باتفاق لأنه لا يعقل، ولا تقبل شهادة غير البالغ إلا في جناية الصغار وعدم وجود شاهد بالغ إلا صبيان مميزين فتقبل شهادتهم بشروط مشددة.

    ثانيا: أن يكون عالما بما يشهد به

    لقوله -سبحانه-: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، وقوله -تعالى-: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} مما يدل على أن الشهادة يجب أن تستند إلى العلم، قال القرطبي: «تضمنت هذه الآية جواز الشهادة بأي وجه حصل العلم بها؛ فإن الشهادة مرتبطة بالعلم عقلا وشرعا، فلا تسمع إلا ممن علم، ولا تقبل إلا منهم، وهذا هو الأصل في الشهادات، فكل من حصل له العلم بشيء جاز أن يشهد به وإن لم يشهده المشهود عليه قال الله -تعالى-:{إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (الزخرف: 86).

    ثالثا: الإسلام

    فإذا كان المشهود عليه مسلما فيشترط أن يكون الشاهد مسلما اتفاقا لقوله -تعالى-: {وَاسْتَشهدوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ} والكافر ليس من رجالنا، وقوله سبحانه: {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} والشهادة فيها نوع ولاية ولا ولاية لكافر على مسلم، وذهب الحنابلة وابن تيمية وابن عثيمين إلى أنه تقبل شهادة الكافر على المسلم استثناء من هذا الأصل في حالة المسلم تحضره الوفاة، ويريد أن يوصي وهو في السفر ولم يحضره مسلم فيجوز أن يشهد على وصيته من حضره من غير المسلمين لقوله -تعالى-: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ} الآية.

    رابعًا: أن يكون الشاهد عدلا

    لقوله -تعالى- {وأشهدوا ذوي عدل منكم}، قال ابن قدامة:» والعدل هو الذي تعتدل أحواله في دينه وأفعاله، قال القاضي: يكون ذلك في الدين والمروءة والأحكام، أما الدين فلا يرتكب كبيرة ولا يداوم على صغيرة، فإن الله أمر ألا تقبل شهادة القاذف فيقاس عليه كل مرتكب كبيرة، وأما المروءة فاجتناب الأمور الدنيئة المزرية».

    خامسًا: عدم التهمة

    أي: ألا يكون الشاهد متهمًا في شهادته؛ بحيث يقع الشك في صحة شهادته على وجه يرجح كذبه، وللتهمة المانعة من قبول الشهادة صور منها:

    1- العداوة الدنيوية

    فلا تقبل شهادة العدو على عدوه عند الجمهور لحديث: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولا ذي غمر على أخيه» أخرجه أبو داود وحسنه الألباني، والغمر هو الحقد، قال الشوكاني:» وهذا يدل على أن العداوة تمنع من قبول الشهادة لأنها تورث التهمة».

    2- جلب منفعة

    بأن يجلب الشاهد لنفسه منفعة أو يدفع ضررا مثل شهادة الدائنين لمدينهم المفلس بأن له دينا على غيره، وشهادة الدائنين لمدينهم الميت بدين أو مال على غيره.

    3- الشركة والوكالة

    لا تقبل شهادة الشريك لشريكه ولا الوكيل لموكله في موضوع الشركة أو الوكالة، قال ابن قدامة: «لا نعلم فيه مخالفا»، وتقبل فيما سواهما لانتفاء التهمة.

    4- القرابة


    لا تقبل شهادة الوالدين وإن علوا للولد وإن سفل، ولا شهادة الولد وإن سفل لهما وإن علوا، وهو مذهب الجمهور؛ لأنه متهم كتهمة العدو في الشهادة على عدوه، وتقبل شهادة أحدهما على صاحبه عند عامة أهل العلم.

    وقال ابن المنذر:» أجمع أهل العلم على أن شهادة الأخ لأخيه جائزة». وذك للفرق بين الوالد والأخ؛ لأن بين الوالد والولد بعضية وقرابة قوية بخلاف الأخ.

    5- الزوجية

    فلا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر عند الجمهور لانتفاع كل منهما بشهادته للآخر.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #56
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (56)
    - بعض الأحكام المستفادة من سورة الكهف
    - أحكام ركوب البحر في سورة الكهف



    د.وليد خالد الربيع




    قال الله -تعالى-: {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} (سورة الكهف:71)، أخرج البخاري في كتاب العلم عن ابن عباس في حديث طويل في قصة موسى -عليه السلام- مع الخضر قال: «فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الخَضِرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ (أي: أجرة)، فَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَنَزَعَهُ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ: لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا - فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا»، قال ابن كثير: «قوله -تعالى-: {أخرقتها لتغرق أهلها} هذه اللام لام العاقبة لا لام التعليل. وقوله: {لقد جئت شيئا إمرا} قال مجاهد: منكرا، وقال قتادة: عجبا».

    من المسائل المستفادة من الآية الكريمة مسألة ركوب البحر:

    مسألة خلافية

    يمكن أن يستغرب القارئ تناول هذه المسألة مع وضوح حكمها وظهور جوازها، إلا أنه قد سبق خلاف بين الصحابة والتابعين في ذلك، لذا اقتضى التنويه عليه، أخرج عبد الرزاق في مصنفه بإسناده عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «كَانَ عُمَرُ - رضي الله عنه - يَكْرَهُ أَنْ يَحْمِلُ الْمُسْلِمِينَ غَزَاةً فِي الْبَحْرِ»، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءٍ عَنْ غَزْوَةِ الْبَحْرِ فَكَرَهَهُ، وعَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزِّزٍ فِي أُنَاسٍ إِلَى الْحَبَشَةِ فَأُصِيبُوا فِي الْبَحْرِ فَحَلَفَ عُمَرُ بِاللَّهِ لَا يَحْمِلُ فِيهَا أَبَدًا»، وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قال: «كُرِهَ لِلْغُزَاةِ أَنْ يَرْكَبُوا فِي الْبَحْرِ»، وعَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ رُكُوبَ الْبَحْرِ إِلَّا لِثَلَاثٍ غَازٍ، أَوْ حَاجٍّ، أَوْ مُعْتَمِرٍ.

    ظاهر هذه الآثار

    فظاهر هذه الآثار المنع من ركوب البحر في حال الجهاد في سبيل الله، وورد حديث مرفوع في المنع من ركوب البحر، فقد أخرج أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إِلَّا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا، وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا»، وأجيب بأن هذا الحديث ضعيف قال الألباني -رحمه الله- في (إرواء الغليل): «اتفق الأئمة على تضعيفه».

    ركوب البحر عند هيجانه

    ويمكن حمل النهي إن صح على ركوب البحر عند هيجانه واضطرابه؛ حيث لا يأمن الراكب خطر الغرق يؤيده حديث: «مَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ عِنْدَ ارْتِجَاجِهِ فَمَاتَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» أخرجه أحمد وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.

    قال ابن حجر: «ونقل ابن عبد البر أنه يحرم ركوبه عند ارتجاجه اتفاقا»، وقال: «وفيه تقييد المنع بالارتجاج، ومفهومه الجواز عند عدمه، وهو المشهور من أقوال العلماء، فإذا غلبت السلامة فالبر والبحر سواء». وقال الشوكاني: «والحديث يدل على عدم جواز ركوب البحر في أوقات اضطرابه».

    فضائل الغزو في البحر

    وأما الآثار فقد عورضت بمثلها فقد أخرج عبد الرزاق عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «غَزْوَةٌ فِي الْبَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ عَشْرِ غَزَوَاتٍ فِي الْبَرِ، وَمَنْ جَازَ الْبَحْرَ، فَكَأَنَّمَا جَازَ الْأَوْدِيَةَ، وَالْمَائِدُ فِي السَّفِينَةِ كَالْمُتَشَحْطِ فِي دَمِهِ».

    وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٍ: «غَزْوَةٌ فِي الْبَحْرِ تَعْدِلُ عَشْرًا فِي الْبَرِّ، وَالْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ كَالْمُتَشَحْطِ بِدَمِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

    وساق الجصاص -رحمه الله- في (أحكام القرآن): «الأدلة على إباحة ركوب البحر، فقال: وفي قوله -تعالى-: {والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس} دلالة على إباحة ركوب البحر غازيا وتاجرا ومبتغيا لسائر المنافع؛ إذ لم يخص ضربا من المنافع دون غيره، وقال -تعالى-: {هو الذي يسيركم في البر والبحر}، وقال: {ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله}، وقوله: {ولتبتغوا من فضله} قد انتظم التجارة وغيرها، كقوله -تعالى-: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}، وقد روي عن جماعة من الصحابة إباحة التجارة في البحر، وقد كان عمر بن الخطاب منع الغزو في البحر إشفاقا على المسلمين».

    باب ركوب البحر

    ومن السنة المطهرة فقد عقد البخاري: (باب ركوب البحر) من كتاب الجهاد والسير، وأخرج فيه عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت تحت عبادة بن الصامت، فدخل يوما فأطعمته فنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم استيقظ يضحك قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ فقال: «ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو قال مثل الملوك على الأسرة» قلت: ادع الله أن يجعلني منهم فدعا ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ يضحك فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة». فقلت: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: «أنت من الأولين»، فركبت البحر زمان معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت». متفق عليه

    قال النووي: «في هذا الحديث جواز ركوب البحر، للرجال والنساء، وكذا قاله الجمهور».

    قال ابن حجر: «وفيه جواز ركوب البحر الملح للغزو وقد تقدم بيان الاختلاف فيه وأن عمر كان يمنع منه ثم أذن فيه عثمان، قال أبو بكر بن العربي: ثم منع منه عمر بن عبد العزيز ثم أذن فيه من بعده واستقر الأمر عليه».


    وقال ابن حجر: «وهذا الحديث حجة للجمهور، وقد تقدم أن أول من ركبه للغزو معاوية بن أبي سفيان في خلافة عثمان، وذكر مالك أن عمر كان يمنع الناس من ركوب البحر حتى كان عثمان فما زال معاوية يستأذنه حتى أذن له».

    إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم -

    ويدل عليه أيضا حديث أبي هريرة قال: سألَ رجلٌ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ اللهِ إنَّا نركَبُ البحرَ ونحملُ معنا القليلَ من الماءِ فإن تَوضَّأنا به عَطِشْنا أفنتوضَّأُ من ماءِ البحرِ؟ فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هو الطَّهورُ ماؤهُ، الحلُّ ميتتُه» أخرجه أصحاب السنن وصححه الألباني وهو ظاهر الدلالة على جواز ركوب البحر؛ حيث أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - السائل ولم ينكر عليه.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #57
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية



    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (57)
    - بعض الأحكام المستفادة من سورة الكهف
    - للتعليم قواعد ومناهج ومراتب يراعيها المعلم الحكيم


    د.وليد خالد الربيع


    تقدم ذكر بعض المسائل المستفادة من قوله -تعالى-: {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} (سورة الكهف:71)، فقال له الخضر مذكرا بما تقدم من الشرط: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} (سورة الكهف: 72) قال ابن كثير: «يعني وهذا الصنيع فعلته قصدًا، وهو من الأمور التي اشترطت معك ألا تنكر عليّ فيها، لأنك لم تحط بها خبرًا، ولها داخل هو مصلحة ولم تعلمه أنت».

    فللتعليم قواعد ومناهج ومراتب يراعيها المعلم الحكيم تحقيقا لمصلحة المتعلم، فقد يظن المتعلم أن مصلحته في طريقة ما أو دراسة باب معين يتحمس له، في حين يرى المعلم أن المتعلم لم يستعد ذهنه لتلك المرتبة من العلم، أو أن تعلم هذا الباب يوقعه في إشكالات لا يستطيع فهمها، فيصرفه عنه أو ينهاه عن طروقه في بداية طلبه، وهذا ما نلمسه من شرط الخضر على موسى عليهما السلام قال الشيخ ابن سعدي: «إن المعلم إذا رأى المصلحة في إيزاعه للمتعلم أن يترك الابتداء في السؤال عن بعض الأشياء، حتى يكون المعلم هو الذي يوقفه عليها، فإن المصلحة تتبع، كما إذا كان فهمه قاصرا، أو نهاه عن الدقيق في سؤال الأشياء التي غيرها أهم منها، أو لا يدركها ذهنه، أو يسأل سؤالا، لا يتعلق في موضع البحث».



    أهمية الصبر

    وهذا يؤكد أهمية الصبر للوصول إلى المقاصد، وأخص ذلك بلوغ العلم فلا يحصل العلم بغير صبر، قال الشيخ ابن سعدي مبينًا فوائد الآيات: «أن من ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم، وحسن الثبات على ذلك، أنه يفوته بحسب عدم صبره كثير من العلم، فمن لا صبر له لا يدرك العلم، ومن استعمل الصبر ولازمه، أدرك به كل أمر سعى فيه.

    سبب حصول الصبر

    ومنها: أن السبب الكبير لحصول الصبر، إحاطة الإنسان علما وخبرة، بذلك الأمر، الذي أمر بالصبر عليه، وإلا فالذي لا يدريه، أو لا يدري غايته ولا نتيجته، ولا فائدته وثمرته ليس عنده سبب الصبر لقوله: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} فجعل الموجب لعدم صبره، وعدم إحاطته خبرا بالأمر».

    عدم الاستعجال بالحكم على الأشياء

    ومن فوائد الآية الكريمة عدم الاستعجال بالحكم على الأشياء بمجرد الظاهر، ولابد من الاستعلام عن التفاصيل، فقد يظهر من خفايا الأمور ما يغير الحكم على الأشياء، قال الشيخ اين سعدي: «الأمر بالتأني والتثبت، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء، حتى يعرف ما يراد منه وما هو المقصود»، فقال موسى عليه السلام معتذرا: { قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} (73)، قال ابن كثير: «أي: لا تضيق عليّ وتشدد عليّ؛ ولهذا تقدم في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كانت الأولى من موسى نسيانا». أخرجه البخاري.

    النسيان من الأعذار التي ترفع الإثم

    يستفاد من هذه الآية الكريمة أن النسيان من الأعذار التي ترفع الإثم عند ارتكاب بعض الأفعال كمن ترك صلاة نسيانا أو أكل في نهار رمضان ناسيا ونحو ذلك، وهذا يشمل التفريط في حق بعض الناس، قال الشيخ ابن سعدي: «ومنها: أن الناسي غير مؤاخذ بنسيانه لا في حق الله، ولا في حقوق العباد لقوله: {لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ}».

    قبول الاعتذار من المخطئ

    ومن فوائد الآية قبول الاعتذار من المخطئ والمقصر، فقد قبل الخضر اعتذار موسى عليهما السلام، قال عمر رضي الله عنه: «أعقل الناس أعذرهم للناس»، وهذا مما حث عليه الشرع المطهر قال -تعالى-:{وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} (سورة التغابن:14) وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود» أخرجه أبو داود وصححه الألباني، والمراد بذوي الهيئات: أصحاب المروءات والخصال الحميدة، ومعنى أقيلوا: أي :اعفوا، والعثرات: الزلات.

    جلب المصالح ودرء المفاسد

    وقد جاء توضيح تصرف الخضر آخر القصة في قوله -تعالى-: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} (79)، ويؤيد هذا حديث البخاري عن ابن عباس مرفوعا قال: «وَكَانَ أَمَامَهُمْ {مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا}، فَأَرَدْتُ إِذَا هِيَ مَرَّتْ بِهِ أَنْ يَدَعَهَا لِعَيْبِهَا، فَإِذَا جَاوَزُوا أَصْلَحُوهَا فَانْتَفَعُوا بِهَا»، فهذه الآية دليل من أدلة القاعدة الكلية في جلب المصالح ودرء المفاسد، وتقديم أعظمهما ودفع أدناهما عند التزاحم وعدم إمكان إعمالهما جميعا، فنزع لوح من السفينة يجعلها معيبة وهي مفسدة، وأخذ السفينة ظلما مفسدة أكبر، فرأى الخضر أن بقاء السفينة معيبة بيد أصحابها أولى من كونها سليمة بيد الملك غصبا وظلما، فكان درء المفسدة الأعظم أولى ولو ارتكب المفسدة الأدنى.

    ويقاس على هذه الحالة أمثالها فيما لو تعارضت المفاسد وتعذر درؤها جميعا، قال القرطبي: «في خرق السفينة دليل على أن للولي أن ينقص مال اليتيم إذا رآه صلاحا، مثل أن يخاف على ريعه ظالما فيخرب بعضه، وقال أبو يوسف: يجوز للولي أن يصانع السلطان ببعض مال اليتيم عن البعض».

    عمل الإنسان في مال غيره

    وقال الشيخ ابن سعدي: «عمل الإنسان في مال غيره، إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة، أنه يجوز، ولو بلا إذن حتى ولو ترتب على عمله إتلاف بعض مال الغير، كما خرق الخضر السفينة لتعيب، فتسلم من غصب الملك الظالم. فعلى هذا لو وقع حرق، أو غرق، أو نحوهما، في دار إنسان أو ماله، وكان إتلاف بعض المال، أو هدم بعض الدار، فيه سلامة للباقي، جاز للإنسان بل شرع له ذلك، حفظا لمال الغير، وكذلك لو أراد ظالم أخذ مال الغير، ودفع إليه إنسان بعض المال افتداء للباقي جاز، ولو من غير إذن».

    تزاحم المصالح والمفاسد


    فإذا تزاحمت المصالح ولم يمكن تحصيلها جميعا، أو تزاحمت المفاسد ولم يمكن دفعها جميعا فعلى المكلف أن يقدم أعلى المصلحتين ويدفع أعظم المفسدتين، قال شيخ الإسلام: «المؤمن ينبغي له أن يعرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة كما يعرف الخيرات الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة، فيفرق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة والتي يراد إيقاعها في الكتاب والسنة ليقدم ما هو أكثر خيرا وأقل شرا على ما هو دونه، ويدفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما، ويجتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما، فإن من لم يعرف الواقع في الخلق والواجب في الشرع لم يعرف أحكام الله في عباده، وإذا لم يعرف ذلك كان قوله وعمله بجهل، ومن عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #58
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (58)
    - بعض الأحكام المستفادة من سورة الكهف
    - هل الإلهام مصدر للأحكام الشرعية؟



    د.وليد خالد الربيع




    قال الله -سبحانه وتعالى-: {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا} (سورة الكهف: 74)، وفي الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في سياق قصة موسى والخضر -عليهما السلام-: «ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ فَبَيْنَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ؛ إِذْ أَبْصَرَ الخَضِرُ غُلاَمًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا. قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا} قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الأُولَى».

    قال ابن سعدي: «فاشتد بموسى الغضب، وأخذته الحمية الدينية، حين قتل غلاما صغيرا لم يذنب. {قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} وأي: نكر مثل قتل الصغير، الذي ليس عليه ذنب، ولم يقتل أحدا؟! وكانت الأولى من موسى نسيانا، وهذه غير نسيان، ولكن عدم صبر»، وفي موضع آخر من السورة ذكر الخضر الموجب لقتله الغلام قال -تعالى-: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} (سورة الكهف: 80).

    فائدة جليلة

    قال ابن سعدي: «{وَأَمَّا الْغُلَامُ} الذي قتلته {فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا}، وكان ذلك الغلام قد قدر عليه أنه لو بلغ لأرهق أبويه طغيانا وكفرا، أي: لحملهما على الطغيان والكفر، إما لأجل محبتهما إياه، أو للحاجة إليه أو يحدهما على ذلك، أي: فقتلته، لاطلاعي على ذلك، سلامة لدين أبويه المؤمنين، وأي فائدة أعظم من هذه الفائدة الجليلة؟ وهو وإن كان فيه إساءة إليهما، وقطع لذريتهما، فإن الله -تعالى- سيعطيهما من الذرية، ما هو خير منه. {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} أي: ولدا صالحا، زكيا، واصلا لرحمه، فإن الغلام الذي قتل لو بلغ لعقهما أشد العقوق بحملهما على الكفر والطغيان».

    العلم اللدني

    ومن خلال هذه الآيات تبرز مسألة: هل الإلهام مصدر للأحكام الشرعية؟

    يستدل بعض الطوائف استدلالاً باطلاً بهذه الآيات على أنه يمكن تلقي الأحكام الشرعية والتكاليف الدينية بغير طريق الوحي الذي يأتي الرسل، وإنما عن طريق الإلهام والعلم اللدنّي الذي يحصل للأولياء، قال الجرجاني: «الإلهام ما يلقى في الروع بطريق الفيض، وقيل: الإلهام ما وقع في القلب من علم وهو يدعو إلى العمل من غير استدلال بآية ولا نظر في حجة».

    زندقة وضلال

    وقد أنكر العلماء هذه الطريقة، ونسبوا من قال بها إلى الزندقة والضلال، قال القرطبي: «ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق تلزم منه هذه الأحكام الشرعية، فقالوا: هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأنبياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص، بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم، ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم، وقالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر؛ فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم، عما كان عند موسى من تلك الفهوم، وقد جاء فيما ينقلون: استفت قلبك وإن أفتاك المفتون».

    إنكار ما علم من الشرائع

    قال القرطبي: «وهذا القول زندقة وكفر يقتل قائله ولا يستتاب؛ لأنه إنكار ما علم من الشرائع؛ فإن الله -تعالى- قد أجرى سنته، وأنفذ حكمته، بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عنه رسالته وكلامه، المبينون شرائعه وأحكامه اختارهم لذلك، وخصهم بما هنالك.

    معرفة أحكام الله -تعالى

    وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي، واليقين الضروري، واجتماع السلف والخلف على ألا طريق لمعرفة أحكام الله -تعالى- الراجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل، فمن قال: إن هناك طريقا آخر يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل؛ بحيث يستغنى عن الرسل فهو كافر».

    قال الشنقيطي: «قَالَ -تعالى-: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}، وَلَمْ يَقُلْ: حَتَّى نُلْقِيَ فِي الْقُلُوبِ إِلْهَامًا، وَقَالَ -تعالى-: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}، وَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ بِمِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ مَا يَدَّعِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الْجَهَلَةِ الْمُدَّعِينَ التَّصَوُّفَ مِنْ أَنَّ لَهُمْ وَلِأَشْيَاخِهِ مْ طَرِيقًا بَاطِنَةً تُوَافِقُ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ وَلَوْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِظَاهِرِ الشَّرْعِ، كَمُخَالَفَةِ مَا فَعَلَهُ الْخَضِرِ لِظَاهِرِ الْعِلْمِ الَّذِي عِنْدَ مُوسَى، زَنْدَقَةٌ، وَذَرِيعَةٌ إِلَى الِانْحِلَالِ بِالْكُلِّيَّةِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، بِدَعْوَى أَنَّ الْحَقَّ فِي أُمُورٍ بَاطِنَةٍ تُخَالِفُ ظَاهِرَهُ».

    وقال أيضا: «وَقَدْ حَصَرَ -تعالى- طُرُقَ الْإِنْذَارِ فِي الْوَحْيِ فِي قَوْلِهِ -تعالى-: {قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ}، و«إِنَّمَا» صِيغَةُ حَصْرٍ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ الْإِلْهَامِ؟

    الْمُقَرَّر فِي الْأُصُولِ

    فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْإِلْهَامَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى شَيْءٍ، لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ، وَعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهِ، بَلْ لِوُجُودِ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ، وَمَا يَزْعُمُهُ بَعْضُ الْمُتَصَوِّفَة ِ مِنْ جَوَازِ الْعَمَلِ بِالْإِلْهَامِ فِي حَقِّ الْمُلْهَمِ دُونَ غَيْرِهِ».

    فأجاب الشيخ: «كُلُّهُ بَاطِلٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، لِعَدَمِ اعْتِضَادِهِ بِدَلِيلٍ، وَغَيْرُ الْمَعْصُومِ لَا ثِقَةَ بِخَوَاطِرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ دَسِيسَةَ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ ضُمِنَتِ الْهِدَايَةُ فِي اتِّبَاعِ الشَّرْعِ، وَلَمْ تُضْمَنْ فِي اتِّبَاعِ الْخَوَاطِرِ وَالْإِلْهَامَا تِ».

    وقال أيضا: «وَبِالْجُمْلَة ِ، فَلَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ إِلْمَامٌ بِمَعْرِفَةِ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ تُعْرَفُ بِهَا أَوَامِرُ اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ، وَمَا يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِهِ مِنْ فِعْلٍ وَتَرْكٍ إِلَّا عَنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ، فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ غَنِيٌّ فِي الْوُصُولِ إِلَى مَا يُرْضِي رَبَّهُ عَنِ الرُّسُلِ، وَمَا جَاءؤوا بِهِ وَلَوْ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا شَكَّ فِي زَنْدَقَتِهِ، وَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى هَذَا لَا تُحْصَى».

    قال ابن حجر: «مَنِ اسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ الْخَضِرِ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ يَجُوزُ أَنْ يَطَّلِعَ مِنْ خَفَايَا الْأُمُورِ عَلَى مَا يُخَالِفُ الشَّرِيعَةِ وَيَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ فَقَدْ ضَلَّ، وَلَيْسَ مَا تَمَسَّكَ بِهِ صَحِيحًا فَإِنَّ الَّذِي فَعَلَهُ الْخَضِرُ لَيْسَ فِي شَيْءٌ مِنْهُ مَا يُنَاقِضُ الشَّرْعَ».

    ظن كاذب

    ومنطلق من زعم أن الإلهام مصدر للتشريع ظنهم أن الخضر -عليه السلام- وليّ وليس نبيا، وأن القرآن قد حكاه مع الإقرار وعدم الإنكار مما يدل على مشروعيته.


    وليس لهم مستند فيه؛ لأن جمهور العلماء على أن الخضر -عليه السلام- نبي وأن ما فعله كان بوحي من الله -تعالى-، قال القرطبي: «والخضر نبي عند الجمهور»، قال ابن كثير: «قوله: {وما فعلته عن أمري} لكني أمرت به ووقفت عليه، وفيه دلالة لمن قال بنبوة الخضر -عليه السلام».

    قال الشنقيطي: «وَبِهَذَا كُلُّهُ تَعْلَمُ أَنَّ قَتْلَ الْخَضِرِ لِلْغُلَامِ، وَخَرْقَهُ لِلسَّفِينَةِ، وَقَوْلَهُ: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ. وَعَزَا الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْقَوْلَ بِنُبُوَّتِهِ لِلْأَكْثَرِينَ ».

    وليس للولي أن يخالف الوحي، فإن سمة الأولياء طاعة الله ورسوله، قال -سبحانه-: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} (سورة يونس: 62،63) فكيف يكون الشخص وليا لله وهو مخالف لشرع الله ودينه المنزل؟!
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #59
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (59)
    - بعض الأحكام المستفادة من سورة الكهف
    - إِبَاحَة طَلَب الطَّعَامِ لِعَابِرِ السَّبِيلِ عند الحَاجةِ


    د.وليد خالد الربيع



    لا نزال مع قصة موسى مع الخضر -عليهما السلام- قال -تعالى-: {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} (سورة الكهف:77)، قال الشيخ ابن سعدي: «{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} أي: استضافاهم، فلم يضيفوهما {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} أي: قد عاب واستهدم {فَأَقَامَهُ} الخضر أي: بناه وأعاده جديدًا.

    فقال له موسى: {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} أي: أهل هذه القرية، لم يضيفونا مع وجوب ذلك عليهم، وأنت تبنيه من دون أجرة، وأنت تقدر عليها! فحينئذ لم يف موسى -عليه السلام- بما قال، واستعذر الخضر منه».

    فمن المسائل المستفادة من الآية الكريمة مسألة طلب الطعام: جاء في الآية قوله -تعالى-: {استطعما أهلها}، والاستطعام: طلب الطعام، وهو للمحتاج ولعابر السبيل جائز، بل قد يكون واجبًا عند الضرورة، وهو ليس من المسألة المحرمة التي قال فيها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تزال المسألةُ بأحدكم حتى يلقى الله -تعالى- وليس في وجهه مُزعةُ لَحمٍ». رواه البخاري ومسلم

    وقال: «إنما المسائلُ كدوحٌ يَكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأَل ذا سلطانٍ، أو في أمرٍ لا يجد منه بُداً». رواه أبو داود وصححه الألباني، و(الكُدوح) بضم الكاف: آثار الخموش. وقال: «من سأل من غير فقرٍ؛ فكأنما يأْكُل الجمرَ». رواه الطبراني وصححه الألباني.

    جواز طلب الطعام عند الحاجة

    ففعل موسى والخضر -عليهما السلام- دليل لجواز طلب الطعام عند الحاجة، وطلب الضيافة الواجبة على أهل القرى، قال الشيخ ابن عاشور:» اسْتَطْعَمَاهُم ْ، لِزِيَادَةِ التَّصْرِيحِ، تَشْنِيعًا بِهِمْ فِي لُؤْمِهِمْ، إِذْ أَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا . وَذَلِكَ لُؤْمٌ، لِأَنَّ الضِّيَافَةَ كَانَتْ شَائِعَةً فِي الْأُمَمِ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ -عليه السلام-، وَهِيَ مِنَ الْمُوَاسَاةِ الْمُتَّبَعَةِ عِنْدَ النَّاسِ. وَيَقُومُ بِهَا مَنْ يُنْتَدَبُ إِلَيْهَا مِمَّنْ يَمُرُّ عَلَيْهِمْ عَابِرُ السَّبِيلِ وَيَسْأَلُهُمُ الضِّيَافَةَ، أَوْ مَنْ أَعَدَّ نَفْسَهُ لِذَلِكَ مِنْ كِرَامِ الْقَبِيلَةِ فَإِبَايَةُ أَهْلِ قَرْيَةٍ كُلِّهِمْ مِنَ الْإِضَافَةِ لُؤْمٌ لِتِلْكَ الْقَرْيَةِ.

    وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ طَلَبِ الطَّعَامِ لِعَابِرِ السَّبِيلِ لِأَنَّهُ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَحَكَاهُ الْقُرْآنُ وَلَمْ يَرِدْ مَا يَنْسَخُهُ».

    وقال القرطبي:» فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى سُؤَالِ الْقُوتِ، وَأَنَّ مَنْ جَاعَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ مَا يَرُدُّ جُوعَهُ خِلَافًا لِجُهَّال الْمُتَصَوِّفَة ِ.

    قَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: شَرُّ الْقُرَى الَّتِي لَا تُضِيفُ الضَّيْفَ، وَلَا تَعْرِفُ لِابْنِ السَّبِيلِ حَقَّهُ، وَيَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الضِّيَافَةَ كَانَتْ عَلَيْهِمْ وَاجِبَةً، وَأَنَّ الْخَضِرَ وَمُوسَى إِنَّمَا سَأَلَا مَا وَجَبَ لَهُمَا مِنَ الضِّيَافَةِ، وَهَذَا هُوَ الْأَلْيَقُ بِحَالِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَنْصِبِ الْفُضَلَاءِ وَالْأَوْلِيَاء ِ».

    مما يستفاد من الآية

    ومما يستفاد من الآية الكريمة مسألة الجدار المائل إلى الطريق العام:

    من الضرر الذي قد يتولد في الطريق العام ويضر بالمارة الضرر الحادث من ميل بعض الجدران المطلة على الطريق العام، قال القرطبي:» واجب على الإنسان ألا يتعرض للجلوس تحث جِدَارٍ مَائِلٍ يَخَافُ سُقُوطَهُ، بَلْ يُسْرِعُ فِي الْمَشْيِ إِذَا كَانَ مَارًّا عَلَيْهِ».

    ولهذه المسألة صور ذكرها النووي وابن قدامة منها:

    الصورة الأولى

    إذا بناه مستويا فسقط من غير استهدام ولا ميل فلا ضمان على صاحبه فيما تلف به؛ لأنه لم يتعد ببنائه ولا حصل منه تفريط بإبقائه.

    الصور الثانية

    إذا بناه مائلا إلى ملكه أو مال إليه بعد البناء وسقط فلا ضمان، لأنه لم يتعد ببنائه ولا حصل منه تفريط بإبقائه، ولأن الضرر إن حصل فقد وقع على ملكه ولا يعوض الإنسان نفسه، فإن هذا من العبث والشريعة منزهة عنه.

    الصورة الثالثة

    إذا بناه مائلا إلى غير ملكه: اتفق الفقهاء على أن من بنى في ملكه حائطا مائلا إلى الطريق العام أو إلى ملك غيره فتلف به شيء أو سقط على شيء فأتلفه فإنه يضمن هذا التلف وهذا الضرر الواقع بسبب الخلل في إنشاء هذا الحائط، قال ابن قدامة: «ولا أعلم فيه خلافا».

    وذلك لأنه متعد بذلك فإنه ليس له الانتفاع بالبناء في هواء (أي: فراغ) ملك غيره، أو هواء مشترك، ولأنه يعرضه للوقوع على غير ملكه فأشبه ما لو نصب فيه منجلا للصيد فتلف به إنسان أو مال.

    الصورة الرابعة

    أن يكون الخلل طارئا: إذا بنى إنسان حائطه مستويا ثم طرأ عليه خلل بأن مال إلى الطريق العام ثم سقط كله أو بعضه فتلف به إنسان أو مال، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بوجوب الضمان على مالك الجدار؛ لأنه متعد بتركه مائلا فضمن ما تلف به كما لو بناه مائلا ابتداء، ولأن للمسلمين حق الجواز بالطريق وميل الحائط يمنعهم ذلك فتنقطع المارة حذار الوقوع عليهم فيتضررون بذلك، والضرر يزال كما قال -صلى الله عليه وسلم-:»لا ضرر ولا ضرار».

    وفي موضع آخر من السورة بيّـن الخضر -عليه السلام- الحكمة من بناء الجدار كما قال -تعالى-: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} (سورة الكهف:82).

    قال ابن كثير:» ومعنى الآية: أن هذا الجدار إنما أصلحه لأنه كان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما. قال عكرمة وقتادة وغير واحد: كان تحته مال مدفون لهما. وهذا ظاهر السياق من الآية، وهو اختيار ابن جرير».

    وقال مبينا فائدة عظيمة:» فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة، بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم، كما جاء في القرآن ووردت السنة به. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس : حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاح».


    ويعدد الشيخ ابن سعدي بقية الفوائد من الآية الكريمة فقال: «ومنها: أن خدمة الصالحين، أو من يتعلق بهم، أفضل من غيرها، لأنه علل استخراج كنزهما، وإقامة جدارهما، أن أباهما صالح.

    ومنها: أنه ينبغي للصاحب ألا يفارق صاحبه في حالة من الأحوال، ويترك صحبته، حتى يعتبه، ويعذر منه، كما فعل الخضر مع موسى.

    ومنها: أن موافقة الصاحب لصاحبه، في غير الأمور المحذورة، مدعاة وسبب لبقاء الصحبة وتأكدها، كما أن عدم الموافقة سبب لقطع المرافقة».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #60
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    31,955

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (60)
    - بعض الأحكام المستفادة من سورة الكهف
    - حبس أهل الفساد ومنعهم من التصرف فيما يريدون


    د.وليد خالد الربيع





    قال -تعالى-: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} (الكهف:94) هذه الآية الكريمة في سياق قصة ذي القرنين من سورة الكهف، وفيها ذكر نعمة الله -تعالى- على هذا العبد الصالح، وإمداده بأسباب القوة والمنعة، وفي أخباره عبر عديدة وفوائد سديدة كما قال الشيخ ابن سعدي: «كان أهل الكتاب أو المشركون، سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قصة ذي القرنين، فأمره الله أن يقول: {سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا} فيه نبأ مفيد، وخطاب عجيب. أي: سأتلو عليكم من أحواله، ما يتذكر فيه، ويكون عبرة، وأما ما سوى ذلك من أحواله، فلم يتله عليهم».

    وقد استنبط منها القرطبي بدقيق نظره وثاقب فكره مسألة مشروعية الحبس بمعناه العام، فقال: «في هذه الآية دليل على اتخاذ السجون، وحبس أهل الفساد فيها، ومنعهم من التصرف لما يريدونه، ولا يتركون وما هم عليه».

    تعريف الحبس

    الحبس لغة المنع، فهو ضد التخلية، كما يطلق الحبس والمحبس على اسم موضع الحبس.

    وأما في الاصطلاح: فللحبس إطلاق فقهي أعم من معنى السجن المعهود.

    قال ابن تيمية: «الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويقُ الشخص ومنْعُه من التصرُّف بنفسه، سواء كان في بيت أو سِجن، أم كان بتوكيل الخَصم أو وكيله عليه».

    قال: «ولم يكن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر حبس معد لسجن الناس، ولكن لما انتشرت الرعية في زمن عمر بن الخطاب ابتاع بمكة دارا وجعلها سجنا، وحبس فيها».

    مشروعية الحبس في القرآن الكريم

    ذهب الجمهور إلى أن الحبس مشروع، ومما استدلوا به:

    قوله -تعالى-: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَ ّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} (النساء:15)

    دلت الآية على أن عقوبة النساء الزانيات كانت في صدر الإسلام الحبس في البيوت حتى الموت، ولكن الحكم فيما بعد تغير بنزول قوله -سبحانه-: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} (النور:2)

    وبحديث عبادة مرفوعا: «الثيب بالثيب جلد مئة والرجم» رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي.

    ومن الآيات على مشروعية الحبس قَوْله -تعالى-: {تَحْبِسُونهما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ} (المائدة: 106) قال ابن العربي: «وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى حَبْسِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَهُوَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْحُكُومَةِ، وَحُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ؛ فَإِنَّ الْحُقُوقَ الْمُتَوَجِّهَة َ عَلَى قِسْمَيْنِ: مِنْهَا مَا يَصِحُّ اسْتِيفَاؤُهُ مُعَجَّلًا، وَمِنْهَا مَا لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ إلَّا مُؤَجَّلًا فَإِنْ خُلِّيَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَغَابَ وَاخْتَفَى بَطَلَ الْحَقُّ وَتَوِيَ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّوَثُّقِ مِنْهُ».

    الحبس في السنة المطهرة

    حديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «حبس رجلاً في تهمة ثم خلى عنه» رواه الترمذي وحسنه، قال المباركفوري: «وهذا يدل على أن الحبس من أحكام الشرع».

    وعن عمرو بن الشريد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته». أخرجه البخاري معلقا ووصله أحمد وأبو داود وحسن إسناده ابن حجر، وذكر البخاري عن سفيان أنه شرح الحديث فقال: «عرضه: يقول: مطلتني، وعقوبته: الحبس»، قال ابن حجر: «واستدل به على مشروعية حبس المدين إذا كان قادرا على الوفاء تأديبا له وتشديدا عليه».

    وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - خيلاً قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد» الحديث متفق عليه، قال النووي: «وفي هذا جواز ربط الأسير وحبسه»

    وأيضا ما ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حبس بني قريظة بالمدينة، قال ابن حجر: «وذكر ابن إسحق أنهم حبسوا في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار، وفي رواية أبي الأسود عن عروة في دار أسامة بن زيد، ويجمع بينهما بأنهم جعلوا في بيتين».

    وذكر ابن هشام وابن كثير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حبس ابنة حاتم الطائي في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا يحبسن فيها.

    وذكر الكتاني في التراتيب الإدارية أن عمر سجن الحطيئة الشاعر لما هجا الزبرقان.

    الحبس في زمن الخلفاء الراشدين

    وأخرج البيهقي عن نافع بن عبد الحارث أنه اشترى لعمر بن الخطاب من صفوان بن أمية دارا بأربعة آلاف وجعلها سجناً.

    وعن عثمان - رضي الله عنه - أنه سجن صابئ ابن حارث أحد لصوص بني تميم وفتاكهم حتى مات في السجن.

    وبنى علي بن أبي طالب سجناً من قصب سماه نافعاً، فنقبه اللصوص، ثم بنى سجناً من مدر وسماه مخيساً. فكل هذه الآثار تدل على مشروعية اتخاذ الحبس.

    أنواع الحبس

    النوع الأول: الحبس للتعزير:

    التعزير عقوبة غير مقدرة شرعا، يفوض الأمر فيها لولي الأمر بما يراه مناسبا، ومن العقوبات التعزيرية الحبس.

    النوع الثاني: الحبس للاستيثاق:

    المراد به منع الشخص عن التصرف بنفسه وضمان عدم هروبه لا بقصد التعزير، وهو يشمل:

    1- الحبس بسبب التهمة

    وهو منع الشخص المتهم ذي الريبة من التصرف في نفسه حتى يبين أمره فيما اتهم به من حق لله أو حق لآدمي، وقد تقدم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «حبس رجلاً في تهمة ثم خلى عنه».

    2- الحبس للاحتراز

    وهو الحبس لمنع الضرر المتوقع لو ترك هذا الشخص دون حبس، ومنه حبس أسير العدو حتى يحكم الإمام في أمره كما قال -تعالى-: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُم ْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} (محمد:4) قال الشيخ ابن سعدي: «أي: الرباط، وهذا احتياط لأسرهم لئلا يهربوا، فإذا شد منهم الوثاق اطمأن المسلمون من هربهم ومن شرهم».

    3- الحبس لتنفيذ العقوبة
    كما لو ثبتت عقوبة على شخص معين وحال دون تنفيذها عذر معتبر شرعا كالمرض، والحمل، والنفاس، والإرضاع، والسكران حتى يصحو، وتأخير القصاص إذا كان أحد أولياء الدم غائبا حتى يحضر، ومن جرح شخصا حبس حتى يبرأ، وينتظر لجلد المعذور اعتدال الجو حتى لا يهلك بشدة الحر أو البرد، ونحو ذلك من الأعذار فإنه يحبس حتى يزول العذر، والحبس هنا للتحفظ على المطلوب وليس عقوبة له فيحسن إليه في حبسه، ودليل ذلك حديث عمران أن امرأة من جهينة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله، أصبت حدًا فأقمه عليّ، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليها فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها» ففعل، فأمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فشددت عليها ثيابها، ثم أمر بها، فرجمت، ثم صلى عليها رواه مسلم.
    قال النووي: «هَذَا الْإِحْسَانُ لَهُ سَبَبَانِ أَحَدُهُمَا: الْخَوْفُ عَلَيْهَا مِنْ أَقَارِبِهَا أَنْ تَحْمِلَهُمُ الْغَيْرَةُ وَلُحُوقُ الْعَارِ بِهِمْ أَنْ يُؤْذُوهَا فَأَوْصَى بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا تَحْذِيرًا لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَالثَّانِي: أَمَرَ بِهِ رَحْمَةً لها إذ قد ثابت، وحرص عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَيْهَا لِمَا فِي نُفُوسِ النَّاسِ مِنَ النُّفْرَةِ مِنْ مِثْلِهَا وَإِسْمَاعِهَا الْكَلَامَ الْمُؤْذِي وَنَحْوَ ذَلِكَ فَنَهَى عَنْ هَذَا كُلِّهِ».

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •