الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - الصفحة 3
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123
النتائج 41 إلى 43 من 43
1اعجابات

الموضوع: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,314

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (41)
    - من المسائل المستفادة من قصة يوسف
    -عليه السلام (مسألة القضاء بالقرائن)

    د.وليد خالد الربيع




    من المسائل المستفادة من آيات سورة يوسف -عليه السلام- (مسألة القضاء بالقرائن)، فمعلوم أن القاضي يستند في حكمه إلى البينات والحجج القضائية كالشهود والأيمان والنكول، كما جاء عن ابن عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى رِجَالٌ أموالَ قَوْمٍ ودِماءَهُمْ، لَكِنِ البَيِّنَةُ على المُدَّعِي والْيَمينُ على من أَنْكَرَ». حديث حسَنٌ رَوَاهُ الْبَيْهقي وغيرُهُ هكذا، وبَعْضُهُ في الصحِيحَين.

    حديث عظيم القدر

    قال الشيخ ابن سعدي: «هذا الحديث عظيم القدر، وهو أصل من أصول القضايا والأحكام، فإن القضاء بين الناس إنما يكون عند التنازع، هذا يدعي على هذا حقًّا من الحقوق فينكره، وهذا يدعي براءته من الحق الذي كان ثابتًا عليه، فبيَّن - صلى الله عليه وسلم - أصلًا بفض نزاعهم، ويتضح به المحق من المبطل، فمن ادعى عينًا من الأعيان، أو دينًا، أو حقًّا من الحقوق وتوابعها على غيره، وأنكره ذلك الغير، فالأصل مع المنكر. فهذا المدعي إن أتى ببينة تُثبت ذلك الحق، ثبت له، وحُكمَ له به، وإن لم يأت ببينة، فليس له على الآخر إلا اليمين».

    ويأتي هنا البحث في قوة القرائن في إثبات الأحكام القضائية والدلالة على الأحكام الشرعية:

    أولا: تعريف القرينة

    - القرينة في اللغة: من الفعل قرن الشيء بالشيء إذا ضمه إليه، قال ابن فارس: «القاف والراء والنون أصلان صحيحان أحدهما: يدل على جمع شيء إلى شيء».

    - وفي الاصطلاح: القرائن :هي الأمارات والعلامات التي يستدل بها على وجود شيء أو نفيه.

    قال ابن القيم موضحا أمثلة القرينة الدالة على المراد من غير أن تكون صريحة فيه: «ولم يزل الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المال المسروق مع المتهم، وهذه القرينة أقوى من البينة والإقرار.

    وهل يشك أحد رأى قتيلًا يتشحط في دمه، وآخر قائم على رأسه بالسكين: أنه قتله؟ ولاسيما إذا عرف بعداوته.

    وكذلك إذا رأينا رجلًا مكشوف الرأس -وليس ذلك عادته- وآخر هارب قدامه بيده عمامة، وعلى رأسه عمامة: حكمنا له بالعمامة التي بيد الهارب قطعًا، ولا نحكم بها لصاحب اليد التي قطعنا وجزمنا بأنها يد ظالمة غاصبة بالقرينة الظاهرة التي هي أقوى بكثير من البينة والاعتراف».

    ثانيا: حكم العمل بالقرائن في القضاء

    ذهب الجمهور إلى جواز القضاء بالقرائن في الجملة؛ حيث إن الشارع اعتبر القرائن ولم يهدرها، قال ابن القيم في كتابه النفيس (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية): «فالشارع لم يلغ القرائن والأمارات ودلائل الأحوال، بل من استقرأ الشرع في مصادره وموارده وجد شاهداً لها بالاعتبار مرتباً عليها الأحكام».

    وقال: «ولم يزل حذاق الحكام والولاة يستخرجون الحقوق بالفراسة والأمارات».

    وقال أيضاً: «والحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات ودلائل الحال ومعرفة شواهده والقرائن الحالية والمقالية أضاع حقوقاً كثيرة على أصحابها وحكم بما يعلم الناس بطلانه».

    مشروعية القضاء بالقرائن

    فمن الأدلة على مشروعية القضاء بالقرائن عند تعذر البينات الأقوى منها والأوضح: قوله -تعالى-: {وَجَاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ} (سورة يوسف:18)، فعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ: كَذَبْتُمْ، لَوْ كَانَ الذِّئْبُ أَكَلَهُ لَخَرَقَ الْقَمِيصَ».

    قال ابن سعدي: «زعموا أنه دم يوسف حين أكله الذئب، فلم يصدقهم أبوهم بذلك، و{قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} أي: زينت لكم أنفسكم أمرا قبيحا في التفريق بيني وبينه؛ لأنه رأى من القرائن والأحوال ومن رؤيا يوسف التي قصَّها عليه ما دلّه على ما قال».

    إِعْمَالِ الْأَمَارَاتِ

    قال القرطبي مبينا وجه الدلالة من الآية على المراد: «اسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي إِعْمَالِ الْأَمَارَاتِ فِي مَسَائِلَ مِنَ الْفِقْهِ كَالْقَسَامَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ يَعْقُوبَ -عليه السلام- اسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِمْ بِصِحَّةِ الْقَمِيصِ، وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ أَنْ يَلْحَظَ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ إِذَا تَعَارَضَتْ، فَمَا تَرَجَّحَ مِنْهَا قَضَى بِجَانِبِ التَّرْجِيحِ، وَهِيَ قُوَّةُ التُّهْمَةِ، وَلَا خِلَافَ بِالْحُكْمِ بِهَا».

    ومن الأدلة أيضا قوله -تعالى-:{وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ} (سورة يوسف: 26، 27).

    قال الشنقيطي: «يفهم من الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة».

    فوائد القصة

    قال ابن سعدي في فوائد القصة: «إن القرائن يعمل بها عند الاشتباه، فلو تخاصم رجل وامرأته في شيء من أواني الدار، فما يصلح للرجل فإنه للرجل، وما يصلح للمرأة فهو لها، إذا لم يكن بينة، وكذا لو تنازع نجار وحداد في آلة حرفتهما من غير بينة، والعمل بالقافة في الأشباه والأثر، من هذا الباب، فإن شاهد يوسف شهد بالقرينة، وحكم بها في قدّ القميص، واستدل بقدِّه من دبره على صدق يوسف وكذبها».

    وقائع من السنة المطهرة

    ومن السنة المطهرة هناك الكثير من الوقائع تدل على القضاء بالقرائن:

    فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذِّئب، فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنَّما ذهب بابنك أنت. وقالت الأخرى: إنَّما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود -عليهما السَّلام- فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسِّكِّين أشقُّه بينكما. فقالت الصُّغرى: لا، يرحمك الله هو ابنها. فقضى به للصُّغرى». متفق عليه.

    قال النووي: «فاستدل سليمان بشفقة الصغرى على أنها أمه، وأما الكبرى فما كرهت ذلك، بل أرادته لتشاركها صاحبتها في المصيبة بفقد ولدها».

    قال ابن حجر: «فظهر له من قرينة شفقة الصغرى وعدمها في الكبرى مع من انضاف إلى ذلك من القرينة الدالة على صدقها ما هجم به على الحكم للصغرى».

    قال ابن القيم: «ومن ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الملتقط أن يدفع اللقطة إلى واصفها، وأمره أن يعرف عِفاصها ووِعاءها وَوِكاءها لذلك، فجعل وصفه لها قائمًا مقام البينة، بل ربما يكون وصفه لها أظهر وأصدق من البينة.

    ومن ذلك أن ابني عفراء لما تداعيا قتل أبي جهل، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «هل مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ «قالا: لا، قال: «فأَرِيَانِي سَيْفَيْكُمَا». فلما نظر فيهما، قال لأحدهما: «هذا قَتَلَهُ». وقضى له بسلبه. متفق عليه، قال ابن القيم: «وهذا من أحسن الأحكام، وأحقها بالاتباع، فالدم في النصل شاهد عجيب».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,314

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (42)
    - من المسائل المستفادة من قصة يوسف -عليه السلام
    - حكم الإكراه على الفاحشة

    د.وليد خالد الربيع




    قال -تعالى-: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} (سورة يوسف:33-35).

    قال الشيخ ابن سعدي: «هذا يدل على أن النسوة جعلن يشرن على يوسف في مطاوعة سيدته، وجعلن يكدنه في ذلك؛ فاستحب السجن والعذاب الدنيوي على لذة حاضرة توجب العذاب الشديد، {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} أي: أمل إليهن، فإني ضعيف عاجز، إن لم تدفع عني السوء، {وَأَكُنْ} إن صبوت إليهن {مِنَ الْجَاهِلِينَ} فإن هذا جهل؛ لأنه آثر لذة قليلة منغصة، على لذات متتابعات وشهوات متنوعات في جنات النعيم، ومن آثر هذا على ذاك، فمن أجهل منه؟ فإن العلم والعقل يدعو إلى تقديم أعظم المصلحتين وأعظم اللذتين، ويؤثر ما كان محمود العاقبة»، فمن المسائل المستفادة من الآيات الكريمة مسألة الإكراه على الزنا، وهل للمكرَه أن يقدم على الزنا؟ وإذا أكره شخص على الزنا فهل يأثم ويقام عليه الحد أم أن الإكراه يؤثر في إسقاط الإثم والحد؟

    وقبل بيان مذاهب العلماء في هذه المسألة لابد من تعريف الإكراه وبيان حكمه:

    أولا: تعريف الإكراه

    الإكراه هو حمل الآخَر على أمر يمتنع منه بتخويف يقدر الحامل على إيقاعه، ويصير الآخَر خائفا به فائت الرضا بالمباشرة. أي: أن في الإكراه إلزاماً للآخر قهراً على فعل أمر لا يريده ولا يحبه.

    ثانيا: حكم الإكراه

    الإكراه بغير حق: هو الإكراه المحرم شرعًا لتحريم وسيلته أو لتحريم المطلوب به، وهو الذي وردت بشأنه النصوص الشرعية الدالة على عدم اعتبار ما يصدر من المكرَه بغير حق من تصرفات، ومن هذه الأدلة:

    1- قوله -تعالى-: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (سورة النحل:106)، قال القرطبي: «لما سمح الله -تعالى- بالكفر به وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتب عليه حكم».

    2- قوله -تعالى-: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (سورة النور:33) والشاهد في قوله -تعالى-: {فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}؛ حيث استثنى الإكراه على الزنا من الإثم والعقوبة.

    3- عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» أخرجه ابن ماجه و صححه الألباني.

    قال ابن حجر الهيتمي: «فجعل فعل المكره الذي وجدت فيه شروط الإكراه في كتب الفقهاء فعلا، فكل ما كان الحكم فيه مرتبا على فعل المكلف يكون بسبب الإكراه لغواً بمنزلة المعدوم».

    ثالثا: حكم الإقدام على الزنى تحت تأثير الإكراه

    اختلف الفقهاء في هذه المسألة على مذهبين:

    المذهب الأول

    لا يحل للرجل الإقدام على الزنى تحت تأثير الإكراه فإن فعل فهو آثم، وهو قول الحنفية في الإكراه الملجئ والشافعية وقول بعض المالكية وأبي ثور والحسن، ودليلهم:

    أن حرمة الزنا لا ترتفع بحال، فكما لا يرخص فيه في حالة الاختيار فكذلك لا يرخص فيه عند الإكراه.

    المذهب الثاني

    يجوز للمكرَه الإقدام على الزنى تحت تأثير الإكراه الملجئ، وهو قول ابن العربي من المالكية وقال: الصحيح أنه يجوز الإقدام على الزنى ولا حدّ عليه، خلافا لمن ألزمه ذلك؛ لأنه رأى أنها شهوة خلقية لا يتصور الإكراه عليها، وغفل عن السبب في باعث الشهوة وهو الإلجاء إلى ذلك وهو الذي أسقط حكمه، وإنما يجب الحد على شهوة بعث عليها سبب اختياري.

    رابعا: أثر الإكراه في سقوط حدّ الزنى

    (1) أثر الإكراه في سقوط حدّ الزنى عن المرأة: قال القرطبي: إذا استكرهت المرأة على الزنى فلا حدّ عليها لقوله -تعالى-: {إلا من أكره} وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، وقوله -تعالى-: {فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وبهذا المعنى حكم عمر في الوليدة التي استكرهها العبد فلم يحدّها، والعلماء متفقون على أنه لا حدّ على امرأة مستكرهة.

    (2) أثر الإكراه في سقوط حدّ الزنى عن الرجل: اختلف الفقهاء على مذهبين:

    المذهب الأول

    يجب الحدّ على الرجل إذا أكره على الزنى

    وهو قول أبي حنيفة والمالكية في المشهور والشافعية في قول والحنابلة على الصحيح من مذهبهم، ودليلهم: أن الوطء لا يكون إلا بالانتشار الحادث بالاختيار؛ إذ إن الإكراه ينافي الانتشار الذي هو علامة الشهوة التي لا تحصل إلا بالطواعية والاختيار، فأصبح المكرَه على الوطء كالمختار لا فرق بينهما، فالشبهة عندهم هي عدم تصور الإكراه على الزنى.

    المذهب الثاني

    لا يجب الحد على الرجل إذا أكره على الزنى

    وهو قول الصاحبين والمالكية في المختار والشافعية في الأظهر والحنابلة في قول، ودليلهم: عموم النصوص الدالة على إلغاء أثر التصرفات الواقعة تحت تأثير الإكراه، وأن الحدود تدرأ بالشبهات، والإكراه شبهة؛ لأن الظاهر أن المكرَه غير راض بالزنى ولا مختار له، ولا فارق بين الرجل والمرأة في ذلك؛ لأن الرجل في الخوف على حياته كالمرأة في ذلك؛ وحيث سقط الحدّ عن المستكرهة فينبغي أن يسقط عن المكرَه كذلك.

    ومعلوم أن الإكراه المؤثر له شروط دقيقة وضوابط محكمة للتأكد من تحقق الإكراه الموجب لرفع أثر التصرفات، فإذا توفرت تلك الشروط فالنصوص الشرعية تدل على عذر المكرَه.


    قال القرطبي: «أكره يوسف -عليه السلام- على الفاحشة بالسجن، وأقام خمسة أعوام، وما رضي بذلك لعظيم منزلته وشريف قدره، ولو أكره رجل بالسجن على الزنا ما جاز له إجماعا، فإن أكره بالضرب فقد اختلف فيه العلماء، والصحيح أنه إذا كان فادحا فإنه يسقط عنه إثم الزنا وحـدّه. وقد قال بعض علمائنا: إنه لا يسقط عنه الحد، وهو ضعيف؛ فإن الله -تعالى- لا يجمع على عبده العذابين، ولا يصرفه بين بلاءين؛ فإنه من أعظم الحرج في الدين، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}.

    وقال الشيخ ابن عثيمين: «فالصواب بلا شك أن الإكراه في حق الرجل ممكن، وأنه لا حد عليه، ولكن المكرِه يعزر، ولا يحد حد الزنا لأنه ما زنا».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    23,314

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (43)
    - من الأحكام المستفادة من قصة يوسف -عليه السلام
    - مشروعية الكفالة بالنفس

    د.وليد خالد الربيع




    قال -تعالى-: {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} (سورة يوسف:66)، قال الطبري: «يقول -تعالى- ذكره: قال يعقوب لبنيه: لن أرسل أخاكم معكم إلى ملك مصر، (حتى تؤتون موثقًا من الله)، يقول: حتى تعطون موثقًا من الله، بمعنى «الميثاق»، وهو ما يوثق به من يمينٍ وعهد (لتأتنني به) يقول لتأتنني بأخيكم، (إلا أن يحاط بكم)، يقول: إلا أن يُحيط بجميعكم ما لا تقدرون معه على أن تأتوني به».

    من المسائل المستفادة من هذه الآية الكريمة (مشروعية الكفالة بالنفس) وهي كالتالي:

    أولا: تعريف الكفالة بالنفس

    عرف الفقهاء الكفالة بالنفس: بأنها التزام جائز التصرف في إحضار بدن من عليه الحق، وهناك فرق بين كفالة المال والكفالة بالنفس، قال الشيخ ابن سعدي: «فالضمان: الكفالة بالمال يكون للدين، والكفالة بالنفس لإحضار بدن الغريم».

    ثانيا: حكم الكفالة بالنفس

    دل الكتاب والسنة على مشروعية الكفالة بالنفس:

    فأما الكتاب فقوله -تعالى-: {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ} (سورة يوسف:66)

    قال القرطبي: «هذه الآية أصل في جواز الحمالة بالعين والوثيقة بالنفس».

    وأما السنة فعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الزعيم غارمٌ «أخرجه أبو داود والترمذي وصححه الألباني، قال في عون المعبود: أي: يلزم نفسه ما ضمنه، والغرم أداء شيء يلزمه، والمعنى أنه ضامن، ومن ضمن دينا لزمه أداؤه».

    وذكر البخاري في صحيحه في باب (الكفالة في القرض والديون والأبدان وغيرها) تعليقا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، فَوَقَعَ رَجُلٌ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَأَخَذَ حَمْزَةُ مِنَ الرَّجُلِ كَفِيلًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ جَلَدَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَصَدَّقَهُمْ وَعَذَرَهُ بِالْجَهَالَةِ» .

    وَقَالَ جَرِيرٌ، وَالأَشْعَثُ، لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «فِي المُرْتَدِّينَ اسْتَتِبْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ، فَتَابُوا، وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ».

    قال ابن حجر في الفتح: «وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ (خبر حمزة) مَشْرُوعِيَّةَ الْكَفَالَةِ بِالْأَبْدَانِ» .

    وأما أثر ابن مسعود ومشورة جرير والأشعث فقد قَالَ ابن الْمُنِيرِ: «أَخَذَ الْبُخَارِيُّ الْكَفَالَةَ بِالْأَبْدَانِ فِي الدُّيُونِ مِنَ الْكَفَالَةِ بِالْأَبْدَانِ فِي الْحُدُودِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى».

    وَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ قَالَ بِهَا الْجُمْهُورُ قال ابن قدامة: «الكفالة بالنفس صحيحة في قول أكثر أهل العلم».

    قال الشيخ ابن عثيمين: «الكفالة سنة، أي: مندوبة للكفيل؛ لما فيها من المساعدة وتفريج الكرب، بشرط أن يعلم أنه قادر على إحضار بدن المكفول أو إيفاء الدين، فإذا عرف أنه غير قادر فلا ينبغي أن يكفل».

    ثالثا: شروط الكفالة بالنفس

    ويشترط أهلية الكفيل ورضاه؛ لأنه سوف يلتزم بحق وإذا لم يرض لا يلزمه كالتبرع بالأعيان، قال ابن قدامة: «ولا يعتبر رضى المكفول له؛ لأنها وثيقة له لا قبض فيها فصحت من غير رضاه فيها كالشهادة، ولأنها التزام حق له من غير عوض فلم يعتبر رضاه كالنذر».

    رابعا: ما يمكن الكفالة بالنفس فيه

    قال ابن قدامة: «وتصح الكفالة ببدن كل من يلزم حضوره في مجلس الحكم بدين لازم، سواء كان الدين معلوما أو مجهولا، لأن الكفالة بالبدن والبدن معلوم فلا تبطل الكفالة بالجهالة».

    وقال: «ولا تصح الكفالة ببدن من عليه حد، سواء كان حقا لله -تعالى- كحد الزنا والسرقة أو لآدمي كحد القذف والقصاص، وهذا قول أكثر أهل العلم» ثم علل ذلك بأن الكفالة استيثاق، والحدود مبناها على الإسقاط والدرء بالشبهات، فلا يدخل فيها الاستيثاق، ولأنه حق لا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر عليه إحضار المكفول به فلم تصح الكفالة بمن هو عليه كحد الزنا».

    وقال ابن حجر: «وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَنْ قَالَ بِهَا أَنَّ الْمَكْفُولَ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ إِذَا غَابَ أَوْ مَاتَ أَنْ لَا حَدَّ عَلَى الْكَفِيلِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ؛ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَمَا أَنَّ الْكَفِيلَ إِذَا أَدَّى الْمَالَ وَجَبَ لَهُ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ مِثْلُهُ».

    قال الشيخ ابن عثيمين: «القاعدة أنه متى تعذر الاستيفاء من الكفيل فإن الكفالة لا تصح لعدم الفائدة».

    قال ابن قدامة: «متى تعذر على الكفيل إحضار المكفول به مع حياته أو امتنع من إحضاره لزمه ما عليه» وعلل ذلك بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الزعيم غارم»، ولأن الكفالة بالنفس أحد نوعي الكفالة فوجب بها الغرم كالكفالة بالمال.

    خامسا: انتهاء الكفالة بالنفس وبراءة ذمة الكفيل

    1- إذا سلم الكفيل المكفول للمكفول له برئ، سواء استوفى منه صاحب الحق أم لا، فإن عجز عن إحضاره صار ضامنا.

    2- موت المكفول: إذا اشترط الكفيل ألا شيء عليه إذا مات المكفول، فمات برئ الكفيل بناء على الشرط، أما إذا لم يشترط ومات المكفول فهنا اختلف الفقهاء على مذهبين:

    المذهب الأول: براءة الكفيل

    إذا مات المكفول برئ الكفيل؛ لأنه التزم إحضاره وقد تعذر ذلك لموته، كما لو برئ من الدين. وهو مذهب الجمهور.

    المذهب الثاني: ضمان الكفيل

    يضمن الكفيل؛ لأن الكفالة بالنفس وثيقة بحق، فإذا تعذرت من جهة من عليه الدين، استوفي من الوثيقة كالرهن، ولأنه تعذر إحضاره فلزم كفيله ما عليه كما لو غاب. وهو قول الحكم والليث واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية كما نقله عنه المرداوي في الإنصاف.

    3- إذا سلم المكفول نفسه برئ الكفيل، لحصول المطلوب من الكفيل، كما لو قضى مضمون عنه الدين.

    3- إذا أبرئ المكفول برئ الكفيل؛ لأنه إذا برئ الأصل برئ الفرع.


    4- إذا أبرئ المكفول له الكفيل انتهت الكفالة؛ لأنه حقه فيسقط بإسقاطه كالدين، ولم يبرأ المكفول؛ لأنه لا يبرأ الأصل ببراءة الفرع.

    5- اختلف الفقهاء في انتهاء الكفالة بالنفس إذا مات الكفيل قبل تسليم المكفول على مذهبين:

    - المذهب الأول: تنتهي الكفالة لتعذر إحضار المكفول، ولا شيء للمكفول له في تركته، وهو قول الحنفية والشافعية، لأنه لم يبق قادرا على تسليم المكفول بنفسه، وماله لا يصلح لإيفاء هذا الواجب وهو إحضار النفس.

    - المذهب الثاني: لا تنتهي الكفالة بموت الكفيل، فيطالب ورثته بإحضار المكفول به فإن لم يقدروا أخذ من التركة قدر الدين المطلوب، وهو مذهب المالكية والحنابلة.

    أما إذا مات المكفول له فلا تسقط الكفالة بالنفس، ويبقى الحق للورثة كسائر الحقوق المالية التي تورث، فيقوموا مقامه في المطالبة وبتسلم المكفول وإبراء الكفيل.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •