الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 64
1اعجابات

الموضوع: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (21)

    الأحكام الفقهية من قصة ابني آدم -عليه السلام


    د.وليد خالد الربيع





    لا نزال مع قصة ابني آدم -عليه السلام-؛ فقد أخبرنا الله -تعالى- عن حال الجاني؛ فقال -سبحانه-: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. من المسائل الفقهية المستفادة من الآية الكريمة وما قبلها (حرمة القتل العمد بغير حق)، قال الشيخ ابن سعدي: «قوله: {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} دل هذا على أن القتل من كبائر الذنوب، وأنه موجب لدخول النار».



    القتل نوعان

    والقتل كما قال الجرجاني: «فعل يحصل به زهوق الروح»، وهو نوعان:

    الأول: قتل بحق

    وذلك إذا ارتكب الشخص جريمة عقوبتها القتل، كما جاء عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه -قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

    قال ابن رجب: «وَفِيهِ تَفْسِيرُ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَ خِصَالٍ هِيَ حَقُّ الْإِسْلَامِ الَّتِي يُسْتَبَاحُ بِهَا دَمُ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَالْقَتْلُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ» .

    الثاني: قتل بغير حق

    وهو الاعتداء على شخص معصوم الدم عدوانا وظلما حتى يموت، وهو من كبائر الذنوب، وعظائم الأمور كما دلت عليه النصوص الشرعية، فمن ذلك قوله -سبحانه-: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} (الأنعام:151)

    قال الطبري: «يعني بالنفس التي حرم الله قتلها، نفسَ مؤمن أو مُعاهد، وقوله: (إلا بالحق)، يعني بما أباح قتلها به: من أن تقتل نفسًا فتقتل قَوَدًا بها، أو تزني وهي محصنة فترجم، أو ترتدَّ عن دينها الحقِّ فتقتل. فذلك «الحق» الذي أباح الله -جل ثناؤه- قتل النفس التي حرم على المؤمنين قتلها به».

    وقال -تعالى-: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} (الإسراء:33)، يقول القرطبي: «وهذه الآية نهي عن قتلِ النفس المحرمة مؤمنة كانت أو معاهدة إلا بالحق الذي يوجب قتلها».

    العقوبة الشديدة

    وبين الله -تعالى- العقوبة الشديدة لمن يعتدي على نفس المؤمن بغير حق فقال -سبحانه-: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}(النساء :93)

    قال الشيخ ابن سعدي: «ذكر هنا وعيد القاتل عمدا، وعيدا ترجف له القلوب، وتنصدع له الأفئدة، وتنزعج منه أولو العقول، فلم يرد في أنواع الكبائر أعظم من هذا الوعيد، بل ولا مثله، ألا وهو الإخبار بأن جزاءه جهنم، أي: فهذا الذنب العظيم قد انتهض وحده أن يجازى صاحبه بجهنم، بما فيها من العذاب العظيم، والخزي المهين، وسخط الجبار، وفوات الفوز والفلاح، وحصول الخيبة والخسار. فعياذًا بالله من كل سبب يبعد عن رحمته».

    الأحكام الدنيوية

    وأما في الأحكام الدنيوية فقد شرع الله -تعالى- القصاص في حالة القتل بغير حق فقال -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى}(الب قرة:178)

    قال الشيخ ابن سعدي: «يمتن -تعالى- على عباده المؤمنين بأنه فرض عليهم {الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} أي: المساواة فيه، وأن يقتل القاتل على الصفة التي قتل عليها المقتول، إقامة للعدل والقسط بين العباد، وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل حتى القاتل بنفسه إعانة ولي المقتول إذا طلب القصاص وتمكينه من القاتل، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد، ويمنعوا الولي من الاقتصاص كما عليه عادة الجاهلية ومن أشبههم من إيواء المحدثين».

    لا يقيمه إلا أولو الأمر

    قال القرطبي: «لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك؛ لأن الله -سبحانه- خاطب المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود، وليس القصاص بلازم إنما اللازم ألا يتجاوز القصاص وغيره من الحدود إلى الاعتداء، فأما إذا وقع الرضا دون القصاص من دية أو عفو فذلك مباح».

    اجتنبوا السبع الموبقات

    ومن السنة المطهرة روى الشيخان عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» متفق عليه.

    خطبة الوداع

    وقال صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: «فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد، فليبلِّغ الشاهدُ الغائب، فرب مُبَلَّغٍ أوعى من سامع» متفق عليه، قال النووي: «المراد بهذا كله بيان توكيد غلظ تحريم الأموال والدماء والأعراض، والتحذير من ذلك».

    وروى البخاري عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا» أخرجه البخاري، قال ابن الْعَرَبِيِّ: «الْفُسْحَةُ فِي الدِّينِ سَعَةُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ حَتَّى إِذَا جَاءَ الْقَتْلُ ضَاقَتْ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفِي بِوِزْرِهِ، وَالْفُسْحَةُ فِي الذَّنْبِ: قَبُولُهُ الْغُفْرَانَ بِالتَّوْبَةِ حَتَّى إِذَا جَاءَ الْقَتْلُ ارْتَفَعَ الْقَبُولُ».

    مِنْ وَرَطَاتِ الأمور

    ولهذا قال ابن عمر: «إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها، سفك الدم الحرام بغير حله» أخرجه البخاري.

    قال ابن حجر: «الورطات: جَمْعُ وَرْطَةٍ وَهِيَ الْهَلَاكُ، يُقَالُ: وَقَعَ فُلَانٌ فِي وَرْطَةٍ أَيْ: فِي شَيْءٍ لَا يَنْجُو مِنْهُ، وَقَدْ فَسَّرَهَا فِي الْخَبَرِ بِقَوْلِهِ: «الَّتِي لَا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا» قَوْلُهُ: «سَفْكُ الدَّمِ» أَيْ: إِرَاقَتُهُ؛ وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَتْلُ بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَ».

    وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار».


    تعظيم القتْلِ وتَهويلُ أمْرِه


    وعن عبدالله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم» أخرجه الترمذي، قال في شرح مشكاة المصابيح: «وهذا الكلامُ مَسوقٌ لتعظيمِ القتْلِ وتَهويلِ أمْرِه» ثم بين وجهه فقال: «الدُّنيا عظيمةٌ في نفوسِ الخلْقِ، فزَوالُها يكونُ عندَهم عظيمًا على قدْرِ عَظَمتِها، فإذا قيل: قتل المؤمن أعظم منه، أو الزوال أهون من قتل المؤمن، يفيد الكلام من تعظيم القتل وتهويله وتقبيحه وتشنيعه ما لا يحيطه الوصف».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (22)

    الأحكام الفقهية من قصة ابني آدم -عليه السلام

    د.وليد خالد الربيع





    قال -تعالى-:{ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} (سورة المائدة:31)، لا نزال مع الأحكام الفقهية المستفادة من قصة ابني آدم -عليه السلام-، ويستفاد من هذه الآية الكريمة مشروعية دفن الموتى، قال القرطبي: «وظاهر الآية أن هابيل هو أول ميت من بني آدم؛ ولذلك جهلت سنة المواراة». وقال: «بعث الله الغراب حكمة؛ ليرى ابن آدم كيفية المواراة، فصار فعل الغراب في المواراة سنة باقية في الخلق».
    فدفن الموتى إكرام من الله -تعالى- للبشرية كما قال -سبحانه-: {ثم أماته فأقبره} (سورة عبس:21)، قال الشيخ ابن سعدي: «أي: أكرمه بالدفن، ولم يجعله كسائر الحيوانات التي تكون جيفها على وجه الأرض»، والدفن فرض كفاية بالإجماع كما قال القرطبي: «أصبح فرضا على جميع الناس على الكفاية، من فعله منهم سقط فرضه عن الباقين».
    صفة حفر اللحد
    وذكر العلماء صفتين لحفر القبر، اللحد والشق: وَمَعْنَى اللَّحْدِ، كما قال ابن قدامة: «أَنَّهُ إذَا بَلَغَ أَرْضَ الْقَبْرِ حَفَرَ فِيهِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ مَكَانًا يُوضَعُ الْمَيِّتُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ رَخْوَةً جَعَلَ لَهُ مِنْ الْحِجَارَةِ شِبْهَ اللَّحْدِ.
    وَمَعْنَى الشَّقِّ أَنْ يَحْفِرَ فِي أَرْضِ الْقَبْرِ شَقًّا يَضَعُ الْمَيِّتَ فِيهِ، وَيَسْقُفَهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ».
    ونقل النووي إجماع العلماء على أن الدفن في اللحد أو الشق جائزان، وذهب الجمهور إلى أن اللحد هو السنة وأنه أفضل من الشق، وقيدوا ذلك بما إذا كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها لقول سعد بن أبي وقاص في مرضه الذي مات فيه: «ألحدوا لي لحدا، وانصبوا عليّ اللبن نصبا كما صنع برسول الله - صلى الله عليه وسلم -». أخرجه مسلم، قال النووي: «فيه استحباب اللحد ونصب اللبن، وأنه فعل ذلك برسول الله - صلى الله عليه وسلم - باتفاق الصحابة -رضي الله عنهم-، وقد نقلوا أن عدد لبناته تسع».
    استحباب إعماق القبر
    وذهب الجمهور إلى استحباب إعماق القبر لحديث هشام بن عامر أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال يومَ أحُدٍ: «احفُروا، وأَوْسِعُوا، وأَعْمِقُوا، وأَحْسِنُوا، وادفِنوا الاثنينِ والثلاثةَ في قبرٍ واحدٍ، وقدِّموا أكثرَهم قُرْآنًا». أخرجه أصحاب السنن وصححه الألباني. ويستحب توسيع القبر في عرضه وطوله بما يسع من ينزل القبر ومن يدفن الميت، ولا يزيد حتى لا يضيق على الآخرين، وتكون التوسعة من جهة الرأس والقدمين لقوله - صلى الله عليه وسلم - للحافر: «أوسع من قبل الرأس، وأوسع من قبل الرجلين» أخرجه أبو داود.
    كراهة الدفن في تابوت
    واتفق الفقهاء على كراهة الدفن في تابوت بغير حاجة، قال النووي: «كراهة التابوت مذهبنا ومذهب العلماء كافة، أظنه إجماعا».
    الرجال أحق بدفن الرجال
    وذهب عامة الفقهاء إلى أن الرجال أحق بدفن الرجال، وأولى الرجال بالتقديم هم أولياء الميت لقوله -تعالى-:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} (سورة الأنفال:75)، وقول علي - رضي الله عنه - قال: «غسَّلْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فذهبتُ أنظر ما يكون من الميت فلم أرَ شيئاً، وكان طيبا - صلى الله عليه وسلم - حياً وميتا، وولي دفنه وإجنانَه (ستره) دون الناس أربعة: علي والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» رواه الحاكم.
    أولى الناس بإدخال المرأة قبرها
    وذهب عامة الفقهاء إلى أن أولى الناس بإدخال المرأة قبرها هو محرمها في حياتها إن لم تكن متزوجة، فإن كانت متزوجة فزوجها أولى من محرمها إذا تزاحموا؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: رجع إلىَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعا في رأسي، وأنا أقول: وارأساه، قال: بل أنا وارأساه. قال: «ما ضرك لو متِّ قبلي فغسلتُكِ وكفنْتكِ ثم صليت عليك ودفنتك» رواه أحمد.
    وقت الدفن
    أما وقت الدفن: فيجوز الدفن في كل وقت إلا أوقات النهي عن الصلاة، فعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نُصلِّي فيهن، أو أنْ نَقْبُـرَ فِيهِنَّ موتانا: حين تطلع الشمسُ بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضَيَّفُ الشمسُ للغروب حتى تغرب». أخرجه مسلم، فدل الحديث على أنه يمنع الدفن في هذه الأوقات الثلاثة، إلا عند الضرورة، فأما إذا كان هناك ضرر، بأن خيف تغيُّر الميت، ونحو ذلك، فلا حرج في دفنه في هذه الأوقات.
    المراد بالقَبْر
    قال النووي: «قال بعضهم: إن المراد بالقَبْر (يعني المذكور في الحديث) صلاة الجنازة، وهذا القول ضعيف؛ لأن صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالإجماع، فلا يجوز تفسير الحديث بما يخالف الإجماع؛ بل الصواب أن معناه تَعمُّد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات، كما يُكره تَعمُّد تأخير العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذرٍ، وهي صلاة المنافقين؛ كما في الحديث الصحيح: «قام فنقرها أربعًا»، فأما إذا وقع الدفن في هذه الأوقات بلا تَعمُّد فلا يكره».
    الدفن ليلاً
    ويجوز الدفن ليلا بلا كراهة؛ لما رواه أبو داود عن جابر - رضي الله عنه - قال: رأى ناس ناراً في المقبرة فأتوها، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القبر، ‏وإذا هو يقول: «ناولني صاحبكم» قال ابن القيم: هذه النار كانت للإضاءة، ولهذا ترجم عليه أبو داود: الدفن بالليل، ‏قال الإمام أحمد: لا بأس بذلك، وقال: أبو بكر دفن ليلاً، وعليّ دفن فاطمة ليلاً، وحديث ‏عائشة: «سمعنا صوت المساحي من آخر الليل في دفن النبي - صلى الله عليه وسلم -»، وممن ‏دفن ليلاً: عثمان، وعائشة وابن مسعود، ورخص فيه عقبة بن عامر، وابن المسيب، ‏وعطاء، والثوري، والشافعي، وإسحاق.
    وذهب بعض أهل العلم إلى كراهة الدفن ليلاً لحديث جابر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر رجلاً ‏من أصحابه قبض، فكفن في كفن غير طائل، وقبر ليلاً، فزجر النبي - صلى الله عليه وسلم - ‏أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك رواه مسلم.
    قال النووي: «وَقَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ لَا يُكْرَهُ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رضي الله عنه - وَجَمَاعَةً مِنَ السَّلَفِ دُفِنُوا لَيْلًا مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ، وَبِحَدِيثِ الْمَرْأَةِ السَّوْدَاءِ وَالرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَتُوُفِّيَ بِاللَّيْلِ فَدَفَنُوهُ لَيْلًا وَسَأَلَهُمُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْهُ فَقَالُوا: تُوُفِّيَ لَيْلًا فَدَفَنَّاهُ فِي اللَّيْلِ فَقَالَ: أَلَا آذَنْتُمُونِي؟ قَالُوا: كَانَتْ ظُلْمَةٌ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ.
    وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ النَّهْيَ كَانَ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ مُجَرَّدِ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ، وَإِنَّمَا نَهَى لِتَرْكِ الصَّلَاةِ أَوْ لِقِلَّةِ الْمُصَلِّينَ أَوْ عَنْ إِسَاءَةِ الْكَفَنِ أَوْ عَنِ الْمَجْمُوعِ كَمَا سَبَقَ».

    وذكر ابن القيم تفصيلا حسنا فقال: «والذي ينبغي أن يقال في ‏ذلك: إنه متى كان الدفن ليلاً لا يفوت به شيء من حقوق الميت، والصلاة ‏عليه، فلا بأس به، وعليه تدل أحاديث الجواز، وإن كان يفوت بذلك حقوقه والصلاة ‏عليه وتمام القيام عليه، نهي عن ذلك، وعليه يدل الزجر».






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (23)
    الأحكام الفقهية من قصة خلق آدم وزوجه -عليهما السلام

    د.وليد خالد الربيع




    اعتنت الشريعة المطهرة بمكارم الأخلاق، وحسن الآداب، ليكون المسلمون في أنفسهم ومع إخوانهم، وفي حال اجتماعهم وخلواتهم على أكمل حال وأرفع صورة ومآل، ومن ذلك العناية باللباس والزينة، وستر العورات وإخفاء السوءات، لتحقيق أعلى المقاصد وأكرم الصفات، وسد باب الفتنة ومنع ذريعة السيئات، لذا حرص شياطين الجن والإنس على إغواء البشر، ونقلهم من الكرامة الإنسانية التي حباهم الله -تعالى- بها، إلى رتبة البهيمية وما فيها من عدم المبالاة بظهور العورات، وانكشاف السوءات.

    وقد قص الله -سبحانه- علينا في سورة الأعراف قصة خلق آدم وزوجه -عليهما السلام-، وإسكانهما الجنة، وما أكرمهما به من النعم واللذات، وبين -تعالى- إغواء الشيطان لهما لمعصية الرب -سبحانه-، وما آل إليه أمرهما من ظهور العورة، وإخراجهما من الجنة، فقال -سبحانه-:{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (سورة الأعراف:20-22).

    قال ابن سعدي: «{فَدَلَّاهُمَا} أي: نزَّلهما عن رتبتهما العالية، التي هي البعد عن الذنوب والمعاصي إلى التلوث بأوضارها، فأقدما على أكلها، {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} أي: ظهرت عورة كل منهما بعد ما كانت مستورة، فصار للعري الباطن من التقوى في هذه الحال أثر في اللباس الظاهر، حتى انخلع فظهرت عوراتهما، ولما ظهرت عوراتهما خَجِلا وجَعَلا يخصفان على عوراتهما من أوراق شجر الجنة، ليستترا بذلك {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا} وهما بتلك الحال موبخا ومعاتبا: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} فلم اقترفتما المنهي، وأطعتما عدوَّكُما؟».

    وجوب ستر العورة

    فمن المسائل المستفادة من الآيات الكريمات وجوب ستر العورة، قال القرطبي: «وفي الآية دليل على قبح كشف العورة، وأن الله أوجب عليهما الستر؛ ولذلك ابتدرا إلى سترها، ولا يمتنع أن يؤمرا بذلك في الجنة كما قيل لهما: ولا تقربا هذه الشجرة. وقد حكى صاحب البيان عن الشافعي أن من لم يجد ما يستر به عورته إلا ورق الشجر لزمه أن يستتر بذلك، لأنه سترة ظاهرة يمكنه التستر بها كما فعل آدم في الجنة».

    وتطلق العورة في اللغة على معان منها: الخلل والسوأة والشيء المستقبح وكل ما يحرم كشفه، قال النووي: سميت العورة لقبح ظهورها ولغض الأبصار عنها، مأخوذة من (العور) وهو النقص والعيب والقبح، ومنه عور العين، والكلمة العوراء: القبيحة.

    والعورة في الاصطلاح: ما أوجب الشارع ستره من الذكر والأنثى.

    أحكام تخص العورة

    وللعورة أحكام في باب النظر عموما، وأحكام في باب الصلاة على وجه الخصوص.

    أولاً: ستر العورة في باب النظر

    دل الكتاب والسنة والإجماع على وجوب ستر العورة عن النظر.

    الأدلة من القرآن الكريم

    فمن الكتاب الكريم قوله -سبحانه-: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}، قال القرطبي: «دلت الآية على وجوب ستر العورة»، فقوله: {خذوا زينتكم}: الزينة ما يتزين به الناس من الملبوس، والمراد به لبس الثوب الذي يستر العورة في الصلاة وخارجها، وهو ما عليه عامة المفسرين؛ لأن الله -تعالى- أمر بأخذ الزينة، والأمر يفيد الوجوب، والقدر الواجب من ذلك ما ستر العورة، ومعلوم أن ما زاد على ذلك ليس بواجب مما يدل أن أخذ الزينة هنا هو ستر العورة .

    الأدلة من السنة

    ومن السنة ما رواه مسلم عن المسور بن مخرمة قال: أقبلت بحجر ثقيل أحمله وعليّ إزار خفيف ، فانحل إزاري ومعي الحجر، لم أستطع أن أضعه حتى بلغت به إلى موضعه ، فقال رسول الله: «ارجع إلى ثوبك فخذه ولا تمشوا عراة»، وعن حكيم بن حزام قال: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: «إن استطعت ألا يرنها أحد فلا ترينها أحدا» قلت: يا رسول الله، إذا كان أحدنا خاليا؟ قال: «الله أحق أن يستحيا منه من الناس» أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي.

    الإجماع

    وأما الإجماع فقد قال النووي: «ستر العورة عن العيون واجب بالإجماع»، وقال ابن قدامة: «سترة العورة عن النظر بما لا يصف البشرة واجب، وقال ابن هبيرة: «أجمعوا على أن ستر العورة عن العيون واجب».

    ثانيًا: ستر العورة في باب الصلاة

    ذهب جمهور الفقهاء إلى أن ستر العورة فرض من فروض الصلاة وشرط لصحتها، وأدلتهم في ذلك ما يلي:

    (1) قوله -سبحانه-:{يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} قال ابن عباس: «المراد بها الثياب في الصلاة»، فقوله -تعالى-:{عند كل مسجد} قيل: المقصود به المسجد الحرام؛ لأن الآية إبطال ما كان يفعله المشركون من الطواف بالبيت عراة؛ فأمروا بستر العورة عند الطواف، ولا طواف إلا بالبيت الحرام، وقيل: بل هو عام في كل مسجد للصلاة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

    (2) عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار «أخرجه أبو داود والترمذي، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: «يُرِيدُ بِالْحَائِضِ الْمَرْأَةَ الَّتِي بَلَغَتْ سِنَّ الْحَيْضِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الَّتِي هِيَ فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا؛ لِأَنَّ الْحَائِضَ لَا تُصَلِّي بِوَجْهٍ (إِلَّا بِخِمَارٍ) أَيْ مَا يُتَخَمَّرُ بِهِ مِنْ سِتْرِ رَأْسٍ».

    (3) عن سلمة بن الأكوع قال: قلت: يا رسول الله، إني أكون في الصيد أفأصلي في الثوب الواحد؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: «نعم وازرره ولو بشوكة». أخرجه أبو داود، قوله: (وَأَزْرُرْهُ) بِضَمِّ الرَّاءِ أَيِ اشْدُدْهُ (وَلَوْ بِشَوْكَةٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا إِذَا كَانَ جَيْبُ الْقَمِيصِ وَاسِعًا يَظْهَرُ مِنْهُ عَوْرَتُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُزِرَّهُ؛ لِئَلَّا يَكْشِفَ عَوْرَتَهُ».


    فهذه النصوص وغيرها تدل على أن سترة العورة واجب في الصلاة بالاتفاق، قال ابن عبد البر: «احتجوا بالإجماع على إفساد صلاة من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار»، واتفق الفقهاء على بطلان صلاة من كشف عورته فيها متعمدا سواء طال الزمن أم قصر.








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (24)


    الأحكام الفقهية المستفادة من حوار أهل النار مع أهل الجنة




    د.وليد خالد الربيع







    قال -تعالى-: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} (سورة الأعراف:50). قال الطبري: «هذا خبر من الله -تعالى ذكره- عن استغاثة أهل النار بأهل الجنة، عند نـزول عظيم البلاء بهم من شدة العطش والجوع، عقوبةً من الله لهم على ما سلف منهم في الدنيا من ترك طاعة الله، وعدم أداء ما كان فرض عليهم في أموالهم تجاه المساكين من الزكاة والصدقة». وذكر بسنده عن ابن عباس قال: «ينادي الرجلُ أخاه أو أباه، فيقول: قد احترقت، أفض عليَّ من الماء، فيقال لهم: أجيبوهم. فيقولون: «إن الله حرمهما على الكافرين».

    ويستفاد من هذه الآية الكريمة مسائل منها:

    المسألة الأولى:

    أفضل الصدقة سقي الماء:

    من عجيب الاستدلال، ودقة المأخذ ما استنبطه ابن عباس من هذه الآية الكريمة؛ حيث سئل: أي الصدقة أفضل؟ فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الصدقة الماء»، ألم تسمع إلى أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنة قالوا: {أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ}؟

    ومن هنا ذكر القرطبي أن هذه الآية: «دليل على أن سقي الماء من أفضل الأعمال».

    وقد جاءت السنة المطهرة بتأكيد هذا المعنى، فقد أخرج أحمد وأصحاب السنن أن سعدا قال: يا رسول الله، إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نعم»، قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: «سَقْيُ الْمَاء». حسنه الألباني. وفي رواية فحفر بئرا فقال: هذه لأم سعد». أي: أن هذه البئر صدقة لها.

    قال في عون المعبود: «إنما كان الماء أفضل لأنه أعم نفعا في الأمور الدينية والدنيوية، ولا سيما في تلك البلاد الحارة، ولذلك منّ الله -تعالى- بقوله: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا}».

    قال القرطبي: «فدل على أن سقي الماء من أعظم القربات عند الله -تعالى-، وقد قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء. وقد غفر الله ذنوب الذي سقى الكلب، فكيف بمن سقى رجلا مؤمنا موحدا وأحياه؟! روى البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «بينا رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش؛ فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج، فإذا كلب يأكل الثرى من العطش؛ فقال: لقد بلغ هذا الكلب مثل الذي بلغ بي؛ فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقي فسقى الكلب؛ فشكر الله له، فغفر له، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرا؟ قال: «في كل ذات كبد رطبة أجر».

    المسألة الثانية: صاحب الماء

    أحق بمائه:

    قال القرطبي: «وقد استدل بهذه الآية من قال: إن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه، وأن له منعه ممن أراده؛ لأن معنى قول أهل الجنة: {إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} لا حق لكم فيها، وقد بوب البخاري - رحمه الله - على هذا المعنى: (باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه)، وأدخل في الباب عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «والذي نفسي بيده لأذودن رجالا عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض». ومعنى لأذودن:لأطردن.

    قال ابن حجر: «ومناسبته للترجمة من ذكره - صلى الله عليه وسلم - أن صاحب الحوض يطرد إبل غيره عن حوضه ولم ينكر ذلك؛ فيدل على الجواز».

    وذكر البخاري حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت عينا معينا. وأقبل جرهم فقالوا: أتأذنين أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولا حق لكم في الماء. قالوا: نعم».

    قال ابن حجر: ومناسبته للترجمة من جهة قولها: «ولا حق لكم في الماء» وقرر النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، قال الخطابي: «فيه أن من أنبط ماء في فلاة من الأرض ملكه، ولا يشاركه فيه غيره إلا برضاه، إلا أنه لا يمنع فضله إلا استغنى عنه».

    ومن هنا اتفق الفقهاء على أن الماء المحرز في آنية مملوكة لشخص معين كالصهاريج والأواني ونحوها مملوك لمن أحرزه؛ حيث نقله من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة بالحيازة، فله أن يتصرف فيه بالاستعمال والاستغلال، ولا يجوز لأحد أن ينتفع بهذا الماء المملوك إلا بإذن صاحبه، فإن أخذه شخص بغير إذن صاحبه فعليه ضمان الضرر والتلف إذا وقع.

    وقد اتفق الفقهاء على استحباب بذل الفاضل من الماء لمن احتاج إليه وسأله لعموم الأدلة على ذلك، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلأ» متفق عليه، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من منع فضل مائه أو فضل كلئه منعه الله فضله يوم القيامة» أخرجه أحمد، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل» الحديث أخرجه البخاري.

    ويبين ابن حجر أن وجه الدلالة في هذه الأحاديث من جهة أن المعاقبة وقعت على منعه الفضل، فدل على أنه أحق بالأصل.

    وجوب بذل الماء

    وقد بحث الفقهاء مسألة (وجوب بذل الماء على مالكه) وفرقوا بين صورتين:

    - الصورة الأولى: ألا يزيد الماء عن حاجة مالكه؛ ففي هذه الحالة اتفق الفقهاء أنه لا يجب عليه أن يبذله لمن طلبه، قال ابن بطال: «لا خلاف بين العلماء أن صاحب الماء أحق بمائه حتى يروي».


    - الصورة الثانية: إذا كان الماء زائدا عن حاجة مالكه: فقد اختلف الفقهاء في هذه الصورة، والذي يظهر هو أن الماء المحرز ملك لمن أحرزه، فلا يجوز لأحد أن ينتفع به إلا بإذن مالكه كسائر الأموال الخاصة، فلا يجب على مالكه بذله لأحد بغير عوض، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه»، فيجوز لصاحبه أن يمنعه لمن سأله، وأن يبيعه بثمن معقول، وتحمل أحاديث النهي المتقدمة على من منع الماء المضطر الذي لا يجد ماء غيره، فهنا حالة اضطرار تستثنى من الأصل؛ فيجب بذل الماء له بغير عوض؛ لأن في ذلك إنقاذ النفس التي كرمها الله -تعالى-، وقد قال -سبحانه-: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}(سورةال مائدة:32)، قال ابن حجر: «وأما الماء المحرز في الإناء فلا يجب بذل فضله لغير المضطر على الصحيح، ومحل النهي ما إذا لم يجد المأمور بالبذل له ماء غيره».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (25)

    الأحكام الفقهية من قصة شعيب -عليه السلام


    د.وليد خالد الربيع







    قال -تعالى-: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (سورة الأعراف:85).

    ذكر الله -تعالى- في سورة الأعراف أنباء كثير من الأنبياء والمرسلين، لما في قصصهم من المواعظ والفوائد والأحكام الفقهية، ومنهم شعيب -عليه السلام-، حيث دعا قومه إلى أداء حق الله -تعالى- وحقوق العباد، فحق الله -سبحانه- أن يفرد بالعبادة ولا يشرك به شيء، وأن يطاع فلا يعصى -سبحانه-، وأمام حقوق العباد فأمرهم شعيب -عليه السلام- بالعدل في المعاملات بتوفية الكيل والميزان، ونهاهم عن البخس والفساد.



    ويوضح الراغب الأصفهاني معنى البخس فيقول: «البَخْسُ: نقص الشيء على سبيل الظلم».

    وقال القرطبي: «البخس: النقص، وهو يكون في السلعة بالتعييب والتزهيد فيها، أو المخادعة عن القيمة، والاحتيال في التزيد في الكيل والنقصان منه. وكل ذلك من أكل المال بالباطل، وذلك منهي عنه في الأمم المتقدمة والسالفة على ألسنة الرسل».

    البخس من جهة المشتري

    والبخس قد يكون من جهة المشتري بأن يقلل من قيمة ما يريد شراءه ليحظى بثمن أقل من قيمته الحقيقية كما قال ابن عاشور: «وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْبَخْسُ مُتَعَلِّقًا بِالْكَمِّيَّةِ كَمَا يَقُولُ الْمُشْتَرِيَ: هَذَا النِّحْيُ لَا يَزِنُ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَرْطَالٍ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ مِثْلَهُ يَزِنُ اثْنَيْ عَشَرَ رِطْلًا، أَوْ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَى هَذَا النَّخْلِ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةِ قَنَاطِيرَ تَمْرًا فِي حِينِ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَبْلُغُ عِشْرِينَ قِنْطَارًا.

    وَقَدْ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِالصِّفَةِ كَمَا يَقُولُ: هَذَا الْبَعِيرُ شَرُودٌ وَهُوَ مِنَ الرَّوَاحِلِ، وَيَكُونُ طَرِيقُ الْبَخْسِ قَوْلًا، كَمَا مَثَّلْنَا، وَفِعْلًا كَمَا يَكُونُ مِنْ بَذْلِ ثَمَنٍ رَخِيصٍ فِي شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُبَاعَ غَالِيًا، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْبَخْسِ أَنْ يَنْتَفِعَ الْبَاخِسُ الرَّاغِبُ فِي السِّلْعَةِ الْمَبْخُوسَةِ بِأَنْ يَصْرِفَ النَّاسَ عَنِ الرَّغْبَةِ فِيهَا فَتَبْقَى كَلًّا عَلَى جَالِبِهَا فَيَضْطَرُّ إِلَى بَيْعِهَا بِثَمَنٍ زَهِيدٍ، وَقَدْ يُقْصَدُ مِنْهُ إِلْقَاءُ الشَّكِّ فِي نَفْسِ جَالِبِ السِّلْعَةِ بِأَنَّ سِلْعَتَهُ هِيَ دُونَ مَا هُوَ رَائِجٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَدْخُلُهُ الْيَأْسُ مِنْ فَوَائِدِ نِتَاجِهِ فَتَكْسَلُ الْهِمَمُ».

    والبخس قد يكون من البائع وهو ما يسميه الفقهاء الغبن، وهو: بيع السلعة بأكثر مما تعارف الناس على التسامح بمثله.

    حكم الغبن

    وأما حكم الغبن:

    فقد قسم الفقهاء الغبن إلى نوعين: يسير وفاحش، ويرجع في تعيين الحد الفارق بينهما إلى العرف أو لأهل الخبرة، لأن ما لم يرد له تقدير في الشرع يرجع فيه إلى العرف.

    وأما حكم الغبن: فالغبن الفاحش الكثير وهو الذي لا يتسامح بمثله فحكمه التحريم لما فيه من التغرير بالمشتري والغش المنهي عنه، وقد قال - صلى الله عليه وسلم-: «من غشنا فليس منا» أخرجه مسلم.

    الغبن اليسير

    وأما الغبن اليسير وهو الذي يتسامح الناس بمثله فهو جائز، لأنه لا يمكن التحرز منه وهو مما تعارف الناس على التعامل به دون نكير، قال القاضي ابن العربي: «إن الغبن في الدنيا ممنوع بإجماع في حكم الدين، إذ هو من باب الخداع المحرم شرعا في كل ملة، لكن اليسير منه لا يمكن الاحتراز منه لأحد فمضى في البيوع، إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبدا، لأنه لا يخلو منه، والفرق بين القليل والكثير أصل في الشريعة معلوم».

    وأما تأثير الغبن في صحة العقد، فالحكم يختلف بحسب نوع الغبن ومن وقع الغبن عليه:

    فقد ذهب عامة الفقهاء إلى أن الغبن اليسير لا تأثير له في صحة العقود، وقد تقدم كلام القاضي ابن العربي في عدم تأثير الغبن اليسير في صحة العقد، وقال ابن هبيرة: «اتفقوا على أن الغبن في البيع بما لا يفحش لا يؤثر في صحته».

    الغبن الكثير

    أما الغبن الكثير في حق البائع بأن يبيع الشخص ماله بنقص كبير مع علمه ورضاه فهو جائز، لأن ثبوت الملك له على وجه مشروع يعطيه الحق في التصرف بماله استهلاكا واستعمالا واستغلالا في حدود المشروع، فله أن يبيع الشيء الغالي بالثمن البخس كما له أن يهبه بغير عوض ما دام أهلا للتصرفات المالية وهو عالم وراض بهذا البيع.

    قال القرطبي: «والجمهور على جواز الغبن في التجارة، مثل أن يبيع رجل ياقوتة بدرهم وهي تساوي مائة فذلك جائز، وأن المالك الصحيح الملك جائز له أن يبيع ماله الكثير بالتافه اليسير، وهذا ما لا اختلاف فيه بين العلماء إذا عرف قدر ذلك، كما تجوز الهبة لو وهب».

    ومما استدل به قوله -عليه السلام- في حديث الأمة الزانية‏: «إذَا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، ولَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، ولَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا ولو بحَبْلٍ مِن شَعَرٍ». متفق عليه

    قال النووي: «فيه جواز بيع الشيء النفيس بثمن حقير، وهذا مجمع عليه إذا كان البائع عالما به».

    أما الغبن الكثير إذا وقع على المشتري بأن اشترى شيئا بثمن يفوق قيمته الحقيقية بفارق كبير لا يتسامح بمثله عادة، فقد اختلف الفقهاء في تأثير الغبن الفاحش في صحة العقد، والأظهر أن الغبن إذا صاحبه تغرير فللمغبون إذا علم بذلك الخيار بين إمضاء العقد أو فسخه، وكذلك إذا لم يصحب الغبن تغرير، لأن الحق له ولا يجبر الشخص على فسخ العقد خاصة إذا لم يقع خلل في الأركان والشروط الشرعية، وإنما الخلل قد وقع من جهة اختلال رضا المشتري، حيث غبن بالثمن، والأدلة الشرعية تدل على اشتراط الرضا في صحة التصرفات كقوله -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} (سورة النساء:29) وقال -عليه السلام-: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» أخرجه أحمد، والمغبون لا يرضى بالغبن إذا علم به ولا تطيب نفسه به، مما يدل على عدم صحة هذا التصرف وثبوت الخيار للمغبون.


    وأيضا لأن الغبن إضرار بالمغبون والضرر مرفوع في الشريعة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» أخرجه ابن ماجه، مما يؤكد أن الغبن مؤثر في صحة العقود ويثبت الخيار للمغبون لمنحه فرصة لرفع الضرر إن أراد ذلك.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (26)
    - الأحكام الفقهية من قصة شعيب -عليه السلام





    د.وليد خالد الربيع




    لا نزال مع قوله -تعالى-: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (سورة الأعراف:85)

    فمن المسائل المستفادة من هذه الآية الكريمة حرمة الفساد في الأرض، قال ابن كثير: «ينهى -تعالى- عن الإفساد في الأرض، وما أضره بعد الإصلاح! فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك، كان أضر ما يكون على العباد فنهى الله -تعالى- عن ذلك».

    أثر الإفساد في الأرض

    وللإفساد أثر سيء على الأفراد والمجتمعات، قال الشيخ ابن سعدي: «{وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} بعمل المعاصي {بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} بالطاعات، فإن المعاصي تفسد الأخلاق والأعمال والأرزاق، كما قال -تعالى-: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} كما أن الطاعات تصلح بها الأخلاق، والأعمال، والأرزاق، وأحوال الدنيا والآخرة».

    اختلال يخرج الشيء عن صلاحه

    والفساد اختلال يعتري الشيء فيخرجه عن صلاحه وما هُيِّئَ له، قال ابن الجوزي: «الفساد تغير الشيء عما كان عليه من الصلاح، وقد يقال في الشيء مع قيام ذاته، ويقال فيه مع انتقاضها، ويقال إذا بطل وزال».

    والإفساد كما عرفه الكفوي بأنه: «جعل الشيء فاسدا خارجا عما ينبغي أن يكون عليه وعن كونه منتفعا به، وهو في الحقيقة: إخراج الشيء عن حالة محمودة لا لغرض صحيح».

    الفساد معنى كبير

    والفساد في الأرض معنى كبير يدخل فيه الشرك بالله -تعالى- وعبادة غيره، ويدخل فيه المعاصي والذنوب كما قال القرطبي: «وهو لفظ يعم دقيق الفساد وجليله».

    والفساد يكون في الأديان والأبدان والأعراض والعقول والأموال وغير ذلك من المصالح التي جاءت الشريعة بحفظها والدفاع عنها، ومع الأسف فإن بعض الناس يهمه ضياع الأموال وفساد الذمم، وهو بلا شك من الفساد المنهي عنه، ويتهاون فيما هو أعظم منه، وهو فساد الأديان بعبادة غير الله -تعالى- أو معصية رسوله - صلى الله عليه وسلم .

    قال ابن القيم في تفسير قوله -تعالى-: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}: «قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله لها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله، فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به ومخالفة أمره، فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسول الله هو أعظم فساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود المطاع والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلا».

    تكرر ذكره في القرآن

    و(الفساد) من المعاني التي كرر القرآن ذكرها للتحذير منها وبيان عظيم خطرها، وسلك في ذلك مسالك متنوعة، وأساليب متعددة لتقرير هذا فمن ذلك النهي الصريح عن الفساد فقال -سبحانه-: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين}، وقال: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}.

    وبين -سبحانه- أنه لا يحب الفساد ولا المفسدين فقال -سبحانه-: {والله لا يحب الفساد}، وقال -تعالى-: {إن الله لا يحب المفسدين}، وأعلمنا بأنه لا يصلح عمل المفسدين فقال -عز وجل-: {إن الله لا يصلح عمل المفسدين}، وحذرنا تعالى من الإفساد في الأرض لأنه من صفات المنافقين فقال -تعالى-:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ}.

    وبين أن الإفساد في الأرض من أخلاق الفاسقين العاصين فقال -تعالى-: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.

    من أبرز سمات اليهود

    والإفساد في الأرض من أبرز سمات اليهود كما قال -تعالى-: {وقالت اليهود يد الله مغلولة} إلى أن قال: {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين}، والإفساد في الأرض من سمة فرعون وقومه كما قال -تعالى-: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} وقال -تعالى-: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}.

    الفساد مقابل للصلاح

    وجعل الله -تعالى- الفساد والإفساد مقابلا للصلاح والإصلاح فقال -تعالى-: {وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} وقال: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ}.

    توعد المفسدين في الأرض

    وقد توعد الله المفسد في الأرض بالعقاب الأليم فقال -تعالى-:{والله يعلم المفسد من المصلح} وقال: {فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين} وقال: {وربك أعلم بالمفسدين} وهذا العلم ليس فقط هو مجرد الإدراك والإحاطة وإنما يتبعه الحساب والجزاء، وقال -سبحانه-: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ}، وقال -تعالى-: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}.

    النهي عن متابعة المفسدين

    ونهانا ربنا -تبارك وتعالى- عن متابعة المفسدين فقال: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} لما في ذلك من عصيان الرب والتعرض لعقوبته الشديدة، وتضييع مصالح العباد والتضييق عليهم بقطع السبل ومنع الخيرات والصد عن سبيل الله.

    مدح أهل الصلاح

    ومدح الله أهل الصلاح والإصلاح، وبين أنهم لا يتساوون في ميزانه مع أهل الفساد والإفساد فقال -سبحانه-: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِين َ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}.


    موقع الإفساد في الشرع المطهر

    فهذه النصوص الكثيرة في ذم الفساد في الأرض، والنهي عنه والتحذير منه، وبيان أنه ليس من هدي المؤمنين وإنما هو من عمل الكافرين واليهود والمنافقين والفاسقين، وما أعد الله للمفسدين من العقاب الأليم، تدل بوضوح على موقع الإفساد في الأرض في الشرع المطهر، وأنه مذموم مرذول قبيح مستنكر، وأن الذي يأمر به ويدعو إليه ويقوم به قد جاء بأمر عظيم ومنكر شديد.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (27)
    - الأحكام الفقهية من قصة شعيب -عليه السلام





    د.وليد خالد الربيع



    قال -تعالى-: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} (الأعراف:86)، ما زال الحديث مستمرًا حول المسائل المستفادة من قصة شعيب -عليه السلام- مع قومه واليوم نتكلم عن مسألة (حق الطريق).

    فالطريق يعد من أهم وسائل التواصل القديمة والحديثة، فمن خلاله يصل الناس إلى مقاصدهم، ويحققون منافعهم، وقد اعتنى الإسلام بالطريق عناية كبيرة، فشرع للطرقات أحكاما وآدابا تحفظ بقاءها وسلامتها، وتحقق مصالح السالكين وتدرأ عنهم المفاسد والأضرار.

    حق المرور

    وحق المرور هو حق الإنسان في الوصول إلى ملكه أو مصالحه من طريق عام أو من طريق مشترك أو من طريق خاص ثبت له فيه حق المرور، واتفق الفقهاء على أن حق المرور في الطريق العام حق لجميع الناس، لكل واحد منهم حق الانتفاع به، وليس لأحد أن يختص بشيء منه، لكن بشرط السلامة والمحافظة عليه، وعدم الإيذاء أو الإضرار للآخرين، فيمنع كل تصرف يؤذي المارة ويضيق عليهم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار».

    قوم شعيب وإيذاء الناس

    فقوم شعيب -عليه السلام- كانوا يؤذون الناس في طرقاتهم كما قال القرطبي: «نهاهم عن القعود بالطرق والصد عن الطريق الذي يؤدي إلى طاعة الله، وكانوا يوعدون العذاب من آمن. واختلف العلماء في معنى قعودهم على الطرق.

    فقال ابن عباس وغيره: كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون: إنه كذاب فلا تذهب إليه، كما كانت قريش تفعله مع النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذا ظاهر الآية، وقال أبو هريرة: هذا نهي عن قطع الطريق، وأخذ السلب وكان ذلك من فعلهم».

    العقوبة الحازمة

    ومن عناية الإسلام بالطريق أن شرع الله -سبحانه- العقوبة الحازمة لمن قطع الطريق وأخاف السبيل في قوله -تعالى-: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، قال القرطبي: «نَزَلَتْ الْآيَة فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقْطَع السَّبِيل وَيَسْعَى فِي الْأَرْض بِالْفَسَادِ».

    حق الطريق في السنة النبوية

    وفي السنة ما يؤكد أن للطريق حقا، وليس للمرء أن يخل بذلك الحق، فعن أبي سعيد الخُدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إياكم والجلوسَ في الطُّرقات»! قالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بُدٌّ، نتحدَّثُ فيها، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا أبيتم إلا الجلوس، فأعطُوا الطريق حقَّه»، قالوا: وما حقُّ الطريقِ يا رسولَ الله؟ قال: «غَضُّ البصرِ، وكَفُّ الأذى، وردُّ السلام، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكَر» مُتَّفق عليه.

    قال الشيخ ابن عثيمين: «ففي هذا الحديث يُحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين من الجلوس على الطرقات، فإن كان لابد من ذلك، فإنه يجب أن يعطى الطريق حقَّه».

    من الأحاديث الجامعة

    قال النووي: «هذا الحديث كثير الفوائد، وهو من الأحاديث الجامعة، وأحكامه ظاهرة، وينبغي أن يجتنب الجلوس في الطرقات لهذا الحديث، ويدخل في كف الأذى اجتناب الغيبة، وظن السوء، وإحقار بعض المارين، وتضييق الطريق، وكذا إذا كان القاعدون ممن يهابهم المارون، أو يخافون منهم، ويمتنعون من المرور في أشغالهم بسبب ذلك؛ لكونهم لا يجدون طريقا إلا ذلك الموضع».

    مفهوم عظيم

    وكف الأذى مفهوم عظيم، ومعنى كبير أكده الإسلام، ومع الأسف أهمله بعض المسلمين جهلا به أو تجاهلا له، وقد بين - صلى الله عليه وسلم - أن إزالة ما يتأذى منه الناس من الحسنات فقال: «عُرِضتْ عليَّ أعمال أمتي، حَسَنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يُماط عن الطريق، ووجدتُ في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد» أخرجه مسلم

    من شعب الإيمان

    وإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان العملية كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» أخرجه مسلم.

    قال النووي: «قوله: «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» أي: تنحيته وإبعاده. والمراد بالأذى كل ما يؤذي من حجر أو مدر أو شوك أو غيره».

    وعدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تنحية الأذى من جملة الصدقات التي تنفع العبد يوم القيامة فقال في حديث طويل: «وتميط الأذى عن الطريق صدقة». متفق عليه.

    النهي عن إيذاء المؤمنين

    ونهى النبي صلى الله عليه وسلم - عن إيذاء المؤمنين في طرقهم بالإيذاء الحسي أو المعنوي فقالَ: «اتّقُوا اللَّاعِنَيْنِ: الذي يَتَخَلّى في طريق النّاسِ، أو في ظِلِّهم» رواه مسلم. أي: احذروا الأمرين الجالبين للعن الناس، قال النووي: «قوله: «الذي يتخلى في طريق الناس» فمعناه يتغوط في موضع يمر به الناس وما نهى عنه في الظل والطريق لما فيه من إيذاء المسلمين بتنجيس من يمر به ونتنه واستقذاره».

    تحريم التخلي في الطريق

    وفيه تحريم التخلي في الطريق، وتحريم التخلي في الظل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعله سببا للعن.

    قال الصنعاني: «والمراد بالذي يتخلى في طريق الناس أي: يتغوط فيما يمر به الناس، فإنه يؤذيهم بنتنه واستقذاره ويؤدي إلى لعنه، فإن كان لعنه جائزا فقد تسبب إلى الدعاء عليه بإبعاده عن الرحمة، وإن كان غير جائز فقد تسبب إلى تأثيم غيره بلعنه».

    وقال الشيخ ابن عثيمين: «جواز لعن من فعل ذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن هذا محذرا من أن تقع اللعنة على الفاعل، ولا يمكن أن تقع اللعنة على الفاعل إلا إذا كان اللاعن محقا، أما غير المحق فلا يمكن أن تقع اللعنة على الملعون، وعلى هذا يجوز أن يلعن الإنسان فاعل ذلك».وقال أيضاً: «من الورع ألا يلعنه بعينه، وإنما يقول: اللهم العن من فعل كذا، لأن لعن المعين حرام»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم». أخرجه الطبراني وحسنه الألباني، قال المناوي مبينا كيفية الإيذاء: «بنحو وضع حجر أو شوك أو تغوط أو تبول».
    ومع كل هذه الأدلة التي ترغب في إماطة الأذى، وتحذر من إيذاء المؤمنين، تجد من لا يبالي بذلك ولا يرفع بذلك رأسا، فيقوم بإيذاء المسلمين بما يضعه في طرقاتهم وأسواقهم مما يؤذيهم ويُدنِّس ثيابَهم، أو بما يجرح أبدانهم، ويُعرِّضهم لما يؤلمهم كالأحجار والأخشاب والزجاج والمسامير، أو بما يُضيِّق طرقاتهم كالتراب وحَفْر الحفر بلا ضرورة، أو لضرورة ويتساهل أصحابها في إزالتها، أو بوضع حواجز للحماية منها.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (28)

    الأحكام الفقهية من قصة موسى -عليه السلام

    د.وليد خالد الربيع







    قصة موسى -عليه السلام- من القصص التي تكررت كثيرًا في القرآن الكريم، وتناولت جوانب عديدة من حياة ذلك الرسول الكريم -عليه السلام-، ومن تلك الجوانب مرحلة دعوته لفرعون وقومه للإسلام، وما قابلوه به من الكفر والإيذاء، وبعد إقامة الحجج والبراهين وإصرارهم على العناد عذبهم الله -تعالى- بأنواع من العقوبات قبل استئصالهم؛ فقال -تعالى-: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ} (سورة الأعراف:133).

    قال الشيخ ابن سعدي: «(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ) أي: الماء الكثير الذي أغرق أشجارهم وزروعهم، وأضر بهم ضررًا كثيرًا، (وَالْجَرَادَ) فأكل ثمارهم وزروعهم، ونباتهم (وَالْقُمَّلَ) قيل: إنه الدباء، أي: صغار الجراد، والظاهر أنه القمل المعروف، (وَالضَّفَادِعَ) فملأت أوعيتهم، وأقلقتهم، وآذتهم أذية شديدة، (وَالدَّمَ) إما أن يكون الرعاف، أو كما قال كثير من المفسرين، إن ماءهم الذي يشربون انقلب دما، فكانوا لا يشربون إلا دما، ولا يطبخون إلا بدم، (آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ) أي: أدلة وبينات على أنهم كانوا كاذبين ظالمين، وعلى أن ما جاء به موسى، حق وصدق فَاسْتَكْبَرُوا لما رأوا الآيات، وَكَانُوا في سابق أمرهم قَوْمًا مُجْرِمِينَ؛ فلذلك عاقبهم اللّه -تعالى-، بأن أبقاهم على الغي والضلال».
    مسائل فقهية
    واستنبط العلماء من هذه الآية الكريمة مسائل فقهية، منها:
    المسألة الأولى: حكم أكل الجراد
    الجراد بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ حشرة مَعْرُوفة، وَالْوَاحِدَةُ جَرَادَةٌ، قال ابن حجر: «وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ كَالْحَمَامَةِ، وَيُقَالُ إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْجَرْدِ لِأَنَّهُ لَا يَنْزِلُ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا جَرَّدَهُ».
    وقد أجمعت الأمة على جواز أكله في الجملة، قال القرطبي: «ولم يختلف العلماء في أكله على الجملة، وأنه إذا أخذ حيًا وقطعت رأسه أنه حلال باتفاق، وأن ذلك يتنزل منه منزلة الذكاة فيه»، ودليل الاتفاق على إباحة أكل الجراد الأحاديث الواردة في ذلك ومنها: عن ابن أبي أوفى قال: «غزونا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - سبع غزوات أو ستا، كنا نأكل معه الجراد» متفق عليه. قال النووي: «فيه إباحة الجراد، وأجمع المسلمون على إباحته»، وعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال» أخرجه ابن ماجه. ولم يفصل بين ما مات حتف أنفه أو بفعل آدمي.
    هل تشترط تذكيته؟
    واختلف الفقهاء هل يحتاج إلى سبب يموت به إذا صيد أم لا، أي: هل تشترط تذكيته؟ على مذهبين:
    - المذهب الأول: يحل مطلقا، فلا يشترط أن يموت بفعل آدمي، وهو مذهب الجمهور، قال القرطبي: «عامتهم على أنه لا يحتاج إلى ذلك، ويؤكل كيفما مات. وحكمه عندهم حكم الحيتان، وإليه ذهب ابن نافع ومطرف» من المالكية.
    ودليل الجمهور حديث ابن عمر المتقدم وهو ظاهر الدلالة على عدم اشتراط التذكية؛ لأنه عده ميتة، وهي ما مات بغير سبب كالسمك، وقد نص على حله فلا يتوقف على شيء آخر.
    - المذهب الثاني: لا يحل إلا إذا مات بسبب من الآدمي، بأن يقطع بعضه أو يسلق أو يلقى في النار، فإن مات حتف أنفه أو في وعاء لم يحل؛ لأنه عند مالك من حيوان البر فميتته محرمة، وهو المشهور عن مالك ورواية عن أحمد، قال القرطبي: «وكان الليث يكره أكل ميتة الجراد، إلا ما أخذ حيا ثم مات فإن أخذه ذكاه، وإليه ذهب سعيد بن المسيب».
    المذهب الأول أظهر
    والمذهب الأول أظهر لقوة أدلتهم وصراحتها، أما دليل المذهب الثاني فقد أجاب عنه ابن قدامة بقوله: «لأنه تباح ميتته فلم يعتبر له سبب كالسمك، ولأنه لو افتقر إلى سبب لافتقر إلى ذبح وذابح وآلة كبهيمة الأنعام».
    قال ابن حجر: «وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى حِلِّ أكل الْجَرَاد، لَكِن فصل ابن الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بَيْنَ جَرَادِ الْحِجَازِ وَجَرَادِ الْأَنْدَلُسِ فَقَالَ فِي جَرَادِ الْأَنْدَلُسِ: لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ. وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ يَضُرُّ أَكْلُهُ بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ سُمِّيَّةٌ تَخُصُّهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ جَرَادِ الْبِلَادِ تَعَيَّنَ اسْتِثْنَاؤُهُ» .
    المسألة الثانية: هل أكله النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
    ذهب بعض العلماء إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عافَهُ كما عاف الضب، لما أخرجه أبو داود من حديث سلمان قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الجراد؟ فقال: «لا آكله ولا أحرمه».
    وأجيب بأن الحديث غير ثابت، قال ابن حجر: والصواب أنه مرسل.
    ثم بين احتمال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكله فقال: «وقوله (أي ابن أبي أوفى): «نأكل معه الجراد» يحتمل أن المراد بالمعية مجرد الغزو دون ما تبعه من أكل الجراد، ويحتمل أنه يريد مع أكله، ويدل على الثاني أنه وقع في رواية أبي نعيم في الطب «ويأكل معنا».
    المسألة الثالثة
    هل يجوز أن يلقى الجراد في النار حيًا؟
    قال ابن قدامة: «سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ السَّمَكِ يُلْقَى فِي النَّارِ؟ فَقَالَ: مَا يُعْجِبُنِي، وَالْجَرَادُ أَسْهَلُ، فَإِنَّ هَذَا لَهُ دَمٌ. وَلَمْ يَكْرَهْ أَكْلَ السَّمَكِ إذَا أُلْقِيَ فِي النَّارِ، إنَّمَا كَرِهَ تَعْذِيبَهُ بِالنَّارِ، وَأَمَّا الْجَرَادُ فَسَهَّلَ فِي إلْقَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا دَمَ لَهُ، وَلِأَنَّ السَّمَكَ لَا حَاجَةَ إلَى إلْقَائِهِ فِي النَّارِ، لِإِمْكَانِ تَرْكِهِ حَتَّى يَمُوتَ بِسُرْعَةٍ، وَالْجَرَادُ لَا يَمُوتُ فِي الْحَالِ، بَلْ يَبْقَى مُدَّةً طَوِيلَةً.
    وَفِي مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ «أَنَّ كَعْبًا كَانَ مُحْرِمًا، فَمَرَّتْ بِهِ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ، فَنَسِيَ، وَأَخَذَ جَرَادَتَيْنِ، فَأَلْقَاهُمَا فِي النَّارِ، وَشَوَاهُمَا، وَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ، فَلَمْ يُنْكِرْ عُمَرُ تَرْكَهُمَا فِي النَّارِ. وَذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ الْجَرَادُ يُقْلَى لَهُ. فَقَالَ: إنَّمَا يُؤْخَذُ الْجَرَادُ فَتُقْطَعُ أَجْنِحَتُهُ، ثُمَّ يُلْقَى فِي الزَّيْتِ وَهُوَ حَيٌّ».
    المسألة الرابعة
    هل يقتل الجراد إذا أفسد؟
    قال القرطبي: «واختلف العلماء في قتل الجراد إذا حل بأرض فأفسد:
    فقيل: لا يقتل، وقال أهل الفقه كلهم: يقتل.
    احتج الأولون بأنه خلق عظيم من خلق الله يأكل من رزق الله ولا يجري عليه القلم، وبما روي لا تقتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظم.

    واحتج الجمهور بأن في تركها فساد الأموال، وقد رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتال المسلم إذا أراد أخذ ماله؛ فالجراد إذا أرادت فساد الأموال كانت أولى أن يجوز قتلها، ألا ترى أنهم قد اتفقوا على أنه يجوز قتل الحية والعقرب لأنهما يؤذيان الناس؟ فكذلك الجراد».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (29)

    الأحكام الفقهية من قصة ذهاب موسى لميقات ربه


    د.وليد خالد الربيع



    قال -تعالى-: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَ ا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} (سورة الأعراف:142)

    قال ابن سعدي: «ولما أتم اللّه نعمته عليهم بالنجاة من عدوهم، وتمكينهم في الأرض، أراد -تبارك وتعالى- أن يتم نعمته عليهم، بإنزال الكتاب الذي فيه الأحكام الشرعية، والعقائد المرضية، فواعد موسى ثلاثين ليلة، وأتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة، ليستعد موسى، ويتهيأ لوعد اللّه، ويكون لنزولها موقع كبير لديهم، وتشوق إلى إنزالها.

    ولما ذهب موسى إلى ميقات ربه، قال لهارون موصيا له على بني إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} أي: كن خليفتي فيهم، واعمل فيهم بما كنت أعمل، {وَأَصْلِحْ} أي: اتبع طريق الصلاح {وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} وهم الذين يعملون بالمعاصي».

    من المسائل الفقهية التي اشتملت عليها الآية الكريمة:

    - المسألة الأولى: مشروعية ضرب الأجل

    تعريف الأجل في اللغة:

    للأجل في اللغة إطلاقات عديدة منها الوقت المحدد كما قال ابن فارس: «الْأَجَلُ غَايَةُ الْوَقْتِ فِي مَحَلِّ الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ». وقال الراغب:» الأَجَل: المدّة المضروبة للشيء، قال -تعالى-: {لِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى} (سورة غافر: 67}، وقال -تعالى-: {أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ} (سورة القصص: 28). ويقال: دينه مُؤَجَّل، وقد أَجَّلْتُهُ: جعلت له أجلًا. ويقال للمدّة المضروبة لحياة الإنسان (أجل) فيقال: دنا أجله، عبارة عن دنوّ الموت.

    وبلوغ الأجل في قوله -تعالى-: {وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنّ َ} (سورة البقرة: 231) هو المدة المضروبة بين الطلاق وبين انقضاء العدة، وقوله -تعالى-:{فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ} سورة البقرة: 232)، إشارة إلى حين انقضاء العدّة».

    تعريف الأجل في الاصطلاح:

    عرف الفقهاء الأْجَل بأنه الْمُدَّة الْمُسْتَقْبَلَ ة الَّتِي يُضَافُ إِلَيْهَا أَمْرٌ مِنَ الأْمُورِ، سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الإْضَافَةُ أَجَلاً لِلْوَفَاءِ بِالْتِزَامٍ، أَم أَجَلاً لإِنْهَاءِ الْتِزَامٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ مُقَرَّرَةً بِالشَّرْعِ، أَوْ بِالْقَضَاءِ، أَم بِإِرَادَةِ الْمُلْتَزِمِ فَرْدًا أَوْ أَكْثَرَ.

    أنواع الأجل

    قسم الفقهاء الأجل باعتبار مصدره إلى ثلاثة أنواع:

    - أَوَّلاً: الأْجَل الشَّرْعِي: وَهُوَ الْمُدَّةُ الْمُسْتَقْبَلَ ةُ الَّتِي حَدَّدَهَا الْمُشَرِّعُ الْحَكِيمُ سَبَبًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، كَأجل وجوب الزكاة، وأجل الرضاع، ومدة الْعِدَّة، وأجل الإيلاء، ومدة تعريف اللقطة.

    - ثَانِيًا: الأْجَل الْقَضَائِي: وَهُوَ الْمُدَّةُ الْمُسْتَقْبَلَ ةُ الَّتِي يُحَدِّدُهَا الْقَضَاءُ أَجَلاً لأِمْرٍ مِنَ الأْمُورِ كَإِحْضَارِ الْخَصْمِ، أَوِ الْبَيِّنَةِ. أو المكفول به.

    - ثَالِثًا: الأْجَل الاِتِّفَاقِي: وَهُوَ الْمُدَّةُ الْمُسْتَقْبَلَ ةُ الَّتِي يُحَدِّدُهَا الْمُلْتَزِمُ مَوْعِدًا لِلْوَفَاءِ بِالْتِزَامِهِ كقول البائع بعتك على أن تسلمني الثمن في أول الشهر المقبل، أَوْ لإِنْهَاءِ تَنْفِيذِ هَذَا الاِلْتِزَامِ مثل أن ينص في عقد الشركة على أنها تنتهي بعد عشر سنوات، أو تحدد مدة الإجارة بشهر مثلا.

    وينقسم الأجل مِنْ حَيْثُ ضَبْطه وَتَحْدِيده إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَأَجَلٍ مَجْهُولٍ. والعلم بالأْجَلِ لَهَ أَثَرٌ في صِحَّةِ بعض الْعَقْودِ، لِمَا تُورِثُهُ الْجَهَالَةُ مِنَ الْغَرَرِ، ولذلك تفصيل يطول ذكره.

    حكم ضرب الأجل

    فمما يستفاد من هذه الآية مشروعية تحديد الأجل في بعض التصرفات بحسب ما يتفق عليه العاقدان كما في الأثمان المؤجلة ومدة الإجارة ومدة القرض والإعارة ونحو ذلك، قال القرطبي: «دلت هذه الآية على أن ضرب الأجل للمواعدة سنة ماضية، ومعنى قديم أسسه الله -تعالى- في القضايا، وحكم به للأمم، وعرفهم به مقادير التأني في الأعمال.

    وأول أجل ضربه الله -تعالى- الأيام الستة التي خلق فيها جميع المخلوقات {ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب}».

    وقد دل على مشروعية تحديد الأجل لبعض التصرفات أدلة شرعية منها قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}، فهذه الآية تدل على جواز الاستدانة إلى أجل، ويشترط أن يكون الأجل معلوما.

    قال القرطبي: «قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي السَّلَمِ خَاصَّةً. مَعْنَاهُ أَنَّ سَلَمَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَانَ سَبَبَ الْآيَةِ، ثم هي تتناول جميع المدائنات إجماعا».

    وعن عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اشْتَرَى طَعَامًا مِن يَهُودِيٍّ إلى أجَلٍ، ورَهَنَهُ دِرْعًا مِن حَدِيدٍ. متفق عليه.

    قال ابن حجر: «وَجَوَازُ الشِّرَاءِ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ»، مما يدل على جواز تأجيل الديون إلى أجل معلوم».

    وأنواع الأجال المحددة شرعا في العبادات وغيرها كما تقدم تدل على مشروعية ضرب الأجل في الجملة.

    أثر الأجل في إسقاط المطالبة في الحال

    شرع تأجيل الديون والمطالبة ببعض الحقوق للرفق بالمكلفين؛ حيث إن حلول الديون وعدم تأجيلها لا يحقق المطلوب، وقد يشق على المدين، فشرع الأجل رفقا به، فالأجل حق للمدين، فلا يطالب بما في ذمته قبل حلول الأجل.

    فمن باع سلعة إلى شهر بثمن مؤجل فليس للبائع مطالبة المشتري بالثمن قبل مضي الشهر وحلول الأجل؛ لأن التأجيل بمنزلة الإسقاط؛ فحق البائع أن يحبس السلعة حتى يستلم الثمن، فلما رضي بالتأجيل مدة معينة أسقط حقه بالمطالبة في الحال، فلا حق له في المطالبة إلا عند حلول الأجل، ومثله تأجيل الزوجة استلام مهرها من زوجها مدة معينة، فلا حق لها في المطالبة بدفع المهر قبل هذه المدة، وليس لها أن تمنع زوجها من قربانها لأنها أسقطت ذلك الحق بالرضا بتأجيل المهر.

    وعند حلول الأجل وتعذر الأداء فيشرع إمهال المدين إذا طلب زيادة في الأجل لحديث عبادة بن الصامت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن أنظر معسِرًا، أو وضع عنه، أظلَّه الله في ظلِّه». أخرجه مسلم

    عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ»، قَالَ: ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ»، قُلْتُ: سَمِعْتُكَ يَا رَسُولَ اللهِ تَقُولُ: مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ سَمِعْتُكَ تَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ، قَالَ: «لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَاه صَدَقَةٌ». أخرجه أحمد وصححه الألباني.
    قال ابن العربي: فإذا ضرب الأجل لمعنى يحاول فيه تحصيل المؤجل فجاء الأجل ولم يتيسر زيد فيه تبصرة ومعذرة. وقد بين الله -تعالى- ذلك لموسى -عليه السلام- فضرب له أجلا ثلاثين ثم زاده عشرا تتمة أربعين».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (30)
    - من قصة موسى وأخيه هارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام



    د.وليد خالد الربيع







    لا نزال مع قوله -تعالى-: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَ ا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} (سورة الأعراف:142)

    فمن المسائل المستفادة من هذه الآية الكريمة (مشروعية الاستنابة) في قضاء المصالح الدينية والدنيوية، قال القرطبي: «المعنى: وقال موسى حين أراد المضي للمناجاة والمغيب فيها لأخيه هارون: كن خليفتي؛ فدل على النيابة».

    أولاً: تعريف النيابة:

    أصل النيابة في اللغة: الرجوع والاعتياد، ومنه: ناب إلى الله وأناب إليه: الرجوع إليه بالتوبة ولزوم طاعته وفي التنزيل: {فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب}، وقوله -سبحانه-: {وأنيبوا إلى ربكم}، وفي الحديث: «وإليك أنبت».

    ومن معاني النيابة: إقامة الشخص مقام غيره قال ابن منظور: «ناب عني فلان ينوب نوبا ومنابا أي قام مقامي».

    أما تعريف النيابة في الاصطلاح: فقد عرفها الفقهاء بأنها: قيام شخص عن غيره بفعل أمر تجوز فيه النيابة.

    وتتنوع النيابة عن الآخَر بحسب مصدرها إلى نوعين؛ نيابة إرادية، ونيابة غير إرادية.

    القسم الأول: النيابة الإرادية:

    هي النيابة التي تستند إلى إقامة شخص بإرادته غيره مقامه في تصرف ما، مثل: عقد الوكالة ونحوها من العقود التي تتضمن معنى الوكالة.

    القسم الثاني: النيابة غير الإرادية:

    وهي النيابة التي لا دخل فيها لإرادة الإنسان، بل تفرض عليه لمصلحة الأصيل أحيانا، ولمصلحة غيره أحيانا أخرى، وقد تكون النيابة دون تدخل أحد كما في الولاية، وقد تكون عن طريق القضاء، وهذا القسم أنواع، منها:

    1- نيابة الولي:

    الولي يشمل الأب والجد ونحوهما من الأولياء بحسب الترتيب الشرعي، وولاية كل منهما أصلية، أي لم تستمد من شخص آخر بل من الشارع مباشرة، وهي ذاتية لا يصح أن يعفي نفسه منه إلا لأسباب معينة يرجع تقديرها إلى القاضي.

    2- نيابة الوصي المختار:

    خَوَّلَ الشرع الولي أن يختار وصيا من بعده يقوم برعاية الصغير؛ لأنه أدرى بمصلحته وأشفق عليه من غيره، وتعد تصرفات الوصي المختار نافذة أيضا في حق الموصى عليه إذا كانت وفق قواعد الوصاية، وتعد النيابة هنا شرعية؛ لأن الشارع هو الذي نظمها وأعطى الوصي تلك الصلاحية.

    3- النيابة القضائية:

    وتثبت للقاضي أو من ينيبه؛ إذ من حق القاضي أن ينوب عن الصغير ونحوه إذا لم يكن له ولي ولا وصي مختار، فهو ولي من لا ولي له لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «السلطان ولي من لا ولي له «أخرجه ابن ماجه.

    4- نيابة الفضولي:

    الفضولي هو من يتصرف في حق غيره بغير إذن شرعي، وتصرفه عند الجمهور موقوف على إجازة من له الحق، فإن أجازه عدّ تصرفه تصرف الوكيل، ومن ثم يأخذ أحكام الوكالة وهي (نيابة إرادية)، ولكن قد تكون أعمال الفضولي ملزمة للأصيل فتدخل في النيابة غير الإرادية لأنها تفرض عليه، كما لو أدى عن غيره واجبا بغير إذنه ولم يكن متبرعا، كما لو أنفق على زوجة الأصيل عند امتناعه أو غيبته أو أنفق على اللقطة أو أدى دينا عنه فإنه يرجع على الأصيل.

    وكذلك تصرف الرفقة في السفر إذا مات أحدهم فباعوا متاعه ليجهزوه بثمنه، ويردوا الباقي للورثة فإن التصرف يلزم الورثة ولا يستطيعون رده.

    وفي هذه الآية الكريمة وكل موسى -عليه السلام- هارون -عليه السلام- في القيام على بني إسرائيل، مما يدل على مشروعية الوكالة، قال ابن عطية: «قوله: {واخْلُفْنِي} معناه: كن خليفتي، وهذا استخلاف في حياة كالوكالة التي تنقضي بعزل الموكل أو موته».

    فالوكالة من أنواع النيابة الإرادية كما تقدم، وهي كما عرفها الفقهاء: بأنها تفويض شخص ما له فعله مما يقبل النيابة إلى غيره ليفعله في حياته.

    والوكالة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع:

    أما الكتاب فقول الله -تعالى-: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} (سورة التوبة:60)

    قال ابن قدامة: «فجوز العمل عليها، وذلك بحكم النيابة عن المستحقين».

    وأيضا قوله -تعالى-: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ} (سورة الكهف:19) قال القرطبي: «في هذه البعثة بالورق دليل على الوكالة وصحتها».

    وأما السنة المطهرة: فعن عروة بن أبي الجعد البارقي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاه دينارا ليشتري به له شاة، فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه. أخرجه البخاري.

    وعن جابر قال: أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقلت له: إني أردت الخروج إلى خيبر. فقال: «ائت وكيلي، فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك آية، فضع يدك على ترقوته». أخرجه أبو داود.

    وفي السنة المطهرة أمثلة كثيرة على توكيل النبي - صلى الله عليه وسلم - لكثير من الصحابة في أمور كثيرة، مثل توكيل علي بن أبي طالب في ذبح الهدي، وكذلك توكيل ابن أم مكتوم في الإمامة، وأيضاً وكَّل أبا هريرة على صدقة رمضان، وجاء في الصحيحين أنه قال: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها»، فوكَّل أنيساً في تسجيل الاعتراف وفي إقامة الحد.

    وكذلك وكَّل - صلى الله عليه وسلم - أبا رافع في نكاح ميمونة، وكذلك ورد أنه وكَّل عمرو بن أمية الضمري -رضي الله عنهم- جميعاً في نكاح أم حبيبة.


    وأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ فإنه لا يمكن كل واحد فعل ما يحتاج إليه، فدعت الحاجة إليها، فأجاز له الشرع أن يستنيب غيره في ذلك، فإذا وكل شخص غيره وكالة صحيحة ترتب على ذلك ثبوت ولاية التصرف للوكيل فيما وكل فيه، فيحتاج إلى بيان ما يملكه الوكيل من التصرف بموجب التوكيل بعد صحته وما لا يملكه.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (31)
    - الأحكام الفقهية المستنبطة من قصة موسى مع قومه


    د.وليد خالد الربيع







    قال -سبحانه-: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (الأعراف:150).

    قال ابن كثير: «يخبر -تعالى- أن موسى -عليه السلام- رجع إلى قومه من مناجاة ربه -تعالى- وهو غضبان أسف.قال أبو الدرداء «الأسف»: أشد الغضب {قال بئسما خلفتموني من بعدي} يقول: بئس ما صنعتم في عبادتكم العجل بعد أن ذهبت وتركتكم.وقوله: {وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه} ثم ظاهر السياق أنه إنما ألقى الألواح غضبا على قومه، وهذا قول جمهور العلماء سلفا وخلفا».

    المستفاد من الآية

    وهذه الآية الكريمة يستفاد منها مسائل فقهية عدة منها:

    المسألة الأولى: تأثير الغضب في صحة التصرفات:

    الغضب غريزة إنسانية، فهو تغيّر يحصل عند فوران دم القلب ليحصل عنه التشفي وطلب الانتقام، فالإنسان يغضب عندما يستثار، فتقوم الخصومات، وتندلع المضاربات، بل قد يصل الأمر إلى ارتكاب أبشع الجرائم بسبب سَوْرة الغضب وحدة الطبع.

    والشرع المطهر يحثنا على الحلم وضبط النفس، وعدم الاسترسال مع الغضب وآثاره الخطيرة، لئلا يقع الإنسان فيما لا تحمد عقباه، ويندم؛ حيث لا ينفع الندم.

    فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» متفق عليه. وقال النووي شارحا الحديث: «تعتقدون أن الصرعة: الممدوح القوي الفاضل هو القوي الذي لا يصرعه الرجال بل يصرعهم، وليس هو كذلك شرعا، بل هو من يملك نفسه عند الغضب، فهذا هو الفاضل الممدوح الذي قل من يقدر على التخلق بخلقه ومشاركته في فضيلته بخلاف الأول، وفيه كظم الغيظ، وإمساك النفس عند الغضب عن الانتصار والمخاصمة والمنازعة».

    ولهذا تكررت الوصية منه - صلى الله عليه وسلم - بعدم الغضب، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رجلا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أوصني قال: «لا تغضب» فردد مرارا قال: «لا تغضب» أخرجه البخاري.

    قال ابن حجر: «قال الخطابي معنى قوله: «لا تغضب» اجتنب أسباب الغضب ولا تتعرض لما يجلبه، وأما نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه لأنه أمر طبيعي لا يزول من الجبلة. وقيل: معناه لا تفعل ما يأمرك به الغضب».

    والغضب لا يؤثر في أهلية المكلف ولا يسقط تبعة أفعاله، قال عامة الفقهاء: والغضبان مكلف حال غضبه بما يصدر منه من كفر وقتل نفس وأخذ مال بغير حق، وغير ذلك.

    نذر اللجاج والغضب

    ومن الأفعال التي تقع تحت تأثير الغضب نَذرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ: وَهُوَ الَّذِي يُخْرِجُهُ الناذر مَخْرَجَ الْيَمِينِ، لِيحَثِّ نفسه أو غيره عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ الْمَنْعِ مِنْهُ، غَيْرَ قَاصِدٍ بِهِ لِلنَّذرِ، وَلا الْقُرْبَةِ، كأن يقول: إن فعلت كذا فعليّ صوم أو حج أو صدقة.

    فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ فيخير بين ما التزمه أو كفارة اليمين، ودليل ذلك ما ثبت عن الصحابة الكرام: فعن عائشة أنها سئلت عن رجل جعل كل مال له في رتاج الكعبة، في شيء كان بينه وبين عمة له، قالت عائشة: «يكفره ما يكفر اليمين».

    وعن ابن عباس قيل له: ما تقول في امرأة جعلت بردها عليها هدياً إن لبسته؟ فقال ابن عباس: في غضب أم في رضا؟ قالوا: في غضب قال: «إن الله -تعالى- لا يـُتـقرَّب إليه بالغضب، لتكفر عن يمينها». ومثله عن عمر وابن عمر وغيرهم، ووجه الدلالة أن الصحابة سموا نذر اللجاج والغضب (يميناً)؛ لما فيه من معنى اليمين، ثم أوجبوا فيه كفارة اليمين.

    الطلاق

    ومن الأفعال الكثيرة التي تقع تحت تأثير الغضب الطلاق، وقد ذكر ابن القيم للغضب ثلاثة أقسام:

    - أحدها: ما يزيل العقل فلا يشعر صاحبه بما قال، وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع.

    - الثاني: ما يكون في مبادئه؛ بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصد، فهذا يقع طلاقه.

    - الثالث: أن يستحكم ويشتد به فلا يزيل عقله بالكلية ولكن يحول بينه وبين نيته؛ بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال، فهذا محل نظر، وقد اختلف الفقهاء في وقوع طلاق الغضبان في هذه الحالة على مذهبين:

    المذهب الأول: يقع طلاق الغضبان

    وقال به الجمهور؛ لأن المطلق مكلف لم يزل عقله بالغضب فقوله معتبر ويقع أثره، وحملوا حديث: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» أخرجه أحمد وأبو داود وحسنه الألباني على الإكراه، فقالوا: لا يقع طلاق المكره، ويقع طلاق الغضبان.

    - قال ابن رجب: «وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغَضْبَانَ مُكَلَّفٌ فِي حَالِ غَضَبِهِ بِالسُّكُوتِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مُؤَاخَذًا بِالْكَلَامِ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ أَمَرَ مَنْ غَضِبَ أَنْ يَتَلَافَى غَضَبَهُ بِمَا يُسَكِّنُهُ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ التَّكْلِيفِ لَهُ بِقَطْعِ الْغَضَبِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فِي حَالِ غَضَبِهِ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُ؟».

    ولأن طلاق الناس غالبا إنما يكون في حال الغضب، ولو جاز عدم وقوع طلاق الغضبان لكان لكل أحد أن يقول فيما جناه: كنت غضبان فلا يقع طلاق البتة.

    المذهب الثاني: لا يقع طلاق الغضبان

    وهو قول الإمام أحمد والشافعي والبخاري وابن تيمية وابن القيم والشيخ ابن باز وابن عثيمين وغيرهم، وقد انتصر له ابن القيم في رسالته (إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان) واستدل له بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ومقتضى القياس الصحيح وأصول الشريعة. فمما استدل به:

    1- قوله -تعالى-: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا...الآية}، قال ابن القيم: «أن موسى لم يكن ليلقي ألواحا كتبها الله -تعالى- وفيها كلامه من على رأسه إلى الأرض فيكسرها اختيارا لذلك، وإنما حمله على ذلك الغضب فعذره الله -سبحانه- ولم يعتب عليه بما فعله».

    2- حديث عائشة مرفوعا: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق»، قال أبو داود: «والإغلاق أظنه الغضب» ونقل الخلال عن الإمام أحمد أن الإغلاق يعني الغضب، قال ابن القيم: وقد فسره الشافعي بالغضب.

    3- وما ثبت في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» ولولا أن الغضب يؤثر في قصده وعلمه لم ينهه عن الحكم حال الغضب.


    قال الشيخ ابن عثيمين: «فالقول بعدم وقوع طلاق الغضبان نظرياً هو القول الراجح، لكن عملياً وتربوياً هل نقول بالفتوى به، أو نمنع الفتوى به إلا في حالات معينة نعرف فيها صدق الزوج؟ الثاني؛ لأننا لو أطلقنا القول بأن طلاق الغضبان لا يقع لَكَثُرَ من يقول: أنا غضبت وطلقت، وهو لا يفرق بين الدرجة الأولى والدرجة الثانية فيقع التلاعب، ولهذا فإطلاق الفتوى بعدم وقوع الطلاق من الغضبان يؤدي إلى أن يتتابع الناس في الطلاق».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (32)
    - الأحكام المستفادة من خلق الإنسان من نفس واحدة

    د.وليد خالد الربيع







    قال -تعالى-: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (سورة الأعراف: 189)، يذكر الله -تعالى- نعمته على عباده؛ حيث أنشأهم من نفس واحدة، والمقصود آدم -عليه السلام- وخلق زوجه حواء -عليها السلام- منه، ثم جاءت ذريتهما وفق ما سنه الله -تعالى- لتكاثر البشر عن طريق الاتصال بين الرجل والمرأة وما يتبع ذلك من حمل وولادة، وقد امتن الله -سبحانه- على عباده بهذا الأمر في مواضع كثيرة منها قوله -سبحانه-: {واللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} (سورة النحل: 72).

    قوله -تعالى-: {حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا} قال الشيخ ابن سعدي: «وذلك في ابتداء الحمل، لا تحس به الأنثى، ولا يثقلها. {فَلَمَّا} استمرت به و{أَثْقَلَتْ} به حين كبر في بطنها، فحينئذ صار في قلوبهما الشفقة على الولد، وعلى خروجه حيا، صحيحا، سالما لا آفة فيه كذلك فـ {دعوا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا} ولدا {صَالِحًا} أي: صالح الخلقة تامها، لا نقص فيه {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}».

    أثر الحمل في تصرفات الحامل

    فمن المسائل الفقهية المستفادة من الآية مسألة: أثر الحمل في تصرفات الحامل: قال القرطبي: «دلت الآية على أن الحمل مرض من الأمراض. روى ابن القاسم ويحيى عن مالك قال: «أول الحمل يسر وسرور، وآخره مرض من الأمراض». وهذا الذي قاله مالك: «إنه مرض من الأمراض» يعطيه ظاهر قوله: {دعوا الله ربهما}، وهذه الحالة مشاهدة في الحمال، ولأجل عظم الأمر وشدة الخطب جعل موتها شهادة، كما ورد في الحديث».

    من الشهيد من أمتي؟

    يشير -رحمه الله- إلى حديث راشد بن حبيش أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على عبادة بن الصامت في مرضه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أتعلمون من الشهيد من أمتي؟ وذكر منهم: «والنفساء يجرها ولدها بسرره إلى الجنة» والسرر: ما تقطعه القابلة من المولود، والحديث أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح.

    وقد اختلف الفقهاء في تأثير الحمل في تبرعات الحامل المالية، وقبل ذكر ذلك لابد من بيان أمرين:

    - الأمر الأول: تأثير الحمل على الأهلية: والأهلية: صفة يقدرها الشارع في الشخص تجعله صالحا لأن تثبت له الحقوق، وتثبت عليه الواجبات، وتصح منه التصرفات، وهي نوعان:

    النوع الأول: أهلية الوجوب

    وهي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له وعليه شرعاَ. وتثبت بمجرد ثبوت الحياة، فلا علاقة لها بالسن ولا العقل أو الرشد، بل كل إنسان حي يتمتع بأهلية الوجوب.

    النوع الثاني: أهلية الأداء

    وهي صلاحية الشخص لصدور التصرفات منه على وجه يعتد به شرعا، وهذا يعني أن أهلية الأداء تجعل الشخص أهلا للمعاملة بين الناس، ومناطها العقل، فتثبت للبالغ العاقل أهلية أداء كاملة، وتثبت للصبي المميز أهلية أداء ناقصة، والحامل العاقلة لها أهلية كاملة؛ لأنها تتمتع بالحياة، ولم يعرض لها ما ينقص أهليتها أو يزيلها.

    الأمر الثاني: تأثير مرض الموت في التبرعات

    - مرض الموت: هو المرض الذي يقعد من أصيب به عن القيام بمصالحه، ويكون مخوفا أي: يغلب الموت منه، ويموت مريض مرض الموت به. فلو تعافى الإنسان منه أو ابتلي به ولم يمت فليس مرض موت.

    وألحق الفقهاء بمرض الموت كل شخص أشرف على مخاطر جسيمة يغلب فيها الهلاك، كالمحكوم عليه بالإعدام، والمشرف على الغرق، والمرأة الحامل قريبة الولادة وغيرهم.

    ومرض الموت يؤثر في صحة التبرعات، فعند عامة الفقهاء يجوز الحجر على مريض مرض الموت في تبرعاته لحق الورثة بما زاد عن ثلث ماله، والتبرعات تشمل الهبة والوصية والوقف والإبراء من الدين ونحوها.

    ودليلهم حديث عمران بن حصين «أن رجلا أعتق ستة أعبد عند موته، ولم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له قولا شديدا، ثم دعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة» أخرجه مسلم فرد النبي - صلى الله عليه وسلم - تبرعه بما زاد عن الثلث.

    وقد اتفق الفقهاء على أن الحمل قبل مرور ستة أشهر لا يؤثر في الأهلية، ولا تبرعات الحامل؛ لعدم وجود خطر الموت عليها، وأما بعد مرور ستة أشهر على الحمل فاختلف الفقهاء في منع تبرع الحامل فيما زاد على الثلث على مذاهب:

    المذهب الأول: عطيتها كعطية الصحيح

    وقال به الْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ: عَطِيَّتُهَا كَعَطِيَّةِ الصَّحِيحِ أي: لا يحجر على الحامل مطلقا، وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ سَلَامَتُهَا، فلا تقيد تبرعاتها بغير موجب.

    المذهب الثاني:الحمل لايؤثر في التبرعات

    وقال به النَّخَعِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِي ُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُ ّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وهو قول الجمهور أن الحامل بعد ستة أشهر إذا لم يأتها الطلق -وهو وجع الولادة- فلا يؤثر الحمل في التبرعات، أما في حالة الطلق بعد ستة أشهر فتعد الحامل كمريض مرض الموت فيحجر عليها فيما زاد على الثلث.

    ودليلهم: كما قال ابن قدامة: «أَنَّهَا إذَا ضَرَبَهَا الطَّلْقُ، كَانَ مَخُوفًا؛ لِأَنَّهُ أَلَمٌ شَدِيدٌ يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ، فَأَشْبَهَتْ صَاحِبَ سَائِرِ الْأَمْرَاضِ الْمَخُوفَةِ. وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَا أَلَمَ بِهَا، وَاحْتِمَالُ وُجُودِهِ خِلَافُ الْعَادَةِ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِاحْتِمَالِهِ الْبَعِيدِ مَعَ عَدَمِهِ، كَالصَّحِيحِ». ومرادهم بأن الحمل عادة والغالب فيه السلامة.

    المذهب الثالث: تبرع الحامل من الثلث

    وقال به سعيد بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ وهو مذهب المالكية وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها الخرقي إلى أن تبرع الحامل بعد ستة أشهر ولو لم يضربها الطلق يكون من الثلث فقط ويحجر عليها فيما زاد على الثلث.

    ودليلهم: أَنَّ سِتَّةَ الْأَشْهُرِ وَقْتٌ يُمْكِنُ الْوِلَادَةُ فِيهِ، وَهِيَ مِنْ أَسْبَابِ التَّلَفِ. فتقام المظنة مقام السبب الفعلي.

    قال القرطبي مستدلا بالآية المذكورة: وإذا ثبت هذا من ظاهر الآية فحال الحامل حال المريض في أفعاله، ولا خلاف بين علماء الأمصار أن فعل المريض فيما يهب ويحابي في ثلثه.

    ونوقش هذا الاستدلال: بأن احتمال الموت وارد لكنه قليل، ومثل هذا الاحتمال القليل لا يسوغ الحجر على المرأة البالغة العاقلة الحرة الرشيدة، قَالَ الْمَازِرِيُّ وهو من فقهاء المالكية في تعقب دليل المالكية: «مُسْتَنَدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْعَوَائِدُ، وَالْهَلَاكُ مِنْ الْحَمْلِ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ، لَوْ بَحَثْتَ عَنْ مَدِينَةٍ مِنْ الْمَدَائِنِ لَوَجَدْتَ أُمَّهَاتِ أَهْلِهَا إمَّا أَحْيَاءً وَإِمَّا أَمْوَاتًا مِنْ غَيْرِ نِفَاسٍ، وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ لَمْ تَخْرُجْ بِهِ الْمَرْأَةُ إلَى أَحْكَامِ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ وَهَذَا مُخْتَارُنَا»، وبهذا يظهر رجحان مذهب الجمهور، والله أعلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (33)
    - الأحكام الفقهية من قصة موسى -عليه السلام- مع بني إسرائيل


    د.وليد خالد الربيع






    لا نزال مع المسائل الفقهية المستفادة من قوله -تعالى-: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (سورة الأعراف: 150)، ومعنى الآية كما قال الشيخ ابن سعدي: «أي: فلا تظن بي تقصيرا فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ بنهرك لي، ومسك إياي بسوء، فإن الأعداء حريصون على أن يجدوا عليَّ عثرة، أو يطلعوا لي على زلة، وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فتعاملني معاملتهم».

    قال ابن عاشور: «وَالتَّفْرِيعُ فِي قَوْلِهِ: {فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} تَفْرِيعٌ عَلَى تَبَيُّنِ عُذْرِهِ فِي إِقْرَارِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنْ أَخِيهِ الْكَفَّ عَنْ عِقَابِهِ الَّذِي يَشْمَتُ بِهِ الْأَعْدَاءُ لِأَجْلِهِ، وَيَجْعَلُهُ مَعَ عِدَادِ الظَّالِمِينَ فَطَلَبُ ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ طَلَبِ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْعِقَابِ»، فهذا الجزء من الآية الكريمة يدل على منع الشماتة بالمسلم ابتداء وتسببا؛ بأن يفعل ما يلحق الشماتة بالمسلم.

    وقبل بيان حكم الشماتة لابد من تعريفها:

    قال القرطبي: «الشماتة: هي السرور بما يصيب أخاك من المصائب في الدين والدنيا».

    قال ابن عاشور: «وَالشَّمَاتَةُ : سُرُورُ النَّفْسِ بِمَا يُصِيبُ غَيْرَهَا مِنَ الْأَضْرَارِ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ».

    حكم الشماتة

    قال القرطبي: «وهي محرمة منهي عنها»، وقد دل على هذا الحكم أدلة صريحة، وأخرى تضمنت النهي عن الشماتة دلالة، ومن ذلك النهي عن إيذاء المؤمنين، والنهي عن السخرية منهم، والتحذير من مشابهة المنافقين في فرحهم بمصائب المسلمين وما يلحقهم من محن وابتلاءات.

    فمن الأدلة على حرمة الشماتة قول الله -تعالى-: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا{(سورة الأحزاب: 58)، قال القرطبي: «أذية المؤمنين والمؤمنات بالأفعال والأقوال القبيحة، كالبهتان والتكذيب الفاحش المختلق. وقد قيل: إن من الأذية تعييره بحسب مذموم، أو حرفة مذمومة، أو شيء يثقل عليه إذا سمعه؛ لأن أذاه في الجملة حرام «.باختصار، ولا شك أن إظهار الفرح بما يصيب المسلم من المكروه والمصائب من الإيذاء والإساءة المحرمة التي تندرج تحت دلالة الآية الكريمة.


    وقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ} (سورة الحجرات: 11).

    عبارات المفسرين في بيان السخرية

    وقد تنوعت عبارات المفسرين في بيان السخرية المنهي عنها في الآية الكريمة، ومن ذلك قول ابن زيد أن السخرية المحرمة التي تتضمن معنى الشماتة فقال: «لا يسخر من ستر الله عليه ذنوبه ممن كشفه الله، فلعل إظهار ذنوبه في الدنيا خير له في الآخرة».

    قال الطبري: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله عمّ بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض جميع معاني السخرية، فلا يحلّ لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره، ولا لذنب ركبه، ولا لغير ذلك»، وهذا كما لا يخفى يتناول الشماتة بالمسلم والفرح بمصابه وذنبه.

    صفات المنافقين

    وقال -سبحانه- في شأن المنافقين وعداوتهم للمؤمنين: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (سورة آل عمران: 120)، قال القرطبي: «والمعنى في الآية: أن من كانت من صفته شدة العداوة والحقد والفرح بنزول الشدائد على المؤمنين، لم يكن أهلا لأن يتخذ بطانة».

    قال قتادة: «فإذا رأوا من أهل الإسلام ألفة وجماعة وظهورًا على عدوهم، غاظهم ذلك وساءهم، وإذا رأوا من أهل الإسلام فُرقة واختلافًا، أو أصيب طرف من أطراف المسلمين، سرَّهم ذلك وأعجبوا به وابتهجوا به».

    والله -تعالى- يحكي أخلاق المنافقين وأحوالهم للعلم بها والحذر من الاتصاف بها، فالشماتة بالمسلم كما دلت هذه الآية من أخلاق المنافقين والمسلم يربأ بنفسه عنها.

    النهي عن الشماتة

    ومن الأدلة الصريحة في هذا الباب حديث واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تظهر الشّماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك» أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب، وقال محقق جامع الأصول: «حديث حسن بشواهده». وذكره المنذري في الترغيب ووافق الترمذي في تحسينه.

    بيّـن في تحفة الأحوذي أن الحديث من باب العقوبة لمن تعالى على أخيه المسلم فقال: «والمعنى يرحمه رغما لأنفك (ويبتليك) حيث زكيت نفسك ورفعت منزلتك عليه، ونحوه قوله - صلى الله عليه وسلم - في قول من قال لصاحبه» والله لا يغفر الله لك أبدا: «فقال الله -تعالى- للمذنب: ادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: تستطيع أن تحظر عن عبدي رحمتي «الحديث».

    الشماتة أمر سيء

    ومما يدل أن الشماتة أمر سيء تعوذ النبي - صلى الله عليه وسلم - منها فقد روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ من سوء القضاء، ومن درك الشقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء، وفي رواية للبخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تَعَوَّذُوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء»، فقوله: «وشماتة الأعداء»: أي: نعوذ بك من أن تلحقنا مصيبة في ديننا أو دنيانا يفرح بها أعداؤنا، قال ابن بطال مبينا أن الشماتة مؤذية: «وشماتة الأعداء ما ينكأ القلب ويبلغ من النفس أشد مبلغ».

    مفهوم الأعداء

    قال الشيخ ابن عثيمين: «الأعداء جمع عدو، وقد ذكر الفقهاء ضابطا للعدو فقالوا: من سره ما ساء في شخص، أو غمه فرحه فهو عدوه، كل إنسان يسره ما ساءك، أو يغمه فرحك فهو عدو لك، وشماتة الأعداء: أن الأعداء يفرحون بما أصابك، والعدو لا شك أنه يفرح في كل ما أصاب الإنسان من بلاء، ويحزن في كل ما أصابه من خير، فأنت تستعيذ بالله -عز وجل- من شماتة الأعداء».

    قال ابن بطال: «وإنما تعوذ النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك تعليما لأمته فإن الله -تعالى- كان آمنه من جميع ذلك وبذلك جزم عياض».

    وجاء في حديث أبي جري جابر بن سليم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصاه فقال: «وإن امرؤ شتمك وعيّـرك بما يعلم فيك فلا تعيّره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه». رواه أبو داود والترمذي، وقال في عون المعبود: «(فَلَا تُعَيِّرْهُ) مِنَ التَّعْيِيرِ وَهُوَ التَّوْبِيخُ وَالتَّعْيِيبُ عَلَى ذَنْبٍ سَبَقَ لِأَحَدٍ مِنْ قَدِيمِ الْعَهْدِ سَوَاءً عَلِمَ تَوْبَتَهُ مِنْهُ أَمْ لَا». وهذا مما يؤيد الحكم المذكور وهو حرمة الشماتة بالمسلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (34)
    - الأحكام الفقهية من قصة موسى -عليه السلام- مع قومه


    د.وليد خالد الربيع






    لا نزال مع المسائل الفقهية المستفادة من قوله -تعالى-: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (سورة الأعراف: 150)

    المسألة الثانية: الاستطاعة شرط للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

    قال القرطبي: «فدلت الآية على أن لمن خشي القتل على نفسه عند تغيير المنكر أن يسكت».

    وبيان ذلك أن الله -تعالى- أخبر أن موسى -عليه السلام- لما رجع من مناجاة ربه، فوجد قومه قد تركوا أعظم واجب وهو توحيد الله -تعالى-، ووقعوا في أعظم ذنب وهو الشرك بالله بعبادتهم العجل، فغضب أشد الغضب، وأخذ برأس أخيه خشية أن يكون قد قصر في الإنكار عليهم، فلما أخبره بما صنع وما ردوا عليه كما أخبر -تعالى- في سورة طه: {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} (سورة طه: 92 - 94) وقال هاهنا: {قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} قال ابن كثير: «أي: لا تسقني مساقهم، ولا تخلطني معهم. وإنما قال: (ابن أم) لتكون أرأف وأنجع عنده، وإلا فهو شقيقه لأبيه وأمه. فلما تحقق موسى -عليه السلام- من براءة ساحة هارون -عليه السلام- كما قال -تعالى-: {ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري} فعند ذلك قال موسى: {رب اغفر لي ولأخي}».

    فهارون -عليه السلام- أنكر عليهم عبادة العجل لكنه لم يغير ذلك بيده لما خشيه من جرأتهم عليه وقتله، قال الشوكاني: «فَقَالَ هَارُونُ مُعْتَذِرًا مِنْهُ: {ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي} أَيْ: إِنِّي لَمْ أُطِقْ تَغْيِيرَ مَا فَعَلُوهُ لِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ: اسْتِضْعَافُهُم ْ لِي، وَمُقَارَبَتُهُ مْ لِقَتْلِي».

    فهذه الآية تدل على قاعدة عامة في التكليف عموما وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خصوصا، وهي أنه (لا واجب بلا اقتدار، ولا محرم مع اضطرار).

    شرط التكليف العلم والقدرة

    فمن المعلوم أن شرط التكليف (العلم والقدرة)، قال شيخ الإسلام: «من استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل، فمن كان عاجزا عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها».

    وبناء على هذه القاعدة يستفاد أن الواجبات تسقط عن المكلف في حال عجزه عن القيام بها، قال ابن تيمية: «فلم يوجب الله ما يعجز عنه العبد»، والعجز عن العلم أو العمل قد يكون عجزا تاما، كعجز المجنون عن العلم، أو عجز المسن عن الصيام، وفي هذه الحالة يقول ابن تيمية: «التكليف الشرعي مشروط بالممكن من العلم والقدرة، فلا تجب الشريعة على من لا يمكنه العلم كالمجنون والطفل، ولا تجب على من يعجز كالأعمى والأعرج والمريض في الجهاد، وكما لا تجب الطهارة بالماء والصلاة قائما والصوم وغير ذلك على من يعجز عنه».

    وقد يكون عجزا نسبيا؛ بحيث يتمكن من العلم أو العمل، لكنه ليس تمكنا تاما، بل يلحقه في ذلك كلفة ومشقة، وفي هذه الحال يقول ابن تيمية: «قد تسقط الشريعة التكليف عمن لم تكمل فيه أداة العلم والقدرة تخفيفا وضبطا لمناط التكليف، وإن كان التكليف ممكنا، كما رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، وإن كان له فهم وتمييز، لكن ذاك لأنه لم يتم فهمه».

    فالنصوص الشرعية بينت شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وضوابطه، ومن ذلك حديث أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان».

    قال ابن رجب: «فدلت هذه الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه، أما إنكاره بالقلب فلا بد منه، فمن لم ينكر بقلبه المنكر دل على ذهاب الإيمان من قلبه، وسمع ابن مسعود رجلا يقول: هلك من لم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فقال ابن مسعود: «هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر». يشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد فمن لم يعرفه هلك.

    الإنكار باللسان واليد بحسب القدرة

    وأما الإنكار باللسان واليد فإنما يجب بحسب القدرة، وقال ابن مسعود: «يوشك من عاش منكم أن يرى منكرا لا يستطيع له، غير أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره». فيستفاد من هذا:

    1- أن الإنكار القلبي فرض على كل مسلم في كل حال، وأما الإنكار باليد واللسان فبحسب القدرة، يقول شيخ الإسلام: «حب القلب وبغضه وإرادته وكراهته ينبغي أن تكون كاملة جازمة، لا توجب نقص ذلك إلا بنقص الإيمان، وأما فعل البدن فبحسب قدرته، ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة، وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل».

    2- التغيير باليد مشروط له الاستطاعة الشرعية؛ وهي الولاية والسلطة: قال شيخ الإسلام: «وهذا واجب على كل مسلم قادر أي الأمر والنهي وهو فرض على الكفاية، ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره، والقدرة هو السلطان والولاية، فذوو السلطان أقدر من غيرهم، وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم، فإن مناط الوجوب هو القدرة، فيجب على كل إنسان بحسب قدرته قال -تعالى-: {فاتقوا الله ما استطعتم}».

    ابن باز: الإنكار لمن استطاع

    وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-: «فالإنكار باليد في حق من استطاع ذلك كولاة الأمور والهيئة المختصة بذلك فيما جعل إليها، وأهل الحسبة فيما جعل إليهم، والأمير فيما جعل إليه، والقاضي فيما جعل إليه، والإنسان في بيته مع أولاده وأهل بيته فيما يستطيع، أما من لا يستطيع ذلك، أو إذا غيّر بيده يترتب على ذلك الفتنة والنزاع والمضاربات فإنه لا يغير بيده بل ينكر بلسانه ويكفيه ذلك لئلا يقع بإنكاره ما هو أنكر من المنكر الذي أنكره كما نص على ذلك أهل العلم».

    وبيّن الشيخ ابن عثيمين تلك مراتب فقال: «المرتبة الأولى: التغيير باليد: فإذا كان لك سلطة يمكنك بها أن تغير هذا المنكر بيدك فافعل، وهذا يمكن أن يكون للإنسان إذا كان المنكر في بيته وكان هو القائم على البيت، فإنه في هذه الحال يمكن أن يغير بيده.

    المرتبة الثانية: فإذا كان لا يستطيع تغيير المنكر بيده فإنه ينتقل إلى المرتبة الثانية، وهي تغيير المنكر باللسان، والتغيير باللسان على وجهين:

    - الوجه الأول: أن يقول لصاحب المنكر: ارفع هذا المنكر ويتكلم معه ويزجره إذا اقتضت الحال ذلك، الوجه الثاني: إذا كان لا يستطيع هذا فليبلغ ولاة الأمر.


    - المرتبة الثالثة: التغيير بالقلب: فإذا كان لا يستطيع تغيير المنكر بيده أو بلسانه فلينكر بقلبه وذلك أضعف الإيمان، والإنكار بالقلب أن تكره هذا المنكر وتكره وجوده».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (35)
    - الأحكام المستفادة من قصة موسى -عليه السلام
    - الأعذار المرخصة في التخلف عن صلاة الجماعة


    د.وليد خالد الربيع




    قال -تعالى-:{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (سورة يونس:87)، قال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله-: «{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ} حين اشتد الأمر على قومهما، من فرعون وقومه، وحرصوا على فتنتهم عن دينهم {أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا} أي: مروهم أن يجعلوا لهم بيوتًا، يتمكنون بها من الاستخفاء فيها {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} أي: اجعلوها محلا، تصلون فيها؛ حيث عجزتم عن إقامة الصلاة في الكنائس، والبيع العامة {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} فإنها معونة على جميع الأمور، {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} بالنصر والتأييد، وإظهار دينهم، فإن مع العسر يسرًا»، ونقل الطبري عن ابن عباس أنه قال: «كانوا خائفين فأمروا أن يصلوا في بيوتهم».

    ففي هذه الآية الكريمة رخص لبني إسرائيل الصلاة في بيوتهم لخوفهم من فرعون وقومه بدلا من بِيَعِهم وأماكن عبادتهم، فيمكن أن يستفاد منها مسألة فقهية وهي:

    مسألة: الأعذار المرخصة في التخلف عن صلاة الجماعة

    دلت النصوص الشرعية على أهمية صلاة الجماعة في المساجد وعظيم فضلها وكثرة أجرها، كقوله -تعالى-: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}، فقوله: «مع الراكعين» يدل على فعلها مع جماعة المصلين والمعية تفيد ذلك.

    وقال - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة «متفق عليه، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح» متفق عليه. وغيرها من الأدلة التي تؤكد أهمية صلاة الجماعة.

    ظروف طارئة

    ولا يخلو المكلف من ظروف تطرأ عليه، قد تمنعه من حضور الجماعة، فرخص له في تركها مع حصول الفضيلة له، كمن فاتته الجماعة وهو معذور، فله أجرها وإن صلى منفردا، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا». أخرجه أحمد وأبو داود.

    فإذا كان هذا حال من حضر الصلاة متأخرا، وفاتته الجماعة وهو معذور، فكيف بمن حال دون شهوده الجماعة عذر قاهر؟! فمن رحمة الله -تعالى- أن وجود هذه الأعذار يسقط الإثم عن المتخلف مع حصول فضيلة الجماعة له، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا» أخرجه البخاري

    وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض، قيل للملك الموكل به: أن اكتب له مثل عمله إذا كان طليقا حتى أطلقه أو أكفته إليَّ» أخرجه أحمد.

    قال ابن حجر: «وفي هذه الأحاديث تعقب على من زعم أن الأعذار المرخصة لترك الجماعة تسقط الكراهة والإثم ولا سيما من غير أن تكون محصلة للفضيلة، وبذلك جزم النووي في شرح المهذب».

    الأعذار التي يسوغ معها التخلف عن الجماعة

    وفيما يأتي جملة من أهم الأعذار التي يسوغ معها التخلف عن الجماعة، كما دلت عليها السنة المطهرة والقواعد الكلية للشريعة من رفع الحرج ودفع المشقة.

    أولا: المرض الشديد الذي يشق معه حضور الجماعة

    ودليل ذلك قوله -تعالى-: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مروا أبا بكر يصلي بالناس» أخرجه الشيخان، قال الشافعي: «وأرخص له في ترك الجماعة بالمرض؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرض فترك أن يصلي بالناس أياما كثيرة»، وقال ابن قدامة: «ويعذر في تركها المريض في قول عامة أهل العلم».

    ثانيا: الخوف

    لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر» أخرجه أبو داود، ولا شك أن الخوف من أقوى الأعذار، قال ابن حزم: «لا خلاف في ذلك»، والخوف يشمل الخوف على نفسه، والخوف على ولده وأهله، والخوف على ماله.

    ثالثا: البرد الشديد

    لما روى ابن عمر أنه أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ثم قال: «ألا صلوا في الرحال» ثم قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: صلوا في الرحال» متفق عليه.

    قال ابن قدامة: «يعذر في ترك الجماعة بالريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة».

    رابعا: المطر والوحل

    عن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: «إذا قلت: أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل «حي على الصلاة» قل: «صلوا في بيوتكم»، فكأن الناس استنكروا ذاك، قال: «فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة، وكرهت أن أحرجكم فتمشون في الطين والدحض» متفق عليه أي: الزلل والزلق.

    قال النووي: «هذا الحديث دليل على تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار، وأنها متأكدة إذا لم يكن عذر».

    قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن التخلف عن الجماعة في شدة المطر والظلمة والريح وما أشبه ذلك مباح».

    خامسا: حضور طعام يشتهيه

    قال الشافعي: «وإذا حضر عشاء الصائم أو المفطر أو طعامه وبه إليه حاجة أرخصت له في ترك إتيان الجماعة، وأن يبدأ بطعامه إذا كانت نفسه شديدة التوقان إليه، وإن لم تكن نفسه شديدة التوقان إليه ترك العشاء وإتيان الصلاة أحب إلي»، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء ولا يعجلن حتى يفرغ منه» أخرجه مسلم

    قال النووي: «دليل على أنه يأكل حاجته من الأكل بكماله، وهذا هو الصواب، وأما ما تأوله بعض أصحابنا على أنه يأكل لقما يكسر بها شدة الجوع فليس بصحيح، وهذا الحديث صريح في إبطاله».

    سادسا: مدافعة الأخبثين

    قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» أخرجه مسلم

    قال النووي: «فيه كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله؛ لما فيه من اشتغال القلب، وذهاب كمال الخشوع، وكراهتها مع مدافعة الأخبثين؛ وهما البول والغائط، ويلحق بهذا ما كان في معناه مما يشغل القلب، ويذهب كمال الخشوع».

    سابعا: أكل ما له رائحة كريهة

    قال - صلى الله عليه وسلم -: «من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته» أخرجه مسلم.

    قال النووي: «هذا تصريح بنهي من أكل الثوم ونحوه عن دخول كل مسجد، وهذا مذهب العلماء كافة، ثم إن هذا النهي إنما هو عن حضور المساجد لا عن أكل الثوم والبصل ونحوهما فهذه البقول حلال بالإجماع».

    ثامنا: غلبة نوم

    قال - صلى الله عليه وسلم -: «أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى». أخرجه مسلم، قال النووي: «فيه دليل لما أجمع عليه العلماء أن النائم ليس بمكلف».








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (36)
    - أحكام السلام وآدابه من قصة إبراهيم عليه السلام



    د.وليد خالد الربيع



    قال -تعالى-: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} (سورة هود: 69)، قال الشيخ ابن سعدي: «{وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا} من الملائكة الكرام، رسولنا {إِبْرَاهِيمَ} الخليل {بِالْبُشْرَى} أي: بالبشارة بالولد، حين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط، وأمرهم أن يمروا على إبراهيم، فيبشروه بإسحاق، فلما دخلوا عليه {قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} أي: سلموا عليه، ورد عليهم السلام.

    ففي هذا مشروعية السلام، وأنه لم يزل من ملة إبراهيم -عليه السلام-، وأن السلام قبل الكلام، وأنه ينبغي أن يكون الرد، أبلغ من الابتداء؛ لأن سلامهم بالجملة الفعلية، الدالة على التجدد، ورده بالجملة الاسمية، الدالة على الثبوت والاستمرار، وبينهما فرق كبير كما هو معلوم في علم العربية».

    فمن المسائل الفقهية المستفادة من هذه الآية الكريمة مشروعية السلام وآدابه، وقد دل على هذه المسألة أدلة كثيرة منها قول الله -تعالى-: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} (سورة النساء:86)، والمراد بالتحية هنا السلام، وهذا ما عليه عامة المفسرين، قال الشيخ ابن سعدي: «التحية هي: اللفظ الصادر من أحد المتلاقيين على وجه الإكرام والدعاء، وما يقترن بذلك اللفظ من البشاشة ونحوها.

    أعلى أنواع التحية

    وأعلى أنواع التحية ما ورد به الشرع، من السلام ابتداء وردًّا، فأمر -تعالى- المؤمنين أنهم إذا حُيّوا بأي تحية كانت، أن يردوها بأحسن منها لفظا وبشاشة، أو مثلها في ذلك، ومفهوم ذلك النهي عن عدم الرد بالكلية أو ردها من دونها».

    أحكام السلام

    فمن أحكام السلام:

    ابتداء السلام على المسلمين

    - أولاً: ابتداء السلام على المسلمين مندوب وليس بواجب عند عامة الفقهاء، ونقل ابن عبد البر وغيره الإجماع على أن ابتداء السلام سنة وليس بواجب. ودليل ذلك:

    - عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام» أخرجه أبو داود وهو صحيح، قال المناوي: «أي: من أخصهم برحمته وغفرانه والقرب منه في جنانه، وقيل: أقربهم من الله بالطاعة من بدأ أخاه بالسلام عند ملاقاته لأنه السابق إلى ذكر الله»، والحديث يدل على عدم وجوب البدء بالسلام؛ لأنه لو كان واجبا لما كان هناك ترغيب وندب إليه؛ إذ إن الترغيب إنما يختص بالمستحبات.

    - وعن عبد الله بن سلام قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» أخرجه الترمذي وهو صحيح، ولا شك أن إطعام الطعام وصلاة القيام ليسا من الواجبات، فكذلك البدء بالسلام.

    رد السلام واجب

    - ثانيا: اتفق الفقهاء على أن رد السلام واجب كما نقل الإجماع على ذلك القرطبي وغيره، وذلك لقوله -تعالى-:{فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}، ونقل ابن كثير عن الحسن البصري أنه قال: «السلام تطوع والرد فريضة» ثم قال ابن كثير: «وهذا الذي قاله هو قول العلماء قاطبة، أن الرد واجب على من سلم عليه، فيأثم إن لم يفعل؛ لأنه خالف أمر الله في قوله: {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}».

    قال الحليمي: «إنما كان الرد واجبا؛ لأن السلام معناه الأمان، فإذا ابتدأ به المسلم أخاه فلم يجبه فإنه يتوهم منه الشر، فيجب عليه دفع ذلك التوهم عنه»، فإن كان المسلم واحدا فالرد في حقه فرض عين، وإن كانوا جماعة فالرد في حقهم فرض كفاية، والأفضل أن يردوا جميعا؛ لأنه الغاية في الفضيلة والإكرام للمسلم عليهم.

    بعض آداب السلام

    - ثالثا: بعض آداب السلام: دلت النصوص الشرعية على جملة من آداب السلام منها:

    أكمل الألفاظ في إلقاء السلام

    - أكمل الألفاظ في إلقاء السلام هي: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)؛ لما أخرجه البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة أن رجلا مر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في مجلس فقال: السلام عليكم، فقال: «عشر حسنات»، فمر رجل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال: «عشرون حسنة»، فمر رجل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال: «ثلاثون حسنة»، ومما يدل على منع الزيادة على (وبركاته) ما نقل عن بعض الصحابة من آثار ذكرها ابن حجر في فتح الباري، منها:

    - عن محمد بن عمرو قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عباس فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم زاد شيئا فقال ابن عباس: إن السلام انتهى إلى البركة، وجاء رجل إلى ابن عمر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال ابن عمر: حسبك إلى (وبركاته) انتهِ إلى (وبركاته).

    لفظ إلقاء السلام

    يجوز إلقاء السلام بلفظ (السلام عليكم) و(السلام عليكم ورحمة الله) كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم، وهما أقل من اللفظ الأكمل.

    أكمل صيغ

    وأكمل صيغ الرد ما اشتمل على الرحمة والبركة؛ لما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خلق الله آدم على صورته ستون ذراعا فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر، وهم نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، قال: فذهب فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله» متفق عليه.

    قال النووي: وأما صفة الرد فالأفضل والأكمل أن يقول: «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته» فيأتي بالواو فلو حذفها جاز وكان تاركا للأفضل، ولو اقتصر على (وعليكم السلام) أو على (عليكم السلام) أجزاه، ولو اقتصر على (عليكم) لم يجزه بلا خلاف».

    يسلم الراكب على الماشي

    ومن آداب السلام ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير» وفي رواية للبخاري: «يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير»، قال ابن حجر: وقد تكلم بعض العلماء عن الحكمة فيمن شرع لهم الابتداء فقيل: تسليم الصغير لأجل حق الكبير؛ لأنه أمر بتوقيره والتواضع له، وتسليم القليل لأجل حق الكثير لأن حقهم أعظم، وتسليم المار لشبهه بالداخل على أهل المنزل، وتسليم الراكب لئلا يتكبر بركوبه فيرجع إلى التواضع.

    التسليم على الصبيان

    ومن آداب السلام التسليم على الصبيان: فعن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على غلمان فسلم عليهم. متفق عليه، قال النووي: «فيه استحباب السلام على الصبيان المميزين، والندب إلى التواضع، وبذل السلام للناس كلهم، وبيان تواضعه - صلى الله عليه وسلم - وكمال شفقته على العالمين».

    التسليم إذا أتى مجلسا

    ومن آدابه التسليم إذا أتى مجلسا وإذا قام منه لما رواه أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، وإذا قام والقوم جلوس فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة» أخرجه أحمد وهو صحيح.

    إعادة السلام

    ومن الآداب إعادة السلام إذا حال بينهما شجر أو جدار؛ لما رواه أبوهريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار ثم لقيه فليسلم عليه» أخرجه أبو داود وهو صحيح.






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (37)
    - أحكام الضيافة وآدابها من قصة إبراهيم -عليه السلام


    د.وليد خالد الربيع







    لا نزال مع قوله -تعالى-: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} (سورة هود: 69)، قال ابن سعدي: «{فَمَا لَبِثَ} إبراهيم لما دخلوا عليه {أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} أي: بادر لبيته، فاستحضر لأضيافه عجلا مشويا على الرضف سمينا، فقربه إليهم فقال: ألا تأكلون؟».

    فمن المسائل المستفادة من هذه الآية الكريمة أحكام الضيافة وآدابها، قال ابن كثير: «وقد تضمنت هذه الآية آداب الضيافة من وجوه كثيرة».

    الضيافة من مكارم الأخلاق

    ولا شك أن الضيافة من مكارم الأخلاق، ومن آداب الإسلام، وأنها من سنن المرسلين، وصفات عباد الله الصالحين، قال سعيد بن المسيب: «إن أول من أضاف الأضياف هو إبراهيم الخليل -عليه السلام- كما قال -تعالى-: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ} (سورة الذاريات:24).


    الضيافة من أسباب الرفعة

    والضيافة من أسباب الرفعة والصيت الحسن، قال أبو حاتم البستي: «كل من ساد في الجاهلية والإسلام حتى عرف بالسؤدد، وانقاد له قومه، ورحل إليه القريب والقاصي، لم يكن كمال سؤدده إلا بإطعام الطعام، وإكرام الضيف».

    تعريف الضيافة وحكمها

    الضيافة هي اسم لإكرام الضيف، والنازل بغيره لطلب الإكرام والإحسان إليه، وقد رغب الإسلام في الضيافة وعدها من أمارات صدق الإيمان؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» متفق عليه، وقد اتفق الفقهاء على أن الضيافة مشروعة، قال النووي: «أجمع المسلمون على الضيافة، وأنها ومن متأكدات الإسلام»، إلا أنهم اختلفوا في وجوبها على ثلاثة مذاهب:

    المذهب الأول: الاستحباب

    الضيافة مستحبة وليست واجبة، وهو مذهب الجمهور، لحديث أبي شريح الخزاعي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته» قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: «يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه» متفق عليه.

    وجه الدلالة في قوله: «فليكرم ضيفه جائزته»، والجائزة هي العطية والصلة التي أصلها الندب، قال ابن بطال: «والجائزة تفضل وإحسان وليست بواجبة».

    قال النووي: «معناه الاهتمام به في اليوم والليلة، وإتحافه بما يمكن من بر وإلطاف، وأما في اليوم الثاني والثالث فيطعمه ما تيسر، ولا يزيد على عادته، وأما ما كان بعد الثلاثة فهو صدقة ومعروف إن شاء فعل وإن شاء ترك».

    المذهب الثاني: الوجوب

    وجوب الضيافة مطلقا سواء في المدن أو في البادية، وقال به الليث وهو مذهب الحنابلة والظاهرية، لحديث المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليلة الضيف واجبة، فإن أصبح الضيف بفنائه فهو دين عليه، فإن شاء اقتضى، وإن شاء ترك» أخرجه ابن ماجه، قال الشوكاني عن الحديث أنه: «تصريح بوجوب الضيافة، ولم يأت ما يدل على تأويله».

    ونوقش هذا الاستدلال بما قاله النووي: «وتأول الجمهور هذه الأحاديث وأشباهها على الاستحباب ومكارم الأخلاق وتأكد حق الضيف كحديث: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» أي: متأكد الاستحباب، وتأولها الخطابي وغيره على المضطر».

    المذهب الثالث: الوجوب على أهل القرى

    الضيافة واجبة على أهل القرى دون أهل الأمصار، وهو مذهب المالكية ورواية عن أحمد؛ لأن المسافر يجد في الأمصار المسكن والطعام وما يحتاج إليه، فلا مشقة تلحقه إن لم يضيفه أحد، أما في القرى والبوادي فلا يجد ما يحتاج إليه فهو كالمضطر إلى من يضيفه، فيجب عليهم أن يقوموا بضيافته بما تيسر.

    وهو المذهب الأظهر الذي تجتمع به الأدلة، ودل عليه حديث عقبة بن عامر قال: قلنا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا، فما ترى فيه؟ فقال لنا: «إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف» متفق عليه. وهو ظاهر الدلالة في النزول على أهل القرى.

    آداب الضيافة

    ذكر العلماء مجموعة من آداب الضيافة في حق المضيف ومن جانب الضيف:

    آداب المضيف

    قال أبو حاتم: «وعنصر قرى(إكرام) الضيف هو ترك استحقار القليل، وتقديم ما حضر للضيف؛ لأن من حقّـر منع، مع إكرام الضيف بما قدر عليه، وترك الادخار عنه، وسئل الأوزاعي: ما إكرام الضيف؟ قال: «طلاقة الوجه، وطيب الكلام».

    قال أبو حاتم: «والخدمة بالنفس، فإنه لا يذل من خدم أضيافه».

    قال ابن مفلح: «وَيُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ يُبَاسِطَ الْإِخْوَانَ بِالْحَدِيثِ الطَّيِّبِ وَالْحِكَايَاتِ الَّتِي تَلِيقُ بِالْحَالِ إذَا كَانُوا مُنْقَبِضِينَ.

    ومن آداب المضيف تَعْجِيلُ الطَّعَامِ فَذَلِكَ مِنْ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَمَهْمَا حَضَرَ الْأَكْثَرُونَ وَغَابَ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ وَتَأَخَّرُوا عَنِ الْوَقْتِ الْمَوْعُودِ فَحَقُّ الْحَاضِرِينَ فِي التَّعْجِيلِ أَوْلَى مِنْ حَقِّ أُولَئِكَ فِي التَّأْخِيرِ.

    قَال -تعالى-: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ} (الذَّارِيَاتِ: 24) قال بعض المفسرين: أَنَّهُمْ أُكْرِمُوا بِتَعْجِيلِ الطَّعَامِ إِلَيْهِمْ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ -تعالى-: {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}، قال القرطبي: «في هذه الآية من أدب الضيف أن يعجل قراه، فيقدم الموجود الميسر في الحال، ثم يتبعه بغيره إن كان له جَدَّةٌ (مكانة ومنزلة عند الناس)، ولا يتكلف ما يضر به».

    قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: «زُرْتَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ بَيْتَهُ قَامَ فَاعْتَنَقَنِي وَأَجْلَسَنِي فِي صَدْرِ مَجْلِسِهِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَلَيْسَ يُقَالُ صَاحِبُ الْبَيْتِ وَالْمَجْلِسِ أَحَقُّ بِصَدْرِ بَيْتِهِ أَوْ مَجْلِسِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ يَقْعُدُ، وَيُقْعِدُ مَنْ يُرِيدُ. قَالَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي: خُذْ يَا أَبَا عُبَيْدٍ إلَيْكَ فَائِدَةً. ثُمَّ قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَوْ كُنْتُ آتِيكَ عَلَى حَقِّ مَا تَسْتَحِقُّ لَأَتَيْتُكَ كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالَ: لَا تَقُلْ ذَلِكَ، فَإِنَّ لِي إخْوَانًا مَا أَلْقَاهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ إلَّا مَرَّةً أَنَا أَوْثَقُ فِي مَوَدَّتِهِمْ مِمَّنْ أَلْقَى كُلَّ يَوْمٍ. قُلْتُ: هَذِهِ أُخْرَى يَا أَبَا عُبَيْدٍ. فَلَمَّا أَرَدْت الْقِيَامَ قَامَ مَعِي قُلْتُ: لَا تَفْعَلْ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: فَقَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: مِنْ تَمَامِ زِيَارَةِ الزَّائِرِ أَنْ تَمْشِيَ مَعَهُ إلَى بَابِ الدَّارِ وَتَأْخُذَ بِرِكَابِهِ».

    وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ «إنَّ مِنْ السُّنَّةِ إذَا دَعَوْتَ أَحَدًا إلَى مَنْزِلِكَ أَنْ تَخْرُجَ مَعَهُ حَتَّى يَخْرُجَ «ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ في بهجة المجالس».

    من آداب الضيف

    قال ابْنُ الْجَوْزِيِّ: «وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَاضَعَ فِي مَجْلِسِهِ إذَا حَضَرَ، وَأَلَا يَتَصَدَّرَ، وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ صَاحِبُ الدَّارِ مَكَانًا لَمْ يَتَعَدَّهُ».

    ويجمل القاسمي بعض الآداب في «موعظة المؤمنين» فيقول: «فَأَدَبُهُ أَنْ يَدْخُلَ الدَّارَ وَلَا يَتَصَدَّرَ فَيَأْخُذَ أَحْسَنَ الْأَمَاكِنِ بَلْ يَتَوَاضَعَ، وَلَا يُطَوِّلَ الِانْتِظَارَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يُعَجِّلَ بِحَيْثُ يُفَاجِئُهُمْ قَبْلَ تَمَامِ الِاسْتِعْدَادِ ، وَلَا يُضَيِّقَ الْمَكَانَ عَلَى الْحَاضِرِينَ بِالزَّحْمَةِ، بَلْ إِنْ أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْمَكَانِ بِمَوْضِعٍ لَا يُخَالِفُهُ الْبَتَّةَ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ رَتَّبَ فِي نَفْسِهِ مَوْضِعَ كُلِّ وَاحِدٍ فَمُخَالَفَتُهُ تُشَوِّشُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجْلِسَ فِي مُقَابَلَةِ بَابِ الْحُجْرَةِ الَّذِي لِلنِّسَاءِ وَسِتْرِهِمْ، وَلَا يُكْثِرُ النَّظَرَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الطَّعَامُ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الشَّرَهِ، وَيَخُصَّ بِالتَّحِيَّةِ وَالسُّؤَالِ مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُ إِذَا جَلَسَ».

    قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: «وَمِنْ آدَابِ الزَّائِرِ أَلَا يَقْتَرِحَ طَعَامًا بِعَيْنِهِ، وَإِنْ خُيِّرَ بَيْنَ طَعَامَيْنِ اخْتَارَ الْأَيْسَرَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مُضِيفَهُ يُسَرُّ بِاقْتِرَاحِهِ، وَلَا يُقَصِّرُ عَنْ تَحْصِيلِ ذَلِكَ». «وأَنْ يَنْصَرِفَ الضَّيْفُ طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِنْ جَرَى فِي حَقِّهِ تَقْصِيرٌ فَذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ وَالتَّوَاضُعِ. وأَلَا يَخْرُجَ إِلَّا بِرِضَاءِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ وَإِذْنِهِ، وَيُرَاعِيَ قَلْبَهُ فِي قَدْرِ الْإِقَامَةِ».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (38)
    - أحكام الالتقاط من قصة يوسف -عليه السلام



    د.وليد خالد الربيع


    قال -تعالى-: {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} (سورة يوسف: 10)، قال الشيخ ابن سعدي: «{قَالَ قَائِلٌ} من إخوة يوسف الذين أرادوا قتله أو تبعيده: {لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ}؛ فإن قتله أعظم إثما وأشنع، والمقصود يحصل بتبعيده عن أبيه من غير قتل، ولكن توصلوا إلى تبعيده بأن تلقوه {فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ}، وتتوعدوه على أنه لا يخبر بشأنكم، بل على أنه عبد مملوك آبق منكم، لأجل أن {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ} الذين يريدون مكانا بعيدًا، فيحتفظون به، وهذا القائل أحسنهم رأيا في يوسف، وأبرهم وأتقاهم في هذه القضية؛ فإن بعض الشر أهون من بعض، والضرر الخفيف يدفع به الضرر الثقيل».

    من المسائل المستفادة من الآية الكريمة أحكام الالتقاط، قال القرطبي معرفا الالتقاط بأنه: «تناول الشيء من الطريق؛ ومنه اللقيط واللقطة». وفيما يأتي طائفة موجزة من أحكام اللقيط.

    أولا: تعريف اللقيط:

    هو طفل مجهول الهوية نبذه أهله أو ضاع منهم.

    ثانيا: حكم الالتقاط:

    فرَّق الفقهاء بين حالين من أحوال اللقيط:

    الحال الأولى

    إذا خشي على اللقيط الهلاك

    إذا خُشي على الطفل من الهلاك بأن كان في بحر يخاف عليه من الغرق أو كان في مفازة منقطعة أو أرض ذات سباع، فقد ذهب عامة الفقهاء إلى أن التقاطه وأخذه فرض عين إن لم يكن هناك أحد غير الملتقط؛ لأن ذلك مندرج تحت قاعدة حفظ النفوس المجمع عليها في سائر الملل، فأخذه فيه إحياء نفس من الهلاك؛ فكان واجبا كإطعامه إذا اضطر، وقد قال -تعالى-: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}.

    الحال الثانية

    إذا لم يخش عليه الهلاك

    ذهب الجمهور إلى أن التقاط اللقيط فرض كفاية لقوله -تعالى-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}، ولا شك أن إنقاذ اللقيط وأخذه من البِرِّ والعمل الصالح، ولأن فيه إحياء نفس فكان واجبا، كإطعامه إذا اضطر، وإنجائه من الغرق.

    ثالثا: هل يجوز تبني اللقيط؟

    يتعاطف بعض الناس مع اللقيط، فيعزم على تبنيه رحمة به وقياما بشأنه، والتبني هو اتخاذ الشخص ولد غيره ابنا له؛ بأن يعطيه نسبه كولده الصلبي وما يتبع ذلك من أحكام، والتبني محرم، ولا يجوز لمسلم أن يتبنى لقيطا بأن يجعله ابنا له، وقد كان التبني معمولا به قبل الإسلام، فأبطله الله -تعالى- بقوله: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ} (الأحزاب الآية 4-5).

    قال القرطبي: «رفع الله حكم التبني، ومنع من إطلاق لفظه، وأرشد بقوله إلى أن الأولى والأعدل أن ينسب الرجل إلى أبيه نسبا».

    وقال النحاس: هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التبني، وهو من نسخ السنة بالقرآن، فأمر أن يدعوا من دعوا إلى أبيه المعروف، فإن لم يكن له أب معروف نسبوه إلى ولائه، فإن لم يكن له ولاء معروف قالوا له: «يا أخي» يعني في الدين.

    رابعا: دين اللقيط

    إذا وجد اللقيط في بلاد المسلمين ميتا، فقد قال ابن المنذر: «أجمع عوام أهل العلم على أن الطفل إذا وجد في بلاد المسلمين ميتا في أي مكان وجد، أن غسله ودفنه في مقابر المسلمين يجب».

    وإذا وجد اللقيط في بلاد المسلمين وكان الواجد مسلما، حكم بإسلام اللقيط باتفاق المسلمين وإن كان فيها أهل ذمة تغليبا للإسلام، ولظاهر الدار، ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.

    قال ابن قدامة: «إذا بلغ اللقيط حدا يصح فيه إسلامه وردته فوصف الإسلام فهو مسلم».

    خامسا: الإنفاق على اللقيط

    الأصل أن تكون نفقة كل شخص في ماله، وعلى هذا فإذا وجد مع اللقيط مال كدراهم أو دنانير أو عروض كثياب ملفوفة عليه فيحكم أنه تحت يده وملكا له.

    فإن لم يكن له مال خاص، كانت نفقته في مال عام، وهي الأموال الموقوفة على اللقطاء أو الموصى لهم بها، وهذا ما عليه عامة الفقهاء.

    فإن لم يعرف له مال خاص، ولم يوجد مال عام ينفق منه على اللقيط، فذهب الجمهور إلى أن نفقته تكون في بيت مال المسلمين؛ لأثر عمر بن الخطاب في اللقيط الذي وجده سنين بن جميلة، فقال له عمر: «اذهب به فهو حر، وولاؤه لك، وعلينا نفقته». وفي رواية: من بيت المال.

    وفي الطبقات الكبرى لابن سعد: وكان عمر إذا أتي باللقيط فرض له مائة درهم، وفرض له رزقا يأخذ وليه كل شهر ما يصلحه، ثم ينقله من سنة إلى سنة أي يغير عطاءه من سنة إلى سنة وكان عمر يوصي بهم خيرا، ويجعل رضاعهم ونفقتهم من بيت المال.

    سادسا: الولاية على اللقيط

    الولاية سلطة شرعية، تُجعل لمن تثبت له القدرة على إنشاء العقود والتصرفات وتنفيذها؛ بحيث تترتب آثارها الشرعية عليها بمجرد صدورها. وهي نوعان:

    1- ولاية على النفس

    وهي سلطة الإشراف على الشؤون المتعلقة بالقاصر، كالحضانة والتربية والتعليم والتطبيب والتزويج، وتقتضي تنفيذ القول على القاصر، فالولاية على اللقيط نفسه للسلطان لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «السلطان ولي من لا ولي له»؛ فله أن يزوجه ويتصرف في ماله بالبيع والشراء والإجارة بما يراه يحقق المصلحة، وأما الملتقط فليس له أن يفعل شيئا من ذلك لأنه لا ولاية له عليه، وإنما له على اللقيط ولاية الحفظ والتربية، وليس له عليه ولاية التزويج؛ لأن ذلك يعتمد الولاية من القرابة والملك والسلطنة ولا يثبت واحد منها للملتقط.

    2- الولاية على المال

    فهي سلطة المرء على مال غيره بالإشراف والحفظ والتصرف على الوجه المشروع بما يحقق مصلحة المولى عليه.

    وذهب الجمهور إلى أنه لا ولاية للملتقط على مال اللقيط، فلا ينفق إلا بإذن القاضي، لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «السلطان ولي من لا ولي له «وهذا يشمل الولاية على النفس والمال.

    سابعا: إرث اللقيط

    إذا مات اللقيط وكان له وارث معروف كزوجة وأبناء ونحو ذلك فميراثه لورثته كسائر المسلمين، وأما إذا مات ولم يترك وارثا فقد ذهب عامة الفقهاء إلى أن ميراثه يكون لبيت مال المسلمين، قال ابن قدامة: «وإنما يرثه المسلمون؛ لأنهم خُولوا كل مال لا مالك له، ولأنهم يرثون مال من لا وارث له غير اللقيط، فكذلك اللقيط وهو قول أكثر أهل العلم «.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (39)
    - أحكام الالتقاط من قصة يوسف -عليه السلام



    د.وليد خالد الربيع



    لا نزال مع أحكام الالتقاط المستفادة من قوله -تعالى-: {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} (سورة يوسف:10)، قال القرطبي معرفًا الالتقاط بأنه: «تناول الشيء من الطريق، ومنه اللقيط واللقطة».

    وفيما يأتي طائفة موجزة من أحكام اللقطة:

    أولا: تعريف اللقطة

    التعريف الاصطلاحي للقطة بأنها: «المال الضائع من ربّه يلتقطه غيره» حيث اشتمل هذا التعريف على المال الضائع بأنواعه من بهائم وغيرها؛ لأنه يصدق عليها وصف المال الضائع دون الحاجة للتفريق بين اللقطة والضالة؛ لأن معناهما واحد.

    ثانيا: مشروعية اللقطة

    دل على مشروعية الالتقاط الكتاب والسنة والإجماع:

    - أما الكتاب الكريم: فالأصل فيها الآيات الآمرة بالبر والإحسان؛ إذ في أخذها للحفظ والرد بر وإحسان.

    - وأما السنة المطهرة فخبر الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن لقطة الذهب أو الورق، فقال: «اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة، فإن لم تعرفها فاستنفقها ولتكن وديعة عندك، فإن جاء صاحبها يوما من الدهر فأدها إليه وإلا فشأنك بها»، وسئل عن ضالة الإبل فقال: «ما لك ولها؟ دعها؛ فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها»، وسئل عن الشاة فقال: «خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب»، قال الماوردي: وهذا الحديث هو الأصل في اللقطة.

    وفي الصحيحين عن سويد بن غفلة أنه سأل أبي بن كعب رضي الله عنه عن سوط وجده فقال: «إني وجدت صرة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها مائة دينار، فذكرتها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: «عرفها حولا، فإن وجدت من يعرفها فادفعها إليه وإلا فاستمتع بها».

    وأما الإجماع فقد اتفقوا على جواز الالتقاط في الجملة.

    ثالثا: حكم الالتقاط

    قسم الفقهاء اللقطة إلى قسمين (حيوان وغير حيوان):

    1- حكم التقاط الحيوانات

    الضوال هي الحيوانات الضائعة، ويختلف حكمها تبعا لنوعها؛ فما يقدر على الامتناع من صغار السباع فلا يلتقط لدلالة النصوص الصريحة الصحيحة إلا عند الحاجة الماسة لذلك، وأما ما لا يقدر على الامتناع فيجوز التقاطها مع تعريفها قبل التصرف فيها، وإن كانت مما فيؤكل فللملتقط أكلها ويضمن قيمتها لمالكها.

    2- حكم التقاط غير الحيوانات

    ذهب عامة الفقهاء إلى أن الالتقاط مباح تعرض له الأحكام التكليفية كما يأتي:

    أولا: الوجوب

    وذلك بشرطين وهما:

    1- إذا خاف ضياع اللقطة أو غلب على ظنه ذلك.

    2- أن يعلم عدم خيانة نفسه.

    ثانياً: الاستحباب

    يستحب الالتقاط في أحوال معينة مثل أن يخاف عليها الضيعة لو تركها، ويعلم من نفسه الأمانة، لأن أخذها لصاحبها إحياء لمال المسلم فكان مستحبا.

    ثالثاً: الحرمة

    يحرم على الملتقط أخذ اللقطة إن أخذها لنفسه لا لصاحبها، لأنه أخذ مال الغير بغير إذنه لنفسه فيكون بمعنى الغصب حكما من جهة الحرمة والضمان.

    كما يحرم عليه أخذها إن علم خيانة نفسه؛ لأنه تسبب لضياع مال المسلم.

    رابعا: اشتراط معرفة صفات اللقطة عند أخذها

    قال الماوردي: «واجد اللقطة ـ وإن كان مخيرا في أخذها ـ فعليه بعد الأخذ القيام بها والتزام الشروط في حفظها على مالكها.

    الشروط التي يؤمر بها آخذ اللقطة

    والشروط التي يؤمر بها آخذ اللقطة سبعة أشياء جاء النص ببعضها والتنبيه على باقيها:

    - أحدها: معرفة عفاصها: وهو ظرفها الذي هي فيه عند التقاطها.

    - الثاني: معرفة وكائها: وهو الخيط المشدودة به، وبهذين الشرطين جاء النص، ولأنها تتميز بمعرفة هذين عن جميع أمواله فيأمن اختلاطها بها.

    - الثالث: معرفة عددها تنبيها بالنص، لأن معرفة عددها أحوط من تميزها عن الظرف، لأن الظرف قد يشتبه.

    - الرابع: معرفة وزنها ليصير به معلوما يمكن الحكم به أنه وجب غرمها.

    - الخامس: أن يكتب بما وصفناه من أوصافها كتابا، وأنه التقطها من موضع كذا في وقت كذا، لأنه ربما كان ذكر المكان والزمان مما يذكره الطالب من أوصافها، قال ابن قدامة: «يستحب أن يكتب صفاتها ليكون أثبت لها مخافة أن ينساها إن اقتصر على حفظها بقلبه، فإن الإنسان عرضة النسيان».

    - السادس: أن يشهد على نفسه بها شاهدين أو شاهدا وامرأتين ليكون وثيقة عليه خوفا من طمعه فيها، ولأنه ربما مات ولم يعلم وارثه بها أو غرماؤه.

    - السابع: أن يُعَرّفها لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - به لواجدها، والمراد به: هو المناداة عليها أو الإعلان عنها حيث وجدها وفي أماكن اجتماع الناس، وهذا ما عليه عامة الفقهاء، قال النووي: «التعريف أن ينشدها في الموضع الذي وجدها فيه وفي الأسواق وأبواب المساجد ومواضع اجتماع الناس، فيقول من ضاع منه شيء؟ من ضاع منه حيوان؟ من ضاع منه دراهم؟ ونحو ذلك، ويكرر ذلك بحسب العادة».

    القليل اليسير لا يُعَرَّف

    واستثنى الفقهاء القليل اليسير فلا يُعَرَّف، قال النووي: «أجمع المسلمون على وجوبه (التعريف) إذا كانت اللقطة ليست تافهة ولا في معنى التافهة»، وقال ابن قدامة: «لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في إباحة أخذ اليسير والانتفاع به»، بشرط ألا يكون عالمًا بصاحبه، فإن كان عالمًا بصاحبه وجب عليه إعلامه ولكن لا يجب عليه إيصاله له واستدلوا بما يلي:

    1- رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - تمرة فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها»، وجه الدلالة من الحديث: أن ما لا يتمول لقلة كحبة بر وزبيبة والمال القليل الذي لا يفسد، وشهادة العادة بأن صاحبه لا يتبعه، لا يعرّف ويستبد به واجده على ذلك حمل قوله - صلى الله عليه وسلم - في التمرة الملقاة، قال ابن حجر: «ولم يذكر تعريفا، فدل على أن مثل ذلك يملك بالأخذ ولا يحتاج إلى تعريف» .

    2- وعن عائشة -رضي الله عنها-: «لا بأس بما دون الدرهم أن يستنفع به».

    3- رأى عمر - رضي الله عنه - رجلا يعرّف زبيبة في الطرق فقال: إن من الورع ما يمقته الله.

    4- عن ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها وجدت تمرة فأكلتها وقالت: «لا يحب الله الفساد».

    انقضاء حول اللقطة

    وإذا انقضى حول التعريف فللملتقط أن يتملك اللقطة باختياره، وإذا جاء من يدعيها بالبينة دفعت إليه إن كانت قائمة أو ضمنها له، وإن لم يقم البينة ووصفها بدقة دفعت إليه لظاهر النصوص.

    دفع اللقطة للإمام

    ويبرأ الملتقط إذا دفع اللقطة إلى الإمام العدل أو نائبه، ويضمن إذا أخذها بنية التملك، وإذا أخذها بنية الحفظ لصاحبها فتكون أمانة بيده مدة حول التعريف، وبعده يضمنها لصاحبها إن طالب بها.

    إذا مات الملتقط

    وإذا مات الملتقط قبل مضي الحول وكانت اللقطة قائمة قام وارثه مقامه في التعريف والتملك، وإذا هلكت يكون ضمانها من تركته، وإذا مات بعد مضي الحول فاللقطة في تركته مطلقا.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    30,868

    افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

    الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (40)
    - من المسائل المستفادة من قصة يوسف -عليه السلام
    - مشروعية السباق


    د.وليد خالد الربيع




    قال -تعالى-: {قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} (سورة يوسف:17)، قال الشيخ ابن سعدي: «فقالوا -متعذرين بعذر كاذب-: {يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} إما على الأقدام، أو بالرمي والنضال، {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا} توفيرا له وراحة. {فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} في حال غيبتنا عنه في استباقنا {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} أي: تعذرنا بهذا العذر، والظاهر أنك لا تصدقنا لما في قلبك من الحزن على يوسف، والرقة الشديدة عليه».

    من المسائل المستفادة من هذه الآية الكريمة (مشروعية السباق)؛ حيث أخبر -سبحانه- عن إخوة يوسف -عليه السلام- أنهم استبقوا ولم ينكر ذلك أو يذمه فدل على أن ذلك جائز في الجملة، قال ابن العربي: «المسابقة شرعة في الشريعة، وخصلة بديعة، وعون على الحرب وقد فعلها - صلى الله عليه وسلم - بنفسه وبخيله».

    أولا: تعريف السباق

    السباق في اللغة مصدر الفعل سابق، وهذه المادة اللغوية (السين والباء والقاف) تدل على التقديم، يقال: سبق يسبق سبقا بإسكان الباء، وهو التقدم على الغير.

    وفي الاصطلاح: منافسة بين اثنين أو أكثر لمعرفة المتقدم.

    ثانيا: حكم السباق

    السباق نوعان:

    - النوع الأول: السباق بغير عوض

    وهذا النوع إذا خلا من المخالفات الشرعية فإنه جائز شرعا، قال ابن قدامة: «المسابقة جائزة بالسنة والإجماع»، فقد وردت في السنة المطهرة أخبار عديدة تدل على مشروعية السباق في الجملة، فمن ذلك:

    (1) عن ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، سابق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع، وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق. متفق عليه.

    (2) عن عائشةَ، -رضيَ اللَّهُ عنها-، أنَّها كانَت معَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في سفَرٍ قالت: فسابقتُهُ فسبقتُهُ على رجليَّ، فلمَّا حَملتُ اللَّحمَ سابقتُهُ فسبقَني فقالَ: هذِهِ بتلكَ السَّبقةِ. رواه أحمد وأبو داود.

    (3) وصارع النبي - صلى الله عليه وسلم - ركانة فصرعه رواه أبو داود. وحسنه الألباني

    (4) قال سلمة - رضي الله عنه - في حكاية أحداث غزوة ذات قرد: «وكان رجل من الأنصار لا يُسبق شداً، قال: فجعل يقول: ألا مُسابق إلى المدينة، هل من مسابق؟ فجعل يُعيد ذلك، قال: فلما سمعت كلامه قلتُ: أما تكرمُ كريماً ولا تهاب شريفاً، قال: لا، إلا أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: قلت : يا رسول الله بأبي أنت وأُمي ذرني فلأسابق الرجل، قال: إن شئت، قال: قلت: اذهب إليك وثنيتُ رجلي فطفرت فعدوت.. فسبقته إلى المدينة» رواه مسلم.

    (5) مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوم يرفعون حجراً ليعلموا الشديد منهم فلم ينكر عليهم.

    (6) عن سلمة بن الأكوع قال: خَرَجَ رَسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، علَى قَوْمٍ مِن أسْلَمَ يَتَنَاضَلُونَ بالسُّوقِ، فَقالَ: ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ فإنَّ أبَاكُمْ كانَ رَامِيًا، وأَنَا مع بَنِي فُلَانٍ لأحَدِ الفَرِيقَيْنِ، فأمْسَكُوا بأَيْدِيهِمْ، فَقالَ: ما لهمْ قالوا: وكيفَ نَرْمِي وأَنْتَ مع بَنِي فُلَانٍ؟ قالَ: ارْمُوا وأَنَا معكُمْ كُلِّكُمْ.أخرجه البخاري

    (7) عن أنس قال: كانَ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ناقَةٌ تُسَمَّى العَضْباءَ، لا تُسْبَقُ، قالَ حُمَيْدٌ: أوْ لا تَكادُ تُسْبَقُ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ علَى قَعُودٍ فَسَبَقَها، فَشَقَّ ذلكَ علَى المُسْلِمِينَ حتَّى عَرَفَهُ، فقالَ: حَقٌّ علَى اللَّهِ ألا يَرْتَفِعَ شيءٌ مِنَ الدُّنْيا إلَّا وضَعَهُ.

    - النوع الثاني: السباق بعوض

    إذا كانت الجائزة من غير المتسابقين فهو جائز شرعا، فإذا كانت من ولي الأمر فلا خلاف في جوازه، قال ابن قدامة: «سواء كان من ماله أو من بيت المال؛ لأن في ذلك مصلحة وحثا على تعلم الجهاد ونفعا للمسلمين». فعن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، سبق بين الخيل وأعطى السابق. رواه أحمد. وصححه الألباني.

    إن كانت الجائزة من شخص غير الإمام

    وإن كانت الجائزة من شخص غير الإمام وليس واحدا من المتسابقين فجائز أيضا؛ لأنه عقد جعالة في أمر مباح. قال ابن قدامة: «أنه بذل ماله فيما فيه مصلحة وقربة، فجاز كما لو اشترى بماله خيلا وسلاحا».

    إن كانت الجائزة من أحد المتسابقيْن

    وإذا كانت الجائزة من أحد المتسابقين فقط؛ بحيث يأخذها الفائز، وإن فاز صاحب الجائزة أحرز ماله فجائز أيضا عند الجمهور، لانتفاء شبهة القمار هنا؛ حيث لا يبذل الآخر عوضا فلا غرم عليه إن خسر، وهو هنا عوض في جعالة من صاحب الجائزة على شرط، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمنون على شروطهم» أخرجه أبو داود.

    إن كان العوض من المتسابقيْن

    أما إن كان العوض من المتسابقين؛ فالأصل حرمة المسابقة بعوض يخرجه المتسابقان إلا ما استثنى الشرع؛ وذلك لأن إخراج العوض من المتسابقين؛ بحيث يأخذ الغالب كل شيء ولا يأخذ المغلوب شيئا هو في الحقيقة الميسر والقمار الذي حرمه الله -تعالى-، وهو: كل لعب يشترط فيه أن يأخذ الغالب من المغلوب شيئا، وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع.

    الدليل من القرآن

    أما الكتاب فقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (سورة المائدة:90)، فقرنه -تعالى- بالخمر والأنصاب وهي من المحرمات، كما وصفه بأنه رجس والرجس هو الشي المستخبث المكروه شرعا، وأمر باجتنابه، فكل ذلك مما يدل على تحريمه.

    الدليل من السنة

    وأما السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم-: «من قال لصاحبه: تعال أقامرك، فليتصدق». أخرجه مسلم، قال ابن حجر: «القمار حرام بالاتفاق، فالدعاء إلى فعله حرام»، وقال النووي: «أمر بالصدقة تكفيرا لخطيئته في كلامه بهذه المعصية».

    دليل الإجماع

    أما الإجماع فقد قال ابن حزم: «أجمعت الأمة على أن الميسر الذي حرمه الله -تعالى- هو القمار»، ويستثنى من ذلك سباق الخيل والإبل والرمي بالسهام، قال القرطبي: «أجمع المسلمون على أن السبق لا يجوز على وجه الرهان إلا في الخف والحافر والنصل. قال الشافعي: ما عدا هذه الثلاثة فالسبق فيها قمار».

    قال ابن قدامة: «واختصت هذه الثلاثة بتجويز العوض فيها؛ لأنها من آلات الحرب المأمور بتعلمها وإحكامها والتفوق فيها، وفي المسابقة بها مع العوض مبالغة في الاجتهاد في النهاية لها والإحكام لها».

    ودليل الجواز في هذه الثلاثة حديث أبي هريرة مرفوعاً: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر» رواه الخمسة، ولم يذكر ابن ماجه(نصل)، والسبق بتحريك الباء هو العوض الذي يخرجه المتسابق، ويسمى القمرة والرهان والخطر. فدل على أن الأصل هو المنع ويستثنى من ذلك هذه الثلاثة والله أعلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •