معاني بعض الحروف يحتاج إليها الفقيه
الشيخ: عبد الله شيخ محفوظ بن بيه

وهو في معاني بعض الحروف التي يترتب عليها حكم شرعي، أو اختلاف بين الفقهاء، وسأذكر في هذا الفصل كلام القرافي في (التنقيح) و(شرحه) بكامله، وأعلق عليه تعليقاً يتناول بعض المعاني التي يستكملها. وقد ذكر القرافي بعض حروف العطف والجر والشرط، فقال: "الواو لمطلق الجمع في الحكم دون الترتيب في الزمان:
قال جماعة من الكوفيين إنها للترتيب، لنا قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ...} (البقرة: 58). وقوله تعالى: {...وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا...} (الأعراف: 161). والقصة واحدة، فلو كان للترتيب .. لزم التناقض، وهو محال، وقوله تعالى حكاية عن كفار العرب: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} (الجاثية: 24). لو كانت للترتيب .. لكانوا معترفين بالحياة بعد الموت والبعث، وليس كذلك، وقيل في هذه الآية: "إن المراد تموت كبارنا وتولد صغارنا فنحيا، فلا يلزم الاعتراف بالبعث على القول بالترتيب، والظاهر من اللفظ هو القول الأول، وأن مرادهم: نحيا ونموت، والواو لا تفيد الترتيب، ولأن الواو قد تدخل فيما لا يمكن الترتيب فيه، كقولنا: تضارب زيد وعمرو، ولا ترتيب في ذلك، فدل على أنها ليست للترتيب.
احتجوا بقوله - عليه الصلاة والسلام -: "بئس الخطيب أنت" (مسلم: 870). لما قال الخطيب: من يطيع الله ورسوله .. فقد رشد، ومن يعصهما .. فقد غوى، وأمره بأن يقول: ومن يعص الله ورسوله .. فقد غوى. ولو لا أن الواو للترتيب .. لما كان بين اللفظين فرق، ولما سمع عمر - رضي الله عنه - قول سُحيم عبد بني الحسحاس:
عُمَيرةَ ودَّع إن تجهَّزتَ غادياً *** كفى الشَيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهيا
قال: لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك، ولو أنها ليست للترتيب .. لما كان بينهما فرق.
والجواب عن الأول: أن الترتيب له سببان: أداة لفظية، وحقيقة زمانية.
فاللفظية نحو: الفاء، وثم، والحقيقة الزمانية هي: أن أجزاء الزمان مرتبة هكذا بعضها قبل بعض، والواقع في المرتب مرتب، وفي السابق سابق على الواقع في اللحق، فالمنطوق به أولاً متقدم؛ لتقدم زمانه على المنطوق به آخراً لتأخير زمانه، ولذلك نقدم المفعول على الفاعل لشرفه بالحقيقة الزمانية فقط، فنقول: أنشد النبي - صلى الله عليه وسلم - حسان بن ثابت - رضي الله عنه – ولا لفظ مرتب هنا، بل الزمان فقط.
إذا تقرر هذا .. فنقول: إذا قال الخطيب: ومن يعص الله ورسوله .. فقد حصل الترتيب بالحقيقة الزمانية عندنا، واتجه عتب الخطيب عند عدمها، فلم قلتم: إن الترتيب لأداة لفظية؟ بل لما ذكرنا وهو مجمع عليه وما ذكرتموه مختلف فيه، وإضافة كلام الشارع للمتقين عليه أولى، وهو الجواب عن الثاني.
فائدة:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" فقد جمع بينهما في الضمير كما جمع الخطيب، فما الفرق وما الجواب؟ الجواب من وجهين:
أحدهما: ذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام - رحمه الله – فقال: إن منصب الخطيب حقير قابل للزلل، فإذا نطق بهذه العبارة .. قد يتوهم فيه لنقصه أنه جمع بينهما في الضمير؛ لأنه أهمل الفصل بينهما في الضمير والفرق، فلذلك امتنع لما فيه من إيهام التسوية، ومنصب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غاية الجلالة والعبد عن الوهم والتوهم فلا يقع بسبب جمعه - عليه الصلاة والسلام - إيهام التسوية.
وثانيهما: ذكره بعض الفضلاء فقال: كلام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – جملة واحدة، وتقدم الظاهر من الجملة الواحدة يبعد استعمال الظاهر مو ضع الضمير، بل الضمير هو الحسن، وكلام الخطيب جملتان: أحدهما مدح والأخرى ذم، فلذلك حسن منه استعمال الظواهر مكان المضمرات.