العقلانيون .. نشأتهم ومبادئهم
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: العقلانيون .. نشأتهم ومبادئهم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,871

    افتراضي العقلانيون .. نشأتهم ومبادئهم

    العقلانيون .. نشأتهم ومبادئهم (1)




    محمود طراد

    خلق الله -تعالى- الإنسان وكرّمه بمجموعة من النعم، كان من أهمها (العقل)؛ فقال -تعالى-: {ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً}(الإسراء : 70)، وأرسل له الرسل ومعهم من الحق ما تهتدي به هذه العقول؛ فقال -تعالى- مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم : {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}(الشورى: 52)، وقد جعل الله تلك الشريعة التي أرسلها مهيمنة، وجعل لك قيادة البشرية وبيان مصالحها؛ لأن العقل البشري، مهما بلغ في قوته ونبوغه، إلا أنه يقصر عن كثير من الأمور، لا يستطيع السير فيها بلا هداية الوحي، لكن فئات من الناس ترفض الحكم بحقيقة هيمنة الدين على الحياة، وقدرته على تيسير أمورها، وإسعاد البشرية، بل تزعم أن العقل قادر بمفرده على إدراك مصلحته، والاستقلال بقيادة البشرية إلى كل خير، بل جعلوا العقل حاكما على الشريعة وهؤلاء هم العقلانيون الجدد.
    الحجا والنهى

    أما العقل فيعني الحجا والنهى، وقد سمي بذلك تشبيها بعقل الناقة؛ لأنه يمنع صاحبه من الانحراف عن السبيل المستقيم، كما يمنع العقل الناقة من الشرود، وإذا نظرنا إلى حديث القرآن والسنة عن العقل، توصلنا إلى أنه الآلة التي يدرك الإنسان بها الأمور، وأنه مناط التكليف؛ وبغيره لا يكون الإنسان مأموراً بشيء، قال صلى الله عليه وسلم : «رفع القلم عن ثلاث»، وذكر منها: المجنون حتى يعقل. يقول الإمام ابن تيمية -رحمة الله عليه-: «والمقصود هنا أن اسم العقل عند المسلمين وجمهور العقلاء، إنما هو صفة، وهو الذي يسمى عرضاً قائماً بالعقل، وعلى هذا دل القرآن في قوله -تعالى-: {لعلكم تعقلون}، وقولهم: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها}(الحج: 46)، وقوله: {قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون}(آل عمران: 118).
    قدرة العقل
    العقلانية باختصار هي القول بقدرة العقل على توجيه الأمور كافة، دون حاجة إلى هاد،ٍ ولو كان من الوحي الشريف، وهي تقديم العقل على نصوص الشريعة، ولاسيما في أمور العقيدة والغيب، وهذه العملية العقلية، معارضة للأمر باتباع العقل للنص، في قوله -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله}؛ فأمر -سبحانه- بالوقوف عند حدوده، وعدم التقدم عليه بحال من الأحوال، أي: لا تسرعوا في الأشياء بين يديه، أي: قبله، بل كونوا تبعا له في الأمور كلها، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ رضي الله عنه ؛ إذ قال له النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: «بم تحكم»؟ قال: بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد»؟ قال: بسنة رسول الله، قال: «فإن لم تجد»؟ قال: أجتهد رأيي؛ فضرب في صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله؛ فالعقلانية هي: الاتجاهات التي تقدم العقل على النقل، وتجعل العقل مصدراً من مصادر الدين، ومحكَّما في النصوص.
    أول العقلانيين إبليس
    كانت أول نزعة عقلانية تقدم العقل على النص صادرة من إبليس في موقفه مع أبينا آدم -عليه السلام-، حين أمره الله -تعالى- بالسجود؛ فاعترض قائلاً: {أأسجد لمن خلقت طينا}(الإسراء: 61)، وقال: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}(الأعراف: 12)؛ ولما نزل سيدنا آدم -عليه السلام- إلى الأرض، وبدأ الصراع بين بني الإنسان وبني الشيطان، وظهرت الشبهة العقلية نفسها في اعتراض أقوام الأنبياء والرسل على المرسلين؛ فأما قوم سيدنا نوح -عليه السلام-؛ فقالوا له: {إنا لنراك في ضلال مبين}(الأعراف: 60)، وأما قوم سيدنا صالح فقالوا: {قد كنت فينا مرجواً قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب}(هود: 62)؛ فكانت هذه بداية الانحرافات العقلية التي قدمت العقل على نصوص الشريعة.
    اعتراضات المشركين العقلية
    نقل القرآن الكريم مجموعة من الاعتراضات العقلية التي تبناها المشركون بعد بعثته صلى الله عليه وسلم ، وهي اعتراضات على الوحي والرسالة ومبادئ الإسلام، وكانت جدالاً بالباطل، حفاظاً على مصالحهم وأهوائهم؛ فقال -تعالى-: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء}(البقرة: 13)، وقال: {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا}(آل عمران: 154)، وحتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم استمرت أعمالهم؛ فظهرت فرق وطوائف يقدمون عقولهم على الشريعة؛ فقال منهم من قال: إن العبد قادر على خلق أفعاله، وقالوا: إن الله لا يعلم الأمر إلا بعد حدوثه، - حاشاه سبحانه – كما ظهرت آراء بعضهم العقلية في نفي الصفات وتوارث أتباعهم هذا المنهج من بعدهم.
    المعتزلة وتقديم العقل
    جاءت فرقة المعتزلة، وهي من أشهر من اعتمد تقديم العقل في عملية التفكير، واعتمدوا مجموعة من المبادئ في ذلك منها:
    - تقديم العقل على النص، وتحكيم العقول في القرآن والسنة، فما وافق العقل قبل، وما لا يقبله العقل لا يُقبل.
    - قالوا لا حاجة في معرفة الله بأسمائه وصفاته إلى النص، حتى قالوا: «معرفة الله لا تنال إلا بالعقل»، وقصر المعرفة على العقل، تعني إنكار المعرفة بالفطرة والنص.
    - أدى بهم ذلك إلى ابتداع قواعد في الدين مخالفة له، كقاعدة الوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، وغير ذلك .
    دين محرف ودين محفوظ
    بسبب اضطهاد الكنيسة الغربية للعلماء قديماً، ظهرت ردة فعل شديدة ضد كل دين؛ فلما قامت الحضارة الغربية قامت خاوية لا روح لها، وأنتجت أجيالاً لا علاقة لها بالدين، وانتشرت تلك الفكرة في العالم، وقد استخدموا كل الوسائل لنشرها، حتى اغتر بتقدمهم كثير من المسلمين؛ فظنوا أن الثورة العقلية التي قاموا بها ضد الدين، هي السبب لتقدم شعوب الأرض كلها، ولم ينتبهوا إلى الفارق العظيم بين دين محرف ودين محفوظ، يدعو إلى العلم ويأمر به، ويعاقب على تركه؛ فالإسلام لا يتعارض مع العلم، وليس بينهما قطيعة، كما كان الحال في أوروبا، ولم تكن هناك يوما عصور ظلام تحتاج إلى مثل هذا التنوير بعدما جاء النبي صلى الله عليه وسلم برسالته.
    الغرب ينشر العقلانية
    عندما حدث احتلال غربي لبلدان عربية وإسلامية كثيرة، قامت الدراسات الاستشراقية ببث مجموعة من الاتجاهات العقلية التي تتعارض مع الدين منها:
    1- دراسات تقوم على الطعن في العقيدة الإسلامية ومصدر التشريع فيها القرآن والسنة.
    2- إثارة الشكوك حول القضايا الغيبية التي لا تدركها الحواس بحجة أن العقل لا يعترف بوجودها.
    3- دراسات تقوم على إعادة تفسير القرآن بما يتناسب مع العلم المادي الحديث.
    4- الاهتمام بإنشاء شبكات تتبنى هذه الأفكار، حتى لا تضيع الأعمال الفردية بلا نتيجة، وهذا ما تقوم به مؤسسات الاستشراق الحديث في مجتمعاتنا إلى يومنا هذا.
    أهم أعمال العقلانيين الجدد
    أما أهم الملفات التي يتعامل معها تيار العقلانيين فهي:
    - أولها: الغيبيات التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ولم نرها بأعيننا.
    - وثانيها: بعض الأحكام الشرعية التي لا تقبلها عقولهم.
    - وثالثها: تصنيفهم لأحاديث نبوية مستحيلة عقلاً.
    - ورابعها: تقديسهم العلم المادي على العلم الديني.
    - وخامسها: كونهم وكلاء للحضارة الغربية، يروجون لها ولمبادئها غير الشرعية ولتقاليدها؛ ولهذا فإن دراسة بعض هذه القضايا يوضح لنا جميعاً كيف تنكر هؤلاء للوحي الشريف؟ وما أهم الشبهات التي يثيرونها على المثقفين والعامة؟
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,871

    افتراضي رد: العقلانيون .. نشأتهم ومبادئهم

    العقلانيون نشأتهم ومبادئهم (2) قواعد عقلانية مغلوطة


    محمود طراد



    لم يكن العقلانيون مجرد تيار له رموز وأفراد ولجان وفروع، بقدر كونهم فكرة يمكن انتشارها -وقد حدث- بين أفراد المجتمع المسلم؛ إذ إنك اليوم -أيها القارئ الكريم- تجد ترديد بعض القوانين العقلية من غير المثقفين؛ فترفض النصوص الشرعية لمجرد أن العقل لم يدرك الحكمة منها، أو ترد الفرائض بهوى من النفس، مع تسويغات فاسدة عقلية، كمن يقول: لو كان الله يريد المرأة بحجاب، لخلقها بالحجاب! وهذا رد للنصوص الشرعية باتباع هوى وبتسويغ عقلي فاسد، وصدق الله؛ إذ يقول لنبيه: {ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين}(البقرة : 145)، وفي هذا المقال، نعرض أهم القواعد العقلانية المغلوطة لدى التيار العقلاني .

    موقفهم من التفسير بالمأثور

    كان منهج الإمام ابن كثير -رحمه الله تعالى- في التفسير معتمداً على تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة، وتفسير القرآن بالمأثور من أقوال الصحابة والتابعين، وأما التفسير بالرأي، فهو حرام ممنوع، بينما يجنح العقلانيون إلى التقليل من التفسير بالمأثور إذا خالف العقل، ولو كان هذا الحديث في الصحيحين؛ فالاستدلال عندهم يكون بالأحاديث التي لا تخالف ما ذهبوا إليه، وإلا فإنهم يردون الحديث ولو كان صحيحاً؛ وذلك إذا لم يقبل تأويلاً من تأويلاتهم؛ من ذلك مثلاً إنكار سحر النبي صلى الله عليه وسلم، رغم أنه قد ورد عند الإمامين البخاري، ومسلم، من حديث السيدة عائشة -رضي الله عنها-، وكان ذلك من فعل لبيد بن الأعصم، وقد جاء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله، والحقيقة أن السحر مثل أي مرض، يعتري البشر والنبي بشر، ولم يؤثر السحر بشيء على الوحي والرسالة.

    التحذير من الإسرائيليات

    للسلف موقف واضح من التفسير بالإسرائيليات، يتلخص فيما يلي:

    - أولاً: ما وافق شريعتنا تجوز روايته للاستشهاد به لا للاعتقاد.

    - ثانياً: أن ما خالف شريعتنا، لا تصح روايته.

    - ثالثاً: ما لم يأت في شريعتنا ما يوافقه أو يخالفه؛ فهذا يجوز حكايته من غير تصديق ولا تكذيب.

    أما العقلانيون فيحذرون من الإسرائيليات جميعها، وينسبونها إلى كعب الأحبار، ووهب بن منبه، ويقولون عنهما: إنهما بطلا الإسرائيليات، وينبوع الخرافات، وهذا اعتداء يخضع للهوى، وفيه من البعد عن التقيد بالسنة وأقوال الصحابة ما هو ظاهر؛ فأئمة السنة قد خرجوا لهما، وقد جاءت أحاديثهما في صحيحي البخاري، ومسلم، وقال الإمام الذهبي -رحمه الله تعالى- عن وهب ابن منبه: «كان ثقة صادقاً كثير النقل من كتب الإسرائيليات».

    باب الاجتهاد مفتوح لكل أحد

    من أهم قواعدهم نبذ التقليد بأنواعه، ومنها التقليد للنصوص! وليت شعري، هل يكون الاتباع للنصوص وأقوال الصحابة والتابعين تقليداً مذموماً؟ كيف وهو المأمور به؟ ولا يسمى الأخذ بالكتاب والسنة والإجماع تقليداً أصلاً؛ لأن ذلك هو الحجة نفسه، قال -تعالى-: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى}(النساء: 115)، وقال -تعالى-: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا}(البقرة: 137)، وقال -تعالى- عن متبعي الصحابة: {والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها}(التوبة: 100)، وأما الاجتهاد المقبول، فهو في المسائل التي لا نص فيها، والأئمة أنفسهم قد صرحوا بذم التقليد، ونهوا عن معارضة النصوص بأقوالهم.

    التأويل هو المخرج عند العقلانيين

    قد جاءت نصوص كثيرة تخبر بأمور غيبية، والأمور الغيبية لا يدركها العقل بنفسه، وهنا يستخدم العقلانيون التأويل لتلك الأخبار الغيبية؛ فإن وجدوا لها تأويلاً وإلا رفضوها، من ذلك الأحاديث التي هي عن يوم القيامة، وأهواله، وعن الأمور الغيبية المتعلقة بالله -تعالى-؛ فيقولون مثلاً: إن حمل عرش الله -تعالى- في قوله: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}، تمثيل لكمال عزته وأخذ الكتاب باليمين والشمال، كذلك تمثيل خيالي ليس فيه شيء حقيقة، وكذلك النفخ في الصور ليس نفخاً على الحقيقة، بل هو تمثيل لما سيجري يوم القيامة، ومن العجيب أن مبدأ التأويل عندهم لا يقتصر على الأمور المستقبلية، بل يتعلق عندهم أيضاً بقصص الماضي في أخبار السابقين.

    المعجزات عندهم ليست دليلاً على الرسالة !

    إن أهل السنة والجماعة يؤمنون بالمعجزات والخوارق، كما جاءت أخبارها في النصوص الدينية، التي خلقها الله -تعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم ، إثباتاً لنبوته، أما العقلانيون؛ فيرون الخوارق والمعجزات بشكل آخر، يتوافقون فيها مع مضمونها في اعتقاد المستشرقين؛ إذ تجد مثلا المستشرق (جيب) يقول: لكن حرفية هذا الاتجاه، لاسيما فيما يتعلق بأوصاف الجنة والنار، وكذلك الإسهاب في الحديث عن العجائب يُعدُّ مانعاً لدى الروح التحررية الجديدة، وكذلك العقلانيون يؤولون، أو يحرفون معاني المعجزات.

    عدالة الصحابة عند العقلانيين

    إن أهل السنة يؤمنون بأن الطعن في الصحابة وعدالتهم، طعن في الكتاب والسنة؛ لأنهم الذين نقلوا القرآن والسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم لمن جاء بعدهم، وقد أثنى الله -تعالى- عليهم في القرآن فقال: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم}، الآية (الفتح: 29)، وقال -تعالى-: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه}(التوبة: 100)، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي»، وأما عند العقلانيين؛ فبما أن العقل مقدم على كل شيء؛ فإنه لا ضرر عندهم إذا ظنوا أن سيدنا أبا هريرة زاد في الأحاديث من عنده؛ إذ لا يمكن عندهم عقلاً أن يكون قد رواها كلها عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل يزعم بعضهم أنه استباح الكذب للمصلحة؛ وذلك لأن عقله لا يستوعب أن ينقل هذه الأحاديث كلها!

    الربط بين الشريعة والفلسفة

    نظرا لتأثر العقلانيين بكلام الفلاسفة؛ فإنهم يحاولون الربط بين الشريعة والفلسفة من خلال كثير من الأقوال الموضوعة والشاذة، وقد كانت بداية هذا الأمر من تعظيمهم العقل إلى أبعد حد من خلال حديث موضوع هو: «أو لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، فقال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم علىّ منك فبك آخذ وبك أعطي، وبك الثواب وبك العقاب»، والسبب في تبنيهم الفلسفة بهذا الشكل، ظنهم أنها سبب التقدم أو التأخر، وأن الانحدار الذي عاشته أوروبا في العصور الوسطى؛ كان بسبب إهمالها للفلسفة، وأنها حازت القدم والسبق لما علمت قيمة الفلسفة وعملت على إحيائها!


    الانحرافات في هذه القواعد

    إن ما سبق من قوانين وقواعد لدى التيار العقلاني، يتناقض مع الشريعة تناقضاً واضحاً، وقد نتجت تلك الانحرافات بسبب ما يلي:
    - أولاً: طريقة معالجة العقلانيين لقضية الألوهية، وقضية الكون المادي؛ وذلك عندما تم إقحام العقل فيما لا يستطيع الوصول إليه.
    - ثانياً: تحويل القضايا كلها إلى قضايا فلسفية بحتة، تبدأ من العقل وتنتهي إليه؛ فيثبتون ما يثبت العقل، وينفون ما ينفيه العقل.
    - ثالثاً: كثرة تخبط الفلاسفة فيما بينهم، وكثرة معارضاتهم بعضهم لبعض، وذلك ليس بعجيب؛ فما دامت العقول متباينة؛ فإن الآراء ستتباين، وما دام الشرع ليس المصدر بل العقل -عندهم-؛ فإن التخبط لازم وناتج طبيعي؛ فالحمد لله الذي جعل لأهل السنة مصدراً يجتمعون عليه.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,871

    افتراضي رد: العقلانيون .. نشأتهم ومبادئهم

    العقلانيون نشأتهم ومبادئهم (3) موقف العقلانيين من أهل الحديث والوحي


    محمود طراد

    أيها القارئ الكريم، بعد أن تحدثنا في المقال السابق عن قواعد العقلانيين المغلوطة التي يقوم عليها كثير من مذهبهم المنحرف، نسلط الضوء في هذا المقال على تطبيقات لتلك القواعد، فيما يخص قضايا الشريعة وقضايا الغيبيات التي يقوم عليها الإسلام؛ فالدين عقيدة وشريعة، قال -تعالى-: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} الجاثية: 18 وقال -تعالى-: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} البقرة: 120 وهذه القواعد المنحرفة أدت إلى اعتقادات منحرفة وأحكام مغلوطة فهيا بنا نطالع بعض تلك التطبيقات.

    موقفهم من أهل الحديث

    لم يكن منهجهم مجرد التشكيك، بل يعمدون دائماً إلى التقليل من أهل الحديث وإهدار قيمتهم، فيرون أن حفاظ الحديث ليسوا سوى نسخ كالنسخ المطبوعة، رغم أن أهل الحديث من أشرف الناس سنداً إذ تتعلق مروياتهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، والحرص على تعلم الحديث محمدة ومنقبة من مناقب الصحابة رضوان الله عليهم، وقد جاء في صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لسيدنا أبي هريرة حين سأله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة: لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث. فهذه فضيلة من فضائل الصحابة نالها رواة الحديث ونقلته من السلف ومن المعاصرين.

    لا يؤمنون إلا بالحواس

    يقول أحدهم: إن طريقة البحث العلمي جعلتنا لا نتقيد إلا بالواقع الذي تدركه الحواس، وأن نتحرر من العقائد الغيبية. وأنت ترى -أخي القارئ- أنهم يوهمون الناس بأن العلم يتناقض بل يحارب الإيمان بما غاب عن حواس الإنسان، ويدعي أحدهم أن الإسلام هو الذي يدعوهم إلى ذلك، فيقول: «والدين الإسلامي يتميز بأن يدعو إلى المعرفة بالبحث والتحقيق التجريبي، ولا يطلب الإيمان دون اقتناع، ولا يفترض الاقتناع بغير برهان، فهو يختلف عن الأديان الأخرى، وإن تفرع عن بعضها، أو على الأصح استوعبه، يختلف من حيث إنه لا يعترف بالغيبيات أو من وجهة مختلفة لوجهة العلم أو على مدركات مخالفة لتلك التي تؤلف مادة العلم الطبيعي». وهذه دعوى باطلة زعم العقلانيون فيها أن عدم الإيمان بالغيبيات هو السبيل إلى التوفيق مع العلم الحديث.

    منهج أهل السنة والجماعة

    فإن الإيمان بالغيبيات عندهم من أصول الدين، ولا يقوم الإسلام إلا عليه، فالإيمان بالله -تعالى- غيب والإيمان بالملائكة غيب وكذا الإيمان بالكتب والرسل، وليس من الغريب أن تتحدث أولى آيات القرآن الكريم عن الإيمان بالغيب، قال -تعالى-: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} البقرة: 1- 3، وقد أخبرنا الله -تعالى- أنه لا يطلع على الغيب كل خلقه: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} الجن: 26-27، وقال -تعالى-: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} آل عمران: 179، وأخبرنا أن عنده مفاتيح الغيب، فقال -تعالى-: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} الأنعام: 59، وما أكثر الآيات التي جاءت الإشارة فيها إلى الغيب، وأن الله وحده هو المتصرف فيه. فالإيمان به من أصول الدين ولا يقوم الإسلام إلا عليه.

    سؤالنا للعقلانيين

    لماذا يرفض العلم الغيب في نظركم؟ فرغم أن العلم التجريبي لا علاقة له بالغيبيات وليس هذا مجاله ولا تخصص عمله إلا أن العقلانيين ينصبون الخلاف بينه وبين الغيب، بل إنه لا يملك أي وسيلة لذلك، فالعلم المادي إنما يقدم للعالم مناهج للبحث والابتكار المادي، كما أن العلم التجريبي علم مشاهدة واستنتاج واستقراء مادي حسي، وإن مما يناقض العلم والعقل أن يُستدل على الغيب بأدوات المعامل، أو بالاستقراء العقلي المجرد فلا سبيل لهذا العقل إلا بالوحي. قال -تعالى-: {وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} البقرة: 198 وقال -تعالى-: {وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} البقرة: 151، ومهما كانت كثرة النتائج التي توصل إليها العلم التجريبي فإنها في علم الله الغيبي لا تساوي شيئاً قال -تعالى-: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} الإسراء: 85، وهكذا -أخي الكريم- ترى بنفسك أن انحرافهم في قضية الغيب تنحرف بعقيدة المسلم، فهذا ينكر القصص الواردة في القرآن، وآخر ينكر أحداث القيامة، وثالث لا يؤمن بالقضاء والقدر!

    الواقع العملي من التوحيد

    نؤمن بأن الله -تعالى- هو المستحق بالعبادة وأنه -تعالى- الخالق الرازق وأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وقد انحرف العقلانيون في العمل بمقتضيات هذه الأمور وهذه مظاهر انحرافهم:

    - أولاً: فطالما أن الله -تعالى- هو الذي يستحق الطاعة والعبادة وحده فإنه عز وجل لا يعبد إلا بما شرع، ولا تقوم الدنيا إلا حسب مراده، لكن العقلانيين يقدمون عقولهم على النصوص ويقدمون آراء الرجال على الأحكام، قال -تعالى-: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} النساء: 65.

    - ثانياً: أن ولاءهم ومحبتهم لغير الصالحين، بل يقدمون موالاة غير المسلمين على المسلمين، ويفضلون المستشرقين على العلماء المسلمين، فيستمدون منهم أفكارهم ويوالونهم عليها، ويدافعون عنها رغم أن رواد تلك النظريات العقلية نذروا حياتهم لمحاربة الله -تعالى-، ومن هؤلاء الذين يوالون ويعادون على نظرياتهم: (هيجل) و(كانت) و(سارتر) و(دارون) و(فرويد) وغيرهم.

    أخطر مواقفهم تجاه القرآن الكريم

    بما أن الوحي الشريف هو الرسالة التي تضمنت الدين، فإن العقلانيين بمبادئهم وقوانينهم لم يقفوا منه موقف المؤمن المصدق المؤيد، بل وقفوا منه موقف الناقد المتشكك، وقد برز موقفهم هذا في صور كثيرة منها ما يلي:

    1- زعموا أن اتصال الرسول بالملك ونقل الوحي بالصورة المعروفة في ديننا أمر لا يقبله العقل، وأن العلم لم يثبت إمكانية حدوث مثل ذلك، فحكموا العقل في نقل الوحي.

    2- يرى بعضهم أن القرآن الكريم كان نتيجة لتأملات باطنية وانفعالات نفسية، من قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كانت له شخصيته الفذة العبقرية، وهذا الانحراف يأخذ إلى القول ببشرية القرآن، والقداسة التي يضعها المسلمون حول القرآن هي في نظرهم مبالغة لا أكثر.

    3- القول بأن الوحي قد جاء ليصحح أوضاعاً معينة في أزمان معينة، وأن تطور العلم الحديث يؤكد في نظرهم على أن القرآن لم يعد صالحاً للتطبيق.

    4- جرأتهم على تحريف معاني الآيات، حسب قوانينهم المنحرفة لتتماشى مع ما ذهبوا إليه سلفاً، فأهل الأهواء يعتقدون ثم يستدلون، خلافاً لأهل السنة الذين يستدلون ثم يعتقدون.

    من أخطر أقوالهم في طريقة نزول الوحي


    يصف أحدهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه تلقى الوحي في حال إرهاق عقلي! فيقول: «لقد رأى العقل المرهق لدى محمد في هذا صورة أطياف نورانية، أطياف هي الوسيط بين الله في السماء والإنسان في الأرض»، وهذه فرية استشراقية، فعقل النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن مرهقاً بل كان عقلاً سوياً، كما يزعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم- تلقى الوحي وهو في حال استغراق وتلك أيضا من شبهات المستشرقين؛ حيث يزعمون أن الوحي هو حال من الاستغراق الفكري والنفسي وحال من الغيبوبة واللاشعورية، يقول أحدهم: «ألقي في مسمع محمد صوت جديد وقال: إنك رسول الله، وحين كان محمد يستغرق في أفكاره كان ذلك الصوت يبدو له واضحاً جلياً». وأود التأكيد لك -أيها القارئ الكريم- على أن محاولتهم نشر تلك الفرية إنما هو لغاية معينة، فهم يرون أن حالة الاستغراق عند المفكرين والعباقرة مصدر إلهام وكشف، والنبي تلقى -في نظرهم- الوحي بهذه الطريقة، وعلى ذلك فلا داعي إلى القول بأن القرآن وحي أو أنه كلام الله! وكل هذا يتناقض مع الدين والعقيدة والفطرة.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •