العقلانيون .. نشأتهم ومبادئهم (1)




محمود طراد

خلق الله -تعالى- الإنسان وكرّمه بمجموعة من النعم، كان من أهمها (العقل)؛ فقال -تعالى-: {ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً}(الإسراء : 70)، وأرسل له الرسل ومعهم من الحق ما تهتدي به هذه العقول؛ فقال -تعالى- مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم : {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}(الشورى: 52)، وقد جعل الله تلك الشريعة التي أرسلها مهيمنة، وجعل لك قيادة البشرية وبيان مصالحها؛ لأن العقل البشري، مهما بلغ في قوته ونبوغه، إلا أنه يقصر عن كثير من الأمور، لا يستطيع السير فيها بلا هداية الوحي، لكن فئات من الناس ترفض الحكم بحقيقة هيمنة الدين على الحياة، وقدرته على تيسير أمورها، وإسعاد البشرية، بل تزعم أن العقل قادر بمفرده على إدراك مصلحته، والاستقلال بقيادة البشرية إلى كل خير، بل جعلوا العقل حاكما على الشريعة وهؤلاء هم العقلانيون الجدد.
الحجا والنهى

أما العقل فيعني الحجا والنهى، وقد سمي بذلك تشبيها بعقل الناقة؛ لأنه يمنع صاحبه من الانحراف عن السبيل المستقيم، كما يمنع العقل الناقة من الشرود، وإذا نظرنا إلى حديث القرآن والسنة عن العقل، توصلنا إلى أنه الآلة التي يدرك الإنسان بها الأمور، وأنه مناط التكليف؛ وبغيره لا يكون الإنسان مأموراً بشيء، قال صلى الله عليه وسلم : «رفع القلم عن ثلاث»، وذكر منها: المجنون حتى يعقل. يقول الإمام ابن تيمية -رحمة الله عليه-: «والمقصود هنا أن اسم العقل عند المسلمين وجمهور العقلاء، إنما هو صفة، وهو الذي يسمى عرضاً قائماً بالعقل، وعلى هذا دل القرآن في قوله -تعالى-: {لعلكم تعقلون}، وقولهم: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها}(الحج: 46)، وقوله: {قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون}(آل عمران: 118).
قدرة العقل
العقلانية باختصار هي القول بقدرة العقل على توجيه الأمور كافة، دون حاجة إلى هاد،ٍ ولو كان من الوحي الشريف، وهي تقديم العقل على نصوص الشريعة، ولاسيما في أمور العقيدة والغيب، وهذه العملية العقلية، معارضة للأمر باتباع العقل للنص، في قوله -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله}؛ فأمر -سبحانه- بالوقوف عند حدوده، وعدم التقدم عليه بحال من الأحوال، أي: لا تسرعوا في الأشياء بين يديه، أي: قبله، بل كونوا تبعا له في الأمور كلها، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ رضي الله عنه ؛ إذ قال له النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: «بم تحكم»؟ قال: بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد»؟ قال: بسنة رسول الله، قال: «فإن لم تجد»؟ قال: أجتهد رأيي؛ فضرب في صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله؛ فالعقلانية هي: الاتجاهات التي تقدم العقل على النقل، وتجعل العقل مصدراً من مصادر الدين، ومحكَّما في النصوص.
أول العقلانيين إبليس
كانت أول نزعة عقلانية تقدم العقل على النص صادرة من إبليس في موقفه مع أبينا آدم -عليه السلام-، حين أمره الله -تعالى- بالسجود؛ فاعترض قائلاً: {أأسجد لمن خلقت طينا}(الإسراء: 61)، وقال: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}(الأعراف: 12)؛ ولما نزل سيدنا آدم -عليه السلام- إلى الأرض، وبدأ الصراع بين بني الإنسان وبني الشيطان، وظهرت الشبهة العقلية نفسها في اعتراض أقوام الأنبياء والرسل على المرسلين؛ فأما قوم سيدنا نوح -عليه السلام-؛ فقالوا له: {إنا لنراك في ضلال مبين}(الأعراف: 60)، وأما قوم سيدنا صالح فقالوا: {قد كنت فينا مرجواً قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب}(هود: 62)؛ فكانت هذه بداية الانحرافات العقلية التي قدمت العقل على نصوص الشريعة.
اعتراضات المشركين العقلية
نقل القرآن الكريم مجموعة من الاعتراضات العقلية التي تبناها المشركون بعد بعثته صلى الله عليه وسلم ، وهي اعتراضات على الوحي والرسالة ومبادئ الإسلام، وكانت جدالاً بالباطل، حفاظاً على مصالحهم وأهوائهم؛ فقال -تعالى-: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء}(البقرة: 13)، وقال: {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا}(آل عمران: 154)، وحتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم استمرت أعمالهم؛ فظهرت فرق وطوائف يقدمون عقولهم على الشريعة؛ فقال منهم من قال: إن العبد قادر على خلق أفعاله، وقالوا: إن الله لا يعلم الأمر إلا بعد حدوثه، - حاشاه سبحانه – كما ظهرت آراء بعضهم العقلية في نفي الصفات وتوارث أتباعهم هذا المنهج من بعدهم.
المعتزلة وتقديم العقل
جاءت فرقة المعتزلة، وهي من أشهر من اعتمد تقديم العقل في عملية التفكير، واعتمدوا مجموعة من المبادئ في ذلك منها:
- تقديم العقل على النص، وتحكيم العقول في القرآن والسنة، فما وافق العقل قبل، وما لا يقبله العقل لا يُقبل.
- قالوا لا حاجة في معرفة الله بأسمائه وصفاته إلى النص، حتى قالوا: «معرفة الله لا تنال إلا بالعقل»، وقصر المعرفة على العقل، تعني إنكار المعرفة بالفطرة والنص.
- أدى بهم ذلك إلى ابتداع قواعد في الدين مخالفة له، كقاعدة الوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، وغير ذلك .
دين محرف ودين محفوظ
بسبب اضطهاد الكنيسة الغربية للعلماء قديماً، ظهرت ردة فعل شديدة ضد كل دين؛ فلما قامت الحضارة الغربية قامت خاوية لا روح لها، وأنتجت أجيالاً لا علاقة لها بالدين، وانتشرت تلك الفكرة في العالم، وقد استخدموا كل الوسائل لنشرها، حتى اغتر بتقدمهم كثير من المسلمين؛ فظنوا أن الثورة العقلية التي قاموا بها ضد الدين، هي السبب لتقدم شعوب الأرض كلها، ولم ينتبهوا إلى الفارق العظيم بين دين محرف ودين محفوظ، يدعو إلى العلم ويأمر به، ويعاقب على تركه؛ فالإسلام لا يتعارض مع العلم، وليس بينهما قطيعة، كما كان الحال في أوروبا، ولم تكن هناك يوما عصور ظلام تحتاج إلى مثل هذا التنوير بعدما جاء النبي صلى الله عليه وسلم برسالته.
الغرب ينشر العقلانية
عندما حدث احتلال غربي لبلدان عربية وإسلامية كثيرة، قامت الدراسات الاستشراقية ببث مجموعة من الاتجاهات العقلية التي تتعارض مع الدين منها:
1- دراسات تقوم على الطعن في العقيدة الإسلامية ومصدر التشريع فيها القرآن والسنة.
2- إثارة الشكوك حول القضايا الغيبية التي لا تدركها الحواس بحجة أن العقل لا يعترف بوجودها.
3- دراسات تقوم على إعادة تفسير القرآن بما يتناسب مع العلم المادي الحديث.
4- الاهتمام بإنشاء شبكات تتبنى هذه الأفكار، حتى لا تضيع الأعمال الفردية بلا نتيجة، وهذا ما تقوم به مؤسسات الاستشراق الحديث في مجتمعاتنا إلى يومنا هذا.
أهم أعمال العقلانيين الجدد
أما أهم الملفات التي يتعامل معها تيار العقلانيين فهي:
- أولها: الغيبيات التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ولم نرها بأعيننا.
- وثانيها: بعض الأحكام الشرعية التي لا تقبلها عقولهم.
- وثالثها: تصنيفهم لأحاديث نبوية مستحيلة عقلاً.
- ورابعها: تقديسهم العلم المادي على العلم الديني.
- وخامسها: كونهم وكلاء للحضارة الغربية، يروجون لها ولمبادئها غير الشرعية ولتقاليدها؛ ولهذا فإن دراسة بعض هذه القضايا يوضح لنا جميعاً كيف تنكر هؤلاء للوحي الشريف؟ وما أهم الشبهات التي يثيرونها على المثقفين والعامة؟