الأدلة على علوّ الله تعالى على خلقه وأنّه سبحانه فوق السموات
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: الأدلة على علوّ الله تعالى على خلقه وأنّه سبحانه فوق السموات

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,492

    افتراضي الأدلة على علوّ الله تعالى على خلقه وأنّه سبحانه فوق السموات

    استدلّ أهل السنة على علو الله تعالى على خلقه علواً ذاتياً بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة : أولا : فأما الكتاب فقد تنوعت دلالته على علو الله ، فتارة بذكر العلو، وتارة بذكر الفوقية ، وتارة بذكر نزول الأشياء من عنده ، وتارة بذكر صعودها إليه ، وتارة بكونه في السموات...

    فالعلو مثل قوله : ( وهو العلي العظيم ) البقرة/255 ، ( سبح اسم ربك الأعلى ) الأعلى/1.
    والفوقية: ( وهو القاهر فوق عباده ) الأنعام/18 ، ( يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ) النحل/50.

    ونزول الأشياء منه، مثل قوله : ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض) السجدة/5 ، ( إنا نحن نزلنا الذكر ) الحجر/9 وما أشبه ذلك .
    وصعود الأشياء إليه ، مثل قوله : ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) فاطر/10 ومثل قوله : ( تعرج الملائكة والروح إليه ) المعارج/4.
    كونه في السماء ، مثل قوله: ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ) الملك /16.

    ثانياً: وأما السنة فقد تواترت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله وإقراره :

    فمما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم في ذكر العلو والفوقية قوله ( سبحان ربي الأعلى ) كما كان يقول في سجوده وقوله في الحديث : ( والله فوق العرش ) .
    (2) وأما الفعل ، فمثل رفع أصبعه إلى السماء ، وهو يخطب الناس في أكبر جمع ، وذلك في يوم عرفة، عام حجة الوداع فقال علية الصلاة والسلام ( ألا هل بلغت؟ ) . قالوا : نعم ( ألا هل بلغت؟ ) قالوا: نعم ( ألا هل بلغت؟ ) قالوا : نعم . وكان يقول : ( اللهم ! أشهد ) ، يشير إلى السماء بأصبعه ، ثم يُشير إلى الناس . ومن ذلك رفع يديه إلى السماء في الدعاء كما ورد في عشرات الأحاديث . وهذا إثبات للعلو بالفعل .
    (3) وأما التقرير، كما جاء في حديث الجارية التي قال لها النبي صلى الله عليه وسلم : أين الله؟ قالت : في السماء. فقال : ( من أنا؟ ) قالت : رسول الله . فقال لصاحبها : ( أعتقها، فإنها مؤمنة ) .

    فهذه جارية غير متعلمة كما هو الغالب على الجواري ، وهي أمة غير حرة ، لا تملك نفسها، تعلم أن ربها في السماء، وضُلّال بني آدم ينكرون أن الله في السماء ، ويقولون: إنه لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال بل يقولون : إنه في كل مكان !!.

    ثالثاً: وأما دلالة الإجماع ، فقد أجمع السلف على أن الله تعالى بذاته في السماء ، كما نقل أقوالهم أهل العلم كالذهبي رحمه الله في كتابه : " العلوّ للعليّ الغفار " .

    رابعاً: وأما دلالة العقل فنقول إن العلو صفة كمال باتفاق العقلاء ، وإذا كان صفة كمال، وجب أن يكون ثابتاً لله لأن كل صفة كمال مطلقة ، فهي ثابتة لله .

    خامساً: وأما دلالة الفطرة: فأمر لا يمكن المنازعة فيها ولا المكابرة ، فكل إنسان مفطور على أن الله في السماء، ولهذا عندما يفجؤك الشيء الذي لا تستطيع دفعه ، وتتوجه إلى الله تعالى بدفعه، فإن قلبك ينصرف إلى السماء وليس إلى أيّ جهة أخرى ، بل العجيب أنّ الذين ينكرون علو الله على خلقه لا يرفعون أيديهم في الدعاء إلا إلى السماء .

    وحتى فرعون وهو عدو الله لما أراد أن يجادل موسى في ربه قال لوزيره هامان : ( يا هامان ابن لي صرحاً لعلي ابلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى .. الآية ) . وهو في حقيقة أمره وفي نفسه يعلم بوجود الله تعالى حقّا كما قال عزّ وجلّ : ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ) .
    فهذه عدّة من الأدلة على أن الله في السماء من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة بل ومن كلام الكفار نسأل الله الهداية إلى الحق .[ المصدر الاسلام سؤال وجواب]

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,492

    افتراضي رد: الأدلة على علوّ الله تعالى على خلقه وأنّه سبحانه فوق السموات

    إن العلم بالله وأسمائه وصفاته أشرف العلوم وأجلها على الإطلاق، لأن شرف العلم بشرف المعلوم، والمعلوم في هذا العلم هو الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو أفضل ما حصَّلته النفوس، وأشرف ما اكتسبته القلوب، وأزكى ما أدركته العقول؛، فأجل معلوم وأعظمه وأكبره هو الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم، الحي القيوم الملك الحق المبين العلي العظيم، الموصوف بصفات الكمال ونعوت الجمال، المنزه عن كل نقص وعيب، وعن كل تشبيه وتمثيل؛ لكن الأسف فالأسف أن مع كون علم أسماء الله وصفاته أشرف العلوم، وأعظمها فقد تشتت الآراء، وتنازعت الأفكار، ووقع النزاع الشديد بين الأمة في هذا الباب بعد انقضاء عصر الصحابة، ومُضي الرعيل الأول، فانقسم الناس في هذا الباب بعد ائتلاف إلى ثلاث طوائف: أهل تعطيل، وهم الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية مع التفاوت فيما بينهم، وأهل تمثيل وهم السبأية من غلاة الروافض وغيرهم، وهم –أيضاً- طوائف، وأهل سواء السبيل وهم أهل السنة والجماعة الذين سلكوا سبيل ذلك الرعيل الذي عاصر التنزيل، واقتدوا بهم، واهتدوا بهديهم، فسلموا من ضلالة النفي والتعطيل، ولم يرتكسوا في حَمَأَة التشبيه والتمثيل، وكانوا بين ذلك على هدي قاصد وصراط مستقيم
    ثم إن من أشد ما وقع فيه الضلال والانحراف من هذا الباب بين الأمة هو صفة العلو لله تبارك وتعالى على الرغم من ورود الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة على ثبوتها مع تنوعها وكثرتها، فضل فيها خلق كثير، وحرفوا النصوص الواردة فيها عن معانيها، وحملوها على غير مرادها، وانحرفوا عن إثباتها لله تعالى كما يليق بجلال الله وعظمته سبحانه. فياتي موضوعنا مبيناً لهذه الصفة العظيمة، ومعناها في اللغة، وإطلاقاتها في القرآن والسنة، وموضحاً لتنوع الأدلة الدالة على ثبوتها لله تعالى من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة مع بيان معتقد أهل السنة والجماعة في هذه الصفة، وإبراز ما هم عليه من الحق والصواب بالإضافة إلى سرد أقوال المخالفين وشبههم، والرد عليهم بدحض شبهاتهم وتفنيدها،
    معنى العلو لغةً .
    العلوُّ مصدر من علا الشيءُ عُلُوًّا فهو عَليٌّ ويقال: عَلا فلانٌ الجبل إذا رَقِيَه، وعَلا فلان فلانًا إذا قَهَره، والعَليُّ الرَّفيعُ، وتَعالَى تَـرَفَّع، وأصل هذه المادة يدلُّ على السموِّ والارتفاع، وهو ضد السُّفل([2]).
    المقصود بعلو الله عند أهل السنة والجماعة، وأقسامه.
    إن المقصود بعلو الله عند أهل السنة والجماعة هو أن الله عز وجل له العلو المطلق من كل الوجوه، قال تعالى: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)، فاسمه تعالى “العلي” دل على العلو المطلق من كل الوجوه، قال ابن القيم -رحمه الله- :”وكذلك اسم العلي، واسم الحكيم وسائر أسمائه، فإن من لوازم اسم العلي العلو المطلق بكل اعتبار، فله العلو المطلق من جميع الوجوه: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات، فمن جحد علو الذات فقد جحد لوازم اسمه العلي”
    فالله سبحانه وتعالى عظيم فليس فوقه عظيم ولا يٌشبهه عظيم، وأنه سبحانه وتعالى هو الذي له الخلق والأمر وحده، كما أنه له العبادة وحده، وأنه تعالى قهر جميع المخلوقات فلا يخرج أحد منهم عن سلطانه وقهره، وأنه بذاته فوق خلقه
    فهم يثبتون العلو لله بجميع أقسامه، وأقسامه ثلاثة، وهي كما يلي:
    أولاً: علو القدر والعظمة والشأن: ومعناه أن الله ذو قدر عظيم لا يساويه فيه أحد من خلقه، ولا يعتريه معه نقص، ومن أدلته قوله تعالى: “وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ” (الزمر:67).
    ثانياً: علو القهر والغلبة والسلطان: وهو أن الله سبحانه وتعالى قاهر جميع مخلوقاته بسلطانه، فالخلق مسخرون كلهم بسلطانه، ومن أدلته قوله تعالى: “وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ” (الأنعام:61).
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- :”والمنازع يُسَلِّمُ أنه موصوف بعلو المكانة وعلو القهر، وعلو المكانة معناه: أنه أكمل من العالم، وعلو القهر مضمونه أنه قادر على العالم، فإذا كان مباينًا للعالم، كان من تمام علوه أن يكون فوق العالم، لا محاذيًا له، ولا سافلًا عنه، وَلَمَّا كان العلو صفة كمال، كان ذلك من لوازم ذاته، فلا يكون مع وجود غيره إلا عاليًا عليه، لا يكون قط غير عَالٍ عليه”
    ثالثاً: علو الذات: وهو أن الله تعالى بذاته فوق عرشه وعلى جميع خلقه، ومن أدلته قوله تعالى:”أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ” (الملك:17).
    قال ابن القيم -رحمه الله- :”لأن جماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله سبحانه وتعالى من جهة الفوق في الدعاء والسؤال واتفاقهم بأجمعهم على ذلك حجة ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق”.
    قال أيضاً -رحمه الله- في النونية: والفَوْق أنواعٌ كلها_______________لله ثابتة بلا نُكران
    فوقية الذات، وفوقية القهر، وفوقية القدْر.
    العلو ثلاثة أقسام علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات، فأما القسمان الأولان فلا يختلف في إثباته لله أحد من المسلمين، وأما القسم الثالث وهو علو الذات فأهل التعطيل ينكرونه، ويثبته أهل السنة والجماعة، فمحل النزاع في المسألة هو إثبات علو الذات - يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- :”والمنازع يُسَلِّمُ أنه موصوف بعلو المكانة وعلو القهر
    الفرق بين العلو والاستواء.
    العلو والاستواء على العرش صفتان من صفات الله تعالى أثبتهما سبحانه لنفسه في محكم كتابه، وأثبتهما له رسول e ويجب الإيمان بهما على حقيقتهما من غير تعطيل، ولا تأويل، ولا تشبيه، ولا تمثيل، ويمكن التفريق بينهما بوجوه تالية:
    أولاً: صفة العلو تقتضي علو الله تعالى على جميع مخلوقاته بما فيها العرش وغيره، وصفة الاستواء تقتضي علو الله تعالى على عرشه واستواءه عليه.
    ثانياً: أن العلو ثابت بالعقل والفطرة والنص ، أما الاستواء فثابت بالنص فقط، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- : “وأما الاستواء على العرش: فمن الصفات المعلومة بالسمع فقط دون العقل
    ثالثاً: أن العلو صفة ذات لله تعالى، فهو متصف بها أزلاً وأبداً لا تنفك عنه، وأما الاستواء فهو صفة فعل، متعلقة بمشيئة الله جل وعلا.
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- :”فالأصل أن علوه على المخلوقات وصف لازم له كما أن عظمته وكبرياءه وقدرته كذلك وأما “الاستواء” فهو فعل يفعله سبحانه وتعالى بمشيئته وقدرته؛ ولهذا قال فيه:”ثم استوى” (الأعراف:54). ولهذا كان الاستواء من الصفات السمعية المعلومة بالخبر. وأما علوه على المخلوقات فهو عند أئمة أهل الإثبات من الصفات العقلية المعلومة بالعقل مع السمع”.
    معتقد أهل السنة والجماعة في صفة العلو.
    إن صفة العلو لله تعالى من الصفات التي يثبتها أهل السنة والجماعة كما أثبتها سبحانه في كتابه، وأثبتها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته من غير تأويل ولا تعطيل، ولا تشبيه ولا تمثيل، فهم مجمعون على أن الله في السماء ، وأنه مستو على العرش، بائن من خلقه، و فوق المخلوقات كلها، وأنه سبحانه وتعالى لا يحويه شيء من هذه المخلوقات، ولا يحتاج إلى شيء منها، بل هو خالقها والقيوم عليها.
    وقال شيخ الحنابلة الامام أبو الحسن علي البربهاري -رحمه الله- (ت 329 هـ) : “وهو على عرشه استوى وعلمه بكل مكان ولا يخلو من علمه مكان”([13]).
    قال أبو بكر الآجري -رحمه الله- (ت360 هـ) : “فعِلْمُه عز وجل محيط بجميع خلقه، وهو على عرشه، وهذا قول المسلمين”.
    الأدلة على معتقد أهل السنة والجماعة.
    هذه الصفة من أظهر الصفات التي جاءت بها النصوص مستفيضةً متواترةً من الكتاب والسنة، وفيما ذكره شيخ الإسلام -رحمه الله- عن بعض أصحاب الشافعي ألف دليل، وقد قسم ابن القيم -رحمه الله- الأدلة النقلية الدالة عليه إلى عشرين نوعاً، وكل نوع تحته عدد من الأدلة ، وقد أجمع على إثباتها سلف الأمة وأئمتها من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، ودلت عليها العقول والفطر السليمة.
    أدلة أهل السنة والجماعة على علو الله تعالى على خلقه علواً ذاتياً من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة مرتبةً في خمسة أقسام، وكل ما سيذكر غيض من فيض، وقطرة من بحر، وقليل من كثير، و فيما يلي بعض الأدلة:
    أولاً: أدلة القرآن.
    لقد دل القرآن على علو الله، وكونه فوق جميع خلقه بوجوه كثيرة، وفي كل وجه منها آيات عديدة، فمنها ما يلي:
    أولاً : التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتاً وقدراً وقهراً، ومنها: قوله تعالى: “سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى” (الأعلى : 1)، وقوله تعالى: “عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ” (الرعد : 9).
    ثانياً: التصريح بالاستواء مقروناً بأداة (على) مختصا بالعرش، وقد جاء هذا في سبعة مواضع في كتاب الله جل وعلا، ومنها: قوله تعالى: “إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ” (الأعراف: 54).
    والاستواء في لغة العرب إذا عدي بحرف الجر “على” كان بمعنى علا وارتفع .
    ثالثاً : التصريح بالفوقية، ومنها قوله تعالى: “يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ” (النحل : 50)، وقوله تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (الأنعام : 18).
    رابعاً : التصريح بعروج الأشياء وصعودها وارتفاعها إليه سبحانه، ومنها: قوله تعالى: “تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ” (المعارج 4:3)، وقوله تعالى: “إليه يصعد الكلم الطيب” (فاطر: 10)، وقوله تعالى: “بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً” (النساء : 158).
    خامساً: التصريح بتنزيل الكتاب منه، ومنها:قوله تعالى: “تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ” (السجدة:2)
    ولا يعقل النزول والتنـزيل إلا من أعلى إلى أسفل، ففي هذا دلالة علوه تعالى على خلقه فإن “من” في هذه الآيات لابتداء الغاية، فإذا كان ابتداء النزول والتنزيل منه دل على علوه سبحانه وتعالى.
    سادساً: التصريح بأنه سبحانه وتعالى في السماء، ومنها قوله تعالى :”أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ” (الملك 16: 17).
    ثانياً: أدلة السنة.
    لقد تنوعت دلالة السنة –أيضاً- على علو الله سبحانه وتعالى ومباينته لخلقه، وهي كثيرة، أذكر بعضها فيما يلي:
    أولاً: التصريح بالعلو المطلق حيث جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في سجوده “سبحان ربي الأعلى”الحديث
    ثانياً: التصريح بالصعود إليه كما جاء في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- :”من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه(- حتى تكون مثل الجبل”
    ثالثاً: التصريح بالعروج إليه حيث جاء في الحديث عن ملائكة الليل :”ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بكم” الحديث
    رابعاً: التصريح برفع بعض الأشياء إليه كما في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- :”أن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغى له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور”
    وفي هذا كله دلالة على علو الله سبحانه وتعالى لأنه لا يعقل الصعود والعروج والرفع إلا من أسفل إلى أعلى
    خامساً: التصريح بالفوقية: ففي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي”.
    سادساً: التصريح بأنه في السماء حيث قال النبي -صلى الله عليه وسلم- :”ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء” الحديث.
    ويدل عليه أيضاً حديث الجارية حيث قال لها النبي -صلى الله عليه وسلم- : “أين الله؟” قالت فى السماء، قال: “من أنا؟” قالت أنت رسول الله. قال: “أعتقها فإنها مؤمنة” .
    فالسماء اسم جنس للعالي فالمراد ب(في السماء) أي في العلو، دون السفل.
    سابعاً: الإشارة إليه حساً إلى العلو كما أشار إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع :”…. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس “اللهم اشهد اللهم اشهد” ثلاث مرات”الحديث.
    وغيرها كثيرة جداً.
    ثالثاً: دليل الإجماع.
    لقد أجمع السلف من الصحابة والتابعين والتابعين لهم بإحسان وأئمة أهل السنة والجماعة على أن الله فوق عرشه فوق سماواته، وذكر هذا الإجماع عديد من السلف -رحمهم الله-، سأذكر هنا بعضا منه.
    قال عالم الشام الإمام الأوزاعي -رحمه الله- (ت 157 هـ) : “كنا والتابعون متوافرون نقول : ( إن الله عز وجل على عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته”
    وقال عثمان الدارمي -رحمه الله- (ت280 هـ) :”وقد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله تعالى فوق عرشه فوق سمواته”
    قال ابن بطة العُكبري الحنبلي -رحمه الله- (387 هـ) :” وأجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله تبارك وتعالى على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه وعلمه محيط بجميع خلقه لا يأبى ذلك ولا ينكره إلا من انتحل مذاهب الحلولية”
    وقال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني -رحمه الله- ( ت449 هـ) :”ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع سمواته على عرشه كما نطق كتابه وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف ، لم يختلفوا أن الله على عرشه وعرشه فوق سمواته”
    رابعاً: أدلة العقل.
    ولاشك أن العقل الصريح السليم يدل على وجوب الله تعالى بذاته فوق جميع خلقه وذلك من عدة أوجه:
    أولاً: أن جهة العلو أشرف الجهات، وهي صفة كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، والله تعالى وجب له الكمال المطلق من كل الوجوه([30]) كما قال تعالى :”وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” (الروم:27) ، فلزم ثبوت العلو لله تعالى.
    ثانياً: أنه إذا انتفت صفة العلو ثبتت صفة السفل لتقابلهما ، وصفة السفل صفة نقص ، والله تعالى منزه عن كل نقص.
    ثالثاً: أنه إذا ثبت أن العالم كرة، وأن الله لابد أن يكون مبايناً لخلقه، والعلو المطلق فوق الكرة، فيلزم أن يكون في العلو.
    رابعاً: أن الله خلق الخلق، فإما أن يكون خلقهم في ذاته أو خارجاً عن ذاته، فالأول باطل لأنه مستلزم للباطل، وهو أن يكون محلا للحوادث فيبقى أن الله خلقهم خارجاً عن ذاته، وهذا لا يخلو من حالتين إما أنه دخل فيهم بعد خلقهم أو لم يدخل فيهم، فالأول باطل لأنه لا يحل في المخلوقات، والثاني(أنه لم يدخل فيهم) لا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن يكون أسفل منهم، أو محاذياًلهم، أو فوقهم، فالأولان باطلان لأنهما صفتا نقص، والثالث هو الحق
    خامساً: أدلة الفطرة.
    ولاشك أن العلو معلوم بدليل الفطرة، وهو مركوز في فطر بني آدم، لا يستطيع أحد أن ينفك عنه، ويمكن إجمال ما قاله أهل السنة في الدليل الفطري على علو الله في النقاط التالية.
    أولاً: أن هذا أمر مستقر في فطر بني آدم، ومعلوم لهم بالضرورة.
    ثانياً: أن العبد بفطرته يجد في قلبه ضرورة التوجه إلى جهة العلو في دعاء العبادة، ودعاء المسألة، ولا يتوجهون إلى غيره من الجهات.
    ثالثاً: أن الأمم المختلفة متفقة على ذلك من غير مواطأة من بعضهم البعض، ويمتنع في مثل هؤلاء أن يتفقوا على تعمد الكذب عادة.
    رابعاً: أنهم يقولون بألسنتهم: إنا نرفع أيدينا إلى الله، ويخبرون عن أنفسهم أنه يجدون في قلوبهم اضطراراً إلى قصد العلو.
    وكثيراً ما يورد العلماء هنا قصة أبي المعالي الجويني مع أبي جعفر الهمذاني لما اعترض عليه، وهو يقرر نفي العلو، فقال له الهمذاني: دعنا مما تقول، ما هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، ما قال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنةً ولا يسرةً، فكيف ندفع هذه الضرورة من قلوبنا، فصرخ أبو المعالي، ووضع يده على رأسه وقال: حيرني الهمذاني، ونزل.
    فالعقلاء جميعهم مفطورون على التوجه إلى العلو عند الدعاء واللّجاء والاضطرار، مما يدل قطعاً على أن الله في العلو.
    قال الإمام أبو الحسن الأشعري -رحمه الله- (ت324هـ) :”ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دَعَوا نحو السماء لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات فلولا أن الله عز و جل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دَعَوا إلى الأرض”

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,492

    افتراضي رد: الأدلة على علوّ الله تعالى على خلقه وأنّه سبحانه فوق السموات

    الادلة على ان الله تعالى فوق سماواته على عرشه -قال الإمام ابن القيم

    ولقد أتانا عشر أنواع من الـــــــــــــ ــــمنقول في فوقية الرحمن
    مع مثلها أيضا تزيد بواحد*** ها نحن نسردها بلا كتمان
    منها استواء الرب فوق العرش في*** سبع أتت في محكم القرآن
    هذا ومن عشرين وجها يبطل*** التفسير باستولى لذي عرفان
    هذا وثانيها صريح علوه*** وله بحكم صريحه لفظان
    لفظ العلى ولفظه الأعلى معرّ***فة لقصد بيان
    ان العلو له بمطلقه على التـ***ـعميم والاطلاق بالبرهان
    وله العلو من الوجوه جميعها*** ذاتا وقهرا مع علو الشان
    كلٌّ إذا ما نابه أمر يُرى*** متوجها بضرورة الانسان
    نحو العلو فليس يطلب خلفه***وأمامه أو جانب الانسان
    هذا وثالثها صريح الفوق مصـ***حوبا بمن وبدونها نوعان
    احداهما هو قابل التأويل والأ***صل الحقيقة وحدها ببيان
    فإذا ادعى تأويل ذلك مدع*** لم تقبل الدعوى بلا برهان
    لكنما المجرور ليس بقابل التأ*** ويل في لغة وعرف لسان
    وأضخ لفائدة جليل قدرها***تهديك للتحقيق والعرفان
    ان الكلام اذا أتى بسياقة*** يبدي المراد لمن له أذنان
    أضحى كنص قاطع لا يقبل التأويل يعرف ذا أولو الأذهان
    هذا ورابعها عروج الروح وال***أملاك صاعدة الى الرحمن
    ولقد أتى في سورتين كلاهما اشـــــتملا على التقدير بالأزمان
    هذا وخامسها صعود كلامنا*** بالطيبات اليه والاحسان
    وكذا صعود الباقيات الصالحا***ت اليه من أعمال ذي الايمان
    وكذا صعود تصدق من طيب*** أيضا اليه عند كل أوان
    وكذا عروج ملائك قد وكلوا*** منا بأعمال وهم بدلان
    فإليه تعرج بكرة وعشية*** والصبح يجمعهم على القرآن
    كي يشهدون ويعرجون اليه بالأعمـ***ـال سبحان العظيم الشان
    وكذاك سعي الليل يرفعه الى الـ***ـرحمن من قبل النهار الثاني
    وكذاك سعي اليوم يرفعه له*** من قبل ليل حافظ الانسان
    وكذلك معراج الرسول اليه حـ***ـق ثابت ما فيه من نكران
    بل جاوز السبع الطباق وقد دنى*** منه الى أن قدرت قوسان
    بل عاد من موسى اليه صاعدا*** خمسا عداد الفرض في الحسبان
    وكذاك رفع الروح عيسى المرتضى*** حقا اليه جاء في القرآن
    وكذاك تصعد روح كل مصدق*** لما تفوز بفرقة الأبدان
    حقا اليه كي تفوز بقربه*** وتعود يوم العرض للجثمان
    وكذا دعا المظلوم أيضا صاعد*** حقا اليه قاطع الأكوان
    هذا وسادسها وسابعها النزول*** كذلك التنزيل للقرآن
    والله أخبرنا بأن كتابه*** تنزيله بالحق والبرهان
    أيكون تنزيلا وليس كلام من*** فوق العباد أذاك ذو امكان
    أيكون تنزيلا من الرحمن والر*** حمن ليس مباين الأكوان
    وكذا نزول الرب جل جلاله*** في النصف من ليل وذاك الثاني
    فيقول لست بسائل غيري بأحـ***ـوال العباد أنا العظيم الشأن
    من ذاك يسألني فيعطي سؤله*** من ذا يتوب اليّ من عصيان
    من ذاك يسألني فأغفر ذنبه*** فأنا الودود الواسع الغفران
    من ذا يريد شفاءه من سقمه*** فأنا القريب مجيب من ناداني
    ذا شأنه سبحانه وبحمده*** حتى يكون الفجر فجرا ثان
    يا قوم ليس نزوله وعلوه*** حقا لديكم بل هما عدمان
    هذا وثامنها بسورة غافر*** هو رفعة الدرجات للرحمن
    هذا وتاسعها النصوص بأنه*** فوق السماء وذا بلا حسبان
    ليست تدل على انحصار الهنا*** عقلا ولا عرفا ولا بلسان
    هذا وعاشرها اختصاص البعض*** من أملاكه بالعند للرحمن
    وكذا اختصاص كتاب رحمته بعند الله فوق العرش ذو التبيان
    لو لم يكن سبحانه فوق الورى*** كانوا جميعا عند ذي السلطان
    ويكون عند الله ابليس وجبريل هما في العند مستويان
    هذا وحادي عشر هن اشارة*** نحو العلو بإصبع وبنان
    لله جل جلاه لا غيره*** إذ ذاك اشراك من الانسان
    ولقد أشار رسوله في مجمع الحج العظيم بموقف الغفران
    نحو السماء بأصبع قد كرمت*** مستشهدا للواحد الرحمن
    يا رب فأشهد انني بلغتهم*** ويشير نحوهم لقصد بيان
    فغدا البنان مرفعا ومصوبا*** صلى عليك الله ذو الغفران
    هذا وثاني عشرها وصف الظهو***ر له كما قد جاء في القرآن
    والظاهر العالي الذي ما فوقه*** شيء كما قد قال ذو البرهان
    حقا رسول الله ذا تفسيره*** ولقد رواه مسلم بضمان
    فاقبله لا تقبل سواه من التفا***سير التي قيلت بلا برهان
    هذا وثالث عشرها اخباره*** انا نراه بجنة الحيوان
    فسل المعطل هل نرى من تحتنا*** أم عن شمائلنا وعن أيمان
    أم خلفنا وأمامنا سبحانه*** أم هل نرى من فوقنا ببيان
    يا قوم ما في الأمر شيء غير ذا*** أو أن رؤيته بلا امكان
    اذ رؤية لا في مقابلة من الرائي محال ليس في الامكان
    هذا ورابع عشرها اقرار سا***ئلة بلفظ الأين للرحمن
    يا قوم لفظ الأين ممتنع على الر***حمــن عندكم وذو بطلان
    ويكاد قائلكم يكفرنا به*** بل قد وهذا غاية العدوان
    لفظ صريح جاء عن خير الورى*** قولا واقرارا هما نوعان
    والله ما كان الرسول بعاجز*** عن لفظ مَن مع أنها حرفان
    والأين أحرفها ثلاث وهي ذو*** لبس ومَن غاية التبيان
    والله ما الملكان أفصح منه اذ*** في القبر من رب السما يسلان
    ويقول أين الله يعني مَن فلا*** والله ما اللفظان متحدان
    هذا وخامس عشرها الاجماع من*** رسل الاله الواحد المنان
    فالمرسلون جميعهك مع كتبهم*** قد صرحوا بالفوق للرحمن
    وحكى لنا أجماعهم شيخ الورى*** والدين عبد القادر الجياني
    وأبو الوليد المالكي أيضا حكى*** اجماعهم علم الهدى الحراني
    وله اطلاع لم يكن من قبله*** لسواه من متكلم ولسان
    هذا ونقطع نحن أيضا أنه *** اجماعهم قطعا على البرهان
    هذا وسادس عشرها اجماع أهـ***ـل العلم أعني حجة الأزمان
    من كل صاحب سنة شهدت له*** أهل الحديث وعسكر القرآن
    لا عبرة بمخالف لهم ولو*** كانوا عديد الشاء والبعران
    ان الذي فوق السموات العلى*** والعرش وهو مباين الأكوان
    هو ربنا سبحانه وبحمده*** حقا على العرش استوى الرحمن
    واقرأ تفاسير الأئمة ذاكري الأسـ**ـناد فهي هداية الحيران
    وانظر الى قول ابن عباس بتفسـ***ـير استوى ان كنت ذا عرفان
    وانظر الى أصحابه من بعده*** كمجاهد ومقاتل حبران
    وانظر الى الكلبي أيضا والذي*** قد قاله من غير ما نكران
    وكذا رفيع التابعي أجلهم*** ذاك الرياحي العظيم الشان
    فلهم عبارات عليها أربع*** قد حصلت للفارس الطعان
    وهي استقر وقد علا وكذلك أر**تقع الذي ما فيه من نكران
    وكذاك قد صعد الذي هو أربع*** وأبو عبيدة صاحب الشيباني
    يختار هذا القول في تفسيره*** أدرى من الجهمي بالقرآن
    والأشعري يقول تفسير استوى*** بحقيقة استولى من البهتان
    هو قول أهل الاعتزال وقول*** اتباع لجهم وهو ذو بطلان
    في كتبه قد قال ذا من موجز*** وأبانة ومقالة ببيان
    هذا وسابع عشرها اخباره*** سبحانه في محكم القرآن
    عن عبده موسى الكليم وحربه*** فرعون ذي التكذيب والطغيان
    ومن المصائب قولهم أن اعتقا***د الفوق من فرعون ذي الكفران
    فإذا اعتقدتم ذا أشياع له*** أنتم وذا من أعظم البهتان
    فأسمع إذا من ذا الذي أولى بفر***عون المعطل جاحد الرحمن
    وانظر الى ما جاء في القصص التي*** تحكي مقال أمامهم ببيان
    والله قد جعل الضلالة قدوة*** بأئمة تدعو الى النيران
    فامام كل معطل في نفسه*** فرعون مع نمرود مع هامان
    طلب الصعود الى السماء مكذبا*** موسى ورام الصرح بالبنيان
    بل قال موسى كاذب في زعمه*** فوق السماء الرب ذو السلطان
    فابنوا لي الصرح الرفيع لعلني*** ارقى اليه بحيلة الانسان
    وأظن موسى كاذبا في قوله*** الله فوق العرش ذو السلطان
    يا قومنا والله ان لقولنا*** ألفا تدل عليه بل الفان
    عقلا ونقلا مع صريح الفطرة الأ***ولى وذوق حلاوة القرآن
    كل يدل بأنه سبحانه*** فوق السماء مباين الأكوان
    هذا وثامن عشرها تنزيهه*** سبحانه عن موجب النقصان
    ولقد أتى التنزيه عما لم يقم*** كي لا يزور بخاطر الانسان
    فانظر الى التنزيه عن طُعم ولم*** ينسب إليه قط من انسان
    وكذلك التنزيه عن موت وعن*** نوم وعن سنة وعن غشيان
    فلأي شيء لم ينزه نفسه*** سبحانه في محكم القرآن
    عن ذي المقالة مع تفاقم أمرها*** وظهورها في سائر الأديان
    بل دائما يبدي لنا اثباتها*** ويعيده بأدلة التبيان
    لا سيما تلك المقالة عندكم*** مقرونة بعبادة الأوثان
    ولأي شيء لم يحذر خلقه*** عنها وهذا شأنها ببيان
    هذا وليس فسادها بمبين*** حتى يحال لنا على الأذهان
    ولذاك قد شهدت أفاضلكم لها*** بظهورها للوهم في الانسان
    هذا وتاسع عشرها الزام ذي التعطيل أفسد لازم ببيان
    وفساد لازم قوله هو مقتضى*** لفساد ذاك القول بالبرهان
    فسل المعطل عن ثلاث مسائل*** تقضي على التعطيل بالبطلان
    ماذا تقول كان يعرف ربه*** هذا الرسول حقيقة العرفان
    أم لا وهل كانت نصيحته لنا*** كل النصيحة ليس بالخوان
    أم لا وهل حاز البلاغة كلها*** فاللفظ والمعنى له طواعن
    فاذا انتهت هذي الثلاثة فيه كا***ملة مبرأة من النقصان
    فلأي شيء عاش فينا كاتما*** للنفي والتعطيل في الأزمان
    بل مفصحا بالضد نته حقيقة الا***فصاح موضحة بكل بيان
    ولأي شيء لم يصرّح بالذي*** صرحتم في ربنا الرحمن
    العجزه عن ذاك أم تقصيره*** في النصح أم لخفاء هذا الشان
    حاشاه بل ذا وصفكم يا أمة التـــــعطيل لا المبعوث بالقرآن
    ولأي شيء كان يذكر ضد ذا*** في كل مجتمع وكل زمان
    أتراه أصبح عاجزا عن قوله استولى وينزل أمره وفلان
    والله ما قاله الأئمة غير ما*** قد قاله من غير ما كتمان
    لكن لأن عقول أهل زمانهم*** ضاقت بحمل دقائق الايمان
    وغدت بصائرهم كخفاش أتى*** ضوء النهار فكف عن طيران
    حتى اذا ما الليل جاء ظلامه*** أبصرته يسعى بكل مكان
    وكذاك عقولكم لو استشعرتم**** يا قوم كالحشرات والفيران
    لزمتكم شنع ثلاث فارتؤا*** أو خلة منهن أو ثنتان
    تقديمهم في العلم أو في نصحهم*** أو في البيان أذاك ذو امكان
    هذا وخاتم العشرين وجها هو أقربها الى لأذهان
    سرد النصوص فانها قد نوعت*** طرق الأدلة في أتم بيان
    والنظم يمنعني من استيفائها*** وسياقه الألفاظ بالميزان
    فأشير بعض اشارة لمواضع*** منها وأين البحر من خلجان
    فاذكر نصوص الاستواء فإنها*** في سبع آيات من القرآن
    واذكر نصوص الفوق أيضا ف ثلا***ث قد غدت معلومة التبيان
    واذكر نصوص علوه في خمسة*** معلومة برئت من النقصان
    واذكر نصوصا في الكتاب تضمنت***تنزيله من ربنا الرحمن
    فتضمنت أصلين قام عليهما الـ***ـاسلام والايمان كالبنيان
    كون الكتاب كلامه سبحانه*** وعلوه من فوق كل مكان
    وعدادها سبعون حين تعد أو*** زادت على السبعين في الحسبان
    واذكر نصوصا ضمنت رفعا ومعرا***جا وأصعادا الى الديان
    هي خمسة معلومة بالعد وال*** حسبان فاطلبها من القرآن
    ولقد أتى في سورة الملك التي*** تنجي لقارئها من النيران
    نصان أن الله فوق سمائه*** عند المحرف ما هما نصان
    ولقد أتى التخصيص بالعند الذي*** قلنا بسبع بل أتى بثمان
    منها صريح موضعان بسورة الأ***عراف ثم الأنبياء الثاني
    فتدبر التعيين وانظر ما الذي*** لسواه ليست تقتضي النصان
    وبسورة التحريم أيضا ثالث*** بادي الظهور لمن له أذنان
    ولديه في مزمل قد بينت*** نفس المراد وقيدت ببيان
    لا تنقض الباقي فما لمعطل*** من راحة فيها ولا تبيان
    وبسورة الشورى وفي مزمل*** سر عظيم شانه ذو شان
    لم يسمح المتأخرون بنقله*** جبنا وضعفا عنه في الايمان
    بل قاله المتقدمون فوارس الا***يلام هم امراء هذا الشان
    ومحمد بن جرير الطبري في*** تفسيره حكيت به القولان
    هذا وحاديها وعشرون الذي*** قد جاء في الأخبار والقرآن
    اتيان رب العرش جل جلاله*** ومجيئه للفصل بالميزان
    انظر الى التقسيم والتنويع في القـ*** ـرآن تلفيه صريح بيان
    ان المجيء لذاته لا أمره*** كلا ولا ملك عظيم الشان
    اذ ذانك الأمران قد ذكرا وبيـ***نـهمـا مجيء الرب ذي الغفران
    والله ما احتمل المجيء سوا مجي***ْ الذات بعد تبين البرهان
    من أين يأتي يا أولي المعقول أن*** كنتم ذوي عقل مع العرفان
    من فوقنا أو تحتنا أو عن شما*** ئلنا ومن خلف وعن أيمان
    والله لا يأتيهم من تحتهم*** أبدا تعالى الله ذو السلطان
    كلا ولا من خلفهم وأمامهم*** وعن الشمائل أو عن الأيمان
    والله لا يأتيهم الا من العـ***ـلو الذي هو فوق كل مكان
    وأذكر حديثا في الصحيح تضمّنت*** كلماته تكذيب ذي البهتان
    لما قضى الله الخليقة ربنا*** كتبت يداه كتاب ذي الاحسان
    وكتابه هو عنده وضع على العـ***ـرش المجيد الثابت الأركان
    اني انا الرحمن تسبق رحمتي*** غضبي وذاك لرأفتي وحناني
    ولقد أشار نبينا في خطبة*** نحو السماء بأصبع وبنان
    مستشهدا رب السموات العلى*** ليرى ويسمع قوله الثقلان
    واذكر حديث حصين بن المنـ***ـذر الثقة الرضي أعني أبا عمران
    اذ قال ربي في السماء لرغبتي*** ولرهبتي أدعوه كل أوان
    فأقره الهادي البشير ولم يقل*** أنت المجسم قائل بمكان
    واذكر حديث الصادق ابن رواحة*** في شأن جارية لدى الغشيان
    فيه الشهادة أن عرش الله فو***ق الماء خارج هذه الأكوان
    والله فوق العرش جل جلاله*** سبحانه عن نفي ذا البهتان
    ذكر ابن عبد البر في استيعابه*** هذا وصححه بلا نكران
    وحديث معراج الرسول فثابت*** وهو الصريح بغاية التبيان
    والى اله العرش كان عروجه*** لم يختلف من صحبه رجلان
    واذكر قصة بخندق حكما عروجه*** لقريظة من سعد الرباني
    شهد الرسول بأن حكم إلهنا*** من فوق سبع وفقه بوزان
    وقد اقتصرت على يسير من كثيـــــــرٍ فائتٍ للعد والحسبان
    ما كل هذا قابلَ التأويل والتـــــــــــ ـحريف فاستحيوا من الرحمن


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,492

    افتراضي رد: الأدلة على علوّ الله تعالى على خلقه وأنّه سبحانه فوق السموات

    -- قال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين مقررا أنواع أدلة العلو: ---أحدها: التصريح بالفوقية مقرونة بأداة من المعينة لفوقية الذات نحو (يخافون ربهم من فوقهم ) النحل/50

    الثاني : ذكرها مجردة عن الأداة كقوله ( وهو القاهر فوق عباده ) الأنعام/61

    الثالث: التصريح بالعروج إليه نحو ( تعرج الملائكة والروح إليه ) المعارج/4

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسَأْلُهُمْ رَبُّهُمْ )

    جزء من حديث قدسي رواه مسل في صحيحه

    الرابع: التصريح بالصعود إليه كقوله ( إليه يصعد الكلم الطيب ) فاطر/10

    الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه كقوله ( بل رفعه الله إليه) النساء/158

    وقوله ( إني متوفيك ورافعك إلي ) آل عمران/55

    السادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتا وقدرا وشرفا كقوله

    (وهو العلي العظيم ) البقرة/255 ، (وهو العلي الكبير) سبأ/23 ،( هو العلي الكبير ) لقمان/30

    السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) الجاثية/2 ،

    ( تنزيل من حكيم حميد ) فصلت/42 ، (قل نزله روح القدس من ربك بالحق ) النحل/102 .

    وهذا يدل على شيئين على أن القرآن ظهر منه لا من غيره وأنه الذي تكلم به لا غيره الثاني على علوه على خلقه

    وأن كلامه نزل به الروح الأمين من عنده من أعلى مكان إلى رسوله .

    الثامن : التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض كقوله

    ( إن الذين عند ربك) الأعراف/206 ،

    وقوله ( وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون) الأنبياء/19

    ففرق بين من له عموما ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصا

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه

    ( إنه عنده على العرش ) صحيح البخاري

    التاسع : التصريح بأنه سبحانه في السماء وهذا عند أهل السنة على أحد وجهين إما أن تكون في بمعنى

    على وإما أن يراد بالسماء العلو لا يختلفون في ذلك ولا يجوز حمل النص على غيره.

    العاشر: التصريح بالاستواء مقرونا بأداة على مختصا بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات مصاحبا في الأكثر

    لأداة ثم الدالة على الترتيب والمهلة وهو بهذا السياق صريح في معناه الذي لا يفهم المخاطبون غيره

    من العلو والارتفاع ولا يحتمل غيره البتة .

    الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله سبحانه كقوله صلى الله عليه وسلم :

    ( إن الله يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا ).

    المستدرك على الصحيحين والمعجم الكبير

    الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى أسفل.

    الثالث عشر: الإشارة إليه حسا إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم به وما يجب له ويمتنع عليه من أفراخ الجهمية

    والمعتزلة والفلاسفة في أعظم مجمع على وجه الأرض يرفع أصبعه إلى السماء ويقول اللهم اشهد ليشهد الجميع

    أن الرب الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه .

    الرابع عشر : التصريح بلفظ الأين الذي هو عند الجهمية بمنزلة متى في الاستحالة ولا فرق بين اللفظين عندهم البتة فالقائل

    أين الله ومتى كان الله عندهم سواء كقول أعلم الخلق به وأنصحهم لأمته وأعظمهم بيانا عن المعنى الصحيح

    بلفظ لا يوهم باطلا بوجه أين الله في غير موضع .

    الخامس عشر : شهادته التي هي أصدق شهادة عند الله وملائكته وجميع المؤمنين لمن قال إن ربه في السماء بالإيمان

    وشهد عليه أفراخ جهم بالكفر وصرح الشافعي بأن هذا الذي وصفته من أن ربها في السماء إيمان فقال في كتابه في باب عتق الرقبة

    المؤمنة وذكر حديث الأمة السوداء التي سودت وجوه الجهمية وبيضت وجوه المحمدية فلما وصفت الإيمان قال

    ( أعتقها فإنها مؤمنة ) صحيح مسلم وسنن كلا من : النسائي وأبي داود

    وهي إنما وصفت كون ربها في السماء وأن محمدا عبده ورسوله فقرنت بينهما في الذكر

    فجعل الصادق المصدوق مجموعهما هو الإيمان .

    السادس عشر: إخباره سبحانه عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطلع إلى إله موسى فيكذبه فيما أخبر به

    من أنه سبحانه فوق السماوات فقال

    ( يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا ) غافر/36 :37 ،

    فكذب فرعون موسى في إخباره إياه بأن ربه فوق السماء وعند الجهمية لا فرق بين الإخبار بذلك وبين الإخبار

    بأنه يأكل ويشرب وعلى زعمهم يكون فرعون قد نزه الرب عما لا يليق به وكذب موسى في إخباره بذلك إذ من قال عندهم

    إن ربه فوق السماوات فهو كاذب فهم في هذا التكذيب موافقون لفرعون مخالفون لموسى ولجميع الأنبياء

    ولذلك سماهم أئمة السنة فرعونية قالوا وهم شر من الجهمية فإن الجهمية يقولون إن الله في كل مكان بذاته

    وهؤلاء عطلوه بالكلية وأوقعوا عليه الوصف المطابق للعدم المحض فأي طائفة من طوائف بني آدم أثبتت الصانع

    على أي وجه كان قولهم خيرا من قولهم .

    السابع عشر: إخباره صلى الله عليه وسلم ( أنه تردد بين موسى وبين الله ويقول له موسى ارجع إلى ربك فسله

    التخفيف فيرجع إليه ثم ينزل إلى موسى فيأمره بالرجوع إليه سبحانه فيصعد إليه سبحانه

    ثم ينزل من عنده إلى موسى عدة مرار "
    .

    مجمع الزوائد ومنبع الفوائد - كتاب الإيمان

    الثامن عشر : إخباره تعالى عن نفسه وإخبار رسوله عنه أن المؤمنين يرونه عيانا جهرة كرؤية الشمس في الظهيرة والقمر ليلة البدر

    والذي تفهمه الأمم على اختلاف لغاتها وأوهامها من هذه الرؤية رؤية المقابلة والمواجهة التي تكون بين الرائي والمرئي فيها مسافة

    محدودة غير مفرطة في البعد فتمتنع الرؤية ولا في القرب فلا تمكن الرؤية لا تعقل الأمم غير هذا فإما أن يروه سبحانه من تحتهم

    تعالى الله أو من خلفهم أو من أمامهم أو عن أيمانهم أو عن شمائلهم أو من فوقهم ولابد من قسم من هذه الأقسام إن كانت الرؤية حقا

    وكلها باطل سوى رؤيتهم له من فوقهم كما في حديث جابر الذي في المسند وغيره

    (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار قد أشرف عليهم من فوقهم وقال يا أهل الجنة سلام عليكم

    ثم قرأ قوله : (
    سلام قولا من رب رحيم) يس /58 ، ثم يتوارى عنهم وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم )

    سنن ابن ماجة ، ومجمع الزوائد ومنبع الفوائد - كتاب التفسير

    ولا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية ولهذا طرد الجهمية أصلهم وصرحوا بذلك وركبوا النفيين معا وصدق أهل السنة

    بالأمرين معا وأقروا بهما وصار من أثبت الرؤية ونفى علو الرب على خلقه واستواءه على عرشه

    مذبذبا بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء .

    فهذه أنواع من الأدلة السمعية المحكمة إذا بسطت أفرادها كانت ألف دليل على علو الرب على خلقه

    واستوائه على عرشه فترك الجهمية ذلك كله وردوه بالمتشابه من قوله (وهو معكم أين ما كنتم ) الحديد/4

    ورده زعيمهم المتأخر بقوله ( قل هو الله أحد ) الإخلاص/1 ، وبقوله ( ليس كمثله شيء ) الشورى/11

    ثم ردوا تلك الأنواع كلها متشابهة فسلطوا المتشابه على المحكم وردوه به ثم ردوا المحكم متشابها

    فتارة يحتجون به على الباطل وتارة يدفعون به الحق ومن له أدنى بصيرة يعلم أنه لا شيء في النصوص أظهر

    ولا أبين دلالة من مضمون هذه النصوص فإذا كانت متشابهة فالشريعة كلها متشابهة وليس فيها شيء محكم البتة

    ولازم هذا القول لزوما لا محيد عنه أن ترك الناس بدونها خير لهم من إنزالها إليهم فإنها أوهمتهم وأفهمتهم غير المراد

    وأوقعتهم في اعتقاد الباطل ولم يتبين لهم ما هو الحق في نفسه بل أحيلوا فيه على ما يستخرجونه بعقولهم وأفكارهم

    ومقايسهم فنسأل الله مثبت القلوب تبارك وتعالى أن يثبت قلوبنا على دينه وما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق

    وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا إنه قريب مجيب .


    من كتاب إعلام الموقعين عن رب العالمين »

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,492

    افتراضي رد: الأدلة على علوّ الله تعالى على خلقه وأنّه سبحانه فوق السموات

    قال ابن القيم رحمه الله:
    ( فَإِنَّ مِنْ لَوَازِمِ اسْمِ الْعَلِيِّ, الْعُلُوُّ الْمُطْلَقُ بِكُلِّ اعْتِبَارٍ، فَلَهُ الْعُلُوُّ الْمُطْلَقُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ: عُلُوُّ الْقَدْرِ، وَعُلُوُّ الْقَهْرِ، وَعُلُوُّ الذَّاتِ، فَمَنْ جَحَدَ عُلُوَّ الذَّاتِ فَقَدْ جَحَدَ لَوَازِمَ اسْمِهِ الْعَلِيِّ).
    انواع العلو:
    النوع الأول علو الذات
    : ومعناه أن الله بذاته فوق خلقه.
    ومن أدلته: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ).
    وقوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ).
    وقوله تعالى: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ).
    وقوله تعالى: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ).
    وقوله تعالى: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ).
    وَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ قَالَ: (يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى), فَكَانَ فِرْعَوْنُ قَدْ فَهِمَ مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ يُثْبِتُ إِلَهًا فَوْقَ السَّمَاءِ، حَتَّى رَامَ بِصَرْحِهِ أَنْ يَطَّلِعَ إِلَيْهِ, وَاتَّهَمَ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْكَذِبِ فِي ذَلِكَ.
    وقول النبي صلى الله عليه وسلم للجارية: «أَيْنَ اللهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ.
    وحديث النبي صلى الله عليه وسلم: قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

    قال ابن القيم رحمه الله:
    ((وَجَمَاهِيرُ الْمُسْلِمِينَ وَسَائِرِ الْمِلَلِ قَدْ وَقَعَ مِنْهُمُ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْإِشَارَةِ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ جِهَةِ الْفَوْقِ فِي الدُّعَاءِ وَالسُّؤَالِ، فَاتِّفَاقُهُمْ بِأَجْمَعِهِمْ عَلَى الْإِشَارَةِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنْ جِهَةِ الْفَوْقِ حُجَّةٌ, وَلَمْ يَسْتَجِزْ أَحَدٌ الْإِشَارَةَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْأَسْفَلِ وَلَا مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ سِوَى جِهَةِ الْفَوْقِ.
    النوع الثاني علو القدر والصِّفَاتِ
    : ومعناه أن الله ذو قدر عظيم لا يساويه فيه أحد من خلقه، ولا يعتريه معه نقص.
    ومن أدلته: قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).

    النوع الثالث علو القهر والغلبة
    : ومعناه أن الله تعالى قهر جميع المخلوقات فلا يخرج أحد منهم عن سلطانه وقهره.
    ومن أدلته: قوله تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ).

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
    ((والمنازع يُسَلِّمُ أنه موصوف بعلو المكانة وعلو القهر، وعلو المكانة معناه: أنه أكمل من العالم، وعلو القهر مضمونه أنه قادر على العالم، فإذا كان مباينًا للعالم، كان من تمام علوه أن يكون فوق العالم، لا محاذيًا له، ولا سافلًا عنه، وَلَمَّا كان العلو صفة كمال، كان ذلك من لوازم ذاته، فلا يكون مع وجود غيره إلا عاليًا عليه، لا يكون قط غير عَالٍ عليه.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,492

    افتراضي رد: الأدلة على علوّ الله تعالى على خلقه وأنّه سبحانه فوق السموات

    العلو

    هذه الصفة من أظهر الصفات التي جاءت بها النصوص مستفيضة متواترة من الكتاب والسنة، كما دلت عليها العقول والفطر السليمة، وقد أجمع على إثباتها سلف الأمة وأئمتها من الصحابة, والتابعين, وتابعيهم، وسطر أئمة السلف – في كتبهم وردودهم على الجهمية المعطلة – ما فيه بيان الحق من الضلال في هذا الباب, والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
    وليس العجب في أن يوجد من ينكر هذه الصفة من الجهمية أو المعتزلة أو غيرها ممن عرفوا بالزيغ والإلحاد في أسماء الله وصفاته وآياته، ولكن العجب أن يقلدهم في ذلك جماعات من العلماء الفضلاء، الذين يعتبرون من أئمة الفقهاء, والعلماء, والقضاة. ولو كانت أدلة العلو دليلين أو ثلاثة أو خمسة أو لو كان القائل به عدداً محدوداً من علماء السلف، لكان لهؤلاء بعض العذر في موقفهم مما قد يقال فيه: إن الأمر التبس عليهم. أما أن تكون أدلة العلو بهذه الكثرة والوضوح والقطعية في الثبوت والدلالة، وأن تتوافق الأدلة النقلية – التي زادت على ألف دليل – مع أدلة العقل والفطرة، ثم بعد ذلك يأتي إجماع السلف على إثباتها، ويوافقهم على ذلك أئمة أهل الكلام المتقدمين من الكلابية والأشعرية وغيرهم – فهذا ما لا يجد له المسلم المنصف أي تفسير أو تبرير إلا أن باعثه التقليد والتعصب لشيوخهم النفاة.
    وقد أولى شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المسألة اهتماماً كبيراً، وأطال النفس جدًّا في بيان أدلتها والردِّ على نفاتها ومناقشتهم، ولا يكاد يخلو كتاب من كتبه العقدية من عرض لها إثباتاً أو ردًّا على الخصوم فيها. وقد وصل إلينا – والحمد لله – قسط كبير منها، بلغ مئات الصفحات، خاصة في كتابين من أهم كتبه، وهما:
    1- (درء تعارض العقل والنقل)، حيث أفرد لمسألة العلو الجزء السادس بأكمله وجزءًا من الجزء السابع (1) .
    2- (نقض تأسيس الجهمية)، والذي يسمى أحياناً نقض أساس التقديس، أو بيان تلبيس الجهمية، وقد شمل البحث في العلو جزءًا من الجزء الأول المطبوع، والجزء الثاني – المطبوع أيضا – بكامله.
    إضافة إلى مواضع أخرى عديدة في (منهاج السنة)، و(مجموع الفتاوى) وغيرها.
    .....ويمكن الإشارة بإجمال إلى منهجه في معالجة هذه المسألة، وذلك من خلال الأمور التالية:
    أولا: الأقوال في العلو:
    يطلق كثير من أهل الكلام على مسألة العلو والفوقية: الجهة، حتى صارت شبه علم عليها، مع أن "العلو" و"الفوقية" مصطلح شرعي وردت به النصوص، و"الجهة" اصطلاح حادث، ولفظ مجمل، قد يراد بنفيه أو إثباته ما هو حق وما هو باطل.
    أما الأقوال في "العلو" فذات شقين:
    أ- الأقوال في علو الرب تبارك وتعالى وفوقيته، وبينونته عن خلقه.
    ب- الأقوال في ما يعتبره أهل الكلام من لوازم القول بالعلو مثل "الجهة" "والتحيز" و"الجسم" ونحوه.
    أما الأول: فقد وقع الخلاف فيه بين الطوائف على أقوال:
    1- قول من ينكر العلو مطلقاً، ويقول: ليس فوق العالم شيء أصلاً ولا فوق العرش شيء، وهذا قول الجهمية, والمعتزلة, وطوائف من متأخري الأشعرية، والفلاسفة النفاة، والقرامطة الباطنية وغيرهم.
    وهؤلاء قسمان:
    قسم يقول: ليس داخل العالم ولا خارجاً عنه، ولا حالًّا فيه, وليس في مكان من الأمكنة. فهؤلاء ينفون عنه الوصفين المتقابلين. وهذا قول طوائف من متكلميهم ونظارهم.
    وقسم منهم يقول: إنه في كل مكان بذاته، كما يقول ذلك طوائف من عبادهم ومتكلميهم، وصوفيتهم وعامتهم (2) .
    "وكثير منهم يجمع بين القولين: ففي حال نظره وبحثه يقول بسلب الوصفين المتقابلين فيقول: لا هو داخل العالم ولا خارجه، وفي حال تعبده وتألهه يقول بأنه في كل مكان، ولا يخلو منه شيء حتى يصرحون بالحلول في كل موجود – من البهائم وغيرها – بل بالاتحاد بكل شيء، بل يقولون بالوحدة التي معناها أنه عين وجود الموجودات"، ثم يعلل شيخ الإسلام سبب هذا التناقض فيقول: "وسبب ذلك أن الدعاء, والعبادة, والقصد, والإرادة, والتوجه يطلب موجوداً، بخلاف النظر, والبحث, والكلام؛ فإن العلم, والكلام, والبحث, والقياس, والنظر, يتعلق بالموجود, والمعدوم، فإذا لم يكن القلب في عبادة, وتوجه, ودعاء, سهل عليه النفي والسلب، وأعرض عن الإثبات، بخلاف ما إذا كان في حال الدعاء والعبادة, فإنه يطلب موجوداً يقصده، ويسأله ويعبده، والسلب لا يقتضي إلا النفي والعدم، فلا ينفي في السلب ما يكون مقصوداً معبوداً" (3) .
    وهذا تحليل دقيق جدًّا، غاص شيخ الإسلام من خلاله في ثنايا النفس البشرية وطبيعتها، وهو يفسر ما يلاحظه المطلع والباحث في كتب العقائد الكلامية من وجود أنواع من التناقض عند كثير من هؤلاء المتكلمين والفلاسفة، ومن أمثلة ذلك:
    أ- جمعهم بين علم الكلام الفلسفي، والتصوف.
    ب- تعويلهم على العقل في كثير من مباحث أصول الدين، حتى أنهم يقدمونه على النصوص، ثم في الوقت نفسه يعولون على الكشوفات, والمشاهدات الصوفية عندهم, أو عند أشياخهم.
    ج- وفي العلو قد يقولون لا داخل العالم ولا خارجه، ثم يقولون هو في كل مكان.
    د- وفي توحيد الربوبية قد يبالغ في إثباته إلى حدِّ نفي كثير من الصفات الثابتة لله لأجل تحقيقه كما يزعم، ثم هو يناقض هذا التوحيد حين يرد في خاطره أو يعتقد أن النجوم أو القبور أو غيرها لها تأثير في الضر, والنفع, والرزق, وغيرها.
    وإنما طال القول في بيان مذهب هؤلاء لدخول كثير من متأخري الأشعرية النفاة فيهم. فهذان قولان، قد يجمع بينهم بعضهم.
    2- قول من يقول: "هو فوق العرش، وهو في كل مكان ويقول: أنا أقر بهذه النصوص وهذه، لا أصرف واحداً منها عن ظاهره, وهذا قول طوائف ذكرهم الأشعري في المقالات الإسلامية (4) ، وهو موجود في كلام طائفة من السالمية والصوفية، ويشبه هذا ما في كلام أبي طالب المكي..." (5) ، وهؤلاء غالطون وإن زعموا أنهم يجمعوا بين نصوص العلو والمعية.
    3- قول سلف الأمة وأئمتها، أئمة أهل العلم والدين، وهؤلاء آمنوا بجميع ما جاء في الكتاب والسنة، وأثبتوا علو الله تعالى وفوقيته، وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، وهم بائنون منه، وهو أيضاً مع العباد بعلمه، ومع أوليائه وأنبيائه بالنصر والتأييد.
    والخلاصة أن الأقوال في مباينة الله لخلقه أربعة:
    1- منهم من يقول بالحلول والاتحاد فقط، كقول ابن عربي وأمثاله.
    2- ومنهم من يثبت العلو نوعاً من الحلول وهو الذي يضاف إلى السالمية أو بعضهم، وفي كلام أبي طالب وغيره ما قد يقال إنه يدل على ذلك.
    3- ومنهم من لا يثبت لا مباينة, ولا حلولاً, ولا اتحاداً، كقول المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم.
    4- والقول الرابع إثبات مباينة (الخالق) للمخلوق بلا حلول، وهذا قول سلف الأمة وأئمتها..." (6) .
    ويمكن أن يضاف إلى ذلك قولان آخران:
    أحدهما: قول من يجمع بين قول الصوفية الحلولية، وقول المعتزلة بأنه لا داخل العالم ولا خارجه – كما سبق -.
    والثاني: قول من يتوقف في هذا الأمر، فلا يقول بإثبات علوه على العرش ولا نفيه، بل يقول إن الله تعالى واحد في ملكه, وهو رب كل شيء, ويسكت عما سوى ذلك. وقد ردَّ شيخ الإسلام على هؤلاء (7) .
    وأما الثاني – وهو في إطلاق الجهة والتحيز، والجسم – ففيه أقوال:
    1- قول من يقول: "لا أقول إنه متحيز ولا غير متحيز، ولا في جهة, ولا في غير جهة، بل أعلم أنه مباين للعالم, وأنه يمتنع أن يكون لا مبايناً ولا مداخلاً" (8) ، وهذا قول كثير من أهل الكلام والحديث.
    2- "قول من يقول: بل أقول: إنه ليس بمتحيز ولا في جهة، وأقول مع ذلك: إنه مباين للعالم. وهذا قول من يقول: إنه فوق العالم, وليس بجسم, ولا جوهر, ولا متحيز، كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية, والأشعرية, والكرامية, ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة, وأهل الحديث والصوفية.
    فإذا قيل لهؤلاء: إثبات مباين ليس بمتحيز مخالف لضرورة العقل قالوا: إثبات موجود, لا محايث, ولا مباين أظهر فساداً في ضرورة العقل من هذا..." (9) .
    3- "قول من يلتزم أنه متحيز، أو في جهة، أو أنه جسم، ويقول: لا دلالة على نفي شيء من ذلك، وأدلة النفاة لذلك أدلة فاسدة، فإنهم متفقون على أن نفي ذلك ليس معلوماً بالضرورة، وإنما يدعون النظر، ونفاة ذلك لم يتفقوا على دليل واحد، بل كل واحد منهم يطعن في دليل الآخر..." (10) ، وهذا قول الكرامية وبعض أهل الحديث ومن وافقهم.
    4- "جواب أهل الاستفصال: وهم الذين يقولون: لفظ "التحيز" و"الجهة" و"الجوهر" ونحو ذلك، ألفاظ مجملة، ليس لها أصل في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، ولا قالها أحد من سلف الأمة وأئمتها في حق الله تعالى، لا نفياً ولا إثباتاً، وحينئذ فإطلاق القول بنفيها أو إثباتها ليس من مذهب أهل السنة والجماعة بلا ريب، ولا عليه دليل شرعي، بل الإطلاق من الطرفين مما ابتدعه أهل الكلام الخائضون في ذلك. فإذا تكلمنا معهم بالبحث العقلي استفصلناهم عما أرادوه بهذه الألفاظ..." (11) فإن كان حقًّا قبل – ولا يمنع من قبوله تسميته بهذه المصطلحات الحادثة – وإن كان باطلاً رُدَّ.
    ومن خلال ما سبق من عرض الخلاف حول المسألتين يتبين مذهب الأشاعرة، القدماء منهم والمتأخرين، كما يتبين مذهب السلف رحمهم الله تعالى.
    ثانيا: أدلة أهل السنة على إثبات العلو:
    إثبات علو الله تعالى معلوم بالاضطرار من الكتاب, والسنة, وإجماع سلف الأمة، ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك, لأنه عندهم معلوم بالاضطرار من الدين (12) .
    وسياق الأدلة مما يصعب حصره، وقد ذكر شيخ الإسلام أنها تبلغ مئين، وأن الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم, والصحابة, والتابعين متواترة موافقة لذلك (13) .
    ونقل شيخ الإسلام عن بعض أكابر أصحاب الشافعي أنه قال: "في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله تعالى عالٍ على الخلق، وأنه فوق عباده، وقال غيره: فيه ثلاثمائة دليل تدل على ذلك..." (14) .
    وقد ذكر ابن القيم في (نونيته) أكثر من عشرين نوعاً من الأدلة، وكل نوع تحته عدد من الأدلة (15) ، كما ذكر في الصواعق ثلاثين دليلاً من أدلة العقل والفطرة (16) – وهي كلها ملخصة مما ذكره شيخه في مناقشاته.
    وخلاصة هذه الأدلة:
    أ- أما أدلة الكتاب والسنة، فمنها نصوص: الاستواء: والنزول، والرؤية (17) ، وصعود الأعمال إليه، وعروج الملائكة إليه، وأنه في السماء، ونزول القرآن، وتنزل الملائكة، والمعراج، والسؤال عنه بالأين، والتصريح بالفوق، وغيرها كثير جداً.
    ب- أما أدلة العقل والفطرة، فقد ذكر شيخ الإسلام الخلاف في العلو هل يعلم بالعقل أو بالسمع، وذكر أن قول الجماهير أنه يعلم بالعقل وبالسمع. وهذا قول الكلابية وطريقة أكثر أهل الحديث. وممن قال إنه يعلم بالسمع أبو الحسن الأشعري وبعض أصحابه، ولكن هؤلاء يثبتون العلو بالسمع, ويبطلون أدلة نفاته.
    يقول شيخ الإسلام: "والعقل دلَّ على أن الله تعالى فوق العالم، وهذه طريقة حذاق أهل النظر من أهل الإثبات، كما هو طريق السلف والأئمة، يجعلون العلو من الصفات المعلومة بالعقل، وهذه طريقة أبي محمد بن كلاب وأتباعه، كأبي العباس القلانسي، والحارث المحاسبي، وأشباههما من أئمة الأشعرية، وهي طريقة محمد بن كرام وأتباعه، وطريقة أكثر أهل الحديث والفقه والتصوف، وإليها رجع القاضي أبو يعلى، وأمثاله.
    ولكن طائفة من الصفاتية من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم، يظنون أن العلو من الصفات الخبرية كالوجه واليدين ونحو ذلك، وأنهم إذا أثبتوا ذلك أثبتوه لمجيء السمع به فقط، ولهذا كان من هؤلاء من ينفي ذلك ويتأول نصوصه، أو يعرض عنها، كما يفعل ذلك في نصوص الوجه واليد.
    ومن سلك هذه الطريقة فإنه يبطل الأدلة التي يقال: إنها نافية لهذه الصفة، كما يبطل ما به ينفون صفة الاستواء والوجه واليد، ويبين أنه لا محذور في إثباتها، كما يقول مثل ذلك في الاستواء والوجه واليد، ونحو ذلك من الصفات الخبرية. وهؤلاء كلامهم أمتن من كلام نفاة الصفات الخبرية نقلاً وعقلاً..." (18) .
    ولاشك أن الراجح أن العلو معلوم بدليل العقل والفطرة، وقد قرر ذلك شيخ الإسلام بطرق منها: (19)
    1- أن هذا أمر مستقر في فطر بني آدم، معلوم لهم بالضرورة.
    2- أن قصدهم لربهم عند الحاجات التي لا يقضيها إلا هو، وذلك في دعاء العبادة, ودعاء المسألة – إنما يكون إلى جهة العلو، فهو كما أنهم مضطرون إلى دعائه ومسألته, هم مضطرون إلى أن يوجهوا قلوبهم إلى العلو إليه، لا يتوجهون إلى غيره من الجهات.
    3- وهذا أيضاً متفق عليه بين العقلاء السليمي الفطرة، وكل منهم يخبر عن فطرته من غير مواطأة من بعضهم البعض، ويمتنع في مثل هؤلاء أن يتفقوا على تعمد الكذب عادة.
    4- ومنها الطرق النظرية مثل قولهم: كل موجودين فإما أن يكون أحدهما مبايناً للآخر, أو مداخلاً له، وإذا ثبت أنه ليس مداخلاً له, فلابد أن يكون مبايناً له، وهكذا.
    5- ومنها أنه إذا ثبت أن العالم كرة، وأن الله لابد أن يكون مبايناً لخلقه، والعلو المطلق فوق الكرة، فيلزم أن يكون في العلو (20) .
    وكثيرا ما يربط شيخ الإسلام مناقشاته بأمور عملية واقعية، ولذلك فهو يورد قصة أبي المعالي الجويني مع أبي جعفر الهمذاني لما اعترض عليه وهو يقرر نفي العلو، فقال له الهمذاني: دعنا مما تقول، ما هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، ما قال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة من قلوبنا. فصرخ أبو المعالي، ووضع يده على رأسه وقال: حيرني الهمذاني، أو كما قال، ونزل (21) .
    ومن عجيب ما جرى لشيخ الإسلام ابن تيمية نفسه مع هؤلاء النفاة ما حكاه بقوله: ولقد كان عندي من هؤلاء النافين لهذا من هو من مشايخهم، وهو يطلب مني حاجة، وأنا أخاطبه في هذا المذهب كأني غير منكر له، وأخرت قضاء حاجاته حتى ضاق صدره، فرفع رأسه إلى السماء، وقال: يالله، فقلت له: أنت محق، لمن ترفع طرفك؟ وهل فوق عندك أحد؟ فقال: أستغفر الله، ورجع عن ذلك لما تبين له أن اعتقاده يخالف فطرته، ثم بينت له فساد هذا القول، فتاب من ذلك، ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم" (22) .
    أما أقوال السلف في هذا الباب فكثيرة جدًّا، وسترد الإشارة إليها عند الردِّ على زعم الرازي أنه لم يقل بالجهة سوى الحنابلة والكرامية.
    ثالثاً: حجج النفاة واعتراضاتهم، والردُّ عليها:
    ليس النفاة العلو دليل نقلي واحد على ما يدعونه، سوى أثر مكذوب رواه ابن عساكر فيما أملاه في نفي الجهة عن شيخه ابن عبدالله العوسجي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الذي أَيَّنَ الأَينَ فلا يقال له: أين))، وقد حكم شيخ الإسلام بأنه مكذوب، وكثيراً ما يشير إليه باسم: حديث عوسجة (23) .
    ولما لم يكن للنفاة دليل من الكتاب والسنة عولوا على ما زعموه من أدلة العقل، والاعتراض على أدلة السلف المثبتة له.
    ومجمل أدلة النفاة هي:
    1- حججهم العقلية المعروفة مثل: التجسيم، والتركيب، والانقسام، والتجزء والتناهي، والتحيز، حيث قالوا: هذه لازمة لمن قال بالجهة, والله منزه عنها.
    2- اعترضوا على أدلة السمع كلها بأنها معارضة بالعقل، والعقل عندهم مقدم على النقل عند التعارض.
    3- أما دليل أن كل موجودين لابد أن يكون أحدهما داخلاً في الآخر, أو بائناً منه، وأنه لا يجوز أن يكون لا داخلاً ولا بائناً – فقد اعترضوا عليه بأن هذا من حكم الوهم والخيال، وإلا فالقسم الثالث صحيح في القسمة العقلية، واستدلوا عليه بوجود العقول والكليات المطلقة.
    4- أنه لو كان بدهياً لامتنع اتفاق الجمع العظيم على إنكاره, وهم من سوى الحنابلة والكرامية.
    5- أما التوجه عند الدعاء إلى العلو فلأن السماء قبلة الدعاء, وهو منقوض بوضع الجبهة على الأرض.
    6- كما اعترضوا بكون العالم كرة، ولا فرق بين الفوق والتحت.
    وقد ناقش شيخ الإسلام ذلك كما يلي:
    1- أما حججهم التي ذكروها من لزوم التجسيم, والتركيب, والتناهي, والتحيز, وغيرها فقد سبق الجواب عنها وبيان ما فيها من الإجمال, وذلك في المسألة الأولى ضمن مسائل هذا المبحث، وقد استقصى شيخ الإسلام حججهم هذه كما ذكرها الرازي في كتابين من كتبه هما: (الأربعين)، و(أساس التقديس)، ورد عليها كلها في منهجه المعروف من حكاية الأقوال، ثم مناقشتها وبيان تناقض الخصوم، وردود بعضهم على بعض.
    وإذا تبين بطلان هذه الحجج – التي سموها براهين – وجب الرجوع إلى ما يدل عليه السمع والعقل (24) .
    2- أما اعتراضه على أدلة السمع المثبتة بأنها معارضة بالأدلة العقلية، فهذه أيضاً سبق تفصيلها في المنهج العام في الرد على الأشاعرة, وقد أفرد شيخ الإسلام مسألة العلو – وبين كيف عارض الرازي أدلتها النقلية بأدلة العقول – ثم ردَّ عليه من وجوه عديدة منها:
    أ- أن القول بأن الله فوق العالم معلوم بالاضطرار من الكتاب, والسنة, وإجماع سلف الأمة، كالعلم بالأكل والشرب في الجنة، والعلم بإرسال الرسل, وإنزال الكتب، ونصوص العلو متواترة مستفيضة, وثبوتها أعظم من ثبوت كثير مما يقر به هؤلاء كأحاديث الرجم، والشفاعة، والحوض، والميزان، وسجود السهو وغيرها (25) .
    ب- أن نصوص العلو صريحة لا تقبل التأويل، بل التأويلات في ذلك من جنس تأويلات القرامطة, والباطنية, وهي معلومة الفساد ضرورة (26) .
    ج- "أن يقال: لا نسلم أنه عارض ذلك دليل عقلي أصلاً، بل العقليات التي عارضتها هذه السمعيات هي من جنس شبه السوفسطائية التي هي أوهام وخيالات غير مطابقة، وكل من قالها لم يخل من أن يكون مقلداً لغيره، أو ظانًّا في نفسه، وإلا فمن رجع في مقدماتها إلى الفطر السليمة واعتبر تأليفها، لم يجد فيما يعارض السمعيات برهاناً مؤلفاً من مقدمات يقينية, تأليفاً صحيحاً.
    وجمهور من تجده يعارض بها أو يعتمد عليها، إذا بينت له فسادها وما فيها من الاشتباه والالتباس، قال: هذه قالها فلان وفلان، وكانوا فضلاء، فكيف خفي عليهم مثل هذا؟ فينتهون بعد إعراضهم عن كلام المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وإجماع السلف الذين لا يجتمعون على ضلالة، ومخالفة عقول بني آدم التي فطرهم الله عليها – إلى تقليد رجال يقولون: إن هذه القضايا عقلية برهانية، وقد خالفهم في ذلك رجال آخرون من جنسهم، مثلهم وأكثر منهم..." (27) .
    ثم ذكر بقية الأوجه (28) .
    والقول بتقديم العقل على السمع من أصول البلايا التي بلى بها أهل الكلام، حيث أصبحت عندهم كالمخرج, عندما يضايقهم أئمة السنة بالنصوص.
    3- أما زعمهم أن دليل العقل والفطرة إنما هو من حكم الوهم والخيال وأن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات لا في العقليات ثم استشهادهم بالكليات وبالنفوس – فقد أجاب عنه شيخ الإسلام في مناسبات مختلفة، ومن ردوده عليهم قوله بأن هذا باطل من وجوه:
    أحدها: أنه إذا جاز أن يكون في الفطرة حكمان بديهان، أحدهما مقبول, والآخر مردود، كان هذا قدحاً في مبادئ العلوم كلها، وحينئذ لا يوثق بحكم البديهة.
    الثاني: أنه إذا جوز ذلك، فالتمييز بين النوعين: إما أن يكون بقضايا بديهية، أو نظرية مبنية على البديهية، وكلاهما باطل... فإذا جاز أن تكون البديهيات مشتبهة: فيها حق وباطل، كانت النظريات المبنية عليها أولى بذلك، وحينئذ فلا يبقى علم يعرف به حق وباطل، وهذا جامع كل سفسطة...
    الثالث: أن قول القائل: إن الوهم يسلم للعقل قضايا بديهية تستلزم إثبات وجود موجود، تمتنع الإشارة الحسية إليه – ممنوع.
    الرابع: أنه بتقدير التسليم تكون المقدمة جدلية؛ فإن الوهم إذا سلم للعقل مقدمة، لم ينتفع بتلك القضية، إلا أن تكون معلومة له بالبديهية الصحيحة، فإذا لم يكن له سبيل إلى هذا انسدت المعارف على العقل، وكان تسليم الوهم إنما يجعل القضية جدلية لا برهانية. وهذا وحده لا ينفع في العلوم البرهانية العقلية.
    الخامس: أن قول القائل: إن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات دون العقليات، إنما يصح إذا ثبت أن في الخارج موجودات لا يمكن أن تعرف بالحس بوجه من الوجوه، وهذا إنما يثبت إذا ثبت أن في الوجود الخارجي مالا يمكن الإشارة الحسية إليه. وهذا أول المسألة فإن المثبتين يقولون: ليس في الوجود الخارجي إلا ما يمكن الإشارة الحسية إليه، أو لا يعقل موجود في الخارج إلا كذلك...
    السادس: أن يقال: إن أردتم بالعقليات ما يقوم بالقلب من العلوم العقلية الكلية ونحوها، فليس الكلام هنا في هذه، ونحن لا نقبل مجرد حكم الحس ولا الخيال في مثل هذه العلوم الكلية العقلية، وأن أردتم بالعقليات موجودات خارجة، لا يمكن الإشارة الحسية إليها، فلم قلتم: إن هذا موجود؟ فالنزاع في هذا، ونحن نقول: إن بطلان هذا معلوم بالبديهة" (29) ... إلى آخر الأوجه (30) .
    ويلاحظ أن شيخ الإسلام بدأ من الوجه الخامس يناقش المسألة التي اعتمد عليها الرازي – ومن وافقه – في هذا الباب، حيث اتبعوا ابن سينا وغيره من الفلاسفة في مسألة الكليات الذهنية التي زعموا أنها موجودة في الخارج.
    وهذه من المسائل التي تخبط بسببها المتكلمون في كثير من قضايا العقيدة ودلائلها. وهي من الباطل الذي لا حقيقة له، إذا ليس كل ما في الأذهان يكون موجوداً في الأعيان، وهذه الكليات المطلقة توجد مطلقة في الأذهان فقط، أما في الأعيان فلا توجد إلا مقيدة، وقد سبقت الإشارة إلى هذا.
    ولما تكلم شيخ الإسلام عن هذه المسألة – في موضع آخر – ضرب مثالاً عليه في مسألة العلو عند هؤلاء النفاة، "ولكن طائفة من أهل الجدل, والحكمة, السوفسطائية، يستدلون على إمكان الشيء في الخارج بإمكانه في الذهن، كما يوجد مثل ذلك في كلام كثير من أهل الكلام والفلسفة. والرازي والآمدي ونحوهما لا مباين للعالم ولا مجانب بأن يقولوا: القسمة العقلية تقتضي أن كل موجود فإما مباين لغيره أو مجانب له، وإما لا مباين, ولا مجانب، أو كل موجود فإما داخل في غيره, وإما خرج عنه, وإما لا داخل ولا خارج.
    ويجعلون مثل هذا التقسيم دليلاً على إمكان كل من الأقسام في الخارج، وقد يسمون ذلك برهانا عقليا، وهو من أفسد الكلام..." (31) .
    ومثل هذا احتجاجهم بأن الفلاسفة وطائفة من المتكلمين من المعتزلة والشيعة والأشعرية – أثبتوا النفس، وقالوا: إنها لا داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له ولا حالة فيه. وبطلان هذا مثل بطلان وجود الكليات في الخارج (32) .
    وكثيرا ما يختلط الأمر عند هؤلاء فيظنون أن الفرق بين الغيب والشهادة هو الفرق بين المحسوس وبين المعقول، وهذا أحد مداخل ملاحدة الباطنية والصوفية وغيرهم. والحق أن الغيب ليس غير المحسوس, بل الغيب يمكن إحساسه، والله تعالى أعظم الغيب وهو يرى (33) .
    وأكبر دليل على فساد ما زعمه هؤلاء من صحة قولهم بإمكان موجود لا مباين, ولا محايث، أو لا داخل العالم ولا خارجه – أنهم عجزوا عن الردِّ على الحلولية من النَّصارى والصُّوفية، وقد أفرد شيخ الإسلام لبيان ذلك فصلاً طويلاً (34) ، ومما قاله: "ولهذا كان الحلولية والاتحادية منهم، الذين يقولون: إنه في كل مكان، يحتجون على النفاة منهم الذين يقولون: ليس مبايناً للعالم, ولا مداخلاً له، بأنا قد اتفقنا على أنه ليس فوق العالم، وإذا ثبت ذلك تعين مداخلته للعالم، إما أن يكون وجوده وجود العالم، أو يحل في العالم، أو يتحد به، كما قد عرف من مقالاتهم.
    والذين أنكروا الحلول والاتحاد من الجهمية، ليست لهم على هؤلاء حجة إلا من جنس حجة المثبتة عليهم، وهو قول المثبتة: إن ما لا يكون لا مداخلاً ولا مبايناً، غير موجود، فإن أقروا بصحة هذه الحجة بطل قولهم، وإن لم يقروا بصحتها أمكن إخوانهم الجهمية الحلولية أن لا يقروا بصحة حجتهم، إذ هما من جنس واحد" (35) ، ثم ذكر شيخ الإسلام نموذجا على ذلك، وهو رد الرازي على حلولية النَّصارى، حيث علَّق شيخ الإسلام بعد نقل كلام الرازي في الردِّ عليهم (36) بقوله: "قلت ما ذكره الرازي من إبطال الحلول بإلزام النصارى كلام صحيح، لكن هذا إنما يستقيم على قول أهل الإثبات المثبتين لمباينته للعالم، فأمَّا على قول الجهمية النفاة فلا تستقيم هذه الحجة..." (37) .
    وذلك أنه يلزم من تجويز إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه تجويز قول الحلولية، ولا يمكن أن يوجد في النفاة من يرد على الحلولية ردًّا مستقيماً، بل إن لم يوافقهم كان معهم بمنزلة المخنث – كما يعبر شيخ الإسلام (38) .
    وقد سبقت الإشارة إلى ما بين هذين المذهبين – النفاة والحلولية – من توافق، إلى حدِّ أن الواحد منهم قد يتلبس بالمذهبين في وقت واحد، حسب حالته. وكثير من النفاة يعظم ملاحدة الصوفية كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض، بل إن أحد أفضل المتكلمين من نفاة العلو "يعتقد في مثل هذا أنه كان من أفضل أهل الأرض، أو أفضلهم ويأخذ ورقة فيها شرُّ مذهبه، يرقي بها المريض، كما يرقي المسلمون بفاتحة الكتاب، كما أخبرنا بذلك الثقاة، وهم يقدمون تلك الرقية على فاتحة الكتاب...." (39) .
    ويركز شيخ الإسلام على أن هؤلاء جميعاً ينطلقون من تلك المناظر المشهورة التي جرت بين الجهم والسمنية, وقد ذكرها الإمام أحمد (40) ، فالجهم لما احتج عليهم بالروح بأن الروح لا ترى, ولا تسمع, ولا تحس, ولا تجس، طبق ذلك على الله تعالى، فقال: وكذلك هو موجود, ولا يرى, ولا يسمع, ولا يوصف بصفة.
    ومن هذه المناظرة انطلق المبطلون:
    - نفاة الأسماء والصفات من الجهمية وغيرهم.
    - ونفاة العلو القائلون بأن الله لا داخل العالم, ولا خارجه.
    - والحلولية القائلون بأن الله في كل مكان.
    فصاروا ينطلقون مما انطلق منه الجهم، والذين تفلسفوا كالرازي وغيره اعتمدوا على مثل هذا تماماً, وذلك حين احتجوا بالكليات التي لا توجد إلا في الأذهان، وبالنفوس المفارقة التي قال بها الفلاسفة وغيرهم. وهذا يبين ما بين أهل الباطل من ترابط، وكيف يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً.
    وقد بين شيخ الإسلام الجواب الصحيح لهؤلاء السمنية، وكيف عدل الجهم عن ذلك، وشبه حجته بحجة الرازي على نفي العلو, واحتجاجه بما يقوله الفلاسفة في المعقول والنفوس (41) .
    وكثيراً ما يعتمد هؤلاء المتكلمون على شبه الفلاسفة (42) .
    4- أما دعوى أنه لو كان بديهياً لامتنع اتفاق الجمع العظيم على إنكاره، وهم من سوى الحنابلة والكرامية. فجوابه من وجوه:
    أحدها: أن العكس هو الصحيح، فإن أمم الأرض جميعاً يقولون بأن الله فوق العالم، والذين خالفوا ذلك فئات قليلة من الفلاسفة, والجهمية, والمعتزلة, والأشاعرة، تلقاه بعضهم عن بعض تقليداً.
    ومسألة العلو ليست من المسائل الصغيرة – التي قد تعرفها أمة أو أتباع نبيٍّ دون غيرهم – بل هي من المسائل الكبار المتعلقة بأصل التوحيد, وهي مما ينفصل فيه أهل الإيمان عن الإلحاد، ولذلك اتفق الأنبياء جميعاً عليها كما اتفقوا على التوحيد (43) .
    ولتواتر النصوص الواردة في إثبات العلو لم يستطع – الأشاعرة المتأخرون ولا غيرهم – إنكارها أو معارضتها، وإنما صاروا يعبرون عن المعاني التي يريدونها من نفي العلو بعبارات ابتدعوها، ويكون فيها اشتباه وإجمال، مثل أن يقولوا: إن الله ليس بمتحيز ولا في جهة، وغيرها من العبارات المحتملة للحق والباطل، وهم قصدوا بها ردَّ الحق (44) . ولو كانت دعواهم كما صورهم الرازي أنه لم يخالف فيها الإ الحنابلة والكرامية لما تدسسوا إلى آرائهم وأقوالهم بمثل هذه الأساليب حين يتعاملون مع مئات النصوص الواردة المثبتة للعلو.
    وقد ردَّ شيخ الإسلام على هذه الدعوى بنقل النصوص العديدة لعشرات الأئمة والعلماء من السلف, وممن جاء بعدهم من مختلف الطوائف: من الفقهاء: المالكية، والشافعية، والحنفية، والحنبلية، والظاهرية، وأهل الحديث، والصوفية والشيعة وأهل الكلام والفلسفة وغيرهم. فكيف يقال مع هذا إنه لم يقل بالعلو إلا الحنابلة, والكرامية؟.
    ومن هؤلاء الأئمة الذين أثبتوا العلو ونقلت أقوالهم: عبدالله بن المبارك، وربيعة، والإمام مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، والبخاري، والفضيل ابن عياض، وسليمان بن حرب، وابن خزيمة، والصابوني، والحاكم، وابن عبد البر، وابن أبي زمنين، وأبو نصر السجزي، وأبو عمر الطلمنكي، ونصر المقدسي، وأبو نعيم الأصبهاني، وأبو أحمد الكرخي، وأبو محمد المقدسي، وابن أبي حاتم، والخلَّال، وعبدالله بن الإمام أحمد، والقرطبي، والبيهقي، وابن رشد، وغيرهم كثير جدًّا، وأقوالهم ونصوصهم مدونة, يثبتون فيها هذه الصفة, ويردُّون على من تأوَّلها (45) .
    فكيف يدعي الرازي أنه لم يثبت العلو سوى الحنابلة والكرامية؟.
    الثاني: أن من المخالفين للرازي – ولمتأخري الأشعرية كالجويني والغزالي، والآمدي – شيوخهم المتقدمين من أئمة الأشاعرة، كابن كلاب، والقلانسي، والمحاسبي، وأبي الحسن الأشعري، وتلاميذه كابن مجاهد، وأبي الحسن الطبري، والباقلاني، وابن فورك – في أحد قوليه – والقاضي أبي يعلي، والقرطبي، والخطابي، وغيرهم ممن جاءت نصوصهم صريحة واضحة في إثبات العلو, والردِّ على الجهمية (46) .
    فهؤلاء المتأخرون النفاة من الأشاعرة مخالفون لأقوال شيوخهم، وقد علق شيخ الإسلام على ذلك – بعد نقله أقوال أولئك في إثبات العلو وغيره من الصفات – بقوله: "فإذا كان قول ابن كلاب, والأشعري, وأئمة أصحابه، وهو الذي ذكروا أنه اتفق عليه سلف الأمة, وأهل السنة، أن الله فوق العرش، وأن له وجها ويدين، وتقرير ما ورد في النصوص الدالة على أنه فوق العرش، وأن تأويل "استوى" بمعنى استولى هو تأويل المبطلين ونحو ذلك – علم أن هذا الرازي ونحوه هم مخالفون لأئمتهم في ذلك، وأن الذي نصره ليس هو قول ابن كلاب, والأشعري, وأئمة أصحابه، وإنما هو صريح قول الجهمية, والمعتزلة, ونحوهم، وإن كان قد قاله بعض متأخري الأشعرية كأبي المعالي ونحوه" (47) .
    الثالث: "أن يقال حول قوله باتفاق الجمع العظيم على إنكار العلو – "لم يطبق على ذلك إلا من أخذه بعضهم عن بعض، كما أخذ النصارى دينهم بعضهم عن بعض، وكذلك اليهود والرافضة وغيرهم.
    فأما أهل الفطر التي لم تغير فلا ينكرون هذا العلم، وإذا كان كذلك فأهل المذاهب الموروثة لا يمتنع أطباقهم على جحد العلوم البديهية، فإنه ما من طائفة من طوائف الضلال – وإن كثرت – إلا وهي مجتمعة على جحد بعض العلوم الضرورية" (48) .
    أما دعوى التواطؤ فمردودة بأن الفطر التي لم تتواطأ يمتنع اتفاقها على جحد ما يعلم بالبديهة، وقد يوافق بعض الناس – أو بعض عامتهم – على إنكار الجهة والتحيز والمكان، حين يقصد بنفيها ما هو معنى صحيح مثل نفي أن الله محصور في خلقه، أو مفتقر إلى مخلوق، إلى غير ذلك من المعاني التي يجب نفيها عن الله تعالى. أما لو قصد بذلك أن الله ليس فوق السموات، وأنه ليس وراء العالم إله موجود، فهذا لا يوافق عليه أحد بفطرته، وإنما يوافق عليه من قامت عنده شبهة من شبه النفاة (49) .
    5- أما الاعتراض على رفع الأيدي، وأن القلوب مفطورة عند دعائها ومسألتها – على التوجه إلى الله في العلو – بأن ذلك لأن السماء قبلة للدعاء, وأن هذا منقوض بوضع الجبهة على الأرض، أو غير ذلك من التعليلات الهزيلة (50) – والحمد لله (51) .
    وقد ركز شيخ الإسلام في هذه الأوجه على بيان أن الاستدلال برفع الأيدي والأبصار إلى السماء عند الدعاء، إنما هو حجة أهل الإثبات من السلف والخلف، وأن من هؤلاء الأشعري, وأئمة أصحابه، وقد نقل شيخ الإسلام كلامهم في ذلك (52) ، فالرازي في الحقيقة إنما يعترض على شيوخه الأشاعرة، وهم باستدلالهم يردون عليه. والإشارة إلى الله في العلو باليد, والأصابع, أو العين, أو الرأس، قد تواترت به السنن عن الرسول صلى الله عليه وسلم (53) . والنهي عن رفع البصر في الصلاة لأنه من باب الخشوع الذي أثنى الله على أهله، ولو كان الله ليس فوق، بل هو في السفل كما هو في الفوق لم يكن رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع، بل كان يكون بمنزلة خفضها (54) .
    والناس على اختلاف عقائدهم وأديانهم يشيرون عند الدعاء إلى السماء لأن هذا شيء يجدونه في فطرهم (55) .
    ودعوى أن السماء قبلة للدعاء كالكعبة قبلة للصلاة، باطل معلوم بالاضطرار بطلانه من وجوه: منها أن المسلمين مجمعون على أن قبلة الداعي هي قبلة الصلاة، ومنها: أن كون السماء أو العرش قبلة لا يثبت بغير الشرع، وليس في النصوص أي دليل على ذلك، ومنها أن القبلة أمر يدخله النسخ، ولذلك تحولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، ولو كانت القبلة هي العرش أو السماء لجاز تغييرها وتبديلها، ولجاز أن يدعو الإنسان ربه إلى سائر الجهات، وهذا فضلاً عن أنه باطل، فإن العباد مفطورون على أن لا يتوجهوا إلا إلى جهة العلو. ومنها: أن القبلة ما يستقبله الإنسان بوجهه، أما ما يرفع الإنسان إليه يده أو رأسه أو بصره، فهذا باتفاق الناس لا يسمى قبلة، ومعلوم أن مستقبل القبلة يستدبر ما يقابلها، أما الداعي فإنه لا يكون مستقبلاً للسماء, مستدبراً للأرض، بل يكون مستقبلاً لبعض الجهات. إلى غيرها من الأوجه (56) .
    ووضع الجبهة على الأرض يفعله الناس لكل من يعظمونه، ولهذا يسجد المشركون لأصنامهم. وهذا بَيِّنٌ (57) .
    فتبين من هذه الأوجه وغيرها سلامة احتجاج السلف على العلو بما فطر الناس عليه من رفع أيديهم إلى السماء عند الدعاء والحاجة.
    6- أما اعتراضهم بأن العالم كرة، وأن الله إذا كان في جهة فوق لكان أسفل بالنسبة لسكان الوجه الآخر.
    فشيخ الإسلام لا ينازع في استدارة الفلك – كما قد ينازع فيه بعض الجهال (58) -، وقد أجاب عن هذا الاعتراض بعدة أوجه:
    منها: أن القائلين بأن العالم كرة يقولون أن السماء عالية على الأرض من جميع الجهات، والأرض تحتها من جميع الجهات.
    والجهات قسمان:
    حقيقية: ولها جهتان العلو والسفل فقط، فالأفلاك وما فوقها هو العالي مطلقاً، وما في جوفها هو السافل مطلقاً.
    وإضافية: وهي الجهات الست بالنسبة للحيوان، فما حاذى رأسه كان فوقه وما حاذى رجليه فهو تحته، وما حاذى جهته اليمنى كان عن يمينه. وهكذا.
    ويتضح الفرق بينهما فيما لو علق رجل، فجعلت رجلاه إلى أعلى، ورأسه إلى أسفل، فبالنسبة للجهة الحقيقية لم يتغير عليه شيء إذ لا تزال السماء فوقه والأرض تحته، أما بالنسبة للإضافة فإن الأرض فوق رأسه (59) .
    "وإذا كان كذلك فالملائكة الذين في الأفلاك من جميع الجوانب، هم باعتبار الحقيقة، كلهم فوق الأرض، وليس بعضهم تحت بعض، ولا هم تحت شيء من الأرض، أي الذين في ناحية الشمال ليسوا تحت الذين في ناحية الجنوب وكذلك من كان في ناحية برج السرطان ليس تحت من كان في ناحية برج العقرب, وإن كان بعض جوانب السماء تلي رؤوسنا تارة وأرجلنا أخرى، وإن كان فلك الشمس فوق القمر، وكذلك السحاب وطير الهواء، هو مع جميع الجوانب فوق الأرض وتحت السماء، ليس شيء منه تحت الأرض، ولا من هذا الجانب تحت من هذا الجانب... (فـ) علم أنه لا يلزم من كون الخالق فوق السماوات، أن يكون تحت شيء من المخلوقات، وكأن من احتج بمثل هذه الحجة إنما احتج بالخيال الباطل الذي لا حقيقة له..." (60) .
    "وإذا كانت المخلوقات التي في الأفلاك والهواء والأرض لا يلزم من علوها على ما تحتها أن تكون تحت ما في الجانب الآخر من العالم، فالعلي الأعلى – سبحانه – أولى أن لا يلزم من علوه على العالم أن يكون تحت شيء منه" (61) .
    وقد سبق – عند ذكر أدلة أهل السنة العقلية على العلو – أن كون العالم كرة من أدلة العلو.
    ومنها: أنه لا يسلم لزوم السفول، وإن سلم لزومه فلابد من دليل ينفي به ذلك، ولا يلزم من ذلك نقص، لأن الأفلاك موصوفة بالعلو على الأرض – مع لزوم ما ذكر من السفول تحت سكان الوجه الآخر – وليس ذلك نقصاً فيها. وإذا كان هذا في المخلوقات فالخالق أولى أن يتنزه عنه حين يوصف بالعلو عليها كلها (62) .
    أما دعوى أنه يلزم أن يكون الله فلكاً محيطاً بالعالم حتى يكون عالياً عليه فيقال: "على هذا التقدير إذا كان محيطاً لم يكن سافلاً البتة، بل يكون عالياً، وعلى هذا فإذا كان هو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، ولو أدلى المدلي بحبل لهبط عليه – كان محيطاً بالعالم, عالياً عليه مطلقاً, ولم يلزم من ذلك أن يكون فلكاً ولا مشابهاً للفلك، فإن الواحد من المخلوقات تحيط قبضته بما في يده من جميع جوانبها، وليس شكلها شكل يده، بل ولا شكل يده شكلها" (63) .
    ثم إن العلو لا يشترط فيه الإحاطة، وإن كانت الإحاطة لا تناقضه والناس يعلمون أن الله فوق العالم، وإن لم يعلموا أنه محيط به، وإذا علموا أنه محيط به لم يكن ذلك ممتنعاً عندهم.
    "والله تعالى ليس مثل الأفلاك، ولا يلزم إذا كان فوق العالم ومحيطاً به أن يكون مثل فلك، فإنه العظيم الذي لا أعظم منه" (64) .
    "والمقصود: أنه إذا كان الله أعظم وأكبر وأجل من أن يقدر العباد قدره، أو تدركه أبصارهم، أو يحيطون به علماً، وأمكن أن تكون السموات والأرض في قبضته لم يجب – والحال هذه – أن يكون تحت العالم، أو تحت شيء منه، فإن الواحد من الآدميين إذا قبض قبضة, أو بندقة, أو حمصة, أو حبة خردل, وأحاط بها بغير ذلك، لم يجز أن يقال: إن أحد جانبيها فوقه، لكون يده لما أحاطت بها كان منها الجانب الأسفل يلي يده من جهة سفلها، ولو قدر من جعلها فوق بعضه بهذا الاعتبار، لم يكن هذا صفة نقص، بل صفة كمال.
    وكذلك أمثال ذلك من إحاطة المخلوقات ببعض المخلوقات، كإحاطة الإنسان بما في جوفه، وإحاطة البيت بما فيه، وإحاطة السماء بما فيها من الشمس والقمر والكواكب، فإذا كانت هذه المحيطات لا يجوز أن يقال: إنها تحت المحاط وإن ذلك نقص، مع كون المحيط يحيط به غيره – فالعلي الأعلى المحيط بكل شيء، الذي تكون الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، كيف يجب أن يكون تحت شيء مما هو عالٍ عليه, أو محيط به، ويكون ذلك نقصاً ممتنعاً؟" (65) .
    والخلاصة:
    1- أن كون العالم كرة دليل على العلو، لأنه ليس هناك إلا علو مطلق أو سفل، وهو مركز الأرض، وهذا بالنسبة لجميع سكان الأرض، وإذا ثبت أن الله بائن من خلقه فهو في جهة العلو مطلقاً.
    2- أن الأرض والسموات إذا كان الله يقبضها بيده، فتصور أن يكون تحت شيء منها تصور فاسد، لم يقدر صاحبه حق قدره. فكل ما يفترضه المفترض من لزوم أن يكون الله محيطا بالمخلوقات، أو أنه فلك، أو غير ذلك من التصورات فهي إما تصورات فاسدة، كتصور أنه فلك أو أنه لا يلزم منها نقص ينافي كمال ربوبية الله تعالى ككون الله تعالى محيطاً بخلقه.
    ولشيخ الإسلام في ذلك مناقشات مطولة بين من خلالها أن ثبوت العلو الذي جاءت به النصوص وفطرت عليه العقول – لا يلزم منه شيء من هذه اللوازم التي ذكرها نفاته (66) .
    ومن ذلك أن لقائل أن يقول: ما فائدة أن يتوجه الإنسان عند الدعاء إلى العلو، ولماذا لا يتجه إلى إحدى الجهات الأخرى من يمين أو شمال ما دامت نهايته العلو نفسه؟ يقول شيخ الإسلام – بعد توضيحه لبعض الأمور-: "وإذا كان مطلوب أحدهما ما فوق الفلك لم يطلبه إلا من الجهة العليا، لم يطلبه من جهة رجليه, أو يمينه, أو يساره لوجهين:
    أحدهما: أن مطلوبه من الجهة العليا أقرب إليه من جميع الجهات، فلو قدر رجل أو ملك يصعد إلى السماء أو إلى ما فوق، كان صعوده مما يلي رأسه أقرب إذا أمكنه ذلك، ولا يقول عاقل: إنه يخرق الأرض ثم يصعد من تلك الناحية،...
    الوجه الثاني: أنه إذا قصد السفل بلا علو كان ينتهي قصده إلى المركز، وإن قصده أمامه, أو وراءه, أو يمينه, أو يساره من غير قصد العلو كان منتهى قصده أجزاء الهواء، فلابد له من قصد العلو ضرورة، سواء قصد من ذلك هذه الجهات أو لم يقصدها، ولو فرض أنه قال: أقصده من اليمين مع العلو، أو من السفل مع العلو، كان هذا بمنزلة من يقول: أريد أن أحج من المغرب، فأذهب إلى خراسان ثم أذهب إلى مكة..." https://www.dorar.net/firq/283/%D8%A7%D9%84

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •