دعوى التكرار في القصة القرآنية

د•سامي عطا



قد يبدو للناظر في القصص القرآنية كأنها تتكرر في أكثر من موطن، وهذا التكرر ـ الظاهري ـ اقتضاه الهدف من ذكر القصة بوجه عام في القرآن الكريم، للاعتبار بما فيها من أحداث، وللاتعاظ بما اشتملت عليه من وقائع ونتائج، لهذا ولغيره اقتضى ذكر هذه الأحداث والوقائع مرات عدة، في كل مرة من هذه المرات تتناول القصة جانباً معيناً تركز عليه، وتوضحه، وتظهره،وليس هذا في حقيقته من باب تكرار القصة الواحدة، حسبما اقتضى إظهار هذا الجانب موضع سياق القصة، ومناسبة ذكرها· فقصة موسى ـ عليه السلام ـ (مثلاً) على طولها وكثرة دورانها في القرآن الكريم، تتلخص في أربع مراحل، هي كل حياة هذا الرسول القوي الأمين·
المرحلة الأولى: وتبدأ بميلاده، وتنتهي بفراره من الملأ حين ائتمروا به إلى بلاد الشام· المرحلة الثانية: وتبدأ بوروده ماء مدين ونزوله على شعيب،وتنتهي بفراره بأهله إلى مصر رسولاً إلى فرعون·
المرحلة الثالثة: وتبدأ برسالته إلى فرعون،وصراعه معه، وتنتهي بفراره من فرعون وجنوده إلى بلاد الشام·
المرحلة الرابعة: وتبدأ بنزوله وقومه بلاد الشام،وتنتهي بانتهاء حياته·
كانت كل مرحلة من هذه المراحل غاصة بالحوادث الجسام،فيها مواطن عبر كثيرة،ومواطن استشهاد متعددة منها: بيان أن قدر الله ماض لا محالة، وأنه لا يستطيع أحد أن يغيره مهما حاول واتخذ من أسباب ووسائل، ويتجلى ذلك في قتل فرعون أبناء بني إسرائيل، حذراً من الشخص الذي سيزيل ملكه منهم، بل ربى في حجره الشخص الذي قدر له أن يزيل ملكه· ومنها: بيان عاقبة الظلم والظالمين،ويتجل ى ذلك في نهاية فرعون النهاية الوبيلة· ومنها: بيان لنفسية الشعوب المستضعفة المستذلة ولتكوينها، والسبيل التي ينبغي أن تسلكها لتتحرر، ويتجلى ذلك في ذكر نفسية وتكوين بني إسرائيل، الذين تربوا على الذلة والجبن والخنوع، ومحاولة سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ إعدادهم إعداداً آخر، يرفعهم من وهدة الوحل الذي تمرغوا فيه، فلم يستجيبوا له، حتى قضى الله عليهم بالتيه أربعين سنة، أهلك فيها هذا الجيل، وأخرج جيلا آخر·
ومنها: بيان أن الحق له السلطان الأعظم على النفوس، إذا ما عرفته وآمنت به، وأنه ليس بوسع أحد أن يحول بينها وبينه مهما اتخذ من وسائل إغراء أو تهديد، ويبدو ذلك في إيمان امرأة فرعون، فذكر في كل موطن من القصة ما يقتضيه السياق، ولذا لا نراه يذكر القصة على صورة واحدة، بل نراه يذكر في موطن ما يطوي ذكره في موطن آخر(1)· يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: >ذكر الله القصة في مواطن عدة من القرآن ليبين في كل موضع منها من الاعتبار والاستدلال،نوعا ً غير النوع الأول، كما يسمي الله تعالى رسوله وكتابه بأسماء متعددة، كل اسم يدل على معنى لم يدل عليه الاسم الآخر، وليس في هذا تكرار، بل فيه تنويع للآيات<(2)·
ففي كل سورة ما يناسبها، وما تستلزم العظة فيها والغرض منها، وما يثبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم ويذكر المؤمنين ويعظهم، (وكُلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين) هود:120· ويقول الإمام الغزالي: >لا تكرار في القرآن الكريم، فان رأيت شيئاً مكرراً من حيث الظاهر، فانظر إلى سوابقه ولواحقه لينكشف لك مزيد الفائدة في إعادته، وصدق الله العظيم إذ يقول: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) النساء:82·
فالقرآن يذكر في موطن ما يطوي ذكره في موطن آخر، بل نراه أحياناً يغير في التعبيرات ونظم الكلام تغيراً لا يخل بالمعنى، كل ذلك يفعله بحسب ما يقتضيه السياق، وما يقتضيه المقام· والتكرار بهذا المعنى، هو موضوع حديث ـ الكرماني ـ ومن حذا حذوه واتبع طريقه، حيث بيَّن قضية التكرار، وأفاض في الحديث عن كل ما تشابهت ألفاظه في كتاب الله سبحانه وتعالى، وتناوله بالتوضيح والشرح، وبين سبب تكرار كل ما تكرر، سواء أكان كلمة أو آية أو قصة، وذكر أن السر وراء كل هذا التكرار، كامن في سوابق الآية، أو لواحقها،أو هدف السورة وغرضها، أو مناسبة اقتضت ذكر القصة مرة ثانية لبيان جانب من جوانبها، والتنبيه عليه، والاستدلال به·كما نفى الخطيب الإسكافي أن يكون هناك تكرار في قصة موسى ـ عليه السلام ـ (3)·
قال الدكتور أحمد كمال المهدي ـ أحد علماء الأزهر الشريف ـ معقباً: >وأزيد عليه: أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يصور لنا هذا الموقف بأساليب عدة وألفاظ مختلفة، ليعطينا صورة كاملة للموقف بجميع أبعاده، وزواياه، فالله تعالى الذي يعلم خواطر النفس وما يجول بداخلها، قد أعطانا صورة تحليلية لما كان يجول في خاطر موسى ـ عليه السلام ـ في هذا الموقف الجديد الذي فوجئ به وهو سائر في الصحراء مع أهله، فموسى قال لأهله عبارة واحدة، ولكن كان يجول بخاطره ما لم يفصح عنه، فأخبرنا الله سبحانه وتعالى بالموقف مع بيان الحالة النفسية التي كان عليها موسى في ذلك الوقت، انظر قوله تعالى في سورة طه: (إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا اني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى) طه:01· وقوله تعالى في سورة النمل: (إذ قال موسى لأهله إني آنست ناراً سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون ) النمل:7· وقوله تعالى في سورة القصص: (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور ناراً قال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون) القصص:29، فموسى ـ عليه السلام ـ لما رأى النار أمر أهله أن يمكثوا في مكانهم لا يبرحون، حتى يأتيهم بخبر يسرهم، أو يأتيهم بقطعة من النار يستدفئون بها، فهذان مطلبان، لكل تارة يقدم هذا ويؤخر ذلك تبعا لحاله النفسية، وفي مثل هذا الموقف العصيب لرجل مهاجر في الصحراء، ومعه أهله، والليل ليل قر، والمكان موحش، وقد رأى على البعد نارا موقدة، ومثل هذا الموقف لا بد أن تتحرك فيه نفسه، ويدور في خلده كثير من المعاني، فتنقبض نفسه تارة، وتنبسط تارة أخرى، هذه النار التي رآها وظنها ناراً عادية، هل هي عند قوم كرام، أم عند قوم لئام، قطَّاع طرق، لا يرجى منهم خير···؟ وهل هذه القطعة من النار التي يريد إحضارها؟، هل هي جذوة أم شهاب أم قبس···؟ كل ذلك تبعا لما يدور في رأسه من احتمالات متعددة، فبيان الموقف مع بيان الحال النفسية التي كان عليها موسى ـ عليه السلام ـ يستدعي هذه العبارات الثلاث،حتى ينقل إلينا القرآن ذلك الموقف بكل لقطاته ومعانيه، فمنطوق موسى أمر واحد، ولكن ما كان يجول في خاطره أمور عدة·
واستطرد الدكتور المهدي في حديثه إلى أن قال: >وهكذا نجد الأساليب الثلاثة التي صورت لنا هذا الجزء من قصة موسى ـ عليه السلام ـ أعطتنا تحليلاً دقيقاً لهذا الموقف من جميع جوانبه وزواياه، والله سبحانه وتعالى ذكر في كل سورة من السور الثلاث التي تحدثت عن هذا الموقف، ما يناسب هدفها، حيث ذكر في كل موقف أساليب وألفاظ تشير إلى موضع العبرة بما يناسب جو السورة، وسياقها)·(4)
ومن العلماء الذين نفوا وجود التكرار في القصة القرآنية الأستاذ الدكتور فضل حسن عباس، فقال في كتابه >إعجازه القرآن الكريم<: >لكن الذي نطمئن لتقريره بعد تدبِّر لكتاب الله، وإنعام النظر وإجالة الفكر، وإطالة الوقوف مع آيات الكتاب أن لا تكرار ألبتة في كتاب الله تبارك وتعالى<(5)· ثم أورد نقولاً عن بعض العلماء تبين صحة ما ذهب إليه، كما أورد رأياً للأستاذ سيد قطب ـ يرحمه الله ـ يقول فيه: >يرد القصص في مواضع ومناسبات، وهذه المناسبات التي يساق القصص من أجلها، هي التي تحدد مساق القصة، والحلقة التي تعرض منها، والصورة التي تأتي عليها، والطريقة التي تؤدى بها، تنسيقاً للجو الروحي والفكري والفني الذي تعرض فيه، وبذلك تؤدي دورها الموضوعي، وتحقق غايتها النفسية، وتلقي إيقاعها المطلوب· ويحسب الناس أن هناك تكراراً في القصص القرآني، لأن القصة الواحدة يتكرر عرضها في سور شتى، ولكن النظرة الفاحصة تؤكد أنه ما من قصة، أو حلقة من قصة، قد تكررت في سورة واحدة، من ناحية القدر الذي يساق، وطريقة الأداء في السياق، وأنه حيثما تكررت حلقة، كان هنالك جديد تؤديه، ينفي حقيقة التكرار<(6)· وقال الشيخ محمد الخضر حسين ـ شيخ الجامع الأزهر يرحمه الله: >وردت قصة آدم في ست سور من القرآن، في البقرة، والأعراف، والحجر،والإسراء ، والكهف،وطه )، ففي سورة البقرة: وردت القصة في سياق تذكير الناس بنعمة الله، والعجب من أنهم يكفرون به، فكانت القصة تدور على هذا التذكير من جعل آدم خليفة، وتعليمه الأسماء كلها· وفي سورة الأعراف: وردت هذه القصة في سياق أن الناس قليلاً ما يشكرون الله، الذي مكِّنهم في الأرض، وجعل لهم فيها معايش،ولذلك أسهبت القصة في موقف إبليس من الإنسان· وفي سورة الحجر: وردت قصة آدم في سياق فتنة الناس، ولذلك كان الإسهاب فيها في واقعة إبليس وعدائه لآدم وذريته<(7)·
في ضوء ما سبق أستطيع أن أقرر أن لا تكرار في القصص القرآني، وإنما إظهار لجوانب مختلفة من القصص الواحدة، بتحقيق هدف تربوي معين، وتنويع معجز للمشاهد، وبيان لما صاحب أحداث القصة من انفعالات نفسية مختلفة، وأن ما يرى مكرراً من حيث الظاهر، لو نظر إلى سوابقها ولواحقها، لوضحت حقيقة وفائدة تكراره وإعادته، فالقرآن تنزيل من حكيم حميد، تتبع كل داء، وذكر أعراضه، وأسبابه، وملابساته، ومضاعفاته، ثم وضع لكل ذلك العلاج الناجع، والبلسم الشافي، بالطرق المختلفة التي يراها شافية معافية،سبحانه العليم الحكيم، الخبير بعلاج ما في صدور خلقه
· الهوامش
1 ـ انظر التعبير القرآني: د· فاضل صالح السامرائي،بغداد سنة1988م ص 51·
2 ـ مجموع الرسائل الكبرى: ابن تيمية، ج1/ ص 189·
3 ـ درة التنزيل وغرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز: للخطيب الإسكافي ( ت 420هـ)ط دار الآفاق الجديدة،بيروت·: ص 292 ـ 293·
4 ـ انظر: قطوف من رياض القرآن: د· منصور محمد منصور، ص 356 ـ 368، نقلا عن: وحدة الهدف في السورة القرآنية، رسالة دكتوراة للدكتور أحمد كمال المهدي· الأستاذ في كلية أصول الدين بالأزهر الشريف·
5 ـ إعجاز القرآن: أ· د· فضل حسن عباس وبمشاركة ابنته سناء فضل عباس، ط1، 1991م، ص 233 ·
6 ـ المرجع السابق: ص 234 ·
7 ـ المرجع السابق: ص 235 ·