قد لا نأسف .. لرحيلك..!!
حسان أحمد العماري


لقد اقتضت حكمة الله في خلقه أن قيمة المرء عند الله وعند الناس لا تقاس بطول الأعمار و لا بكثرة الأموال والأولاد والأتباع ولا تقاس قيمة المرء بما يأكل أو يلبس أو يركب أو بما يمتلك من دور وقصور وحدائق وأنهار... إنما تقاس بما يقدم من إنجازات ومنافع وعطاءات تعود على مجتمعه وأمته بالخير والصلاح... تقاس قيمة المرء بمقدار ما يحمل من مبادئ وقيم سامية تستقيم بها الحياة، وبها تحل السعادة على الفرد والمجتمع والأمة.. فقيمة المرء أن لا يعيش لنفسه وحسب بل يعيش من أجل الآخرين أيضاً فيساعد ويبذل ويضحي وينصح ويشارك في حمل الهموم وتفريج الكروب ودفع الخطوب عن الآخرين من حوله ما استطاع إلى ذلك سبيلا قال - تعالى - وهو يصف هؤلاء: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)[الأنبياء:90)]. وقال - تعالى -على لسان عيسى بن مريم - عليه السلام -: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) [مريم: 31)].
قال المفسرون: أي جعلني نفاعاً حيث ما اتجهت فما دام فيه الحياة وفيه الروح يجب أن يكون نفاعا... لذلك خلد القرآن العظماء والمؤثرين في الحياة فقال - تعالى - داعياً إلى الإقتداء بهم: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) [الأنعام: 90)]. وقال - تعالى - عن مؤمن آل فرعون: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) [غافر: 28)].
وذكر الله ذلك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لينصح قومه ويدلهم على الخير ولم يذكر أسمه لكنه كان عظيماً: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) [يّـس: 20)].
وقال - تعالى - عن أصحاب الكهف: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً) [الكهف: من الآية13)]. وضرب الله المثل بامرأتين عظيمتين لتكونا قدوة للمؤمنين والمؤمنات: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) [التحريم12: 11)].
وأثنى - سبحانه وتعالى - على محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بما حملوا من خير في نفوسهم وقدموا من إنجازات قال - تعالى -: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) [الفتح: 29)].
إن هدهد نبي الله سليمان - عليه السلام - ذلك الطائر الضعيف لم يذكر ولم يخلد ذكره في كتاب الله إلا لأنه أمر بمعروف ونهى عن منكر وغضب لله وساءه أن يجد أمة من الناس يعبدون غير الله ويسجدون لمخلوق مثله، قال - تعالى -: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ * لأعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) [النمل 20 26)].
فكان عمله هذا سبباً في هدايتهم وتحول حياتهم فخلد الله ذكره في القرآن إلى قيام الساعة.. فالذي يتحرك لعمل شيء إيجابي في حياته أو حياة الناس من حوله أو يكون داعياً إلى الخير آمراً بمعروف وناهياً عن المنكر هو العظيم عند الله و هو الذي يكتب له التوفيق والسداد وهو الذي ينجيه - عز وجل - من سوء العذاب، قال - تعالى -: (وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) [الأعراف: 163؛165)].
إن المسلم الحق ليعمل العمل وإن كان يسيراً يبتغي به وجه الله فينفع نفسه ومجتمعه وأمته فيكتب له القبول ويحبه الناس وترفع درجته عند الله ويعيش في سعادة وراحةٍ لا تقدر بثمن لأنه أدى ما عليه وأنفق من وقته وجهده وماله لخدمة دينه ومجتمعه وأمته.. كم من عظيم سعدنا بعلمه وفكره وقوته واختراعه ورايه ومشورته.. كم في حياتنا من رجال ونساء قدموا الكثير لمجتمعاتهم وأمتهم في العلوم الشرعية كالشافعي وابن حنبل ومالك وابو حنيفة وغيرهم وفي العلوم الدنيوية كالفارابي وابن سيناء وابن النفيس وغيرهم وفي القيادة والدفاع عن هذه الأمة كالخلفاء الراشدين والصحابة وقادة الفتح الإسلامي والأمراء والخلفاء وكم من عالم وزاهد وورع وتقي أحياء به الله أمة من الناس عندما أحسن العمل ووضع له هدف في الحياة وسعى لإنجازه لينفع غيره ويسعد أمته مازالت كتب التاريخ تخبرنا عن جميل صفاتهم وروائع إبداعاتهم إلى اليوم.. هذا جعفر أبن أبي طالب من العظماء خلد التاريخ ذكره فقد قضي ما يقارب من إحدى عشرة سنةً في المنفى في دار الغربة والبعد عن الصاحب والصديق والقريب والأرض والوطن هناك في الحبشة مهاجراً بدينه وداعياً إليه وفي السنةِ السابعةِ للهجرة عاد والمسلمون يفتحون خيبر وغنموا المال والطعام والسلاح ففرح النبي صلى الله عليه بقدومه حتى قال: (لا أدري بأيهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر).. ولكن بما كافأه النبيُ - صلى الله عليه وسلم - فقد أعطى للدين عشر سنواتً من الغربة واللوعة والأسى،.. هل أصدر مرسوما كريما بتعيينه أميرا على البلدة الفلانية؟ أم أصدر أمره السامي بتعيين مخصصات ماليه لجعفر وأسرته أم اصدر أوامره بأن يمنح جعفر إجازة لبقية العمر فقد قدم ما عليه، وأدا للدين ما يكفي تقديمه وأداءه؟ كلا، ! فلقد كافأه مكافأة من نوع آخر. وذلك بأن أتاح له الفرصةً مرة أخرى ليعمل للدين ويقدم للدين وينفع المسلمين فعينه نائباً لزيد بن حارثة قائد جيش المسلمين في مؤته لمواجهة الروم فيذهب حفيا بهذا المنصب، فرحا بفرصة المشاركة بعمل ينفع الله به الإسلام والمسلمين.. ويحدث له هناك العجب! يقتل القائد الأعلى زيد ابن حارثة فتتحول المسؤولية إليه، فينزل عن فرسه فيعقرها فكان أول من عقر فرس في الإسلام ثم يتقدم والراية في يمناه، ينشد نشيد الداخل في الجنة:
يا حبذا الجنة واقترابها *** طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنى عذابها *** علي إن لاقيتها ضرابها
فتقطع يده اليمنى، فيتلقف الراية باليد اليسرى، فتقطع فيحتضنها بيديه، تنوشه الرماح، تقطعه السيوف، تضربه السهام، وكل ذلك وهو صابر لتبقى الراية مرفوعة حتى يتقدم منه جندي رومي فيقده بالسيف نصفين ثم يصف لنا عبد الله أبن عمر - رضي الله عنهما - كما في صحيح البخاري مشهد تلك الجثة المعطرة وذلك الإهاب الممزق فيقول: (وقفت على جعفر يوم مؤتة وإن في جسده لبضعا تسعين ضربةً ليسَ بها واحدةُ في قفاه).. بضعا وتسعين ضربة كلها يتلقاها مقبلا غير مدبر، فحزن رسول الله عليه حزناً شديداً وبكى الصحابة وخيم الحزن على مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه لم يكن في الحياة إنسان عادي بل كان رجل وكان بطل وكان قائداَ محنكاً وصاحب بصمة واثر في الحياة ولم يعش لنفسه ولا لمصلحته الشخصية... وإن المسلم ليستطيع أن يكون عظيماً وتسعد الحياة بوجوده مهما كانت قدراته وإمكانياته إذا أراد وقدم للحياة ما يستطيع وكان صادقا مع من حوله مخلصا لقيمه ومبادئه متمسكاً بدينه.. لقد أنزل الله سورة في القرآن وهي سورة عبس تتحدث عن رجل عظيم طاقاته وقدراته محدودة لكنه قدم حياته ووقته وكل ما يملك من أجل دينه ومجتمعه وسعى بكل ما أوتي من قوة ليشارك في إسعاد الناس جميعاً.. إنه ذلك الرجل الكفيف الأعمى عبد الله أبن أم مكتوم - رضي الله عنه - مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي عذره الله في قرأنه: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ)[النور 61)].
لم يرى أنه يسعه أن يدع فيها فرصة يخدم فيها الدين تفلت منه، ولتكن هناك في مواقع القتال وقعقعة السيوف وطعن الرماح وإراقة الدماء، ليكن له موقع ثم.. فيصحب كتائب المسلمين ويطلب أن توكل إليه المهمة التي تناسبه وتليق به: (إني رجل أعمى لا أفر، فادفعوا إلى الراية أمسك بها).. يأبى إلا أن يشارك بنفسه على أي صورة كانت هذه المشاركة ممكنة حتى إذا كان يوم القادسية كان هو حامل الراية للمسلمين، الممسك بها أعمى ضرير يرى أن في عماه مؤهل لحمل الراية:
(إني رجل أعمى لا أفر)... تحمل كتب التاريخ أنباء عبد الله أبن أم مكتوم وأنه كان أحد شهداء القاسية يوم غشيته الرماح فلم تصادف فرارا ولا موليا ولا معطي دبره في قتال ومات تحت قدمه - رضي الله عنه - وأرضاه.. لقد رحل وما زالت الألسن تثني عليه منذ قرون من الزمن لأنه كان رقماً وأستطاع ان يحجز مكاناً له في الدنيا والآخرة رغم ما كان به من إعاقة بصرية.. لكنها الإرادة والتطلع إلى المجد وعدم الرضي بالقعود وسفاسف الأمور وشواغل النفس وحياة الضعفاء العالة على مجتمعاتهم رغم أن الله قد حباهم بسطة في المال والجسم.
لعمرك ما الرزية فقد مال *** ولا شاة تموت ولا بعير
ولكـن الرزية فقـد حـر *** يموت بموته خلق كثير
والشيخ أحمد ياسين - رحمه الله - الم يكن عظيماً وخلد التاريخ ذكره؟ وهو رجل مشلول مقعد على كرسيه.. انه الرجل الذي لا يتحرك فيه إلا قلبه ولسانه ضعيف البدن لكن الله عوضه عن ذلك عزيمة تفتت الصخر فكان له أثر في حياة الأمة جميعاً جهاد وتضحية وتربية وصمود رغم التهديد والحبس والنفي والمرض... كانت حياته حافلة بالكفاح خطيبا وداعية إلى الله ومربيا ومجاهدا ومناضلا.. لقي خلال ذلك صنوفا من الابتلاءات والمحن كل واحد منها كان كفيلا بأن يفت من عضد الأقوياء من الرجال فمن تشريد إلى اعتقال وتعذيب إلى إبعاد ولكنه صبر لها صبر المؤمن وصمد لها صمود الرجال.. خرج الشيخ المجاهد أحمد ياسين ذات يوم من الأيام ليعفر وجهه بالتراب مُصلياً خاشعاً لله وليشهد قرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً، واستقبل يومه الأخير وودعه وقرَّت عينه بالصلاة، وخرج من المسجد كالمغتسل من النهر الجاري هل يبقى من درنه شيء؟ وطوبى لعبد كانت الصلاة آخر مشهدٍ له في الدنيا.. خرج من مسجده وإذا بطائرة الغدر وصواريخ المكر تنهال على جسده الطاهر وكرسيه الصامد فيلقى الله شهيداً فتثور الأمة وتحزن لفراقه وتتربى على نهجه وسيرته الأجيال...
وثَّقْتَ باللهِ اتصالكَ حينما *** صلََّيْتَ فجرك تطلب الغفرانا
وتَلَوْتَ آياتِ الكتاب مرتِّلاً *** متأمِّلاً تتدبَّر القرآنا
ووضعت جبهتك الكريمةَ ساجداً *** إنَّ السجود ليرفع الإنسانا
وخرجتَ يَتْبَعُكَ الأحبَّة، ما دروا *** أنَّ الفراقَ من الأحبةِ حانا
كرسيُّكَ المتحرِّك اختصر المدى *** وطوى بك الآفاقَ والأزمانا
علَّمتَه معنى الإباءِ، فلم يكن *** مِثل الكراسي الراجفاتِ هَوانا
معك استلذَّ الموتَ، صار وفاؤه *** مَثَلاً، وصار إِباؤه عنوانا
أشلاءُ كرسيِّ البطولةِ شاهدٌ *** عَدْلٌ يُدين الغادرَ الخوَّانا
ستظلُّ نجماً في سماءِ جهادنا *** يا مُقْعَداً جعل العدوَّ جبانا.
إن حركة الحياة لا تتوقف وإن الأيام لتمر وتذهب معها سنوات العمر والإنسان منا في رحلة إلى الدار الأخرة فبأي عمل سنلقى الله؟ وماذا أنجزنا في هذه الحياة؟ وماذا قدمنا من أعمال ترفع درجاتنا عند الله وتكون سبباً في العتق من النار والفوز بالجنة قال - تعالى -: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ") [البقرة (281)].
وإن أمتنا ومجتمعاتنا لتحتاج إلى طاقات جميع أفرادها في جميع مجالات الحياة، العلمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والفنية والعسكرية ولا بد أن نكون أصحاب مشاريع وطموحات وأعمال يتعدى نفعها إلى الآخرين وتتذوق البشرية ثمرتها وتسعد الأمم والشعوب بحسنها وجمالها، كلٌ حسب قدرته وطاقته ولا بد من أن نكون مؤثرين وفاعلين حتى على مستوى الأسرة والمجتمع الذي نعيش فيه والوزارة التي نعمل فيها.. لا أن نبقى سلبيين بدون هدف أو غاية او مشروع أو عمل صالح عندها نرحل ولا يأسف لرحيلنا أحد.. ونرحل ولا يخسر برحيلنا احد... ونرحل ولا يبكي علينا أحد.. ونرحل وقد حرمنا الذكر الحسن والثناء الجميل والدعاء بالرحمة والمغفرة حتى من اقرب الناس إلينا.. نرحل ولا تتبعنا حسنة واحدة فلا يوجد عمل صالح قدمناه أو علم علمناه أو نهرٍ أجريناه أو مسجدٍ بنيناه أو جائع أطعمناه..أو ظلم ٍ رفعناه أو مظلومٍ نصرناه أو حقٍ أديناه أو معروف بذلناه .. فهل أدركت الآن جيداً أنك قد ترحل أيضا ولا نأسف لرحليك.. فاتعظ واعتبر وشمر عن ساعد الجد واجعل بينك وبين الله خبيئة من عمل صالح ينفع الله به البلاد والعباد.. وثق انك قادر وتستطيع ذلك... انتهى...