الوقت الضائع في حياة المسلمين بين سوء التقدير وسوء التدبير من واقع المسلمين
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الوقت الضائع في حياة المسلمين بين سوء التقدير وسوء التدبير من واقع المسلمين

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,577

    افتراضي الوقت الضائع في حياة المسلمين بين سوء التقدير وسوء التدبير من واقع المسلمين

    الوقت الضائع في حياة المسلمين بين سوء التقدير وسوء التدبير من واقع المسلمين
    عدنان علي رضا النحوي



    كثير من الناس يشكون من ضيق الوقت وكثرة الأعمال، ويقدم بعضهم أعذاراً يسوغون بها تقصيرهم في الوفاء بالأمانة المنوطة بهم في مختلف ميادين الحياة، بالأمانة التي وضعها الله في أعناقهم والتي سيحاسبون عليهما يوم القيامة بين يدي العزيز الجبار.
    كثيرون يسوغون عدم تلاوتهم لكتاب الله، أو عدم تدبره ودراسته، أو عدم دعوتهم الناس إلى دين الله، إلى الإيمان والتوحيد أو عدم النصح لهم، أو عدم تعهدهم بالتربية والبناء، أو عدم البذل لدين الله ولدعوته في الأرض، كثيرون يسوغون ذلك بأعذار يوهمون بها أنفسهم، ويخدعون بها آخرين.
    ويتناقض كثير من المسلمين في أعذارهم، فقد تلقى من يجد الوقت لنشاطه لدنياه، للهوه ومتعته، أو لنشاطه الحزبي وانشغاله بتكاليف لم تورث إلا الشحناء والبغضاء على غير طاعة الله، أو لنشاطه في تجارته وجريه اللاهث وراء المال، أو غير ذلك، ثم يزعم أنه لا يجد وقتاً لتدبر كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أو لإتقان لغته ولغة دينه، أو لدعوة الله في الأرض، وأعجب من ذلك أنك قد تسأل أحدهم لم لا يقرأ القرآن ويتدبره، فيقول إن شؤون الدعوة الإسلامية وكثرة أعبائها لم تدع لي وقتاً لذلك، فالعذر دائماً هو ضيق الوقت على مزاعم متناقضة وأعذار واهية.
    لقد غاب عن بال هؤلاء أن الله - سبحانه وتعالى - هو الذي قدر الوقت وحدد تكاليف الأمانة، ليكون الوقت كافياً للإنسان ليؤدي أمانته التي خلق لها، والله - سبحانه وتعالى - هو الذي خلق كل شيء وقدر كل شيء، على حكمة بالغة، واستمع لآيات الله البينات: (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرأوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرأوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضاً حسناً وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) [المزمل: 20].
    نعم! (والله يقدر الليل والنهار)، ثم حدد الله التكاليف هنا بصياغة ربانية عامة جاءت تفصيلاتها وأحكامها في سور أخرى وفي الأحاديث النبوية، وقد جاءت التكاليف العامة على النحو التالي:
    1- (فاقرأوا ما تيسر من القرآن) بمعدل يحدده وسع الإنسان وما يتعرض له من مرض أو سعي في طلب الرزق أو قتال في سبيل الله، فهذا كله لا يعطل تلاوة كتاب الله وتدبره والعمل به، كل على قدر وسعه وطاقته، ومسئوليته وأمانته، ثم جاءت السنة وأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تفصل ذلك، والتلاوة هنا في هذه الآية تعني التدبر والممارسة والتطبيق.
    2- (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) إقامة الشعائر كلها التي أمر الله بها وأشارت إليها الآية الكريمة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم جاءت التفصيلات لإقامة الشعائر في مناهج الله - قرآنا وسنه - كما جاءا باللغة العربية، والإقامة هنا تعني استكمال شروط الشعائر من أحكام وخشوع وصدق إيمان.
    3– (وأقرضوا الله قرضاً حسناً…)، وذلك بإنفاق المال على وجهه الذي أمر الله به، وحمل رسالة الله إلى الناس وتعهدهم عليها وجمعهم على كلمة سواء دون تفرق وتمزق، والجهاد في سبيل الله، وغير ذلك من التكاليف المفصلة في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وجاء مع هذا التكليف العام حث عليه وتشجيع: (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظـم أجـرأ).
    4- (…واستغفروا الله…) وهذه تتطلب محاسبة النفس ومراجعتها، والوقفة وقفة إيمانية لمراجعة النهج والخطة والدرب والتأكد من سلامة ذلك برده إلى مناهج الله الذي يحافظ المسلم على تلاوته وتدبره. وكذلك تأتي تفصيلات التوبة والاستغفار ومحاسبة النفس ومراجعة المسيرة في مناهج الله، حتى لا يبقى عذر لأحد في التقصير أو الإهمال أو النكوص، ما دام البذل قائماً، كل في حدود وسعة وطاقته الصادقة التي سيحاسبه الله عليها: (ولا نكلف نفساً إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون) [المؤمنون: 62].
    واستمع إلى الآيات الكريمة التي توضح أن الله قدر كل شيء خلقه تقديراً ربانياً عادلاً متوازناً، وقدر التكاليف كذلك على أساس من ذلك: (إنا كل شيء خلقناه بقدر…) [القمر: 49]، (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) [الحجر: 21].
    (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار…) [الرعد: 8].
    إذن لابد أن نعي هذه الحقيقة الهامة وهي أن الله - سبحانه وتعالى - قدر الليل والنهار، وقدر التكاليف، وجعل التكاليف في حدود وسع الإنسان وأمانته ومسئوليته، فإذا وجد الإنسان ضيقاً في الوقت فهو من خلل في موازنته وبذله، لا في هذا النظام الرباني الذي قدره الله تقديراً، ولا في التكاليف التي أمر بها.
    كيف لا يضطرب الميزان، وكيف لا يضيق الوقت، حين يعكف الإنسان على أهوائه فيعطيها الوقت الأوسع، أو يمضي في سعيه للرزق يلهث ليل نهار، أو يؤثر الدنيا وزخرفها على الآخرة ونعيمها؟! كيف لا يضيق الوقت ويختل الميزان؟! أما الذين تصدق موازنتهم فقد قال - سبحانه وتعالى - فيهم: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار* ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب) [النور: 37، 38].
    وميزان الدعاة الذين يحملون مسئولية الدعوة يختلف عن ميزان المسلم العادي أو الضعيف، فالداعية ينهض لمسئوليات أوسع تناسب طاقته ووسعه الذي جعل منه داعية لله ولرسوله، هؤلاء الدعاة يعطون الدعوة بخصائصها الربانية، لا بخصائصها الحزبية، جهداً أكبر وبذلاً أعظم، فانظر كيف يصبح الليل والنهار عندهم: (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون) [الذاريات: 17، 18].
    وكذلك نتذكر النبوة الخاتمة وصحابتها الأبرار وهم يقومون الليل ليعدوا أنفسهم لعبء الدعوة إلى الله ورسوله، إلى الإيمان والتوحيد: (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة مـن الذين معك…) [المزمل: 20].
    هكذا يصبح الميزان لدى الدعاة إلى الله ورسوله، لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، إنهم قليلاً من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون، وصورة أخرى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعـون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون) [السجدة: 16].
    هذه قبسات من كتاب الله تصور لنا جانباً من حياة المؤمن الداعية وجانباً من تنظيمه لوقته حتى يوفي بالأمانة الملقاة على عاتقه.
    كيف لا يضيق الوقت حين يريد المسلم أن ينام حتى يطول نومه، ويأكل حتى يشبع من الأكل ويتخم ويتكور بطنه، ويلهو ويتمتع بمباهج الحياة الدنيا حتى يشبع ولن يشبع، ويجمع من المال لاهثاً يأمل أن يقنع ولا يقنع؟!
    كيف لا يضيق الوقت وهو يرى أن شؤون بيته وزوجته وأولاده هي همه الأكبر، أو أن حصوله على الشهادات العليا يزين بها بيته ويرفع بها سمعته، أو أن تجارته وتنمية أرباحه هي واجبه الأكبر، أو أن الوفاء بحقوق الوظيفة وحدها أو السعي لها هي شاغلة الشاغل، ثم يضع مسئوليات الدعوة إلى الله ورسوله آخر ما يفكر فيه أو يبالي به؟! كيف لا يضيق عليه الوقت؟!
    إن الموازنة الأمينة تبتدئ في تحديد مسئولياته وأمانته في هذه الحياة الدنيا كما حددها له مناهج الله، ثم يعطي كل مسئولية حقها على أساس من القواعد الربانية التي فصلها منهاج الله.
    ولكل مسلم دور وواجب ومسئولية، وهنالك حد أدنى من المسئوليات يشترك فيه المسلمون جميعاً، ثم تنمو المسئوليات مع نمو الوسع والطاقة، حتى إذا أصبح المسلم داعية لله ورسوله، منطلقاً من إيمانه وعمله ويقينه، فلا حق له إلا أن يعتبر قضية الإيمان والتوحيد والدعوة لها هي القضية الأكبر والأخطر في حياته، ثم تليها سائر القضايا حسب وزنها ومنزلتها في منهاج الله.
    تحديد المسئوليات والواجبات تحديداً واضحاً هي نقطة الانطلاق في الموازنة الأمينة لتنظيم الوقت، ثم تحديد منزلة كل مسئولية وأهميتها على أساس من ميزان رباني دقيق يفصله منهاج الله.
    لا يوجد في الإسلام إنسان دون مسئولية، فكل فرد مسئول، وكل فرد محاسب بين يدي الله، وكل فرد عليه تكاليف ربانية أمر الله بها في مختلف ميادين الحياة: نحو نفسه، وبيته وأسرته، ووظيفته وتجارته، ودينه ودعوته، وأمته: فعن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) (1).
    ثم تأتي تفصيلات التكاليف في الكتاب والسنة، ثم نظَم الإسلام حياة المسلم اليومية والأسبوعية والسنوية، حدد موعد نومه واستيقاظه وراحته، ووقت سعيه وبذله، ومواعيد الشعائر كلها، ورسم له سياسة إنفاقه وميادين جهاده، رسم له الإسلام منهج حياة متكاملة.
    فعلى المسلم أن يعي هذا النهج ويتدبره ويمارسه بأمانة ووفاء عليه أن يضع على ضوء منهاج الله وعلى ضوء واقعة خُطته الخاصة ليومه وأسبوعه، أو لشهره وسنته.
    على المسلم أن يعرف تكاليفه ومسئولياته، وعليه أن يعي واقعة من خلال منهاج الله، لا من خلال أهوائه وشهواته.
    يتبع



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,577

    افتراضي رد: الوقت الضائع في حياة المسلمين بين سوء التقدير وسوء التدبير من واقع المسلمين

    الوقت الضائع في حياة المسلمين بين سوء التقدير وسوء التدبير من واقع المسلمين
    عدنان علي رضا النحوي


    وإنها مسئولية البيت والمعهد ومؤسسات الأمة، وكذلك الدعوة الإسلامية ودعاتها وجنودها، هؤلاء كلهم مسئولون عن إعداد المسلم وتدريبه على احترام الوقت وتنظيمه، ووضع نهجه وخطته لذلك.
    إن التدريب جزء أساسي رئيس في الإعداد والبناء، إنه جزء رئيس في تربية الناشئة والأطفال، والفتيان، والشباب، على النهج والتخطيط لأمور حياتهم ومسئولياتهم، ومن أهم هذه الأمور احترام الوقت وتنظيمه.
    إنها قضية تقدير أولاً، ثم هي قضية تدبير بعد ذلك، والتقدير علم وإيمان، والتدبير نهج وتخطيط، فإذا وعى المسلم منهاج الله وواقعه وضع خطته على أساس من ذلك، على أساس الركنين الأساسيين في النظرية العامة للدعوة الإسلامية: المنهاج الرباني والواقع.
    وانظر إلى هذا التوجيه الرباني في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فعن أبي هريرة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ((بورك لأمتي في بكورها)) [أخرجه الطبراني في الأوسط] (2).
    وعن صخر بن وداعة الغامدي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((اللهم بارك لأمتي في بكورها)) [رواه أبو داود والترمذي والدارمي وابن ماجه] (3).
    ونظم الإسلام أوقات الصلاة، وأوقات الصيام والإفطار والحج، ونظم وقت العمل والراحة، وربط ذلك كله بالإيمان والتوحيد وبمنهاج الله.
    ولكن إذا غلب الهوى وهاجت الأماني فأنى يكون تنظيم الوقت عندئذ، وكيف يعتدل الميزان؟!.
    لذلك على الدعوة الإسلامية أن تجعل التدريب على الاستفادة من الوقت وتنظيمه عملاً هاماً من أعمالها ومسئولياتها.
    ولقد راعينا خطورة هذه القضية بإثارتها وطرحها في حياة المسلمين، وكذلك بوضع أسس التدريب عليها، فهي مراعاة في خطة (المنهاج الفردي)، وخطة: (منهج لقاء المؤمنين)، وفي النظام الإداري وقواعده، وفي المتابعة والتوجيه والإشراف، ويجب أن تظل هذه القضية هامة وخطيرة في حياة المسلم وحياة الأمة كلها.
    إن جهداً كبيراً في حياة الأمة يُهدر فيما لا طائل تحته، في فوضى ولهو وعبث، وسوء إدارة ونظام، ولقد نشرت دراسات حول طاقة الإنتاج في دول متعددة حول أساس ساعات عمل واحدة، فكانت دول العالم الثالث والعالم العربي الأضعف إنتاجاً، فلو فرضناً أن ساعات العمل ثماني ساعات كانت الإحصائية تشير إلى ساعات الإنتاج واحدة، والساعات الضائعة سبع وأما لدى الدول الأخرى فكانت ساعات الإنتاج قرابة ضعف ساعات العمل أو أقل من ذلك قليلاً، نرى من ذلك الوقت الكبير الذي يهدر في حياة المسلمين، والجهود الكثيرة التي تتبعثر وتضيع، وأثر ذلك في جميع نواحي حياة المسلمين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها.
    إن المذاهب البشرية تقدر الوقت بميزان مادي دنيوي هابط، ولكنه يوفر الحافز المادي للإنتاج، ولعل المثل الشائع يوضح وجهة نظرهم وتقديرهم للوقت، فهم يقولون: "الوقت مال، الوقت من ذهب".
    أما الإسلام فينظر للوقت نظرة أخرى، نظرة أسمى وأصدق وأعدل، إن المال الذي يضيع منك قد ييسر الله لك استعادته بفضله وعونه، وأما الدقيقة التي تمر فلن تعود ولن تستعاد، فهذه سنة الله في الزمن في الحياة الدنيا، وأما قضاؤه فيه في الآخرة فهو أول ما يحاسب عليه العبد بين يدي ربه: فعن عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا تزولا قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبـه وفيم أنفقـه، ومـا ذا عـمل فيما علم)) (4).
    ولا يريد الإسلام من أبنائه أن يهدر الوقت في اللهو والسمر الضائع، كما يحدث في واقعنا اليوم، حتى درج على الألسنة أن يقول الرجل لصاحبه: "تعال نقتل الوقت أو نضيع الوقت"! ويقتل الوقت فعلاً بالنرد ولعب الورق وغيرها مما لا يقدم للأمة خيراً وهي في أسوأ مراحل تاريخها، إنهم لا يقتلون الوقت، ولكنهم يقتلون الأمة ويقتلون أنفسهم.
    إن الإسلام يريد من أبنائه أن يروحوا عن أنفسهم بين الحين والآخر، حتى يستعيد المسلم نشاطه وقوته، دون أن يبالغ في الترويح عن النفس حتى يضيع الوقت أو يقع في الإثم.
    فعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب)) (5).
    ونهى الإسلام عن كل ما يضيع وقت المسلم: نهى عن الجدل والقيل والقال، والشقاق والتدابر والشحناء، ودعا الإسلام إلى كل ما يجمع الجهود ويصون الوقت: دعا إلى التعاون والحب الصادق في الله والنصيحة والموازنة وغير ذلك من قواعد الإسلام، بل إن قواعد الإسلام كلها تدعو إلى الاستفادة من الوقت في طاعة الله: فعن عبد الله بن بسر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لا يزال لسانك رطباً بذكر الله)) (6).
    وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه، كانت عليه من الله تِرَة، ومن اضطجع مضجعاً لا يذكر الله فيه، كانت عليه من الله ترة)) (7).
    وذكر الله هو العمل الصالح الذي يخلص الإنسان فيه لله رب العالمين، وهو الكلمة الطيبة والتوبة والاستغفار والدعاء كله، وأداء الشعائر والسعي الصالح في الأرض، والدعوة إلى الله ورسوله، والتعهد والتربية، كل ذلك هو من ذكر الله.
    وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكره النوم بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر وقبل صلاة العشاء، وكان يكره الحديث بعد صلاة العشاء إلا لحاجة وخير، وكان يقوم الليل حتى تتورم قدماه.
    حين حرص المسلمون على الوقت، ونظموا حياتهم كما يأمرهم الإسلام أنجزوا ما لم تنجزه أمة في التاريخ، ففي حدود عشرين عاماً منذ بدء الدعوة الإسلامية دانت الجزيرة العربية كلها للإسلام، وأخذ المسلمون يستعدون للتصدي للظالمين المعتدين من الرومان والفرس، ثم امتدت الدعوة في الأرض شرقاً وغرباً وشمالاً خلال فترة قصيرة توالت الانتصارات فيها.
    لقد كان من جملة ما تميز به الصف المؤمن آنذاك الإدارة والنظام، وتنظيم الوقت والجهد، فالإدارة والنظام عامل رئيس لاحترام الوقت والاستفادة منه، والإدارة والنظام قاعدة رئيسية في الإسلام ومنهجه فالشعائر كلها مرتبة عل أساس ذلك، وعلى أساس تنظيم الوقت في حياة المسلمين.
    إذا نظرنا في واقعنا اليوم نجد الجهد الضائع والوقت الضائع في حياة المسلمين يمثل حجماً كبيراً، تجد العدد الكبير من الناس جالساً في كثير من الدوائر ينتظر إنهاء معاملته، وتجد الموظفين الذين يقتلون وقتهم بقراءة الصحف والاسترخاء والعبث دون المبالاة بالوقت الضائع منهم ومن أصحاب الحاجات.
    ثم تجد الارتجال والسلوك غير الواعي في تعطيل أنشطة الأمة ومصالحها تحت شعارات الوطنية، لقد بلغ عدد أيام الدراسة في بعض الأقطار خمسة وأربعين يوماً فقط خلال السنة كلها، وباقي الأيام ذهبت في المظاهرات واللهو والصخب والعبث، دون أن يعود ذلك على الأمة بشيء من الخير، ونحن اليوم نحصد ما نلقاه من هزائم وهوان، لم يكن إلا حصاد سنين طويلة مرت بنا ضاع فيها الجهد وضاع فيها الوقت.
    لقد أصبحت بعض الكلمات لا تحمل في ذهن المسلم اليوم معناها الحق، فالخير والعمل الصالح والإحسان وغير ذلك أصبح يعني العمل الارتجالي المقطوع عن سائر أعمال المسلم، المنعزل عما قبله وعما بعده، فقد الهدف والنهج، وانحصر في حياة الفرد معزولاً عن الأمة.
    إن العمل الصالح هو عمل منهجي مرتبط بحياة الفرد كلها، مرتبط بالأمة، يتكامل من خلال النهج لتعظم بركته بفضل الله، يعرف الهدف الممتد من الدنيا للآخرة، إن العمل الصالح يحرص على الوقت والإدارة والنظام على أساس من صدق الإيمان وصدق العلم بمنهاج الله والعلم بالواقع.
    إن الأمة التي تنظم نفسها من خلال إدارة واعية ذكية يرتبط عمل الفرد فيها بالأمة ومنهجها وأهدافها، ولا يبقى عملاً فردياً معزولاً، فتترابط الجهود كلها وتنمو البركة ويعم الخير.
    لذلك نعيد وتؤكد أهمية الوقت في الإسلام وأهمية تنظيمه في حياة الأمة، ونؤكد مسئولية الدعوة الإسلامية على تدريب أبنائها على احترام الوقت، والاستفادة منه على أحسن وجه ممكن من خلال الإدارة والنظام والنهج والتخطيط.

    ـــــــــــــــ ـــــ
    (1) صحيح الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير)، ط3 (4 / 183/ 4445)، أحمد: الفتح (23 / 17)، مسلم (33 / 5 / 1829)، وأخرجه البخاري في كتب الجمعة والوصايا وغيرهما، والترمذي في الجهاد.
    (2) صحيح الجامع الصغير وزيادته حديث رقم (2838).
    (3) صحيح الجامع الصغير وزيادته حديث رقم (1311).
    (4) صحيح الجامع الصغير وزيادته. رقم (7176).
    (5) صحيح الجامع الصغير وزيادته رقم (7312).
    (6) صحيح الجامع الصغير وزيادته رقم (7700).
    (7) صحيح الجامع الصغير وزيادته رقم (6477)

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •